← Сияса и кади

Сияса и кади · id 23688

التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية

عبد الحي الكتاني المغربي

Полный текст (682 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وفي الآبي قال عياض في قول عائشة: كنت ألعب بالبنات. الحديث: فيه جواز اللعب بها وتخصيص النهي عن اتخاذ الصور، لما فيها من تدريب النساء في صغرهن على النظر في بيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعها وشراءها. رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه ﵇ جاء الحبشة بحرابهم يلعبون في المسجد، فكان المصطفى ﷺ يريهم لعائشة، وهي متكئة على منكبه. خرّجه البخاري «١» في مواضع منها: باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة من كتاب النكاح، وفي ترجمة انس من مسند أحمد: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله ﷺ ويرقصون ويقولون: محمد عبد صالح فقال رسول الله ﷺ ما يقولون؟ قالوا: يقولون: محمد عبد صالح اهـ انظر ص ١٥٢ من ج ٣. وفي جامع الترمذي «٢» بلفظ: قام ﷺ فإذا حبشية تزفن بفتح الفوقية وسكون الزاي وكسر الفاء وبالنون ترقص والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلت أنظر إليها [أي إلى الحبشية] ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: أما شبعت أما شبعت؟ فجعلت أقول: لا لا وقال حسن صحيح غريب. قال الزرقاني في شرح المواهب ص ٣١١ من ج ٤ لعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلمه فتنقله بعد للناس اهـ واصله لابن بطال قال: يمكن أن يكون تركها لتنظر اللعب بالحراب لتضبط السنة في ذلك، وتنقل الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من ابناء المسلمين، وتعرفهم بذلك اهـ نقله عنه شارح الإحياء. وقال القاضي عياض: فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي ﷺ على إقراراهم أن أغراهم اهـ. نقله المواق في سنن المهتدين والونشريسي في المعيار، وأقراه وإذا علمت كما سبق عن مسند أحمد أنهم كانوا يرقصون ويقولون: محمد عبد صالح ظهر لك أن تسميته لعبا تجوّز، وإلا فذكر المصطفى لا يكون معه اللعب، وإنما يكون في الجد. وانظر لقول الغزالي في كتاب السماع من الأحياء: واجب أن يصان القرآن عن الضرب بالدف ونحوه، لأن صورة هذه الأمور صورة اللهو واللعب، والقرآن جدّ كله، فلا يجوز أن يمزج بالحق المحض ما هو لهو عند العامة، وصورته صورة اللهو عند الخاصة، وإن كانوا لا ينظرون إليها من حيث إنها لهو؛ ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرآن ليلة العرس، ولما دخل رسول الله ﷺ بيت الربيّع بنت معوّذ بن عفراء وعندها جوار يغنين، فسمع احداهين تقول: وفينا نبي يعلم ما في غد، على وجه الغناء فقال ﵇: دعي هذا وقولي ما كنت تقولين. وهذه شهادة بالنبوة،

стр. 457

فزجرها عنها، وردها إلى الغناء الذي هو لهو. ولأن هذا جدّ محض فلا يقرن بصورة اللهو. فواجب في الإحترام العدول إلى الغناء عن القرآن، كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء اهـ منها ونحوه لابن التين السفاقسي في شرحه على الصحيح. ونظيره ما سبق في باب ذكر ما كانوا يغنون به فانظره، وفي الإرشاد للقسطلاني على قصة الربيع هذه: وقوله دعي هذه وقولي الخ ما نصه: فإن مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلا هو، وأيضا يحتمل أن يكون الممنوع أن يوصف ﵇ أثناء اللعب واللهو، إذ منصبه أجلّ واشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد اهـ. وكذلك نقول هنا: لو كان فعل الحبشة مجرد لعب لنهاهم ﵇ أن يقولوا وهم يلعبون: محمد عبد صالح. وحيث لم ينههم، بل أقرهم وأغراهم فهو ذكر قصد به التعبد وطاعة، وإظهار الفرح بالله وبرسوله، فلذلك أقرّهم ﵇ وعجب من فعلهم ونالوا غاية الرضى منه. وفي الشفا: كان السلف الصالح تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره ﵇ اهـ. ومن جواب للشيخ أبي السعود الفاسي أن النبي ﷺ لا يحل أن يذكر إلا على قصد الثواب، ومواضع الفرجة فيجل ذكره عن ذلك كله اهـ. وأما قول الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات اللهو، وطعن فيه الجمهور لاختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو. ففيه نظر لأن رقص القوم ليس من اللهو واللعب ولذا قال شيخنا أبو عبد الله محمد الفضيل الشبيهي في الفجر الساطع إثره: وفيه نظر، فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو، وحاشاهم من قصد ذلك، وانما قصدهم به الإجتماع على الذكر، والإقبال عليه بالقلب والقالب، واستغراق الجوارح كلها فيه وهو قصد صحيح، لما جاء من الترغيب في الإكثار من الذكر على أي حال كان الذاكر، فلا طعن في الإستدلال عليه برقص واقع لمقصد صحيح أيضا اهـ منه. أقول: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام، وهو مشروع بنص القرآن: اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، وتمايل واهتزاز وهو منقول عن الصحابة، فقد خرّج أبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام، ثم ترجع إلى وراء انظر تأليف الرقص لشيخنا الأستاذ الوالد، وهو مطبوع واختصاره لشيخنا أبي العباس ابن الخياط الزكاري، وذيلنا على الأصل، ورسالة الحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي في المسألة وهي

стр. 458

مطبوعة بفاس أيضا. وللحافظ أبي بكر ابن أبي الدنيا الشهير كتاب: الوجد ذكره له ابن سليمان الرداني في حرف الواو من صلته. وانظر باب الحجل فيما سيأتي. قوله ﵇ اقدروا قدر الجارية الحديثة السن خرّج أحمد «١» في مسنده عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه؛ لأنظر إلى لعبهم من بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو. وفيه عن عائشة أيضا قالت: كنت ألعب باللعب فيأتي صواحبي فإذا دخل رسول الله فررن منه، فيأخذهن رسول الله فيردهن إلي. قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب السماع من الإحياء، بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام، وفيها دلالة على أنواع من الرخص: الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب. والثاني فعل ذلك في المسجد. الثالث قوله ﵇: دونكم يا بني أرفدة، وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقرر كونه حراما؟ والرابع: منعه لأبي بكر وعمر من الإنكار والتغيير، وتعليله بأنه يوم عيد أو وقت سرور. والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك، وسماعه لموافقة عائشة وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الإمتناع. السادس قوله ﵇: أتشتهين أن تنظري، ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة. والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين، مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان، وفيه بيان إن المزمار المحرم غير ذلك. الثامن أن رسول الله ﷺ كان يقرع سمعه صوت الجاريتين، وهو مضطجع فيدل هذا على أن صوت النساء إنما يحرم عند خوف الفتنة. فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف، واللعب بالدرق والحراب، والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد اهـ.

стр. 459

باب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم ترجم البخاري في الأدب المفرد: باب لعب الصبيان، حدثنا موسى حدثنا عبد العزيز قال؛ حدثني شيخ من أهل الخير يكنى أبا عقبة قال: مررت مع ابن عمر مرة في الطريق، فمر بالحبش فرآهم يلعبون، فأخرج درهمين فأعطاهم. وفي الحسام المسنون في نصرة أهل السر المكنون لأبي عبد الله بن سودة، عن عكرمة لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت الدعوة لللعابين، فلعبوا فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم. المسابقة تقدم السباق في الخيل، وفي المواهب روي أنه ﷺ سابق زوجته عائشة في سفر فسبقته لخفة جسمها، ثم سابقها بعد ذلك في سفر آخر وقد سمنت فسبقها فقال ﵇ مطيبا لخاطرها: هذه بتلك، وخرج أحمد «١» عنها قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض اسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: حتى أسابقك فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى حملت اللحم وبدنت وسمنت وخرجت معهه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا فقال أسابقك فسبقني فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك. ورواه أبو داود «٢» والنّسائي وابن ماجه من حديث عائشة، قاله في المغني. قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: أترى رسول الله ﷺ لما كان ينبسط مع عياله ويسابق عائشة أكان خارجا عن الأنس بالله؟ اهـ. وفي ترجمة واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من طبقات ابن سعد عن نافع قال: مات واقد بن عبد الله بالسقيا فصلى عليه ابن عمر ودفنه، ثم دعا الأعراب فجعل يسبق بينهم فقلت: دفنت واقدا الساعة وأنت تسبق بين الأعراب؟ قال: ويحك يا نافع، إذا رأيت الله قد غلب على أمر فاله عنه. المصارعة ذكر ابن اسحاق في سيرته وغيره أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع، وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، بينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة، إذا لقيه النبي ﷺ فقال له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ فقال له: يا محمد هل لك من شاهد على صدقك؟ قال: نعم، أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم يا محمد. فقال له تهيأ للمصارعة، فقال: تهيأت فدنا منه رسول الله ﷺ فصرعه.

стр. 460

قال؛ فتعجب ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب رواه أبو نعيم والبيهقي، عن أبي أمامة من طريقين: مرفوعا ومرسلا. وركانة المذكور هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المكي الصحابي الذي أسلم عام الفتح. وتوفي في المدينة في خلافة معاوية عام ٤٢. وكان شديد البأس قويا جسيما معروفا بالقوة في المصارعة بحيث إنه لم يصرعه أحد قط ولم يمس جلده الأرض مغلوبا قط، وقد صح أنه ﷺ صارعه فصرعه، قاله الخفاجي في النسيم. وفي حواشي ابن الطيب الفاسي على القاموس في ركانة: قصته مشهورة وصرع النبي ﷺ إياه من اعظم معجزاته، وكان ركانة أصرع أهل زمانه، وكان من شدته أنه يقف على جلد بعير لين جيد حين سلخه، فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه، كما في شروح الشفا والمواهب وغيرهما اهـ. قلت: قصة ركانة المذكورة رواها الحاكم في مستدركه، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة المصارع عن أبيه محمد لكن قال الحافظ ابن حجر في التقريب أبو جعفر بن محمد بن ركانة مجهول ومحمد بن ركانة قال عنه أيضا فيه مجهول، ووهم من ذكره من الصحابة، وروى المصارعة أبو داود والترمذي «١» : من طريق أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد ابن ركانة عن أبيه، أن ركانة صارع النبي ﷺ قال الترمذي: غريب وليس إسناده بالقائم. وقال ابن حبان في إسناد خبره في المصارعة نظر لا أعتمد على إسناد خبره قاله في الإصابة. وقد صارع ﷺ كما في المواهب جماعة غير ركانة منهم ابنه يزيد بن ركانة ومنهم أبو الأسود الجمحي كما قال السهيلي. ورواه البيهقي وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتفرك الجلد ويتقطع ولا يتزحزح عنه، فدعا المصطفى ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك فصرعه رسول الله ﷺ اهـ. وقال الحفني في حواشي شرح ابن حجر علي الهمزية قيل: وصارع أبا جهل ولكن لم يصح اهـ واصله للبرهان الحلبي في المقتفى، كما نقله عنه الخفاجي في نسيم الرياض في موضع. وفي محل آخر نقله عن المقدسي. وعندي رسالة لطيفة للحافظ السيوطي سماها المسارعة إلى المصارعة، ذكر فيها مصارعة النبي ﷺ لأبي ركانة من طرق، ومصارعة صغار الصحابة فيما بينهم لينجحوا في الأذن لهم في شهود الغزو، وأن أهل مكة كانوا لا يصارعون أحدا إلّا صرعوه، حتى رغبوا عن ماء زمزم. ومن طرق: مصارعة الحسن للحسين ﵉، بمرأى منه ﷺ . وقال

