إلي ويقول: إن هذا الحنفي لصاحب طين. وحديثه الذي عزاه الخزاعي لابن فتحون خرّجه ابن حبان في صحيحه: عن طلق بن علي الحنفي قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ :
فأخذت المسحاة بمخلطة الطين فكأنه اعجبه فقال: دعوا الحنفي والطين، فإنه اضبطكم للطين، وفي البيان والتحصيل لابن رشد، عن مالك أن رسول الله ﷺ : وقف على قبر فكأنه رأى باللبنة خلطا فأمر بأن يصلح وقال: إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه ويتقنه «١» .
قلت: هاهنا تتمات لتراجم البناء.
(الأولى) وهنا نسوق قول الشيخ أبي محمد عبد القادر الفاسي، كما في التعليق الذي قيد عنه على الصحيح على قول الراوي: ما أكل ﵇ شاة مسموطة، ولم يكن ﷺ يترك هذا ومثله، مع وجوده إنما كان يأكل ما تيسر فلو سيق إليه المسموط وغيره لأكله، أو السكرجة وهي الأواني الرفيعة، أو الخوان وهي المائدة اهـ وكذا القول في بناآته ﷺ وهيئة مساكنه.
(الثانية) في ذكر خريطة مسكن مارية بالعوالي، ترجم الحافظ ابن الأبار دفين تونس، في تكميل الصلة البشكوالية لمحمد بن حزم بن بكر التنوخي الطلمنكي، المعروف بابن المديني فقال: صحب محمد بن مسرة قديما واختص بمرافقته في طريق الحج، ولازمه بعد انصرافه وحكى عن ابن مسرة أنه كان في سكناه بالمدينة يتتبع آثار النبي ﷺ ، قال ودله بعض أهل المدينة على دار مارية أم إبراهيم سرية النبي ﷺ ، فقصد إليها فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرق المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقي إلى ذلك الفرش على خارج لطيف وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبي ﷺ في الصيف، قال: فرأيت أبا عبد الله بعد ما صلى في البيتين والسقيفة، وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار أخذ البيتين بشبره فكشفته بعد انصرافي، وهو ساكن في الجبل عن ذلك فقال: هذا البيت الذي تراه فيه بنيته على تلك الحكاية في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان اهـ من نسختي من التكملة العتيقة المنسوخة سنة نيف وثلاثين وستمائة وعليه جرى طبع الجزء الأول منها بباريز.
(الثالثة) اذكر فيها توسع الحال عليه ﷺ ، وما جاد به وأعطى لسائليه، مما لا يقدر عليه ملك كريم. قال الحافظ السخاوي، نقلا عن القاضي عياض في الشفا، أوتي ﷺ خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز، واليمن وجميع بلاد العرب وما دانى ذلك من الشام والعراق. وجلب إليه من أخماسه، وجزياتها، وصدقاتها، ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره
стр. 422
وقوّى به المسلمين. وقال «١» : ما يسرني أن لي أحدا ذهبا ما يبيت عندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين.
وكان يدخر مما أفاء الله عليه، في صفاياه وغيرها قوت سنة لعياله ونفسه، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح في سبيل الله اهـ.
وثبت أنه ﵇ قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة ناقة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك، كإعطائه جماعة كثيرة من خيبر. وقد فتح الله بها عليه، وفدك وقريظة والنضير وكانت خالصة له، وكان معه جماعة من أصحاب الأموال، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة بن عبيد الله والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن عبادة، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه وحضّ على تجهيز جيش العسرة، فجهزهم عثمان بألف بعير وجاء بعشرة الاف درهم إلى النبي ﷺ ، ووضعها بين يديه وروى أبو الشيخ وابن سعد من طريق علي بن زيد عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن أبيه قال؛ اشترى رسول الله ﷺ حلة بسبع وعشرين ناقة، فلبسها ولفظ ابن سعد أوقيه ورجاله ثقات لكن لعلي واسحاق فيها كلام.
وفي طبقات ابن سعد من طريق ابن سيرين، أن النبي ﷺ اشترى حلة وأما قال ثوبا بتسع وعشرين ناقة انظر ص ١٥٥ ج ١ من القسم الثاني.
وفيها لدى ترجمة أسامة بن زيد، أن حكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة، كانت لذي يزن، وهو يومئذ مشرك اشتراها بخمسين دينارا فقال رسول الله ﷺ : إنا لا نأخذ هدية من مشرك، ولكن إذ بعثت بها فنحن نأخذها بالثمن. بكم أخذتها؟ قال بخمسين دينارا قال فقبضها من رسول الله ﷺ ، ثم لبسها رسول الله ﷺ ، وجلس على المنبر للجمعة ثم نزل رسول الله ﷺ فكسا الحلة أسامة بن زيد.
وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي، نقلا عن والده الشيخ اسماعيل في شرحه على الدرر: خرج ﷺ ذات يوم وعليه رادء قيمته ألف درهم، وربما قام ﵇ إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم اهـ منه ص ٣٦٤ من ج ٢ ونقل نحوه الخادمي في شرحها عن التتارخانية من كتب الفقه الحنفي انظر ص ٣٦ من ج ٣ منه.
واخرج ابن منده والمستغفري أن عبد العزيز بن سيف بن ذي يزن الحميري قدم على النبي ﷺ بهدية فدفع إليه حللا، فدفع منها النبي ﷺ حلة إلى عمر فقومت بعشرين بعيرا.
انظر ترجمة عبد العزيز من الإصابة. وفيها في ترجمة هاني بن حبيب الداري، نقلا عن
стр. 423
الرشاطي قدم في وفد الداريين مع تميم الداري، واهدى لرسول الله ﷺ قباء مخوصا بالذهب، فاعطاه العباس فباعه من رجل يهودي بثمانية الاف.
وفي باب مناقب أبي بكر من ارشاد الساري عن ابن عباس عن عائشة أن أبا بكر انفق على النبي ﷺ أربعين ألف درهم، وكان ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأعطى غير واحد مائة من الإبل، والذين أعطاهم مائة ناس كثير منهم أبو سفيان وابنه معاوية، والحارث بن هشام وقد عدهم البرهان الحلبي وقال: إنهم يبلغون الستين من المؤلفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث الشفا، وأعطى صفوان بن أمية مائة ثم مائة، وذكر ابن فارس في كتاب أسماء النبي ﷺ أنه في يوم خيبر جاءت امرأة فانشدت شعرا تذكر أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذه وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود.
وفي الشفا وشرحها للشهاب: وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستة الاف نفس، من النساء والذرية، غير الأموال التي غنمها لما غزاهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة. الأوقية أربعون درهما.
وقوّم ابن فارس ما وهبه لهوازن فكان خمسمائة ألف ألف، وقيل: ستمائة ألف ألف.
وقال ابن حجر المكي في المنح المكية: كان السبي وهو النساء، والذراري ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم فوق الأربعين ألفا، وأربعة الاف أوقية فضة، وفي المقالات السنية.
وردّ سبيا عظيما من هوازن إذ ... وافى إلى جوده جود مع الكرم
يبغون اصغ لهم إذ قال قائلهم: ... امنن علينا رسول الله في كرم
أنا لنشكر للنعماء إذ جحدت ... وعندنا الشكر ينمو غير منهضم
يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا حر الوطيس حم
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية يا ذا المنهل الشبم
فاصفح عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة والإنسان في ندم
وامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... طفلا يزينك أوفى الخلق بالذمم
فكم هنالك من منّ ومن نعم ... وكم هنالك من إحسانه العمم
خمس مئين الوف الف عطيته ... كانت لهم يومها من واسع العمم
هذا نهاية جود في الوجود ولم ... يسمح به غير من قد خصّ بالكرم
يعطي عطاء تقاصر عنه قيصر مع ... كسرى ولم يخش إقلالا من الحكم
يعطي الكواعب والجرد السّلاهب وا ... البيض القواضب والآلاف من نعم
الخ وفي البخاري من حديث أنس أنه ﷺ ، أتي بمال من البحرين (بلدة بين البصرة
стр. 424
وعمان) فقال: انزوه يعني صبوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ من الدراهم، أو من الخارج فلا ينافي أنه غنم في خيبر ما هو أكثر منه، وقسمه وخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء إليه فجلس فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني فإني فديت نفسي وفديت عقيلا فقال له: خذ فحثى في ثوبه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي، قال: لا. قال: فارفعه أنت علي فقال: لا فنثر العباس منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي قال. قال: فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله فالقاه على كاهله. قال ابن كثير: كان العباس شديدا طويلا نبيلا فاحتمل ما يقارب أربعين ألفا، فانطلق فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي عليه عجبا من حرصه فما قام ﷺ وثمّ منها درهم.
وفي رواية ابن أبي شبية: كان مائة ألف درهم، وأنه أرسله له العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل له ﷺ ، وكان يبذل المال مرة للفقير، أو المحتاج. ومرة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيشة الفقراء. وربما ربط الحجر على بطنه، فلا تنافي بين أحواله من السعة والضيق، وبين ما ذكر أولا وأخيرا.
قال الطبري كما في الفتح: إن ذلك كان في حالة دون حالة لا لعذر وضيق، قال الحليمي كما في شعب الإيمان، من تعظيمه ﵇ أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة فلا يقال كان فقيرا، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه. وقد ذكر القاضي عياض في الشفا، وعنه التقي السبكي: أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل صالح الطليطلي وصلبه، لتسميته النبي ﷺ يتيما، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها اهـ.
وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن الشيخ تقي الدين السبكي، وحكاه عنه أيضا وله في التوشيح أنه كان يقول: لم يكن ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله. ﵇: اللهم أحيني مسكينا أن المراد به استكانة القلب، لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك اهـ.
ولما نقله القسطلاني في المواهب قال الزرقاني في شرحها: وهو حسن نفيس. وأما اللفظ الشائع وهو: الفقر فخري وبه أفتخر. فقال الحافظ ابن تيمية والعراقي وابن حجر باطل موضوع اهـ.
قال بعض العصريين: وعلى فرض وجود أصل له فمعناه الافتخار بالفقر وإيثاره على الغنى حالة نشأ الإسلام وتكوينه، فإن عقب الهجرة النبوية لم يكن في الإمكان تربية وإنشاء الثروة إذا ذاك، ولا ريب أن الفقر في سبيل الله غاية وفي سبيل الدولة والدين والوطن مزية
стр. 425
شريفة توجب الفخر والشرف فشظف العيش والإقتصاد فخر المؤسسين اهـ أما بعد أن عظمت الفتوح، فكثرت مداخيل المال على الخلفاء الراشدين، وخصوصا في زمن عمر بن الخطاب حتى إنه دهش أخيرا حينما أبلغه أبو هريرة عند قدومه من البحرين أنه أتى بخمسمائة ألف درهم، ثم كثر الدخل على بيت المال حتى إن عمر كان يحمل في العام علي أربعين ألف بعير، كما في طبقات ابن سعد انظر ص ٢١٨ ج ٣ فأربعون ألف بعير باقتابها ومتعلقاتها وخدمتها شيء كبير، وملك عريض، وغنى واسع.
وفي طبقات ابن سعد أيضا أن عمر بن الخطاب كان ينحر كل يوم على مائدته عشرين جزورا انظر ص ٢٢٧ ج ٣ والجزور كما في القاموس: البعير أو خاص بالناقة المجزورة جمع جزر وجزرات اهـ فهذا توسع كبير، وبساط عريض لا يمكن لأكبر ملك اليوم في الأرض أن يؤكل كل يوم على مائدته هذا العدد من اللحوم، والله الملك القيوم الفتاح ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: ٢] .
ولننقلب لتميم الكلام على بقية الحرف في الزمن النبوي فنقول:
الصباغ
في سنن ابن ماجه في باب الصناعات من أبواب التجارات، حدثنا عمرو بن رافع حدثنا عمرو بن هارون عن همام عن فرقد السنجي عن يزيد بن عبد الله بن الشخّير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أكذب الناس الصباغون والصواغون «١» قال في النهاية: هم صباغو الثياب وصاغة الحلي، لأنهم يمطلون بالمواعيد، وقيل أراد الذين يصبغون الكلام ويصوغونه فيغيرونه لخ.
