المفهوم من الإطلاق، وهو كل درهم ستة دوانق وكل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا على هذا. ولا يجوز أن يجمع على خلاف ما كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين.
وأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عطية في كتاب الأحكام. قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه مائتان وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم. وقال النووي بعد إيراده في شرح المهذب، وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع الدرهم، وهو تسعون مثقالا اهـ بواسطة سبل الرشاد للشامي.
وقال أبو السعود الفاسي في إملآته على الصحيح، على قوله في كتاب النكاح: وزن نواة من ذهب، المراد بالنواة قيل نواة التمر، وقيل إسم لمقدار من الوزن كان عندهم، كما هو عند غيرهم. ولم تكن سكة عند النبي ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر، ولم يضربوا سكة في الإسلام حتى ضربها عبد الملك بن مروان، إلا إنهم كانوا يتعاملون بسكة فارس والروم، وكان لهم من ذلك درهمان، فجمع عبد الملك نصف هذا مع نصف هذا، وجعله درهما واحدا اهـ.
وقال الحافظ السيوطي في رسالته: قطع المجادلة في تغير المعاملة، قال الخطابي: كان أهل المدينة يتعاملون بالدارهم وقت قدوم النبي ﷺ ، ويدل عليه قول عائشة في قصة شرائها بريرة: إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عدة واحدة فعدت الدراهم، فأرشدهم النبي ﵇ إلى الوزن وجعل الوزن عيار أهل مكة، وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستة دوانق، وكانوا يتعاملون بها وهو درهم الإسلام في جميع البلدان، وأما الدنانير فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم، وقال ابن عبد البر في التمهيد: كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام، وعند عرب الحجاز كلها رومية، تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك، واسم الذي ضربت في أيامه مكتوبة بالرومية، وكانت الدراهم بأرض العراق، وأرض المشرق كلها كسروية، عليها صورة كسرى، واسمه فيها مكتوب بالفارسية اهـ.
قال العزفي: قال الخطابي: كانت الدنانير تحمل إليهم في زمن رسول الله ﷺ من بلاد الروم، فكانت العرب تسميها الهرقلية.
وهذه الدراهم مع إثبات صور ملوك الروم عليها كانوا في صدر الإسلام يصلون بها ويحملونها معهم، ولا يتنزهون عن ذلك، وقد كنت رأيت في سفري لتطوان عام ١٣٤١ درهما من هذه الدراهم الهرقلية منقوش عليها صورة هرقل، ثم اشتريت بعد ذلك درهما
стр. 317
رسم عليه اسم قيصر وصورته، ولعله أحد القياصر المعاصرين لأول الإسلام، وفي فتاوي الشهاب الفقيه أحمد بن حجر الهيثمي جماعة ذكروا جواز حمل الدنانير التي تجلب من أرض الأفرنج، وعليها صورة حيوان حقيقة يقينا، واستدلوا على ذلك بأنها كانت تجلب من عندهم في زمن السلف، ولم ينهوا عن حملها في العمامة وغيرها لأن القصد منها النقد، لا تلك الصور ولتعذر إزالتها أو تعسره.
فإذا جاز هذا في تلك الدنانير فجواز الكتابة في الورق الإفرنجي أولى، وإن تحقق أنه فيه صورة حيوان اهـ.
وفي فتاوي الشهاب أحمد الرملي الشافعي المصري أنه سئل عن دنانير عليها صورة حيوان تامة، أيحرم حملها كحرمة الثياب المصورة؟ فأجاب بأنه لا يحرم حملها فقد قال ابن العراقي: عندي أن الدراهم الرومية التي عليها الصور من القسم الذي لا ينكر لإمتهانها بالإنفاق والمعاملة، وقد كان السلف يتعاملون بها من غير نكير، فلم تحدث الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبد الملك بن مروان كما هو معروف اهـ منها.
تنبيه: سبق أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ سكة ولا زمن أبي بكر ولا عمر، والمعروف أن أول من ضرب السكة عبد الملك بن مروان، قال ابن سعد في الطبقات:
حدثنا محمد بن عمر الواقدي حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمسة وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وفي أوائل العسكري: أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر عن المغيرة: أول من ضرب الدراهم الزيوف عبيد الله بن زياد، ونقله السيوطي في أوائله والشامي في سيرته.
وربما يعكر عليه وعلى ما سبق من أن الدراهم في الزمن النبوي لم تكن من ضرب أهل الإسلام ما وقع في سنن أبي داود. وابن ماجه من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس بوّب عليه ابن ماجه بقوله: باب النهي عن كسر الدراهم والدنانير، وأبو داود بقوله: باب كسر الدراهم.
وأخرجه أيضا أحمد والحاكم في المستدرك.
قال الحافظ الشوكاني في نيل الأوطار: قوله سكة بكسر السين المهملة أي الدراهم المضروبة على سكة الحديد المنقوشة التي تطبع عليها الدراهم والدنانير، وقوله الجائزة بينهم يعني: النافقة في معاملتهم، وقوله: إلا من بأس، كأن تكون زيوفا وفي معنى كسر الدراهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة الإمام، لا سيما إذا كان التعامل بذلك جاريا بين المسلمين كثيرا اهـ.
стр. 318
وقال شيخ كثير من شيوخنا محدث المدينة المنورة مسندها، الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي، في حاشيته على سنن ابن ماجه، المسماة انجاح الحاجة: في الحديث النهي عن الكسر بثلاثة شرائط الأول أن تكون سكة الإسلام، الثاني أن تكون رائجة، والثالث أن لا يكون فيها بأس وضرر على المسلمين، فلو أزال سكة الكفار لم يكن موردا للنهي، وكذا لو أزال السكة الغير الرائجة أو المزيفة اهـ ونقله عنه الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود وأقرّه.
وهذا كما ترى كالصريح في أنه كان للمسلمين في الزمن النبيوي سكة مضروبة كانوا يتعاملون بها، ولله درّ صاحبنا العلامة السيد أحمد بن محمد الحسيني الشافعي المصري حيث قال: في ص ١٨١ من نهاية الإحكام فيما للنية من الأحكام، بعد أن ذكر حديث أبي داود هذا ونحوه: مقتضى هذا أن سكة المسلمين كانت معروفة ومستعملة في زمنه ﵇، وليس ما يخالفه من الأقوال الدالة على أن سكة المسلمين لم تضرب إلا في عهد عمر، أو في عهد من بعده أولى بالقبول منه إلا بمرجح وأين هو؟ اهـ بلفظه.
وفي تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان ص ١٣٨: أما النقود التي ضربت في عهد الخلفاء الراشدين فكانت نحاسية، وفي غاية البساطة مما جرى في الشكل، وليس عليها من الكتابة إلا صورة الشهادة بالحرف الكوفي، ولم تضرب النقود القضية في الإسلام حتى أيام الخليفة عبد الملك ثم صور نقوده.
وقد انتقده الرحالة الشيخ محمد أمين بن الشيخ حسن الحلواتي المدني في رسالته: نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان بقوله: لم يثبت في الرواية الصحيحة أن أحدا من الخلفاء الأربعة ضرب سكة أصلا إلا علي بن أبي طالب، فإنه ضرب الدراهم على ما نقله صبحي باشا الموره لي في رسالة له: رسم فيها صورة ذلك الدرهم وعزا ذلك إلى لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة، وأما هذه الثلاثة المسكوكات التي رسمها جرجي زيدان فلا تثبت علي فرض وجودها، لأنه لم تكن عليها تواريخ دالة على زمانها، وأكبر شيء فيها دال على كذبها على الخلفاء كون أحدها فيه صورة شخص، وهذا مما تحرمه الديانة الإسلامية فكيف يفعل ذلك الخلفاء؟ وكون هذه المسكوكات مزورة غير بدع عن الإفرنج وبياعي الإنتيكات اهـ انظر ص ٥ منه طبع لكنو بالهند، فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف إفرنسي وأحال على ص ٢٦ من تاريخ مصر لمارسا، أنظر ردّ رينان على نشر الهذيان.
وكأنهم لم يروه في المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية للشيخ حمزة فتح الله المصري ص ١٥٢ ج ١ نقلا عن شرح العيني على البخاري أنه نقل عن المرغيناني:
أن الدراهم كانت شبه النواة ودورت على عهد عمر، لما بعث معقل بن يسار وحفر
стр. 319
نهره الذي قيل فيه: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها، الحمد لله وفي بعضها محمد رسول الله، وفي بعضها: لا إله إلا الله وحده، على وجه، وعلى الآخر عمر. فلما بويع لعثمان ضرب دراهم نقشها: الله أكبر، فلما اجتمع الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا سيفا، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدوّرة ثم غيّرها الحجاج.
ولما استقر الأمر لعبد الملك بعد ابن الزبير، ضرب الدنانير والدراهم في سنة ٧٦ من الهجرة اهـ ولا ما في رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي المقريزي فإن فيها نحو ما ذكر عن المواهب باللفظ وزاد: إن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال متقلدا سيفا. وذكر أن عبد الملك بن مروان لما أمر الحجاج بضرب السكة ضربها، وقدمت مدينة الرسول ﷺ ، وبها بقايا الصحابة فلم ينكروا منها شيئا سوى نقشها، فإن فيها صورة وكان سعيد بن المسيب يبيع بها ويشتري ولا يعيب من أمرها شيئا اهـ انظر ص ٥ منها، ونحوه في خطط مصر لوزير المعارف بمصر الشيخ علي بن مبارك باشا انظر ص ٦ من ج ٢٠ منها، وقد ساق كل كلام المقريزي المذكور محتجا به الشيخ عبد الغني النابلسي، في شرحه على الطريقة المحمدية انظر ص ٤٩٩ ج ٢، ووقع في وفيات الأسلاف ص ٣٦١ ما نصه: وأقدم سكة في الإسلام فيما وجد، ما ضرب في خلافه عثمان سنة ثمان وعشرين من الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط الكوفي بسم الله ربي، وفي خلافة علي سنة ٣٧ وكتب فيها: ولي الله. وفي سنة ٣٨ و ٣٩ بسم الله ربي. وفي درهم بالخط الكوفي في جانب منها: الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وفي دورته: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وفي الجانب الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورته: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين، وفيها ضرب بدارابجرد سنة سبعين. وفي يزد سنة إحدى وسبعين بالخط الكوفي: بسم الله، وفي الطرف الآخر: بالخط البهلوي عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين، وقيل: أول من ضرب النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله، ونقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد أنّ عبد الملك أمر الحجاج بضرب الدراهم، وتمييز المغشوش من الخالص سنة ٧٤. وقال المدائني: سنة ٧٥، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ٧٦. وهذه الدراهم ما وقع نظري عليها، وإنما نقلته عما نقله الثقات في هذا الشأن اهـ.
ثم وجدته أخذ ذلك من تاريخ الوزير جودت باشا التركي الشهير، فإنه نقل كل ما ذكر عن تاريخ واصف أفندي، وفيه أيضا ذكر واصف أفندي أنه نقل عن التواريخ،
стр. 320
الموضوعة في أخبار سلاطين العرب، أن عمر بن الخطاب ضرب سكة في عام ١٨ على النقش الكبير، وكتب على بعضها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعلى بعضها لا إله إلا الله، واسم عمر. ثم قال: إلا أنه ثبت نقلا أن حضرة عمر لم يضرب سكة باسمه والرواية المذكورة يحتمل أن تكون غلطا حصل من السكة التي ضربها أحد الأتراك بطبرستان، المسمى عمر على المنوال السابق، فالظاهر أن تاريخها المكتوب بالخط البهلوي لم يتمكنوا من قراءته، وأسندت إلى حضرة عمر عند ما قرىء اسم عمر. وكذلك السكة المنسوبة إل عبد الله بن الزبير، لم يطلع عليها أحد من أهل العلم.
