← Сияса и кади

Сияса и кади · id 23688

التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية

عبد الحي الكتاني المغربي

Полный текст (682 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ماله قراضا. وأخرج أيضا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان دفع إليه مالا مضاربة على النصف. وفي مقدمات ابن رشد: أول قراض كان في الإسلام قراض يعقوب مولى الحرقة مع عثمان بن عفان، وذلك أن عمر بن الخطاب بعث من يقيم من السوق من ليس بفقيه. فأقيم يعقوب فيمن أقيم. فجاء إلى عثمان فأخبره فأعطاه مزود تبر قراضا على النصف، وقال له: إن جاءك من يعترضك فقل: المال لعثمان فقال ذلك. فلم يقم. فجاء بمزودين؛ مزود رأس المال ومزود ربح اهـ. قلت: ومنهم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، فقد علم أنه كان لها مال كبير وتجارة تبعث إلى الشام، فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة. ولما خرج ﵇ في تجارتها مع غلامها ميسرة قالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي قومك، ففعل رسول الله ﷺ ، وخرج إلى سوق بصرى، وباع سلعته التي أخرج، واشترى غيرها، وقدم بها فربحت ضعف ما كانت تربح، فأربحت رسول الله ﷺ ضعف ما سمت له أنظر ترجمة خديجة من طبقات ابن سعد. «ومنهم الزبير بن العوام قال ابن عبد البر: كان الزبير تاجرا مجدودا «١» في التجارة. وقيل له يوما: أدركت في التجارة ما أدركت؟ فقال: لم أشتر عيبا ولم أرد ربحا والله يبارك لمن يشاء وذكر ابن عبد البر أيضا؛ كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج» . «ومنهم عبد الرحمن بن عوف في الصحيح: قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوجتها. فقال له عبد الرحمن بن عوف: لا حاجة لي في ذلك. هل من سوق فيه من تجارة؟ فدله عليه قال فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بشيء باعه الغد واستفضل، ثم تابع الغد فما لبث أن جاء وعليه صفرة فقال رسول الله ﷺ : تزوجت؟ قال: نعم قال ابن عبد البركان عبد الرحمن بن عوف تاجرا مجدودا في التجارة، واكتسب مالا كثيرا فصولحت امرأته التي طلقها في مرضه، من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا. وروى ابن عيينة أنها صولحت عن ربع الثمن من ميراثه» . ومنهم سعد بن عائذ المؤذن مولى عمار بن ياسر. ترجمه في الاصابة فقال: كان يتجر في القرظ، وهو ورق يدبغ به كقشر البلوط فقيل له سعد القرظ. وروى البغوي أنه اشتكى إلى النبي ﷺ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة فخرج إلى السوق، فاشترى شيئا من قرظ فباعه فربح فيه. فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأمره بلزوم ذلك. ومنهم منقذ بن عمرو الأنصاري الصحابي المدني، روى ابن إسحاق عن محمد بن

стр. 387

يحيى بن حبان قال: كان جدي منقذ بن عمرو أصابته آفة في رأسه، فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال إذا بعث فقل: لاخلابة وأنت في كل سلعة بعتها بالخيار ثلاث ليال، وكان في زمن عثمان حين كثر الناس يبتاع في السوق فيصير إلى أهله فيلومونه، فيرده ويقول: إن النبي ﷺ جعلني بالخيار ثلاثا. انظر ترجمته من تهذيب النووي. ومنهم أبو معلق الأنصاري كان تاجرا يتجر بمال له ولغيره ويضرب في الأفاق وكان ناسكا ورعا مجاب الدعوة انظر ترجمته من الاصابة ص ١٨٢ ج ٤. ومنهم عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب ﵃، في سراج الملوك للطرطوشي؛ لما دفع أبو موسى الأشعري مالا من بيت المال لعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب بالبصرة، اشتريا منه بضاعة فزكت، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، فراجعهم عبيد الله فحكم بينهم بنصف الربح فأخذا جميع نصف الربح وأخذ عمر النصف لبيت المال. وقال ابن رشد في المقدمات: يقال إن أول قراض كان في الإسلام قراضهما اهـ. وقد ذكر قضيتها في الموطأ وهي مشهورة. وفي الشبرخيتي على المختصر لدى باب القراض: عمل به النبي ﷺ لخديجة قبل البعث، وعمر وعثمان. فصدر الأمة وخيارها وأول من عمل به في الإسلام يعقوب مولى الحرقة لعثمان اهـ انظر ما سبق في ترجمة عثمان ﵁. ومنهم أبو هريرة، في سراج الملوك قال مالك: كان عمر بن الخطاب يشاطر العمال فيأخذ نصف أموالهم، وشاطر أبا هريرة وقال له: من أين لك هذا المال؟ فقال أبو هريرة: دواب تناتجت وتجارات تداولت الخ القصة. ومنهم حاطب بن أبي بلتعة، سفير المصطفى إلى المقوقس في ترجمته من طبقات ابن سعد: أنه ترك يوم مات أربعة آلاف دينار، ودراهم ودارا وغير ذلك، وكان تاجرا يبيع الطعام وغيره. ومنهم المتجر في غزوة خيبر «١» ذكر حديثه أبو داود في سننه في باب التجارة في الغزو؛ ثم أخرج عن عبيد الله بن سلمان أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ حدثه قال: لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي، فجعل الناس يتبايعون غنائمهم، فجاء رجل حين صلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد ربحت ربحا ما ربح اليوم مثله أحد من أهل هذا الوادي. قال: ويحك ما ربحت؟ قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية فقال رسول الله ﷺ : أنا أنبئك بخير رجل ربح قال وما هو يا رسول الله؟ قال؛ ركعتين بعد الصلاة، والحديث سكت عنه المنذري.

стр. 388

وأخرج ابن ماجه من حديث خارجة بن زيد قال: رأيت رجلا سأل أبي عن الرجل يغزو ويشتري ويبيع ويتجر في غزوه فقال له: إنا كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك نشتري ونبيع، وهو يرانا ولا ينهانا، وفيهما دليل على جواز التجارة في الغزو. وعلى أن الغازي مع ذلك يستحق نصيبه من المغنم، وله الثواب الكامل بلا نقص، ولو كانت التجارة في الغزو موجبة لنقصان أجر الغازي لبينه ﷺ ، فلما لم يبين ذلك بل قرره دل على عدم النقصان. ويؤيد ذلك جواز الاتجار في الحج لما ثبت في الحديث الصحيح: أنه لما تحرج جماعة من التجارة في سفر الحج أنزل الله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨] قاله الشوكاني. [وانظر أبا داود كتاب المناسك ج ٢/ ٣٥٠ باب التجارة في الحج] . ذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة في أول كتاب البيوع من أوائل السيوطي أخرج ابن ماجه والطبراني عن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمّى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة، فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة «١» زاد الطبراني فكان أول من سمانا التجار. قلت: عزاه الشامي في سبل الرشاد إلى أحمد والأربعة، واقتصر في مشكاة المصابيح على عزوه للأربعة دون أحمد، وقد بوّب على الحديث الترمذي في جامعه فقال: باب التجار «٢» وتسمية النبي ﷺ بذلك، ثم قال: وفي الباب عن اليمان ورفاعة ثم قال: حديث قريظة حسن صحيح. ولا نعرف له سواه. وبوّب على الحديث المذكور ابن ماجه في سننه فقال: باب التوقي في باب التجارة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن قيس بن أبي غرزة فذكره. ثم قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاتب حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده رفاعة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ؛ فإذا الناس يتبايعون بكثرة فناداهم: يا معشر التجار فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم قال: إن التجارة يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق «٣» . قال صاحب اللمعات: إنما كان اسم التجار أحسن من السماسرة لأن التجارة مذكورة في مواضع عديدة من القرآن في مقام المدح، والذي يتوسط بين البائع والمشتري يكون تابعا، وقد يكون مائلا عن الأمانة والديانة. وسماهم تجارا لكونهم مصاحبين لهم، مع شمول التجار التابعين أيضا اهـ.

стр. 389

وقال القاري في شرح المشكاة على قوله: كنا نسمّى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة، وهم الآن المتوسطون بين البائع والمشتري لإمضاء البيع، جمع سمسار. وهو في الأصل: القيم على الشيء الحافظ له، ثم استعمل في المتوسط، وقد يطلق على المقوم. فسمانا رسول الله ﷺ باسم هو أحسن من اسمنا الأول، قيل: لأن اسم التاجر أشرف من اسم السمسار في العرف العام، ولعل وجه الحسن أن السماسرة تطلق الآن على المكاسين، أو لعل هذا إسم في عهده ﵇ كان يطلق على من فيه نقص، والأحسن ما قاله: الطيبي وذلك أن التجارة عبارة عن التصرف في رأس المال طلبا للربح، والسمسرة كذلك لكن الله تعالى ذكر التجارة في كتابه غير مرة على سبيل المدح، كما قال تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصف: ١٠] وقوله: تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [النساء: ٢٩] وقوله: تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩] اهـ ولعله أيضا أراد قوله: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [النور: ٣٧] تنبيها لهم بهذا الإسم، على أن يكونوا موصوفين بهذه النعوت، خصوصا وفي هذا الإسم إيماء إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١] الآية اهـ وسمّى السوق سوقا لنفاق السلع فيه قاله في المدخل. باب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله ﷺ البزّ نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصة من أمتعة البيت، قاله في المصباح وفي الصحيح: باب التجارة في البز وغيره. قال ابن العربي: إنما بوّب البخاري على التجارة في البز ردا على الذين يكرهون التوسعة في الدنيا، ويقولون: يجزي الثوب الخلق، والثوب الواحد. واخرج الخطيب عن أبي هريرة رفعه: عليكم بالبزّ فإن صاحب البز يعجبه أن يكون الناس بخير وفي خصب. واخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر رفعه: لو أذن الله لأهل الجنة في التجارة لا تجروا في البز والعطر. أوردها في جمع الجوامع. «فمنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال ابن قتيبة في المعارف في صنائع الأشراف: كان عثمان بزازا وقال ابن عبد البر: جهز عثمان جيش العسرة تسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا وعن قتادة قال: حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا اهـ وكل ذلك مما اكتسب من المال بحرفة البزازة إذ لم يكن يحترف بغيرها. ومنهم طلحة بن عبيد الله ذكر ابن قتيبة في المعارف وابن الجوزي في التلبيس: أنه كان بزازا. وذكر الزبير بن بكار أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله

стр. 390

ألفا وافية كل يوم. قال: والوافي وزن الدينار وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية. ومنهم سويد بن قيس العبدي، ترجمه في الأصابة ص ١٠٠ ج ٢ فذكر أن سماك بن حرب روى عنه، أن النبي ﷺ : اشترى منه رجل-[كذا] سراويل أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي رواية عنه: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتيت مكة فجاءنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى فساومنا سراويل فبعناه منه فوزن ثمنه وقال للوازن: زن وأرجح. [المسند ٤/ ٣٥٢] . ومنهم عبد الرحمن بن عوف، عدّة من البزازين ابن الجوزي في التلقيح. باب في سوق البزازين في المدينة على عهده ﵇ في حديث أبي يعلى الموصلي بسند ضعيف جدا عن أبي هريرة قال: دخلت السوق مع رسول الله ﷺ ، فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له ﷺ : زن وارجح.، فقال الوزان: إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد القصة. قال الزرقاني في شرح المواهب على قوله: إلى البزازين نسبة إلى البز، الثياب أو متاع البيت من ثياب ونحوها، وبائعه البزاز كما في القاموس. وقد أخرج حديث الترجمة أبو سعد النيسابوري، في كتاب شرف المصطفى في تجارته ﵇. باب في العطار «بوّب البخاري في صحيحه لدى كتاب البيوع باب العطار «١» وبيع المسك وخرّج فيه عن أبي موسى الأشعري: مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك، وكير الحداد. لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة. وذكر الثعالبي في كتاب التمثيل والمحاضرة عن عمر أنه قال: لو كنت تاجرا لما اخترت على العطر شيئا، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه» . قال العيني: العطار على وزن فعّال الذي يبيع العطر، وهو الطيب اهـ وقال الحافظ في الفتح ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنه الحق العطار به لاشتراكهما في الرائحة الطبية اهـ.