الجلاب
في سنن ابن ماجه «٢» باب الحكرة والجلب: حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن علي بن سالم بن ثوبان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله ﷺ : الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، وفي الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية؛ وكان في زمن النبي ﷺ في المدينة من قدم بالحب لا يتلقاه أحد بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث الجالب مرزوق والمحتكر ملعون اهـ.
ذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام
ترجم البخاري «٣» في كتاب البيوع قال: باب التجارة في البحر وقال مطر: لا بأس
стр. 426
به، وما ذكره الله في القرآن إلا بحق ثم تلا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [النحل: ١٤] الفلك السفن وقال مجاهد: تمخر السفن الريح ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام، خرج ابن الجوزي في التلبيس عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في بحر الشام، منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد اهـ ونحوه ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن تخريج الإمام أحمد انظر ص ٧٤ ج ٤ وانظر ما سبق في الكلام على السفن البحرية.
الدباغ
«ذكر ابن دريد في الوشاح في باب الصناعات في باب من كان دباغا: الحرث بن حبيرة وقال في الإستيعاب: أبو وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن نهم: أسلم يوم الفتح هو وابنه» .
الخواص
«صنع القفاف ونحوها من الخوص وهو ورق النخل» .
كانت حرفة «سلمان الفارسي حتى وهو أمير في المدائن فيعيش بها وكان يقول:
أحب أن أعيش من عمل يدي؛ رغما عن راتبه. ذكره في الإستيعاب» .
وفي ترجمته من الإصابة: كان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده.
العوام
ترجم في الإصابة أحمد مولى أم سلمة فقال: روى ابن منده من طريق عمران النخلي عن أحمد مولى أم سلمة قال: كنا غزاة فجعلت أعبر الناس في واد أو نهر. فقال لي النبي ﷺ : ما كنت في هذا اليوم إلا سفينة. وأخرجه الماليني في ترجمة النخلي بالنون والخاء المعجمة. وروى الإمام الحافظ أبو مهدي عيسى بن سليمان الرّعيني الأندلس المالقي، نزيل دمشق في كتابه الجامع لما في المصنفات الجوامع، من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأقدام بسنده عن سفينة مولاه ﵇ أنه قال: كنت معه ﵇ في غزوة فمررنا بواد أو نهر فكنت أعبر الناس فقال: - يعني النبي ﷺ ما كنت منذ اليوم إلا سفينة.
وترجم في الإصابة أيضا لسعد بن عبادة الأنصاري فنقل عن ابن سعد: كان في الجاهلية يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل.
وترجم فيها أيضا لعبد الله بن الزبير، فذكر أنه جاء سيل بالبيت فطاف عبد الله بن الزبير سباحة.
فائدة وفي حديث ابن عباس في السيرة أنه ﷺ قال: في المدينة أحسنت العوم في بير
стр. 427
بني عدي بن النجار، قال الزرقاني في شرح المواهب: استدل به السيوطي على أنه ﵇ عام، رادا على القائل من معاصريه: الظاهر أنه لم يعمّ؛ لأنه لم يثبت أنه ﵇ سافر في بحر، ولا بالحرمين بحر.
قال السيوطي: وروى ابن القاسم البغوي وابن عساكر مرسلا وابن شاهين موصولا عن ابن عباس: سبح ﷺ فقال: يسبح كل رجل إلى صاحبه فسبح ﷺ إلى أبي بكر حتى عانقه، وقال أنا وصاحبي أنا وصاحبي. انظر ص ١٩٢ ج ١ من السيرة الحلبية، مع الرسالة العلمية للتجيبي.
واخرج ابن منده من طريق إسماعيل بن عياش عن سلمان بن عمرو الأنصاري عن بكر بن عبد الله بن ربيع الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : علموا أولادكم السباحة والرماية. الحديث قال الحافظ في الإصابة في ترجمة بكر بن عبد الله وإسماعيل: يضعف في غير أهل بلده وهذا منه وشيخه غير معروف انظر ص ١٨٠ ج ١.
وقد أورد الحديث المذكور في الجامع الصغير بلفظ: علموا أولادكم السباحة والرماية، ونعم لهو المرأة المغزل، وإذا دعاك أبواك أجب أمّك. وعزاه لابن منده في المعرفة، وأبي موسى في الذيل والديلمي في مسند الفردوس، عن بكر بن عبد الله بن ربيع الأنصاري قال المناوي في التيسير: بإسناد ضعيف لكن له شواهد. وأورده في الجامع أيضا بلفظ: «علموا أولادكم السباحة والرماية والمرأة المغزل» وعزاه للبيهقي عن ابن عمرو قال في التيسير على قوله: السباحة بالكسر العوم؛ لأنه منجاة من الهلك، زاد في فتح القدير:
قيل لأبي هاشم العوفي: فيما كنت؟ قال: في تعليمي ما لا ينسى، وليس لشيء من الحيوان عنه غنى، فقيل؛ ما هو؟ قال: السباحة فإنهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يسبح عنهم اهـ.
واخرج النسائي والبزار والبغوي والبارودي والطبراني وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب في كتابه «فضل الرمي» وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء عن عطاء بن رباح قال: جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصارى يرتميان، فملّ أحمدهما فجلس. فقال الآخر:
كسلت، سمعت رسول الله ﷺ كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو، إلا أربع خصال مشى الرجل بين الغرضين، وتأدبيه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة.
وأخرج القراب من طريق مكحول أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الشام أن علموا أولادكم السباحة والفروسية.
وأخرج القراب عن سليمان التيمي قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يكون الرجل سابحا راميا. انظر الدر المنثور لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] وللحافظ السيوطي رسالة سماها الباحة في فضل السباحة، وفي الاكليل له
стр. 428
على قوله تعالى في قصة يوسف: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ [يوسف: ١٧] ونلعب فيه مشروعية المسابقة ورياضة النفس والدواب وتمرين الأعضاء على التصرف اهـ.
بيع الماء
ترجم في الإصابة «١» رومة الغفاري صاحب بير رومة فذكر أنه روى عبد الله بن عمر وابن ابان أنه لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة فكان يبيع القربة منها بالمد فقال له المصطفى ﵇ بعنيها بعين في الجنة فقال يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم وجعلها للمسلمين.
باب في الصيد وهو على أنواع
ذكر من كان يتصيد بالكلاب
«في الصحيح «٢» عن عدي سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل» .
ذكر من كان يتصبد بالبزاة
«في جامع الترمذي عن عدي بن حاتم سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل» . [كتاب الصيد باب ٣ ج ٤/ ٦٦] .
ذكر من صاد بالرمح
«في صحيح مسلم «٣» عن أبي قتادة كان مع النبي ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف عن أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه، وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضهم فأدركوا رسول الله ﷺ فسألوه عنه فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله.
في مسلم أيضا أنه ﵇ قال: فهل معكم منه شيء؟ فقالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها» .
الصيد بالسهام
«في صحيح مسلم «٤» عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ عن الصيد فقال: إذا
стр. 429
رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده وقع في ماء. فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» .
الصيد بالمعراض
«خشبة محددة الطرف وقيل: في طرفها حديدة يرمى بها الصيد» .
في صحيح مسلم «١» عن عدى أيضا سألت النبي ﷺ عن المعراض قال: إذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل» . (أي هو ميتة قتل دون ذكاة)
الصيد باليد
«في مسلم عن أنس مررنا فاستنفجنا (أثرنا) أرنبا فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها فجئت بوركها وفخذها للنبي ﷺ فقبلها» . [كتاب الصيد باب ٩ ص ١٥٤٧/ ٢] .
الصيد بالآلات
«قال ابن عطية في تفسيره عند قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ [المائدة: ٩٤] الظاهر أنه سبحانه خص الأيدي بالذكر، لأنها معظم التصرف في الإصطياد، وفيها يدخل ما عمل باليد من فخاج وشباك اهـ وقد عقد أبو الفتح كشاجم في كتاب الصائد والطرائد باب المصائد التي يتوصل بها إلى الصيد والآلات المتخذة لذلك الصيد على ضروب من الحيل وبالات مختلفة» .
منع الصيد في جهة معينة أو وقت مخصوص كما يقع اليوم
ترجم في الإصابة لضرار بن الأزور الأسدي فقال: يقال إن النبي ﷺ أرسله إلى منع الصيد من بني أسد اهـ منها ص ٢٠٨ ج ٢.
الصياد في البحر
قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: ٩٦] وقال تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: ١٢] «في صحيح مسلم «٢» عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ فأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر. قال. انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئه الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ميتة قال فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى ولقد رأيتنا نغترف من وقبة عينه بالقلال الدهن (زيت السمك) فلقد أخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينه وأخذ
стр. 430
ضلعا من إضلاعه فأمالها ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه فلما قدمنا المدينة أتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله» .
قلت: وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى ﵇، كتب إلى بني جنبه وهم يهود بمقنا وإلى أهل مقنا، ومقنا قريب من إيلة كتابا جاء فيها: وإن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ما صادت عروككم. (والعروك خشب تلقى في البحر يركبون عليها فيلقون شباكهم يصيدون السمك) . [انظر الطبقات ج ١ ص ٢٧٦ طبعة دار صادر بيروت] .
باب لم يتصيد ﵇ بنفسه الكريمة ولا اشترى صيدا
قال الشعراني في كتابه منح المنة في التلبس بالسنة ص ٣٣: وكان ﵇ يأكل لحم الدجاج والطير الذي يصاد ولا يشتريه، ولا يصيده ويحب أن يصاد له فيؤتى به فيأكله اهـ.
تنبيه من أجمع ما كتبه المتاخرون في الصيد واحكامه منظومة الإمام البارع أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الجبار بن أحمد الفجيجي المترجم في دوحة الناشر وغيرها التي أولها:
يلومونني في الصيد والصيد جامع ... لاشياء للإنسان فيها منافع
فأولها أكل الحلال به ... نصوص كتاب الله وهي مواضع «١»
فصحة جسم ثم صحة ناظر ... وأحكام اجراء السوابق رابع
وبعد عن الرذال مع صدق همة ... واغلاق باب القول والقال سابع
وأيضا لعرض المرء فيه سلامة ... وخفظ لدينه «٢» وذلك تاسع
وفيه لأهل الفضل والدين عبرة ... وتذكرة لها لديهم مواقع
ويورث طيب النفس والجود والسخا ... ويألف منه الصبر من هو جازع
ويشفي الهموم المهرمات عن الفتى ... ويقمع وجد الشيب كي لا يسارع
ويورث عند الإلتحام شجاعة ... وفيه من السر الخفي بدائع
كرعي انتظام وافتقاد رعية ... وحفظ جناب من عدو ينازع
وتدبير أمر الجيش والفتك بالعدا ... وصيد أسود الأنس والأمر ضارع
ويصفو دماغ المرء والجسم جملة ... من أخلاق سوء أو فضول تطاوع
ويغني عن الطب الضعيف علاجه ... وما مثله للحزن والسقم دافع
وقد جاء سافروا تصحّوا وتغنموا ... وذلك من قول النبوة شائع
وما ريىء مفلوجا مريعا طريده ... حكى من ذوي التجريد قوم بلائع
وأيضا يزيد في الذكاء وفي الدها ... وذلك كلّ إلى العقل راجع
стр. 431
وفيه خظوظ النفس من كل بغية ... وكل سرور بالمباح فواسع
وهي قصيدة نفيسة «١» سماها مؤلفها روضة السلوان وقد شرحها بشرح ممتع في مجلد وسط العلامة الجامع أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد الجبار الفجيجي وهو من أعيان أهل المائة الحادية عشرة رحمهما الله.
اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له ﵇ والعكس
كان له ﵇ رجل من البادية يسمى زاهرا، كان يهادي النبي ﷺ بموجود البادية، أي بما يوجد حسنا من ثمارها وزهورها. وكان ﵇ يهاديه ويكافيه بموجود الحاضرة، وبما يستظرف منها فكان ﵇ يقول كما في الشمائل وغيرها: زاهر باديتنا «٢» ونحن حاضرته. أي ساكنها. وإذا تذكرناها سكن قلبنا برؤيتها، ونستفيد ما يستفيده الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النباتات، فكأنه صار باديتنا. وإذا احتجنا متاع البادية جاء به لنا فأغنانا عن السفر لها، وقوله: ونحن حاضرته أي يصل إليه منا ما يحتاج إليه من الحاضرة، وتوقف بعض فيه فإن المنعم لا يليق به ذكر انعامه، منع بأنه ليس من ذكر المن بالأنعام في شيء، بل أرشاد إلى مقابلة الهدية بمثلها أو أفضل. قال ابن سلطان في شرح الشمائل: وإنما ذكره مع ما فيه من الإيهام بذكر المنعم بإنعامه، لكونه مقتضى المقابلة الدالة على حسن المعاملة، تعليما لأمته في متابعة هذه المجاملة اهـ.
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلا كان يهدي النبي ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به النبي ﷺ فقال: أعط هذا متاعه فما يزيد النبي ﷺ أن يتبسم ويأمر به فيعطى؟ ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فيقول: أعط هذا الثمن. فيقول ألم تهده لي فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه، وقال ابن سلطان: كان هذا الصحابي من كمال محبته لرسول الله ﷺ ؛ كلما رأى طرفة أعجبته أشتراها وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز صار كالمكاتب فرجع إلى مولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم فرجع بالمطالبة إلى سيدة ففعل هذا جد حق ممزوج بمزاح صدق، وانظر ترجمة نعيمان من الإصابة وأسد الغابة.
العمال في الحوائط
«في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أنه كان يقول «٣» : ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون بمثل حديثي فسأخبركم إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل
стр. 432
أراضيهم وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق» . [مسلم ج ٢ ص ١٩٤٠ من كتاب فضائل الصحابة رقم الحديث: ١٦٠] .
قلت: وذكر السيد السمهودي في جواهر العقدين عازيا للدار قطني قال: من طريق ابن أبي عمر؛ سمعت عبد الرحمن ابن أبي إسحاق المديني يحدث أن عمر بن الخطاب فقد عليا فقال: أين أبو الحسن؟ فقيل ذهب إلى أرض له فقال: إذهبوا بنا إليه فوجدوه يعمل فعملوا ساعة معه، ثم جلسوا يتحدثون فقال علي لعمر: يا أمير المؤمنين؛ أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل وقال لك أحدهم: أنا ابن عم رسول الله ﷺ أكانت له أثرة عندك؟ قال. نعم قال: فأنا أخو رسول الله ﷺ وابن عمه. قال: فنزع عمر رداء فبسطه فقال: لا والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نفترق، فلم يزل جالسا عليه حتى تفرقوا. قال السيد السمهودي: إنما أراد علي بذلك الإعلام بما فعله عمر من التفقد له، ومجيئه إليه وعمله معه في أرضه، وهو أمير المؤمنين لقرابته من نبينا ﷺ ، وإن الواحد من بني عم الأنبياء الماضي وإن بعد يستحق الأثرة على غيره، فكيف بمن كان له هذا القرب من نبينا ﷺ ؟ اهـ.
وفي إرشاد الساري عن محيي السنة: أن رجلا مر بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير، وهي لا تطعم إلا في كذا كذا عاما؟ فقال: ما علي أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيري؟
من كان من الصحابة يعطي أرضه بالربع والثلث
ترجم في الإصابة لجبر بن عتيك الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى في ترجمته؛ من طريق حجاج ابن أرطأة عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال: رأيت جبرا وسعدا وابن مسعود يعطون أرضهم بالربع والثلث.
المستدل على محل الماء من تحت الأرض وإستخراجه
ترجم في الإصابة لعبد الله بن عامر بن كريز القرشي، فذكر أنه أتى به إلى النبي ﷺ ، فجعل يتفل عليه ويعوده فجعل يتبلع ريق النبي ﷺ ، فقال ﷺ : إنه لمسقي وكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء، حكاه ابن عبد البر. وذكر الحافظ أنه: أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها الماء.
قلت: يسمى هذا العلم علم الريافة، وعلم إنباط المياه وبالأخير عنون عنه ابن الأكفاني في إرشاد القاصد قال: هو علم يتعرف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها، ومنفعة إحياء الأرض الميتة وفلاحتها. وللكرخي فيه كتاب مختصر، وفي خلال كتابه الفلاحة النبطيه مهمات هذا العلم اهـ.
وقال من سماه علم الريافة: هو معرفة استنباط الماء من الأرض، بواسطة بعض الإمارات الدالة على وجوده فيعرف بعده وقربه بشم التراب، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص وهو من فروع الفراسه.
стр. 433
السقاء الذي يحمل الماء على ظهره
«أبو عقيل صاحب الصاع، ذكره أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب بذلك» .
الحمل على الظهر
«في سنن النسائي «١» عن ابن مسعود: كان النبي ﷺ يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا ما يتصدق به، حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء الحديث» .
الحجام والحلاق
«أبو هند الذي قال فيه النبي ﷺ : إنما أبو هند «٢» أمرؤ من الأنصار فانكحوه وانكحوا إليه، وكان حجام رسول الله ﷺ ، ذكره ابن إسحاق ص ٧٧ ج ٢ في غزوة بدر منصرفه ﷺ منها. وأبو طيبة «٣» حجّام النبي ﷺ وحديثه في الموطأ» .
قلت: وقال السهيلي في الروض: وأما أبو طيبة الحجام فهو مولى بني حارثة، واسمه نافع وقيل: ميسرة ولم يشهد بدرا اهـ.
وترجم في الإصابة خراش بن أمية فذكر أنه الذي حلق رسول الله ﷺ في المدينة، وفي العمرة التي تليها، ثم ترجم أيضا لخراش بن مالك فذكر أن علي بن سعد العسكري قال: احتجم النبي ﷺ فلما فرغ، قال: لقد عظمت أمانة رجل قام عن أوداج رسول الله ﷺ بحديدة قال في التجريد ولعله تابعي، ثم ترجم أيضا لسالم الحجام فنقل عن أبي عمر أنه حجم المصطفى ﷺ ، وشرب دم المحجم. وترجم أيضا لمعمر بن نضلة، فذكر عنه أنه قال: قمت على رأس رسول الله ﷺ ومعي موسى لأحلق رأسه فقال: يا معمر مكّنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنيه. قلت: ذاك من منن الله علي. قال: أجل. فحلقت رأسه، وترجم أيضا لأبي رحيمة بالحاء أو الخاء فقال: ذكره أبو نعيم وأخرج من طريق روح بن جناح عن عطاء بن نافع عن أبي رحمة قال: حجمت النبي ﷺ فأعطاني درهما وفي سنده ضعيف. وقد ترجم البخاري في كتاب البيوع، باب: ذكر الحجام وأدرج فيها حديث أبي طيبة. وفي فتح الباري قال ابن المنير: ليست هذه الترجمة تصويبا لصنعة الحجامة، فإنه ورد فيها حديث يخصها. وإن كان الحجام لا يظلم أجره، فالنهي على الصانع لا على المستعمل، والفرق بينهما ضرورة المحتجم للحجامة، وعدم ضرورة الحجام لكثرة الصنائع سواها. قال الحافظ إثره: إن أراد بالتصويب التحسين والندب إليها فهو كما قال، وإن أراد التجويز فلا، فإنه يجوز تعاطيها للضرورة، ومن لازم تعاطيها للمستعمل تعاطيها للصانع لها
стр. 434
فلا فرق، إلا بما اشرت إليه؛ إذ لا يلزم من كونها من المكاسب الدنية أن لا تشرع ولو تواطأ الناس على تركه لأضرّ بهم اهـ.
اللحام وهو الجزار والقصاب
«في الصحيح «١» عن ابن مسعود قال: جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصاب: إجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو رسول الله ﷺ خامس خمسة الحديث» .
قلت: وهو في جامع الترمذي بلفظ لحام، قال محشيه: لحام بصيغة المبالغة بائع اللحم، وألفاظ الحرف واقعة بصيغة المبالغة، بناء على كثرة عملهم ومزاولتهم اهـ.
وترجم في الإصابة لخالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي فنقل عن ابن دريد: كان جزارا وترجم فيها أيضا لكرام فقال: الجزار صاحب الزقاق المعروقة بالمدينة، ذكره عمرو بن شبة. وفي التلقيح للحافظ ابن الجوزي: كان الزبير وعمرو بن العاص وعامر بن كريز جزارين اهـ وفي الصحيح أيضا أن عليا أمره النبي ﷺ أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها لحومها والجلود. [كتاب الحج باب ١٢٠ ص ١٨٦/ ٢] .
الحرف الممتهنة في نظره ﵇
أخرج الطبراني من طريق عبد الرحمن بن عثمان الوقاصي، عن ابن المنكدر عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلاما وأمرتها أن لا تجعله جازرا ولا صائغا ولا حجاما. والوقاصي ضعيف. قاله الحافظ في ترجمتها من الإصابة. ولكن قال الذهبي في التجريد: فاختة وهبها ﵇ غلاما جاء في حديث واه. وفي سنن أبي داود: «إني وهبت لخالتي غلاما وإني أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا» «٢» وقال أبو الحسن السندي في حواشي مسند أحمد قيل: إنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الإحتراز، وأما الصائغ فلما يدخل في صياغته من الغش، ولأنه يصوغ الذهب والفضة، وربما كان منه آنية أو حليّ للرجال، وهذا حرام أو لكثرة الوعد والكذب في كلامه اهـ وفي الذهب الإبريز للقاوقجي: وفيه إشعار بخسة هذه الصنائع اهـ.
الطباخ
«في الشمائل عن أبي عبيدة طبخت للنبي ﷺ قدرا وفي الإستيعاب: أبو عبيد مولى رسول الله ﷺ : كان يطبخ لرسول الله ﷺ » .
стр. 435
وقد وقع حديثه بذلك في شمائل الترمذي وجامع الدارمي وفي الإصابة بريل مصغر أخرج ابن شاهين عن بريل السهالي قال اتى رسول الله ﷺ بمكة رجل يعالج لأصحابه طعاما فاذاه وهج النار فقال رسول الله ﷺ لن يصيبك حر من جهنم بعدها انظر ص ١٤٦ ج ١.
صنيعة الخزيرة
بخاء وزاي معجمتين فياء فراء فتاء تأنيث، ترجم في الإصابة لخولة بنت قيس الأنصارية الخزرجية، فذكر عن تخريج ابن منده عن خولة بنت قيس قالت: دخل عليّ النبي ﷺ فصنعت له خزيرة، فلما قدمت له وضع يده فيها فوجد حرها فقبضها، ثم قال: يا خولة لا نصبر على حر ولا نصبر على برد، وعن عائشة أتيت النبي ﷺ بخزيرة طبختها له وقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي فأبت فقلت لها كلي فأبت فقلت لها إما كلي أو لألطخن بها وجهك فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك رسول ﷺ ، فوضع فخذه لها وقال لسودة: الطخي وجهها فلطخت بها وجهي فضحك ﵇. الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي «١» ، وأخرجه الملا في سيرته.
قال في المواهب: والخزيرة اللحم يقطع صغارا أو يصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، هو في القاموس: الحريرة يعني بالإهمال: الدقيق يطبخ بلبن أو دسم. وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: وأكل ﷺ الخزيرة بخاء معجمة ثم راء مكسورة وبعد التحتانية راء، وهي لحم تقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، وهو الذي صنعته عائشة وقدمته وعنده بعض نسائه، التي مزحت معها وقيل: هي شيء على هيئة العصيدة لكنها أرق. وفي جوهرة الغواص: هي بخاء معجمة إذا صنعت من نخالة، وبالمهملة إذا صنعت من اللبن، وفي موجبات الرحمة للرداد ترجيح الأول اهـ.
الشواء
في سنن النسائي عن أبي رافع قال: كنت أشوي لرسول الله ﷺ «٢» .
صاحب الخبز
ترجم في الإصابة مرداس المعلم فقال: ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير سند فقال: مرّ النبي ﷺ بمرداس المعلم فقال: إياك والخبز المرقق، والشرط على كتاب الله قال: وهذا لم اقف له على سند.
قلت: إن ثبت هذا الخبر يرد به قول الحافظ ابن القيم في الطرق الحكمية: إنما لم
стр. 436
يقع التسعير في زمن النبي ﷺ بالمدينة، لأنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم اهـ. منه ٢٣٣.