стр. 461

في نسيم الرياض على حديث ركانة: يقتضي جواز المصارعة إلا أنهم قالوا: بالمال حرام، كالمسابقة عليه أو أنه من خصائصه ﵇. تتمة وكان لركانة المذكور ابنه يزيد وابن ابنه علي، وكانت لهما قوة زائدة كأبيهما ركانة، وقد صارع يوما يزيد بن معاوية عليا هذا فصرعه عليّ صرعة لم يسمع بمثلها، وكان يزيد من أشد العرب، ثم حمل معاوية بعد ذلك عليا على فرس جموح لا يطاق، فعلم علي ما يراد به فلما جمح الفرس به ضم عليه فخذه ضمة انفتق به الفرس فمات. وذكر عنه أيضا أنه تأبط رجلين باليدين، ثم جرى بهما وهما تحت إبطه حتى صاحا: الموت الموت فأطلقهما. كذا في ابن التلمساني على الشفا. حجل بعض كبار الصحابة بين يديه ﷺ في الصحيح «١» أنه ﵇ قال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وفي التوشيح زاد ابن سعد من مراسيل الباقر فقال جعفر: فحجل حول رسول الله ﷺ ، أي دار فقال له النبي ﷺ : ما هذا؟ قال: شيء رأيت الحبشة يفعلونه لملوكهم. وفي طريق آخر: أن الثلاثة فعلوا ذلك والحجل بحاء فجيم فلام كسبب رقص على هيئة مخصوصة اهـ. وفي تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي: اختصم علي وجعفر وزيد بن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل، وقال لجعفر أشبهت خلقي فحجل، وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل الحديث. أخرجه أبو داود من حديث علي بإسناد حسن وهو عند البخاري «٢» دون ذكر الحجل. [ورواه أحمد ج/ ١ ص ١٠٨] . قال الحافظ السيوطي في الحاوي، لما تكلم على مسألة الرقص، بعد أن ذكر حجل من ذكر، عن مسند أحمد وذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه ﷺ ، فكان هذا أصلا في رقص الصوفية، يدركونه من لذة المواجيد اهـ. حبس الطير للعب الصبيان به قال أنس: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على رسول الله ﷺ ذات يوم حزينا فقال: ما شأنه؟ قال: مات نغزه. فقال له يا أبا عمير ما فعل النغير؟ خرّجه البخاري «٣» ومسلم والترمذي. قال الجوهري: النغير تصغير نغر، بوزن رطب. وهو طائر صغير كالعصفور. وقيل

стр. 462

فراخ العصافير. قال عياض: والراجح أنه طائر أحمر المنقار، وأهل المدينة يسمونه البلبل. وقد أكثر الناس من استنباط الأحكام من هذا الحديث، وزاد أبو العباس بن القاص من الشافعية على مائة، وأفردها في جزء وقال ابن غازي: حدثني أبو الحسن ابن منون أنه بلغه أنه أي ابن الصباغ أملى في درسه بمكناس على حديث أبي عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة. وكان آخر ما أقرأ بها. قال وكنت تأملت هذا الحديث فانقدح لي زهاء مائتين وخمسين من الفوائد، فقيّدت رسومها ولم أجد فراغا لبسطها: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها اهـ وانظر ج ٤ من نفح الطيب، وترجمة أبي عبد الله بن الصباغ المكناسي من كفاية المحتاج لأبي العباس السوداني. وقال ابن غازي أيضا في حواشيه على الصحيح: مرّ بنا أن بعض العلماء استنبط منها زهاء ثلاثمائة فائدة، وسمعت من يذكر عن أبي الفضل ابن الصباغ المكناسي بلديّنا أكثر من ذلك، وكنت أعملت فيه الفكر فرسمت في مبيضة فوائد ما يزيد على المائتين، إلا أنها لا يخلو بعضها من تداخل والله أعلم اهـ. وفي حواشي ابن الشاط على مسلم لدى حديث الترجمة عن عياض فيه جواز لعب الصغير بالطيّر، ومعنى هذا اللعب عند العلماء إمساكه وتلهيته بمسكه لا بتعذيبه وعبثه. وقال الشيخ أبو علي بن رحال في باب الغصب، بعد أن ذكر أنه أخذ من المدونة جواز حبس الطير في القفص ما نصه: وما ذكر من حبس الطير إنما هو إذا لم يكن فيه تعذيب أو تجويع أو تعطيش، ولو بمظنة الغافلة عنه، أو بحبسه مع طير آخر ينقب رأسه، كما تفعله الديوك في الأقفاص، ينقب بعضها رأس بعض، حتى إن الديك يقتل آخر وهذا كله حرام بإجماع؛ لأن تعذيب الحيوان لغير فائدة لا يختلف في تحريمه. والفائدة يتأتى وجودها بلا تعذيب، وهذا إن كان يحبسه وحده أو مع لا ينقبه، أو يعمل بينهما حائلا، بحيث لا يصل بعضه إلى بعض، ويتفقده بالأكل والشرب، كما يتفقد أولاده ويضع للطير ما يركب عليه كخشبة. وأما أن يضعه على الأرض بلا شيء فذلك يضر به غاية في البرد. وهذه الأمور لا تحتاج إلى جلب نص فيها لوضوحها، وكم رأينا من يعذب الدجاج في الأقفاص على وجوه مختلفة من أنواع العذاب، وكذا حبس الكبش بلا أكل ولا شرب أو بغل، يربطه في موضع ويغلق عليه حتى يكاد يموت جوعا. ومن لا رحمة فيه لا يعتبر في الدفع عن الدواب إلا ما يقتلها أو يضعف بدنها. وأما عذابها في نفسها إذا سلمت مما ذكر فلا يبالي به. وذلك كله حرام وعقوبة في الدنيا والآخرة إن لم يعف الله، فإن هذه الحيوانات غير الإنسان لا تتكلم، فلا تنادي أنها في الحاجة في كذا إن لم تكن رحمة من مالكها. ومن مازج الناس وأمعن النظر بقلبه وتفكر ورأى من عذابه الحيوانات من هذه الجهة من لا يسامح فيه، إلا من له مائة رحمة ثم قال: فالحاصل أن هذا باب من العقاب ترك كثير الهروب منه، فينبغي لمن فيه رحمة أن ينبه على هذا كل من لا يعرفه، ثم قال: وكثير من الناس يسمع مثلا أن الطير

стр. 463

يجوز حبسه وأن العصفور يجوز أن يلعب به ويستدل بحديث أبي عمير ما فعل النغير، ويعتمد على ذلك بلا شرط عدم تعذيبه وهذه مسألة عظيمة الأجر والعقاب، وكذا تحميل الدواب أكثر مما تقدر عليه بحسب العادة وغير ذلك، وذلك كله من نزع الرحمة من القلوب ولكن إنما يرحم الله من عباده الرحماء اهـ. وفي طبقات ابن سعد عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمّالا وقال: لم تحمل بعيرك ما لا يطيق. ووجدت في فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم: أن عمر كتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدا بلجام ثقيل من هذه الرستية، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة، وكتب عمر إلى حيان بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل. وفي عون الودود على سنن أبي داود على حديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) «١» الراحمون أي لمن في الأرض؛ من آدمي وحيوان لم يؤمر بقتله في الشفقة عليهم والاحسان إليهم اهـ. وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى ﵇ قال لنقاده ابن عبد الله بن خلف الأسدي: يا نقادة ابغ لي ناقة حلبانة ركبانة، ولا تولّها على ولد «٢» . وفيها أيضا في ترجمة سوادة بن الربيع الجرمي عنه قال: أتيت النبي ﷺ بأمي، فأمر لي بشياه وقال لها: مري بنيك أن يقلموا أظفارهم خشية أن يوجعوا أو يعبطوا ضروع الغنم، ومري بنيك أن يحسنوا غذاء رباعهم. وفي طبقات ابن سعد أن عمر بن الخطاب؛ كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك. ولما قال ابن رشد: يقضى للعبد على سيده إن قصّر عما يجب له عليه بالمعروف؛ في مطعمه وملبسه خلاف ما يملكه من الدواب، فإنه يؤمر بتقوى الله في إجاعتها ولا يقضى عليه بعلفها، ردّه مستعظما له حطاب المغرب الشيخ أبو علي بن رحال في باب النفقات، من شرح المختصر. بنص ابن عبد البر في الكافي، والرفق بالدواب في ركوبها، والحمل عليها، واجب سنة فإنها عجم لا تشكو وفي كل ذي كبد رطب أجر. هذا قول رسول الله ﷺ . فإذا كان في الأحسان إليها أجر، فكذلك في الإساءة إليها وزر. ولا يحمل على الدواب أكثر من طاقتها، ولا تضرب وجوهها، ولا تتخذ ظهورها كراسي، ولا تقلد الأجراس، ولا تستعمل ليلا إلا أن يروح عنها نهارا، ولا يحل حبس بهيمة مربوطة عن السرح والانتشار بغير علف ولا طعام. قال ابن رحال: فإن قول ابن رشد: الدابة لا يقضى