стр. 391

باب في الوزان في زمنه ﵇ تقدم عن مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له ﵇: زن وارجح، وهو في معجم الطبراني الأوسط أيضا. وأخرجه أحمد في مسنده وفي سنده ابن زياد هو وشيخه ضعيفان. قاله السيوطي في فتاويه. قال الخفاجي في شرح الشفا أقول: انجبر ضعفه بمتابعته اهـ. ومعنى قوله ﵇: له زن أي زن الثمن وأرجحه أي زد عليه حتى ترجح الميزان أي بزيادة الكفة التي فيها الدراهم يقال وزن المعطي واتزن كالآخذ. وفي تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر لأبي عبد الله العقباني التلمساني؛ روى عن علي ﵁: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أتم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت، كأنه أمره بالتسوية ليعتادها ويعمل الواجب، وعن ابن عباس: إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم؛ المكيال والميزان. وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا. وكانا مفرقين في الحرمين كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون اهـ. وحديث أول الترجمة يدل على أنه ﵇ كان يتكلم مع كل صاحب حرفة بما يتعلق بحرفته، ويقول له ما يزيده بها اغتباطا، وبادابها وأحكامها أرتباطا، فهو أصل ما ذكره مسند اليمن ومفتيه الوجيه الأهدل في (النفس اليماني) لدى ترجمة شيخه عبد الصمد الجاوي، أنه كان من طريقه إذا وصل إليه الطالب، يسأله عن تفصيل حاله، فإذا عرف ملازمته لخصلة خير أطال له المقال في مدحها، وشرح له من أحكامها وآدابها ليزداد ملازمة لها، ويكون على بصيرة من أمره. قال: ولما وصلت إليه لم يزل يقرر لي آداب الفتوى، وأن المفتي لا ينبغي له أن يقتصر على مجرد السؤال، بل إذا كان له إلمام بالواقعة لاحظها في جوابه، فإن في ذلك مصالح دينية يعرفها الممارس في هذا الشأن. تتمة تمام الحديث السابق عند الطبراني وأبي يعلى أنه ﷺ اشترى سراويل باربعة دراهم، وكان للسوق وزان فقال له زن وارجح. وأخذ رسول الله ﷺ السراويل فذهبت لأحمل عنه فقال: صاحب الشيء أحق بحمل شيئه إلا أن يكون ضعيفا فيعجز عنه، فيعينه أخوه المسلم. فقلت: يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: أجل في السفر والحضر، وبالليل والنهار فإني أمرت بالستر، فلا أجد شيئا أستر منه. والحديث المذكور مستند ابن القيم في الهدى في جزمه بأنه ﷺ لبس السراويل. ولذا قال الخفاجي في شرح الشفا: منه يعلم أن تخطئة ابن القيم لا وجه لها، وكونه اشتراها ولم يلبسها بعيد جدا، وقد لبسها عثمان وهو محاصر، وكون الثمن أربعة دراهم هو المروي، إلا ما في الأحياء من أنه بثلاثة اهـ وانظر تأليف سيدنا الخال في المسألة وهو مطبوع.

стр. 392

باب في الصراف ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله ﷺ «في الصحيح عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم ﵁ والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ ، فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئا فلا يصلح، والصرف بيع الذهب بالفضة والنسأ التأخير» . كتاب البيوع ج ٣/ ص ٦. وفي زمن سيدنا عثمان كبر هذا السوق، واحتيج إلى مراقب. ففي تاريخ الخميس للديار بكري لما تعرض لما نقم على سيدنا عثمان: وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة، ليراعي أمر المثاقيل والموازين فتسلط بعد يومين أو ثلاثة على باعة النوى، واشتراه لنفسه فلما رفع ذلك لعثمان أنكره عليه وعزله، وقد روي أنه جعله على سوق المدينة وجعل له كل يوم درهمين الخ. التجارة في العنبر والزئبق ذكر صاحب عون المعبود على سنن أبي داود أن الزعفران والعنبر والمسك والعود هذه الأربعة كانت موجودة في زمنه ﵇، واستعملها الصحابة في حضرته، وكذا بعده ثم ذكر أن النسائي «١» أخرج عن محمد بن علي قال: سألت عائشة أكان النبي ﷺ يتطيب؟ قالت: نعم بذكارة بالكسر ما يصلح للرجال كالمسك والعنبر والعود. انظر ص ٢٤٨ ج ٣ وفي طبقات ابن سعد عن محمد بن علي قال قلت لعائشة يا أماه أكان رسول الله ﷺ يتطيب؟ قالت: نعم بذكارة الطيب قلت وما ذكارة الطيب قالت: المسك والعنبر. وفيها أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: ذكروا المسك لرسول الله ﷺ فقال أو ليس من أطيب الطيب. وفيها عن ابن عمر كان إذا استجمر يجعل الكافور على العود ثم يستجمر به ويقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يستجمر. وفيها في ترجمة أم حبيبة زوج النبي ﷺ أن النجاشي لما زوّجها من النبي ﷺ ، أمر نساءه أن يبعثن لها بكل ما عندهن من العطر، قالت: فلما كان من الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير، فقدمت بذلك كله على رسول الله ﷺ ، فكان يراه عندي، وعليّ فلا ينكره. وفي شفاء الغليل للخفاجي نقل إن الغالية وقع ذكرها في الحديث، وعن عائشة كنت: أغلل لحية رسول الله ﷺ . قال الجاحظ: ومعجونات العطر كلها عربية مثل الغالية،

стр. 393

والشاهرية والخلوق، واللخلخة والقطر، وهو العود المطري والدريرة اهـ وترجم في الإصابة لعمرو بن كريب الطائي فذكر أن له إدراكا، وابنه [شبيب] «١» هو الشاعر المشهور الذي أغار على الرواحي وهي ابل كانت تحمل امتعة التجار من العنبر والزئبق وغير ذلك في زمن الحجاج بالكوفة ذكر ذلك ابن الكلبي، ثم ترجم لعمرو بن كلاب فقال: له ادراك وهو الذي أنشد عمر يحرشه على عماله في أبيات: إذا التاجر الهندي جاء بفارة ... من المسك راحت في مفارقهم تجري ذكره ابراهيم بن الحسن في غريبه، من طريق ابن اسحاق عن يعقوب ابن عتبة عن الكوثر بن زفر، حدثي أبو المختار وحدثني عمرو بذلك. حفر معدن الذهب ترجم في الإصابة لأبي حصين السلمي فقال: ذكره البغوي وذكر أن الواقدي أخرج عن عبد الله بن يحيى عن عمر بن الحكم عن جابر قال: قدم أبو حصين السلمي بذهب من معدن فأتي به النبي ﷺ فذكر حديثا طويلا اهـ. قلت: بسطه ابن سعد في الطبقات؛ انظر ترجمة أبي حصين ص ٩ من ج ٤ وفي التجريد: أبو الحصين السلمي قدم على رسول الله ﷺ بذهب من معدن ذكره ابن عبد البر قال ابن سعد أبو حصين اهـ. باب في بائع الرماح في الإستيعاب كان نوفل بن الحرث بن عبد المطلب يتجر في الرماح، وبها فدى نفسه لما أسر في غزوة بدر، وكانت ألف رمح. وفي طبقات ابن سعد: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر قال له النبي ﷺ : أفد نفسك برماحك التي بجدة. قال: أشهد أنك رسول الله ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح. وفيها أنه أعان النبي ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين، انظر ترجمته في ٣١/ ٤ من الطبقات. باب في بائع الطعام «في صحيح مسلم عن سالم بن عبد الله أن أباه قال: قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم. ص ١١٦١ ج ٢. وانظر ما سبق في ترجمة حاطب بن أبي بلتعة من طبقات ابن سعد.

стр. 394

باب بيع الصبيان ترجم في الإصابة لعبد الله بن جعفر فنقل أن البغوي خرج عن عمرو بن حريث، أن رسول الله ﷺ مرّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيع مع الصبيان. فقال: اللهم بارك له في بيعه أو صفقته، وترجم فيها أيضا للجلاح العامري فذكر أن أبا داود والنسائي في الكبرى خرجا عنه: كنا غلمانا نعمل في السوق. الحديث. باب في بيع السكر أخرج الدارقطني في الأفراد من طريق؛ هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: جلب رجل من التجار سكرا إلى المدينة فكسد عليه، فبلغ عبد الله بن جعفر فأمر قهرمانه أن يشتريه وينتهبه الناس. ذكره في الإصابة. بيع العقاقير ذكر ابن رشد المرافعة التي وقعت بين أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود في التحريم برضاع الكبير، وان ابن مسعود قال لأبي موسى: إنما أنت مداوي. ونقله ابن أبي زمنين وفسره بأنه كان يبيع العقاقير كأنه نفاه عن العلم بشغله بذلك، انظر شرح أبي علي بن رحال علي المختصر في الرضاع. المرأة تبيع العطر ترجم في الإصابة لأسماء بنت مخربة بالباء فذكر أن ابنها عباس بن عبد الله بن ربيعة كان بعث إليها من اليمن بعطر فكانت تبيعه. وفي الإستبصار في أنساب الأنصار: وروى عن الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء قالت: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة، وهي أم عباس وعبد الله بن أبي ربيعة، فدخلت علي ومعها عطرها. فسألتني فانتسبت لها فقالت أسماء أنت بنت قاتل سيده يعني أبا جهل. فقلت: بل أنا ابنة قاتل عبده قالت: حرام علي أن أبيعك من عطري شيئا. قلت: وحرام علي أن اشتري منك شيئا. فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، وإنما قلت ذلك في عطرها لأغيظها. وقد خرّج قصتها هذه ابن سعد في ترجمتها من الطبقات، وفيها من قول الربيّع: فلما جعلت لي في قواريري وزنت لي كما وزنت لصواحبي الخ القصة. وترجم في الإصابة أيضا للحولاء العطارة، فذكر أن أبا موسى أخرج من طريق أبي الشيخ بسنده إلى أنس قال: كانت بالمدينة امرأة عطارة تسمى حولاء بنت ثويب. وفي ترجمة مليكة والدة السائب بن الأقرع كانت تبيع العطر. الزراعة والغراسة انظر لم أغفل هذه الترجمة الخزاعي مع أهمية الزراعة في نظر الإسلام وكثرة اعتناء الصحابة بها. وقد أكثر سبحانه في كثير من الآيات التذكير بما أنعم به من إخراج الزرع

стр. 395

والنباتات، ووصف نفسه سبحانه بأنه هو الذي أخرج للحاجات فقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٩٩] أي بالماء نبت كل شيء فاخرجنا منه يعني الماء خضرا يعني أخضر نخرج به حبا متراكبا سنابل البر والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب يركب بعضه على بعض وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام: ١٤١] وهو ما انبسط على الأرض وانتشر كالعنب والقرع وهو شجر الدباء والبطيخ وغيرها. وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام ١٤١] ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار ثم قال: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ، أي ثمرة وطعمه الحامض والمر، والحلو، والردي، وقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد: ٤] أي متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض في الجوار ويختلف في التفاضل وجنات أي من بساتين من أعناب وزرع وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ والصنوان النخلات يجمعها أصل واحد تشعب منه الرؤوس فيكون نخلا وقال سبحانه: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ١١] وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [السجدة: ٢٧] وهي التي لا نبات فيها فنخرج به زرعا وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا [يس: ٣٣] وقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: ٩] وقال: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ [الرحمن: ١٠] فيها فاكهة إلى قوله والحب يعني جميع الحبوب مما تحرث الأرض من الحنطة والشعير وغيرهما ذو العصف يعني الورق أول ما يبدو وقال نخرج به: حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [عمّ: ١٦] يعني بساتين ملتفة وقال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا [عبس: ٢٥] الآية وقال: جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً [الكهف: ٣٢] يعني جعلنا حول الأعناب النخل ووسط الأعناب الزرع كذا ذكره الثعالبي وغيره. وفي أحكام القرآن للإمام الجصاص الحنفي على قوله تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود: ٦١] يعني أمدكم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية اهـ انظر ص ١٦٥ من ج ٣. وفي صحيح مسلم «١» أن النبي ﷺ دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها فقال: لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة وهو في صحيح البخاري على وجه آخر، وبوب عليه بقوله: باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه وروى القرطبي وروى البزار وأبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره، من علم علما أو أجرى نهرا أو