هل كانت الأقراص النبوية صغارا
في المواهب وشرحها وقد تتبعت، هل كانت أقراص خبز النبي ﷺ صغارا أم كبارا، فلم أجد شيئا في ذلك بعد التفتيش، نعم: روي أمره بتصغيرها في حديث عند الديلمي عن عائشة رفعته بلفظ: صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه، وهو واه بحيث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروي عن ابن عمر رفعه:
البركة في صغر القرص. ونقل عن النسائي أنه كذب.
لكن روى البزار والطبراني في الكبير بسند ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر. وقال شيخه النور الهيثمي: فيه أبو بكر بن مريم، وقد اختلط وبقية رجاله ثقات عن أبي الدرداء مرفوع: قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه. قال في النهاية وحكى عن الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة، وكذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله، عن بعض أهل العلم، أنه تصغير الأرغفة أشار إلى ذلك السخاوي في المقاصد.
وفي باب ما يستحب من الكيل من فتح الباري على قوله ﵇: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه. قيل: في مسند البزار أن المراد بكيل الطعام تصغير الأرغفة، ولم أتحقق ذلك ولا خلافه اهـ.
وفي موضوعات علي القاري؛ نقلا عن الزركشي حديث: الأمر بتصغير اللقمة، وتدقيق اللقمة، قال النووي لا يصح اهـ وفي منظومة إبن العماد في آداب الأكل والطعام:
قالوا وما صح في طحن الطعام ولا ... تصغير لقمته شيء لذي أكل
اهـ وأنت تعلم أن نفي الصحة لا يستلزم ما عداها. ثم قال في المواهب: ولعل هذا مستند أبي إسحاق إبراهيم المتبولي في تصغيره أرغفة سماطه كالشيخ أبي العباس البدوي والسادات الوفائية اهـ.
وفي شرح المنتهى من كتب الفقه الحنبلي للشيخ منصور البهوتي الحنبلي، وعن أحمد: الخبز الكبار ليس فيه بركة، وذكر معمر أن أبا أسامة قدم لهم طعاما، فكسر الخبز قال أحمد لئلا يعرفوا كم يأكلون اهـ منه وإلى مضمون كلام القسطلاني في المواهب أشار صاحب المقالات السنية فإنه بعد أن ذكر حديث «صغروا طعامكم يبارك لكم فيه» «١» قال:
روى الحديث بإسناد به ضعف ... عزا الرواية للأوزاعي ذي الرسم
стр. 437
أن المراد به تصغير أرغفة ... البزار أيضا عن إبراهيم ذي النعم
يدعى أبو الندب عبد الله والده ... الجنيد عن بعض أهل العلم والحكم
أن المراد به تصغير أرغفة ... ولعل ذا سند للعارف الفهم
شيخ الطريقة في تصغير أرغفة ... سماطه كأبي العباس ذي القدم
والاصطفا أحمد البدوي ثم أولي ... المواهب والسادات ذو القدم
بنو الوفا والصفا أهل المعارف ... اكسير السعادات والسادات في الأزم
وقد تتبع بعض الحافظين بأن ... يحيط علما بخبر خبز ذي النعم
هل كانت أقراص خبز المجتبى صغرا ... أم كبارا فلم يوجد بكتبهم
شيئا سوى صغروا الخبز الحديث عن ... رمتة صاحب المصطفى الرضى الفهم
الديلمي رواه عن بعض وروي ... حديث أصدق الخلق في الرمم
تنبيه: في ترجمة تملك التابعية الكوفية من طبقات ابن سعد أنها سألت أم سلمة قالت: إذا وضعت السكين في الخبز فاذكري اسم الله وكلي. النظر ص ٣٦٢ ج ٨ ففيه أنهم كانوا يقطعون الخبز بالسكين.
الماشطة
«قال ابن فتحون أم زفر ماشطة خديجة زوج النبي ﷺ كانت تأتي النبي ﷺ بعد ذلك، ويكرمها ويقول: إنها كانت تأتينا أيام خديجة. وقال ابن إسحاق في السيرة: لما أعرس رسول الله ﷺ بصفية بنت حييّ بن أخطب بخيبر أو ببعض الطريق كانت التي جمّلتها ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان» .
قلت: في طبقات ابن سعد؛ أن المصطفى ﵇ لما اشترى صفية من دحية الكلبي دفعها إلى أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها.
وترجم في الإصابة لآمنة بنت عفان بن أبي العاص أخت أمير المؤمنين عثمان، فذكر عن ابن الكلبي أنها كانت في الجاهلية ماشطة، وذكر فيها أيضا لشبرة بنت صفوان القرشية، فذكر عن ابن الكلبي أنها كانت ماشطة، تقني النساء بمكة.
وترجم فيها أيضا لأم رعلة القشيرية فذكر عن المستغفري أنها كانت امرأة ذات لسان وفصاحة فقالت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، إنا ذوات الجدود ومحل أزهار البعول، ومن بنات الأولاد، ولا حظ لنا في الجيش فعلمنا شيئا يقربنا إلى الله وفيه فقالت: إني امرأة مقنية أقين النساء وأزينهن لأزواجهن. فهل هو حوب فاثبط عنه؟ فقال لها يا أم رعلة قينيهن وزينيهن الخ القصة.
وفي رواية أخرى: فكان المصطفى بها متعجبا. وفي التجريد أم رعلة القشيرية، لها وفادة في حديث واه اهـ.
стр. 438
وفي باب ذكر القن والحداد من فتح الباري: وأما قول أم أيمن: قنيت عائشة فمعناه:
زينتها. قال الخليل: التقيين التزيين، ومنه سميت المغنية قينة، لأن من شأنها الزينة اهـ منه.
تتمة خرج أبو داود في سننه عن عائشة قالت: أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله ﷺ ، فلم أقبل عليها بشيء مما تريد، حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمنت عليه أحسن السمن. ترجم عليه أبو داود باب السمنة «١» .
المحرشة بين النساء
ترجم في الإصابة لحميدة بالتصغير، مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي والدة أشعب الطامع فقال: قيل: كانت تدخل بين أزواج النبي ﷺ وتحرّش بينهن، فأمر النبي ﷺ بتعزيرها، وقيل: دعا عليها فماتت. وهذا لا يصح، لأن أشعب ولد بعد النبي ﷺ بمدة، فلعلها أصابها بدعائه مرض اتصل بها إلى أن ماتت بعده بمدة وفي محل آخر من الإصابة أن ولدها أشعب افتخر بذلك. فقيل له: ويحك أو يفتخر بهذا أحد فقال: لو لم يكن موثوقا بها عندهن ما قبلن منها.
المرأة تذهب لجس نبض الرجل هل له بزواج فلانة أرب ؟
في ترجمة خديجة من الإصابة عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى قالت: كانت خديجة امرأة شريفة، كثيرة المال ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما سافر النبي ﷺ في تجارتها ورجع بربح وافر، رغبت فيه فأرسلتني دسيسا إليه فقلت: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي شيء. فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: ومن؟ قلت: خديجة فأجاب. وانظر ترجمتها من طبقات ابن سعد.
النساء الممرضات اللائي كن يرافقن المصطفى ﵇ في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة
ترجم في الإصابة للربيّع بنت معوّذ بن عفراء فنقل عن أبي عمر: كانت ربما غزت مع النبي ﵇. وأخرج البخاري «٢» والنسائي وأبو مسلم الكجي عن الربيّع قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ ، فكنا نسقي القوم ونخدمهم. ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
وترجم في الإصابة لرفيدة الأنصارية أو الأسلمية، فذكر عن ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق فقال المصطفى ﷺ : اجعلوه في خيمة رفيدة التي في
стр. 439
المسجد حتى أعوده من قريب. وكانت امرأة تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان ضيعة من المسلمين. ونحوه للبخاري في الأدب المفرد، وفي ترجمة كعيبة بنت سعد الأسلمية نقلا عن ابن سعد: هي التي كانت تكون في المسجد لها خيمة تداوي المرضى والجرحى وكان سعد بن معاذ حين رمى يوم الخندق عندها تداوي جرحه حتى مات وشهدت خيبر مع النبي ﷺ ، فأسهم لها بسهم رجل.
وفي ترجمة ليلى الغفارية كانت تخرج مع النبي ﷺ في مغازيه، تداوي الجرحى وتقوم على المرضى، وأخرج ابن مردويه في تفسيره عن معاذة الغفارية قالت: كنت أنيسا لرسول الله ﷺ ، أخرج معه في الأسفار أقوم على المرضى وأداوي الجرحى ولكن في التجريد: ليلى الغفارية كانت تداوي في المغازي الجرحى في خبر باطل اهـ «١» .
قلت: الخبر الباطل مبسوط في الإصابة، وفيها أيضا في ترجمة أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته، عن الواقدي: حضرت أم أيمن أحدا، وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى، وشهدت خيبر وترجم لأم زيادة الأشجعية «٢» . فذكر أنها خرجت مع المصطفى ﷺ في غزوة خيبر سادسة ست نسوة. قال: فبلغ النبي ﷺ فبعث إلينا قال: بإذن من خرجتن؟
ورأينا في وجهه الغضب. فقلن: خرجنا ومعنا دواء نداوي به الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق. الحديث. وفيه أنه قسم لهن من التمر. أخرجه أبو داود والنسائي وابن أبي عاصم. [انظر كتاب الجهاد ج ٣ ص ١٧٠ لأبي داود] .
وفي طبقات ابن سعد، في ترجمة أم سنان الأسلمية قالت: لما أراد رسول الله ﷺ الخروج إلى خيبر جئته قلت: يا رسول الله أخرج معك أخرز السقاء، وأداوي المريض والجريح إن كانت جراح، وأبصر الرحل فقال رسول الله ﷺ : أخرجي على بركة الله، فإن لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهن من قومك، ومن غيرهم. فإن شئت فمع قومك، وإن شئت فمعنا قلت معك قال: فكوني مع أم سلمة زوجتي قالت فكنت معها.
وانظر ترجمة أم كبشة القضاعية من الإصابة، وأم ورقة بنت عبد الله الأنصارية.
وقد ترجم الشامي في سيرته استصحابه ﵇ بعض النساء لمصلحة المرضى والجرحى، ومنعه من ذلك في بعض الأوقات، فذكر قصة حديث ليلى الغفارية وعزاها للطبراني، ثم ذكر أن الطبراني خرّج برجال الصحيح عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يغزو بنا نسوة من الأنصار نسقي الماء ونداوي الجرحى، ثم ذكر أن الطبراني خرّج في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح، عن أم كبشة امرأة من بني عذرة قضاعة قالت:
يا رسول الله إيذن لي أخرج في كذا جيش كذا وكذا قال: لا. قلت يا رسول الله إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجرحى والمرضى. قال: لولا أن يقال: فلانة خرجت
стр. 440
لأذنت لك، ولكن اجلسي فاقتصر على ما ذكر، فكأن ما ذكرناه لم يتيسر له والحمد لله.
وقد بوّب البخاري في كتاب الجهاد «١» : جهاد النساء وباب غزو المراة في البحر وباب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه وباب غزو النساء وقتالهن مع الرجال وباب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو وباب مداواة النساء الجرحى في الغزو وباب رد النساء الجرحى والقتلى. وخرّج فيها عن أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ ، قال: ولقد رأيت عائشة وأم سليم مشمرتان أرى خدم سوقهما تنغزان القرب وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما، ثم ترجعان فتملآنهما ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كانت النساء تشهدن مع النبي ﷺ المشاهد ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى.
ولأبي داود «٢» من طريق حشرج بن زياد عن جدته أنهن خرجن مع النبي ﷺ في حنين، وفيه أن النبي ﷺ سألهن عن ذلك فقلن: خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ونداوي الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق.
ووقع عند مسلم عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين وقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه.
وذكر في ترجمة أم عمارة الأنصارية عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني.
وفي العتبية قال مالك: كان النساء يخرجن مع رسول الله ﷺ في غزوه؛ يسقين الماء ويداوين الجرحى. قال ابن رشد في البيان والتحصيل. لا خلاف في خروج النساء في الغزو، مع الجيش المأمون ليخدمن الغزاة اهـ.
