العلاء، وأبي بكر الرازي، والكيا الهراسي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس، وابن خويز منداد، وأفرد آخرون كتبا فيما تضمنه من علم الباطن، وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث، وقد ألفت كتابا سميته الإكليل في استنباط التنزيل، ذكرت فيه كل ما استنبط منه من مسألة فقهية، أو أصلية أو اعتقادية، وبعضا مما سوى ذلك، كثير الفائدة، جمّ العائدة، فمن أراد الشرح لما أجملته في هذا الباب فليراجعه من أراد الوقوف عليه.
(فصل) قال الغزالي وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية. وقال بعضهم: مائة وخمسون. قيل: ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام. قال عز الدين ابن عبد السلام في كتاب «الإمام في أدلة الأحكام» :
معظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب واخلاق جميلة حسنة، ثم في الآيات ما صرح فيها بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الإستنباط إما بلاضم لآية أخرى؛ كاستنباط صحة نكاح الكفار في قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وصحة صوم الجنب في وقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة: ١٨٧] الآية وإما كاستنباط أقل الحمل ستة أشهر في قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ١٤] قال ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر، وتارة بإخبار مثل قوله: أحل لكم، حرمت عليكم الميتة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وتارة لما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوّع الشارع في ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا إلى أذهانهم. فكان فعل عظّمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالإستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالأقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين وبالنفس اللوامة، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو شكره له، أو لهدايته أياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصرة فاعله، أو وعده بالأمر أو نصب سببا للولاية، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه أو بكونه قربة أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب.
وكل فعل طلب الشارع تركه، وذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبة فاعله، أو الرضى به، أو عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء، أو كراهة، أو استعاذة الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جعل سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل، أو آجل أو لوم أو ضلالة، أو معصية أو وصف لخبث، أو رجس أو نجس، أو بكونه فسقا، أو ضلالة أو سببا لإثم، أو رجس، أو لعن، أو غضب أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله، أو لمحاربته، أو لاستهزائه، أو سخريته أو جعله
стр. 492
سببا لنسيان فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث، أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان، أو تزيين الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلما، أو عدوانا، أو بغيا أو إثما أو مرضا، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسف والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله، عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو أعلن فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره، أو قيل فيه: لا ينبغي هذا أو لا تكون أو أمره بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاد له أو هجر فاعله، أو لعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعاء بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل إجتنابه سببا للفلاح، أو جعل سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل: هل أنت منته؟ أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعاد أو طرد أو لفظة قتل من فاعله، أو قاتله الله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه ولا يزكيه يوم القيامة، ولا يصلح عمله ولا يهدي كيده، ولا يفلح أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لازاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله، وسؤاله عن علة الفعل، فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة.
وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ونفي الجناح، والحرج والإثم، والمؤاخذة من الاذن، والعفو عنه، ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، بالإنكار على من حرم الشيء، من الأخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والأخبار عن فعل من قبلنا غير ذام لهم عليه، فإن اقترن باخباره مدح دل على مشروعيته، وجوبا أو استحبابا اهـ كلام الشيخ عز الدين.
وقال غيره: قد يستنبط من السكوت، وقد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا وقال: إنه مخلوق. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق. ولما جمع بينهما غاير فقال: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان اهـ من الإتقان وما أتمه وأوسعه ونحوه، في مقدمة الإكليل في استنباط التنزيل راجعه أيضا.
وفي ترجمة أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن بندار القزويني، المفسر المتوفى سنة ٤٨٨، أنه أهدى إلى نظام الملك «١» أربعة أشياء، لم يكن لأحد مثلها: منها؛ مصحف بخط بعض الكتاب المجودين بالخط الواضح، وقد كتب كاتبه اختلاف القراء بين سطوره
стр. 493
بالحمرة، وتفسير غريبه بالخضرة، وإعرابه بالزرقة، وكتب بالذهب العلامات على الآيات الوعد والوعيد وما يكتب في التعازي والتهاني اهـ.
تتمة قدمنا أن أوسع موسوعات عرفها البشر القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والموسوعات وإصطلاح اليوم الكتب المجموع فيها الكلام على عدة علوم، وأنواع فهوم كدوائر المعارف، التي قصد فيها تدوين كل ما يخطر بالبال في الماضي والحال والإستقبال، وقد علمت مما ذكرناه عن القرآن وما بين طواياه أنه يجب أن يكون أول موسوعة ودائرة معارف عرفها البشر، وقد اعترف بذلك حتى فطاحلة الفرنج الدكتور (موريس) الفرنسي: القرآن بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة لللغويين وآجرومية لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروض لمحب الشعر وتهذيب العواطف و (انسكلوبيديا) دائرة معارف عامة للشرائع والقوانين اهـ.