стр. 464

الخ يلزم ابن رشد أن الدابة إذا حمّلها مالكها ما لا تطيقه من الحمل أو اشتغل يعذبها عذابا شديدا، فلا فائدة أنه لا يقضى على المالك بترك ذلك، وأنه يترك هو واياها ويؤمر بتقوى الله فيها فقط. وذلك لا يحل أصلا مع مخالفة ذلك لكلام الناس، وحديث: (في كل ذي كبد رطبة أجر) رأيت أبا عمر قال: يلزم عليه أن الاساءة إليه فيها وزر، والوزر منكر، والمنكر يجب تغييره كما أشار إليه ابن عرفة، ولو كان الناس يزجرون بقول الإمام لهم: اتقوا الله في كذا ما شرعت الزواجر والقتل والسجون والتعزيرات الخ. كلام أبي علي بن رحال انظره لدى قول خ: إنما تجب نفقة رقيقة ودابته ما لم يكن مرعى، وإلا بيع كتكليفه من العمل ما لا يطيق، ويجوز من لبنها ما لا يضر نتاجها. فإن أبا علي جلب وحطب من الأنقال في المسألة ما يسوغ لنا أن نجعله في طليعة جمعيات الرفق بالحيوان العجم يتخذونه قدوة ونعم الأسوة، وإنما أطلت القول هنا لتعلم أن أهل الإسلام قبل بقرون تفطنوا لما تظاهرت به الآن، جميعات الرفق بالحيوان في أوروبا فخذه شاكرا. (لطيفة) كانت بالمدينة على عهد مالك ﵁ دار تعرف بدار قدامة، كان الناس يلعبون فيها بالحمام، وهي التي أشار إليها مالك حيث عاب على تلميذه ابن الماجشون سؤاله عن مسألة واضحة فقال له: أتعرف دار قدامة. قال ابن حارثة: كانت لابن الماجشون نفس أبية؛ كلّمه مالك يوما بكلمة خشنة فهجره عاما كاملا، استبعد عليه الفرق بين مسألتين فقال له: أتعرف دار قدامة؟ وكانت دارا يلعب فيها الأحداث بالحمام. وقال البرزلي قيل: إن مالكا رمى عبد الملك بدار قدامة، لأنه نسبه للصغر واللعب انظر تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطّاب وفتاوي الشيخ عليش ص ٢٦٧ ج ١. اتخاذ الوحش في المسكن في مسند أحمد ص ١١٢ من ج ٦ عن عائشة قالت: كان لآل النبي ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله ﷺ قد دخل ربض، فلم يرمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه. وروى ابن عدي عن جابر رفعه: إذا كان أحدكم في بيته وحده خاليا فليتخذ فيه زوج حمام. وروى الطبراني بسند جيد عن عبادة بن الصامت قال: اشتكى رجل إلى رسول الله ﷺ الوحشة. فقال له رسول الله ﷺ : اتخذ زوجا من حمام. وروى ابن السني وابن عساكر عن معاذ بن جبل؛ أن عليا كرم الله وجهه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة، فأمره أن يتخذ زوج حمام. ويذكر الله في هديره. وروى وكيع في الغرر وابن عدي عن علي أنه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة فقال له: ألا اتخذت زوجا من حمام، فانسك وأكلت من فراخه، أو اتخذت ديكا فانسك وأيقظك للصلاة. مهمة في طبقات ابن سعد عن جابر بن عبد الله: أمر النبي ﷺ بقتل كلاب المدينة، فأتاه ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إن منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر ولي كلب.

стр. 465

قال: فرخص لي أياما، ثم أمره بقتل كلبه. انظر ص ١٥٣ من ج ٤. وهذه المهمة أشبه بادخالها في باب الحسبة أو أبواب الصحة ولكن هاهنا كتبت وأثبتت. نهب اللوز والسكر ونثره في العرس أخرج أبو جعفر الطحاوي، والبيهقي في سننه «١» من حديث، لمازة بن المغيرة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل أن المصطفى ﵇ حضر إملاك رجل من الأنصار لم يسم، زاد في رواية العقيلي فخطب ﷺ ، وأنكح الأنصاري. وقال: على الألفة والخير والطائر الميمون. دففوا على رأسه فدفف عليه، فجاءت الجواري معهن الأطباق فيها اللوز والسكر، فنثر عليهم فأمسك القوم أيديهم فلم يمدوها إلى الأطباق فقال ﵇: ألا تنهبون؟ قالوا: أنت نهيت عن النهبة قال: إنما نهيت عن نهبة العساكر. أما العرسات فلا. وفي رواية العقيلي فأمسك القوم ولم ينتهبوا، فقال رسول الله ﷺ ما أزين الحلم؟ ألا تنتهبوا قالوا: نهيتنا عن نهبة يوم كذا وكذا. فقال إنما نهيتكم عن نبهة العساكر. ولا أنهاكم عن نهبة الولائم. ثم قال معاذ: فرأيت رسول الله ﷺ يجاذبهم ويجاذبونه في الانتهاب، واحتج به الطحاوي على أن النثار بنحو اللوز والسكر غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة. وقضى به على الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي. قال البيهقي بعد هذا الحديث وهذا لا يثبت. ثم قال: وروى من حديث عائشة عنه ﷺ نحوه ولا يثبت في هذا المعنى شيء. وشنّع على الطحاوي القول في ذلك جدا في كتاب المعرفة وقال: إنما يروي عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفرة توجب ضعف الحديث، فكيف بهما مجتمعتان هذا وخالد بن معدان منقطع، ولا حجة في منقطع. وقد أخرج العقيلي من طريق عائشة قالت: حدثني معاذ بن جبل قال: شهد مع رسول الله ﷺ إملاك رجل من الأنصار الحديث. لكن قال عبد الحق: في إسناده بشر بن إبراهيم الأنصاري البصري وهو ضعيف، وذكر الحديث ابن عرفة في مختصره قائلا: ذكره العتبي ثم نقل عن عبد الحق ما ذكر، وعقبه بقوله: وفي ذكر ابن عبد السلام له دون ذكر قول عبد الحق إيهام بصحته. ولم يتعقبه ابن القطان بحال اهـ. وفي المواق على المختصر: هذا قيل من أبي عمر لاجازة النهبة، وقد قال ﵇: لم أنهكم عن نهبة الولائم. وانظر ابن حجر والمناوي على الشمائل، والمواهب وشرحها، وحواشي الرهوني على المختصر. وترجمة خطف الفاكهة ونهبها من رسالة ابن ليون التجيبي.

стр. 466

اللهو واللعب المأذون فيه خرّج البيهقي عن المطلب بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة. وخرّج الحاكم عن عائشة رفعته: هل كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يحبون اللهو. وخّرج أحمد عن روح بنت أبي لهب قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ فقال: هل من لهو؟ قال الشهاب أحمد بن حجر الهيثمي في كتابه «كف الرعاع» قوله ﵇: الهوا والعبوا، دليل لطلب ترويح النفس إذا سئمت، وجلاها إذا صدأت باللهو واللعب المباح. الخ كلامه. وانظر إيضاح الدلالات في سماع الآلات للشيخ عبد الغني النابلسي الشامي، ومنه اللعب بالأرجوحة وهي حبل يعلق ويركبه الصبيان. قاله ابن درستويه. وتبعه الفيروز آبادي في القاموس، والجمهور. وقال صاحب العين والمصباح: هي خشبة توضع من وسطها على تل ويعلق غلامان على طرفيها، وتترجح أي تميل تارة بهذا وتارة بهذا. وهذا الذي قاله ثعلب عن ابن الأعرابي، وقاله أهل الغريب في حديث عائشة: وأنا على أرجوحة. قال ابن الطيب في حواشي القاموس: وزاد لا بأس بنصب الأرجوحة واللعب بها، كما قاله في كتاب البركة ونقله شراح المختصر، وأيده الزرقاني بنقل القرافي عن غيره، أنها نافعة من وجع الظهر اهـ. وقد ترجم أبو داود في سننه باب في الأرجوحة «١» ، وذكر حديث عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ تزوجني وأنا بنت سبع أو ست فلما قدم المدينة أتتني نسوة. وقال بشر «٢» فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة فذهبن بي وهيأنني وصنعنني فأتي بي رسول الله ﷺ فبنى بي وأنا ابنة تسع. ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا بوّب البخاري «٣» في كتاب النكاح من الصحيح، باب حق اجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه. ولم يوقت النبي ﷺ يوما ولا يومين. قال الحافظ: يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار، دعا أبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما فكان أبي صائما فلما طعموا دعا أبي وانتثر. وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقا منه وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر إلى حفصة وقال: فيه ثمانية أيام وإليه أشار المصنف بقوله ونحوه، لأن القصة واحدة وهذا وإن لم يذكره المصنف ولكن جنح إلى ترجيحه لإطلاق الأمر بإجابة الدعوة بغير تقييد وقد نبه على ذلك ابن المنير. وأفصح البخاري بمراده في تاريخه؛

стр. 467

فإنه أورد في ترجمة زهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود «١» والنسائي من طريق قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : الوليمة حق. أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث سمعة ورياء. قال البخاري: لا يصح إسناده. وقال ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ : إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب. ولم يخص أياما ولا غيرها. وهذا أصح. وقال ابن سيرين عن أبيه أنه بنى بأهله أو لم سبعة أيام، فدعا في ذلك أبي بن كعب فأجابه اهـ. وأخرج أبو يعلى بإسناد حسن عن أنس قال: تزوج النبي ﷺ صفية وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام. وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية؛ قال عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا وقال غيره: إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم وعند الأمن من الرياء والسمعة اهـ ملخصا من فتح الباري. جلب دقيق الحواري الأبيض الناصع النقي سمي به لنقائه من النخالة فهو خلاصة الدقيق ولبابه. والسمن والعسل من الشام إلى المدينة وأكل المصطفى ﵇ منه عن الليث بن أبي سالم قال: أول من خبص في الإسلام عثمان بن عفان؛ قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما، وبعث به إلى النبي ﷺ فأكل فاستطابه. قال المحب الطبري في الرياض النضرة: أخرجه خيثمة في فضائل عثمان، وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان دقيق وسمن وعسل، فأتى به إلى النبي ﷺ . وفي رواية الحاكم وغيره، عن ابن سلام: خرج ﷺ إلى المربد فرأى عثمان يقود ناقة تحمل دقيقا حواريا وسمنا وعسلا، فقال له: أنخ فأناخ فدعا فيها بالبركة، ثم دعا ﷺ ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من الدقيق والعسل والسمن، ثم عصد حتى نضج أو كاد أن ينضج. ثم أنزله فقال ﷺ : كلوا هذا شيء تسميه فارس الخبيص. قال الطبري: خرّجه تمام في فوائده، والطبراني في معجمه. قال الحافظ ابن حجر، وتبعه الحافظ الشامي. رجال الأوسط والصغير ثقات. وقد أخرجه الحاكم وصححه بقيّ بن مخلد «٢» اهـ. وقال الزرقاني في شرح المواهب: ومقتضاه أن أول من خبص في الإسلام النبي ﷺ ، فخالف قوله أولا: أول من خبص في الإسلام عثمان، ويحتمل أن نسبته إليه لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه، لكن روى الحرث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسمن والبر، وأتى به في قصعة إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم تسميه الخبيص. فأكل منه رسول الله ﷺ . ويمكن الجمع أيضا بتكرار ذلك فيكون عثمان فعله بنفسه، ثم عرضه على النبي ﷺ ، فأمر أن يصنع له منه ففعل اهـ.