وقال شيخنا الشبيهي في الفجر الساطع، على قوله في هذه الترجمة: وتداوي الجرحى قال القرطبي: معناه أنهن يهيئن الأدوية للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحل. ثم أولئك النساء إما متجالات فيجوز لهن كشف وجههن، وأما الشواب فيحتجبن، وهذا كله على عادة نساء العرب في الانتهاض والنجدة، والجرأة والعفة، وخصوصا نساء الصحابة. فإن اضطر لمباشرتهن بأنفسهن جاز. والضرورات تبيح المحظورات. وقال ابن زكري: فيه معالجة الأجنبية للرجل للضرورة اهـ.
ونقل الشيخ عبد الغني النابلسي في شرح الطريقة المحمدية عن والده أنّ ابن
стр. 441
الزبير لما مرض بمكة استأجر عجوزا لتمرضه فكانت تغمز رجله وتفلي رأسه اهـ منه.
النسوة التاجرات
زيادة على ما سبق تقدم منهن، ويأتي جماعات وفي ترجمة قيلة الأنمارية من الإصابة عنها من تخريج ابن ماجه قلت: يا رسول الله إني امرأة أشتري وأبيع. الحديث «١» .
وفي ترجمتها من طبقات ابن سعد اهـ ص ٢٣٨ من ج ٨ عن قيلة أم بني أنمار قالت: جاء النبي ﷺ إلى المروة ليحل في عمرة من عمره، فجئت أتوكأ على عصاه حتى جلست إليه فقلت يا رسول الله إني امرأة أبيع وأشتري، فربما أردت أن أشتري السلعة، فأعطي بها أقل مما أريد أن آخذها به ثم زدت ثم زدت حتى آخذها بالذي أريد أن آخذها به، وربما أردت أن أبيع السلعة فأستمت بها أكثر مما أريد أن أبيعها به ثم نقصت ثم نقصت حتى أبيعها بالذي أريد أن أبيعها به. فقال لي رسول الله ﷺ : لا تفعلي هكذا يا قيلة ولكن إذا أردت أن تشتري شيئا فأعطي به الذي تريدين أن تأخذيه به أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي الذي تريدين أن تبيعيه به أعطيت أو منعت.
وفي تحفة الناظر للقاضي العقباني: استشكال ما قيل من تأكد الأبعاد بين السماسرة والنساء، ولما يخشى من الفتنة مع ما جاء في المذهب من إباحة التجر للمرأة، وأن الزوج ليس له منعها من الخروج لذلك، وليس التجر وتعاطي أسبابه بمقصور على المأمون عليها إذ لها اقتناء الربح من أي رجل كان، وإلا لما كان تجرأ. ثم أجاب عنه بأنه لا يلزم من إباحة التجر لها أن تليه بنفسها، ولعلها توكل من يقوم به عنها من الأمناء؛ محرما أو غيره.
قال: وما ذكرناه من أنه لا يمنعها من الخروج للتجارة نقله في الحادي عن المجموعة. قال بعض الشيوخ: يفهم من قوله: ليس له منعها من التجارة أنه لا يغلق عليها. وهو منصوص في الوثائق المجموعة في كتاب الوصايا اهـ.
وفي شرح أبي يحيى التازي على الرسالة: وأما البيع والشراء فيمنعها من ذلك في الأسواق، ويجوز لها ذلك في الدار ويدخل إليها الرجال، لكن تبايعهم من وراء حجاب، ولا تفتقر فيه إلى إذن زوجها اهـ منه.
القابلة
«قال في الاستيعاب عند ذكر إبراهيم بن النبي ﷺ : إن قابلته سلمى مولاة النبي ﷺ امرأة أبي رافع فبشر به أبو رافع النبي ﷺ ، فوهب له عبدا وهي قابلة النبي ﷺ ، وهي غسلت فاطمة ﵍ مع زوجها» .
وفي ترجمة خديجة من الإصابة؛ وكانت قابلتها سلمى مولاة صفية، وكانت تسترضع
стр. 442
لولدها، وتعد ذلك قبل أن تلد. وفي ترجمة سوداء من الإصابة: أنه جاء بإسناد فيه مجهول، أنها كانت قابلة لفاطمة حين وضعت الحسن.
الخافضة
«قال ﵊ لأم عطية، وكانت تخفض النساء: أشمّي (لا تستقصي) ولا تنهكي (لا تبالغي) فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج (أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها) » .
المرضعة
«ذكر في الاستيعاب أم بردة بنت المنذر بن زيد من بني عدي بن النجار فقالت: هي التي أرضعت إبراهيم بن النبي ﷺ دفعه لها ﷺ ساعة وضعته أمه فلم تزل ترضعه حتى مات عندها» [وهي زوج البراء بن أوس بن خالد] .
قلت: ونحوه في الإصابة وعقبه بقوله: وقال أبو موسى: المشهور أن التي أرضعته أم سفيان ولعلهما جميعا أرضعتاه «١» .
المرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي
في ترجمة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، من الاستبصار روي عنها أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فامنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت وموضع شهوات الرجال، وحاملات أولادكم، وأن الرجال فضلوا بالجماعات، وشهود الجنائز، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله ﷺ بوجهه إلى أصحابه وقال لهم:
هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ . انصرفي يا أسماء. وأعلمي من ورائك من النساء، أن حسن تبعّل إحداكم لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، تعدل كلّ ما ذكرت. فانصرفت أسماء. وهي تهلل وتكبر، استبشارا بما قال لها رسول الله ﷺ اهـ.
المغزل
أخرج أبو نعيم في المعرفة عن عبد الله بن ربيع الأنصاري، رفعه: علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل.
стр. 443
وأخرج ابن عدي عن ابن عباس رفعه: لا تعلموا نساءكم الكتابة ولا تسكنوهن الغرف، وقال خير لهو المؤمن السباحة، وخير لهو المؤمنة الغزل. وخرّج الديلمي عن أنس رفعه: نعم لهو المرأة مغزلها. وتقدم حديث: عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء المغزل «١» ، وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس رفعه: زينوا نساءكم بالمغزل. وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن بكار السكسكي، حدثنا موسى ابن عوف، حدثنا النفيلي حدثنا زياد بن السكن قال: دخلت على أم سلمة وبيدها مغزل تغزل به فقلت: كلما أتيتك وجدت في يدك مغزلا، فقالت: إنه يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس، وأنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن أعظمكن أجرا أطولكن طاقة.
وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يزيد بن مروان، عن زياد بن عبد الله القرشي قال: دخلت على هند بنت المهلب بن أبي صفرة، وهي امرأة الحجاج بن يوسف، فرأيت في يدها مغزلا تغزل به، فقلت: أتغزلين وأنت ابنة أمير؟ قالت: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : أطولكن طاقة أعظمكن أجرا، وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ . لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الحاكم. وأخرج ابن سعد عن أم صفية خولة قالت: كنا نكون في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر في المسجد نسوة قد تخاللن، وربما غزلت بعضنا فيه الخوص، فأخرجنا منه عمر. وقد أفرد هذه الترجمة الحافظ السيوطي بجزء سماه الأجر الجزل في الغزل، وهو عندي ومنه لخصت ما سقته هنا «٢»
في المغنين (ذكر المغنين في الأعياد) .
«في الصحيحين عن عائشة: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني ﷺ فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي انصرف عن النظر إليهم وفيهما أيضا أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان بالدف ورسول الله ﷺ مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله ﷺ رأسه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» «٣» .
стр. 444
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن قيس بن سعد بن عبادة قال: ما من شيء كان على عهد رسول الله ﷺ إلا قدر رأيته إلا شيئا واحدا أن رسول الله ﷺ كان يغلس له يوم الفطر وقال جابر: هو اللعب. وروى ابن ماجه عن عياض الأشعري أنه شهد عيدا بالأنبار فقال: ما لي لا أراكم تغلسون كما كان يغلس عند رسول الله ﷺ ؟.
وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: دخلت على جارية لحسان بن ثابت يوم فطر، ناشرة شعرها معها دف، فزجرتها فقال رسول الله ﷺ : دعيها يا أم سلمة فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا.
«وخرّج مسلم عن عائشة قالت: دخل علي أبو بكر وجاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث يوم معلوم بين الأوس والخزرج- فقالت وليستا بمغنيتين- قال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك في يوم عيد فقال رسول الله ﷺ . يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا وخرجه البخاري فقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ » .
قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري البغدادي في مؤلفه في السماع: من تمسك بتسمية أبي بكر مزمار الشيطان فقد أخطأ وأساء الفهم من وجوه؛ منها: تمسكه بقول أبي بكر مع رد النبي ﷺ له قوله، وزجره عن عنفه لهن ورجوع أبي بكر إلى إشارة المصطفى، ومنها إعراض هذا القائل عن إقراره ﷺ ، واستماعه الذي لا احتمال فيه، أنه يقتضي الحل، والإطلاق إلى لفظ أبي بكر. ومحال أن يعتقد أبو بكر تحريم أمر حضره المصطفى وأقر عليه، مع علم الصديق أنه ﵇ لا يقر على باطل. والصحيح أن يفهم من قول أبي بكر ما يليق به. وهو أنه رأى ضرب الدف وإنشاد الشعر لعبا من جملة المباح الذي ليس فيه عبادة، فخشي باطنه الكريم من تعظيم حضرة النبوة واحترام منصب الرسالة وشدة الاحتشام ما حمله على تنزيه حضرته ﵇ عن صورة اللعب، ورأى أن الاشتغال بالذكر والعبادة في ذلك الموطن الكريم أولى، فزجر عنه احتراما لا تحريما فرد عليه النبي ﷺ إنكاره لأمرين، أحدهما: أن لا يعتقد تحريم ما أبيح في شرعه توسعه لأمته ورفقا بها، وتفسحا في بعض الأوقات. والثاني: إظهار الشارع مكارم الأخلاق وسعة الصدر لأهله وأمته، فتستريح قلوبهم ببعض المباح، فيكون أنشط لهم في العود إلى وظائف العبادة، كما قال لما قال أبو بكر: أقرآن وشعر؟ فقال ﷺ : ساعة من هذا وساعة من هذا اهـ.
هل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل (وهل سمع الصحابة العود والوتر)
قال الخزاعي هنا:
«لم أقف في شيء مما طالعته من الكتب ما استدل به على الدفوف، التي كانت الجواري يضربن بها في بيت النبي ﷺ ، هل كان فيها جلاجل أم لا؟ ولكن يحتمل إجازة
стр. 445
أبي حامد «١» استعمال ما فيه الجلاجل من الدفوف ثبوت استعمالها في عهده ﵇، ولذلك أباح استعمالها اهـ» .
قلت: قد وجدت التلمساني في شرح الشفا المسمى المنهل الأصفى قال: كانت العرب تعمل في دفوفها الجلاجل، وانظر قوله في الحديث «٢» : وجويريات يلعبن بالدف.
هل هو المدور أو ذو الجلاجل؟ اهـ وقال العلامة الكمال الأدفوي في الإمتاع: ما ادّعوه أن الدفوف التي كانت في زمنه ﵇ لم يكن لها جلاجل نفي يحتاج إلى الإثبات، ولو ثبت لم يكن فيه حجة، إنما الحجة أن لو كان ثم منع اهـ.
وذكر الشيخ أبو المواهب التونسي في تأليف له في إباحة سماع الآلات أن جمعا من الصحابة والتابعين سمعوا نقر العود، فمن الصحابة ابن عمرو وعبد الله بن جعفر، وعبد الله ابن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم اهـ نقله عنه القاضي ابن الحاج في حواشي شرح المرشد.
وفي رسالة إبطال دعوى الإجماع، على تحريم مطلق السماع، للحافظ الشوكاني؛ ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع؛ أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسا، ويسوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره. وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وقال إمام الحرمين في النهاية، وابن أبي الدم: نقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوّادات وأن ابن عمر دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله ﷺ ؟ فناوله إياه فتأمله ابن عمر وقال:
هذا ميزان شامي. فقال ابن الزبير: توزن به العقول.
