هذا فصبر: في هذا الحديث «١» جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم، ليحذروا القائل اهـ.
وأخرج أسيد بن موسى في كتاب: فضائل الشيخين عن الحر قال: كان لعمر عيون على الناس.
عجيبة في فوائد المناصحة في فعل المصافحة، للعلامة الصالح أبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي: أخبرني سيدي علي بن بلقاسم البطيوي قال: بلغنا بأن الشيخ ابن غازي قد عيّن بعض أصحابه أن يكتب له كل ما جرى في البلد، وما قال وقيل من خميس إلى خميس، فيطالع ذلك. ويكون ذلك يوم الخميس الذي تفرّغ فيه من التدريس، فحمل هذا من الشيخ ابن غازي على معرفة الزمان وأهله المأذون فيه، أو المكلف به، لما تقرر أن من لم يعرف الزمان الخ كلامه، ومن خط مؤلفها نقلت.
وفي المحاضرات للشيخ أبي علي اليوسي أن الأمير محمد الحاج الدلائي حدثه عن الحافظ أبي العباس المقري، أنه كان يوم مقامه بمصر، قد اتخذ رجلا بنفقته وكسوته، وما يحتاج على أن يكون كلما أصبح ذهب يخترق البلد، أسواقا ومساجد ورحابا وأزقة، وكلما رأى من أمر وقع أو سمع يقصه عليه في الليل اهـ.
لا شك أن ابن غازي والمقري، لو ظهرت الجرائد في أيامهما لكانا أول المشتركين فيها، وكان الاشتراك عليهما في عشرة من الجرائد يومية مثلا أهون من نفقة الرجل المذكور وتوابعه والله أعلم.
وفي الدرر المرصعة في صلحاء درعة، لأبي عبد الله محمد المكي بن موسى الناصري، في ترجمة الإمام السني القدوة أبي العباس أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي، عن بعض تلاميذه قال: كان الشيخ كثير السؤال والفحص عن أحوال الناس ومجرياتهم في الأقطار والمدائن، وكان يسألني عن ذلك كثيرا قال فقلت مرة في نفسي: ما للشيخ وما للأخبار؟ لو اشتغل بصلاته وصيامه وسبحته كان أحسن له من هذا. قال فلقيني بعد ذلك بقريب وقال لي: المؤمن يسأل عن إخوانه المسلمين وعن أحوالهم، فمن كان في خير دعا له بالزيادة والهناء، ومن كان في شر وفقر دعا له بخير ورحمة. قال صاحب الدرر: وكان على هذا القدم العارف الشعراني.
وفي ترجمة عثمان من طبقات ابن سعد عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يحدث الناس يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار، وأخرج أيضا عن موسى قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة فيجلس على المنبر، فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم وعن قوامهم وعن مرضاهم، ثم إذا سكت المؤذن
стр. 282
قام يتوكأ على عصا فيخطب، ثم يجلس جلسة فيبتدىء كلام الناس فيسائلهم كمسألته الأولى ثم يقوم فيخطب ثم ينزل ويقيم المؤذن.
باب في المخذل
(خذّل [عنه] أصحابه تخذيلا، أي حملهم على خذلانه، والخذلان ضد النصر.
والمراد به من يشتت الجموع بدهائه وسياسته) .
«ذكر ابن حزم في الجمهرة نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي فقال فيه: هو الذي شتت جموع الأحزاب. وفي الاستيعاب: أسلم في الخندق، وهو الذي خذّل المشركين ببني قريظة، حتى صرف الله كيدهم، وخبره في تخذيل المشركين وبني قريظة عجيب في السيرة» .
وقصة نعيم مبسوطة في ترجمته من طبقات ابن سعد؛ انظر ص ١٩ ج ٤.
وفي الإصابة هو الذي أوقع الخلف بين الجيشين قريظة وغطفان في وقعة الخندق، فخالف بعضهم بعضا، ورحلوا من المدينة.
وفي مبحث فصاحته ﷺ من المواهب، وقوله ﵇: الحرب خدعة. رواه البخاري «١» ومسلم، عن أبي هريرة قال سمى النبي ﷺ : الحرب خدعة وليس عند مسلم سمى. وقوله خدعة مثلث الخاء أشهرها فتح الخاء وإسكان الدال. قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي ﷺ ، والثانية ضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة ضم الخاء وفتح الدال. وقد قال ذلك النبي ﷺ يوم الأحزاب؛ لما بعث نعيم بن مسعود، وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى أن المماكرة أنفع من المكاثرة اهـ.
وقصة نعيم الأشجعي المذكور أنه أتى بني قريظة، وكان نديما لهم فقال: قد عرفتم ودي لكم، قالوا: صدقت قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان، جاؤا إلى حرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، لأنهم إن رأوا ثمرة أصابوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به إن خلابكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم أتي قريشا فقال: قد عرفتم ودي وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر، رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم. إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا بذلك إلى محمد وقالوا: يرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك حتى تستأصل باقيهم، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك. فأرسلوا إلى بني قريظة
стр. 283
عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فقالت القبيلتان: إن الذي حدّثكم به نعيم لحق، وأرسلوا إليهم: لا ندفع إليكم رجلا واحدا. فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق.
قال ابن باديس: يؤخذ منه جواز مخادعة العدو، والتحيل في دفع ضرره على المسلمين، لقوله لنعيم: خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة وإذا أبيح كلام الخير في الصلح بين الاثنين من المسلمين، وإن لم يقله أحد منهما تأليفا للقلوب، فما بالك بمحق الكفار وحقن دماء أهل النصرة والدار، الباذلين أنفسهم في إظهار دين الله وسنة نبيه المختار، فهو من باب النصح للمسلمين والأمانة، لا من باب الكذب والخيانة اهـ.
وخرّج ابن أبي حاتم في العلل عن النوّاس بن سمعان قال: بعث النبي ﷺ سرية فقال: تهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، إن كل كذب مكتوب كذبا لا محالة، إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة.
وفي التوشيح على قوله ﵇: الحرب خدعة بنقط حاء مثلث أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن، وقال ابن المنير: أي الحرب الكاملة في مقصودها، البالغة إنما هي مخادعة، لا مواجهة. وذلك لخطر المواجهة، وحصول الغرض: الظفر بالمخادعة بلا خطر اهـ.
زاد أبو الحسن الدمنتي في اختصاره للتوشيح: أخبرني بعض علماء القسطنطينية أنهم قالوا للنصارى: إنا غلبناكم بالسلاح، وإنما غلبتم أنتم ملوكنا بحيلكم، وتزيين الملاهي والمحرمات، فاتبعوكم بإفساد الدين. فقالوا لهم: أليس بصحيح إخبار نبييكم: الحرب خدعة قلنا نعم. قالوا إذا إنما غلبناكم بشرعكم الخدعة اهـ.
باب في النمام
ترجم في الإصابة لمسعود «١» فذكر أن ابن أبي شيبة، أخرج عن عروة قال: كان من أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له مسعود، وكان نماما، فلما كان يوم الخندق بعثه أهل قريظة إلى أبي سفيان أن إبعث إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، وتقاتله أنت مما يلي الخندق، فشق ذلك على رسول الله ﷺ لما بلغه أن يقاتل من جهتين، فقال: يا مسعود، نحن بعثنا إلى بني قريظة أن يرسلوا إلى أبي سفيان، فيرسل إليهم رجالا فإذا أتوهم، مكنوا منهم فقتلناهم، فلم يتمالك مسعود لما سمع بذلك أن أتى أبا سفيان فأخبره فقال: صدق والله محمد ما كذب قط، فلم يرسل إلى بني قريظة أحدا. قال الحافظ: وفي هذه القصة شبه بقصة نعيم بن مسعود الأشجعي والله أعلم اهـ.
стр. 284
باب في استعمال السفن البحرية وفيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول الله ﷺ
«وقع في السيرة ذكر عدة سفن استعملها الصحابة في العهد النبوي، بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، سنة ست إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأرسل إليه كل من أقام بأرض الحبشة من الصحابة، حين بعث فيهم رسول الله ﷺ إلى النجاشي وجعلهم في سفينتين، فقدم بهم عليه وهو في خيبر، منهم جعفر بن أبي طالب، وحمل معه في السفينة نساء من هلك هناك من المسلمين، وركب أبو موسى الأشعري وإخوانه وقومهم في هجرتهم إلى رسول الله ﷺ ، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة، فوافوا جعفر بن أبي طالب، وأصحابه عنده، فأقاموا معه حتى قدموا جميعا والقصة في الصحيح «١» .
وفي الموطأ «٢» عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا الماء القليل، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر قال:
هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وهو في جامع الترمذي وغيره أيضا.
وأخبر النبي ﷺ فقال: إن ناسا من أمتي يركبون البحر غزاة في سبيل الله، ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، قال ذلك في بيت أم حرام بنت ملحان كما في الموطأ «٣» ، فقالت أدع الله إن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين، فركبت البحر في زمن معاوية، ونزلت في جزيرة قبرس ودفنت هناك» .
الحديث الأخير بوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد «٤» : باب غزو المرأة في البحر، وساقه بلفظ: ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرة، فقالت ابنة ملحان يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فال: أنت مع الأولين ولست من الآخرين قال أنس فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت.
نقل الحافظ عن موطأ ابن وهب عن ابن لهيعة: أن معاوية أول من ركب البحر للغزاة اهـ ونحوه للحافظ أيضا على باب ركوب البحر من كتاب الجهاد أيضا، انظره وفي جامع العتبية قال مالك: استأذن معاوية بن أبي سفيان عمر بن الخطاب في ركوب البحر فأبى أن يأذن له، فلما ولي عثمان كتب إليه يستأذنه فأبى، ثم رد عليه فكتب إليه عثمان: إن كنت
стр. 285
تركب بأهلك وولدك فاركب فقد أذنت لك، فركب معاوية ومعه امرأته بنت قرظة [بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف] ، وفيها أيضا قال مالك: أمّر عثمان بن عفان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان: «عمرا على البر، ومعاوية على البحر وإذا اجتمعا فمعاوية الأمير، فلما بلغا رأس مغزا هما أرسل معاوية إلى عمرو أن يأتيه فأبى، فأرسل يعزم عليه فقال عمرو: أنا أعزم على نفسي أن لا آتيك. فقال معاوية: أدن مني على شاطىء البحر فأتى عمرو على قوس فكلمه ما شاء الله، فقال له معاوية: أفشات أنت فقال: قافلون.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: وقع هذا في موطأ ابن وهب، وإنما لم يأت عمرو ومعاوية إذ عزم عليه في الإتيان إليه، من أجل أنه من حيث لم يجعل له عليه عثمان أمرا، ولعله قد كانت له في الإتيان إليه مشقة، ولما سأله أن يدنو منه أجابه لذلك لخفة الأمر اهـ وفي الخطط للمقريزي، لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر، وأول من ركب البحر للغزو العلاء بن الحضرمي، وكان على البحرين من قبل أبي بكر وعمر، فأحب أن يؤثر في الأعاجم أثرا يعز الله به الإسلام على يديه، فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك، وفرقهم أجنادا على أحدهم الجارود بن المعلّى، وعلى الثاني سوار بن همّام، وعلى الثالث خليد بن المنذر بن ساوى، وجعل على عامة الناس خليدا فحملهم في البحر إلى فارس، بغير إذن عمر بن الخطاب، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازيا كراهية للتغرير بجنده، فلما فتح الله الشام ألحّ معاوية بن أبي سفيان، وهو يومئذ على جند دمشق والأردن- على عمر في ركوب البحر، ثم لما كانت خلافة عثمان غزا المسلمون في البحر. وكان أول من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الحارثي حليف «١» بني فزارة، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية وصائفة في البر والبحر، ولم ينكب فيه.
وغزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح في البحر، لما أتاه قسطنطين بن هرقل عام ٣٤، في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار عبد الله في مائتي مركب أو يزيدون شيئا، وحاربه فكانت وقعة ذات الصواري فهزم قسطنطين وقتل جنده.
وأغزى معاوية عقبة بن عامر الجهني في البحر، وأمره أن يتوجه إلى رودس فأتى إليها.
وقد ذكر شيخنا ولي الدين ابن خالدون تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أول الأمر: أن العرب لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه، فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم العجم خولا لهم، وتحت أيديهم وتقرّب كل ذي صنعة إليهم، تاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه، وانشأوا السفن وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأمدوها بالعساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا لذلك من
стр. 286
ممالكهم وثغورهم، ما كان أقرب إلى هذا البحر، وعلى ضفته مثل: الشام وأفريقية والمغرب والأندلس الخ.
وقال الشيخ أبو راس المعسكري في الحلل السندسية: على قوله ﵇ لأم حرام: أنت من الأولين أي وهم من الآخرين، وهم الذين ركبوا لغزو الأندلس مثل:
طريف، وطارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين وابنه علي، وعبد المؤمن بن علي، وابنه وابن ابنه ويعقوب بن عبد الحق. فقد أعطي ﵇ جوامع الكلم اهـ.
وقال الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته التي ذكر فيها فضائل علماء الأندلس: لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله ﷺ بشّر به ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرة في الحديث، الذي رويناه من طريق أنس بن مالك أن خالته أم حرام حدثته عن النبي ﷺ ، أنه أخبرها بذلك، لكفى شرفا بذلك، يسرّ عاجلة ويغبط آجله، فإن قال قائل: لعله ﷺ إنما عنى بذلك أهل صقلية واقريطش [كريت] وما الدليل على ما ادعيته من أنه ﷺ عنى الأندلس حتما، ومثل هذا من التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع؟ فالجواب أنه ﷺ : قد أوتي جوامع الكلم، وفصل الخطاب، وأمر بالبيان لما أوحي إليه، وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج البحر، غزاة واحدة بعد واحدة، فسألته أم حرام أن يدعو ربه أن يجعلها منهم، فأخبرنا ﷺ ، وخبره الحق أنها من الأولين. وهذا من إعلام نبوته ﷺ ، وهو إخباره بالشي قبل كونه، وصح البرهان على رسالته بذلك، وكانت من الغزاة إلى قبرس، وخرّت عن بغلتها فتوفيت هناك. وهي أول غزاة ركب فيها المسلمون البحر، فثبت يقينا الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم ﷺ ، وكانت أم حرام منهم، كما أخبر صلوات الله عليه، ولا سبيل أن يظن به، وقد أوتي من البلاغة والبيان أن يذكر طائفتين قد سمى إحدا هما أولي إلّا والتالية لها ثانية، فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد وهذا مقتضى طبيعة صناعة المنطق، إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية، ولا الثانية ثانية إلا لأولى، فلا سبيل لذكر ثالث، إلا بعد ثان ضرورة الخ. كلامه. وانظر بقيته في الرسالة المذكورة، وهي مثبوته في نفح الطيب أول المجلد الثاني.
وفي تاريخ الخميس للديار بكري: لما تكلم على ما نقم الناس على سيدنا عثمان قال: السادس زعموا أنه حمى البحر؛ أن لا تخرج منه سفينة إلا في تجارته. جوابه: أما حمى البحر فعلى تقدير صحته يحمل على أنها كانت ملكا له، لأنه كان منبسطا في التجارات متسع الحال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه هـ ففيه أن عثمان كانت له سفن بحرية للتجارة.
وترجم في الإصابة لبسر بن أرطاة فذكر أنه ولي البحر لمعاوية، فأخذ من ذلك أن إمارة البحر في زمن معاوية ضبطت وتوسع أمرها.
وفي صناجة الطرب في تقدمات العرب: لما كان عهد معاوية بن أبي سفيان أذن
стр. 287
للمسلمين في ركوب البحر، والجهاد على أعدائه، فاستخدموا حينئذ من النوتية، في حاجاتهم البحرية أمما تكررت ممارستهم للبحر، وأنشأوا السفن والشواني، جمع شونة، وهي مركب البحر إلى أن بلغت في أيامه ألفا وسبمعمائة مشحونة بالرجال والسلاح، اهـ ص ٣٢٧.
وفي تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار، للقس هنري لامنس اليسوعي، ص ١٨٤ ذكر تاوفانوس المؤرخ أن معاوية أول خلفاء بني أمية، ابتنى ١٧٠٠ سفينة شراعية، واتخذ أعوادها من جبل لبنان، ولم تمض سنوات قليلة بعد ذلك حتى جهز أيضا أسطولا ثانيا أكثر عددا وأشد هولا من الأول اهـ منه «١» .
تنبيه: لعلي بن حرب العراقي كتاب البحار، نقل عنه الحافظ في الإصابة؛ انظر سلامه العذري ص ٦٠ ج ٢ ولبعض المعاصرين المصريين كتاب: سفن الأسطول الإسلامي، وتاريخها وأنواعها وأوصافها. وهو مطبوع.
باب في صانع المنجنيق التي ترمى بها الحجارة معربة
قال الخفاجي في نسيم الرياض: وهو بفتح الميم وكسرها آلة لرمي العدو بحجارة كبيرة بأن يشد سوار مرتفعة جدا من الخشب يوضع عليها ما يراد رميه، ثم تضرب سارية توصله لمكان بعيد جدا، وكانت هذه الآلة قديما قبل اختراع المدافع والبارود اهـ.
«في السير أنه ﷺ حاصر أهل الطائف، ورماهم بالمنجنيق. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق أهل الطائف» .
قلت: وبذلك جزم أيضا السيوطي في أوائله فقال: أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام في غزوة الطائف وفي الكامل لابن الأثير أشار به سلمان الفارسي، وفي نور النبراس؛ حديث نصب المنجنيق على أهل الطائف هو مرسل، وهو في الترمذي كذلك، وقال: ضعيف ولكن هو في البيهقي من رواية أبي عبيدة.
وفي الميزان في ترجمة عبد الله بن خراش أن له عن العوام عن إبراهيم التيمي عن أبيه أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف «٢» .
أقول: صنع المنجنيق وحفر الخندق وإيجاد الدبابات، من علم الآلات الحربية التي عرفها العرب، ودوّنوا فيها.
وقال ابن الأكفاني في إرشاد القاصد: علم الآلات الحربية علم يتبين منه كيفية إيجاد
стр. 288
الآلات الحربية، كالمجانيق وغيرها ومنفعته شديدة الغناء في حماية المدن، ودفع الأعداء ولموسى بن شاكر فيه كتاب مفيد اهـ.
وذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن جذيمة الأبرش التنوخي آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من اتخذ المنجنيق ووضعه على الحصون.
باب في الدبابات
(الدبابة بفتح الدال المهملة مخففة عن تاء التأنيث، آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون إلى الأسوار ينقبون) قال في القاموس: الدبابة تتخذ للحروب فيدفع في أصل الحصن فيشنون وهم في جوفها اهـ وهي بيت صغير تعمل للحصون، يدخلها الرجال فينقبون من داخلها، ويكون سقفها حرزا لهم من الرمي اهـ.
«في كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل: أول دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين حاصرها رسول الله ﷺ » .
وفي طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد ثقيف: ولم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار الطائف كانا بجرش يتعلمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبابات الخ.
قلت: جرش: كما في القاموس بلد بالأردن قرب عمان، وكزمر: مخلاف باليمن منه الأديم، والعرّادات قال فيه أيضا: شيء أصغر من المنجنيق، وفي كتاب أقضية رسول الله ﷺ لابن الطلاع، في السير: أول من رمى بالمنجنيق رسول الله ﷺ أهل الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة، ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه اهـ منه.
باب في القوم يحرقون الأشجار ويقطعونها
«في صحيح مسلم «١» عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ حرّق نخل بني النضير، فأنزل الله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: ٦] » .
باب في حفر الخندق الحفير
« (وخندق ما حوله حفر خندقا) ذكر ابن إسحاق في السيرة خبر اليهود الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وأن النبي ﷺ لما سمع بهم، وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ ؛ ترغيبا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون.
وذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده؛ أن رسول الله ﷺ ؛ خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون والأنصار
стр. 289
في سلمان ﵁ وكان رجلا قويا فقال المهاجرون: منا وقال الأنصار: منا فقال رسول الله ﷺ : منا أهل البيت.
«وفي سيرة ابن إسحاق أنه ﷺ ضرب معهم، وحفر بنفسه الكريمة، وأقبل فوارس من قريش حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
«وفي ترجمة سلمان من الاستيعاب ص ٥٧٢ من ج ٢ أن سلمان هو الذي أشار به، وأن أبا سفيان هو الذي قال: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وفي نفحة الحدائق: أول من ضرب الخندق في الإسلام رسول الله ﷺ على المدينة» .
وقال: السهيلي أيضا: اتخاذ الخندق من مكايد الفرس في الحروب، ولذلك تفطن سلمان وأشار به، والفرس أول من خندق «١» وبختنصّر أول من اتخذ الكمائن. ويدل ذلك على جواز مثل هذا في التحرز من العدو، والأصل فيه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦١] اهـ نقله ابن باديس.
وفي ذلك أعظم دلالة، على أن المماليك والدول التي لا تنسج على منوال مجاوريها، فيما يتخذونه من الآلات الحربية، والتراتيب العسكرية والأنظمة العلمية والعملية الصناعية والزراعية، يوشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين، فحال نبينا الكريم كان يقضي بأخذه بالأحسن والأنفع في كل باب، سواء كان قومه يعلمونه ويعملون عليه أم لا، ولذلك ثببت أنه قال لعاصم بن ثابت: من قاتل فليقاتل كما يقاتل.
وقال الحافظ ابن تيمية في رسالة عموم بعثته ﵇: ثبت عنه ﷺ أنه أمر بقتال الترك، وأن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية ولكن قوتلوا بالقسي العربية التي تشبه قوس القطر فلم تغن شيئا؛ بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم، فلا بد من قتالهم بما يقهرهم، وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب: إن العدو إذا رأيناهم لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة فقال: وأنتم فالبسوا كما لبسوا، وقد أمر النبي ﷺ أصحابه في عمرة القضاء بالرّمل والاضطباع، ليرى المشركون قوتهم، وإن لم يكن هذا مشروعا قبل هذا، ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا اهـ.
ويوضح هذا ما تضمنته وصية الصديق، لخالد بن الوليد حين بعثه لقتال المرتدين فقال: يا خالد، عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك، إلى أن قال: ثم إذا لاقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، قال في أقوم المسالك: ولو أدرك هذا الزمان لأبدل ذلك بذكر المدفع، والقنابل والسفينة المدرعة ونحو ذلك من المخترعات، التي تتوقف عليها المقاومة، ولا يتحصل بدونها الاستعداد الواجب شرعا الذي يلزم معرفة قوة المستعد له، والسعي في تهيئة مثلها أو خير منها، ومعرفة الأسباب المحصلة له اهـ.
стр. 290
ولأبي عبد الله محمد بن عبد القادر الكردودي الفاسي كتاب: «كشف الغمة في أن حرب النظام واجب على هذه الأمة» وهو مطبوع بفاس.