стр. 468

قال شيخنا الأستاذ الوالد في تحديد الأسنة، عقب حديث أكله ﵇ خالص الدقيق المذكور: فإن قلت خرّج الترمذي في الشمائل عن سهل بن سعد «١» ، أنه قيل: أأكل رسول الله ﷺ النقي؟ يعني الحوار. قال سهل: ما رأى ﷺ النقي حتى لقي الله . قلت: أخبر ﵁ بحسب إطلاعه ومنتهى علمه، وإلا فالمثبت مقدم على النافي. ومن أثبت حجة على من نفى. ولم يحط أحد بأحوال النبي ﷺ اهـ. وفي طبقات ابن سعد أن ابن عمر كان يستحب أن يطيّب زاده، وأنه قيل لنافع: أكان ابن عمر يصيب من هذا الطعام؟ فقال: كان ابن عمر يأكل الدجاج والفراخ، والخبيص في البرمة. وفي أوائل السيوطي: أول من خبص الخبيص عثمان، خلط العسل والنقي من الدقيق ثم بعث به إلى النبي ﷺ إلى منزل أم سلمة، وفيها أيضا: أول من أدخل الفالوذج ديار العرب أمية ابن أبي الصلت، أطعمه بعض الناس ذلك بالشام، فبلغ ذلك عبد الله بن جدعان فوجه إلى اليمن من جاء له بمن يعمل له الفالوذج بالعسل، وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي: وفي رواية جمع وصححها الحاكم، كما نبه عليه الشيخ محمد الشافعي في سيرته: أهدى ملك الهند إلى رسول الله ﷺ هدايا منها جرة فيها زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة قطعة. قال أبو سعيد الخدري وأطعمني رسول الله ﷺ قطعتين اهـ. وقد قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه صيد الخواطر: بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم له طعام فقال: لا آكل. قيل له: لم؟ فقال لأن نفسي تشتهيه وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي. فقلت لقد خفيت طرق الصواب عن هذا من وجهين: وسبب خفائها عدم العلم. أما الوجه الأول فإن النبي ﷺ لم يكن على هذا ولا أصحابه، وقد كان ﵇ يأكل لحم الدجاج ويحب الحلوى والعسل. ودخل فرقد السنجي على الحسن وهو يأكل الفالوذج فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله ولا أحب من يأكله فقال الحسن: لعاب النحل، بلباب البر، بسمن البقر هل يعيبه مسلم؟ وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال: يقول لا أؤدي شكره فقال: إن جارك جاهل، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟ وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج واللحم المشوي ويقول: إن الدابة إذا أحسن إليها عملت، وجيء إلى علي بفالوذج فأكل منه، وقال: ما هذا قالوا: نور النيروز. فقال: نورزونا في كل يوم. فينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقا ويطلب دليلها، وقد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكل منه، ولا تكن ممن يرى صور الزهد، فرب مشبع لا يريد الشبع وإنما يريد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة؛ خصوصا من قد لاقى الكل [الكلل] وأجهده الفكر.

стр. 469

جلب الجبن الرومي وأكله ﵇ منه وقطعه بالسكين في حديث أبي داود «١» من حديث ابن عمر قال: أتي النبي ﷺ بجبنة في تبوك. قال الزرقاني في شرح المواهب من عمل النصارى فقيل: هذا تصنعه المجوس، فدعا بسكين فسمى وقطع، وعبارة الشبراملسي عليها أيضا فسمى وقطع، أي ولم ينظر لكونه من عمل النصاري. وروى الطيالسي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما فتح مكة رأى جبنة فقال: ما هذا قالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال ضعوا فيه السكين وكلوا. وروى أحمد والبيهقي عنه: أتي النبي ﷺ بجبنة في غزوة تبوك فقال: أين صنعت هذه؟ قالوا: بفارس ونحن نرى أنه يجعل فيها ميتة. فقال ﷺ : إطعنوا فيها بالسكين، واذكروا اسم الله تعالى وكلوا «٢» . قال الخطابي: أباحه ﷺ على ظاهر الحال، ولم يمتنع من أكله لأجل مشاركة المسلمين في عمله، وتعقبه المقريزي بتوقفه على نقل، إذ لم يكن بفارس والشام حينئذ أحد «٣» من المسلمين، قال الحافظ الشامي وهو ظاهر لا شك فيه. اختياره ﵇ محل السوق روى الطبراني من طريق الحسن بن علي بن الحسن ابن أبي الحسن أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما رآه أعجبه وركض برجله وقال: نعم سوقكم هذا، فلا ينقص ولا يضربن عليكم خراج. ورواه ابن ماجه بلفظ: ذهب رسول الله ﷺ إلى سوق النبيط فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقصن ولا يضرب عليه خراج «٤» . باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام هكذا ترجم البخاري «٥» في كتاب البيوع من الصحيح، ثم أخرج فيها عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قرأ ابن عباس كذا أي بزيادة مواسم الحج. وفي الإرشاد قال ابن

стр. 470

كثير: وكذا فسره مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم. وأخرجه أيضا في كتاب الحج «١» ، وبوّب عليه باب التجارة أيام المواسم والبيع في أسواق الجاهلية. قال البدر الدماميني في المصابيح: يتساءل عن الفرق بين حجر ثمود وبين أسواق الجاهلية. حيث أسرع ﵇ لما دخل الحجر، وأمرهم أن لا ينتفعوا بشيء منه، لا يؤكل العجين الذي عجنوه بالماء، وأسواق الجاهلية طال مكثه فيها. والانتفاع بها. والجواب أن أهل الأسواق لم يتعاطوا فيها إلا البيع المعتاد، وأما ثمود فإنهم تعاطوا عقر الناقة والكفر بالله ورسوله، ونزلت النقمة هناك. فهذا فرق ما بينهما اهـ. وقد تكلم الحافظ في كتاب الحج على هذه الأسواق وعيّن مواضعها من أرض الحجاز، وذكر أسواقا أخرى دونها، ثم نقل عن الفاكهي: لم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام، إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة ١٢٩، وآخر ما ترك منها سوق جامة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة ١٩٧. ثم ذكر عن ابن الكلبي؛ أن كل شريف كان إنما يحضر سوق بلده، إلا سوق عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون لها من كل جهة، فكانت أعظم تلك الأسواق. وقد وقع ذكرها في أحاديث أخرى منها حديث ابن عباس: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وروى الزبير بن بكار في كتاب النسب من طريق حكيم بن حزام. أنها كانت تقام صبح هلال ذي القعدة؛ إلى أن يمضي عشرون يوما. قال: ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة ثم يقوم سوق ذي المجاز ثمانية أيام، ثم يتوجهون إلى الحج. وفي حديث ابن الزبير عن جابر أن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالة ربه الحديث أخرجه أحمد وغيره. صانع السيوف ترجم في الاصابة خبّاب بن الأرت فذكر أنه كان يعمل السيوف في الجاهلية. باب ذكر من كان يبري النبل في تلبيس إبليس لابن الجوزي: أن سعد بن أبي وقاص كان يبري النبل اهـ. في الحفار للقبور في سيرة ابن إسحاق في قصة الحفر لقبر رسول الله ﷺ أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح لحفر مكة وأبا طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة فكان يلحد. وفي صيد الخواطر لابن الجوزي: كان أبو عبيدة بن الجراح وأبو طلحة يحفران

стр. 471

القبور. وترجم في الاصابة لأبي سعيد المقبري واسمه كيسان فقال له: أدرك وكان على عهد عمر فجعله على حفر القبور بالمدينة. اتفاق القوم على من يمثلهم في محفل رسمي أو مأتم ديني ترجم الموفق بن قدامة في الاستبصار لأوس بن خولي الانصاري فقال: لما قبض رسول الله ﷺ ، وأرادوا غسله حضرت الأنصار فنادت على الباب: الله الله فإنا أخواله فليحضره بعضنا، فقيل لهم: اجتمعوا على رجل منكم، فاجتمعوا على أوس بن خولي فحضر على غسل رسول الله ﷺ ودفنه مع أهل بيته اهـ وقصته هذه في ترجمة أوس من طبقات ابن سعد أيضا انظر ص ٦١ من ج ٣. باب أخذ ستر المرأة في نعشها وهي ميتة عن الحبشة ومن حبّذ ذلك خرج ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس قال: فاطمة أول من جعل لها النعش عملته لها أسماء بنت عميس، وكانت قد رأته يصنع بأرض الحبشة. وقال الوزير الأكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال الغافقي في كتابه «ظل الغمامة» في حق فاطمة الزهراء وموتها. استشعرت من وفاتها اليقين بما أنبأها به خاتم النبيئين، فانتظرت الوقت والحين، وأشفقت لمرأة توضع في نعشها وضع الرجال، فتصف الأكفان ما استترت به ربّات الحجال، وأخجلها ذلك لفرط الحياء أبرح الأخجال، وتشكت إلى أسماء بنت عميس ما تجده لذلك من عوارض الأوجال، فنفست عنها شغل البال، بما رأته في الحبشة من حسن التأني، برفع ما يهجس في البال ووضع ما ألهم الله به من محكم الأشكال، فدعت بجرائد رطبة، فعطفتها عطف قسي الضال وألبستها الثياب سابغة الأذيال، فصار خدرا للظعينة وحجابا للحرة الستيرة، فرضيت ﵂ عن تلك الحالة الحسنى والسيرة. فكانت أول من خصه الله بتلك الكرامة، وأول من زف بتلك الصيانة إلى دار المقامة، وما عند الله لها من الحجة البالغة، والنعمة السابغة أتقى وأنقى يوم القيامة، فعند ذلك طابت نفسها العلية عن المنية. المرأة الكبيرة السن تلازم القبر ترجم في الاصابة لرقية مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: عمرت حتى جعلها الحسين بن علي مقيمة عند قبر سيدتها فاطمة، لأنه لم يكن بقي من يعرف القبر غيرها. قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة. عجيبة: في ترجمة شبث بن ربعي التميمي أحد الراوين عن عثمان وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطبقتهم من طبقات ابن سعد، أخبرنا الفضل ابن دكين حدثنا حفص بن غياث قال: سمعت الأعمش قال شهدت جنازة شبث فأقاموا العبيد على حدة والجواري على حدة، والخيل على حدة، والبخت على حدة، والنوق على حدة، وذكر الأصناف قال: ورأيتهم ينوحون عليه يلتدمون انظر ص ١٥٠ من ج ٦.

стр. 472

غريبة: ترجم ابن سعد في الطبقات، في ذكر التابعين من أهل المدينة، الحارث بن عبد الله أبي ربيعة، والي البصرة لعبد الله بن الزبير أيام خلافته فقال: كان خطيبا عفيفا، وكان فيه سواد لأن أمه كانت حبشية نصرانية فماتت، فشهدها الحرث بن عبد الله وشهدها معه الناس، فكانوا ناحية وجاء أهل دينها بولدها وشهدها منهم جماعة كثيرة، وكانوا على حدة وترجم في الاصابة لحجار بن أبجر العجلي وقال: له ادراك فقال: ذكر المرزباني في الشعراء أن أبجر والده مات على نصرانيته، في زمن علي. وروى الطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال مرت جنازة أبجر بن جابر على عبد الرحمن بن ملجم وحجار بن أبجر يمشي في جانب مع أناس من المسلمين، ومع الجنازة نصارى يشيعونها. قلت: يجب أن تكتب هذه القضية والتي قبلها بهامش فتوى للشيخ عليش في باب الجنائز من نوازله انظر ص ١٣٣ من الجزء الأول. والمحفوظ عن تراجم السلف في جنائزهم؛ كالإمام أحمد بن حنبل أن الناس كانوا يحضرون جنائزهم، على اختلاف المذاهب والأديان.