ذكر أسماء المغنيات في المدينة في العهد النبوي
تقدم في الحديث قبله: وجاريتان تغنيان من جواري الأنصار، قال في الفجر الساطع: جاريتان دون بلوغ لعبد الله بن أبي اسم إحداهما حمامة. قلت: سمى منهما حمامة في رواية ابن فليح عن ابن أبي الدنيا، عن هشام عن أبيه عن عائشة. انظر ترجمة حمامة من الإصابة، وترجم فيها لأرنب المغنية المدنية وقال: روينا في الجزء الثالث من أمالي المحاملي من طريق ابن جريج. أخبرنا أبو الأصبغ أن جميلة المغنية أخبرته؛ أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء فقال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فقال لها رسول الله ﷺ : أهديت عروسك؟ قالت: نعم. قال: فأرسلت معها بغناء، فإن الأنصار يحبونه قالت: لا. قال فأدركيها بأرنب امرأة كانت تغني بالمدينة، وترجم أيضا لزينب الأنصارية فقال: جاء أنها كانت تغني بالمدينة. فأخرج الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في
стр. 446
كتاب الصفوة من طريق المحاملي أن جميلة أخبرته؛ أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء. فقال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة، فذكر قصة تشبه التي قبلها وفيها قول المصطفى ﵇: فأدركيها بأرنب امرأة؛ كانت تغني بالمدينة وانظر ترجمة فريعة بنت معوذ بن عفراء. وقال الحافظ في كتاب النكاح، من الفتح على حديث النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها؛ ودعائهن بالبركة وفيه: فإن الأنصار يعجبهم اللهو.
وفي حديث ابن عباس وجابر: قوم فيهم غزل وفي حديث جابر عند المحاملي:
أدركيها بزينب. امرأة كانت تغني بالمدينة. ويستفاد منه تسمية المغنية الثانية في القصة التي وقعت في حديث عائشة الماضي في العيدين حيث جاء فيه: دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان. وكنت ذكرت هناك أن اسم إحداهما حمامة كما ذكره ابن أبي الدنيا في العيدين له بإسناد حسن. وإني لم أقف على اسم الآخرى، وقد جوّزت الآن أن تكون هي زينب هذه اهـ.
قلت: انظر هذا مع ما نقله الخزاعي هنا عن المشارق على قوله جاريتان تغنيان. قال وليستا بمغنيتين الغناء الأول من الإنشاد، والثاني من الصفة اللازمة أي ليستا ممن اتصف بهذا واتخذه صناعة إلا كما ينشد الجواري وغيرهن من الرجال في خلواتهن ويترنمن به من الأشعار في شؤونهن. ويحتمل أن يكون ليستا بمغنيتين هذا الغناء المصنوع العجمي الخارج عن إنشاد العرب اهـ.
قال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: الظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن، لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسير إليها الجواري يلعبن معها. ثم ذكر بعض طريق القصة وفيها ما كانوا يغنون به فقال: فبان بما ذكرناه ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب، ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم اهـ منه ص ٢٤٠.
وقال النووي في شرح مسلم وقوله: وليستا بمغنيتين معناه ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به قال القاضي: وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة والظهور، وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا انشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا اهـ ونحوه للقسطلاني في الإرشاد وغيره.
ذكر ما كانوا يغنون به
سبق أن جواري الأنصار كانوا يغنون بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، وبعاث بضم الباء وآخره مثلاثة والعين مهملة وإعجامها تصحيف، وهو اسم حصن وقع الحرب عنده بين الأوس والخزرج، قال الأستاذ المعمر أبو النجاة سالم بو حاجب المالكي أحد الأعلام من مشايخنا التونسيين في تعاليقه على الصحيح: لله درّ البخاري في إيراد خصوص اللعب المذكور يوم العيد، حيث يؤخذ منه أن اللهو الذي يرتكب لإظهار المسرة العيدية ينبغي أن
стр. 447
لا يكون خاليا عن نحو مصلحة شرعية، حتى يخرج ذلك اللعب عن دائرة اللهو والباطل.
وفي هذا إشارة إلى أصل عظيم من أصول تمدن الأمة، وهو أن تجعل الألعاب مشحونة بتربيات تمكن القلوب من حب الدين والوطن، وترتوي بمكارم الأخلاق حتى يكون الإنسان في مباشرة تلك الألعاب ومشاهدتها يتنزل عليه المثل المشهور «يسرّ حسوا في ارتغاء» «١» وهذا الذي لمح له البخاري هنا، يؤخذ من قوله ﵇: كل لهو ابن آدم باطل، إلا في ثلاث: تأديب الفرس، والرمي بالقوس، وملاعبة الزوجة. ولله در الصديقة حيث جمعت بين حديث الجاريتين وحديث الحبشة، فإن غناء بعاث يحرك الحماسة القلبية، ولعب الحبشة يعلم سرعة الحركات البدنية. والأمران هما ملاك التقدم في الحرب.
فإن قيل: التدريب الحربي هو تعليم العلوم، والتعليم جدّ لا لعب، فكيف سماه البخاري لعبا؟ فالجواب كما أشار إليه ابن حجر: أنه شبّه اللعب من حيث الصورة، فإنك ترى أحد المتناضلين يظهر أنه يقصد طعن صاحبه ولا يفعل ويتهدده ولو كان أباه أو ابنه اهـ.
ذكر من غنّى في وليمة النكاح
«في الصحيح «٢» عن عائشة أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ : يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو» .
قلت: وفي حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد وصححه الحاكم وابن حبان: أعلنوا النكاح زاد الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة: واضربوا عليه بالدف. قال الحافظ في الفتح: واستدل بقوله: واضربوا على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكن إسناده ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن بذلك للنساء، فلا يلحق بهن الرجال؛ لعموم النهي عن التشبه بهن اهـ وحديث ابن حاطب المذكور قال عبد الحق في الأحكام: وغير الترمذي يقول:
صحيح. وخرج النسائي عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بنت كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يتغنين فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ﷺ ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقال اجلس إن شئت فاسمع معنا وإن شئت اذهب، قد رخص لنا في اللهو عند العرس.
وترجم في الإصابة لثابت بن يزيد الأنصاري فذكر أن البارودي وأبا نعيم خرّجا من طريق شريك عن ابن إسحاق عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بنت كعب وثابت بن يزيد وأبي مسعود وعندهم جوار وأشياء فقلت: تفعلون هذا وأنتم من الصحابة قالوا رخّص لنا في اللهو عند العرس انظر ص ٢١٧.
وانظر ترجمة علي بن هبار الأسدي فيها أيضا. وترجم فيها أيضا لمعبد بن قيس فذكر
стр. 448
أن ابن السكن خرج قال: دخل علينا رسول الله ﷺ وقد تزوجت، فقال: هل من لهو؟.
وترجم البخاري «١» في الصحيح: باب ضرب الدف في النكاح والوليمة ثم خرج عن الربيّع بن معوذ بن عفراء قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بني عليّ فجلس على فراشي فجعلت جويريات يضربن في الدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن:
وفينا نبيّ يعلم ما في غد.
فقال: دعي هذه وقولي الذي كنت تقولين.
قال الحافظ في الفتح على قوله: جويريات لم أقف على أسمائهن، ووقع في رواية حماد بن سلمة بلفظ: جاريتان تغنيان، فيحتمل أن تكون اثنتان هما المغنيتان، ومعهما من يتبعهما، أو يساعدهما في ضرب الدف من غير غناء. وقال: قوله: ويندبن من الندبة، وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه، وتعديد محاسنه من الكرم والشجاعة ونحوها. وقال:
قوله: وقولي بالتي كنت تقولين فيه إشارة إلى جواز سماع المدح، والمرثية مما ليس فيه مبالغة، تفضي إلى الغلو.
وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث عائشة: أن النبي ﷺ مرّ بنساء من الأنصار في عرس لهن وهنّ يغنين:
وأهدى لها كبشا تنحنح في المربد ... وزوجك في البادي ويعلم ما في غد
فقال: لا يعلم ما في غد إلا الله. قال المهلب: في هذا الحديث اعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. وفيه إقبال الإمام إلى العرس، وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح، وفيه جواز مدح الرجل في وجهه، ما لم يخرج إلى ما ليس فيه.
وأغرب ابن التين فقال: إنما نهاها لأن مدحه حق والمطلوب في النكاح اللهو، فلما أدخلت الجد في اللهو منعها. كذا قال. وتمام الخبر الذي أشرت إليه يرد عليه. وسياق القصة يدل على أنها لو استمرت على المراثي لم ينهها. وإنما أنكر عليها ما ذكر من الأطراء حيث أطلق علم الغيب عليه، وهو صفة تختص بالله كما قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] وقوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨] وقوله: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف: ١٨٨] وسائر ما كان النبي ﷺ يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى له، لا أنه يستقل بعلم ذلك، كما قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٢٦، ٢٧] .
стр. 449
ذكر تلقي رسول الله ﷺ عند إيابه
معروف خبر انشاد غلمان الأنصار بالدف والألحان عند قدوم رسول الله ﷺ :
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قلت هذا الشعر أنشد عند قدومه ﷺ المدينة، رواه البيهقي في الدلائل، وأبو بكر المقري في كتاب الشمائل، له عن ابن عائشة. وذكر الطبري في الرياض عن أبي الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه فذكره. وقال: خرّجه الحلواني على شرط الشيخين. وراجع المواهب وشرحها ص ٤١٧ من ج ١.
وفي الكلام على غزوة تبوك من المواهب: ولما دنا رسول الله ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا. وقد وهم بعض الرواة فقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام كما قدمت ذلك اهـ.
قال الزرقاني: وقد تقدم أن الولي العراقي قال: يحتمل أن الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. وقدمت أن هذا يؤيده جمع الثنيات، إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم يجمع. ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر، مرة عند الهجرة ومرة عند قدومه من تبوك، فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة. وانظر فتح الباري في الهجرة وغزوة تبوك. وزاد المعاد.
وذكر المطرزي في اليواقيت عن ابن عباس قال: لما قدم المدينة النبي ﷺ استقبلته بنات الأنصار بأيديهن الدفوف يضربن بها ويقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
وخرّج الترمذي عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت بريدة يقول: «خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله ﷺ : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب» . قال الترمذي: حسن صحيح «١» .
قال التوربشتى كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: إنما مكّنها من ضربه بين يديه إذ نذرت. فدل نذرها على أنها عدّت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم الله عليها؛ فانقلب الأمر فيه من صفة اللهو إلى صفة الحق ومن المكروه إلى المستحب اهـ.
стр. 450
ذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي ﷺ فأقرهم ولم ينكره
«روى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب آداب السماع فقال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رسول الله ﷺ بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه ومعه سماطان من أصحابه وجاريته تغنيهم فانتهى إليها رسول الله ﷺ وهي تقول:
هل عليّ ويحكما ... إن لهوت من حرج
«فتبسم رسول الله ﷺ وقال: لا حرج وقد ذكر القصة ابن عبد ربه في العقد الفريد» .
قلت: في ترجمة حسان من الإصابة أخرج أبو نعيم من طريق بشر بن محمد المؤدب عن أبي أويس عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رسول عليه وسلم بحسان ومعه أصحابه سماطين وجارية له يقال لها سيرين، وهي تغنيهم فلم يأمرهم ولم ينههم رواه ابن وهب عن أبي أويس مثله لكن قال: وجارية طربة تغنيهم.
وقد ألف في السماع والغناء جماعة منهم.
(١) الإمام ابن قتيبة له كتاب الرخصة في السماع.
(٢) الإمام أبو منصور التميمي البغدادي.
(٣) الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي.
(٤) الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد ابن أحمد بن حبيب العامري البغدادي.
وفي المنن الكبرى للشعراني بعد كلام: صنف الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي كتابا نقض فيها أقوال من قال بتحريم السماع، وجرح النقلة للحديث الذي أوهم التحريم، وذكر من جرّحهم من الحفاظ واستدل على إباحة السماع واليراع والدف والأوتار بالأحاديث الصحيحة، وجعل الدف سنة.
قال الشيخ القوصي بن عبد الغفار القوصي: وقد قرأت ذلك على الحافظ شرف الدين الدمياطي وأجازني به عن الحافظ أبي طاهر السلفي الإصبهاني بسماعه من المصنف وقال: لا فرق بين سماع الأوتار وسماع صوت الهزار والبلبل، وكل طير حسن الصوت، فكما أن صوت الطير مباح سماعه فكذلك الأوتار اهـ.