ومن المسلم عند أهل العلم أن الذي أحدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج. ولكن ظهر خلاف ذلك عند وجود الكشف الجديد في هذا الفن سنة ١٢٧٦، وذلك أن رجلا إيرانيا اسمه جواد أتى إلى دار السعادة بسكة فضية عربية، ضربت في البصرة سنة أربعين هجرية، وأنا الفقير رأيتها بين المسكوكات القديمة الإسلامية، عند صبحي باشا أفندي، مكتوب على أحد وجهيها بالخط الكوفي: اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، وفي دورتها محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله، ولو كره المشركون. وعلى الوجه الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورتها: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين. ونقل عن بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية وخالد بن الوليد مقلدين سيفهما، وتابعهما واصف أفندي فأدرج ذلك في تاريخه، ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت والصحة، ولكن أنا الفقير رأيت على وجه الترتيب، جميع المسكوكات الأموية المخلفة التي ضربت عندهم، في دور الضرب من الذهب والفضة، في كل سنة على الترتيب السابق؛ من سنة ٧٢ إلى تاريخ انقراض دولتهم سنة مائة واثنين وثلاثين هجرية، فلم يكن على أحدها اسم الخليفة اهـ راجع مقدمة التاريخ المذكور ص ٢٧٤.
ووقع في رسالة لصديقنا الكاتب الكبير الأصيل السيد توفيق البكري الصديقي المصري، في الموافقة بين الأعراف الأوروبية والأعراف العربية منقولة في شرح كتابه:
صهاريج اللؤلؤ ص ٢٩٠ أن عمر بن الخطاب كان يستعمل الورق والجلود، مكان النقود للحاجة وأنشد لأبي تمام:
لم ينتدب عمر للإبل يجعل من ... جلودها النقد حين عزه الذهب
وبمكتبتنا في قسم النقود دراهم مكتوبة بالكوفي عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي آخر الكتابة إسم علي، يقطع الناظر المتأمل فيها، وفي كتابتها ونقشها القديم إنها لعلي بن أبي طالب ﵁.
стр. 321
«تتمات» الأولى في أوائل الحافظ السيوطي: أول من ضرب الدراهم في بلاد المغرب عبد الرحمن بن الحكم الأموي، القائم بالأندلس في القرن الثالث وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من الدراهم الزيوف ذكره الذهبي في تاريخه اهـ ونحوه نقل عن الذهبي الشامي في سيرته سبل الرشاد.
وعبد الرحمن بن الحكم هذا: هو عبد الرحمن الثاني بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الأموي الداخل إلى الأندلس سنة ١٣٨. وعلى كل حال فإن كان عنى بالمغرب الأندلس فقط فذاك، وإن كان يعني المغرب الأقصى أو القطر الإفريقي ففيه نظر، لأن الإمام إدريس بن إدريس ﵄، قد كان ضرب السكة أيام خلافته، آخر القرن الثاني من الهجرة، قبل ولاية عبد الرحمن بن الحكم، وقد عقد لذلك جدنا من قبل الأم الإمام أحمد بن عبد الحي الحلبي، ثم الفاسي فصلا في كتابه «الدر النفيس» وهو الفصل ٣٤ قال عنها: أما درهم الإمام إدريس بن إدريس، فمكتوب على دائرته: «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون وتحت محمد رسول الله، في الدائرة، إدريس في الوسط، ومحمد في سطر، رسول الله في سطر، وذلك بالخط الكوفي. وفي الوجه الأخير مكتوب على دائرته: بسم الله، ضرب هذا الدرهم سنة ١٩٨. انظر ص ٢٢١ من الدر النفيس، طبعة فاس سنة ١٣١٤.
ثم وجدت الحافظ السيوطي قال في تاريخ الخلفاء: له عند الكلام على عبد الرحمن المذكور، المتوفي سنة ٢٣٩، أول من فخّم الملك بالأندلس من الأموية، وكساه أبهة الخلافة والجلالة، وفي أيامه أحدث بالأندلس ضرب الدراهم، ولم يكن بها دار ضرب منذ فتحها العرب، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق اهـ.
فظهر أن كلامهم في الأندلس، ومولاي إدريس كان في العدوة.
الثانية: قال الشيخ أبو سالم العياشي: في شرح على نظمه لبيوع ابن جماعة، المسمى إرشاد المتسبب إلى فهم معونة المكتسب، وأما الدرهم السني، فقد وجدت عند شيخنا سيدي عبد الواهب الفاسي أسماه الله درهما ورثه عن والده مكتوب عليه بالخط الكوفي، أنه ضرب بواسط سنة تسع ومائة، وذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، وقد نص المؤرخون على أن أول من ضرب السكة في الإسلام عبد الملك بن مروان، وأنه بولغ في تحريرها وتحقيقها في خلافة ابنه هشام، فيكون هذا الدرهم من المضروب في أيام تجويد السكة.
وقد ذكر سيدي العربي الفاسي، وهو ممن يوثق به في مثل ذلك، ويعتمد عليه أنه اختبر الدرهم المذكور، بما قاله الفقهاء فوجده: خمسين وخمسي حبة. بتحقيق كما قالوا،
стр. 322
وقد وزنت عليه درهما عندي صنعته من صفر بمعاينة العدول، واستخرج لي شيخنا سيدي عبد الوهاب، من الدرهم وزن الدينار الشرعي، وهو ممن يرجع إليه في ذلك، وقد ذكر أبو الحسن بن باق الأندلسي في تأليف له، ما يتحقق به المكيال الشرعي على وجه سهل، لا يكاد أن يقع فيه شيء، مع مراعاته اختلاف «١» .
الرابعة في مكتبتنا كتاب نادر الوجود اسمه: الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، لم أكن أعرف مؤلفه، حتى ظفرت به في مجموعة «بأبي الجعد» «٢» في دخولي لها الثاني عام ١٣٣٧، بخط ابن أبي القاسم الرباطي شارح العمل، فإذا هو الإمام أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم، ورتبه على أبواب.
الباب الثالث: في المعادن وكيفية توليدها [التنقيب عنها] واستخراجها وتحصيلها ومنفعة كل منهم.
الباب الرابع: في مقدار ما ينظم فيها من نفيس الأحجار، مع بقاء بهجة الصنعة من غير نقص لذلك.
الباب الخامس: في أول من ضرب الدينار والدرهم، وأماكن طبعها وضوابط سكتها.
الباب السادس: في مقدار الدينار والدرهم الخاصين بنا (المغرب) .
الباب السابع: في التعامل بها صرفا ومراطلة.
الباب الثامن: فيما يجوز استعماله منها للحمل وغيره.
الباب التاسع: فيما وعد به سبحانه من الثواب لمنافقها.
الباب العاشر: في تسمية ما يحدثه المفسدون من غش السكة، ويستفاد من آخر فصل من الباب السادس أن جد مؤلفه علي بن محمد الكومي الحكيم المديوني، كان أمين وناظر دار السكة بفاس، على عهد السلطان أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق المريني، وتكلم في الفصل الثاني من الباب الخامس، على أول من ضرب الدراهم وأول من أقام دار الضرب بفاس، وذلك صاحب الدرهم هو أبو عبد الله المهدي القائم بأمر الموحدين. ثم قال: وكان لمدينة فاس (عدوة) القرويين و (عدوة) الأندلس دارا سكة، فنقلها الخليفة أبو عبد الله الناصر بن منصور الموحدي، لدار أعدها بقصبتها، جربناها سنة ستمائة، وأعد بها مودعا للأموال المندفعة بها، ولطوابع سكتها. فانظره فإنه مهم.
الخامسة: كما ألف في الباب أيضا الحافظ السيوطي رسالة سماها قطع المجادلة في تغيير المعاملة وهي رسالة نفيسة، في نحو كراسة ذكر في أولها أن ابن أبي شيبة أخرج في
стр. 323
مصنفه عن كعب أن أول من ضرب الدينار والدرهم آدم ﵇، وذكر في آخرها أثرا يرمي إلى قطع المسكوكات النقدية وهو قوله: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: قرض الدرهم والدينار من الفساد في الأرض اهـ.
قلت: وهو تقصير من الحافظ السيوطي ﵀ فإن الأثر في موطأ محمد بن الحسن، بوّب عليه بقوله: باب ما يكره من قطع الدرهم والدينار، ثم قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قطع الورق والذهب من الفساد في الأرض. قال محمد: قطع الدراهم والدنانير لغير منفعة اهـ منها.
وعزا التقي المقريزي في رسالته في النقود الإسلامية، قول ابن المسيب هذا إلى تخريج مسدد، قال: حدثنا خالد بن عبد الله قال: حدثنا مالك عن ابن سعيد به، فذكره وهو في طبقات ابن سعد بلفظ: أنه سئل عن قطع الدراهم فقال: هو من الفساد في الأرض انظر ص ١٠٠ ج ٥.
وقد اختلف في معنى كلام سعيد فقيل: كما في حاشية أبي الحسنات اللكنوي: مراد محمد من قطعها كسرها وإبطال صورها، وجعلها مصوغا معروف وهو ما مال إليه القاري في شرح الموطأ وقال التقي المقريزي عقب الأثر المذكور: يعني كسرهما اهـ.
وقال بيري زاده في شرح الموطأ عن ابن الأثير: كانت المعاملات بها في صدر الإسلام عدّا لا وزنا، فكان بعضهم يقصّ أطرافها فنهوا عنه اهـ انظر اللكنوي. وما نقله عن ابن الأثير هو له في النهاية على حديث أبي داود نهى رسول الله ﷺ عن كسر السكة الجائزة بين المسلمين، إلا من بأس يعني الدنانير والدراهم المضروبة، أي لا تكسر أي من أمر يقتضي كسرها، إما لرداءتها أو شك في صحة نقدها، وكره ذلك لما فيه إسم الله، وقيل لأن فيه إضاعة المال، وقيل إنما نهى عن كسرها على أن تعاد تبرا، فأما للنفقة فلا وقيل:
كانت المعاملة بها في صدر الإسلام عدّا لا وزنا، فكان بعضهم يقص أطرافها فنهوا عنه اهـ من النهاية واختصارها.
وربما يكون المراد من قطعها استئصالها وعدم المصارفة بها وبأصلها رأسا، كما هو الحال في زماننا هذا في كثير من جهات الكرة الأرضية، بعد الحرب الطاحنة الكبرى، التي عمت العالم والله أعلم.
السادسة: ما ذكره السيوطي في أول من ضرب الدرهم والدينار نحوه في المواهب الفتحية، عن شرح الإمام النابلسي، على الطريقة المحمدية: أول من ضرب الدرهم والدينار آدم ﵇، وقال: لا تصح المعيشة إلا بهما اهـ وهو في الحلية لأبي نعيم عن معاوية بن عبد الله الجعبري، عن كعب الأحبار، عزاه لها الحلبي في الدر النفيس، ثم وجدت في مسند أبي حنيفة رواية الحصكفي، أن أبا حنيفة روى عن أبي سلمان قال: أول
стр. 324
من ضرب الدنانير على الذهب تبّع، وأول من ضرب الدراهم تبّع الأصغر، وأول من ضرب الفلوس وأدارها في أيدي الناس نمروذ بن كنعان.
وفي القاموس: التبابعة ملوك اليمن، الواحد ككسرى، ولا يسمى به إلا إذا كانت له حمير وحضرموت، ودار التبابعة بمكة، ولد فيها النبي ﷺ . وانظر شرح المسند المذكور لابن سلطان ص ٢٧٨.
وقد أفرد الأوزان والمكاييل والنقود الشرعية بالتأليف جماعة من الأعلام، منهم:
أبو محمد الحسن بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان، له مقالة أملاها سنة ٦٤٧. وأبو محمد عبد الحق بن عطية، وأبو بكر بن خلف الأنصاري، شهر بابن المواق، وأبو العباس بن البنا، وأبو العباس العزفي، له كتاب إثبات ما لابد لمريد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد، والتقي المقريزي «١» المصري، ورسالته مطبوعة والشيخ عبد الرؤوف المناوي، والشيخ مصطفى الذهبي المصري شيخ بعض شيوخنا المصريين، والشيخ عبد القادر الخطيب الطرابلسي المدني، ورسالة الأخيرين أيضا مطبوعة.