стр. 473

القسم العاشر من كتاب الخزاعي ويتضمن أربعة أبواب «١» الباب الثالث في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال وفيه خمسة فصول

стр. 474

الفصل الأول في أن لكلّ من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك روى البخاري (٩: ٨٤- ٨٥) «١» رحمه الله تعالى عن عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى. فقال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه منّي، حتى أعطاني مرّة ثانية فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ : خذه فتموّله وتصدق به. فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك. انتهى. قال ابن بطال، قال الطبري: في هذا الحديث الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، وذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم، لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العمالة على عمله الذي استعمله عليه. فكذلك سبيل كلّ مشغول بشيء من أعمالهم له من الرزق على قدر استحقاقه عليه سبيل عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك. انتهى. وفي «التهذيب» : ولا بأس بإرزاق القضاة والعمال إذا عملوا على حق، وكل عامل للمسلمين على حقّ، وما بعث فيه الإمام من أمور المسلمين فالرزق فيه من بيت المال، وأكره لقسّام القاضي والمغنم أن يأخذوا على أنفسهم أجرا، لأنه إنما يعرض لهم من أموال اليتامى وسائر الناس، كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أموال الناس، فإن كانت أرزاق القسّام من بيت المال جاز. انتهى. قلت: والإستعمال: تولية العمل أيضا كالتعميل. فائدة ١- قوله ﷺ : «فرزقناه رزقا» الرزق هنا: ما يعطاه العامل من أجرة على عمله، وهو العمالة أيضا. قال الفارابي في «ديوان الأدب» (١: ٤٥٠) العمالة: رزق العامل بضم العين.

стр. 475

فائدة ٢- قوله في حديث عمر الذي خرّجه البخاري: «غير مشرف ولا سائل» ترجم البخاري لهذا الحديث: باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس، وقال القاضي في «المشارق» من أخذه بإشراف نفس، قال الحربي: بطلب لذلك وارتفاع له وتعرّض إليه. الفصل الثاني في أن ما يأخذه العامل زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول روى أبو داود رحمه الله تعالى عن رسول الله ﷺ قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول «١» . الفصل الثالث كيف كان رسول الله ﷺ يفعل في نفقته ونفقة أهله قال البخاري (٤: ٤٩) رحمه الله تعالى: ويذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ : جعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري. [من كتاب الجهاد والسير ج ٣ ص ٢٣٠ عن ابن عمر] . وروى البخاري رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبيّ ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله . ج ٣ ص ٢٢٨. وخرجه البخاري رحمه الله تعالى مختصرا عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم. ج ٦ ص ١٩٠. وقال القاضي عياض في «الإكمال» ، قال الطبري: كان مما أفاء الله على رسوله طعمة من الله له ﷺ على أن يأكل منه وأهله ما احتاجوا، ويصرف ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين. الفصل الرابع في أرزاق الخلفاء بعده ﷺ ورضي عنهم ١- أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: اختلف في ذلك: فذكر أبو الفرج ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (١: ٩٧) عن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتّجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنهم فقالا: أنّي تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم

стр. 476

عيالي؟ قالا: انطلق حتى نفرض لك شيئا، فانطلق معهما، ففرضا له كلّ يوم شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن. وذكر عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله ﷺ : افرضوا لخليفة رسول الله ﷺ ما يغنيه، قالوا: نعم، بردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر: رضيت. وذكر ابن هشام في «البهجة» وابن الأثير في «تاريخه» (٢: ٤٢٤) : أن الذي فرض له رضي الله تعالى عنه ستة آلاف درهم في السنة، قال ابن هشام: ولما حضرته الوفاة قال: ردّوا ما عندنا من مال المسلمين، فدفع إلى عمر بن الخطاب لقوح وعبد وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر رضي الله تعالى عنهما: لقد أتعبت من بعدك، وقال ابن الأثير: (٢: ٢٤٢) ولما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين. ٢- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ذكر ابن الأثير في «تاريخه» أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال للمسلمين: إني كنت امرآ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحلّ لي في هذا المال؟ وعلي رضي الله تعالى عنه ساكت، فأكثر القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ قال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ليس لك غيره، فقال القوم: القول ما قاله علي، فأخذ قوته. ٣- معاوية بن أبي سفيان: ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الإستيعاب» (١٤١٦) عن سليمان بن موسى عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رزق معاوية على عمله بالشام عشرة آلاف دينار في كلّ سنة. وذكر أيضا في الكتاب المذكور، عن صالح بن الوجيه قال: في سنة تسع عشرة كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى يزيد بن أبي سفيان يأمره بغزو قيسارية، فغزاها وبها بطارقة الروم فحاصرهم أياما، وكان بها معاوية أخوه فتخلّفه عليها، وسار يزيد يريد دمشق، فأقام معاوية على قيسارية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة، وتوفي يزيد في ذي الحجة من ذلك العام في دمشق، واستخلف أخاه معاوية على ما كان يزيد يلي من عمل الشام، ورزقه ألف دينار في كل شهر، كذا قال صالح بن الوجيه. انتهى. الفصل الخامس في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس روى أبو داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ : كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل «١» حظين، وأعطى العزب

стр. 477

حظا، فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا «١» . قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «المشارق» (٢: ١٦٥) : فيء المسلمين: ما أفاء الله عليهم، أي رد عليهم من مال عدوهم. وفي «الجواهر» لابن شاس: الفيء هو كل ما فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العقدة وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدنة، وما يؤخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز، وخمس الغنائم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (٢٤) : وهو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم، فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور [الناس] بحسن النظر للإسلام [وأهله] . الباب الرابع في ذكر أسماء التواليف المخرج منها ما تضمنه هذا الكتاب وهي مائة ونيف وستون تأليفا: فمن ذلك من كتب تفسير كتاب الله العزيز، شرفه الله تعالى: ١- تفسير أبي محمد عبد الحق بن عطية الأشبيلي. ٢- وتفسير فخر الدين محمد بن عمر الرازي بن الخطيب. ٣- وتفسير منذر بن سعيد البلّوطي. ٤- وتفسير أبي إسحاق أحمد بن محمد الثّعلبي. ٥- وتفسير أبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري. ٦- وكتاب معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء رحمه الله تعالى. ومن كتب أحكام القرآن شرفه الله تعالى: ٧- أحكام أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي. ومن كتب الحديث: ٨- موطأ الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس. ٩- وصحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. ١٠- وصحيح أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. ١١- وسنن أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة التّرمذي. ١٢- وكتاب شمائل النبي ﷺ للترمذي أيضا. ١٣- وسنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. ١٤- وسنن أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي.

стр. 478

١٥- وسنن أبي عبد الله محمد بن مسلم بن شهاب الزّهري، صنعة محمد بن يحيى بن فارس الذّهلي. ١٦- ومسند أبي داود سليمان بن داود الطّيالسي. ١٧- ومختصر أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد من كتاب أبي جعفر الطحاوي. ١٨- وكتاب الأحكام الصغرى لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي. ١٩- وأخلاق النبي ﷺ لأبي محمد عبد الله بن حيان الأصبهاني. ٢٠- ومسند محمد بن مخلد بن حفص العطار الدوري. ٢١- وكتاب الشهاب للقاضي محمد بن سلامة القضاعي. ومن كتب الأغربة: ٢٢- غريب القرآن شرفه الله تعالى لأبي بكر محمد بن عزيز السّجستاني. ٢٣- والغريبان لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي. ٢٤- والمشرع الروي في منزع كتاب الهروي لمحمد بن علي المعروف بابن عسكر المالقي. ٢٥- وكتاب الدلائل لأبي محمد قاسم بن ثابت بن عبد العزيز السرقسطي. ٢٦- وغريب الحديث للخطابي. ومن كتب شرح الحديث: ٢٧- المنتقى لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي على الموطأ. ٢٨- والتمهيد لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر على الموطأ. ٢٩- والاستذكار لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر على الموطأ. ٣٠- وكتاب أبي الحسن علي بن بطّال على البخاري. ٣١- وأعلام الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي على البخاري أيضا. ٣٢- ومعالم السنن له أيضا على كتاب أبي داود. ٣٣- والمعلم لأبي عبد الله محمد بن علي المازري على مسلم. ٣٤- والإكمال للقاضي عياض بن موسى بن عياض عليه أيضا. ٣٥- ومشارق الأنوار على الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم له أيضا. ٣٦- وعارضة الأحوذي على كتاب الترمذي لأبي بكر ابن العربي. ٣٧- وشرح العمدة لمحمد بن علي بن وهب بن مطيع، شهر بابن دقيق العيد. ٣٨- وكشف مشكل الصحيحين لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي. ٣٩- وعلل الحديث لأبي الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني. ٤٠- وتفسير ما استعجم من غوامض الأسماء في الأحاديث لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الأنصاري القرطبي.

стр. 479

ومن كتب ضبط الأسماء : ٤١- الاشتقاق لأبي بكر محمد بن أبان بن سيد. [وفيه اختصر كتاب ابن دريد وقطرب وابن النحاس وابن قتيبة في الأدب] . ٤٢- وجامع كتب الاشتقاق، لا أعلم من ألفه. ٤٣- والمؤتلف والمختلف للحافظ عبد الغني بن سعيد بن علي بن مروان. ومن كتب الأنساب: ٤٤- جماهر أبي عبيد القاسم بن سلّام. ٤٥- وجماهر أبي محمد بن أحمد بن حزم. [وهو مطبوع باسم جمهرة أنساب العرب] . ٤٦- واقتباس الأنوار لأبي محمد عبد الله بن علي بن عبيد الله الرّشاطي. ٤٧- والموالي والعرب لعمرو بن بحر الجاحظ. ومن كتب الفقه: ٤٨- التهذيب لأبي سعيد خلف بن أبي القاسم الأزدي البراذعي. ٤٩- وكتاب أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس. ٥٠- والتبصرة لأبي الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللّخمي. ٥١- وكتاب التنبيهات للقاضي أبي الفضل عياض. ٥٢- والبيان والتحصيل للقاضي أبي الوليد ابن رشد. ٥٣- وكتاب المقدمات له. ٥٤- والكافي لأبي عمر ابن عبد البر. ٥٥- والجواهر لعبد الله بن محمد بن شاس. ٥٦- والشهاب الثاقب في شرح كتاب ابن الحاجب لأبي عبد الله محمد بن عبد الله راشد. ٥٧- وشرح الكتاب المذكور للقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي. ٥٨- وشرح الرسالة لموسى بن علي الزناتي. ٥٩- والتبصرة للتّلمساني في شرح كتاب ابن الحاجب. ٦٠- والأموال لأبي القاسم بن سلام. ٦١- والأموال لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي. ٦٢- وأقضية النبي ﷺ ، لمحمد بن فرج الطّلاع. ٦٣- والفرائض لأبي القاسم محمد بن خلف الحوفي. ٦٤- وكتاب الإشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر. ٦٥- والأحكام السلطانية لأبي الحسن بن محمد حبيب الماوردي. ٦٦- والمحلّى لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم.