وكتاب المقدسي المذكور تأليف عجيب نادر الوجود واسع البحث، وقفت على نسخة منه بزاوية الهامل ببو سعادة من القطر الجزائري.
(٦) لمحمد بن عمر بن محمد البستى المعروف بالدراج كتاب سماه الكفاية والغناء في أحكام الغناء.
стр. 451
(٧) للإمام المؤرخ المطلع أبي الفضل كمال الدين جعفر الأدفوي الشافعي كتاب سماه الإمتاع بأحكام السماع وهو عندي في مجلد وهو كتاب لا نظير له في الباب، ونسب فيه:
(٨) للشيخ أبي القاسم القشيري.
(٩) الشيخ تاج الدين الفزاري.
(١٠) الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
(١١) الشيخ تقي الدين ابن دقيق تأليف في الجواز مسميا كتاب الأخير باقتناء السوانح انظر وقد قال عن كتاب الأدفوي هذا الإمام الأسنوي في طبقات الشافعية: إنه كتاب نفيس أنبأ فيه عن اطلاع كثير اهـ وقال عنه الحافظ الشوكاني لم يؤلف مثله في بابه اهـ.
قلت: لم أر له نظيرا فيما ألّف في المسألة ولا أعلى نقلا وأجود بحثا.
(١٢) للأستاذ أبي المواهب التونسي «فرح الإسماع برخص السماع» .
(١٣) للإمام أبي الفتوح أحمد الغزالي: بوارق الإلماع في تكفير من يحرم مطلق السماع.
(١٤) للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي تحريم مطلق السماع.
(١٥) للقاضي أبي عيسى عبد الرحيم الكجراتي أحد شارحي خطبة القاموس رسالة أخرى وهذه الرسائل الأربعة مطبوعة بالهند.
(١٦) للأستاذ عبد الغني النابلسي إيضاح الدلالات في سماع الآلات وقد طبع مرارا.
(١٧) للعلامة العارف أبي زيد عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس اليمني المصري تشنيف الإسماع ببعض أسرار السماع.
(١٨) للحافظ ابن رجب الحنبلي نزهة الإسماع في مسألة السماع.
وانظر كتاب مواهب الأرب المبرأة من الجرب في السماع وآلات الطرب لخالنا أبي المواهب:
(١٩) جعفر بن ادريس الكتاني وهو في مجلد واختصاره لأبي العباس.
(٢٠) أحمد بن الخياط الزكاري الفاسي. وقد طبع بفاس.
وقال الحافظ الشوكاني في رسالته «بطلان الإجماع على تحريم مطلق السماع» : روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره، وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان وحكاه الرافعي، وعبد الرحمن بن عوف، كما رواه ابن أبي شيبة وأبو عبيدة بن الجراح، كما أخرجه البيهقي وسعد بن أبي وقاص، كما أخرجه ابن قتيبة وأبو مسعود الأنصاري، كما أخرجه البيهقي وبلال وعبد الله بن الأرقم، وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي وضمرة كما في الصحيح، وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر، والبراء بن مالك
стр. 452
كما أخرجه أبو نعيم وعبد الله بن جعفر، كما رواه ابن عبد البر وغيره وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي. وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني، وعبد الله بن عمرو كما رواه الزبير بن بكار وغرضة بن كعب كذا كما رواه ابن قتيبة وخوّات بن جبير كما أخرجه صاحب الأغاني والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي، وعائشة والرّبيع كما في الصحيح.
هل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى
نقل صاحب الأنيس المطرب فيمن لقيته من أدباء المغرب، في ترجمة الأديب أبي عبد الله محمد البوعصامي، أنه أخبره أن علم الموسيقى كان في الصدر الأول عند من يعلم مقداره من أجل العلوم، ولم يكن يتناوله سوى أعيان العلماء واشرافهم. وذكر عنه أيضا أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان له اليد الطولى في العلوم، إلا أنه غلبت عليه شهرة الموسيقى، وأن الرشيد خرج يوما للعلماء وأمر بإحضارهم، وإدخال كل طبقة وحدها، وجعلوا يدخلون زمرا فكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي، كلما دخلت طائفة دخل معها فكان يقبض نصيبه مع كل طائفة حتى تردد إلى سفرة العطاء ٢٤ مرة انظر ص ١٦٣ منه.
قلت: ونحوه في ترجمة أبي الأسود الدؤلي من الإصابة قال: كان يعدّ في التابعين والشعراء، والفقهاء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء والنحاة، والحاضري الجواب والشيعة والصلع والبخر والبخلاء اهـ.
ذكر قينة غنت بين يدي رسول الله ﷺ عن إذنه لتسمع أم المؤمنين عائشة
روى النسائي عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقال: يا عائشة تعرفين هذه؛ قلت لا يا نبي الله قال: هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك فغنتها «١» .
قلت: ترجم النسائي على هذا الحديث في سننه باب: إطلاق الرجل لزوجته سماع الغناء والضرب بالدف قال الأدفوي في الإمتاع: وسنده صحيح، وكذا قال الحافظ الشوكاني قال الأدفوي؛ وروينا هذا الحديث في معجم الطبراني الكبير، وهذا الحديث قوي الدلالة على إباحة الغناء من الرجال والنساء، وقوله: قينة يدل على أن هذه كانت صنعتها الغناء، فإن لفظة قينة مشهورة في ذلك، واستدعاء النبي ﷺ عن عائشة محبة أن تغنيها، ولم تسأله هي ذلك، وإنما ابتدأها به. وغناؤها لعائشة بحضرته ﵇ كل ذلك صريح في الإباحة اهـ.
стр. 453
قلت: ولكن تمام الحديث عند النسائي أنها لما غنت لعائشة قال النبي ﷺ : قد نفخ الشيطان في منخريها فانظر لم لم يتمم سياقه عن النسائي الخزاعي هنا والله اعلم.
ذكر الغناء والإنشاد
ذكر أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب، وابن قدامة في الإستبصار، في ترجمة خوّات بن جبير الصحابي المعروف قال: خرجنا حجّاجا مع عمر فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف فقال القوم: غننا من شعر ضرار. فقال عمر:
دعونا من شعر ضرار، فليغن من بنيات فؤاده، يعني من شعره قال: فما زلت أغنيهم حتى كان السحر. فقال عمر: إرفع لسانك يا خوات فقد سحرنا، وساق هذه القصة في الإصابة من طريق السراج في تاريخه، وفي الصحيح: عن بلال أنه رفع عقيرته ينشد شعرا قال ابن بطال كما في ءرشاد ابن غازي: هذا النوع من الغناء هو نشيد الأعراب للشعر بصوت رفيع.
قال الطبري: هذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع، وهو الذي غنت به الجاريتان في بيت رسول الله ﷺ ، فلم ينه عنه. وقال عروة بن الزبير: نعم زاد الراكب الغناء نصبا. وقال عمر: الغناء من زاد الراكب ورأى أسامة بن زيد واضعا إحدى رجليه على الآخرى يغني النصب، قال الطبري: وهو الإنشاد بصوت رفيع، وفعل هذا اليوم هو المسمى بالسماع، وصاحبه بالمسمع وكان يقال له في القديم: المغني.
قال ابن غازي وهو القوّال المسمع اهـ وفي القاموس: والمغبرة قوم يغبرون لذكر الله أي يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها، سموا بذلك لأنهم يرغبون الناس في المغابرة إلى الباقية اهـ.
وفي كشف القناع على متن الإقناع من كبار كتب الحنابلة إثر ما ذكر: وفي المستوعب منع من اطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه، لأنه شعر ملحن كالحداء والحدو للإبل ونحوه.
ونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم قوما أفضل منهم، قيل: إنهم يسمعون ويتواجدون. قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه؟ قال: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:
٤٧] اهـ منه.
ما كان يقوله الذين يذهبون بالعروس لدار زوجها
ترجم في الإصابة لفارعة بنت أبي أمامة الأنصارية، فذكر أنه لما كانت الليلة التي زفت فيها قال لهم النبي ﷺ قولوا:
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
وأخرجه ابن الأثير من طريق المعافى بن عمران: أنه روى في تاريخه عن عائشة
стр. 454
قالت: أهديناا يتيمة من الأنصار، فلما رجعنا قال النبي ﷺ : ما قلتم: قلنا: سلمنا وانصرفنا. قال إن الأنصار قوم يعجبهم الغزل ألا قلت يا عائشة:
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
وترجم في الإصابة لأم نبيط فرفع فيها إسناده لقصة لطيفة، أردت أن أربط سندي به، ثم أسوقها عنه موصولة فأقول:
أخبرنا مسند الشام عبد الله بن درويش السكري الدمشقي شفاها عام ١٣٢٤ عن مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، عن مصطفى الرحمتي أنا الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، أخبرنا نجم الدين محمد بن بدر الدين الغزي العامري، عن أبيه عن شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري أخبرنا شيخ الحفاظ ابن حجر قال: قرأت على فاطمة بنت المنجا عن سليمان بن حمزة وأبي نصر الشيرازي وإسماعيل بن يوسف بن مكتوم قالوا: أخبرنا أبو يعمر حمزة بن علي بن الحسن أخبرنا القاسم ابن أبي العلاء حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، حدثنا عتبة بن الزبير من ولد كعب بن مالك، أنا محمد بن عبد الخالق حدثنا عبد الرحمن بن نبيط عن أبيه هو نبيط عن جابر عن جدته أم نبيط قالت:
أهديناا جارية لنا من بني النجار إلى زوجها؛ فكنت مع نسوة من بني النجار ومعي دف أضرب به وأنا أقول.
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم
ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم
قالت: فوقف علينا رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا أم نبيط فقلت بأبي أنت وأمي يا نبي الله جارية منا من بني النجار نهديها إلى زوجها قال: فتقولين ماذا؟ قالت فأعدت عليه قولي فقال رسول الله ﷺ قولي:
ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاراكم
قال الحافظ هذا حديث غريب، أخرجه ابن منده وأخرجه ابن الأثير عن أبي البركات ابن عساكر، عن محمد بن الجليل بن فارس عن أبي القاسم بن أبي العلاء، فكان شيخنا سمعه منه.
وقال أبو نعيم: تقدم ذكره يعني في ترجمته وذكر أبو نعيم أن اسمها نائلة بنت الحسحاس، وقد ذكرتها في حرف النون وأهملها وهي على شرطه اهـ.
ذكر لعب الحبشة بحرابهم فرحا بقدوم النبي ﷺ
أخرج أبو داود عن أنس لما قدم النبي ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه ﵇. [انظر كتاب الأدب باب ٥١ ص ٢٢١/ ٥] .
стр. 455
لعب البنات مع عائشة
في المواهب كان ﵇ يرسل إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها رواه الشيخان اهـ. [البخاري كتاب الأدب ج ٧/ ١٠٢
لعبها بالتماثيل مع البنات
في الصحيح «١» : عن عائشة قالت كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان النبي ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي.
قال في المشارق: البنات هي اللعب والصور شبه الجواري التي يلعب بها الصبيان اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات من اللعب، لأجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض. ونقله عن الجمهور. وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن في صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ اهـ.
وروى أحمد عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: هذا خيل سليمان. قالت: فجعل يضحك من قولها. قال الإمام أحمد غريب.
وفي الصحيح أنها كانت في متاع عائشة لما تزوجها ﷺ . قال ابن حزم كما نقله السفاريني: وجائز للصبيان خاصة اللعب بالصور، ولا يجوز لغيرهم، والصور محرمة إلا هذه وإلا ما كان رقما في ثوب. ونقل أيضا عن الأحكام السلطانية في فصل والي الحسبة:
وأما اللعب فليس يقصد به المعاصي، وإنما يقصد به إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير يقاربه معصية بتصوير ذوات الأرواح ومشابهة الأصنام فلا تمكن منها، وبحسب ما تقتضيه شواهد الحال يكون إقراره أو انكاره؛ يعني إن كانت قرينة الحال تقتضي المصلحة أقره وإلا أنكره انظر شرح قول المرداوي:
وحلّ شراء لليتيمة لعبة ... بلا راس أن تطلب وبالراس فاصدد
ولا تشتري ما كان من ذاك صورة ... ومن ماله لا مالها في المجرد
وأما مذهبنا فالتوسعة؛ ففي الفجر الساطع على باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك واستثنى العلماء من ذلك لعب الجواري، فأجازوا اتخاذها وبيعها، ولم يغيروا سوقها لأن المصطفى ﵇ أقر عائشة على اتخاذها لما فيه من تدريب الصبيان على تربية الأولاد ولكن كره الإمام مالك للرجل أن يشتري ذلك لابنه أي أنه ليس من أخلاق ذوي المروءة لا أنه كره اللعب بها هذا معناه قاله عياض وأقره الآبي اهـ.