ذكر أسماء الأكيال المستعملة في عهده ﵇
«وهي المدّ والصاع والفرق والعرق والوسق. أما المدّ فقد بوّب البخاري عليه بقوله: باب صاع المدينة، ومدّ النبي ﷺ ، وبركته، وما توارثه أهل المدينة من ذلك، قرنا بعد قرن. وأما الصاع ففي الموطأ «٢» عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ : فرض زكاة الفطر في رمضان صاعا من تمر، وصاعا من شعير، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. قال في المشارق: الصاع مكيال لأهل المدينة معلوم، فيه أربعة أمداد بمده ﵇» .
وفي القاموس: نقلا عن الداودي معيارها الذي لا يختلف: أربع حفنات بكفيّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين، ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي ﷺ اهـ.
قال الفيروز آبادي: وجربت ذلك فوجدته صحيحا اهـ وفي لسان العرب: صاع النبي ﷺ الذي في المدينة أربعة أمداد بمدهم المعروف عندهم اهـ.
فيؤخذ من كلامهم أن الصاع النبوي، كان موجودا إلى زمانهم إن لم يكن بعينه فالمقيس عليه المحقق.
стр. 325
وفي تنبيه الغافل لأبي محمد عبد الله بن محمد بن مسعود التفجزوتي وهو: أي صاع النبي ﷺ أربعة أمداد بمده ﵇. القباب الصاع: هو كيل مدينة فاس في وقتنا هذا، ورأيت للشيخ أبي القاسم الشاطبي: الصاع مد ممسوح من أمداد غرناطة، ويغرف الإنسان أربع حفنات بكلتي يديه.
وعن الرجراجي شارح المدونة قال أبو محمد بن أبي زيد: وأحسن ما أخذنا عن المشايخ أن قدر مدّ «١» النبي ﷺ الذي لا يختلف فيه، ولا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الأوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع ولا بمقبوضها «٢» .
كما أن أهل الحديث ببلاد الهند يتداولون أيضا أمدادا وصيعانا يرجع عيارهم للأمداد المرينية المغربية منها.
وقد أشار إلى القصد الديني من هذه الإمداد من قال في أبيات وجدتها في كناشة أبي العباس أحمد بن عاشر السلوي الحافي وهي:
فضائل ما حوى مدّ النبي ... فلا تخفى على فهم الذكي
نبي وجهه بدر منير ... بدا للناس في ظلم وغي
فأهدانا وأرشدنا سبيلا ... سبيل الفضل والدين الرضي
فأول ما استفدنا منه علما ... رويناه عن الهادي السري
وذلك أن هذا المدّ أعني ... به مد النبي الزمزمي
فأربعة به في الفطر تجزي ... بحكم الشرع في نص جلي
وعن كفارة الأيمان عشرا ... إذا أقسمت بالله العلي
فهذا مستفاد العلم منه ... عظيم القدر مكيال النبي
كما أن كلمة الأنصاف أن مباحث المكاييل والأوزان والدرهم والدينار من كتاب الخزاعي هنا لم أر أوعب منها ولا أجمع فيما رأيت ممن كتب في المسألة من أهل المشرق والمغرب بحيث لو لم يشتمل كتابه إلا عليها لكان جديرا بالإعتبار، وذلك أنه عقد تحت باب ذكر أسماء الأكيال والأوزان الشرعية عدة فصول أولها في قوله ﵇: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة. الثاني في معرفة الأوزان في عهده ﵇، معرفة أقدارها وهي عشرة، ثم ترجم للدرهم بسبع مسائل الأولى في ذكر استعماله الثانية هل كان معلوم القدر أم لا؟ الثالثة في معرفة مقداره، الرابعة في الترجيح بين هذين القولين في عدة حبوب الدرهم الخامسة في الدليل على
стр. 326
استعمالهم حب الشعير في أوزانهم في الجاهلية والإسلام السادسة في معنى تسمية الدرهم بالشرعي، ثم ترجم لذكر الدرهم والمثقال ومعرفة مقداره وللقيراط واستعماله ومقداره والأوقية واستعمالها ومقدارها والنش واستعماله وقدره والنواة واستعمالها ومقدارها والرطل واستعماله ومقداره والقنطار واستعماله ومقداره ثم ترجم لأسماء الأكيال المستعملة في عهده ﵇ وهي المد والصاع والفرق والعرق والوسق وأوسع أيضا في استعمال كل ومقداره فقف عليه أو على اختصاره لكاتبه فإذا ضم ما زدناه عليه هنا لما عنده صح أفراده بمؤلف مستقل لا يكون أفيد منه في الموضوع «١» .
باب في اتخاذ الإبل والغنم
«ذكر ابن جماعة في مختصر السيرة له أنه كان لرسول الله ﷺ من النعم: الناقة التي هاجر عليها من مكة، اشتراها من أبي بكر بأربعمائة درهم، وكان له جمل يقال له الثعلب، وغنم يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل وكانت له عشرون لقحة بالغابة على بريد من المدينة، من طريق الشام، يراح إليه ﷺ كل ليلة بقربتين من ألبانها، وكانت له خمس عشرة لقحة غزارا، كان يرعاها يسار مولى النبي ﷺ ، وكان له سبع لقاح، وكانت لرسول الله ﷺ شياه عديدة منها سبعة أعنز ترعاهن أم أيمن وغيرها عند غيرها.
وفي العتبية قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب اتخذ إبلا من مال الله يعطيها الناس يحجون عليها، فإذا رجعوا ردوها إليه، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: هذا من النظر الصحيح في مال الله لأن أولى ما صرف فيه مال الله ما يستعان به على أداء فرائض الله، فينبغي للأيمة أن يتأسوا به في ذلك اهـ منه.
ذكر الوسّام
«ترجم البخاري «٢» باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده وخرج فيه عن أنس بن مالك قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم، يسم به إبل الصدقة، وفي مسلم «٣» عن أنس يحدث أن أمه حين ولدت، انطلقت بالصبي إلى رسول الله ﷺ ليحنكه قال: فإذا النبي ﷺ في مربد يسم غنما. قال سبعة أو أكثر، علمي أنه قال في آذانها» .
قلت: وفي ترجمة عكراش بن ذؤيب التميمي من طبقات ابن سعد قال: قدمت على
стр. 327
النبي ﷺ بإبل الصدقة فأمر بها رسول الله ﷺ أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها انظر ص ٥٢ من ج ٧ «١» .
في الحمى يحميه الإمام
«في الصحيح «٢» ، أن النبي ﷺ حمى البقيع، زاد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: لخيل المسلمين. قال عياض: على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب واد هناك، وهو ميل في بريد، وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب، ومتى ذكر البقيع بالباء دون إضافة فهو هذا، ومن المحدثين من جعله بالنون، والنقيع موضع كان ينقع فيه الماء وبه سمي هذا» .
وترجم في الإصابة لعياض بن عبد الله الثقفي، فذكر أن البخاري وابن منده أخرجا عن عبد الله بن عياض عن أبيه قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل من بهز بعسل فقال:
ما هذا؟ قال: أهديته لك. فقبله فقال: احم لي بقيعي. قال فحماه له وكتب له كتابا، وفي تاريخ الخميس للديار بكري لما ذكر ما انتقد الطاعنون على سيدنا عثمان قال: الخامس:
قالوا إنه حمى سوق المدينة في بعض ما كان يباع ويشترى، فقال: لا يشتري منه أحد النوبة حتى يشترى وكيله ويفرغ من شراء ما يحتاج إليه عثمان لعلف أبله، فهذا مما اختلق عليه، وعلى تقدير صحة ذلك يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة وألحقه بحمى المرعى لها اهـ.
стр. 328
القسم الثامن في سائر العمالات وفيه عشر أبواب
стр. 329
سائر العمالات
باب في المنفق على رسول الله ﷺ
«في مختصر السيرة لابن جماعة: كان بلال المؤذن على نفقات رسول الله ﷺ اهـ وفي سنن أبي داود «١» والبيهقي عن عبد الله الهوزني قال لقيت بلالا بحلب فقلت يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ قال ما كان له شيء وكنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله حتى توفي، وكان ﵇ إذا أتاه الإنسان مسلما يراه عاريا يأمرني فانطلق فأستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، وروى ابن المنذر في الأشراف في كتاب النفقات بسنده عن مسروق عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وفي ترجمة مروان بن قيس الدوسي، وتقصيره في أمر الغلامين، وأنهما شكيا إلى رسول الله ﷺ فأمر بلالا أن يقوم بنفقتهما.
وفي ترجمة العباس بن مرداس من طبقات ابن سعد أن النبي ﷺ قال فيه: لأقطعنّ لسانك. وقال لبلال: إذا أمرتك أن تقطع لسانه فاعطه حلة، ثم قال: يا بلال إذهب به فاقطع لسانه، فأخذ بلال بيده ليذهب به، فقال: يا رسول الله أيقطع لساني يا معشر المهاجرين؟ أيقطع لساني يا للمهاجرين؟ أيقطع لساني وبلال يجره، فلما أكثر قال: إنما أمرني أن أكسوك حلة أقطع بها لسانك، فذهب به فأعطاه حلة.
وفي السيرة الشامية كان بلال يلي أمر النفقة على العيال ومعه حاصل ما يكون من المال اهـ ونحوه في حاشية الشبراملسي على المواهب.
وترجم في الإصابة لأبي نيزرولد النجاشي فقال: جاء وأسلم وكان مع النبي ﵇ في مؤونته ثم كان مع فاطمة ثم كان مع ولدها.
باب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية
في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول
стр. 330
الله ﷺ فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته [٤/ ٤٨ كتاب الأقضية] .
«وترجم ابن فتحون في الذيل مروان بن الجذع الأنصاري فقال: كان أمين رسول الله ﷺ على سهمان خيبر (السهمان جمع سهم) وهو النصيب» .
وقد ترجمه في الإصابة وذكره بذلك ناقلا عن ابن الكلبي.
باب في أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو
ترجم في الإصابة لمسعود القارّي (بالتشديد من غير همز من القارة) فقال: كان على المغانم يوم خيبر، فأمره رسول الله ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة وقال: كذا أورده أبو عمر مختصرا، والذي في جمهرة ابن الكلبي: عمر بن القاري استعمله رسول الله ﷺ على المغانم يوم حنين.
باب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به (من وجوه مصارفه في غير الحضرة)
«في سيرة ابن إسحاق «١» قصة بعثه ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة، وما أزهق من النفوس هناك، وتألمه ﵇ من ذلك، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي ﵁ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من درهم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم: علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يؤد لكم؟ قالوا: لا فقال: إني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا نعلم، ولا تعلمون ففعل، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال: أحسنت وأصبت، وفي سنن أبي داود «٢» عن عبد الله بن عمرو الخزاعي عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ ، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان بمكة قبل الفتح فقال: التمس صاحبا الحديث» .
قلت: ترجم في الإصابة لسعد بن زيد بن مالك الأنصاري، فذكر أنه هو الذي بعثه المصطفى ﵇ بسبايا من بني قريظة، فاشترى بها من نجد خيلا وسلاحا.
باب في انزال الوفد وفيه فصول ولها مقدمة
قال ابن هشام في سيرته: قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه.
стр. 331
حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وإنها كانت تسمى سنة الوفود قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس، وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام عرف العرب أنهم لا طاقه لهم بحرب رسول الله ﷺ ، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه اهـ.
فصل في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه ﵇ (وبنائه ﷺ فيها بنفسه)
في الوفاء للسيد السمهودي ص ٥٥٥ من ج ١ ذكر ابن شبة في دور بني زهرة: أن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها الدار التي يقال لها الدار الكبرى، دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإنما سميت بالدار الكبرى، لأنها أول دار بناها أحد المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيوف رسول الله ﷺ ، فكانت تسمى أيضا دار الضيفان، فسرق فيها بعض الضيفان، فشكى ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ ، وقد بنى ﵇ فيها بيده فيما زعم الأعرج اهـ منها واختصر ذلك السمهودي في خلاصة الوفا راجع ص ١٨٧ منها.