стр. 480

٦٧- وحجة الوداع له. ٦٨- وجوامع السيرة له. ومن كتب أصول الفقه: ٦٩- تنقيح الفصول في علم الأصول لشهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي. ومن كتب الأوزان والأكيال الشرعية: ٧٠- جواب أبي محمد ابن عطية على سؤال في ذلك. ٧١- وإثبات ما ليس منه بدّ لأبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد العزفي. ٧٢- ومقالة لأبي يحيى أبي بكر بن خلف بن المواق. ٧٣- ومقالة لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان. ٧٤- ومقالة لولده حسن بن علي بن محمد. ٧٥- ومقالة لأبي العباس أحمد بن عثمان بن البنّاء الأزديّ المراكشي. ومن كتب التصوف والوعظ: ٧٦- كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى. ٧٧- وسراج المريدين لأبي بكر ابن العربي. ٧٨- والمدهش لأبي الفرح الجوزي. ٧٩- ورسالة القشيري. ومن كتب السير والتواريخ: ٨٠- السير لأبي عبد الله محمد بن إسحاق. ٨١- وشرحه لأبي القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن السّهيلي المسمّى بالروض الأنف. ٨٢- وغريبه لأبي ذرّ محمد بن مسعود الخشني. ٨٣- وخلاصة السير لأحمد بن عبد الله الشريف الطبري. ٨٤- ومختصر السير لعز الدين بن عبد العزيز بن جماعة. ٨٥- والدرّ المنظم في مولد النبي المعظم لأبي العباس العزفي. ٨٦- والاكتفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي. ٨٧- والاستيعاب في ذكر أسماء الأصحاب لأبي عمر ابن عبد البر. ٨٨- وذيل الاستيعاب لأبي بكر محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون. ٨٩- والتاريخ الكبير للبخاري. ٩٠- وكتاب الصفوة لأبي الفرج الجوزي. ٩١- وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشّيرازي. ٩٢- والكامل لأبي الحسن علي بن محمد بن الأثير. ٩٣- وأنباء الأنبياء وتواريخ الخلفاء للقاضي محمد بن سلامة القضاعي.

стр. 481

٩٤- والعمدة لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن موسى التلمساني. ٩٥- وبهجة النفس لهشام بن عبد الله بن هشام الأزديّ. ٩٦- وبلغة الظرفاء في تاريخ الخلفاء لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي السرور. ٩٧- وتاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب. ٩٨- وكتاب معرفة مصر ومن دخلها من أصحاب رسول الله ﷺ تأليف أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي. ٩٩- وطبقات الفلاسفة لسليمان بن جلجل. ١٠٠- وطبقات الفلاسفة لصاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسيّ. ١٠١- ونفحة الحدائق والخمائل، لا أعلم مؤلفه. ومن كتب اللغة: ١٠٢- الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري. ١٠٣- والمحكم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده. ١٠٤- والمخصص له. ١٠٥- وديوان الأدب لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي. ١٠٦- وجامع اللغات لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي القزّاز. ١٠٧- ومختصر العين لأبي بكر محمد بن الحسن الزّبيدي. ١٠٨- والغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام. ١٠٩- وإصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت. ١١٠- وأدب الكتاب لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة. ١١١- والاقتضاب في شرح أدب الكتاب لأبي محمد عبد الله بن السيد. ١١٢- وفقه اللغة لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثّعالبي. ١١٣- والتأنيث والتذكير لأبي زكريا يحيى بن زكرياء الفراء. ١١٤- والفصيح لأبي العباس أحمد بن يحيى «ثعلب» . ١١٥- واليواقيت لأبي عمر محمد بن عبد الواحد المطرز. ١١٦- وخلق الإنسان لعبد الملك بن قريب الأصمعي. ١١٧- ونوادر ابن الأعرابي. ١١٨- وخلق الأنساب لقطرب محمد بن المستنير. ١١٩- ولحن العامة لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني. ١٢٠- ولحن العامة لأبي بكر الزّبيدي. ١٢١- والمقصور والممدود لأبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي. ١٢٢- والمقصور والممدود لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن القوطية.

стр. 482

١٢٣- وكتاب الأفعال لابن القوطية المذكور. ١٢٤- والأفعال لأبي مروان عبد الملك بن طريف. ١٢٥- والأفعال لأبي عثمان سعيد بن محمد السرقسطي المعروف بالحمار. ١٢٦- ومختصر زاهر ابن الأنباري، صنعة أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجي. ١٢٧- وكتاب الزينة لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي في منزع كتاب الزاهر. ١٢٨- والمنتظم لأبي الحسن علي بن الحسن المعروف بالكراع. ١٢٩- ومعجم ما استعجم لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري. ١٣٠- والمستوعب لأسماء خيل العرب لأبي عبيد البكري أيضا. ١٣١- ومجمل اللغة لابن فارس. ١٣٢- والفرق بين الحروف الخمس المشتبهة لأبي محمد ابن السيد. ١٣٣- وكتاب المثلث له أيضا. ١٣٤- وكتاب الجمل المعقبة لأبي عبد الله محمد بن عيسى بن المناصف. ١٣٥- وكفاية المتحفظ لإبراهيم بن إسماعيل الطرابلسي عرف بابن الأجدابي. ومن كتب العربية: ١٣٦- المفصل للزمخشري. ١٣٧- والتسهيل لأبي عبد الله محمد بن مالك. ١٣٨- وشرحه لأبي عبد الله محمد بن علي بن هانىء اللخمي. ١٣٩- والبسيط في شرح كتاب الجمل لأبي الحسن بن أبي الربيع. ١٤٠- وشرح الجزولية للأبذي. ومن كتب الأدب: ١٤١- الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد المبرّد. ١٤٢- والبيان والتبيين للجاحظ. ١٤٣- والمراتب والأخطار له. ١٤٤- والعقد الفريد لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه. ١٤٥- وعيون الأخبار لابن قتيبة. ١٤٦- والمعارف له. ١٤٧- وكتاب زهر الآداب للحصري. ١٤٨- وكتاب الوشاح لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد. ١٤٩- وبهجة المجالس لأبي عمر ابن عبد البر. ١٥٠- والكتاب المنسوب للمظفر أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس.

стр. 483

١٥١- وحلية المحاضرة للحاتمي. ١٥٢- والخريدة لأبي حامد محمد بن محمد العماد الأصبهاني. ١٥٣- وصناعة الكتابة لأبي جعفر أحمد بن محمد بن النّحّاس. ١٥٤- وصناعة الكتابة لابن قتيبة. ومن كتب الأشعار: ١٥٥- شعر حاتم الطائي شرح ابن السكيت. ١٥٦- وشعر الأعشى ميمون بن جندل. ١٥٧- والحماسة لحبيب بن أوس الطائي، ترتيب الأعلم. ١٥٨- والحماسة ليوسف بن إبراهيم البيّاسي. ١٥٩- والورقة في أشعار الخلفاء لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي. ١٦٠- وأشعار الستة ليوسف بن سليمان الأعلم. ١٦١- وكتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لأبي علي حسن بن رشيق القيرواني. ١٦٢- وشرح ابن السيد لسقط الزند من شعر المعري. ١٦٣- ترتيب الأعمال السلطانية في الدول الأندلسية لأبي الحسن علي بن خيرة السموري الميورقي. ١٦٤- والتحفة الفارسية في الآلات الفارسية، التي ألفت في سنة أربع وخمسين وسبعمائة. ١٦٥- وتفسير الألفاظ الطبية لابن الحشا. ١٦٦- وكتاب الكفاية والغناء في أحكام الغناء تأليف محمد بن عمر بن محمد السبتي المعروف بالدرّاج. كمل والحمد لله حمدا كثيرا. أكملته ولله الحمد والمنة والشكر على ما أولى، وأستزيده من فضله وكرمه كل خير من الدنيا والآخرة، فهو الجواد الذي لا يبخل، والغني الذي لا يفتقر، والمعطي الذي لا ينقضي عطاؤه، والمنعم الذي ينعم بغير حساب، جلّ وتعالى، وبه الاستعانة، وأستجير به في خطوب الدنيا والآخرة، وأستودعه نفسي وعقلي وديني ونعمته لديّ ورحمته بي ولطفه بي، إنه لا تجب [كذا] ودائعه. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، وأسأله متوسلا بهذا الرسول الكريم عليه أن يصلي عليه في كل وقت ويسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وأن يهب لنا العفو والرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكان الفراغ من نسخه في أواخر ربيع الثاني من عام ستة وسبعين وثماني ماية رزقنا الله خيره وخير ما بعده، لا ربّ غيره ولا معبود سواه «١» .

стр. 484

المستدرك على كتاب الخزاعي ﵀ «١» (في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇ (وما كان عليه أصحابه في ذلك الزمان من السبق لكل فضيلة وسعة) (المدارك والأخلاق وجميل العوائد والأزياء ويتركب هذا القسم من مقصدين) (المقصد الأول) في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇ تعلما وتعليما وكتابة وأدواتها ونحو ذلك. (المقصد الثاني) في تشخيص الحالة الإجتماعية، من حيث ما حازه أصحاب النبي ﷺ ، من السبقيات في أنواع النبوغ وسعة المدارك والكيفيات وغير ذلك وتحت كل مقصد أبواب. الباب الأول من المقصد الأول في ذكر أن أوسع دائرة للمعارف تناولها البشر هي القرآن الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] ذلك الديوان العظيم، أول من قرأ في مدرسته وتربى بهديه واتخذه هجّيرا واهتدى بتربيته الصحابة الكرام، وكيف يرى أهل الإسلام استخراج جمع العلوم منه. عقد الحافظ السيوطي في كتاب الإتقان فصلا شائقا لهذا المعنى، وهو وإن كان مسهبا. ولكن نأت به لفرائده، قال ﵀: النوع الحادي والستون في العلوم المستنبطة من القرآن. قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال ﷺ : ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما بعدكم، وخبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، أخرجه الترمذي وغيره. [كتاب فضائل القرآن باب ١٤ ص ١٧٢/ ٥] . وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: يعني أصول العلم.

стр. 485

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان وقال الإمام الشافعي ﵁: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة وجميع ما تقوله السنة شرح للقرآن، وقال أيضا: جميع ما حكم به النبي ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. ويؤيد هذا قوله ﷺ : إني لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم. وقال الشافعي أيضا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، وقليل من الأحكام ما تثبت بالسنة ابتداء. قلت: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة، لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول. وفرض علينا الأخذ بقوله. وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عماشئتم أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر. وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور. وأخرج البخاري عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن، المغيّرات لخلق الله تعالى. فبلغ ذلك لامرأة من بني أسد فقالت له: بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله. فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال لئن كنت قرأته، لقد وجدته، أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] قالت: بلى فقال: إنه نهى عنه. وحكى ابن سراقه في كتاب الإعجاز عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال يوما: ما من شيء في العالم إلا وهو في كتاب الله. فقيل له: فإن ذكر الخانات فيه؟ فقال في قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النور: ٢٩] فهي الخانات. وقال بعضهم ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله تعالى، حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي ﷺ ثلاثا وستين سنة، من قوله: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقين: ١١] فإنّها رأس ثلاث وستين سورة. وعقبها التغابن ليظهر التغابن في فقده. وقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها حقيقة، ثم رسول الله ﷺ ، خلا ما أستاثر به

стр. 486

سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون، من علوم وسائر فنونه، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها وعد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك، من حصر كلمات متشابهة، وآيات متماثلة من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسمّوا القراء، واعتنى النحاة بالمعرب منه من الأسماء والأفعال والحروف القابلة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به حتى أن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم كلمة كلمة. واعتنى المفسرون بألفاظه فوجدوا لفظا يدل على معنى واحد ولفظا يدل على معنيين، ولفظا على أكثر. فأجروا الأول حكمه وأوضحوا المعنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني، وأعمل المعنيين كل فكره، وقال ما اقتضاه نظره. واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، واستنبطوا منه أدلة على وحدانيته تعالى، ووجوده، وبقائه، وقدمه، وقدرته، وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به، وسمّوا هذا العلم بأصول الدين، فتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي الخصوص، ومنها ما يقتضي العموم، وتكلموا في التخصيص، والأخبار، والنص، والظاهر، والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والإستقراء. وسموا هذا الفن بأصول الفقه. وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر، فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام؛ فأسسوا أصوله وفرّعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا، وسموه بعلم الفروع والفقه أيضا. وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم، حتى دوّنوا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص. وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تغلغل قلوب الرجال، وتكاد تدك الجبال فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والنشر، والمعاد والمحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، فصولا من المواعظ، وأصولا من الزواجر، فسمّوا بذلك الخطباء والوعاظ.