وقد قال الزرقاني في شرح المختصر لدى قوله ونلتم نقلا عن العز بن عبد السلام:
ليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، بل ما خالف فيه شرعنا، وقد حفر ﷺ الخندق ولم تكن العرب تعرفه، ومدح قسيّ العجم وقال: هم أقوى منكم رميا اهـ.
وقال المواق في سنن المهتدين: كنت أبحث لأهل الفحص في لبسهم الرندين، كما قال مالك في المظال: ليست من لباس السلف وأباحها لأنها تقي من البرد، يعني فأفتيت بإباحتها، فشنّع عليّ في ذلك فكان من جوابي أن قلت: الرندين ثوب رومي يضمحل التشبه فيه بالعجم في جنب منفعته، إذ هو ثوب مقتصد ينتفع به ويقي من البرد، ونص من أثق به من الأيمة إنه: ليس كل ما فعلته الأعاجم نهينا عن ملابسته، إلا إذا نهت عنه الشريعة، ودلت القواعد على تركه، والمراد بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم أتباع الأكاسرة في ذلك الزمن، ويختص النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا وأما ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة في شرعنا فلا نترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه، لأن الشرع لا ينهى عن التشبه بفعل ما أذن الله فيه، فقد حفر ﷺ الخندق على المدينة، تشبها بالأعاجم حتى تعجب الأحزاب منه، ثم علموا أنه بدلالة سلمان الفارسي الخ كلامه.
وانظر تحديد الأسنة في الذب عن السنة لشيخنا الأستاذ الوالد ﵁.
وفي حواشي الشمس بن عابدين على الدر المختار نقلا عن الذخيرة من كبار كتب الحنفية قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت أترى بهذا الحديد بأسا قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك لأن فيه تشبها بالرهبان، فقال: كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس لها شعر، وإنها من لباس الرهبان، قال:
فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا يضر، فإن الأرض مما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع اهـ منه ص ٤٣٨ الجزء الأول.
وفي الزرقاني على المختصر لدى قوله: ونلتم عن بعضهم نهى النبي ﷺ العرب عن التشبه بالعجم، ولم يأت أنه نهى وافدا عليه من العجم عن زيهم وندبهم إلى زي العرب قال بعضهم: ومن هذا المعنى أن ما وافق الجاهلية ولم يرد نهي شرعنا عنه «١» ، وصلة الناس أرحامهم في المباحات في النيروز والمهرجان، وقال مالك: لا بأس بلباس البرانس، وليست من لباس السلف.
أبو عمر: الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يثبت النهي اهـ منه. وجعل الشيخ بناني قولة مالك في البرانس التي ذكر ز محرفة، وأن مالكا قال: إنها من لباس السلف، ولعل الموضوع مختلف.
стр. 291
تنبيه قال الشيخ أبو سالم العياشي في كتابه الحكم بالعدل والإنصاف أن المواق في كتابه سنن المهتدين كسر شوكة من يرى أن كل ما لم يكن في الصدر الأول بدعة، وأن كل ما خالف المشهور ضلالة، ولم نزل نسمع من شيخنا أبي محمد عبد القادر الفاسي، أن المواق قصد تسهيل الأمر على الناس فيما ذكره ابن الحاج في مدخله من التشديد، وادخال كثير مما عملت به الأمة من القرب في حيز البدعة، حيث لم يكن في الصدر الأول مع أنها قد قال بها بعض الأيمة، وربما كان لها أصل في السنة، ولو ضعيفا. وأخذ من حديث أو فعل من أفعاله ﵇ أو حال من أحواله ولو من وجه بعيد، وكل ذلك يصدق عليه أنه مأخوذ منه ﵇. والنسبة تقع بأدنى شيء، والناس أطوار، وكلهم مستمد منه ﵇ فالقوي من قوته وصريح مقاله، والضعيف من مفهوم مقاله وإشارات بعيدة تؤخذ من بعض كلماته أو فعلاته ﵇، ولا يضل كل الضلال في جميع المسائل إلا من قطعت بينه وبينه ﵇ كل العرى والوسائل اهـ منه.
باب في صاحب المغانم وفيه ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى قسمت يوم بدر
«قال ابن إسحاق في أخبار يوم بدر: وجعل رسول الله ﷺ على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف. وقال ابن حزم في الجماهر ٤١١- ٣١٢ محمية بن جزء الزبيدي وقال: ولّاه رسول الله ﷺ الغنائم يوم بدر. وقال القضاعي في كتاب الأنباء: كان في يوم حنين من السبايا ستة آلف، ومن الأبل والغنم ما لا يدرك عدده، وروى ابن فارس «١» في كتابه مسند الزهري عن سعيد بن المسيب، أن النبي ﷺ : سبى يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام، فجعل رسول الله ﷺ عليهم أبا سفيان بن حرب» .
وقد سبق لنا استدراك أن بديل بن ورقاء أمر المصطفى ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه.
باب في ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى ﵇
في العقد الفريد لابن عبد ربه: وكان معيقيب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي ﷺ اهـ انظر ص ١٤٤ من الجزء الثاني.
ذكر من تولى بيع ما احتيج إلى بيعه من المغانم
«ذكر أبو القاسم خلف بن بشكوال، في كتابه الذي ألفه في تفسير ما استعجم، من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة عن مالك قال: أمر رسول الله
стр. 292
صلى الله عليه وسلم السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغانم بذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا أو كل أربعة بثلاثة عينا فقال لهما رسول الله ﷺ : أربيتما فردا، قال ابن بشكوال السعدان المذكوران أولى ما قيل فيهما سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة» .
باب في هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم
ترجم الحافظ للقيم الدجاج فقال: ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان وقال: إنه مدح المصطفى ﷺ في غزاة خيبر بشعر، فوهب له النبي ﷺ دجاج خيبر عن آخرها، فمن حينئذ قيل له: لقيم الدجاج «١» ذكر ذلك أبو عمرو الشيباني، والمدائني عن صالح بن كيسان، قال الحافظ: قلت: قصته مذكورة في السيرة لابن إسحاق لكنه قال ابن لقيم فيحتمل أن يكون وافق اسمه اسم أبيه.
باب في صاحب الخمس
قال ابن عبد البر: كان على غنائم النبي ﷺ يوم بدر عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري، وكان على خمس رسول الله ﷺ في غيرها. وفي صحيح مسلم من كتاب الزكاة؛ في ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة فقال: عن محمية بن جزء استعمله رسول الله ﷺ على الأخماس. انظر ترجمته من الإصابة. [ج ٣، ص ٣٨٨] .
باب في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنئونه به
«قال ابن إسحاق في أخبار بدر: وبعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة مبشرا إلى أهل العالية (ما كان من جهة نجد من المدينة) . وفي طبقات ابن سعد: والعالية بنو عمرو بن عوف وخطمة ووائل بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة (السافلة ما كان من جهة تهامة) . قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه وما معه من المسلمين» .
ترجم البخاري في كتاب الجهاد: باب البشارة في الفتوح «٢» ثم خرّج أن المصطفى ﵇ وجه جرير بن عبد الله البجلي لهدم صنم ذي الخلصة المسمى كعبة اليمانية، وفيه أنه لما هدمه أرسل إلى النبي ﷺ يبشره، ثم ترجم باب ما يعطى للبشير، فذكر أن كعب بن مالك أعطى ثوبين حين بشر بالتوبة.
باب الطعام عند القدوم
هكذا بّوب البخاري آخر كتاب الجهاد، فذكر فيها عن جابر أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة، ثم ذكر عن جابر أن النبي ﷺ اشترى منه بعيرا بأوقيتين
стр. 293
ودرهم، أو درهمين فلما قدم صرارا (موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق) أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا منها. قال ابن بطال: فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف، ويسمى النقيعة وزن عظيمة، ونقل عن المهلب: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أطعم من يأتيه اهـ.
باب في قول رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره
في الموطأ عن ابن عمر: كان النبي ﵇ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون (أي راجعون) تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
باب في قول النبي ﷺ عند كل قرية أراد أن يدخلها
في كتب السير أنه ﵇ لما أشرف على خيبر قال: قفوا؛ اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. وكان يقولها لكل قرية دخلها خرّجه النسائي «١» من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: قال كعب الأحبار: والذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثني أن محمدا رسول الله ﷺ ؛ لم يرقرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب الخ الحديث. إلا أنه قال والأرضين السبع، ولم يذكر ابن إسحاق السبع إلا في السماوات قال كعب: والذي فلق البحر لموسى: أنها كانت دعوته حين يرى العدو، وذكر ابن عاث من طريق آخر زيادة في آخره: أسألك مودة خيارهم، وأن تحميني من شرارهم، وانظر أذكار النووي وشرحها لابن علّان المكي، وتخريج أحاديثها للحافظ ابن حجر.
كيف كان حال كفار جزيرة العرب معه ﵇
كان الكفار بعد الهجرة كما أفاده الحافظ في غزوة بني النضير وغيرها على ثلاثة أقسام.
قسم وادعهم ﵇ على أن لا يحاربوه، ولا يؤلبوا عليه عدوا، وقيل على أن لا يكونوا معه ولا عليه، وقيل: على أن ينصروه ممن دهمه من عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وبنو قينقاع فنقض الثلاثة العهد، فمكن الله رسوله منهم فقاتل قريظة من أجل الآخرين.
وقسم حاربوه ﷺ ، ونصبوا له العداوة، كقريش فنصره الله عليهم وفتح مكة فصار
стр. 294
أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجة الوداع لم يبق أحد من قريش إلا أسلم وصاروا كلهم أتباعه.
وقسم تركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف العرب، منهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، ومنهم المنافقون فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، ثم النضير ثم قريظة، فحاربهم المصطفى بعد وقعة بدر بشهر.
وقال الحافظ ابن تيمية في كتابه: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٩٨: لا خلاف بين أهل السير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل المصطفى بيد ولا لسان، ولا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك، وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن اتباعه، أو يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة ونحو ذلك مما فيه تخذيل عنه وحض على الكفر به، لا على قتاله.
ومن المعلوم من سيرة النبي ﷺ ، الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة، أنه ﵇ لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة، بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج، فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه، وهو متروك لا يحارب ولا يحارب، وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي ﷺ على حلفهم.
قال موسى بن عقبة: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فيها دار من دور الأنصار، إلا فيها رهط من المسلمين، إلا بني خطمة، وبني واقف، وبني وائل، كانوا آخر الأنصار إسلاما. وحول المدينة حلفاء للأنصار كانوا يتظاهرون بهم في حربهم، فأمر المصطفى أن يخلوا حلف حلفائهم، للحرب التي كانت بينهم وبين النبي ﷺ وبين من عادوا الإسلام، وكان ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط فيهم المسلمون، الذين تجمعهم دعوة الإسلام، وفيهم أهل الحلقة والحصون، وفيهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم.
كان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا. ومن المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض، وكان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه، وكان الإسلام يفشو في بطون الأنصار بطنا بعد بطن، حتى لم يبق فيهم مظهر الكفر، بل صاروا إما مؤمنين أو منافقين.
وكان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادع لهذين، أو هم أحسن حالا من اليهود، لما يعرف فيه من العصبية لقومه، وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم، وكان ﷺ يعاملهم بالكف عنهم، واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود، لما كان يرجو منهم، ويخاف من تغير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم، وهو في ذلك متبع قوله تعالى:
стр. 295
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦] اهـ منه.
كيفية معاملته ﷺ مع كفار زمانه
من استعمال الشدة في وقتها والعطف والمجاملة في إبانها ومناسبتها زيادة على ما سبق.