стр. 456
وفي الآبي قال عياض في قول عائشة: كنت ألعب بالبنات. الحديث: فيه جواز اللعب بها وتخصيص النهي عن اتخاذ الصور، لما فيها من تدريب النساء في صغرهن على النظر في بيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعها وشراءها.
رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه ﵇
جاء الحبشة بحرابهم يلعبون في المسجد، فكان المصطفى ﷺ يريهم لعائشة، وهي متكئة على منكبه. خرّجه البخاري «١» في مواضع منها: باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة من كتاب النكاح، وفي ترجمة انس من مسند أحمد: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله ﷺ ويرقصون ويقولون: محمد عبد صالح فقال رسول الله ﷺ ما يقولون؟
قالوا: يقولون: محمد عبد صالح اهـ انظر ص ١٥٢ من ج ٣.
وفي جامع الترمذي «٢» بلفظ: قام ﷺ فإذا حبشية تزفن بفتح الفوقية وسكون الزاي وكسر الفاء وبالنون ترقص والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلت أنظر إليها [أي إلى الحبشية] ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: أما شبعت أما شبعت؟ فجعلت أقول: لا لا وقال حسن صحيح غريب.
قال الزرقاني في شرح المواهب ص ٣١١ من ج ٤ لعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلمه فتنقله بعد للناس اهـ واصله لابن بطال قال: يمكن أن يكون تركها لتنظر اللعب بالحراب لتضبط السنة في ذلك، وتنقل الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من ابناء المسلمين، وتعرفهم بذلك اهـ نقله عنه شارح الإحياء.
وقال القاضي عياض: فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي ﷺ على إقراراهم أن أغراهم اهـ. نقله المواق في سنن المهتدين والونشريسي في المعيار، وأقراه وإذا علمت كما سبق عن مسند أحمد أنهم كانوا يرقصون ويقولون: محمد عبد صالح ظهر لك أن تسميته لعبا تجوّز، وإلا فذكر المصطفى لا يكون معه اللعب، وإنما يكون في الجد. وانظر لقول الغزالي في كتاب السماع من الأحياء:
واجب أن يصان القرآن عن الضرب بالدف ونحوه، لأن صورة هذه الأمور صورة اللهو واللعب، والقرآن جدّ كله، فلا يجوز أن يمزج بالحق المحض ما هو لهو عند العامة، وصورته صورة اللهو عند الخاصة، وإن كانوا لا ينظرون إليها من حيث إنها لهو؛ ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرآن ليلة العرس، ولما دخل رسول الله ﷺ بيت الربيّع بنت معوّذ بن عفراء وعندها جوار يغنين، فسمع احداهين تقول: وفينا نبي يعلم ما في غد، على وجه الغناء فقال ﵇: دعي هذا وقولي ما كنت تقولين. وهذه شهادة بالنبوة،
стр. 457
فزجرها عنها، وردها إلى الغناء الذي هو لهو. ولأن هذا جدّ محض فلا يقرن بصورة اللهو. فواجب في الإحترام العدول إلى الغناء عن القرآن، كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء اهـ منها ونحوه لابن التين السفاقسي في شرحه على الصحيح.
ونظيره ما سبق في باب ذكر ما كانوا يغنون به فانظره، وفي الإرشاد للقسطلاني على قصة الربيع هذه: وقوله دعي هذه وقولي الخ ما نصه: فإن مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلا هو، وأيضا يحتمل أن يكون الممنوع أن يوصف ﵇ أثناء اللعب واللهو، إذ منصبه أجلّ واشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد اهـ.
وكذلك نقول هنا: لو كان فعل الحبشة مجرد لعب لنهاهم ﵇ أن يقولوا وهم يلعبون: محمد عبد صالح. وحيث لم ينههم، بل أقرهم وأغراهم فهو ذكر قصد به التعبد وطاعة، وإظهار الفرح بالله وبرسوله، فلذلك أقرّهم ﵇ وعجب من فعلهم ونالوا غاية الرضى منه.
وفي الشفا: كان السلف الصالح تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره ﵇ اهـ.
ومن جواب للشيخ أبي السعود الفاسي أن النبي ﷺ لا يحل أن يذكر إلا على قصد الثواب، ومواضع الفرجة فيجل ذكره عن ذلك كله اهـ.
وأما قول الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات اللهو، وطعن فيه الجمهور لاختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو. ففيه نظر لأن رقص القوم ليس من اللهو واللعب ولذا قال شيخنا أبو عبد الله محمد الفضيل الشبيهي في الفجر الساطع إثره: وفيه نظر، فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو، وحاشاهم من قصد ذلك، وانما قصدهم به الإجتماع على الذكر، والإقبال عليه بالقلب والقالب، واستغراق الجوارح كلها فيه وهو قصد صحيح، لما جاء من الترغيب في الإكثار من الذكر على أي حال كان الذاكر، فلا طعن في الإستدلال عليه برقص واقع لمقصد صحيح أيضا اهـ منه.
أقول: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام، وهو مشروع بنص القرآن: اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، وتمايل واهتزاز وهو منقول عن الصحابة، فقد خرّج أبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام، ثم ترجع إلى وراء انظر تأليف الرقص لشيخنا الأستاذ الوالد، وهو مطبوع واختصاره لشيخنا أبي العباس ابن الخياط الزكاري، وذيلنا على الأصل، ورسالة الحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي في المسألة وهي
стр. 458
مطبوعة بفاس أيضا. وللحافظ أبي بكر ابن أبي الدنيا الشهير كتاب: الوجد ذكره له ابن سليمان الرداني في حرف الواو من صلته. وانظر باب الحجل فيما سيأتي.
قوله ﵇ اقدروا قدر الجارية الحديثة السن
خرّج أحمد «١» في مسنده عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه؛ لأنظر إلى لعبهم من بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو. وفيه عن عائشة أيضا قالت: كنت ألعب باللعب فيأتي صواحبي فإذا دخل رسول الله فررن منه، فيأخذهن رسول الله فيردهن إلي. قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب السماع من الإحياء، بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام، وفيها دلالة على أنواع من الرخص:
الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.
والثاني فعل ذلك في المسجد.
الثالث قوله ﵇: دونكم يا بني أرفدة، وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقرر كونه حراما؟
والرابع: منعه لأبي بكر وعمر من الإنكار والتغيير، وتعليله بأنه يوم عيد أو وقت سرور.
والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك، وسماعه لموافقة عائشة وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الإمتناع.
السادس قوله ﵇: أتشتهين أن تنظري، ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة.
والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين، مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان، وفيه بيان إن المزمار المحرم غير ذلك.
الثامن أن رسول الله ﷺ كان يقرع سمعه صوت الجاريتين، وهو مضطجع فيدل هذا على أن صوت النساء إنما يحرم عند خوف الفتنة. فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف، واللعب بالدرق والحراب، والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد اهـ.
стр. 459
باب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم
ترجم البخاري في الأدب المفرد: باب لعب الصبيان، حدثنا موسى حدثنا عبد العزيز قال؛ حدثني شيخ من أهل الخير يكنى أبا عقبة قال: مررت مع ابن عمر مرة في الطريق، فمر بالحبش فرآهم يلعبون، فأخرج درهمين فأعطاهم. وفي الحسام المسنون في نصرة أهل السر المكنون لأبي عبد الله بن سودة، عن عكرمة لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت الدعوة لللعابين، فلعبوا فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم.
المسابقة
تقدم السباق في الخيل، وفي المواهب روي أنه ﷺ سابق زوجته عائشة في سفر فسبقته لخفة جسمها، ثم سابقها بعد ذلك في سفر آخر وقد سمنت فسبقها فقال ﵇ مطيبا لخاطرها: هذه بتلك،
وخرج أحمد «١» عنها قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض اسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: حتى أسابقك فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى حملت اللحم وبدنت وسمنت وخرجت معهه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا فقال أسابقك فسبقني فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك.
ورواه أبو داود «٢» والنّسائي وابن ماجه من حديث عائشة، قاله في المغني.
قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: أترى رسول الله ﷺ لما كان ينبسط مع عياله ويسابق عائشة أكان خارجا عن الأنس بالله؟ اهـ.
وفي ترجمة واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من طبقات ابن سعد عن نافع قال:
مات واقد بن عبد الله بالسقيا فصلى عليه ابن عمر ودفنه، ثم دعا الأعراب فجعل يسبق بينهم فقلت: دفنت واقدا الساعة وأنت تسبق بين الأعراب؟ قال: ويحك يا نافع، إذا رأيت الله قد غلب على أمر فاله عنه.
المصارعة
ذكر ابن اسحاق في سيرته وغيره أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع، وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، بينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة، إذا لقيه النبي ﷺ فقال له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ فقال له: يا محمد هل لك من شاهد على صدقك؟ قال: نعم، أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟
قال: نعم يا محمد. فقال له تهيأ للمصارعة، فقال: تهيأت فدنا منه رسول الله ﷺ فصرعه.
стр. 460
قال؛ فتعجب ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب رواه أبو نعيم والبيهقي، عن أبي أمامة من طريقين: مرفوعا ومرسلا.
وركانة المذكور هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المكي الصحابي الذي أسلم عام الفتح. وتوفي في المدينة في خلافة معاوية عام ٤٢. وكان شديد البأس قويا جسيما معروفا بالقوة في المصارعة بحيث إنه لم يصرعه أحد قط ولم يمس جلده الأرض مغلوبا قط، وقد صح أنه ﷺ صارعه فصرعه، قاله الخفاجي في النسيم. وفي حواشي ابن الطيب الفاسي على القاموس في ركانة: قصته مشهورة وصرع النبي ﷺ إياه من اعظم معجزاته، وكان ركانة أصرع أهل زمانه، وكان من شدته أنه يقف على جلد بعير لين جيد حين سلخه، فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه، كما في شروح الشفا والمواهب وغيرهما اهـ.
قلت: قصة ركانة المذكورة رواها الحاكم في مستدركه، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة المصارع عن أبيه محمد لكن قال الحافظ ابن حجر في التقريب أبو جعفر بن محمد بن ركانة مجهول ومحمد بن ركانة قال عنه أيضا فيه مجهول، ووهم من ذكره من الصحابة، وروى المصارعة أبو داود والترمذي «١» : من طريق أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد ابن ركانة عن أبيه، أن ركانة صارع النبي ﷺ قال الترمذي: غريب وليس إسناده بالقائم. وقال ابن حبان في إسناد خبره في المصارعة نظر لا أعتمد على إسناد خبره قاله في الإصابة. وقد صارع ﷺ كما في المواهب جماعة غير ركانة منهم ابنه يزيد بن ركانة ومنهم أبو الأسود الجمحي كما قال السهيلي. ورواه البيهقي وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتفرك الجلد ويتقطع ولا يتزحزح عنه، فدعا المصطفى ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك فصرعه رسول الله ﷺ اهـ.
وقال الحفني في حواشي شرح ابن حجر علي الهمزية قيل: وصارع أبا جهل ولكن لم يصح اهـ واصله للبرهان الحلبي في المقتفى، كما نقله عنه الخفاجي في نسيم الرياض في موضع. وفي محل آخر نقله عن المقدسي.
وعندي رسالة لطيفة للحافظ السيوطي سماها المسارعة إلى المصارعة، ذكر فيها مصارعة النبي ﷺ لأبي ركانة من طرق، ومصارعة صغار الصحابة فيما بينهم لينجحوا في الأذن لهم في شهود الغزو، وأن أهل مكة كانوا لا يصارعون أحدا إلّا صرعوه، حتى رغبوا عن ماء زمزم. ومن طرق: مصارعة الحسن للحسين ﵉، بمرأى منه ﷺ . وقال