стр. 396

حفر بيرا، أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» . قال أبو نعيم ولا يخالف الحديث الصحيح فقد قال فيه: «إلا من صدقة جارية» وهي تجمع ما ورد من الزيادة. قال المنذري: وقد رواه ابن ماجه «١» وابن خزيمة في صحيحه بنحوه من حديث أبي هريرة. [روى المؤلف هنا عن الإصابة رواية بإسناد واه عن سعد بن معاذ «٢» آخر حذفتها لكونها لا أصل لها] مصححه. وأخرج الحاكم وابن أبي الدنيا في التوكل، والعسكري في الأمثال، والدينوري في المجالسة، عن معاوية بن قرّة قال: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال: من أنتم فقالوا: متوكلون. قال: كذبتم ما أنتم متوكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله. وفي مسند عمر بن عبد العزيز، قال ابن شهاب: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فقال: جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أقطعني الشديد فإنه بلغني عن رسول الله ﷺ قال: ما من رجل غرس غرسا إلا أعطاه الله من الأجر عدد الغرس والثمر وأخذ بنفسي أسمعت هذا؟ فقلت: نعم وأشهد على عطاء بن يزيد أنه سمعه من أبي أيوب، يحدث عن رسول الله ﷺ . وأخرج أحمد والطبراني من طريق مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة «٣» . قال في المختار: المهر ولد الفرس والجمع أمهار، والأنثى مهرة، والمأبورة المصلحة، وفي المختار: وأبر نخلة: لقحه وأصلحه ومنه، سكة مأبورة اهـ. وفي الصحيح «٤» عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال الله تعالى: ألست فيما شئت؟ فقال: بلى ولكن أحب أن أزرع، قال فأسرع وبذر أي ألق البذر على أهل الجنة فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله تعالى: دونك يا بن آدم فإنه لا يشبعك شيء. فقال الإعرابي: يا رسول الله لن تجده إلا قرشيّا أو انصاريا،

стр. 397

فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي ﷺ . قال الحبشي في كتاب البركة: ففي هذا فوائد منها؛ دلالته على فضل الزرع، وفيه أن المهاجرين والأنصار كانوا مزارعين، لقول الإعرابي: إنك لن تجده إلا أنصاريا أو مهاجريا [ص ١٣] وهذا أكثر حجة ودلالة إذ المهاجرون والأنصار هم أفضل الأمة، كانوا أهل زرع لكن قال العارف الفاسي في تشنيف المسامع: المعروف بالزراعة إنما هم الأنصار، وأما قريش فإنما لهم التجارة لا الفلاحة، إذ ليست مكة بلاد زرع. قلت: ذلك صحيح بحسب الأصل، وإلا فالمهاجرون بعد الهجرة زرعوا، واتجروا. فالخبر على حاله. وأخرج أبو داود في مراسيله عن علي بن الحسين مرسلا: أحرثوا، فإن الحرث مبارك، وأكثروا فيه من الجماجم «١» وفي لفظ آخر: يا معشر قريش إنكم تحبون الماشية فأقلوا منها فإنكم بأقل الأرض مطرا، واحرثوا فإن الحرث مبارك، وأكثروا فيه من الجماجم. خرجه أبو داود أيضا والبيهقي. وأخرج الديلمي عن أبي مسعود رفعه لما خلق الله المعيشة جعل الله البركات في الحرث والغنم. وفي الصحيح عن أبي هريرة: وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم قال القسطلاني في الزراعة والغراسة. وفيه عن ابن عمر أنه ﵇ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر وبوّب عليه البخاري باب المزارعة مع اليهود. وفي الصحيح أيضا؛ وكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون تمرا وعشرون شعيرا. وقسم عمر خيبر فخيّر أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن، فمنهن من اختارت الأرض ومنهن من اختارت الوسق، وكانت عائشة وحفصة ممن اختارت الأرض. قال القسطلاني: وفي هذا الحديث جواز الزراعة والتجارة، لتقرير النبي ﷺ لذلك، واستمراره في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر. وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر. وصنف فيه ابن خزيمة جزآ بيّن فيه علل الأحاديث الواردة اهـ. وقال الحبشي: وفي هذا فوائد منها اختيار عائشة وحفصة أفضل أزواجه ﵇ منهن الأرض، فيزدرعنها قال البخاري: وزارع عليّ وسعد وابن مسعود.

стр. 398

قال الحبشي: وقد عدّ العلماء الزراعات من فرض الكفاية في كثير من المصنفات، لأنه لا يقوم الدين والدنيا إلّا بها فإن تركها كل الناس أثموا كلهم. انظر كتاب البركة. وقال القاري في شرح المشكاة على حديث: (لا يدخل هذا أي المحراث بيت قوم إلا دخله الذل) «١» وهو في الصحيح عن أبي أمامة قال: بعض علمائنا: ظاهر هذا الحديث أن الزراعة تورث المذلة، وليس كذلك؛ لأن الزراعة مستحبة، لأن فيها نفعا للناس ولخبر: «اطلبوا الخير من خباياها» بل إنما قال ذلك لئلا يشتغل الصحابة بالعمارات وترك الجهاد فيغلب عليهم العدو، وأي ذلك أشد من ذلك؟ وقيل: هذا في حق من يقرب العدو، ولأنه لو اشتغل بالحرث وترك الجهاد لأدى إلى الذل بغلبة العدو عليه اهـ. وفي النهاية لابن الأثير على حديث ما دخلت السكة دار قوم الّا ذلوا أي التي تحرث بها الأرض، أي أن المسلمين إذا اقبلوا على الدهقنة والزراعة شغلوا عن الغزو وأخذ السلطان بالمطالبات والجبايات وقريب من هذا الحديث قوله: «العز في نواصي الخيل والذل في أذناب البقر» اهـ منها، ونقل الفتني في مجمع بحار الأنوار عن الكرماني، على الحديث المذكور: والحاصل أن فيها ذلك الدنيا وعز الآخرة لما فيها من الثواب بانتفاع ذي كبد، وهو أفضل المكاسب على الصحيح. ونقل عن الطيبي في شرح المشكاة: وجه الذل أن اختياره لجبن في النفس، أو قصور في الهمة، وأكثرهم يلزمون بالحقوق السلطانية، ولو آثروا الجهاد لدرت عليهم الأرزاق واتسعت المواهب اهـ. كما قرر ابن خالدون في مقدمة العبر أن الفلاحة من معاش المستضعفين من البدو، وعلل ذلك بسببين قال: الثاني أن منتحلها مخصوص بالهوان والذلة، ففي الحديث: أنه ﵇ قال وقد رأى السكة في بعض الأنصار: وما دخلت هذه دار قوم إلا دخلها الذل لكن حمله البخاري على الإستكثار منها قال وبه والله أعلم ما يتبعها من المضرة المفضي لتحكم اليد الغالبة إلى مذلة المغلوب وقهره اهـ قال ابن الأزرق إثره في بدائع السلك: ووجه آخر أن الإكثار منها مظنة لنسيان الدفاع عن البلاد، الذي به العز والحماية كما يلوح من توجيه البخاري، ويشهد له ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رفعه: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم اهـ وقال القسطلاني كان العمل في الأراضي أول ما فتحت على أهل الذمة، فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك. وقال في الفتح: وقد أشار البخاري إلى الجمع بين حديث أبي أمامة والحديث السابق في فضل الغرس والزرع وذلك بأحد امرين: إما أن يحمل على ما ورد من الذم على ذلك ومحله إذا اشتغل به فضيع ما أمر بحفظه، وأما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه اهـ.

стр. 399

وفي السير أنه ﵇ كان يعجبه الجلوس في الحيطان (البساتين) والصلاة فيها. وقد روى ابن سعد وابن المنذر قال في الفتح بإسناد صحيح: عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستانا له، ففيه أنه كان له بستان، وإنه كان يقوم عليه بالرعاية. وقال الإمام السخاوي: وقد تكون الكثرة التي دعا بها النبي ﷺ لأنس: باللهم أكثر ماله وولده هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع والغرس، الذي قال ﷺ فيه كما في صحيح مسلم: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة، وذلك كان أكثر أموال الأنصار. ويستأنس له بما ورد أنه كان له بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك اهـ. وفي ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي من طبقات ابن سعد قصة عجيبة تدل على اهتمام كبار الصحابة بالأرض وغلتها وثمرها قال: أنا مسلم بن إبراهيم قال ثنا الحارث بن عبيد، ثنا أبو عمران الجوني أن النبي ﷺ أقطع أبا بكر وربيعة الأسلمي أرضا فيها نخلة مائلة أصلها في أرض ربيعة وفرعها في أرض أبي بكر، فقال أبو بكر: هي لي وقال ربيعة: هي لي، حتى أسرع إليه أبو بكر ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ وبدره ربيعة فقال له النبي ﷺ : أجل فلا ترد عليه. قال فحوّل أبو بكر وجهه إلى الحائط يبكي قال: وقضى النبي ﷺ بالفرع لمن له الأصل انظر ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي ص ٤٤ من ج ٤ ويظهر أن أبا بكر بكى على عدم إصابة ظنه أولا، وتسرعه إلى طلب ما لا حقّ له فيه حتى احتاج إلى التداعي والترافع إليه ﵇. وفي خطط المقريزي ص ١٥٤ من ج ١ أن سيدنا عمر قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنوات لا يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها ونحوه في صناجة الطرب في تقدمات العرب، وزاد ووصل النيل لجون العرب بواسطة خليج القلزم كما كان صنع البطالسة والفراعنة، وخصص ثلث إيراد مصر لعمل الجسور والترع لإرواء الأرضي اهـ انظر ص ٣٠٦ منها. قلت: يؤخذ أن عمر خصص ثلث إيراد مصر، لعمل الجسور والترع لإصلاح الري من التقرير الجغرافي الذي بعثه عمرو بن العاص لسيدنا عمر، وقد أثبتناه بنصه في القسم العاشر العلمي، وانظره ولا بد بذلك تعلم أيضا أنه كان من مبدأ عمر تقوية الزراعة وتنشيط الزراع، وأما ما جاء في ترجمته من أنه كان تقدم للعمال بأن لا يأذنوا لأحد من جنود المسلمين أن يزرع أو يزارع في البلاد المفتوحة كما في تاريخ ابن جرير وغيره وأن لا يقطعوا أرضا لأحد منهم البتة، فذلك لأمور.

стр. 400

أولها: كي لا يزاحم المسلمون أهل الذمة والعهد في أرضهم، ويضيقوا عليهم في معيشتهم. والأمر الثاني: كي لا يألف الجنود العمل في الأرض في إبان الفتح فتميل نفوسهم إلى الراحة من عناء الحرب، والأمة حربية لم يأن لها أطراح لأمة القتال واعتزال الحرب «١» . الثالث: كي تبقى الأرض بيد أهلها مادة تستمد منها الدولة ما يقوم بشؤونها العسكرية والإدارية، ولا يحتكرها المقتطعون من الجند. وفي العتبية؛ قال مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب كان يقول: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليصلحه فيوشك أن يأتي من لا يعطي إلا من أحب. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: إنما أوصى بحفظ أموالهم بالقيام عليها مخافة أن يضيعوها اتكالا منهم علي أعطيات الإمام. وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال، وهذا من إضاعة المال اهـ. وقد وقع في المدونة والعتبية أنه كان بين رجلين من الصحابة خصومة في أرض لهما فركب عثمان أيام خلافته وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر قد قضى فيه فقال عثمان: ما أنظر في أمر قضى فيه عمر فرجع. قال ابن رشد في البيان والتحصيل أيضا: وكانت الخصومة بين علي بن أبي طالب وطلحة في ضفير سد بفحة [كذا] من الوادي بين ضيعتهما، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا فيه الخصومة بين يدي عثمان، فركب من الغد في المهاجرين والأنصار ثم رجع لما بلغه أن عمر كان ذلك في أيامه. فلما أخبر بذلك عبد الله بن جعفر عليا قال له قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي فرحب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما بدا لك. فقال قد قبلت وبي حاجة فقال علي ما هي؟ قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع من فيها من الغلمان والدواب والآلة قال علي: قد قبلت قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرقا قال عبد الله: لا أدري أيهما أكرم أعلي إذ جاد بالضفير أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنه بمسقاه؟ اهـ. فهذا يدل على أن الحراثة كانت شائعة وبلغ الإهتمام بها إلى درجة الخصومة فيها من مثل علي وطلحة، وتوكيل علي ابن أخيه وخروج الخليفة في المهاجرين والأنصار للفصل فيها.