عن ابن تيمية: كان ﵇ في أول أمره يتحمل أذاهم، ويصبر على بلواهم حتى أذن الله له بالقتال، لاثني عشر ليلة مضت من صفر في السنة الثالة من الهجرة، قال الزهري:
أول آية نزلت في الأذن بالقتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] خرّجه النسائي بإسناد صحيح، قال أبو حيان في البحر: والمأذون فيه في الآية محذوف؛ أي في القتال لدلالة الذين يقاتلون عليه، وعلل بأنهم: ظلموا. كانوا يأتون من بين مضروب ومشجوج فيقول لهم: إصبروا، فإني لم أومر بقتال، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وقال غيره: وإنما شرع الله الجهاد في الوقت الأليق، لأنهم كانوا بمكة، وكان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمين وهم قليل بقتال الباغين لشق عليهم، فلما نفر المشركون وأخرجوه ﵇ من بين أظهرهم، وهموا بقتله واستقر ﵇ بالمدينة، واجتمع عليه أصحابه وقاموا بنصره، وصارت المدينة دار إسلام، ومعقلا يلجأون إليه، شرع الله الجهاد فبعث ﵇ البعوث والسرايا وغزا بنفسه وقاتل هو وأصحابه، وكان عدد مغازيه التي خرج فيها بنفسه ﵇ سبعا وعشرين، كما قاله أئمة المغازي، وجزم به ابن الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقيل غير ذلك.
قال ابن تيمية: ولا يعلم أنه ﵇ قاتل في غزاة إلا في أحد، ولم يقتل أحدا إلا أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل كذا أنه بنفسه، كما فهمه بعض الطلبة ممن لا إطلاع له على أحواله ﵇ اهـ.
قال في النور: قد يرد على ابن تيمية حديث: كنا إذا التقينا كتيبة أو جيشا أول من يضرب رسول الله ﷺ ، ويمكن تأويله، وكانت سراياه ﵇ التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية. قال الشامي: الذي وقفت عليه في السرايا والبعوث يزيد على السبعين، وقال الحافظ: قرأت بخط مغلطاي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال اهـ.
وقد جرت عادة المحدثين وأرباب السير أن يسموا كل عسكر حضره ﵇ بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثا، وفي حال جريان الأعمال الحربية مجراها أو السلم والصلح أو الهدنة، كان ﵇ يتألف كبار المشركين والكفار، ويلين لهم القول ويظهر لهم إذا قدموا عليه مزيد الإعتبار استيلافا لهم وليعرفوا خلقه، وناهيك بقصة (عبس وتولّى) المتقدمة، وفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم:
أن الإمام أحمد سئل هل يكني الرجل أهل الذمة فقال: قد كنى النبي ﷺ أسقف نجران،
стр. 296
وعمر فقال: يا أبا حسان لا بأس به انظر ص ١٢٢ الجزء الرابع، وكان يأمر الصحابة بذلك أيضا. قال المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير لدى حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، المخرج من ابن ماجه والبزار والطبراني، وابن عدي والبيهقي والحاكم عن عدة من الصحابة ما نصه: إذا أتاكم كريم قوم أي رئيسهم المعظم فيهم المعود منهم بإكبار الإعظام، وإكثار الإحترام فأكرموه، برفع مجلسه وإجزال عطيته ونحو ذلك، مما يليق به؛ لأن الله عوّده ذلك منه إبتلاء له، فمن استعمل معه غيره فقد إستهان به وجفاه، وأفسد عليه دينه؛ فإن ذلك يورث في قلبه الغل والحقد والبغضاء والعداوة، وذلك يجر إلى سفك الدماء. وفي إكرامه إتقاء شره، وإبقاء دينه، فإنه قد تعزز بدنياه وتكبروتاه وعظم في نفسه، فإذا أحقرته فقد أهلكته من حيث الدين والدنيا، وبه عرف أنه ليس المراد كريم القوم عالمهم أو صالحهم، كما وهم البعض، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم ولا دين.
ومن هذا السياق انكشف أن إستثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغافلة عما تقرر، من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي، أو تكون ضررا للفاعل أو المفعول معه، فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل يجب، فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصر مجلسه وعامله معاملة الرغبة، فقد عرض نفسه وماله للبلاء، فإن أوذي ولم يصبر فقد خسر الدنيا والآخرة وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم، وحيهم ما دمت في حيهم. اهـ.
وقال ﵇: بعثت نبيا مداريا «١» . ولهذا كان كثير من أكابر السلف المعروفين بمزيد الورع يقبلون جوائز الإمراء المظهرين للجور ويظهرون لهم البشاشة حفظا للدين ورفقا بالمسلمين، ورحمة بذلك الظالم المبتلي المتكبر، وهكذا كان أسلوب المصطفى ﵇ مع المؤلفة قلوبهم، وقد غلط في هذا الباب كثير غفلة عن معرفة تدبير الله ورسوله، والجمود على ظاهر: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: ١٨] وما دروا أن السنة شرحت ذلك وبينته أحسن البيان بموضع طلب إهانة الفاسق والكافر للأمن من حصول مفسدة،
والحاصل أن الكامل إنما يكرم لله أو يهين لله. ولهذا قال بعض العارفين: ينبغي للفقير أن يكرم كل وارد عليه من الولاة، فإن أحدهم لم يزر الفقير حتى خلع عنه كبرياءه ورأى نفسه دونه، وإلا لما أتاه مع كونه من رعاياه، قال: فمن أتانا فقيرا حقيرا أكرمناه، كائنا من كان وإن كان ظالما فنحن ظالمون أنفسنا بالمعاصي وغيرها، ولو بسوء الظن فظالم قام لظالم، وأكرمه. وقد كان المصطفى يتواضع لأكابر كفار قريش ويكرمهم، ويرفع منزلتهم لأنهم مظاهر العزة الالهية ورؤي بعض الأولياء في النوم، وعليه حلة خضراء والأنبياء واقفون بين يديه فاستشكل ذلك الرائي فقصه على بعضهم فقال: لا تنكره فإن
стр. 297
تأدبهم مع من ألبسه الخلعة لامعه، ألا ترى أن السلطان إذا خلع على بعض غلمانه ركب أكابر الدولة في خدمته اهـ منه ص ٣٧.
وفي الأكليل على قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: ٤٤] أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب وغيره قال: كنّياه قولا له: يا أبا مرة، ففيه جواز كنية الكافر، وإستحباب إلانة القول للظالم عند وعظه لعله يرجع. وفيه أيضا على قوله في سورة مريم (سلام عليك) إستدل به من أجاز إبتداء الكافر بالسلام.
وفي سيرة عمر: أنه بعد إتمام فتح الشام، جرت بينه وبين ملك الروم المكاتبات الودادية، وأن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وزوج عمر بن الخطاب، أرسلت مع رسول جاء إلى المدينة من قبل ملك الروم هدية من ألطاف المدينة إلى إمبراطورة الروم امرأة هرقل، وأرسلت هذه في نظيرها عقدا نفيسا من الجواهر، فأخذه منها عمر ورده إلى بيت المال، هذا على ما في رواية ساقها أين الهندي في كنز العمال.
وفي تاريخ ابن جرير الطبري أن أم كلثوم أرسلت تلك الهدية مع بريد عمر، وأن امرأة هرقل جمعت نساءها وقالت: هذه هدية امرأة ملك العرب وبنت نبيهم، وكاتبتها وكافأتها وأهدته لها. انظر أخبار سنة ٢٨ من تاريخ ابن جرير، وسيرة سيدنا عمر للحافظ ابن الجوزي.
وفي الخطط المقريزية: أن أسامة بن زيد التنوخي من رجال مصر في القرن الأول، وكان صاحب خراج مصر، إبتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار. كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الروم، وضرب الفلفل بدار بمصر كانت تعرف بدار الفلفل انظر ص ٣٠٤ الجزء الثالث. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن علقمة الخزاعي عن أبيه قال: بعثني النبي ﷺ بمال لأبي سفيان بن حرب يفرقه في فقراء قريش وهم مشركون يتألفهم، فقدمت مكة ودفعت المال إلى أبي سفيان فجعل أبو سفيان يقول: من رأى أبر من هذا، ولا أوصل يعني النبي ﷺ إنا نجاهد ونطلب دمه وهو يبعث إلينا بالصلات يبرنا بها.
أورده الحافظ السيوطي في الجمع، وابن الهندي في الكنز انظر ص ٤٢ من الجزء الخامس.
وفي الهداية من كتب الحنفية: صح أن النبي ﷺ عاد يهوديا بجواره قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثها: محمد بن الحسن في الآثار، أخبرنا أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد، عن أبي بريدة عن أبيه قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فقال لنا: قوموا بنا نعود جارنا اليهودي فأتيناه فقال له: كيف أنت يا فلان؟ ثم عرض عليه الشهادتين ثلاث مرات فقال له أبوه: يا بني إشهد فشهد، فقال الحمد لله الذي أعتق به نسمة من النار، ومن هذا الوجه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، وروى عبد الرزاق من مرسل ابن أبي حسين نحوه، وزاد فيه وغسله النبي ﷺ وكفّنه وحنّطه وصلّى عليه اهـ.
وقعت لسيدنا الجد قصة تشبه هذه مع يهودي أيضا من يهود ملاح فاس.
стр. 298
القسم السادس في العمالات الجبائية ويشتمل على أبواب
стр. 299
العمالات الجبائية
قال القاضي عياض في الشفا: فتح على رسول الله ﷺ في حياته بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجبي إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه ولا أمسك منه درهما بل صرفه في مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين اهـ وفيه عدة أبواب:
باب في صاحب الجزية
الجزية: الخراج المجعول على رأس الذمي، كأنه جزاء للمنّ عليه بالإعفاء من القتل، أو إكراهه على الإسلام.
كيفية أخذ النبي ﷺ الجزية وممن أخذها
«قال الحافظ ابن المندر في الأشراف: قال الشافعي: صالح رسول الله ﷺ نصارى نجران على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وصالح أهل اليمن على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وقال ابن عبد البر في التمهيد عن ابن شهاب: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران في عملنا، وكانوا نصارى. ثم قبل رسول الله ﷺ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا، وممن تولّى قبض الجزية في عهد رسول الله ﷺ ؛ أبو عبيدة بن الجراح، كما في البخاري، ومعاذ بن جبل كما في سنن أبي داود» .
باب في صاحب الأعشار ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ
«في سنن أبي داود «١» عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي عن جده قال: أتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلّمني الإسلام وعلمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت يا رسول الله كلما علمتني خفظت إلا الصدقة أفأعشرهم قال لا» .
стр. 300
باب في متولي خراج الأرضين
«في صحيح مسلم «١» عن عمر: قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ ، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة.
وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله قال عياض في الإكمال: قال الطبرى:
كل ما أفاء الله على رسوله طعمة له من الله على أن يأكل منه هو وأهله إن احتاجوا، ويصرفوا ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين» .
«وعن عمر بن عبد العزيز: كان ينفق منها على فقراء بني هاشم، ويزوج أيمهم.
وقال المازري: ما أجلي عنه أهله من غير قتال فعندنا أنه لا يخمّس ويصرف في مصالح المسلمين «٢» ، كما كان النبي ﷺ يصرف ما يؤخذ من بني النضير، وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال رسول الله ﷺ : أكلّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل، بع الجميع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا. حرّر بن بشكوال أن المذكور هو سواد بن غزية الأنصاري [من بني عدي] .
وفي مدة عمر كان ولي عثمان بن حنيف الأنصاري مساحة الأرض وجبايتها وضرب الخراج والجزاية على أهلها وولاه عليّ البصرة» .