стр. 487

واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا واستنبطوا تعبير كل رؤيا من الكتاب، وإن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنة، وهي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح الحكم والعوام في مخاطباتهم، وعرّف عادتهم، الذي أشار إليه القرآن بقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ. وأخذ قوم لما في آيات المواريث، من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك وسمي علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض، ومسائل العدل. واستخرجوا منه أحكام الوصايا. ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والبروج وعير ذلك، فاستخرجوا منه المواقيت. ونظر الكتاب والشعراء، إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السياق، والمبادي والمقاطع، والمخالص، والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه: المعاني والبيان والبديع. ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة؛ فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق وجعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها، مثل: الفناء والبقاء، والحضور والخوف، والهيبة، والإنس والوحشه، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك. أما الطب فمداره علي حفظ الصحة، واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج، بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة؛ وهي قوله: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: ٦٧] وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الصفاء للبدن بعد اعتلاله، في قوله تعالى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩] ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب، وشفاء الصدور. وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر ملكوت السماوات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي، من البراهين والمقدمات ونتائج المخلوقات. وأما الهندسة ففي قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] الآية. وأما الجدل فقد حوت آياتة من البراهن والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب والمعارضة، وغير ذلك شيئا كثيرا. ومناظرة إبراهيم نمرود ومحاجته قومه أصل في ذلك عظيم.

стр. 488

وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سابقة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقى مضروب بعضها في بعض. وأما النجامة ففي قوله: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤] وقد فسره ابن عباس بذلك. وفيه أصول الصنائع التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة في قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ [الأعراف: ٢٢] والحدادة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ: ١٠] الآية والبناء في آيات والنجارة وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: ٣٧] والغزل نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: ٩٢] والنسج كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً العنكبوت: ٤١] والفلاحة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ [الواقعة: ٦٣] الآية والصيد في آيات والغوص كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: ١٢] والصياغة وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً [الأعراف: ١٤٨] والزجاجةرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [النمل: ٤٤] الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ [النور: ٣٥] والفخارة فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: ٣٨] والملاحة أما السفينة الآية والكتاب علّم بالقلم والخبز أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً [يوسف: ٣٦] والطبخ بعجل حنيذ والغسل والقصارة وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: ٤] قال الحواريون وهم القصارون [والجزارة] إلا ما ذكيتم [والبيع والشراء] في آيات [والصبغ] صِبْغَةَ اللَّهِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ [والحجارة] وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الأعراف: ٧٤] [والكيالة والوزن] في آيات [والرمي] وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] وفيه من أسماء الأثاث وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع أو يقع في الكائنات، ما يحقق معنى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] اهـ. كلام المرسي ملخصا. وقال ابن سراقة: من بعض وجوه اعجاز القرآن، ما ذكره الله فيه من أعداد الحساب، والجمع والقسمة والضرب، والموافقة والتأليف والمناسبة، والتنصيف والمضاعفة، ليعلم بذلك أهل العلم بالحساب، أنه ﷺ صادق، وأن القرآن ليس من عنده، إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة، وأهل الهندسة ولا تلقى الحساب. وقال الراغب: إن الله لما جعل نبوة النبيين بنبينا ﵇ مختتمة، وشرائعهم منتسخة بشريعته من وجه، ومن وجه مكملة متممة؛ جعل كتابه المنزل عليه متضمنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك. كما نبه بقوله: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ٤] وجعل من معجزات هذا الكتاب، أنه مع قلة الحجم يتضمن المعنى الجم، بحيت تقصر الألباب والبشرية عن احصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] فهو وإن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه ونفح ما يوليه:

стр. 489

كالنور من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا باقيا «١» كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن انعم قال: قيل لموسى ﵇: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن، كلما مخضته أخرجت زبدته. وقال القاضي أبو بكر بن العربي، في قانون التاويل في علوم القرآن: خمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحدّ ومطلع. وهذا مطلق دون اعتبار تركيبه، وما ينهي من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله. قال وأما علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وتذكير، وأحكام. فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير منه: الوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وتصفية الظاهر، والباطن، والأحكام منها: التكاليف كلها، والمنافع، والمضار، والأمر والنهي، والندب. ولذلك كانت الفاتحة أم القرآن. فيها الأقسام الثلاثة. وسورة الإخلاص ثلثه لإشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة، وهو التوحيد. وقال ابن جرير: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات. ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه؛ لأنها تشمل التوحيد كله. وقال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا؛ الأعلام والتنبيه والأمر والنهي والوعيد، ووصف الجنة والنار، وتعليم الأقرار بسم الله وبصفاته وأفعاله، وتعليم الإعتراف بإنعامه، والإحتجاج على المخالفين، والرد على الملحدين، والبيان عن الرغبة والرهبة، والخير والشر، والحسن والقبيح، ونعت الحكمة وفضل المعرفة، ومدح الأبرار وذم الفجار، والتسليم والتحسر، والتوكيد والتفريع. والبيان عن ذم الإخلاق، وشرف الآداب، وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير. تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يدرك ولا تحصى عجائبه. وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء، أما أنواع العلوم، فليس فيها باب ولا مسألة هي أصل إلّا وهي في القرآن الكريم، وفيه ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل، والملائكة، وعيون أخبار الأمم، كالأخبار بقصة آدم مع إبليس في إخراجه. من الجنة، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة وقوم يونس، وقوم شعيب، والأولين والآخرين، وقوم لوط، وقوم تبع، وأصحاب الرس، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته نمروذ. ووضعه ابنه إسماعيل مع أمه

стр. 490

بمكة، ومنامه وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها «١» ، وقصة موسى في ولادته، وإلقائه في اليم، وقتل القبطي ومسيره إلى مدين، وتزوجه بنت شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، ومجيئه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، والقوم الذين خرجوا معه وأخذتهم الصاعقة، وقصة القتيل وذبح البقرة، وقصته مع الخضر، وقصته مع الجبارين، وقصة القوم الذين ساروا في سرب من الأرض، وإلى الصين، وقصة طالوت وداود مع جالوت، وفتنته وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فرارا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة ذي القرنين، ومسيره إلى مغرب الشمس ومطلعها، وبنائه السد. وقصة أيوب، وذا الكفل، والياس، وقصة مريم وولادتها عيسى، وإرساله ورفعه، وقصة زكرياء وابنه يحيى، وقصة أصحاب الكهف، وقصة أصحاب الرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة، وقصة أصحاب مؤمن آل ياسين، وقصة أصحاب الفيل، وفيه من شأن النبي ﷺ دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى، وبعثه وهجرته، ومن غزواته سرية ابن الحضرمي في البقرة، وغزوة بدر في الأنفال، وأحد في آل عمران، وبدر الصغرى فيها، والخندق في الأحزاب، والحديبية في الفتح، والنضير في الحشر، وتبوك وحنين في براءة، وحجة الوداع في المائدة، ونكاحه زينب بنت جحش وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه وقصة الافك، وقصة الإسراء وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت وما يفعل بالروح بعد، وصعودها إلى السماء وفتح الباب للمؤمنة، والغاء الكافرة. وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، واشراط الساعة الكبرى، وهي نزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج، والدابة والدخان، ورفع القرآن والخسف، وطلوع الشمس من مغربها، وغلق باب التوبة. وأحوال البعث من النفخات الثلاث، نفخة الفزع ونفخة الصعق، ونفخة القيام والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس وظل العرش والميزان والخوض والصراط والحساب لقوم، ونجاة آخرين وشهادة الأعضاء وإتيان الكتب بالإيمان وبالشمائل وخلف الظهر، والشفاعة والمقام المحمود، والجنة وأبوابها وما فيها؛ من الأنهار والأشجار، والثمار والحلي، والأواني والدرجات، ورؤيته تعالى والنار وأبوابها وما فيها، من الأودية وأنواع العقاب، وألوان العذاب. والزقوم والحميم، وفيه جميع أسمائه الحسنى كما ورد في حديث: ومن أسمائه مطلقا ألف اسم. ومن أسماء النبي ﷺ جملة، وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون، وشرائع الإسلام والثلاثمائة والخمسة عشر، وفيه أنواع الكبائر، وكثير من الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي ﷺ إلى غير ذلك. مما يحتاج شرحه إلى مجلدات. وقد افرد الناس ما تضمنه القرآن من الأحكام كتبا كالقاضي إسماعيل، وأبي بكر بن

стр. 491

العلاء، وأبي بكر الرازي، والكيا الهراسي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس، وابن خويز منداد، وأفرد آخرون كتبا فيما تضمنه من علم الباطن، وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث، وقد ألفت كتابا سميته الإكليل في استنباط التنزيل، ذكرت فيه كل ما استنبط منه من مسألة فقهية، أو أصلية أو اعتقادية، وبعضا مما سوى ذلك، كثير الفائدة، جمّ العائدة، فمن أراد الشرح لما أجملته في هذا الباب فليراجعه من أراد الوقوف عليه. (فصل) قال الغزالي وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية. وقال بعضهم: مائة وخمسون. قيل: ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام. قال عز الدين ابن عبد السلام في كتاب «الإمام في أدلة الأحكام» : معظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب واخلاق جميلة حسنة، ثم في الآيات ما صرح فيها بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الإستنباط إما بلاضم لآية أخرى؛ كاستنباط صحة نكاح الكفار في قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وصحة صوم الجنب في وقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة: ١٨٧] الآية وإما كاستنباط أقل الحمل ستة أشهر في قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ١٤] قال ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر، وتارة بإخبار مثل قوله: أحل لكم، حرمت عليكم الميتة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وتارة لما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوّع الشارع في ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا إلى أذهانهم. فكان فعل عظّمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالإستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالأقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين وبالنفس اللوامة، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو شكره له، أو لهدايته أياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصرة فاعله، أو وعده بالأمر أو نصب سببا للولاية، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه أو بكونه قربة أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. وكل فعل طلب الشارع تركه، وذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبة فاعله، أو الرضى به، أو عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء، أو كراهة، أو استعاذة الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جعل سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل، أو آجل أو لوم أو ضلالة، أو معصية أو وصف لخبث، أو رجس أو نجس، أو بكونه فسقا، أو ضلالة أو سببا لإثم، أو رجس، أو لعن، أو غضب أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله، أو لمحاربته، أو لاستهزائه، أو سخريته أو جعله