«ذكر أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء عن الواقدي، أن حبيب بن عمرو كان يحدث قال: قدمت وفد سلامان على رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا منه، إلى جنازة دعي لها، فلما رأيناه قلنا: يا رسول الله السلام. فقال رسول الله: وعليكم السلام من أنتم؟ قلنا: قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد، فخرج ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة وفيها نخل، وفيها وفود من العرب، وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية. وساق الحديث» .
وقد ترجم في الإصابة لحبيب بن عمرو المذكور، وأورد قصته هذه وساق سند الواقدي فيها، وأفاد أن قدومه كان في شوال سنة عشر من الهجرة، وذكر ابن إسحاق أيضا في خبر بني قريظة، أنه لما حكم فيهم سعد بن معاذ حبسوا في دار رملة بنت الحارث النجارية، وذكر ابن فتحون أنه نزل فيها وفد تميم عيينة بن حصن ومن معه.
وذكر الطبري أنه نزل عندها أيضا وفد بني كلاب وهم ثلاثة عشر رجلا.
وترجم في الإصابة للحارث بن عوف المزني المشهور من فرسان الجاهلية، فذكر عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: قدم وفد بني مرة ثلاثة عشر رجلا رئيسهم الحارث بن عوف، وذلك منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، فنزلوا بدار بنت الحارث الخ.
стр. 332
وذكر في طبقات ابن سعد لدى كلامه على وفد بني حنيفة، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم ضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء. مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا ومرة خبزا وسمنا.
وفي المواهب: وقدوم الوفد المذكور، وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار. قال الزرقاني: منزلهم بفتح الميم والزاي مصدر ميمي أي نزولهم مضاف لفاعله، ويجوز ضم الميم مع فتح الزاي أيضا من إضافة المصدر لمفعوله فيفيد أن النبي أو أحد أصحابه أمر بإنزالهم.
وقد ضبط البرهان الزاي بالفتح وسكت عن الميم فيشمل الضبطين، وإن كسر الزاي مع فتح الميم اسم للموضع، فكأنه ليس مرادا هنا لإيهامه موضعا معينا من الدار مع أن المراد مجرد النزول دون تعيين محل، وقوله: في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، هي كما قال الحافظ رملة بنت الحدث بدال بعد الحاء المهملة لابراء قبلها ألف كما عند ابن سعيد وغيره، والحدث هو ابن ثعلبة بن الحدث بن زيد الأنصارية، كانت دارها دار الوفود، وهي صحابية زوجة معاذ بن عفراء. انظر الفتح ومقدمته، والرد على السهيلي في زعمه خلاف ذلك وما سبق عن الزرقاني من أنها رملة بنت الحدث بالدال ربما ينافي ما سبق مكررا من أنها بنت الحارث بالراء وقد ذكر في الإصابة والدها بالوجهين راجع ترجمتها في ص ٨٤ من جزء النساء.
وقد جرى على ذلك سيدنا عمر فإنه أقام في خلافته دور الضيافة، وأدار عليها الأرزاق وجعل فيها الدقيق والسويق والتمر، وما يحتاج إليه، يعين به المنقطع. ووضع فيما بين مكة والمدينة في الطريق ما يصلح من ينقطع به، وفعل مثل ذلك بين الشام والحجاز انظر سيرته ﵁.
فصل في انزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمانه ﵇
«قال ابن إسحاق في السيرة: قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وذكر حديث قدومهم، وفيه: ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ .
ساق قصة هؤلاء في الإصابة في ترجمة سعيد بن رفاعة الثقفي، وعزاها لابن منده، وفيها أيضا في ترجمة علقمة بن سفيان عن تخريج يونس بن بكير في زيادات المغازي عن علقمة قال: كنت في الوفد من ثقيف، فضربت لنا قبة فكان بلال يأتينا بفطرنا من عند النبي ﷺ ، وقال: أخرجه البغوي والطبراني من طريق يونس. قال الزرقاني في باب الوفود من شرح المواهب، على قوله: ضرب عليهم قبة، أي خيمة في ناحية المسجد، لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا.
стр. 333
فصل في انزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله ﷺ
«روى قاسم [بن ثابت السرقسطي] في الدلائل عن أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فنزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة، فكان يأتينا كل ليلة ونحوه في سنن أبي داود «١» .
وعزاه الحافظ الشامي في سيرته لابن أبي خيثمة عن يحيى بن عبد الله بن أوس عن جده.
وفي طبقات ابن سعد أن وفد ثقيف نزل من كان منهم من الأحلاف على المغيرة بن شبعة فأكرمهم، وضرب النبي ﷺ لمن كان فيهم من بني مالك قبة في المسجد، فكان رسول الله ﷺ يأتيهم كل ليلة بعد العشاء، فيقف عليهم ويحدثهم، حتى يراوح بين قدميه ويشكو قريشا، ويذكر الحرب التي كانت بينه وبينهم.
وذكر في الطبقات أيضا في ترجمة عبد القيس أن وفد عبد القيس أناخوا رحالهم على باب رملة بنت الحدث، وكذلك كان الوفد يصنعون، فكانت ضيافة رسول الله ﷺ عليهم تجري عشرة أيام، وذكر في الإصابة قصة قدوم وفد نجران وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى، فأنزلهم ﵇ دار أبي أيوب الأنصاري.
وترجم فيها أيضا لعبد الرحمن بن أبي مالك الهمذاني، فذكر أنه قدم على النبي ﷺ ، وأنزله على يزيد بن أبي سفيان.
وترجم فيها أيضا لقيس بن عاصم أحد دهاة العرب فذكر قصة وروده على النبي ﷺ وإسلامه، فسأله النعمان بن مقرن فقال: يا رسول الله إيذن لي أن يكون منزله على أمي.
قال: نعم.
وفي ترجمة يزيد بن عبيد السلمي من الإصابة أن ابن شاهين خرّج في الصحابة: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، فيهم خارجة بن حصين، والحارث بن قيس، وهو أصغرهم فنزلوا في دار رملة بنت الحرث، وهذا مرسل.
وفي ترجمة أبي صفرة الأزدي من الإصابة ما يدل على أن أبا بكر في أيام خلافته، كان ينزل الوفود في هذه الدار أيضا.
وترجم فيها أيضا لأم شريك فذكر أنه وقع في صحيح مسلم، وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله تعالى، ينزل عليها الضيفان.
وفي طبقات ابن سعد أن يحنه بن رؤبة ملك أيلة لما أقبل مع أهل الشام واليمن والبحر على رسول الله ﷺ ، أمر بإنزاله عند بلال.
стр. 334
وفي در السحابة حين ترجم لعثمان بن قيس بن أبي العاص التميمي فقال عنه: هو أول قاض بمصر، وكان شريفا سريا قال في: مرآة الزمان هو أول من بني بمصر دارا للضيافة للناس.
فصل في ذكر من ولي النظر في أمر الوفود في زمنه ﵇
«قد تقدم قبل أن خالد بن سعيد بن العاص كان يمشي بين وفد ثقيف وبين رسول الله ﷺ » .
قلت: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عنده ﷺ ، حتى يأكل منه خالد. نقله الزرقاني في شرحه على المواهب. وفيه أيضا نقلا عن ابن إسحاق: أن بلالا كان يأتيهم بفطرهم وسحورهم، في الأيام التي صاموها مع رسول الله ﷺ من رمضان، وأن النبي ﵇ أمر ثوبان غلامه بإنزال وفد بني سلامان في الدار التي ينزلها الوفود.
وفي طبقات بن سعد لدى كلامه على وفد تجيب؛ أن النبي ﷺ رحّب بهم وأكرم منزلهم وحباهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد. وفيها أيضا أن وائل بن حجر القيل أحد ملوك اليمن «١» ، لما ورد على النبي ﷺ مسلما أمر ﷺ معاوية أن ينزله فأنزله منزلا بالحيرة «٢» ووقعت له معه قصة عجيبة، انظرها في الطبقات.
أمره ﵇ بالزاد للوفود
روى البيهقي عن النعمان بن مقرن المزني قال: قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة رجل، فلما أردنا أن ننصرف قال: يا عمر زوّد القوم قال: ما عندي إلا شيء من تمر، ما أظنه يقع من القوم موقعا. قال: انطلق فزوّدهم، فانطلق بهم فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية (بكسر العين وضمها غرفة) فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق (ما في لونه بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل) فأخذ القوم منه حاجتهم، قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها، معجزة نبوية انظر ص ٤٣ من شرح المواهب في سفر الوفود.
جوائزه ﵇ للوفود
بوّب البخاري «٣» في كتاب الجهاد باب: جوائز الوفود، وخرّج عن ابن عباس:
أوصى النبي ﷺ عند موته بثلاث: منها؛ وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم اهـ.
وفي طبقات ابن سعد أجاز رسول فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمان باثني عشر أوقية ونش، قال: وذلك خمسمائة درهم انظر ص ١٨ ج ١ من القسم الثان.
стр. 335
وفيها أيضا أن وفد تميم لما وردوا على رسول الله أمر لهم بالجوائز، كما كان يجيز الوفد، وذكر أن امرأة من بني النجار قالت: أنا أنظر إلى الوفد يومئذ يأخذون جوائزهم عند بلال ثنتي عشرة أوقية ونشا، قلت: وقد رأيت غلاما أعطاه يومئذ، وهو أصغرهم خمس أواق يعني عمرو بن الأهتم.
وفيها أيضا: أن وفد عبد القيس لما قدموا عليه ﵇، أمر لهم بجوائز وفضل عليهم عبد الله الأشج، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا.
وفي المواهب: أن وفد بهراء وهم قبيلة من قضاعة، وكانوا ثلاثة عشر رجلا أقاموا أياما، ثم ودعوا رسول الله ﷺ ، فأمر لهم بجوائز، قال الزرقاني: لم يبين قدرها اهـ.
وفي المواهب أيضا أن وفد غسان وكانوا ثلاثة عشر نفرا فأسلموا، وأجازهم ﵇ بجوائز، وانصرفوا وذكر فيها أيضا وفد سلامان بطن من قضاعة، كانوا سبعة نفر، فأمر لهم بالجوائز. ذكر الزرقاني، فأعطيت خمس أواقي فضة لكل رجل منها، واعتذر إلينا بلال وقال: ليس عنده مال اليوم، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه.
وترجم فيها أيضا لوفد عامر بطن من الأزد باليمن، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأمر أبيّ بن كعب أن يعلمهم القرآن، وأجازهم ﵇، قال الزرقاني: كما كان يجيز الوفود، وهو تشبيه في أصل الجائزة، لأنه لم يكن له جائزة مخصوصة، وإنما يدفع ما اتفق وجوده وهو يتفاوت قلة وكثرة، فقد أجاز بخمس أواق وبعشر وباثني عشر، وبأزيد هـ.
وفي طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد بني حنيفة: فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم النبي ﷺ بجوائزهم، خمس أواق لكل رجل، فقالوا: يا رسول الله إنا خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له بمثل ما أمر به لأصحابه، وقال: ليس بشركم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم، وكان الرجل المذكور مسيلمة الكذاب.
وفي الطبقات أيضا لدى ترجمة أشجّ عبد القيس وأمره ﵇ للوفد بالجوائز، وفضل عليهم عبد الله الأشج، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا وكان ذلك أكثر ما كان رسول الله ﷺ يجيز به الوفد، وانظر السبل للحافظ الشامي ﵀.
باب تجمله ﵇ للوفود وأجازتهم
أخرج أبو نعيم والواقدي عن جندب بن مكيث الجهني أن النبي ﷺ ، كان إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وفد عليه وفد كندة وعليه حلة يمانية، وعلى أبي بكر وعمر مثله ساقه ابن الهندي في الكنز في الوفود، وهو في طبقات ابن سعد في ترجمة: جندب بن مكيث، ولمحمد بن عمر الأسلمي شيخ ابن سعد كتاب
стр. 336
الوفود قال الحافظ الشامي في سيرته: وفيه فوائد لم يلم بها ابن سعد اهـ وانظر ترجمة علقمة بن سفيان من الإصابة.