وفي المجلد السابع من تصنيف أبي علي أحمد بن عمر بن رسته ص ١٠٤ وروي عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد عن أبيه عن الشعبي؛ إن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيفة فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وفقيزا، قال أبو عبيد: إن حد السواد الذي مسح عثمان بن حنيف هو من لدن تخوم الموصل. مادا إلى ساحل البحر من بلاد عبّادان، من شرق دجلة طولا وعرضا، من منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية، مما يلي العذيب من أرض العرب. وحدث غيره أن عمر بن الخطاب أمر بمساحة السواد كله، وطوله من القلب إلى عبادان، وهو مائة وخمسة وعشرون فرسخا وعرضه من عقبة حلوان إلى العذيب ثمانون فرسخا، فبلغ جربانه ستة وثلاثين ألف ألف جريب، جعل على كل جريب من أرض الشعر درهمين، وعل كل جريب من أرض الكرة والرطاب
стр. 301
ستة دراهم، وعلى كل جريب من أرض النخل ثمانية دراهم، وختم على خمسمائة ألف إنسان للجزية على الطبقات، فجبى عمر السواد من الورق مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم اهـ.
وفي روض الأعلام لابن الأزرق أن عمر لما وجّه إلى الكوفة عمّار بن ياسر على صلاتهم وجيوشهم وابن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وقد فرض لهم في كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار، والشطر الآخر بين الآخرين، ثم قال: لا أرى قرية يؤخذ منها شاة كل يوم إلا سريعا في خرابها.
وأصل ذلك في طبقات ابن سعد من عدة طرق إلا قوله: لا أرى قرية، فلم أره فيها، وقد أخذ من ذلك الأئمة إجراء الأرزاق على من يقوم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين؛ من تعليم أو حكم أو غير ذلك. ومنه قول الإمام الغزالي في الإحياء في:
كتاب الحلال والحرام؛ كل من يتولى أمرا تتقوى به مصلحة المسلمين، ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه، فله في بيت المال حق الكفاية، قال: ويدخل فيه العلوم كلها، أعني التي تتعلق بمصالح الدين، كعلم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتى يدخل فيه المعلمون وطلبة هذه العلوم يدخلون فيه، فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب اهـ.
وقد حكى البرزالي عن القفصي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أجروا على طلبة العلم الرزق وفرغوهم، قال: والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا، فبالعلماء حراسة الدين، وبالأجناد حراسة الدنيا، والدين والملك توأمان، فلا يستغني أحدهما عن الآخر، قال: وليس شرط في هؤلاء الحاجة، بل يجوز أن يعطوا مع الغنى، فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار، ولو لم يعرفوا بالحاجة اهـ.
انظر ابن الأزرق فقد أطال وأطاب في المسألة. وقال الباجي في المنتقى على قوله ﵇: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة: المراد بعامله كل عامل يعمل للمسلمين، من خليفة أو غيره، فإن كل من قام بأمر المسلمين وبشريعته فهو عامل له ﵇، فلا بد أن يكفى مؤونته وإلا لضاع اهـ بواسطة تنوير الحوالك للسيوطي.
ونقل الفاكهي في المناهج عن الغزالي: أنه يجب لحافظ القرآن في كل سنة من بيت مال المسلمين مائة دينار. ونقل صاحب الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: أن لمعلم الصبيان من بيت مال المسلمين مائة دينار، فإن لم يكن من بيت المال فعلى
стр. 302
جماعة المسلمين، فإن لم تكن جماعة فعلى أهل الحسبة، لأن تعليم الصبيان فرض كفاية يحمله من قام به اهـ.
وانظر ما سبق في ترجمة [هل كان للقضاة والولاة راتب في زمنه ﵇] . وقال الحافظ السخاوي: من السلف الصالح من كان يتجر يقصد القيام بمؤونة من قصر نفسه على بث العلم والحديث، ولم يتفرغ من أجل ذلك للتكسب لعياله؛ فعن ابن المبارك أنه كان يقول للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك وعنى بهم السفيانين وابن علية وابن السماك ما اتجرت اهـ.
باب في العامل على الزكاة
«ذكر ابن إسحاق في السيرة أن رسول الله ﷺ ، كان بعث عماله وامراءه على الصدقات، إلى كل ما وطىء الإسلام من البلدان، وعدّ منهم جملة، وذكر الكلاعي في السيرة أنه ﵇ لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة حتى رأى هلال المحرم سنة ١١ بعث المصدقين في العرب، وذكر منهم جماعة من أشهرهم عمر بن الخطاب، وخالد بن سعيد بن العاصي، ومعاذ بن جبل، وعدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر التميمي وغيرهم» .
وترجم في الإصابة للأرقم بن أبي الأرقم الزهري، فذكر أن الطبراني خرّج أنه ﵇ إستعمله على السعاية. وترجم فيها أيضا كافية بن سبع الأسدي فنقل عن الواقدي؛ أن المصطفى ﵇ استعمله على صدقات قومه. وترجم أيضا لحذيفة بن اليمان الأزدي فنقل عن ابن سعد أنه ﵇ بعثه مصدقا على الأزد (مصدقا بتشديد الدال وكسرها أي عاملا يستوفي الزكاة من أربابها) وفي معالم السنن للخطابي، أن المصدق بتخفيف الصاد: العامل. قاله ابن الأثير مطولا. وفي المطالع: والمصدق بتخفيف الصاد آخذ الصدقة.
قال ثابت ويقال أيضا للذي يعطيها من ماله، فإذا شددت الصاد فهو المتصدق لا غير اهـ من نور النبراس.
وترجم في الإصابة أيضا لكهل بن مالك الهذلي فذكر أن المصطفى ﵇ استعمله على صدقات هذيل، وترجم فيها أيضا لخالد بن البرصاء فذكر أن أبا داود والنسائي خرجا من طريق معمر عن الزهري عن عائشة أن النبي ﷺ ، بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا الحديث.
وترجم لخالد بن سعيد بن العاص الأموي، فذكر أن المصطفى ﵇ استعمله على صدقات مذجح. وترجم أيضا لخزيمة بن عاصم العكلي، فذكر أن ابن قانع روى من طريق سيف بن عمر عن المستنير بن عبد الله بن عدس، أن عدسا وخزيمة وفدا على النبي ﷺ ، فولّى خزيمة على الأحلاف: وكتب له بسم الله الرحمن الرحيم:
стр. 303
من محمد رسول الله لخزيمة بن عاصم إني بعثتك ساعيا على قومك فلا يضاموا ولا يظلموا، ذكره الرشاطي وقال: أهمله أبو عمر.
وترجم أيضا لرافع بن مكيث الجهني قال: استعمله النبي ﷺ على صدقات قومه.
وترجم أيضا لسهل بن منجاب التميمي فنقل عن الطبري أنه كان من عمّال النبي ﷺ على صدقات بني تميم، فمات المصطفى ﵇ وهو على ذلك. وترجم لعكرمة بن أبي جهل فنقل عن الطبري أن النبي ﵇ استعمله على صدقات هوازن عام وفاته.
وترجم لمالك بن نويرة فذكر أنه كان من أرداف الملوك، وأنه ﷺ استعمله على صدقات قومه. وترجم لمتمم بن نويرة التميمي فقال: بعثه ﵇ على صدقات بني تميم. وفي ترجمة مرداس بن مالك الغنوي أنه ﵇ ولاه صدقة قومه.
وفي الهيثم والد قيس أنه ﵇ استعمله على صدقات قومه. (موعظة تبرهن عن عدل المصدقين في ذلك الزمن الطاهر) .
قد أخرج ابن سعد في الطبقات [٦/ ٦٨] عن سويد بن غفلة قال أتانا مصدق رسول الله ﷺ فأخذت بيده فقرأت في عهده، فإذا فيه:
أنه لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، فأتاه رجل بناقة عظيمة فأبى أن يأخذها ثم أتاه آخر بناقة دونها فأبي أن يأخذها، ثم قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أتيت رسول الله ﷺ وقد أخذت خيار إبل امرىء مسلم. وانظر ترجمة قرة بن دعموص النميري من الطبقات ص ٣١ ج ٧.
باب في ذكر من كان يكتب الصدقات لرسول الله ﷺ
«قال ابن حزم في كتابه جوامع السيرة: كان كاتب رسول الله ﷺ في الصدقات الزبير بن العوام، فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت، وحذيفة بن اليمان» .
ونقل الحافظ في تلخيص الحبير عن القضاعي: كان الزبير وجهم يكتبان أموال الصدقات اهـ.
وترجم الحافظ في الإصابة جهم بن سعد فقال: ذكره القضاعي في كتّاب النبي ﷺ ، وأنه هو والزبير كانا يكتبان أموال الصدقة، وكذا ذكره القرطبي في المولد النبوي من تأليفه اهـ. منها ص ٢٦٦ من الجزء الأول.
وفي اختصار الإصابة لأبي زيد العراقي: جهم بن سعد من كتبته، قيل: كان يكتب أموال الصدقات مع الزبير.
وأقول: يأتي في جهيم مثل هذا وانظر لم لم يقل الحافظ: يأتي في جهيم اهـ وهو
стр. 304
ظاهر، فإن الحافظ في ترجمة جهيم بن الصلت، ذكر نحو ما في ترجمة هذا، نقلا عن صاحب التاريخ الصمادحي، والظاهر أنهما اثنان.
وفي صبح الأعشى ص ١١ من ج ١ نقلا عن عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف للقضاعي: أن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان للنبي ﷺ أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل، فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه ﵇ اهـ.
باب في الخارص
«والخرص حزز ما على النخل من الرطب تمرا. في صحيح مسلم «١» عن عن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى، على حديقة لإمرأة فقال رسول الله ﷺ : أخرصوها فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق (الوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وقال: أحصاها حتى نرجع إليك، إن شاء الله وانطلقنا حتى قدمنا تبوك: الحديث.
وفي البخاري «٢» عن ابن عمر: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وتمر فكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسقا تمرا وعشرون وسقا شعيرا.
وفي الموطأ «٣» أنه ﵇ كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه، وعن سلمان بن يسار قال:
فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها.
فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وكان الخرص في زمن النبي ﷺ من النخل والعنب والحبوب. خرّج أبو داود في سننه عن عتّاب بن أسيد أن النبي ﷺ بعثه وأمره أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، وأن يأخذ زكاة العنب زبيبا كما يأخذ زكاة النخل تمرا» .
ترجم في الإصابة لزياد بن عبد الله الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى عن زياد قال؛ لما بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة يخرص على أهل خيبر لم يجده أخطأ بحشفة «٤» ، قال ابن منده: تفرد به عبيد بن إسحاق عن قيس.
стр. 305
وترجم أيضا لسهل بن أبي حثمة فقال: هو الذي بعثه النبي ﷺ خارصا. وترجم أيضا للصلت بن معديكرب الكندي، فذكر أن المصطفى ﵇ استعمله على الخرص، وترجم أيضا لفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري البياضي، فذكر أن عبد الرزاق روى في الزكاة من مصنفه، عن معمر عن حسن بن عثمان عن جابر أن النبي ﷺ : كان يبعث رجلا من الأنصار من بني بياضة يقال له: فروة بن عمرو فيخرص تمر أهل المدينة. ومن طريق أخرى: فإذا دخل الحائط حسب ما فيه من الأقناء، ثم ضرب بعضها على بعض على ما يرى فيها فلا يخطىء.
وترجم في الإستبصار لأبي خيثمة، عامر بن ساعدة والد سهيل بن أبي خيثمة فقال:
بعثه رسول الله ﷺ خارصا إلى خيبر.