стр. 401

وفي الوفا للسيد السمهودي أنه كان بالمدينة وما حولها عيون كثيرة تجددت بعد النبي ﷺ ، وكان لمعاوية اهتمام بهذا الباب، ولهذا كثرت في أيامه الغلال بأراضي المدينة. فقد نقل الواقدي في كتاب الحرة أنه كان بالمدينة في زمن معاوية صوافي كثيرة، وأن معاوية كان يحرث بالمدينة واعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق ويحصد مائة ألف وسق حنطة اهـ منها ص ١٥٢ من ج ٢. وفي الكشاف لجار الله الزمخشري على قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود: ٦١] وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل الله نبي من أنبياء زمانهم عن سبب تعميرهم فأوحى الله إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي. وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر عمره فقيل له في ذلك فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار ولم يذكر اسم الشاعر في الكشاف، وذكره في ربيع الأبرار في موضعين قال في الروضة الثانية عشر: غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكن ذكرت قول الأسدي: ليس الفتى الخ. وقال في الروضة الثالثة عشرة قال بعض الأشراف لابنه: حسن آثارك في الدنيا واسمع قول الشاعر: ليس الفتى اخ انظر الطريفة والتالدة. وفي كتاب حسن الصناعة في البحث عن الزراعة: ومن الوصايا في إصلاح المرء ضيعته ما روي أنه قيل لأبي هريرة: ما المروءة قال: تقوى الله وإصلاح الضيعة، وقال قيس ابن عاصم لبنيه: عليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، وقال عتبة بن أبي سفيان لمولاه إذ ولاه أمواله: تعهد صغير مالي فيكبر، ولا تضيع كبيره فيصغر. وفي شرح الحطاب وأبي علي بن رحال على المختصر ما نصه: قال الشيخ يوسف ابن عمر: من كانت له شجرة وضيعها بترك القيام بحقها فإنه يؤمر بالقيام بها، فإن لم يفعل فإنه مأثوم. وقاله الجزولي أيضا. وزاد ويقال له: ادفعها لمن يخدمها مساقاة بجميع الثمرة اهـ انظر باب النفقات. وقال الإمام ابن حزم الأندلسي: إعلموا أن الراحة واللذة والسلامة والعز والأجر في أصحاب فلاحة الأرض، وفلاحة الأرض، أهنأ المكاسب جملة اهـ. وفي كشف الظنون عن بعض العلماء: لو علم عباد الله رضاء الله في إحياء أرضه لم يبق في وجه الأرض موضع خراب.

стр. 402

وإنما أطلت في هذه الترجمة للرد على من يشين الإسلام بكونه جاء ناهيا عن الزراعة حتى قال لي مرة بعض علماء الإفرنج: إن في القرآن لعن المحراث والحارث فقلت له: القرآن جاء بعكس ما تنسب له وأرشدته إلى بعض ما سبق فعجب. وقد ألف المسلمون في علم الفلاحة واستخراج المياه من الأرض عدة مصنفات؛ كالكرخي وأبي حنيفة الدينوري له كتاب النبات والشجر؛ وأبي زكرياء يحيى بن محمد بن العوام الأندلسي الأشبيلي من أهل المائة السادسة له كتاب في الفلاحة، طبع بمدريد في جزأين، استعان في كتابه هذا بنيّف وستين من كتب اليونان والرومان والعرب، وكان يطبق ما فيه على الفلاحة العملية التي أجراها بأرض بقرب أشبيلية. وللشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي علم الملاحة في علم الفلاحة طبع بدمشق. ولابن وحشية الكلداني كتاب في الفلاحة النبطية. وكان كلّف المستعين بالله العباسي في بغداد قسطا بن لوقا الطبيب البعلبكي بترجمة الكتب اليونانية، وله كتاب الفلاحة اليونانية ترجمة إلى العربية عن ترجمة سريانية وهو مطبوع بمصر. ولأهل الأندلس الكثير الطيب في هذا العلم وبمكتبتنا بعضها. الخرازة ترجم ابن سعد في الطبقات وابن حجر في الإصابة لزينب بنت جحش فذكر أنها كانت امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله اهـ ونحوه في التوشيح للحافظ الأسيوطي انظر ص ١٥٠ من اختصاره. باب في الثمار «سمى ابن فتحون في كتابه في الصحابة نبهان فوصفه بالثمار وذكر قصة فيها بيعه للثمر» . وترجم في الإصابة لسمويه «١» ويقال: سيما البلقاوي كان نصرانيا قدم المدينة بالتجارة فأسلم وذكر عنه أنه حمل القمح من البلقاء إلى المدينة قال فبعنا وأردنا أن نشتري الثمر فمنعونا فأتينا رسول الله ﷺ فقال أما يكفيكم رخص هذا الطعام بغلاء هذا التمر الذي تحملونهم، ذروهم. فائدة في فتح الباري أصناف تمر المدينة كثيرة جدا فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزاد على الستين قال والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم. المسافة التي كان يأتي منها الزرع وغيره كان يأتي من البلقاء وهي من أرض الشام إلى المدينة. يؤخذ ذلك من القصة

стр. 403

المذكورة عن الإصابة، وأخرج البخاري «١» في البيوع قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ ، إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١٠] . وانظر أيضا ترجمة جلب دقيق الحواري والسمن والعسل من الشام إلى المدينة فيما سيأتي وذلك يدل على أن المدينة صارت سوق العرب، تقصد بالبضائع من الأطراف البعيدة، وانظر ترجمة نبهان الأنصاري من الإصابة. وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي أن عمر أول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة (البحر الأحمر) إلى المدينة. قلت: وذلك في الخليج الذي فتح بعد فتح مصر وكان يمتد من الفسطاط إلى السويس والذي تولى حفره عمرو بن العاص في خلافة سيدنا عمر فعرف بخليج أمير المؤمنين، وصار الصلة العظمى بين مصر والبحر الأحمر والهند وسبب حفره على ما في الخطط للمقريزي أن الناس في المدينة قحطوا، فأعانهم عمرو بن العاص بعير أوّلها كان بالمدينة وآخرها بمصر فأمر معمر بفتح هذا الخليج، ليتيسر النقل في البحر بدل الظهر فلم يأت الحول حتى سارت فيه السفن، فصار يحمل فيه ما يراد للحرمين الشريفين ثم غلب عليه الرمل فانقطع آخر الدولة الأموية، انظر الخطط المقريزية والخطط التوفيقية ففيهما كلام مشبع عن هذا الخليج ونقل الثاني ص ١٢٠ من ج ١٩ عن الكندي في كتاب الجند العربي؛ أن عمرو بن العاص حفره في سنة ٢٣ وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، ثم نقل عن ابن الطوير أن مسافته خمسة أيام وكانت المراكب النيلية تفرغ وتحمل منه من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرغت حملت من القلزم ما وصل من الحجاز وغيره إلى مصر. وكان مسلك التجار وغيرهم. وذكر أيضا أنه بقي مفتوحا إلى زمن أبي جعفر المنصور ولما ظهر محمد النفس الزكية بالحجاز أمر عامله على مصر بردم خليج مصر، لقطع الميرة عن البلاد الحجازية، فردم وصار نسيا منسيا وبقي كذلك ألف سنة، إلى أن حفرت الترعة أخيرا «٢» وذكر أيضا أن عمر ربما توقف في فتح هذا الخليج قائلا: إن هذا الاتصال ربما أوجب اغارة الروم وهجومهم على الحجاز ولذا قال علي مبارك في ص ١٢٤ من ج ١٩ أن فتح ترعة البرزخ في زمانه آخر القرن المنصرم فتح على مصر أبوابا لم يكن من قدرتها إقفالها اهـ وقال غيره من الكتاب المعاصرين: إن فتح خليج السويس كان من أشد الآفات على ممالك الشرق اهـ فرضي الله عن عمر ما أصدق حدسه.

стр. 404

فائدة: بتأملك لهذه الترجمة تفهم أن سيدنا عمر ﵁ أذن أخيرا للمسلمين بعد إتقانهم للعلوم البحرية في ركوب البحر والجلب فيه، فما نقل عنه من نهيه الناس عن ركوب البحر، واستعماله كان وقت جهل المسلمين بعلومه، ولما كملت علومه لدى العرب، اتخذ معاوية الأسطول، كما سبق في محله عن ابن خالدون والمقريزي. وفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق، أن ابن المناصف اعتذر عن عمر في منعه ركوب البحر، بأن العرب لم يكن لها إذ ذاك علم بأحواله، وبعد تبحرهم في علوم البحر حفر الخلجان والترع، واتخذها واستعملها كما في هذه الترجمة. وبعد هذا وجدت في ترجمة علقمة بن مجزز المدلجي، من الإصابة «١» ، نقلا عن الطبري؛ أن في سنة ٢٠ بعث عمر علقمة في جيش إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا فأخذ من هذا السياق سبب منعه كأنه حداد على الغرقي. وبعده أصدر حفيده ومحيي أثره أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز منشوره العام إلى الأمة، الذي هو كالقانون الأساسي لدولته، ومن جملة ما جاء فيه وأما البحر فإننا نرى سبيله سبيل البر. قال: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الجاثية: ١٢] فاذن أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا تحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البحر والبر لله جميعا، سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف تحول بين عباد الله وبين مكاسبهم؟ اهـ من فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم. بائع الدباغ ترجم ابن عبد البر لسعد بن عائذ المؤذن مولى عمّار بن ياسر المعروف بسعد القرظ، وإنما قيل له سعد القرظ لأنه كان كلما اتجر في شيء وضع فيه، فاتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه. قلت: القرظ شجر يدبغ به، وفي مختار الصحاح: القرظ ورق السّلم يدبغ به، وقيل: قشر البلوط. وفي مادة سلم منه أيضا. والسلم: شجر من الغضاة، الواحدة: سلمة قال القاضي في المشارق: إن سعدا سمي به لأنه كان يتجر فيه. قلت: زاد في الإصابة أن البغوي روى عن القاسم بن الحسن بن محمد بن عمر بن حفص بن عمرو بن سعد القرظ عن آبائه أن سعدا اشتكى إلى النبي ﷺ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة فخرج إلى السوق فاشترى شيئا من قرظ فباعه، فربح فيه فذكر ذلك للنبي ﷺ فأمره بلزوم ذلك، قال الشيخ الطيب بن كيران في شرح ألفية العراقي في السير: ففيه أن من رزق من باب فليلزمه اهـ.

стр. 405

وقد سبق أن أم المؤمنين زينب بنت جحش كانت امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق. وفي طبقات ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتى رسول الله ﷺ ، ولقد هنأت يعني دبغت أربعين إهابا من أدم، وعجنت عجيني فدخل علي رسول الله ﷺ القصة. باب في الأديم [الجلد الطائفي] ترجم في الإصابة خليسة جارية أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب فذكر فيها أن سودة إحدى أمهات المؤمنين كانت تعمل الأديم الطائفي. الحطاب «ذكر ابن رشد في البيان والتحصيل قصة أصلها في جامع الترمذي ج ٣ ص ٥٢٢ وسنن النسائي وهي أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ يشتكي إليه الفاقة ثم عاد فقال يا رسول الله لقد جئت من أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم قال انطلق هل تجد من شيء فانطلق فجاء بحلس [حلس البيت ما يفرش تحت القتب ونحوه] فقدم فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفرشون بعضه ويلتفون ببعضه وهذا القدح كانوا يشربون فيه فقال: من يأخذهما مني بدرهم فقال رجل: أنا فقال من يزيد على درهم فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فقال: هما لك فدعا بالرجل فقال اشتر بدرهم طعاما لأهلك وبدرهم فأسا ثم ائتني ففعل ثم جاء فقال: انطلق إلى هذا الوادي فلا تدعن شوكا ولا حطبا ولا تأتيني إلا بعد عشر ففعل، ثم أتاه فقال: بورك فيما أمرتني به فقال: هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة في وجهك نكتة من المسألة أو خموش من المسألة «١» . (الخموش الخدش في الوجه) » . الدلال وهو السمسار «في الصحيحين طاوس عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ أن يتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد وفي البخاري عن طاوس عن أبيه سألت ابن عباس ما معنى قوله: لا يبيعن حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارا» «٢» . قلت: قال شيخنا في الفجر الساطع: المراد بالسمسار هنا هو المتولي العقد بين البائع والمشتري بأجر، كالسماسرة القاعدين بالحوانيت وليس المراد به كما سبق اهـ. وفي فتح الباري: السماسرة بمهملتين هو في الأصل القيّم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره اهـ.