باب في الخانات (الفنادق) لنزول المسافرين
قد استنبط بعضهم ذكر الخانات من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور: ٢٩] ذكره غير واحد منهم الروضي في شرح الأنموذج.
وفي طبقات ابن سعد: واتخذ عمر دار الرقيق، وقال بعضهم: الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق، والتمر والزبيب، وما يحتاج إليه يعين به المنقطع والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من يقطع به، ويحمل من ماء إلى ماء اهـ ص ٢٠٣ ج ٣.
وفيها أيضا أن عمر استأذنه أهل الطريق يبنون ما بين مكة والمدينة فأذن لهم وقال:
ابن السبيل أحق بالماء والظل اهـ ص ٢٢٠ ج ٣.
باب في المارستان (دار المرضى والمستشفى اليوم) وقيام النساء (الصحابيات به في زمنه ﵇
قال الجوهري في الصحاح: المارستان «١» بيت المرضى معرب عن ابن السكيت. قال زاهد العلماء أبو سعيد نصر بن عيسى: أول من اخترع المارستان وأوجده بقراط، وذلك أنه عمل بالقرب من داره من بستان كان له موضعا مفردا للمرضى وجعل فيه خدما يقومون بمداواتهم.
«في صحيح مسلم عن عائشة «٢» أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش فضرب رسول الله ﷺ في المسجد خيمة يعوده من قريب، وقال ابن إسحاق في السيرة:
كان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها: رفيدة في مسجده ﵇، كانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيعة من المسلمين» .
فهذا أوسع ما علمنا عن المستشفيات في حياته ﵇. «وأول من بني المارستان من ملوك الإسلام الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨ هـ وجعل فيه الأطباء، وأجرى فيها الإنفاق «٣» ، وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم الأرزاق وعلى العميان.
قلت: ولا شك أن معنى ذلك أن الوليد هو أول من اجتهد في توسعته وزخرفته،
стр. 337
والقيام بما يلزم له على حسب سعة الحال والمال في زمنه، وإلا ففي الإصابة: رفيدة الأنصارية أو الأسلمية ذكرها ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ، لما أصابه السهم بالخندق، فقال رسول الله ﷺ : اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد، حتى أعوده من قريب، وكانت أمرأة تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على من كانت به ضيغة من المسلمين.
وقال البخاري في الأدب المفرد: حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: ولما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فقيل: حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، وكان رسول الله ﷺ إذا مر به يقول:
كيف أصبحت كيف أمسيت فيخبره.
وأورده في التاريخ في قصة وفاة سعد وسنده صحيح، وأورده المستغفري من طريق البخاري، وأبو موسى من طريق المستغفري اهـ.
وفي الإصابة أيضا في حرف الكاف كعيبة بنت سعيد الأسلمية فذكرها بنحو ذلك، وكانت أخت رفيدة.
باب في الطبيب
«ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن هشام بن عروة قال عروة لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من علمك بالشعر، وأنت ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس ولكن أعجب من علمك بالطب، فضربته على منكبه وقالت: إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم إليه وفود العرب من كل وجه، فينعت لهم الإنعات فكنت أعالجه فمن ثمّ» .
وفي ترجمتها من الإصابة قال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. (وفي الأحكام النبوية لأبي الحسن بن طرخان الحموي، أن النبي ﷺ : كان يديم التطبب في حال صحته ومرضه، أما في صحته فباستعمال التدبير الحافظ لها من الرياضة وقلة المتناول، وأكله الرطب بالقثاء، والرطب بالبطيخ ويقول: يدفع حرّ هذا برد هذا وبرد هذا حرّ هذا. وإكحال عينيه بالأثمد كل ليلة عند النوم، وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر القوي، ويقول: أبردوا بها. وأما تداويه في حال مرضه فثابت بما روي من ذلك في الأخبار الصحيحة منها من عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه، وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه.
وعنها قالت: إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات فكنت أعالجه بها.
فثبت حينئذ ما ذكرناه من تداوي رسول الله ﷺ ومداومة تطببه في حال صحته ومرضه، وأمر بالمداواة في عدة أحاديث صحيحة اهـ.
стр. 338
وفي المواهب كان رسول الله ﷺ يراعى صفات الأطعمة وطبائعها، ويراعي استعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى تحسين وتعديل لحرارته كسره وعدله، وهذا أصل كبير في المركبات والأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من غير إسراف اهـ.
وفي آخر الجيش العرمرم الخماسي لأبي عبد الله أكنسوس المراكشي: شرع سيد المتوكلين التداوي، وكان يستعمله في نفسه ويأمر به غيره، حتى قيل: إن القدر التي تطبخ فيها أدويته ﵇ لا تكاد تنزل عن النار اهـ منه.
وفي سنن أبي داود «١» عن سعد وهو ابن أبي وقاص قال: مرضت فأتاني النبي ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها في فؤادي، فقال إنك مفؤود أي مريض بفؤادك، ائت الحرث بن كلدة أخا ثقيف، فإنه رجل يتطبب أي يعرف الطب مطلقا، أو هذا النوع من المرض، فيكون مخصوصا بالمهارة والحذاقة. قاله شارح السنن.
قال الحافظ الذهبي في التجريد، لما ترجم للحرث: قيل إنه عالج سعدا في حجة الوداع، وكان النبي ﷺ فيما ذكره ابن سعد بلا سند يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيسأله عن علته اهـ وقع ذلك في طبقات ابن سعد ص ٣٧٢ ج ٥.
وقال ابن طرخان بعد أن ذكر قصة أكل الحارث بن كلدة مع أبي بكر، وقوله له:
أكلنا سم سنة وإنهما ماتا في يوم واحد. وكان الحارث بن كلدة طبيبا من أفاضل أطباء العرب من أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل تلك الديار، ومن أهل جندي سابور وغيرها في الجاهلية، وأجاد في هذه الصناعة، وطبّ بأرض فارس وحصل له بذلك مال كثير، وشهد من رآه ببلد فارس بعلمه وشاع اسمه بينهم، ثم رجع إلى بلاده واشتهر طبه بين العرب، وأدرك الإسلام وكان رسول الله ﷺ يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيستوصفه اهـ.
وقال ابن القيم في الهدى النبوي: عن الحارث المذكور أنه طبيب العرب. بل أطبهم. وكان فيهم كإبقراط في قومه اهـ.
وأخرج ابن منده من طريق اسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: مرض سعد فعاده النبي ﷺ فقال: إني لأرجو أن يشفيك الله، ثم قال للحارث بن كلدة: عالج سعدا.
قال ابن سعد: لا يصح إسلام الحرث قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فدل ذلك على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله اهـ.
ونقله الحافظ المنذري في اختصار السنن، والوزير أبو الحسن بن يوسف القفطي في
стр. 339
أخبار الحكماء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن باديس في شرح المختصر، والخزاعي هنا وجماعة من الأيمة وأقروه.
قال الحافظ في الإصابة: وهذا يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب اهـ.
وقد نقل عبارة الإصابة هذه النور على الشبراملسي في حواشي المواهب، بواسطة شيخه الشمس الشوبري الشافعي، ولكن عقبها بما نصه: أقول وفيه أنه مناف لما نص عليه الأئمة أنه لا يجوز التطبب بأهل الذمة إلا أن يقال: المنهي عنه تقليدهم في ذكر الدواء والعمل به، وهاهنا وقع الوصف من النبي ﷺ وإنما طلب الاستعانة به في تركيبه اهـ.
وفي مسند أحمد ما هو كالصريح في الباب؛ وهو ما خرجه عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة الصديقة قالت: إن النبي ﷺ كثرت أسقامه، فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه، هكذا عزاه إليه الشمس السفاريني في غذاء الألباب ص ٣٩٢ من ج ١.
وفي طبقات ابن سعد عن عائشة: كان رسول الله ﷺ رجلا مسقاما، وكانت العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت له العرب، وكانت العجم تنعت له فيتداوى اهـ ص ١١٦ ج ١ من القسم ٢.
وتقدم عن الأحكام النبوية لابن طرخان أن قول عائشة هذا روي بأسانيد صحيحة، وقال في محل آخر بعد أن كرره: فيدل على أن النبي ﷺ كان يديم الطب.
ولا شك أن العجم إذ ذاك أو أغلبهم كفار، ومع ذلك كان يستوصفهم ﵇ بعد حصول الثقة بمن يثق به منهم إذ ذاك، واستفدنا من الحديث المذكور أن الأطباء من العجم كانوا يقدمون عليه ﵇.
وانظر هل كانوا يردون عليه من قبل أنفسهم أو بطلب أو لغرض كسفارة مثلا والعبارة واسعة.
ولما عرف عياض في المدارك بالشيخ أبي إسحاق الجنبياني قال: قال أبو يحيى القابسي: لما خرجنا من عنده هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت أعطيتموها لصبي لا يقوم بها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق: اغتبته فقلت له وصفته بحاله. وفي السنة ما يبيح ذلك وهو قوله ﵇ للتي شاورته في النكاح: أما أبوجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فرجل صعلوك لا مال له فقال لي: لا حجة فيها لأن المستشار مؤتمن، وأيضا إنما شاورته في أنه يدخلها في النكاح أو يصرفها عنه، ومسألتنا ليست كذلك بل في السنة وإن النبي ﷺ أتاه طبيبان، وكانا نصرانيين فلما خرجا قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب. قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيان قبل ذلك اهـ.
قال ابن عرفة في تفسيره لدى قوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا إثر هذه القصة: يحتمل
стр. 340
أن يكون معنى الحديث في الطبيبين أنهما استويا في القدر المجزي منهما المحصل للغرض، وزاد أحدهما بأمور تكميلية لا يضر تركها، ولا ينقص من معرفة العلاج والمعاناة، فزاد بمعرفة الطبيعيات فحينئذ يكون تفضيل أحدهما على الآخر غيبة، وأما حيث يكون المرجوح منهما لا يحصل المقصود منه في التطبب؛ فالظاهر أن التعريف بذلك ليس غيبة اهـ منه. فاستفيد من القصة ذكر عياض عن القابسي قصة الطبيبين النصرانيين وحضور المصطفى ﵇ معهما.
وقد أخرج ابن سعد في ترجمة معيقيب الدوسي من الطبقات: عن محمود بن لبيد في قصة الأكل مع المجذوم. وفيها: وكان عمر يطلب الطب من كل من سمع له تطبب، والقصة مبسوطة في كنز العمال ص ١٩١ من ج ٥.
وخرّج مالك وابن أبي شيبة وابن جرير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها.
فقال أبو بكر أرقيها بكتاب الله .
وأخرج ابن جرير عن عمرة أن عائشة كانت ترقيها يهودية، فدخل عليها أبو بكر ﵁ وكان يكره الرقي فقال: ارقيها بكتاب الله.
وقد عقد فصلا للتطبب بالكافر والذمي الإمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه المسمى «الآداب الشرعية الكبرى» فنقل فيه عن الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عدلا جاز له أن يتطبب، كما يجوز له أن يودعه المال، وأن يعامله كما قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:
٧٥] وفي الصحيح: أن النبي ﷺ لما هاجر استأجر رجلا يهوديا خريتا، والخرّيت الماهر بالهداية واستأمنه وأتمنه على نفسه وماله، وكانت خزاعة عيبة [أي وفية] لرسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب الحارث بن كلدة، وكان كافرا وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكيل أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهودي والنصراني المنهي عنها، وإذا جاز طبه ومخاطبته بالتي هي أحسن كان حسنا قال تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦] اهـ كلامه.
وقال الخطابي على حديث صلح الحديبية، وبعث النبي ﷺ عينا له من خزاعة وقبوله خبره، فيه دليل على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة، ووجه العلاج إذا كان غير متهم بما يصفه، وكان غير مظنون به الريبة اهـ.
وفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم، في استيئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل
стр. 341
والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولايته تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة اهـ.