باب في الوقف
قال في التنبيه: الوقف مصدر: وقفت الأرض وغيرها أقفها، هذه اللغة الفصحى الشهيرة اهـ ويعبر عنه بالحبس فيسمى: وقفا، لأن العين موقوفة وحبسا كما يفيده التنبيه:
وهو جعل منفعة مملوك ولو بأجرة أو غلة لمتحقق بصيغة دالة عليه: كحبست ووقفت مدة ما يراه المحبّس فلا يشترط فيه التأبيد، وهو مندوب لأنه من البر وفعل الخير، قال تعالى:
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧] .
وقد حبس النبي ﷺ والمسلمون بعده، حتى صار الحبس في الإسلام من أعظم مصادر المال لنفع أهله، وموارده اليوم في سائر بلاده من أوسع دوائر الجبايات، قال الإمام الشافعي في الأم: حفظنا الصدقات عن عدد كبير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم، أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات، فكما وصفت يتصدق بها المسلمون من السلف، وإن نقل الحديث بها كالمتكلف اهـ من الأم ص ٢٧٦ ج ٣.
«وفي جامع ابن يونس أن النبي ﷺ حبس تسع حوائط (الحائط حديقة النخل) أوصى له بها مخيريق لما قتل يوم أحد بأن يضعها حيث أراه الله، فحبسها من أموال بني النضير. قال السهيلي: هي أول حبس في الإسلام، وكل ما ترك رسول الله ﷺ تصدق به.»
وقال عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن ابن سهل: كانت صدقات رسول الله ﷺ أموالا لمخيريق وصى بها لرسول الله ﷺ . أنظر ترجمته من الإصابة، وقد عقد السيد السمهودي في الوفا بابا في ص ١٥٢ لصدقاته ﵇، فتكلم فيها على أموال مخيريق المذكور، نقل فيها عن الواقدي: وقف النبي ﷺ الأعراف، وبرقة،
стр. 306
وميت، والدلال، وحس، والصافية، ومشربة أم إبراهيم، سنة سبع من الهجرة.
وروى الواقدي بسنده عن بعد الله بن كعب بن مالك قال: قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت فأموالي لمحمد، يضعها حيث أراه الله، فهي عامة صدقاته ﵇. فانظر الوفا.
وفي الصحيح «١» : أن عمر دفع إلى العباس وعلي صدقته ﵇ بالمدينة، وهي حوائط مخيريق، ونخل بني النضير، وما أعطاه له الأنصار، وأما خيبر وفدك فبقيت بيد عمر، كما في حديث عائشة في الصحيح أيضا، ولم يدفعها لغيره، وهي بيد عثمان إلى أن أقطعها لمروان فبقيت بيد ولده. قال القرطبي: دفعها إليهما على أن لا ينفرد أحدهما بالآخر بعمل، حتى يكون الآخر معه فيه، فشق عليهما ذلك، وطلبا قسمها بينهما حتى يستقل كل واحد بالنظر فيما يكون في يده، فأبى عمر عليهما ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظان أن ذلك قسمة ميراث بينهما، وهو موافق لنسبة القسمة بينهما فمنعهما حسما للمادة اهـ.
وقال عياض في الإكمال: خرج أبو بكر البرقاني في صحيحه، قصة نزاعهما ثم قال:
فغلب علي عليها العباس فكانت بيد علي، ثم بيد الحسن ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس اهـ.
وروينا في صحيح البخاري عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها فيشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله أن الله يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحبّ أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : بخ ذلك مالك رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين قال أبو طلحة أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه «٢» ، وفي رواية فجعلها لأبي وحسان كان أقرب إليه مني.
وفي رواية له أيضا عقب قوله: وإن أحب أموالي بيرحاء، وكانت حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها ويتظلل فيها، ويشرب من مائها، قال: فهي إلى الله ورسوله، أرجو برها
стр. 307
وذخرها، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : بخ يا أبا طلحة. ذلك مال رابح قد قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين فتصدق به أبو طلحة على ذوي قربى رحمه قال: كان منهم أبي وحسان قال: فباع حسّان حصته منه من معاوية، فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة، فقال ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم، وكانت الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية.
قال الحافظ ابن حجر: وبيع حسان لحصته من معاوية دليل على أن أبا طلحة ملّكهم الحديقة المذكورة، ولم يوقفها عليهم، ويحتمل أنه أوقفها، واشترط أن من احتاج إلى بيع حصته جاز له. كما قال بجوازه علي وغيره اهـ. وفي ضبط بيرحاء اختلاف بين المحدثين، حتى أفرده بعضهم بمصنف لخصه المجد ثم السمهودي في تاريخ المدينة.
وقال ابن رشد في المقدمات: حبس رسول الله ﷺ ، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عوف، وعلي، وطلحة والزبير، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص.
وقيل لمالك: إن شريحا كان لا يرى الحبس. فقال: تكلم شريح ببلاده ولم ير المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواجه ﷺ وأصحابه والتابعين، وهذه صدقات النبي ﷺ سبعة حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا.
وبهذا احتج مالك حين ناظره أبو يوسف بحضرة الرشيد فقال: هذه أحباس رسول الله ﷺ وصدقاته، ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن اهـ.
وترجم أبو داود في سننه باب: في الرجل يوقف الوقف «١» ، ثم أخرج عن نافع عن ابن عمر قال: أصاب عمر أيضا بخيبر فأتى النبيّ ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب قط مالا أنفس عندي منه، فكيف تأمرني به؟ قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل، وزاد عن بشر: والضيف، ثم اتفقوا على أن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقا غير متمول فيه. زاد عن بشر قال: وقال محمد: غير متأثل مالا.
ثم أخرج أبو داود من طريق الليث عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب عبد الله بن عمر في تمغ) فقص من خبره نحو حديث نافع قال (غير متأثل مالا فما عفا عنه من تمره فهو للسائل والمحروم) قال وساق
стр. 308
القصة قال وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله بن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم ذوي الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا منه.
فذكر أبو داود كما ترى لعمر وثيقة الوقف، وهما وثيقتان ذكرهما أيضا عمر بن شبة، فنسخ عبد الحميد ليحيى بن سعد كلا الكتابين، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي عثمان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفا حرفا. ونصها الثاني يقتضي أن عمر كتب الوقفية في خلافته، لأن معيقيب كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقف أولا في زمنه ﵇ باللفظ، وتولى هو النظر عليه ألى أن حضره الموت فكتب حينئذ.
وثمغ بفتح المثلاثة وسكون الميم والعين المعجمة، وحكى النووي فتح الميم قال أبو عبيد البكري: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر، وفي مراصد الإطلاع ثمغ بالفتح ثم السكون والغين معجمة، موضع مال لعمر بن الخطاب وقفه وقيده بعض المغاربة بالتحريك اهـ.
وفي النهاية ثمغ وصرمة بن الأكوع مالان معروفان بالمدينة، كانا لعمر بن الخطاب فوقفهما اهـ.
وقيل: المراد في حديث عمر بالصرمة: القطعة الخفيفة من النخل والإبل اهـ وفي نص الحبس المذكور، وهو من وهو إيصاء عمر بالنظر في حبسه إلى امرأة وهي بنته حفصه، وعند عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون في آخر الوقف وأوصى به عمر إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر ونحوه، في رواية عبيد الله بن عمر في رواية الدارقطني، وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد: يليه ذو الرأي من آل عمر، فكأنه كان أولا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عين عند وصيته لحفصة، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفا حرفا. (وهذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ أنه لحفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها) .
стр. 309
أقول: وقد أذكرتني وصية عمر ﵁، وجعله النظر في وقفه إلى الأقرب فالأقرب من أهله وصية عالم الدنيا الإمام أبي عبد الله، محمد بن مرزوق التلمساني، شارح البردة فقد رأيت بخط الحافظ أبي العباس أحمد الونشريسي ناقلا بعض فصول وصية ابن مرزوق المذكور، في تحبيس كتبه على أولاده ونص بذلك: إن جميع ما احتوت عليه غرفتي التي لم أفارقها إلا منذ ثلاثة أيام وما احتوى عليه مسكني الآن، من دواوين الكتب والمفردات والكراريس وسائر التاليف، وما هو معار عند الناس حسبما ذلك مقيد في أزمتي محبّس على من يتعاطى العلم وعرف بالإشتغال به من ذريتي، من أي جهة كانوا فينتفعون بمطالعة ما يحتاجون إليه منها، إلا أن أولادي الذكور وأولادهم أولى بالتقديم عند ازدحام حاجتهم إلى ما يطالع منها، كما إن الأولى فالأولى الأعلى فالأعلى من أولادي الذكور أولى عند ذلك أيضا، وإن متولي النظر في كتبي المذكورة الأقرب فالأقرب والأعلم الأدين، فإن لم يجتمع الوصفان فالأدين ثم الأعلم، ثم الأقرب مع أمانتهما عليها، فإن لم يؤمنا فالأمين كيف كان اهـ.
ومن خط الونشريسي نقلت واستفدت. وممن ثبت عنه الوقف من الصحابة سيدنا علي كرم الله وجهه، ففي مسند أحمد وغيره أن عليا قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا.
وفي رواية أربعين ألف دينار «١» . وفي تهذيب الأسماء للنووي: قال العلماء لم يرد به زكاة مال يملكه، وإنما أراد الوقوف التي تصدق بها وجعلها صدقة جارية، وكان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر اهـ.
وفي الأم للشافعي أخرج إليّ والي المدينة صدقة علي بن أبي طالب، وأخبرني أنه أخذها من آل أبي رافع، وإنها كانت عندهم فأمرهم فقرئت علي اهـ أنظر الأم وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة، سيدنا عثمان بن عفان، ففي طبقات ابن سعد، أنه ترك صدقات كان يتصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار. وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة سيدنا الزبير بن العوام، فقد خرج ابن سعد في ترجمته من الطبقات: أنه جعل دارا له حبسا على كل مردودة من بناته، وأنه أوصى بالثلث. وممن أوقف من كبار الصحابة سيدنا العباس عم النبي ﷺ ، ة فقد ترجم الحافظ محب الدين الطبري في ذخائر العقبى، في ترجمة العباس بن عبد المطلب: فذكر صدقته ﵁ بداره على المسجد الشريف النبوي ليوسعه، عن كعب قال: كان للعباس دار، فلما أراد عمر توسعة المسجد قال العباس: قد جعلتها صدقة على مسجد المسلمين، قال الحافظ الطبري: حديث صحيح. وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد.
стр. 310
ومنهم أبو الدحداح الأنصاري في الإستبصار: لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: ٢٤٥] كان أبو الدحداح نازلا في حائط له هو وأهله، فجاء لامرأته فقال:
أخرجي، فقد أقرضته ربي، فتصدق بحائطه على الفقراء.
ومنهم الأرقم بن أبي الأرقم وهو السابع ممن أسلم في طبقات ابن سعد: أن داره كانت بمكة على الصفا، وهي الدار التي كان النبي ﷺ يكون فيها أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، ودعيت دار الإسلام تصدق بها الأرقم على ولده، وهذا نص الصدقة.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى الأرقم في ريعه ما حاز الصفا أنها محرمة بمكانها، من الحرم، لا تباع ولا تورث، شهد هشام ابن العاص وفلان مولى هشام بن العاص به ولم تزل بيد ولده صدقة قائمة فيها ولده يسكنون ويؤاجرون ويأخذون عليها، حتى كان زمن أبي جعفر المنصور فأخذها منهم، وابتاعها عليهم قهرا وظلما لأجل ميلانهم لمحمد النفس الزكية لما قام عليه.
وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة وسادات آل البيت فاطمة الزهراء ﵂، ففي الأم للشافعي: أخبرني محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله بن حسن بن حسين عن غير واحد من أهل بيته وأحسبه قال: زيد بن علي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ تصدقت بمالها على بني هاشم والمطلب، وإن عليا تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم.
تنبيهان: الأول: في التوشيح للسيوطي فائدة: أخرج أحمد عن ابن عمر قال: أول صدقة أي موقوفة في الإسلام صدقة عمر، وأخرج عمر بن شبة عن عمر بن سعيد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام؟ فقال المهاجرون: صدقة عمر. وقال الأنصار صدقة رسول الله ﷺ اهـ.
والثاني: قال بعضهم: الوقف من خصائص الإسلام فلا يعرف وقوعه في الجاهلية اهـ.
قلت: أصل ذلك للإمام الشافعي، قال: الوقف من الأمور التي اختص بها الإسلام، ولم يبلغني أن الجاهلية وقفوا دارا أو أرضا، ولا يرد بناء الكعبة وحفر زمزم لأنه كان على وجه التفاخر، لا التبرر. ذكره النووي قاله الأمير: في ضوء الشموع. ونقل عن شيخه البليدي في حواشيه على الزرقاني على قول خ أو على بنيه دون بناته، أن المنوي «١» على الخصائص بحث في قول الشافعي هذا بأن وقف الخصائص بحث في قول هذا بأن وقف
стр. 311
الخليل باق إلى الآن. وكانت مصر وإقطاعها وقفا على كنيسة الروم، قال الشيخ الأمير عقبه: أقول إنما ادعى الشافعي أنه لم يثبت عن الجاهلية ولم ينفه عن الأنبياء، ولا عن أهل الكتاب المتقدمين فهو تخصيص نسبي اهـ.
فائدة: في حواشي العلامة الشمس محمد بن عرفة الدسوقي المالكي المصري، على شرح الشهاب الدردير، على مختصر خليل ص ٦٩ ج ٤ نقلا عن حاشية شيخ مشايخه العلامة المعمر الشمس محمد البليدي المصري على ز على مختصر خ أنه كان في قيسارية فاس ألف أوقية من الذهب، موقوفة للسلف، فكانوا يردونها نحاسا فاضمحلت اهـ وممن ذكر ذلك من فقهاء فاس الشيخ أبو عبد الله التاودي بن سودة في شرح التحفة، لدى قولها: الحبس في الأصول جائز وفي الخ ونصه: وقد كان بقيسارية فاس دراهم موقوفة للسلف «١» . فلم يزالوا يتسلفونها ويردون فيها النحاس، والنقص حتى اندرست اهـ منه وهذا من أعظم ما يدلنا على الرقي في الزمن القديم، وعملهم على تنشيط الزارع والتاجر، ومدّيد المساعدة للفقير والصانع، فهذا مما سبقنا به أروبا بقرون، ولله في خلقه ما أراد من الشؤون.
باب في المستوفي (وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويتخلصه منهم) (ويقدم به عليه)
«في الصحيح «٢» عن بريدة أن النبي ﷺ بعث عليا إلى خالد ليقبض الخمس، قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب إلى أهل نجران يجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم، وذلك سنة عشر «٣» كما في الكامل ففعل وعاد ولقي النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع» .
وترجم في الإصابة لحاجب بن زرارة الدارمي التميمي فذكر أنه ﵇ بعثه على صدقات بني تميم انظر ص ٢٨٨ من ج ١.
تنبيه وقع في قصة حجة الوداع من صحيح مسلم، مقدم علي من سعايته، قال القاضي: أي من عمله في السعي في الصدقات، وقال بعضهم في غير مسلم: إنه بعثه أميرا لا عاملا، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات. وفي النسائي عن البراء: كنت مع علي حين أمره النبي ﷺ على الصدقات، فصرّح بأنه أمره ولم يقل
стр. 312
استعمله، قال القاضي ويحتمل أنه ولي الصدقات احتسابا أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة.
قال بعضهم: السعاية تستعمل في مطلق الولاية فلا تدل على الصدقات خصوصا.
باب خروجه ﵇ بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة
في ص ١١٢ من ج ٦ من مسند أحمد عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى البادية إلى إبل الصدقة، فأعطى نساءه بعيرا بعيرا غيري، فقلت يا رسول الله أعطيتهن بعيرا بعيرا غيري، فأعطاني بعيرا آدد صعبا لم يركب عليه، فقال: يا عائشة أرفقي به، فإن الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه، ولا يفارق شيئا إلا شأنه «١» .
باب ذكر من وكله ﵇ لحفظ زكاة رمضان
في سمط الجوهر الفاخر أنه ﵇ وكل ذلك لأبي هريرة.
باب ذكر من جعله ﵇ على قبض مغانمه
كان عليها خزاعة بن عبد نهم المزني ذكر ذلك في سمط الجوهر الفاخر «٢» .
باب من كان على خمسه ﵇
كان عليه عبد الله بن كعب الأنصاري من بني مازن ابن النجار، كما في سمط الجوهر الفاخر أيضا، وفي ترجمته من الإستبصار: شهد بدرا وكان على الغنائم يومئذ، وشهد سائر المشاهد، وكان على خمس النبي ﷺ فيها اهـ.
стр. 313
القسم السابع في العمالات الإختزانية وما أضيف إليها وفيه فصول
стр. 314
العمالات الاختزانية
« (الموازين) في صحيح «١» مسلم عن جابر قال: اشترى مني النبي ﵇ بعيرا بأوقيتين وبدرهم، أو درهمين، فلما قدم المدينة وزن لي ثمن البعير فأرجح، وفي سنن النسائي فدعا بميزان فوزن لي وزادني، وفي أبي داود قوله ﵇ للوزان: زن وأرجح، وفي الإستيعاب: أن أبا سفيان بن حرب أعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حنين وكان شهدها معه مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال» .
خازن الطعام
«في الصحيح «٢» أنه ﵇ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنة، وفي جامع الترمذي أنه ﵇ كان يعزل نفقة أهله سنتهم. ومن المعروف عن الحسن ﵇ أنه قال: اذكر أنه ﵇ حملني على عاتقه فأدخلني في غرفة الصدقة فأخذت تمرة فجعلتها في فيّ فقال: ألقها أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، فأخرجتها من فمي» انظر مسلم كتاب الزكاة باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ ج ١/ ٧٥١.
الكيال
«في الصحيح عن المقدام بن معديكرب عن النبي ﷺ قال: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه «٣» . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: أعطي رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ثمانين وسقا من تمر وعشرون وسقا من شعير. [كتاب المساقاة، ج ٢/ ١١٨٦] .
وفي مسلم عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله «٤» .
وبوّب البخاري في كتاب البيوع باب ما يستحب من الكيل، ثم ذكر الحديث السابق قال في الفجر الساطع: أي الطعام المكيل، ويقاس عليه وزن الموزون وعدّ المعدود. وقال
стр. 315
على قوله: يبارك لكم أي فيه كما عند غيره، قال الحافظ: الذي يظهر أن الحديث محمول على الطعام الذي يشترى، والبركة تتحصل فيه بالكيل لإمتثال أمر الشارع.
فالبركة الحاصلة فيه أما لسلامته من الجزاف، أو للتسمية عليه أو لإمتثال أمر الشارع، وحديث عائشة الآتي المتضمن أنها لما كالت طعامها فني، محمول على أنها كالت الباقي من المخرج للنفقة واختباره واستكثار ما خرج منه، فانتزعت منه البركة قاله ابن المنير اهـ.
ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة على عهده ﵇
وهي عشرة: الدرهم، والدينار، والمثقال، والدانق، والقيراط، والأوقية، والنش، والنواة، والرطل، والقنطار.
ذكر الدرهم واستعماله
«قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في جواب سئله في سنة ٦١٦ قال أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعض شيوخه أن الدراهم كانت على عهده ﵇ على نوعين السوداء الوافية ووزن الدرهم منها ثمانية دوانق والطبرية وزن الدرهم منها أربعة دوانق قال: وكان الناس يزكون بشطرين من الكبار والصغار. قال أبو العباس العزفي: قال أبو جعفر الداودي: وذكر قول من قال: إن الدرهم لم يكن معلوما في زمن النبي ﷺ هذا قول فاسد، لم يكن القوم ليجهلوا أصلا من أصول الدين، فلا يعلمون فيه نصّا. وقد كان النبي ﷺ يخرج السعاة، فلا يجوز أن يظن بهم جهل مثل هذا، ولم يأت ما قاله من طريق صحيح.
وقال أبو عمر بن عبد البر وعياض؛ لا يجوز أن تكون الأوقية على عهد رسول الله ﷺ مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزون ثم يوجب الزكاة عليها وهي لا يعلم مبلغ وزنها، وتقع بها البيوعات والأنكحة، وهذا يبين أن قول من قال: إن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك، حتى جمعها برأي الفقهاء وهم، وإنما معنى ذلك أنها لم تكن من ضرب أهل الإسلام، وعلى صفات لا تختلف، وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغار وكبار أو قطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية وبعد ذلك في أيام عبد الملك كرهوا الضرب الجاري من ضرب الروم فردوها إلى ضرب الإسلام» .
قال النووي في شرح المهذب: الصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله ﷺ كانت معروفة الوزن معلومة المقدار، وهي السابقة إلى الأفهام وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية، ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخر أقل أو أكثر من هذا المقدار، فإطلاق النبي ﷺ الدراهم محمول على
стр. 316
المفهوم من الإطلاق، وهو كل درهم ستة دوانق وكل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا على هذا. ولا يجوز أن يجمع على خلاف ما كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين.
وأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عطية في كتاب الأحكام. قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه مائتان وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم. وقال النووي بعد إيراده في شرح المهذب، وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع الدرهم، وهو تسعون مثقالا اهـ بواسطة سبل الرشاد للشامي.
وقال أبو السعود الفاسي في إملآته على الصحيح، على قوله في كتاب النكاح: وزن نواة من ذهب، المراد بالنواة قيل نواة التمر، وقيل إسم لمقدار من الوزن كان عندهم، كما هو عند غيرهم. ولم تكن سكة عند النبي ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر، ولم يضربوا سكة في الإسلام حتى ضربها عبد الملك بن مروان، إلا إنهم كانوا يتعاملون بسكة فارس والروم، وكان لهم من ذلك درهمان، فجمع عبد الملك نصف هذا مع نصف هذا، وجعله درهما واحدا اهـ.
وقال الحافظ السيوطي في رسالته: قطع المجادلة في تغير المعاملة، قال الخطابي: كان أهل المدينة يتعاملون بالدارهم وقت قدوم النبي ﷺ ، ويدل عليه قول عائشة في قصة شرائها بريرة: إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عدة واحدة فعدت الدراهم، فأرشدهم النبي ﵇ إلى الوزن وجعل الوزن عيار أهل مكة، وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستة دوانق، وكانوا يتعاملون بها وهو درهم الإسلام في جميع البلدان، وأما الدنانير فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم، وقال ابن عبد البر في التمهيد: كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام، وعند عرب الحجاز كلها رومية، تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك، واسم الذي ضربت في أيامه مكتوبة بالرومية، وكانت الدراهم بأرض العراق، وأرض المشرق كلها كسروية، عليها صورة كسرى، واسمه فيها مكتوب بالفارسية اهـ.
قال العزفي: قال الخطابي: كانت الدنانير تحمل إليهم في زمن رسول الله ﷺ من بلاد الروم، فكانت العرب تسميها الهرقلية.