стр. 406

وفي القاموس؛ السمسار: بالكسر المتوسط بين البائع والمشتري. قال الشمس ابن الطيب الفاسي في حواشيه: قلت هو الذي يسميه الناس الدلال، فإنه يدل المشتري على البائع. وهو لفظ أعجمي كما قاله الخطابي في معالم السنن وغيره واغفل المصنف ذلك اهـ وقد ألف في مسألة السماسرة وأحكامهم أبو العباس الأبياني التونسي. النساج قال العيني: بفتح النون وتشديد السين المهملة وفي آخره جيم ويلتبس بالنساخ بالخاء المعجمة «في الصحيح «١» عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة ببردة منسوجة قال: أتدرون ما البردة؟ كساء مخطط. وقيل: كساء مربع أسود، فقيل: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها فقالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي فجئت أكسوكها فأخذها النبي ﷺ . الحديث» . قلت: ترجم على الحديث أيضا البخاري فقال في كتاب البيوع: باب النساج ثم ذكره. قال العيني: قولها منسوجة وقولها إني نسجت لا يدل على النساج ضرورة اهـ وأخرج الحديث المذكور أيضا البخاري في أبواب من استعد للكفن من أبواب الجنائز فانظره فيهما. وفي الأحياء في أواخر كتاب الفقر والزهد من ربع المنجيات، عن سنان بن سعد قال: حكت للنبي ﷺ جبة من صوف، وجعلت حاشيتها سوداء فلما لبسها قال: انظروا ما أحسنها وما أبهجها. فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لي. قال فكان إذا سئل شيئا لم يبخل به فدفعها إليه، وأمر أن تحاك له جبة أخرى، فمات وهي في المحاكة الخ قال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث سهل بن سعد وهو عند الطبراني في القضية الأخيرة، ووقع في كثير من نسخ الإحياء سنان بن سعد وهو غلط اهـ ونقله الحافظ في الإصابة عنه وأقره. قلت: وبذلك تعلم ما في قول الحافظ ابن القيم في الطرق الحكمية: لم يكن في المدينة حائك بل كان يقدم عليهم بالثياب من اليمن والشام وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها اهـ منه. قلت: خصوصا وفي القصة السابقة أن المصطفى ﵇ لما خرج بالبردة التي صنعت له المرأة فاستحسنها فلان، فكساه إياها قال الحافظ في الفتح: في الجنائز، وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أن النبي ﷺ أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن تفرغ اهـ انظره. وأخرج أبو داود الطيالسي عن سعد بن سهل قال: توفي النبي ﷺ وله جبة صوف في

стр. 407

الحياكة، وروى أبو الشيخ عنه قال خيطت للنبي ﷺ جبة من صوف أنمار فلبسها الحديث كما سبق الخ. وفي تلبيس إبليس للحافظ ابن الجوزي: كان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين، أي يعملون الخز وهي نساجة تنسج من صوف وإبريسم. الخياط قلت: هو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء قال العيني في العمدة: ويلتبس هذا بالحناط بفتح الحاء المهملة وتشديد النون وهو بياع الحنطة، وبالخباط بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء وهو بياع الخبط، ومنهم عيسى ابن أبي عيسى كان خياطا ثم صار خباطا. وفي طبقات ابن سعد عن عائشة قالت: كان ﷺ يعمل عمل البيت، وكثيرا ما يعمل الخياطة. في المعارف لابن قتيبة: كان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبي ﷺ مفتاح الكعبة خياطا وذكره ابن دريد في الوشاح. قلت: ونحوه لابن الجوزي في تلبيس ابليس. وأخرج ابن عساكر والخطيب عن سهل بن سعد رفعه: عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء المغزل. وفي الصحيح أن خياطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه له. قال فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام. وعليه بوّب البخاري في كتاب البيوع فقال: باب الخياط. وذكر الحديث المذكور. قال العيني في العمدة: قال الخطابي وفيه جواز الأجرة على الخياطة ردا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة، وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري، من ذكر القين والصائغ و النجار ؛ لأن هؤلاء الصناع إنما يكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والفضة والذهب وهي أمور من صنعة يوقف على حدها، ولا يختلط بها غيرها. والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده، فجمع إلى الصنعة الآلة وإحداهما معناها التجارة والآخرى الإجارة، وحصة أحدها لا تتميز من الآخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يغرز بخيوطه، ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك فاسد في القياس إلا أن النبي ﷺ وجدهم على هذه الحالة أول زمن الشريعة فلم يغيرها؛ إذ لو طولبوا بتغييرها لشق عليهم فصار بمعزل من موضع القياس والعمل به ماض صحيح لما فيه من الأرفاق اهـ. النجار تقدم في ذكر المنبر النبوي الخلاف في اسم صانعه، وهنالك ما يدل على استظهار أن سبعة من المحترفين بهذه الصنعة اجتمعوا على صنعه، كما سبق قول العباس في غلام له نجار: إعمل للناس وكما سبق أنه ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق. وأن جماعة من الصحابة زحفوا إلى جدار الطائف ليحرقوه تحت دبابة، وأن نار هذه الدبابة أول دبابة

стр. 408

صنعت في الإسلام، مما يدل على أن هذه الصناعة كانت نافقة في الزمن النبوي. المهد للصبيان وجدت في الإصابة في ترجمة إبراهيم بن المصطفى ﵇ إن إسماعيل السدي روى عن أنس قال: كان إبراهيم قد ملأ المهد فدل على وجوده في ذلك الزمن وعلى صانعه. وفي كتب السير والموالد ذكر المهد له ﵇، قال الشهاب الحلواني في مولده الكبير: المهد سرير المولود الذي يربى فيه ويحرك به لينام، ويطلق على الفراش أيضا مجازا مرسلا على زمن الطفولية. وفي الرقائق أن ابن أبي ذيب كلم المنصور فأغلظ له القول وقال: والله يا أمير المؤمنين إني أنصح لك من ابنك المهدي، ثم لقي سفيان فقال له: يا أبا الحرث لقد سرنا ما خاطبت به هذا الجبار، لكني ساءني قولك له: ابنك المهدي فقال: يغفر الله لك يا أبا عبد الله، كلنا مهدي كلنا كان في المهد اهـ. وفي الخصائص الكبرى للحافظ السيوطي قال ابن الطراح: رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله محمد بن المعلى الأزدي أن من شعر حليمة لما كانت ترقص لرسول الله ﷺ : يا ربّ إذ أعطيته فابقه ... وأعله إلى العلا وارقه وادحض أباطيل العدا بحقه وفي ترجمة عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب من الإصابة يقال: إن الزبير بن عبد المطلب كان يرقص النبي ﷺ وهو صغير ويقول: محمد بن عبدم: عشت بعيش أنعم ... في عزّ فرع أسنم وفي ترجمة الشيماء بنت الحارث من الإصابة ذكر محمد بن المعلى الأزدي في كتابه الترقيص قال: وقالت الشماء ترقص النبي ﷺ : يا ربنا ابق لنا محمدا ... حتى أراه يافعا وأمردا ثم أراه سيّدا مسوّدّا ... واكبت أعاديه معا والحسّدا وأعطه عزا يدوم أبدا قال فكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول: ما أحسن ما أجاب الله دعاها. صانع الأقداح من الخشب للشرب في سيرة ابن إسحاق من قصة لأبي رافع: وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حفرة زمزم، ونحوه في ترجمته من طبقات ابن سعد. الصوّاغ صاغ الشيء: صوغا وصياغة سبكه. وقال العيني في العمدة: الصوّاغ بفتح الصاد على وزن فعّال بالتشديد؛ هو الذي يعمل

стр. 409

الصياغة، وبضم الصاد جمع صائغ اهـ وقال القسطلاني الصوّاغ صائغ الحلي. بوّب البخاري باب ما قيل في الصوّاغ ثم خرج عن علي أنه لما أراد أن يا بني بفاطمة ﵍ قال: وعدت رجلا صواغا من بني قينقاع (شعب من يهود المدينة) أن يرتحل معي فنأتي باذخر أردت أن أبيعه من الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي وفي الصحيح أيضا قول العباس ﵁ لرسول الله ﷺ في تحريمه لنبات مكة إلا الأذخر لصاغتنا وسقفا لبيوتنا. قلت: قال الحافظ في الفتح على حديث الترجمة: يؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها، ولو تعاطاها أراذل الناس مثلا. ولعل المصنف أومأ إلى حديث «أكذب الناس الصواغون، وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره اهـ «١» . ثم قال: وغرض الترجمة ذكر الصياغة وتقرير المصطفى على ذلك. وقد ترجم في الإصابة لأبي رافع الصوّاغ، فذكر أن إبراهيم الحربي خرج في غريب الحديث بسند جيد عن أبي رافع قال: كان عمر يمازحني يقول: أكذب الناس الصائغ يقول اليوم: غدا. وقال البدر الدماميني على الصحيح، على باب الصواغ عن ابن المنير: وفي معاملة الصواغ تنبيه على أنها صنعة جيدة لا تجتنب معاملة صاحبها، لا من حيث الدين ولا من حيث المروءة، وربما كثر الفساد في صنعته، ويتعاطاها أراذل الناس كاليهود. فما ذلك يقدح فيمن يتناولها، ولا يحط من درجته في العدالة إلى أن قال: الظاهر أن الصناعة التي يصير تعاطيها عند أهل العرب علما على دناءة الهمة وسقوط المروءة قادحة فيمن يتعاطاها، في زمن يقرر ذلك العرف ومكانه. وقد قال ابن محرز من أصحابنا المالكية: لا ترد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس والدبّاغ والحجّام والحائك إلا من رضيها اختيارا ممن لا يليق به، لأنها تدل على شيء في عقله اهـ من المصابيح له. النقاش خرّج ابن أبي حاتم في العلل، من طريق العقيلي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أمه قالت: دخل رسول الله ﷺ على عقيل فوهب له خاتما أهداه إلى رسول الله ﷺ النجاشي، مثل الفلكة، فكتب رسول الله ﷺ فيه: قل هو الله أحد والمعوذتين وقال: قال أبي: حديث منكر، والعقيلي هو ابن عبد الله بن محمد بن عقيل. وحديثه ليس بشيء. وفي العلل أيضا وسألت أبي عن حديث رواه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ خاتم فضة، فيه

стр. 410

تمثال فكتب النبي ﷺ حوله قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس قال أبي: حديث منكر والقاسم متروك الحديث اهـ. قلت: المنكر قد يطلق عندهم على الحديث الفرد، وإن كان أراد النكارة بمعناها فيغني في الباب أحاديث نقشه ﷺ اسمه الكريم على خاتمه للختم به، على مكاتيب الملوك ونحوهم. ففيه أن النقش وقع بالمدينة، ولا يكون إلا من نقاش وفي الاكتفاء للكلاعي في حق أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة أنه كان نقاشا حدادا نجارا الخ. صنع الأنف من ذهب ترجم في الإصابة للضحاك بن عرفجة السعدي، فذكر أن ابن منده روى عنه أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب قال الحافظ هكذا أوردوا والمشهور أن الذي أصيب أنفه عرفجة وانظر ترجمة طرفة بن عرفجة أيضا من الإصابة من ص ٢٨٤ من ج ٣ وحديث عرفجة هذا في جامع الترمذي «١» . وقال وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب فأشار النبي ﷺ إلى أن الذهب خاصيته أن لا ينتن. قلت: بوّب على حديثه أبو داود في السنن باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، ثم خرج أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب «٢» فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفا من ذهب. قلت: وهذا أعظم ما يدل على تقدم في دقة الصنعة والاتقان، لأن صنع الأنف من ذهب وتركبيه في محله ليس مما يستطيعه كل عامل أو صانع، وأخرج ابن سعد في الطبقات: أن عثمان كان يشد أسنانه بالذهب. وبذلك تعلم ما في عدّ بعضهم علم جراحة الأسنان وتركيبها من الاكتشافات الحديثة، كما حكاه البستاني في حرف السين من دائرة المعارف ص ١٢٥ ج ١٠. وهو مردود بما ذكر بأنه ورد في قصائد شعراء اليونان واللاتين ذكر الأسنان الاصطناعية. إحداث الرحى الهوائية في آخر خلافة عثمان والصحابة متوافرون في وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٣٥ أن العرب أحدثوا الرحى الهوائية بالرياح المحدثة المترددة في الصناديق المتعددة، وكان ذلك سنة ٢٩ بعد الهجرة في خلافة عثمان.