وذكر ابن مفلح مثال ما ذكر عن المروزي: أدخلت على أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل نصرانيا فجعل يصف، وأمر عبد الله بكتب ما وصفه ثم أمرني فاشتريته له اهـ من كتاب الآداب الكبرى وما أجمعه وأوسعه من كتاب.
وقد ترجم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء جماعة من أطباء النصارى من أهل القرن الأول الهجري؛ كان معاوية ومن بعده من ملوك الإسلام يتطببون بهم، فترجم لطبيب اسمه أبو الحكم فقال فيه: كان طبيبا نصرانيا عالما بأنواع العلاج، وله أعمال مذكورة.
وكان يستطبه معاوية بن أبي سفيان، ويعتمد عليه في تركيب الأدوية لأغراض قصدها منه.
وترجم فيها أيضا لابن أثال فقال: كان طبيبا متقدما من الأطباء الممتازين في دمشق نصراني المذهب. ولما ملك معاوية دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الاعتناء به والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلا ونهارا. وكان ابن أثال خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، وما فيها من مسموم قاتل، وكان معاوية يقربه لذلك كثيرا. انظر عيون الأنباء وإلى هذه المسألة أشار أيضا الإمام محمد بن عبد القوي المرداوي الحنبلي في منظومته في الآداب فقال:
ومكروه استئماننا أهل ذمة ... لاحراز مال أو لقسمته اشهد
ومكروه استطبابهم لا ضرورة ... وما ركّبوه من دواء موصد
قال السفاريني في شرحها على قوله: لا ضرورة لا يكره إستطباب أهل الذمة ضرورة أي لاجل الضرورة، لأن الحاجة داعية إليه ولأن إدخال الضرر من إستطبابهم متوهم، والعلة معلومة فلا يمنع من إتخاذ ما يزيل المعلوم من الضرر بخوف إدخال ضرر متوهم اهـ ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق بواسطة ابن مفلح، وانظر شرح العارف النابلسي على الطريقة المحمدية ص ٢٣٦ الجزء الأول.
«وفي الطبقات لابن جلجل وذكر أبا رمثة رفاعة فقال كان طبيبا على عهد رسول الله ﷺ ، عالما بصناعة اليد وفي سنن أبي داود «١» عن جابر قال: بعث النبي ﷺ إلى أبيّ بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا اهـ وتقدم قول ابن إسحاق في رفيدة الأسلمية وأنها كانت تداوي الجرحي، وتحتسب نفسها على خدمة من كانت فيه ضيعة من المسلمين» .
وترجم في الإصابة للشمردل بن قباب الكعبي النجراني فذكر عن الخطيب في المتفق أنه كان يتطبب، وأن المصطفى ﵇ ذاكره في مسائل طبية. وأخيرا قبّل الشمردل
стр. 342
المذكور ركبة النبي ﷺ وقال: والذي بعثك بالحق أنت أعلم بالطب مني. قال الخطيب:
في إسناده نظر، وقال ابن الجوزي: في روايته مجاهيل.
وترجم فيها لضماد بن ثعلبة الأزدي فقال: كان ضماد صديقا للنبي ﷺ ، وكان عاقلا يتطبب ويرقي، وذكره بذلك أيضا ابن عبد البر في الإستيعاب.
وقد عقد ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء بابا فقال: الباب السابع: في طبقات الأطباء الذين كانوا في أول ظهور الإسلام من أطباء العرب وغيرهم، فترجم فيها للحرث بن كلدة، وولده النضر بن الحرث، وابن أبي رمثة التميمي، فقال في الأخير: كان طبيبا على عهد رسول الله ﷺ مزاولا أعمال اليد أبي رمثة قال: أتيت النبي ﷺ فرأيت بين كتفيه الخاتم وذكر قصة فقال له النبي ﷺ : أنت رفيق والطبيب الله. قال سلمان بن حسان: علم رسول الله ﷺ أنه رفيق اليد ولم يكن فائقا في العلم، فبان ذلك من قوله الطبيب الله اهـ.
فائدة: عرفت الحقنة في الصدر الأول، فقد أخرج أبو نعيم عن سعيد بن أيمن أن رجلا كان به وجع، فنعت له الناس الحقنة. فسأل عمر بن الخطاب عنه فزجره، فلما غلبه الوجع احتقن فبرىء من وجعه ذلك، فرآه عمر فسأله عن برئه فقال: احتقنت فقال عمر:
إن عاد لك فعد لها، يعني احتقن. ساقه ابن الهندي في الكنز في كتاب الطب؛ فبوّب عليه الحقنة فأفاد ما يدل على أن العرب عوفوا الحقنة.
وفي طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة: أن كسرى سأل الحارث بن كلدة طبيب العرب قال له: أتأمر لي بالحقنة. قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء عنه، والعجب ممن احتقن كيف يهرم اهـ انظر ص ١١١ من الجزء الأول. وبذلك تعلم ما ذكره الحطّاب ونقله عنه الشيخ عليش في فتاويه ص ٢٤٦ الجزء الأول؛ من أن العرب كانت لا تعرف الحقنة وأنها من فعل العجم.
وسئل مالك في مختصر ابن عبد الحكم عن الحقنة فقال: لا بأس بها «١» . الإبهري إنما قال ذلك لأنها ضرب من الدواء وفيها منفعة للناس، وقد أباح النبي ﷺ التداوي الخ انظر التوضيح.
وفي تاريخ الخميس للديار بكري إن أول من لبس التبان تحت ثيابه لأجل الفتق عمار بن ياسر لما ضرب، فيؤخذ منه أن حمل الفتق على ما يقرب من الحال الآن عرفه الصحابة. ومما يدل على أهتمام الصحابة بالطب والعلاج ما أخرجه ابن جرير عن أم جميلة أنها دخلت على عائشة فقالت لها: إنّي امرأة أداوي من الكلف من الوجه، وقد تألمت منه فأردت تركه فما تأمرين فقالت لها عائشة: لقد كنا في زمن النبي ﷺ لو أن إحدانا كانت إحدى عينيها أحسن من الآخرى فقيل لها: إنزعيها وحوّليها مكان الآخرى، وانزعي
стр. 343
الآخرى فحوليها مكانها ثم ظنت أن ذلك يسوغ لها ما رأينا به بأسا، فإذا زاولت فزاوليها، وهي لا تصلح ساقه ابن الهندي أول كتاب الطب من الكنز.
باب في قاطع العروق
«تقدم عن جابر قوله: بعث النبي ﷺ إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا، وعن ابن جلجل إن أبا رمثة كان عالما بصناعة اليد» العرق بكسر العين وسكون الراء من الحيوان الأجوف الذي يكون فيه الدم والعصب غير الأجوف قاله في النهاية، وقد استدل بحديث جابر هذا أن الطبيب يداوي بما ترجح عنده.
باب في الكي
«في صحيح مسلم «١» عن جابر قال: بعث البني ﷺ إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه» .
ترجم في الإصابة أسعد بن زرارة فذكر عن عبد الرزاق أن النبي ﷺ دخل على أسعد ابن زرارة، وكان أحد النقباء ليلته، وقد أخذته الشوكة فكواه. وفي سنن أبي داود عن جابر أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ من رميته، والمعنى أن الجراحة التي أصابت سعدا من أجل العدو الرامي له في أكحله كواها له النبي ﷺ ، وفي مسلم: رمي سعد بن معاذ في أكحله قال: فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية، وأخرج ابن ماجه أن رسول الله ﷺ كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أنس أن أبا طلحة اكتوى وكوى أنسا من اللقوة.
وأخرج الحاكم وصححه والطحاوي عن أنس قال: كواني أبو طلحة في زمنه ﵇، وأصله في البخاري. وأنه كوى من ذوات الجنب. وعند الترمذي أنه ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في أثر صحيح أنه ﷺ إكتوى إلا القرطبي نسب إلى الطبري أنه ﷺ إكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه إكتوى للجرح الذي أصابه، والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. وجزم ابن التين أنه أكتوى. وعكس ابن القيم في الهدي اهـ.
وقال الخطابي إنما كوى ﷺ سعد بن معاذ ليرقأ الدم عن جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكي يستعمل في هذا الباب وهو من العلاج الذي تعرفه الخاصة وأكثر العامة، والعرب تستعمل الكي كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء ويقال في أمثالها: آخر الدواء الكي. والكي داخل في جمله العلاج.
стр. 344
باب في أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه
ترجم في الإصابة لكهيل الأزدي فقال: كانت له صحبة، قال: أصيب الناس يوم أحد، وكثرت فيهم الجراحات، فأتى رجل النبي ﷺ فأخبره فقال: إنطلق فقم على الطريق، فلا يمر بك جريح إلا قلت: بسم الله ثم تفلت في جرحه. الحديث أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من رواية علقمة بن عبد الله عن القاسم بن محمد عنه.
باب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس
خرج أبو داود «١» والنسائي والدارقطني عن عمرو بن شبة عن أبيه عن جده رفعه: من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن، وفي رواية لأبي نعيم: من تطبب ولم يكن بالطب معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن، قال ابن طرخان: هذا الحديث فيه إحتياط وتحرز على الناس، وحكم سياسي مع ما فيه من الحكم الشرعي، وقوله: تطبب أي تعاطى علم الطب، ولم يكن من أهله، ومعناه: من تعاطى علم الطب ولم يتقدم له به استعمال ومزاولة وتدرب مع الفضلاء فقتل بطبه فهو ضامن اهـ.
باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة
في الصحيحين «٢» وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وقد رجع عمر بن الخطاب بسبب هذا الحديث لما خرج إلى الشام، وأخبر أن الوباء قد وقع بها وأن عمر حمد الله وانصرف.
قال ابن طرخان في نهيه ﷺ عن الدخول للأرض التي حلها الطاعون، فائدتان:
أحداهما لئلا يستنشقوا الهواء الذي قد عفا وفسد فيمرضون. والثانية لئلا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فتتضاعف عليهم البلية، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: من القرف التلف. وفسر بأنه ملابسة الداء ومداناة المرضى. وبالجملة قوله: لا نقدموا عليه إثبات للحذر والنهي عن التعرض للتلف، وحديث أبي داود «٣» المذكور من حديث فروة بن مسيك قال: قلت يا رسول الله أرض عندنا يقال لها: أرض أبين (قرية إلى جانب البحر من ناحية اليمن) هي أرض ريفنا (كل أرض فيها زرع ونخل) وميرتنا (الطعام المجلوب من بلد إلى بلد) وإنها وبئة (كثيرة الوباء) أو قال: وباؤها شديد. فقال ﵇: دعها عنك فإن من القرف (ملابسة الداء ومداناة المرضى) التلف (الهلاك) قال الخطابي وابن الأثير: ليس
стр. 345
هذا من باب الطيرة والعدوى، وإنما هذا من باب الطب؛ لأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى إسقام البدن عند الأطباء، وكل ذلك بإذن الله ومشيئته اهـ.
ومن هذا الباب ما أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي: كان النبي ﷺ إذا أرمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها.
ومن العجب ما وقفت عليه في مكتوب السلطان أبي العباس المنصور؛ كتب لولده أبي فارس وهو خليفته على مراكش بتاريخ ١٠١١ في أمر وباء حدث إذ ذاك بسوس قال فيه ما نصه [والبطاقة التي ترد عليكم من سوس من عند الحاكم أو ولد خالكم وغيرهما لا تقرأ ولا تدخل دارا بل تعطى لكاتبكم، هو يتولى قراءتها ويعرفكم مضمونها ولأجل أن كاتبكم يدخل مجلسكم ويلابس مقامكم حتى هو لا يفتحها إلا بعد أن تغمس في خل ثقيف وتنشر حتى تيبس، وحينئذ يقرؤها ويعرفكم بمضمونها إذ ليس يأتيكم من سوس ما يوجب الكتمان عن مثل كاتبكم] اهـ.