وهذه الدراهم مع إثبات صور ملوك الروم عليها كانوا في صدر الإسلام يصلون بها ويحملونها معهم، ولا يتنزهون عن ذلك، وقد كنت رأيت في سفري لتطوان عام ١٣٤١ درهما من هذه الدراهم الهرقلية منقوش عليها صورة هرقل، ثم اشتريت بعد ذلك درهما
стр. 317
رسم عليه اسم قيصر وصورته، ولعله أحد القياصر المعاصرين لأول الإسلام، وفي فتاوي الشهاب الفقيه أحمد بن حجر الهيثمي جماعة ذكروا جواز حمل الدنانير التي تجلب من أرض الأفرنج، وعليها صورة حيوان حقيقة يقينا، واستدلوا على ذلك بأنها كانت تجلب من عندهم في زمن السلف، ولم ينهوا عن حملها في العمامة وغيرها لأن القصد منها النقد، لا تلك الصور ولتعذر إزالتها أو تعسره.
فإذا جاز هذا في تلك الدنانير فجواز الكتابة في الورق الإفرنجي أولى، وإن تحقق أنه فيه صورة حيوان اهـ.
وفي فتاوي الشهاب أحمد الرملي الشافعي المصري أنه سئل عن دنانير عليها صورة حيوان تامة، أيحرم حملها كحرمة الثياب المصورة؟ فأجاب بأنه لا يحرم حملها فقد قال ابن العراقي: عندي أن الدراهم الرومية التي عليها الصور من القسم الذي لا ينكر لإمتهانها بالإنفاق والمعاملة، وقد كان السلف يتعاملون بها من غير نكير، فلم تحدث الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبد الملك بن مروان كما هو معروف اهـ منها.
تنبيه: سبق أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ سكة ولا زمن أبي بكر ولا عمر، والمعروف أن أول من ضرب السكة عبد الملك بن مروان، قال ابن سعد في الطبقات:
حدثنا محمد بن عمر الواقدي حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمسة وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وفي أوائل العسكري: أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر عن المغيرة: أول من ضرب الدراهم الزيوف عبيد الله بن زياد، ونقله السيوطي في أوائله والشامي في سيرته.
وربما يعكر عليه وعلى ما سبق من أن الدراهم في الزمن النبوي لم تكن من ضرب أهل الإسلام ما وقع في سنن أبي داود. وابن ماجه من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس بوّب عليه ابن ماجه بقوله: باب النهي عن كسر الدراهم والدنانير، وأبو داود بقوله: باب كسر الدراهم.
وأخرجه أيضا أحمد والحاكم في المستدرك.
قال الحافظ الشوكاني في نيل الأوطار: قوله سكة بكسر السين المهملة أي الدراهم المضروبة على سكة الحديد المنقوشة التي تطبع عليها الدراهم والدنانير، وقوله الجائزة بينهم يعني: النافقة في معاملتهم، وقوله: إلا من بأس، كأن تكون زيوفا وفي معنى كسر الدراهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة الإمام، لا سيما إذا كان التعامل بذلك جاريا بين المسلمين كثيرا اهـ.
стр. 318
وقال شيخ كثير من شيوخنا محدث المدينة المنورة مسندها، الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي، في حاشيته على سنن ابن ماجه، المسماة انجاح الحاجة: في الحديث النهي عن الكسر بثلاثة شرائط الأول أن تكون سكة الإسلام، الثاني أن تكون رائجة، والثالث أن لا يكون فيها بأس وضرر على المسلمين، فلو أزال سكة الكفار لم يكن موردا للنهي، وكذا لو أزال السكة الغير الرائجة أو المزيفة اهـ ونقله عنه الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود وأقرّه.
وهذا كما ترى كالصريح في أنه كان للمسلمين في الزمن النبيوي سكة مضروبة كانوا يتعاملون بها، ولله درّ صاحبنا العلامة السيد أحمد بن محمد الحسيني الشافعي المصري حيث قال: في ص ١٨١ من نهاية الإحكام فيما للنية من الأحكام، بعد أن ذكر حديث أبي داود هذا ونحوه: مقتضى هذا أن سكة المسلمين كانت معروفة ومستعملة في زمنه ﵇، وليس ما يخالفه من الأقوال الدالة على أن سكة المسلمين لم تضرب إلا في عهد عمر، أو في عهد من بعده أولى بالقبول منه إلا بمرجح وأين هو؟ اهـ بلفظه.
وفي تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان ص ١٣٨: أما النقود التي ضربت في عهد الخلفاء الراشدين فكانت نحاسية، وفي غاية البساطة مما جرى في الشكل، وليس عليها من الكتابة إلا صورة الشهادة بالحرف الكوفي، ولم تضرب النقود القضية في الإسلام حتى أيام الخليفة عبد الملك ثم صور نقوده.
وقد انتقده الرحالة الشيخ محمد أمين بن الشيخ حسن الحلواتي المدني في رسالته: نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان بقوله: لم يثبت في الرواية الصحيحة أن أحدا من الخلفاء الأربعة ضرب سكة أصلا إلا علي بن أبي طالب، فإنه ضرب الدراهم على ما نقله صبحي باشا الموره لي في رسالة له: رسم فيها صورة ذلك الدرهم وعزا ذلك إلى لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة، وأما هذه الثلاثة المسكوكات التي رسمها جرجي زيدان فلا تثبت علي فرض وجودها، لأنه لم تكن عليها تواريخ دالة على زمانها، وأكبر شيء فيها دال على كذبها على الخلفاء كون أحدها فيه صورة شخص، وهذا مما تحرمه الديانة الإسلامية فكيف يفعل ذلك الخلفاء؟ وكون هذه المسكوكات مزورة غير بدع عن الإفرنج وبياعي الإنتيكات اهـ انظر ص ٥ منه طبع لكنو بالهند، فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف إفرنسي وأحال على ص ٢٦ من تاريخ مصر لمارسا، أنظر ردّ رينان على نشر الهذيان.
وكأنهم لم يروه في المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية للشيخ حمزة فتح الله المصري ص ١٥٢ ج ١ نقلا عن شرح العيني على البخاري أنه نقل عن المرغيناني:
أن الدراهم كانت شبه النواة ودورت على عهد عمر، لما بعث معقل بن يسار وحفر
стр. 319
نهره الذي قيل فيه: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها، الحمد لله وفي بعضها محمد رسول الله، وفي بعضها: لا إله إلا الله وحده، على وجه، وعلى الآخر عمر. فلما بويع لعثمان ضرب دراهم نقشها: الله أكبر، فلما اجتمع الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا سيفا، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدوّرة ثم غيّرها الحجاج.
ولما استقر الأمر لعبد الملك بعد ابن الزبير، ضرب الدنانير والدراهم في سنة ٧٦ من الهجرة اهـ ولا ما في رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي المقريزي فإن فيها نحو ما ذكر عن المواهب باللفظ وزاد: إن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال متقلدا سيفا. وذكر أن عبد الملك بن مروان لما أمر الحجاج بضرب السكة ضربها، وقدمت مدينة الرسول ﷺ ، وبها بقايا الصحابة فلم ينكروا منها شيئا سوى نقشها، فإن فيها صورة وكان سعيد بن المسيب يبيع بها ويشتري ولا يعيب من أمرها شيئا اهـ انظر ص ٥ منها، ونحوه في خطط مصر لوزير المعارف بمصر الشيخ علي بن مبارك باشا انظر ص ٦ من ج ٢٠ منها، وقد ساق كل كلام المقريزي المذكور محتجا به الشيخ عبد الغني النابلسي، في شرحه على الطريقة المحمدية انظر ص ٤٩٩ ج ٢، ووقع في وفيات الأسلاف ص ٣٦١ ما نصه: وأقدم سكة في الإسلام فيما وجد، ما ضرب في خلافه عثمان سنة ثمان وعشرين من الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط الكوفي بسم الله ربي، وفي خلافة علي سنة ٣٧ وكتب فيها: ولي الله. وفي سنة ٣٨ و ٣٩ بسم الله ربي. وفي درهم بالخط الكوفي في جانب منها: الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وفي دورته: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وفي الجانب الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورته: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين، وفيها ضرب بدارابجرد سنة سبعين. وفي يزد سنة إحدى وسبعين بالخط الكوفي: بسم الله، وفي الطرف الآخر: بالخط البهلوي عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين، وقيل: أول من ضرب النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله، ونقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد أنّ عبد الملك أمر الحجاج بضرب الدراهم، وتمييز المغشوش من الخالص سنة ٧٤. وقال المدائني: سنة ٧٥، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ٧٦. وهذه الدراهم ما وقع نظري عليها، وإنما نقلته عما نقله الثقات في هذا الشأن اهـ.
ثم وجدته أخذ ذلك من تاريخ الوزير جودت باشا التركي الشهير، فإنه نقل كل ما ذكر عن تاريخ واصف أفندي، وفيه أيضا ذكر واصف أفندي أنه نقل عن التواريخ،
стр. 320
الموضوعة في أخبار سلاطين العرب، أن عمر بن الخطاب ضرب سكة في عام ١٨ على النقش الكبير، وكتب على بعضها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعلى بعضها لا إله إلا الله، واسم عمر. ثم قال: إلا أنه ثبت نقلا أن حضرة عمر لم يضرب سكة باسمه والرواية المذكورة يحتمل أن تكون غلطا حصل من السكة التي ضربها أحد الأتراك بطبرستان، المسمى عمر على المنوال السابق، فالظاهر أن تاريخها المكتوب بالخط البهلوي لم يتمكنوا من قراءته، وأسندت إلى حضرة عمر عند ما قرىء اسم عمر. وكذلك السكة المنسوبة إل عبد الله بن الزبير، لم يطلع عليها أحد من أهل العلم.
ومن المسلم عند أهل العلم أن الذي أحدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج. ولكن ظهر خلاف ذلك عند وجود الكشف الجديد في هذا الفن سنة ١٢٧٦، وذلك أن رجلا إيرانيا اسمه جواد أتى إلى دار السعادة بسكة فضية عربية، ضربت في البصرة سنة أربعين هجرية، وأنا الفقير رأيتها بين المسكوكات القديمة الإسلامية، عند صبحي باشا أفندي، مكتوب على أحد وجهيها بالخط الكوفي: اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، وفي دورتها محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله، ولو كره المشركون. وعلى الوجه الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورتها: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين. ونقل عن بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية وخالد بن الوليد مقلدين سيفهما، وتابعهما واصف أفندي فأدرج ذلك في تاريخه، ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت والصحة، ولكن أنا الفقير رأيت على وجه الترتيب، جميع المسكوكات الأموية المخلفة التي ضربت عندهم، في دور الضرب من الذهب والفضة، في كل سنة على الترتيب السابق؛ من سنة ٧٢ إلى تاريخ انقراض دولتهم سنة مائة واثنين وثلاثين هجرية، فلم يكن على أحدها اسم الخليفة اهـ راجع مقدمة التاريخ المذكور ص ٢٧٤.
ووقع في رسالة لصديقنا الكاتب الكبير الأصيل السيد توفيق البكري الصديقي المصري، في الموافقة بين الأعراف الأوروبية والأعراف العربية منقولة في شرح كتابه:
صهاريج اللؤلؤ ص ٢٩٠ أن عمر بن الخطاب كان يستعمل الورق والجلود، مكان النقود للحاجة وأنشد لأبي تمام:
لم ينتدب عمر للإبل يجعل من ... جلودها النقد حين عزه الذهب
وبمكتبتنا في قسم النقود دراهم مكتوبة بالكوفي عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي آخر الكتابة إسم علي، يقطع الناظر المتأمل فيها، وفي كتابتها ونقشها القديم إنها لعلي بن أبي طالب ﵁.