стр. 411

المصور ترجم البخاري «١» في الصحيح باب: بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، ثم أخرج عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وأني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس بعد تحديثه بحديث النهي: إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح. وفي كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام ملك العلماء علاء الدين ابن مسعود الكاساني الحنفي ص ١١٧ من ج ١ عن ابن عباس أنه نهى مصورا عن التصوير. فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار. وذكر فيه أن الصورة إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد، فلا بأس بها لأن من يعبد الأصنام لا يعبد الصغير منها جدا. ونص على أن الصورة إذا كانت في البساط في مؤخر القبلة، أو تحت قدم المصلي قال: لا تكره الصلاة عليه. بل لا بأس. وقد روي أنه كان على خاتم لأبي موسى ذبابتان، وروي أنه لما وجد خاتم دانيال في عهد عمر كان على فصه أسدان بينهما رجل يلحسانه اهـ من البدائع. وفي مواكب ربيع أنه كان نقش خاتم دانيال ﵇ صورة أسدين يلحسانه لئلا ينسى نعمة ربه، وبه ظفر أبو موسى الأشعري حين وجد قبره بنهر السوس، كورة من كور الأهواز بين البصرة وفارس، أيام عمر. فأخرجه وكفنه وصلى عليه ثم أقبره في نهر السوس. وكان ذلك الخاتم في يد أبي بردة بن أبي موسى اهـ ص ١٩٢. وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي ص ٣٠٨ من ج ٢ نقلا عن الكافي: كان على خاتم أبي هريرة ذبابتان، وعلى خاتم دانيال صورة أسد ولبوة وبينهما صبي يلحسانه، فلما نظر إليه عمر أغرورقت عيناه، وذلك أنه ألقي في غيضة وهو رضيع، فقيض الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلحسانه، فأراد بهذا النقش أن يحفظ منّه الله عليه. وكان لابن عباس كانون [موقد] محفوف بصور صغار، وقد وجد خاتم دانيال المذكور في عهد عمر فدفعه لأبي موسى، وذلك أن بختنصر قيل له: يولد مولود يكون هلاكك على يده، فجعل يقتل من يولد فلما ولدت أم دانيال ألقته في غيضة رجاء أن يسلم من القتل، فقيض الله له الأسد واللبوة كما ذكر في النهاية والفتح. ثم ذكر عن البحر واختلفوا فيما إذا كانت الصورة على الدراهم والدنانير. هل تمتنع الملائكة من دخول البيت بسببها؟ فذهب القاضي عياض إلى أنهم لا يمنعون، وأن الأحاديث مخصصة: وذهب الثوري إلى القول بالعموم. وفي الصميربي: إذا كانت التصاوير مستورة لا بأس بها ونحوه في الخلاصة،

стр. 412

وجامع الفتاوي. ولو كانت في يده تصاوير وأمّ لا تكره إمامته كما في خزائن الفتاوي. ولو هدم بيتا مصورا بالإصباغ ضمن قيمة البيت وأصباغ غير مصوريها، كما في التفاريق اهـ. ونقل المناوي في شرح الشمائل؛ في باب الخاتم عن ابن جماعة: أخطأ في هذا المقام؛ من زعم أن خاتم المصطفى كان فيه صورة شخص، قال المناوي: وإطلاق الخطأ لا ينبغي. فقد قال الزين العراقي: قد ورد من حديث مرسل أو معضل وآثار موقوفة نقش الصورة على الخاتم، فأما الحديث المعضل أو المرسل فرواه عبد الرزاق عن معمر أن عبد الله بن محمد بن عقيل أخرج خاتما وزعم أن المصطفى كان يختم به فيه تمثال أسد. قال: فرأيت بعض أصحابنا غسله بالماء ثم شربه. وهذا مرسل أو معضل لا تقوم به حجة. وأما الموقوفات فخرّج ابن أبي شيبة في مصنفه عن حذيفة أنه كان في خاتمه كركيان متقابلان بينهما مكتوب: الحمد لله. وأخرج أيضا أنه كان نقش خاتم أنس أسدا وأنه أيضا كان خاتم عمران بن حصين نقشه: تمثال رجل متقلدا سيفا قال الزين العراقي: وهذه موقوفات لا حجة فيها، وبعضها لا يصح وليس فيها شيء بغير علة إلا أثر أنس، وهو معارض بالأحاديث الصحيحة في منع التصوير اهـ. قلت: قصة خاتم عمران هذه وما نقش فيه من تمثال رجل خرجه أيضا ابن سعد في الطبقات في ترجمته انظر ص ٥ ج ٦ وأثر أنس فيها أيضا بلفظ: كان في خاتم أنس ذيب أو ثعلب أنظر ص ١١ ج ٧. وفي ترجمة القاضي شريح منها كان نقش خاتم شريح أسدان بينهما شجرة، وفيها أيضا لدى ترجمة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان في خاتمه رأس كركي أو نقش كركي بين أحبل انظر ص ١٤٦ ج ٦ وفيها أيضا في ترجمة الضحاك بن مزاحم الإمام العظيم الشأن أن خاتمه كان من فضة فيه فص شبه القوارير وكان نقشه صورة طائر انظر ص ٢١٠ من ج ٦. وفي المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية، للشيخ حمزة فتح الله المصري ص ٢٥٣ من ج ١ أن معاوية بن أبي سفيان ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا بسيفه اهـ ولكن قال العلامة الوزير جودت باشا التركي في مقدمة تاريخه أنه نقل بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية، وخالد بن الوليد متقلدين سيفهما وتابعهم واصف أفندي في ذلك. فأدرج في تاريخه أن معاوية كتب صورته على السكة متقلدا سيفه ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت اهـ من تعريبه ص ٢٧٠ وانظر ما سبق في الوسادة لدى القسم الأول. وفي رحلة الحافظ أبي القاسم التجيبي أخبرنا المسند المعمر، الصدوق ناصر الدين أبو حفص بن عبد المنعم الدمشقي بقراءتي عليه، عن الشيخ الفقيه الإمام الفاضل موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، قال: روينا أن عمر بن الخطاب لما قدم الشام صنع أهل الكتاب له طعاما فدعوه فقال: أين هو فقالوا في الكنيسة،

стр. 413

فكره دخولها وقال لعلي: اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين فدخلوا وأكلوا «١» ، وجعل علي ينظر إلى الصور وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل منها، وقد رأيت هذه القصة بعنيها في كتاب ذمّ الموسوسين وذم الوسوسة للإمام موفق الدين بن قدامة المذكور، انظر ص ١٩ منه طبعة مصر. وفي شرح كشف القناع على متن الإقناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي، من كبار كتب الحنابلة، لما ذكر متنه أن المدعو للوليمة إن شاهد ستورا معلقة فيها صور حيوانات وأمكنه حطها أو قطع رأسها فعل، وإن لم يمكنه ذلك كره له الجلوس، إلا أن تزال، ما نصه: قال في الإنصاف: والمذهب لا يحرم اهـ لما روى أن النبي ﷺ دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم واسماعيل يستقسمان الأزلام، فقال: قاتلهم الله لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط رواه أبو داود «٢» ولأن دخول الكتاتيب والبيع غير محرم، وهي لا تخلو منها وكون الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة لا يوجب تحريم دخوله، كما لو كان فيه كلب ولا يحرم علينا صحبة رفقة فيها جرس، مع أن الملائكة لا تصحبهم، ويباح ترك الإجابة إذن عقوبة للفاعل وزجرا له عن فعله اهـ منه. ووقع في كلام لبعض المصريين: اشتهر العرب في العصر العباسي بالتصوير على الجدران، وعلى صفحات الكتب بحروف تخطيطية كانت ذات اتقان زائد، وقد اطلعنا على كتاب قديم يرجع تاريخه إلى القرن الثالث الهجري، رسم فيه مؤلفه جماعة من النوابغ الإعلام، واطلعنا أخيرا على عدة كتب مصورة يرجع عهدها إلى القرن الرابع والخامس والسادس. ومن قرأ تاريخ الأندلس وجد أن الخليفة عبد الرحمن الناصر بني قصر الزهراء، الذي يضرب به المثل، وجعله مسكنا للزهراء جاريته، وسماه باسمها الزهراء. ونقش صورتها على بابه رمزا للرسم التخطيطي. وقال الشريف أبو عبد الله الجواني في كتاب النقط على الخطط أن الخليفة الآمر بأحكام الله، قد بنى قنطرة من الخشب مدهونة بالألوان، وصور فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل واحد منهم رف لطيف مذهّب. فلما دخل الآمر هذه القنطرة وقرأ الأشعار ابتهجت نفسه، وأمر أن يوضع على كل رف صرّة مختومة، تحتوي على خمسين دينارا، وأن يدخل كل شاعر يأخذ صرته بيده، وكانوا عدة شعراء. وعثر في أطلال

стр. 414

الحمراء بغرناطة في الأندلس، على صورة تمثل قضاة على طراز عربي، يظهر أنها من آثار القرن الثامن الهجري اهـ. قلت: صورة القضاة الأندلسيين التى ذكر، وقفت عليها منقولة عن الأصل المذكور بالفوتو غراف. وأخبرني بعض من دخل مكتبة باريز أنه رأى كتابا لبعض فلكيي القرن السادس والسابع في التاريخ اشتمل على صورة كثير من أعلام الإسلام؛ منها الصورة النبوية «١» والظاهر أنها صورة خيالية لا حقيقية. ورأيت المقريزي ينقل في الخطط عن كتاب سماه ضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس قال: وأنه ألف في طبقات المصورين. وللزهراوي الطبيب كتاب في الجراحة يرجع تاريخه لسنة ٥٨٤ فيه صور الآلات الجراحية بالإتقان التام، ويستدل منها على أن بعضها كان مثل الآلات الجراحية التي يظن حدوثها منذ عهد قريب انظر مادة كتب من دائرة المعارف الوجدية. وكنت رأيت في دمشق صورة يدوية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وولي الدين ابن خالدون، والأخيرة ظفرت بها وهي عندي منقولة عن صورة وجدت بالأسكوريال من بلاد اسبانية والله أعلم. اتخاذ الشحم للإستصباح ودهن السفن وغيرها في الصحيح «٢» عن جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها أجملوه أي أذابوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه. قال القاري في شرح المشكاة على قوله: تطلى بها السفن بضمتين جميع سفينة، أخشابها وقال النووي: الضمير في هو يعود إلى البيع، لا الإنتفاع وهذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه، وعند الجمهور: لا يجوز الإنتفاع به أصلا لعموم النهي إلا ما خص وهو الجلد المدبوغ، فالصحيح من مذهبنا جواز الإنتفاع بالإدهان النجسة من الخارج كالزيت والسمن وغيرهما بالإستصباح وغيره، بأن يجعل الزيت صابونا، أو يطعم النحل العسل المتنجس وأجاز أبو حنيفة وأصحابه بيع الزيت النجس إذا بينه اهـ. بيع اللبن عن أبي بكر بن أبي مريم قال كانت للمقدام بن معدي كرب جارية تبيع اللبن ويقبض

стр. 415

المقدام ثمنه، فقيل له: سبحان الله أتبيع اللبن وتقبض الثمن؟ قال: نعم. وما بأس بذلك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليأتين على الناس زمان لا ينفع إلا الدينار والدرهم، أورده التبريزي في المشكاة وعزاه لأحمد «١» قال القاري: عليها نقل عن الطيبي معناه: لا ينفع الناس إلا التكسب إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام. كما روي عن بعضهم أنه قيل له: إن التكسب يدنيك من الدنيا فقال: لئن أدناني من الدنيا فقد صانني عنها، وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وروي عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها ويقول: لولا هذه [الدنانير] لتمندل بي بنو العباس، أي جعلوني كالمنديل يمسحون بي أوساخهم اهـ. الحداد «في الصحيح عن أنس بن مالك قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم (والدا له من الرضاعة) لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه، وفي الإستيعاب، قال أنس في قصة موت إبراهيم بن النبي ﷺ فانطلق ﵇ وانطلقت معا فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره، وقد امتلأ البيت دخانا فأسرعت المشي أمام النبي ﷺ حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول الله ﷺ فأمسك القصة» . ترجم البخاري في الصحيح باب ذكر القين والحداد «٢» قال الحافظ بفتح القاف، وقال ابن دريد: أصل القين الحداد ثم صار كل صانع عند العرب قينا، وقال الزجّاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضا الحداد. وكان البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما، وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم اهـ. والحديث الذي ذكره البخاري عن خبّاب قال؛ كنت قينا في الجاهلية وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث «٣» القصة. وقال العيني في العمدة: قال مقاتل: صاغ خبّاب للعاص شيئا من الحلي، فلما طلب منه الأجر قال: أنتم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان. قال خباب: نعم قال: العاصي فميعاد ما بيننا الجنة. وقال الواحدي وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب قينا اهـ ثم قال العيني وفي الحديث: أن الحداد لا يضره مهنة صناعته إذا كان عدلا. قال أبو العتاهية: ألا إنما التقوى هو العز والكرم ... وحبّك للدنيا هو الذل والعدم