وهذا هو عمل الأفرنج اليوم في تحفّظهم من الوباء المسمى عندهم ب [الكرنتينة] المعروفة في باب الوقاية ودوائر الصحة، وقد كانت وقعت المحاورة بين عالمي تونس أبي عبد الله محمد المناعي المالكي والشيخ أبي عبد الله محمد بيرم الحنفي في إباحتها وحصرها، فألف الأول في الحرمة وألف الثاني في الجواز مستدلا على ذلك بنصوص من الكتاب والسنة. انظر رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي لباريز.
وفي إرشاد الساري في تفسير سورة النساء لدى قوله تعالى (وخذوا حذركم) دل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المظنونة. ومن ثمّ علم أن العلاج بالدواء والإحتراز عن الوباء والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب اهـ وانظر كلاما لصاحب الإستقصاء في النازلة جعل ذلك مقيدا بالوجه الذي ليس فيه مفسدة شرعية والله أعلم.
النسوة الممرضات
انظر آخر القسم الثامن ترعجبا
(باب في الحكيم)
ترجم في الإصابة لأبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الأصبحي الحميري، فنقل عن الرشاطي في الأنساب أنه وفد على النبي ﷺ ففرش له رداءه، وأنه كان بالشام، وكان يعد من الحكماء. حكاه الهمذاني في النسب قال: وكان يروي عن النبي ﷺ أحاديث اهـ.
وترجمه أيضا كذلك الحافظ الذهبي في التجريد وقال: أفاده الحافظ قطب الدين وزاد أنه قتل مع علي في صفين.
стр. 346
وترجم الحافظ أيضا فيها أكثم بن صيفي التميمي الحكيم المشهور ورد على ابن عبد البر إنكاره ذكره وذكر من خرّج أن قوله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ٩٩] ومكاتبة المصطفى له ونقل عن الخطيب فيه: كانت له حكمة وبلاغة، وفي ترجمة الحكم بن سعيد بن العاص من الإصابة نقلا عن السراج في مسنده: كان الحكم يعلم الحكمة.
وانظر في الإصابة أيضا ترجمة حكيم العرب غيلان بن سلمة الثقفي.
وفي ابن التلمساني على الشفا هو ممن وفد على كسرى، وخبره معه عجيب. قال له كسرى يوما: أي ولدك أحب إليك؟ فقال له غيلان: الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يؤوب [يقدم] فقال له كسرى: مالك ولهذا الكلام، وهذا كلام الحكماء وأنت من قوم جفاة لا حكمه بينهم، فما غذاؤك قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر، لا من اللبن والتمر، وكان شاعرا أسلم يوم الطائف، وتوفي في خلافة عمر ﵃.
وفي نور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي عن تخريج الخطيب رفعه: يقدم عليكم الليلة رجل حكيم، فقدم عمرو بن العاص. وهو في مسند أحمد اهـ.
وذكر أبو نعيم في كتاب معوفة الصحابة، وأبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ ، فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجب ما رأى من سمتنا وزيّنا فقال: من أنتم قلنا: مؤمنون، فتبسم النبيّ ﷺ ، وقال: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قلنا: خمس عشرة خصلة؛ خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال لهم ﷺ ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ فذكروا له قواعد الإيمان والإسلام. قال: فما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى عن القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال ﷺ : حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخالدون فانصرفوا وقد حافظوا وصيته، وعملوا بها.
وقال العراقي في المغني: أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ، من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضيعف اهـ.
وفي مشيخة الأنصاري فقال ﵇: أدباء حكماء علماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء.
стр. 347
وقال الحافظ ابن حجر: هو في كتاب المعرفة لابي نعيم من رواية أبي سليمان الداراني عن زاهد بالشام سماه عن أبيه عن جده سويد اهـ.
وقال الذهبي في الميزان: علقمة بن يزيد بن سويد عن أبيه عن جده لا يعرف أتى بخبر منكر لا يخبر به اهـ.
قلت: وإن أقره شارح الأحياء ففيه إفراط والصواب: قول العراقي في المغني، والحديث في الحلية في ترجمة أبي سليمان الداراني انظره قال الزرقاني في شرح المواهب على قوله: حكماء علماء، وقدم الحكمة على العلم، لأنها الصفة القائمة بهم الدال علي كمال عقلهم، والعلم طريق إلى معرفة الحسن من القبيح اهـ.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلا رفعه: حكيم أمتى عويمر، وهو أبو الدرداء، الوارد فيه أيضا: لكل أمة حكيم وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء.
ومعناه عالم الحكمة قاله القاوقجي في الذهب الأبريز.
وفي الإستبصار في أنساب الأنصار؛ لما ترجم لابي الدرداء: وله حكم مشهورة منها قوله: الدنيا كدر وليس ينجو منها إلا أهل الحذر، ولله فيها علامات يتبعها الجاهلون، ويعتبر بها العالمون، ومن علاماتها فيها أن حفت بالشبهات، وارتطم فيها أهل الشهوات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات. ومزج حلالها بالمؤبات، وحرامها بالتبعات، فالمثري فيها تعب والمقل فيها نصب.
قال ابن قدامة: وبلغنا عن أبي الدرداء أنه كان يقول: مساكين أهل الدنيا يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم، فإذا كان يوم القيامة كان حسابها عليهم، ونحن منها براء اهـ.
وفي المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية: من تبصر في أحوال العرب وأخلاقهم صح له من طريق العقل أن لا بدع في أن سيد الأنبياء لم يبعث من سواهم، كما يتضح له بطلان القول بأنهم لم يكن لجاهليتهم حظ في الفلسفة، فإن في تتبع أقوالهم وأحوالهم، ما يذهل عقول الحكماء، في جميع ضروب الحكمة اهـ منها ص ١٩٢ الجزء الأول.
وقد حقق الصدر الشيرازي وغيره من المحققين أن ما جاءت به الفلسفة الصحيحة من العلوم العقلية أو السياسية عمرانية كانت أو كونية لا يخالف ما جاء به الكتاب والسنة، وأن ما كان يبدو من المخالفة في العصور الأولى إنما كان منشؤه الغلط، والخطأ في الترجمة فقط، وبعد أن ترجم الترجمة الصحيحة تبين الوفاق.
باب في المنجم
ترجم في الإصابة للربيع بن زياد الحارثي الذي كان الحسن البصري كاتبا له فقال: لم يكن في عصره عربي ولا عجمي أعلم بالنجوم منه، وكان يتحرج أن يقضي، فكان يبصر حكم ما دله عليه النجوم.
стр. 348
وفي الذيل لكتاب بشائر الإيمان في فتوحات آل عثمان، للشيخ حسين خوجه رئيس ديوان الإنشاء بتونس في ترجمة علامة تونس الشيخ قويسم بن علي صاحب سمط اللآلي أن له رسالة سماها: إصابة الغرض في الرد على من اعترض. موضوعها في مباحثة متعلقة بالوقت والنجوم، وبين أن له أصلا من السنة وذكر ما ورد في ذلك من الآثار اهـ انظر ص ١٠٣ من الذيل المذكور.
باب في القافي
ترجم في الإصابة مجززا المدلجي الكناني، وهو مذكور في الصحيحين من طريق عائشة قالت: دخلت على النبي ﷺ فوجدته مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام من بعض، وفي رواية لابن قتيبة: مر على زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، قال الحافظ: لو كان كافرا لما اعتمده في حكم شرعي اهـ.
وقد كان علم القيافة عند العرب ينقسم إلى نوعين: الإستدلال بأثر الماشي عليه، والإستدلال بتقاطيع الجسم على صحة النسب وبطلانه، وكان فيهم قبائل شهرت بذلك حتى كان قول الفرد منها حكما في الآثار والإنسان، كبني مدلج الذي منهم مجزز المذكورة قصته في الترجمة، وكان لهم في الفرع الثاني ما لا يقل عن الأول؛ يجيئون بالرجل والولد ويغطون جميع بدنهما ما عدا الأقدام كما في القصة المذكورة، والشريعة لم تلغ حكم القائفين، بل رضيه النبي ﷺ كما رأيت وسر به كما يراه من اعتبره.
باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء والمنقطعين
والزوايا جمع زاوية مأخوذ إما من الانزواء، أي الإنقباض لانقباضهم عن الناس، أو من زاوية البيت الناحية لميلهم عن البعد عن الناس والخفاء، وهي حادثة بظهور طائفة التصوف في القرن الثالث واختصاصهم بهذا الإسم، وكانوا في زمن التابعين يسمون العباد، فكأنهم منسوبون إلى أهل الصفة. هؤلاء الذين كانوا في زمنه ﵇ قصروا أنفسهم على الطاعات، ولا يرجعون إلى أهل أو مال فيهم كما قيل: ضيوف الله والإسلام يسكنون فيها ليرتزقوا من أوقافها. قاله صاحب بذل الكرامة لقراء المقامة. وقال التقي المقريزي في الخطط: ولاتخاذ الربط والزوايا أصل من السنة وهو أن النبي ﷺ اتخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال مكانا من مسجده، كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصفة اهـ منه ص ٢٩٣ الجزء الرابع.
«في صحيح البخاري عن أبي هريرة واصفا ما لاقى في صدر إسلامه من الشدة، وقول رسول الله ﷺ : إلحق أهل الصفة فأدعهم لي. قال وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون
стр. 349
على أهل ولا على مال، ولا على أحد إذا أتته الصدقة، بعث إليهم بها. ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها» .
أردت أن أبسط القول هنا على أهل الصفة وأحوالهم وعددهم ومن كان على طعامهم لتقصير الخزاعي هنا فأقول؛ قال عياض: الصفة بضم الصاد وتشديد الفاء ظلة في مؤخر مسجد رسول الله ﷺ يأوي إليها المساكين وإليها تنسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل.
وقال الحافظ الذهبي: إن القبلة قبل أن تتحول كانت في شمال المسجد فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة، وقال الحافظ ابن حجر: الصفة مكان في آخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يسافر، وقال المجد نقلا عن الدارقطني: الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها، وفي التوشيح للسيوطي: الصفة بصاد وفاء محل وراء الحجرة النبوية مظلل معد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل في مؤخر المسجد إلا أنه يحسب الآن في مؤخرهما معا، محاذيا للحجرة، فالكل داخل فيه في وقتنا اهـ.
ثم قال المجد وذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال: وفي آخر الغرفة تل مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه دار الصفة، حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة، وكأن هذا وهم والله أعلم، قال السيد السمهودي في الوفا: يظهر لي من قول عياض فيما قدمناه عنه على أشهر الأقوال أن في ذلك خوفا، فيكون ما ذكر ابن جبير أحد الأقوال لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد فاشتهرت بذلك.
وفي تلبيس إبليس لابن الجوزي: أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ ، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ . وقيل أهل الصفة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجلين أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أكثر أو أقل فيؤتي النبي ﷺ بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال ناموا في المسجد.
وروى ابن شبة قال: كان من قدم المدينة فكان من له بها عريف (رئيس) نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت ممن نزل الصفة، فرافقت رجلين كانا يجريان عليهما كل يوم مدّين من تمر رسول الله ﷺ .
وقال ابن النجار: روى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند النبي ﷺ في المسجد فقال: نفرق هذا الأضياف في دور الأنصار، ونجعل لك في كل حائط قنوا ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام فقال رسول الله ﷺ ؟ بلى فلما وجد ماله أتى بقنو، فجعله من المسجد بين ساريتين، ويجعل الإقناء على الحبل، ويجمع العشرين أو أكثر فيأكلون وينصرفون، ويأتي غيرهم فيفعل بهم مثل ذلك فإذا كان الليل فعل بهم مثل ذلك.
стр. 350
وقد بّوب البخاري في القسمة وتعليق القنو في المسجد، ولم يذكر في الباب صريحا فأشار بذلك إلى ما رواه النسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرج رسول الله ﷺ وبيده عصا، وقد علق قنو حشف فجعل يطعم من ذلك القنو، ويقول: لو شاء ربّ هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا.
وأخرج ثابت في الدلائل أن النبي ﷺ أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد، يعني للمساكين. وفي رواية له: وكان عليها معاذ بن جبل، أي على حفظها أو قسمتها راجع الوفاء ص ٣٢٣.