стр. 492

سببا لنسيان فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث، أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان، أو تزيين الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلما، أو عدوانا، أو بغيا أو إثما أو مرضا، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسف والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله، عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو أعلن فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره، أو قيل فيه: لا ينبغي هذا أو لا تكون أو أمره بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاد له أو هجر فاعله، أو لعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعاء بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل إجتنابه سببا للفلاح، أو جعل سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل: هل أنت منته؟ أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعاد أو طرد أو لفظة قتل من فاعله، أو قاتله الله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه ولا يزكيه يوم القيامة، ولا يصلح عمله ولا يهدي كيده، ولا يفلح أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لازاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله، وسؤاله عن علة الفعل، فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة. وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ونفي الجناح، والحرج والإثم، والمؤاخذة من الاذن، والعفو عنه، ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، بالإنكار على من حرم الشيء، من الأخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والأخبار عن فعل من قبلنا غير ذام لهم عليه، فإن اقترن باخباره مدح دل على مشروعيته، وجوبا أو استحبابا اهـ كلام الشيخ عز الدين. وقال غيره: قد يستنبط من السكوت، وقد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا وقال: إنه مخلوق. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق. ولما جمع بينهما غاير فقال: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان اهـ من الإتقان وما أتمه وأوسعه ونحوه، في مقدمة الإكليل في استنباط التنزيل راجعه أيضا. وفي ترجمة أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن بندار القزويني، المفسر المتوفى سنة ٤٨٨، أنه أهدى إلى نظام الملك «١» أربعة أشياء، لم يكن لأحد مثلها: منها؛ مصحف بخط بعض الكتاب المجودين بالخط الواضح، وقد كتب كاتبه اختلاف القراء بين سطوره

стр. 493

بالحمرة، وتفسير غريبه بالخضرة، وإعرابه بالزرقة، وكتب بالذهب العلامات على الآيات الوعد والوعيد وما يكتب في التعازي والتهاني اهـ. تتمة قدمنا أن أوسع موسوعات عرفها البشر القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والموسوعات وإصطلاح اليوم الكتب المجموع فيها الكلام على عدة علوم، وأنواع فهوم كدوائر المعارف، التي قصد فيها تدوين كل ما يخطر بالبال في الماضي والحال والإستقبال، وقد علمت مما ذكرناه عن القرآن وما بين طواياه أنه يجب أن يكون أول موسوعة ودائرة معارف عرفها البشر، وقد اعترف بذلك حتى فطاحلة الفرنج الدكتور (موريس) الفرنسي: القرآن بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة لللغويين وآجرومية لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروض لمحب الشعر وتهذيب العواطف و (انسكلوبيديا) دائرة معارف عامة للشرائع والقوانين اهـ. وقال الدكتور (بوسورت سميت) في كتابه (حياة محمد) من حسن الحظ الوحيد في التاريخ دون غيره، أن محمدا أسس في وقت واحد ثلاثة أشياء: من عظائم الأمور وجلائل الأعمال، فإنه مؤسس لأمة وإمبراطورية وديانة، مع أنه أمي. وقلما كان يقدر أن يقرأ أو يكتب، ومع ذلك أتى بكتاب هو آية في البلاغة، ودستور للشرائع وللصلاة وللدين في آن واحد الخ كلامه. وقد قال الإمام فخر الدين الرازي طالعة [في مقدمة] تفسيره الكبير مفاتيح الغيب: إعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط من فوائدها عشرة آلاف عشرة آلاف مسألة، فاستبعد ذلك الحساد، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، وقدمت له مقدمة لتصير له كالبينة، على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول. وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: حكى ابن عادل في تفسيره عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي: أنه استنبط منه بضع وسبعون ألف علم. قال: ولا يعزب عن علمك قول الأمام علي كرم الله وجهه: لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت. أو كما قال بل سمعت عن شيخنا البكري، أنه تكلم على بعض علوم البسملة بكرة كل يوم في سنين في الأشهر الثلاثة منها، وأنه قال في بعض مجالسه: لو أردت التكلم على ذلك العمر كله لم يف أو كما قال اهـ. وفي ترجمة أبي الإكرام زين العابدين البكري، من مسالك الهداية لأبي سالم العياشي: نقلت من خط شيخ والدي سيدي أحمد إذ قال: إن العارف محمد البكري تكلم على نقطة البسملة في ألفي مجلس ومائتي مجلس اهـ. ولأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي كتاب في علوم القرآن، ذكره له ابن سليمان الردائي في صلته وقال: هو في مائة سفر. انظر حرف العين منها.

стр. 494

وبعد القرآن أول من اعترف التاريخ لهم بتدوين الموسوعات علماء الإسلام، لكن ابتداء التدوين فيها كان موضوعه والغرض منه عندهم إحصاء العلوم المستعملة، ثم وقع التوسع في الموسوعات شأن كل مرمى جديد. وأول ما ظهر ذلك فيهم في القرن الرابع، ألّف الإمام أبو الرجاء محمد بن أحمد بن الربيع الأسواني الشافعي، المتوفي سنة ٣٣٥ المترجم في يتيمة الدهر للثعالبي وغيره، قصيدة في أخبار العالم، وقصص الأنبياء، والحديث والفلسفة والطب والفقه ومختصر المزني، وغير ذلك. ذكرها له في كشف الظنون المطبوع. وفيه: أنه سئل قبل موته كم بلغت قصيدتك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ألفا ومائة ألف بيت، وبقي علي أشياء تحتاج إلى زيادة. انظر كشف الظنون، والطالع السعيد، للكمال الأدفوي ص ٢٦٧. ولا تستغرب هذا العدد من النظم، عن أهل القرن الرابع، فقد جاء عن أهل القرن الثالث ما هو أعجب. ذكر أحمد بن يحيى ابن المرتضى: في باب ذكر المعتزلة من كتاب «المنية والأمل» في شرح كتاب الملل والنحل، في ترجمة بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي، أن له قصيدة في أربعين ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين. وبشر هذا توفي سنة ٣١٠ كما أرخه بذلك الذهبي، وابن البخاري، وكيفما ظننا أن مادة الأعداد مبالغ فيها، فلا تكون كل واحدة من هذه القصائد إلا أكثر من عدد أبيات الإلياذة، التي عدد أبياتها زهاء ١٦ ألف بيت. وألف الإمام أبو نصر الفارابي المتوفي سنة ٣٣٩ كتابه في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، ووجوه الانتفاع بها، وفيه قال القاضي صاعد في طبقات الأمم: هو كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه اهـ ص ٦٢. وقال عنه القاضي ابن الأزرق في روضة الأعلام: أحصى فيه العلوم القديمة وذكر فيه بعض علوم الإسلام اهـ وهو كتاب نادر الوجود توجد منه الآن نسخة خطية في إسبانيا، وهو مترجم إلى اللغة اللاتينية والعبرانية، ثم سمعت أنه طبع، ثم كتاب مفاتيح العلوم، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٧ ألفه لأبي الحسن عبيد الله بن أحمد العتبي، وقد قسمه إلى مقالتين: الأولى تشتمل على اثنين وخمسين فصلا، تجتمع في ستة أبواب، وهي الفقه، الكلام، النحو، الكتابة، الشعر، العروض، الأخبار. والمقالة الثانية اشتملت على اثنين وأربعين فصلا في أبواب: الفلسفة، المنطق، الطب، علم العدد، الهندسة، النجوم، الموسيقى، الخيال، الكيمياء. وقد طبع الكتاب المذكور في ليدن سنة ١٨٩٥ مسيحية، ثم في مصر وقد نقل عن هذا الكتاب المقريزي في الخطط؛ في تعريفه علم التاريخ فقال: قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخي: في كتاب مفاتيح العلوم: وهو كتاب جليل القدر اهـ انظر ص ١٥ من ج ٢ ولهم خوارزمي آخر له كتاب اسمه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ينقل عنه أبو سالم العياشي في كتابه «الحكم

стр. 495

بالعدل والأنصاف» تحت عنوان قال: أبو بكر الخوارزمي الشافعي ﵁ في مفيد العلوم، وهو مطبوع أيضا بمصر وأكبر جرما من الذي قبله، وكثير من القاصرين لا يفهمون؛ أن أهل القرن الرابع دونوا مدخلا للعلوم والفنون، يشتمل على الموضوعات والمصطلحات العلمية الموجودة لذلك العهد. ثم قاضي طليطلة صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ ألف كتابه طبقات الأمم وقد طبع أخيرا ومن وقف عليه يندهش لأسلوب وضعه، وواسع اطلاعه وبحثه، وجمعه باعتبار أنه بقلم أهل المائة الخامسة. ثم الإمام أبو حامد الغزالي عدّد أنواع العلوم وفوائدها، وموضوعاتها في كثير من كتبه، وخصوصا في كتابه فاتحة العلوم والجواهر، ولما ذكر في كتابه الجواهر وكتاب الأربعين؛ أنواع العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز، واعتذر بعد ذلك عن إعراضه عن عدّها بأن القصد إنما هو ذكر ما يتعلق بالقرآن الكريم، ويتوقف على معرفته صلاح العباد والمعاش، قال بعد ذلك فيما يرجع لجنس تلك العلوم: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها، أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم لم تخرج إلى الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها، وعلوما قد خرجت إلى الوجود، واندرست الآن، فلم يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوما أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها. وكانت وفاته ﵀ سنة ٥٠٥. ثم كتاب الفنون للإمام فخر العراق والحنابلة؛ أبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي، المتوفي سنة ٥١٣. قال سبط ابن الجوزي في ترجمته من مراة الزمان، وهو مائتا مجلد، جمعه طول عمره قال: واختصر منه جدي عشر مجلدات: فرّقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحو سبعين. وفيها حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب. ثم كتاب قيد الأوابد لمحمد بن حسين الزاغوكي الشافعي المتوفي سنة ٥٥٩ عن ٧٩، وهو كما في كشف الظنون المطبوع: مجموع ذكر فيه العلوم كالتفسير وعلوم الحديث والفقه واللغة الخ الخ. ورتبها ولعلها بلغت أربعمائة مجلد، وفي رحلة الزيادي نقلا عن القاموس الجزم بأنه في أربعمائة مجلد. ثم جامع الفنون وقامع الظنون للوادياشي البرار المتوفي سنة ٥٩٦ منه الجزء التاسع في النجوم. وكتاب جامع العلوم لابن نسيب الحراني الحنبلي، المتوفي سنة ٦٩٥. ذكره في كشف الظنون. وكتاب جامع العلوم للفخر الرازي المتوفي سنة ٦٠٦. قال في كشف الظنون: وهو مجلد متوسط اشتمل على أربعين علما ألفه للسلطان علاء الدين تكش الخوارزمي، وهو كتاب مفيد جدا وفي ص ٥٧١ من ج ٢ من كشف الظنون: أن للفخر الرازي كتاب «حدائق الأنوار في حدائق الأسرار» أورد فيه ستين علما. ومن أعظم
следующие страницы →