стр. 416

وليس على حر تقي نقيصة ... إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم وترجم في الإصابة للأزرق بن عقبة الثقفي، مولى الحرث بن كلدة وأنه أسلم لما حاصر ﵇ الطائف وقال: ثم كان حدادا وقينا اهـ انظر ص ٢٧. وفي الأجوبة المهمة للشيخ الكنتي: أصل صناع الحديد والورق في الدولة الإسلامية أنه ﵇ لما افتتح خيبر سبى فيما سبى ثلاثين قينا وكانوا صناعا سماسر وحدادين فقال النبي ﷺ : اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعتهم، ويتقوون بها على جهاد عدوهم، فتركوا لذلك فمن تعلم عليهم الصناعة سمي صانعا أو معلما، ومن كان من أصلهم سمي قينا. فصاروا من يومئذ يلتجئون وينضوون إلى أكابر الناس أخرجه الخطيب القسطلاني اهـ منها. وترجم في الإصابة لبشر بن قيس التميمي فذكر أن ابن شاهي خرج عن بشر بن قيس أنه قدم على المصطفى ﷺ ومعه ابنه رجيح، وهما مقرونان في سلسلة كانت عليه، فقال: يا بشر إقطعها فليست عليك يمين فقطعها وأسلم. قلت: وقد غفل الحافظ في الفتح، لدى ترجمة باب الأسارى في السلاسل، من كتاب الجهاد عما عزاه لابن شاهين في الإصابة، فإنه نقل عن إبراهيم الحربي ما ينفي وجود السلسلة الحقيقية. وقد خرج البخاري في سورة آل عمران، من كتاب التفسير، عن أبي هريرة في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام. البناء البناآت النبوية «بنى ﷺ مسجد قباء أول ما ورد المدينة، ووقف على أساسه قال السهيلي في الروض: ذكر ابن أبي خيثمة أن رسول الله ﷺ ، حين أسس مسجد قباء، كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر ثم أخذ الناس في البنيان فيستخرج هذا أول من بنى مسجدا في الإسلام» . الأصل في وضع الرؤساء والملوك أول حجر للمعاهد العلمية والدينية والقومية يؤخذ مما قبله. تعيين الإمام موضع المسجد وتعيين محل القبلة ترجم في الإصابة أسامة الحنفي فذكر أن البارودي في الصحابة أخرج من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب عن رجل عن أسامة الحنفي قال لقيت رسول الله ﷺ في أصحابه في

стр. 417

السوق فقلت لهم: أين يريد رسول الله ﷺ ؟ قالوا: يريد أن يخط لقوم مسجدا. الحديث انظر ص ٣٢ ج ١. وترجم فيها أيضا جابر بن أسامة الجهني فذكر أن البخاري في تاريخه، وابن أبي عاصم والطبراني وغيرهم، خرّجوا من طريق أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن أسامة الجهني قال: لقيت رسول الله ﷺ بالسوق في أصحابه، فسألتهم أين يريد؟ قالوا: اتخذ لقومك مسجدا، فرجعت فإذا قومي فقالوا: خط لنا مسجدا وغرز في القبلة خشبة انظر ص ٢١١ ج ١. أمر الإمام من ينوب عنه في تسمية البقعة مسجدا ذكر في الإصابة في ترجمة عبد الله بن عمير السدوسي، أن جده جاء بإداوة من عند النبي ﷺ ، وأنه قال له: إذا أتيت بلادك رش به تلك البقعة، واتخذها مسجدا أخرجه الطبراني في الأوسط. مسجد المدينة «قال ﵇ كما في الصحيح «١» ، وغيره إلى بني النجار بعد أن ارسل إليهم وكان موضع المسجد لهم: ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون قال ابن اسحاق: فعمل فيه النبي ﷺ ليرغب المسلمين في العمل وذكر ابن جماعة أن النبي ﷺ أمر ببناء المسجد فبنى باللبن، وجعلت عضادتاه بالحجارة، وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك، فهو مربع، وجعل الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللبن» . بناؤه ﷺ المسجد ثلاث مرات منها ما لبنه بالأنثى والذكر في الفجر الساطع في باب بناء المسجد عن تفسير ابن عطية: بنى ﷺ مسجده ثلاث مرات، الأولى بالسميط وهو لبنة أمام لبنة، والثانية بالضفرة وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان اهـ. مساكنه ﵇ ثم بنى ﷺ مساكنه إلى جنب المسجد باللبن، وسقفهما بجذوع النخل والجريد،

стр. 418

وكان محيطها مبنيا باللبن، وقواطعها الداخلة من الحديد المكسو بالطين والمسوح الصوفية، وجعل لها أبواب منافذ متقنة الهواء، داعية إلى السهولة في الدخول والخروج وخفة الحركة، مع وفر الزمن والسرعة إلى المقصد وان منزل السيدة عائشة صفة إلى منزل السيدة فاطمة، وكان به فتحة إلى القبلة. يؤيد ذلك قول ابن زبالة: كان بين بيت حفصة ومنزل عائشة طريق، وكانتا تتهاديان الكلام، وهما في منزلهما من قرب ما بينهما، وكان بيت حفصة على يمين خوخة آل عمر، في جنوب بيت عائشة إلى الشرق، وكان من دونهما منازل بقية الأزواج الطاهرات. وكان بمنزل فاطمة شباك يطل على منزل أبيها وكان ﷺ يستطلع أمرها منه. «قال السهيلي في الروض: إن بيوت النبي ﷺ كانت تسعة بعضها من جريد مطين بالطين، وسقفها جريد وبعضها من حجارة موضوعة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا، وكان لكل بيت حجرة وهي أكسية من شعر مربوطة بخشب العرعر اهـ» . أقول: إذا علمت أنها تسعة وأن كل بيت لا بد له من محل لقضاء الحاجة، ومحل لمئونة السنة والطبخ ومحل للقاء الناس، ومحل لمبيت النبي ﷺ مع زوجته الطاهرة، وإن زدتها محل خزائن السلاح وأدوات النقل، ومحل الدواب والخيل والنعم والحمير، وغير ذلك من الممتلكات النبوية، وممتلكات بيت المال مع دار الضيوف، والسجن ومحل المرضى، ومحل أهل الصفة وغير ذلك من الضروريات ظهر لك عظم تلك المباني، وسعة تلك المرافق، وهذه الضروريات التي الإتساع في البناء ضروري لها يجهلها أكثر الناس اليوم. ويظنون أن مساكن النبي ﷺ كانت في نهاية الضيق والقلة. ولعمري إذا أمكنه ﷺ ذلك في المبادي، فكيف لا يتسع أكثر من ذلك في آخر امره ولو عاش في المدينة بعد الهجرة أكثر من عشر سنوات؟ وكان يشتغل فيها بغير الحروب وتوجيه البعوث وإرسال السرايا إلى الجهات فانظر ماذا كان يصنع. الدكة لجلوسه ﵇ «ذكر أبو محمد ابن حيّان في أخلاق النبي ﷺ عن أبي هريرة وأبي ذر: كان ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا منه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه ونجلس بجانبيه» «١» . الحديث بذلك في صحيح مسلم في كتاب الإيمان في قصة مجيء جبريل، فاقتصار الخزاعي في العزو لمن ذكر ذهول وغفلة، وكان محل هذه الدكة هو الذي يعرف الآن في

стр. 419

المسجد النبوي باسطوانة الوفود. ففي تواريخ المسجد النبوي: أنها عرفت بذلك لأنه ﵇ كان يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، وقد تكلم عليها السمهودي في الوفا، والسيد جعفر البرزنجي في النزهة. أول بنّاء كان في الإسلام «في نفحة الحدائق والخمائل في ذكر الإبتداع والإختراع للأوائل أول بنّاء كان في الإسلام عمار بن ياسر» . امره ﵇ في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية قال البيهقي في شعب الإيمان: أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو محمد بن جعفر بن درستويه الفارسي حدثنا عتبة الحمصي ثنا اسماعيل هو ابن عياش عن أبي بكر الهذلي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ما حق جاري علي؟ قال؛ إن مرض عدته، وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن عري سترته، وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا ترفع بناءك فوق بنائه، فتسد عليه الريح، ولا توذّه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها. قال البيهقي: إسناده ضعيف وله شواهد. خرّج ابن عدي في الكامل من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رفعه نحوه وفيه: ولا تطيل عليه البناء، وتحجب عنه الريح إلا بإذنه. انظر آخر كتاب كوكب الروضة للحافظ السيوطي. وانظر ما سبق في معرفته ﵇ بهندسة البناء تر عجبا. هدمه ﵇ مسجد الضرار سمي مسجد الضرار لمحاولة الضرر ببنائه وكان الذين اتخذوه اثني عشر رجلا من المنافقين، وكان وعدهم النبي ﷺ أن يصلي لهم فيه، فنزل عليه الوحي بما أضمروه من التفريق بين المؤمنين، وإرادتهم به الطعن على الرسول، لتختلف الكلمة وذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٠٧] الآية فأمر ﵇ بتحريقه وأن يجعل محله كناسة يلقى فيها الجيف والأزبال، ودعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني وقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه. وفي رواية فدعا مالكا ومعنا وأخاه زاد البغوي وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة فأحرق حتى وضع إلى الأرض، وتفرق عنه أصحابه فلما قدم ﵇ المدينة عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارا فقال: ما كنت اتخذه وقد أنزل الله فيه ما أنزل ولكن أعطه ثابت بن أقرن، فإنه لا منزل له فأعطاه فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ولا حمام ولا دجاج. وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة قالوا: ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة فأبصر الدخان يخرج منها وفي تفسير الواحدي قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكانوا اثني عشر رجلا، سرد ابن إسحاق وتبعه

стр. 420

السهيلي والعمري وغيرهم أسماءهم انظر شرح المواهب، وراجع ما سبق في الكلام على الحدود، وفي أحكام القرآن لابن خويز منداد علي آية مسجد الضرار، وتضمنت الآية المنع من الضرر في المساجد، وفي بنيانها كذلك، قال أصحابنا: لا يجوز أن يا بنى مسجد إلى جنب مسجد لئلا يضر بأهل المسجد الأول، ويجب هدمه والمنع من بنائة، إلا أن تكون المحلة كبيرة ولا يكتفي أهلها بمسجد واحد فيا بنى الثاني. قالوا: ولا جامعان في المصر، ويجب منع الثاني ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه، وفي البيان والتحصيل للقاضي أبي الوليد ابن رشد: سئل مالك عن العشرة يكون لهم مسجد يصلون فيه، فيريد رجل أن يا بني قريبا مسجدا أيكون ذلك؟ فقال؛ لا خير في الضرار ولا سيما في المساجد خاصة، فأما مسجد بني لخير وصلاح فلا بأس به. وأما ضرار فلا خير فيه، قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً لا خير في الضرار في شيء من الأشياء، وإنما القول في الآخر من المسجدين، قال ابن رشد: وهذا كما قال مالك أن من بنى مسجدا قرب آخر ليضرّ به أهل المسجد الأول، ويفرق به جماعتهم، فهو من أعظم الضرر، لأن الأضرار فيما يتعلق بالدين أشد فيما يتعلق بالنفس والمال، لا سيما في المسجد الذي يتخذ للصلاة التي هي عماد الدين، وقد أنزل الله تعالى في ذلك ما أنزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً إلى قوله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وقوله: إنما القول أبدا في الأخير من المسجدين صحيح، لأنه هو الذي يجب أن ينظر فيه، فإن ثبت على بانيه أنه قصد به الإضرار وتفريق الجماعة لا وجها من أوجه البر، وجب أن يحرق ويهدم، ويترك مطروحا للأزبال، كما فعل رسول الله ﷺ بمسجد الضرار. فإن ثبت أن إقراره مضر بأهل المسجد الأول ولم يثبت على بانيه أنه قصد ذلك، وادعى أنه أراد القربة لم يهدم وترك مصلاه ولا يصلى فيه، إلا أن يحتاج إلى الصلاة فيه بأن يكثر أهل الموضع أو يهدم المسجد الأول. قلت: وعلى هذه النصوص اعتمدت في الأمر بالإحراق لزاوية بناها مضر يريد تفريق كلمة الفقراء الكتانيين، المجموعة في قبيلة أمزاب بالشاوية فأحرقت، وفقنا الله لصالح الأعمال آمين. في الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله «قال أبو بكر بن فتحون في كتابه ذيل الإستيعاب: وفد على النبي ﷺ قيس بن طلق الحنفي، وهو ﷺ يا بني مسجده فشهده معه، فوكله ﷺ بعمل الطين، لأنه رآه محسنا فيه» . قلت: ترجم في الإصابة لطلق بن علي التميمي فقال حديثه في السنن أنه بنى معهم في المسجد، فقال ﷺ : قربوا له الطين فإنه أعرف به وكذا ترجمه ابن سعد في الطبقات: وهذا سياقه عن طلق قال؛ قدمت على النبي ﷺ وهو يا بني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذت المسحاة أخلط الطين ورسول الله ﷺ ينظر