وفي ترجمة والد واثلة بن الأسقع من الإصابة أن أبا نعيم خرّج في الدلائل قال: كنا في الصفة وهم عشرون رجلا، فأصابنا جوع وكنت من أحدث أصحابي سنا فبعثوا بي إلى النبي ﷺ أشكو جوعهم، وفي المواهب: أنه كان ﵇ يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه ويبقى طائفة معه، قال الزرقاني: مواساة وتكرما. وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه خادما فقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم.
وفي تحفة الناظر للعقباني قال عز الدين: إنما يرخص في المبيت في المسجد لمن لا ينتهك حرمته من الضعفاء، فقد كان أصحاب الصفة يبيتون فيه مع القيام بحرمته اهـ.
ونقل ابن التلمساني على الشفا عن الكشاف: أصحاب الصفة كانوا نحو أربعمائة رجل من مهاجري قريش، لم يكن لهم مسكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ﷺ ، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى اهـ.
وقال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا. اهـ.
ولما تكلم الإمام أحمد بن قاسم الصومعي التادلي في كتاب «اللباب في معاملة الملك الوهاب» على أهل الصفة نقل عن قتادة: أنهم لزموه ﵇ لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع ولا إلى ضرع، يصلون صلاة وينتظرون أخرى اهـ منه.
وفي طبقات ابن سعد أن القراء في زمن رسول الله ﷺ ، كانوا يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة، والفقراء. انظر ص ٧١ الجزء الثالث.
وقال الأستاذ الصالح أبو عثمان سعيد بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي في رسالته الأنالة العلمية! إن الفقراء المتجردين من الصوفية، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد، والرباط والتجرد وقلة التسبب، والناس ينكرون على الفقراء هذه
стр. 351
الصفة وهي السنة لأن السنة في عرف الشرع ما أقره ﵇ أو عمله أو علّمه. وكان ﵇ يحسن إليهم ويؤنسهم، ولم يأمرهم بتكسب.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ ، فسألوه أن يبعث معهم رجالا يعلمونهم القرآن والسنة، فبعث معهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القرّاء منهم خالي حرام- بحاء مهملة وراء- يقرأون القرآن ويتدارسونه، وبالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة، والفقراء. فبعثهم إليهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فهؤلاء لم ينههم النبي ﷺ ولا نهى القراء عن خدمتهم، ثم ذكر حديث البخاري السابق وقال إثره: فصح أنهم كانوا فقراء متجردين يقرأون في المسجد غير متسببين، وهذه الصفة هي صفة الفقراء المتجردين اليوم.
قال أبو طلحة: كنا نأتي المدينة فمن كان له بها عريف نزل عليه وإلا نزل بالصفة. وكان الراتبون بالصفة نحو أربعمائة رجل منهم أبو هريرة وابن أم مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال، والمؤمنون به ﵇ ومنهم من قام بالقراءة ومنهم من ركن للعبادة، وهم أهل الصفة والكل في عبادة وسنة، ولما كان المهاجرون والأنصار لهم قبائل وعشائر انضاف بعضهم إلى بعض، فجعلهم النبي ﷺ في الصفة وضمهم إليه إذ كانوا لا يملكون شيئا ولا لهم بيوت يسكنون فيها، ولا قبائل ينضافون إليها، فصاروا كالقبيلة الواحدة وكذلك الفقرا اليوم، ومنهم الذين قال تعالى فيهم:
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٣] كانوا ضعفاء عن الجهاد قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام: ٥٢] ونزل في حق ابن أم مكتوم عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فقد ظهرت صفة أهل الصفة الذين يقتدي بهم الفقراء المتجردون.
يا طالبا من الإله الزلفة ... لا تنتحي لغير أهل الصفة
وليّن القول لهم برأفة ... فإنهم أهل التقى والألفة
وفي تكملة السيوطي لتفسير المحلي على قوله تعالى: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٢] إنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا، ومعنى الذين أحصروا في سبيل الله: أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٧٣] أي للتجارة والمعاش لشغلهم بالجهاد اهـ.
وقال ابن ليون التجيبي في محل آخر من رسالته: وفي الصحيح: أن أهل الصفة لم يتسببوا ولا اشتغلوا بغير الذكر والفكر والقعود في المسجد، وكان القرّاء يخدمونهم، والنبي ﷺ وأصحابه يطعمونهم وقال لهم: أبشروا يا أهل الصفة، فترك التسبب طريقة أقرها النبي
стр. 352
صلى الله عليه وسلم ولم يصح أنه أمرهم بالتسبب، وإنما أمرهم بالتوكل «١» اهـ وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية على قولها في حق الصحابة:
زهدوا في الدنيا فما عرف المي ... ل إليها منهم ولا الرغباء
الصحابة في الزهد فيها على قسمين: فأكثرهم ترك السعي في تحصيلها بالكلية واشتغل بالعلوم والمعارف ونشرها، وبالعبادات حتى لم يبق من أوقاته شيء إلا وهو مشغول بشيء من ذلك، وكثير منهم حصلوها لكن كانوا فيها خزانا لله تعالى كما مر اهـ ونقله عنه بنيس ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلوي عليها والصاوي في تقاريره عليها، ولو كان تعبيرهم في تاركي السعي من الصحابة قاصرا على أهل الصفة لكان أقوم وإلا فالصحابة كانوا أكثرهم أهل تكسب وسعي على ما سيأتي إلا أهل الضفة والله أعلم. ثم وجدت الشيخ سليمان الجمل أتى في حاشيته على الهمزية بتعبير لطيف: وذلك أنه قال في هذا الموضع: وكان الصحابة فيها على قسمين فأكثرهم كأهل الصفة ترك السعي في تحصيلها بالكلية واشتغل بالعلوم والمعارف والعبادات وكثير منهم حصلها اهـ ووجدت الشيخ محمد ابن عبد الرحمن الصومعي التادلي عبر في شرحه على الهمزية بما هو أسلم فقال: فمنهم من أعرض عنها بالكلية وأشتغل بالعلوم والمعارف، ومنهم من سعى في تحصيلها وحصلها بقدر نفع الغير بها اهـ وإنما جلبت النقول هنا في انقطاع أصحاب الصفة عن التكسب لتهجم متهور عليهم ﵃، فنسب لهم أيضا الجري وراء الدنيا معه وهو غالط أو متغافل عن نص القرآن في الواقعة وذلك قوله تعالى في حقهم: (لا يستطيعون ضربا في الأرض) وفي حواشي الشمس ابن عابدين الحنفي الدمشقي على الدر المختار، نقلا عن المصفي: الجلوس في المسجد للحديث مأذون فيه شرعا لأن أهل الصفة كانوا يلازمون المسجد، وكانوا ينامون ويتحدثون ولهذا لا يحل لأحد منعه، كذا قي الجامع البرهاني.
فيؤخذ منه أن الأمر الممنوع منه إذا وجد بعد الدخول مقصدا لعبادة لا يتناوله اهـ.
وفي أس المقاصد في تعظيم المساجد للشيخ علوان بن عطية الحموي: إن بعضهم تعلل عليه في نهيه عن الكلام في المسجد بأحوال أهل الصفة في زمانه ﵇ فقال؛ انظر أيها الأخ وتعجب ممن يقيس على أولئك الصحابة الأخيار هؤلاء الحثالة الأشرار! أترى كان إجتماع أهل الصفة على الحظوظ النفسانية، والأخلاق الشيطانية، واللهو واللعب والضحك والمزاح، وحديث الدنيا؟ اهـ.
وقد اعتنى بجمع أسامي أصحاب الصفة ومناقبهم وأحوالهم ابن الأعرابي، والسلمي في كتاب تاريخ أهل الصفة، والحاكم والإكليل، وأبو نعيم في الحلية، فزادوا عنده على
стр. 353
مائة وعند كل ما ليس عند الآخر، وقال الحافظ ابن تيمية: جملة من آوى إلى أهل الصفة مع تفرقهم قيل أربعمائة. وقيل أكثر اهـ وعدّهم أربعمائة السيوطي كما سبق، ونحوه في تفسيره وسبقهم إلى ذلك السهروردي في العوارف، والزمخشري في الكشاف، قال الشهاب في شرح الشفا عقبه: ولا ينافي ما روي أنه رأى منهم نحو ثلاثين رجلا يصلون مع النبي ﷺ بلا أردية اهـ.
وفي لب اللباب في معاملة الملك الوهاب للإمام أبي العباس أحمد بن قاسم الصومعي التادلي لدى كلامه على أهل الصفة: كانوا أربعين فبلغوا أربعمائة. وقال قتادة بلغوا تسعمائة رجل اهـ وانظر سمط الجوهر الفاخر فقد عدّ منهم أزيد من المائة مسميا لمن عند أبي نعيم في الحلية، وزاد عليه نحو الثلاثة، قال الخفاجي عقب ما سبق عنه: وهؤلاء يعني أهل الصفة هم صفوة الله. هنيئا لهم وإنا نتوسل بهم إلى الله أن يجعلنا في بركاتهم اهـ وإن فسح الله في الأجل أفردتهم بمؤلف وليس ذلك على الله بعظيم.
إختصاص أبي بكر برسول الله ﷺ للمداولة في الأمر يعرض
خرج النسائي والترمذي «١» قال الحافظ ورجاله ثقات عن عمر: كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين.
стр. 354
فهرس المحتويات
مقدمة المحقق ٧
إهداء الكتاب ٩
اسم مؤلف كتاب التخريج ونسبه وبلده ٣٤
بلده ووفاته ومدفنه ٣٩
نسخ كتاب التخريج الموجودة في المكاتب ومن نقل منه ٤١
أول خطبة كتاب التخريج ٤٢
مقصده من تدوينه ٤٢
تاريخ اشتغاله بتدوينه وكلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي ٤٢
السلطان الذي قدمه إليه ٤٣
خطته في الدولة المرينية ٤٤
اصطلاح الخزاعي في كتابه التخريج وصنيعه ٤٤
الأصول التي استمد منها في كتابه ونقل عنها ٤٧
المقدمة الثانية ٤٩
برنامج القسم الأول ٤٩
ذكر مواليه الذين أعتقهم في مرض موته ٥٠
برنامج القسم الثاني من كتاب الخزاعي ٥٠
(ومما استدركت عليه في هذا القسم خلال تراجمه من الأبواب) ٥١
القسم الثالث من كتاب الخزاعي ٥٢
برنامج القسم الرابع من كتاب الخزاعي ٥٣
برنامج القسم الخامس من كتاب الخزاعي ٥٥
برنامج القسم السادس من كتاب الخزاعي ٥٨
стр. 355
برنامج القسم السابع من كتاب الخزاعي ٥٨
برنامج القسم الثامن عند الخزاعي ٥٩
برنامج القسم التاسع من كتاب الخزاعي ٦٠
القسم العاشر من كتاب الخزاعي ٦٤
المقصد الأول ٦٥
المقصد الثاني ٧٠
القسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة) وما يضاف إلى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد من الصحابة ٧٧
الخلافة ٧٩
ذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح ٨٥
الوزير ٨٨
ذكر صاحب السر ٩٠
في ذكر الآذن [الحاجب] ٩٠
ذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن ٩٠
الحاجب ٩١
البواب ٩١
ذكر من تولى خدمة رسول الله ﷺ من الأحرار والموالي ٩٤
ذكر من كان يخدمه ﵇ من مواليه ٩٤
ذكر الموالي الذين أعتقهم ﵇ في مرضه ٩٤
ذكر من كان يوقظه ﵇ إذا نام ويستره إذا اغتسل ٩٥
ذكر من كان يخدم النبي ﷺ إذا أراد حاجته داخل منزله ٩٥
ذكر من كان يبيت على باب رسول الله ﷺ من الرجال ٩٥
استخدامه ﵇ في ذلك امرأة ٩٥
استخدامه ﵇ غلاما يهوديا ٩٦
الأشياء التي كان ﵇ لا يكلها إلى أحد من خدمه ٩٦
ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه ٩٦
ذكر صاحب الوساد [المخدة] ٩٧