стр. 421

إلي ويقول: إن هذا الحنفي لصاحب طين. وحديثه الذي عزاه الخزاعي لابن فتحون خرّجه ابن حبان في صحيحه: عن طلق بن علي الحنفي قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ : فأخذت المسحاة بمخلطة الطين فكأنه اعجبه فقال: دعوا الحنفي والطين، فإنه اضبطكم للطين، وفي البيان والتحصيل لابن رشد، عن مالك أن رسول الله ﷺ : وقف على قبر فكأنه رأى باللبنة خلطا فأمر بأن يصلح وقال: إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه ويتقنه «١» . قلت: هاهنا تتمات لتراجم البناء. (الأولى) وهنا نسوق قول الشيخ أبي محمد عبد القادر الفاسي، كما في التعليق الذي قيد عنه على الصحيح على قول الراوي: ما أكل ﵇ شاة مسموطة، ولم يكن ﷺ يترك هذا ومثله، مع وجوده إنما كان يأكل ما تيسر فلو سيق إليه المسموط وغيره لأكله، أو السكرجة وهي الأواني الرفيعة، أو الخوان وهي المائدة اهـ وكذا القول في بناآته ﷺ وهيئة مساكنه. (الثانية) في ذكر خريطة مسكن مارية بالعوالي، ترجم الحافظ ابن الأبار دفين تونس، في تكميل الصلة البشكوالية لمحمد بن حزم بن بكر التنوخي الطلمنكي، المعروف بابن المديني فقال: صحب محمد بن مسرة قديما واختص بمرافقته في طريق الحج، ولازمه بعد انصرافه وحكى عن ابن مسرة أنه كان في سكناه بالمدينة يتتبع آثار النبي ﷺ ، قال ودله بعض أهل المدينة على دار مارية أم إبراهيم سرية النبي ﷺ ، فقصد إليها فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرق المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقي إلى ذلك الفرش على خارج لطيف وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبي ﷺ في الصيف، قال: فرأيت أبا عبد الله بعد ما صلى في البيتين والسقيفة، وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار أخذ البيتين بشبره فكشفته بعد انصرافي، وهو ساكن في الجبل عن ذلك فقال: هذا البيت الذي تراه فيه بنيته على تلك الحكاية في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان اهـ من نسختي من التكملة العتيقة المنسوخة سنة نيف وثلاثين وستمائة وعليه جرى طبع الجزء الأول منها بباريز. (الثالثة) اذكر فيها توسع الحال عليه ﷺ ، وما جاد به وأعطى لسائليه، مما لا يقدر عليه ملك كريم. قال الحافظ السخاوي، نقلا عن القاضي عياض في الشفا، أوتي ﷺ خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز، واليمن وجميع بلاد العرب وما دانى ذلك من الشام والعراق. وجلب إليه من أخماسه، وجزياتها، وصدقاتها، ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره

стр. 422

وقوّى به المسلمين. وقال «١» : ما يسرني أن لي أحدا ذهبا ما يبيت عندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين. وكان يدخر مما أفاء الله عليه، في صفاياه وغيرها قوت سنة لعياله ونفسه، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح في سبيل الله اهـ. وثبت أنه ﵇ قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة ناقة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك، كإعطائه جماعة كثيرة من خيبر. وقد فتح الله بها عليه، وفدك وقريظة والنضير وكانت خالصة له، وكان معه جماعة من أصحاب الأموال، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة بن عبيد الله والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن عبادة، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه وحضّ على تجهيز جيش العسرة، فجهزهم عثمان بألف بعير وجاء بعشرة الاف درهم إلى النبي ﷺ ، ووضعها بين يديه وروى أبو الشيخ وابن سعد من طريق علي بن زيد عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن أبيه قال؛ اشترى رسول الله ﷺ حلة بسبع وعشرين ناقة، فلبسها ولفظ ابن سعد أوقيه ورجاله ثقات لكن لعلي واسحاق فيها كلام. وفي طبقات ابن سعد من طريق ابن سيرين، أن النبي ﷺ اشترى حلة وأما قال ثوبا بتسع وعشرين ناقة انظر ص ١٥٥ ج ١ من القسم الثاني. وفيها لدى ترجمة أسامة بن زيد، أن حكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة، كانت لذي يزن، وهو يومئذ مشرك اشتراها بخمسين دينارا فقال رسول الله ﷺ : إنا لا نأخذ هدية من مشرك، ولكن إذ بعثت بها فنحن نأخذها بالثمن. بكم أخذتها؟ قال بخمسين دينارا قال فقبضها من رسول الله ﷺ ، ثم لبسها رسول الله ﷺ ، وجلس على المنبر للجمعة ثم نزل رسول الله ﷺ فكسا الحلة أسامة بن زيد. وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي، نقلا عن والده الشيخ اسماعيل في شرحه على الدرر: خرج ﷺ ذات يوم وعليه رادء قيمته ألف درهم، وربما قام ﵇ إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم اهـ منه ص ٣٦٤ من ج ٢ ونقل نحوه الخادمي في شرحها عن التتارخانية من كتب الفقه الحنفي انظر ص ٣٦ من ج ٣ منه. واخرج ابن منده والمستغفري أن عبد العزيز بن سيف بن ذي يزن الحميري قدم على النبي ﷺ بهدية فدفع إليه حللا، فدفع منها النبي ﷺ حلة إلى عمر فقومت بعشرين بعيرا. انظر ترجمة عبد العزيز من الإصابة. وفيها في ترجمة هاني بن حبيب الداري، نقلا عن

стр. 423

الرشاطي قدم في وفد الداريين مع تميم الداري، واهدى لرسول الله ﷺ قباء مخوصا بالذهب، فاعطاه العباس فباعه من رجل يهودي بثمانية الاف. وفي باب مناقب أبي بكر من ارشاد الساري عن ابن عباس عن عائشة أن أبا بكر انفق على النبي ﷺ أربعين ألف درهم، وكان ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأعطى غير واحد مائة من الإبل، والذين أعطاهم مائة ناس كثير منهم أبو سفيان وابنه معاوية، والحارث بن هشام وقد عدهم البرهان الحلبي وقال: إنهم يبلغون الستين من المؤلفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث الشفا، وأعطى صفوان بن أمية مائة ثم مائة، وذكر ابن فارس في كتاب أسماء النبي ﷺ أنه في يوم خيبر جاءت امرأة فانشدت شعرا تذكر أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذه وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود. وفي الشفا وشرحها للشهاب: وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستة الاف نفس، من النساء والذرية، غير الأموال التي غنمها لما غزاهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة. الأوقية أربعون درهما. وقوّم ابن فارس ما وهبه لهوازن فكان خمسمائة ألف ألف، وقيل: ستمائة ألف ألف. وقال ابن حجر المكي في المنح المكية: كان السبي وهو النساء، والذراري ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم فوق الأربعين ألفا، وأربعة الاف أوقية فضة، وفي المقالات السنية. وردّ سبيا عظيما من هوازن إذ ... وافى إلى جوده جود مع الكرم يبغون اصغ لهم إذ قال قائلهم: ... امنن علينا رسول الله في كرم أنا لنشكر للنعماء إذ جحدت ... وعندنا الشكر ينمو غير منهضم يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا حر الوطيس حم إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية يا ذا المنهل الشبم فاصفح عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة والإنسان في ندم وامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... طفلا يزينك أوفى الخلق بالذمم فكم هنالك من منّ ومن نعم ... وكم هنالك من إحسانه العمم خمس مئين الوف الف عطيته ... كانت لهم يومها من واسع العمم هذا نهاية جود في الوجود ولم ... يسمح به غير من قد خصّ بالكرم يعطي عطاء تقاصر عنه قيصر مع ... كسرى ولم يخش إقلالا من الحكم يعطي الكواعب والجرد السّلاهب وا ... البيض القواضب والآلاف من نعم الخ وفي البخاري من حديث أنس أنه ﷺ ، أتي بمال من البحرين (بلدة بين البصرة

стр. 424

وعمان) فقال: انزوه يعني صبوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ من الدراهم، أو من الخارج فلا ينافي أنه غنم في خيبر ما هو أكثر منه، وقسمه وخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء إليه فجلس فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني فإني فديت نفسي وفديت عقيلا فقال له: خذ فحثى في ثوبه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي، قال: لا. قال: فارفعه أنت علي فقال: لا فنثر العباس منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي قال. قال: فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله فالقاه على كاهله. قال ابن كثير: كان العباس شديدا طويلا نبيلا فاحتمل ما يقارب أربعين ألفا، فانطلق فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي عليه عجبا من حرصه فما قام ﷺ وثمّ منها درهم. وفي رواية ابن أبي شبية: كان مائة ألف درهم، وأنه أرسله له العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل له ﷺ ، وكان يبذل المال مرة للفقير، أو المحتاج. ومرة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيشة الفقراء. وربما ربط الحجر على بطنه، فلا تنافي بين أحواله من السعة والضيق، وبين ما ذكر أولا وأخيرا. قال الطبري كما في الفتح: إن ذلك كان في حالة دون حالة لا لعذر وضيق، قال الحليمي كما في شعب الإيمان، من تعظيمه ﵇ أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة فلا يقال كان فقيرا، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه. وقد ذكر القاضي عياض في الشفا، وعنه التقي السبكي: أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل صالح الطليطلي وصلبه، لتسميته النبي ﷺ يتيما، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها اهـ. وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن الشيخ تقي الدين السبكي، وحكاه عنه أيضا وله في التوشيح أنه كان يقول: لم يكن ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله. ﵇: اللهم أحيني مسكينا أن المراد به استكانة القلب، لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك اهـ. ولما نقله القسطلاني في المواهب قال الزرقاني في شرحها: وهو حسن نفيس. وأما اللفظ الشائع وهو: الفقر فخري وبه أفتخر. فقال الحافظ ابن تيمية والعراقي وابن حجر باطل موضوع اهـ. قال بعض العصريين: وعلى فرض وجود أصل له فمعناه الافتخار بالفقر وإيثاره على الغنى حالة نشأ الإسلام وتكوينه، فإن عقب الهجرة النبوية لم يكن في الإمكان تربية وإنشاء الثروة إذا ذاك، ولا ريب أن الفقر في سبيل الله غاية وفي سبيل الدولة والدين والوطن مزية

стр. 425

شريفة توجب الفخر والشرف فشظف العيش والإقتصاد فخر المؤسسين اهـ أما بعد أن عظمت الفتوح، فكثرت مداخيل المال على الخلفاء الراشدين، وخصوصا في زمن عمر بن الخطاب حتى إنه دهش أخيرا حينما أبلغه أبو هريرة عند قدومه من البحرين أنه أتى بخمسمائة ألف درهم، ثم كثر الدخل على بيت المال حتى إن عمر كان يحمل في العام علي أربعين ألف بعير، كما في طبقات ابن سعد انظر ص ٢١٨ ج ٣ فأربعون ألف بعير باقتابها ومتعلقاتها وخدمتها شيء كبير، وملك عريض، وغنى واسع. وفي طبقات ابن سعد أيضا أن عمر بن الخطاب كان ينحر كل يوم على مائدته عشرين جزورا انظر ص ٢٢٧ ج ٣ والجزور كما في القاموس: البعير أو خاص بالناقة المجزورة جمع جزر وجزرات اهـ فهذا توسع كبير، وبساط عريض لا يمكن لأكبر ملك اليوم في الأرض أن يؤكل كل يوم على مائدته هذا العدد من اللحوم، والله الملك القيوم الفتاح ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: ٢] . ولننقلب لتميم الكلام على بقية الحرف في الزمن النبوي فنقول: الصباغ في سنن ابن ماجه في باب الصناعات من أبواب التجارات، حدثنا عمرو بن رافع حدثنا عمرو بن هارون عن همام عن فرقد السنجي عن يزيد بن عبد الله بن الشخّير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أكذب الناس الصباغون والصواغون «١» قال في النهاية: هم صباغو الثياب وصاغة الحلي، لأنهم يمطلون بالمواعيد، وقيل أراد الذين يصبغون الكلام ويصوغونه فيغيرونه لخ. الجلاب في سنن ابن ماجه «٢» باب الحكرة والجلب: حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن علي بن سالم بن ثوبان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله ﷺ : الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، وفي الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية؛ وكان في زمن النبي ﷺ في المدينة من قدم بالحب لا يتلقاه أحد بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث الجالب مرزوق والمحتكر ملعون اهـ. ذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام ترجم البخاري «٣» في كتاب البيوع قال: باب التجارة في البحر وقال مطر: لا بأس
следующие страницы →