وقال الدكتور (بوسورت سميت) في كتابه (حياة محمد) من حسن الحظ الوحيد في التاريخ دون غيره، أن محمدا أسس في وقت واحد ثلاثة أشياء: من عظائم الأمور وجلائل الأعمال، فإنه مؤسس لأمة وإمبراطورية وديانة، مع أنه أمي. وقلما كان يقدر أن يقرأ أو يكتب، ومع ذلك أتى بكتاب هو آية في البلاغة، ودستور للشرائع وللصلاة وللدين في آن واحد الخ كلامه.
وقد قال الإمام فخر الدين الرازي طالعة [في مقدمة] تفسيره الكبير مفاتيح الغيب:
إعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط من فوائدها عشرة آلاف عشرة آلاف مسألة، فاستبعد ذلك الحساد، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، وقدمت له مقدمة لتصير له كالبينة، على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول.
وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: حكى ابن عادل في تفسيره عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي: أنه استنبط منه بضع وسبعون ألف علم. قال: ولا يعزب عن علمك قول الأمام علي كرم الله وجهه: لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت.
أو كما قال بل سمعت عن شيخنا البكري، أنه تكلم على بعض علوم البسملة بكرة كل يوم في سنين في الأشهر الثلاثة منها، وأنه قال في بعض مجالسه: لو أردت التكلم على ذلك العمر كله لم يف أو كما قال اهـ.
وفي ترجمة أبي الإكرام زين العابدين البكري، من مسالك الهداية لأبي سالم العياشي: نقلت من خط شيخ والدي سيدي أحمد إذ قال: إن العارف محمد البكري تكلم على نقطة البسملة في ألفي مجلس ومائتي مجلس اهـ.
ولأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي كتاب في علوم القرآن، ذكره له ابن سليمان الردائي في صلته وقال: هو في مائة سفر. انظر حرف العين منها.
стр. 494
وبعد القرآن أول من اعترف التاريخ لهم بتدوين الموسوعات علماء الإسلام، لكن ابتداء التدوين فيها كان موضوعه والغرض منه عندهم إحصاء العلوم المستعملة، ثم وقع التوسع في الموسوعات شأن كل مرمى جديد.
وأول ما ظهر ذلك فيهم في القرن الرابع، ألّف الإمام أبو الرجاء محمد بن أحمد بن الربيع الأسواني الشافعي، المتوفي سنة ٣٣٥ المترجم في يتيمة الدهر للثعالبي وغيره، قصيدة في أخبار العالم، وقصص الأنبياء، والحديث والفلسفة والطب والفقه ومختصر المزني، وغير ذلك. ذكرها له في كشف الظنون المطبوع. وفيه: أنه سئل قبل موته كم بلغت قصيدتك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ألفا ومائة ألف بيت، وبقي علي أشياء تحتاج إلى زيادة. انظر كشف الظنون، والطالع السعيد، للكمال الأدفوي ص ٢٦٧. ولا تستغرب هذا العدد من النظم، عن أهل القرن الرابع، فقد جاء عن أهل القرن الثالث ما هو أعجب. ذكر أحمد بن يحيى ابن المرتضى: في باب ذكر المعتزلة من كتاب «المنية والأمل» في شرح كتاب الملل والنحل، في ترجمة بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي، أن له قصيدة في أربعين ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين. وبشر هذا توفي سنة ٣١٠ كما أرخه بذلك الذهبي، وابن البخاري، وكيفما ظننا أن مادة الأعداد مبالغ فيها، فلا تكون كل واحدة من هذه القصائد إلا أكثر من عدد أبيات الإلياذة، التي عدد أبياتها زهاء ١٦ ألف بيت.
وألف الإمام أبو نصر الفارابي المتوفي سنة ٣٣٩ كتابه في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، ووجوه الانتفاع بها، وفيه قال القاضي صاعد في طبقات الأمم: هو كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه اهـ ص ٦٢.
وقال عنه القاضي ابن الأزرق في روضة الأعلام: أحصى فيه العلوم القديمة وذكر فيه بعض علوم الإسلام اهـ وهو كتاب نادر الوجود توجد منه الآن نسخة خطية في إسبانيا، وهو مترجم إلى اللغة اللاتينية والعبرانية، ثم سمعت أنه طبع، ثم كتاب مفاتيح العلوم، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٧ ألفه لأبي الحسن عبيد الله بن أحمد العتبي، وقد قسمه إلى مقالتين: الأولى تشتمل على اثنين وخمسين فصلا، تجتمع في ستة أبواب، وهي الفقه، الكلام، النحو، الكتابة، الشعر، العروض، الأخبار. والمقالة الثانية اشتملت على اثنين وأربعين فصلا في أبواب: الفلسفة، المنطق، الطب، علم العدد، الهندسة، النجوم، الموسيقى، الخيال، الكيمياء. وقد طبع الكتاب المذكور في ليدن سنة ١٨٩٥ مسيحية، ثم في مصر وقد نقل عن هذا الكتاب المقريزي في الخطط؛ في تعريفه علم التاريخ فقال: قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخي:
في كتاب مفاتيح العلوم: وهو كتاب جليل القدر اهـ انظر ص ١٥ من ج ٢ ولهم خوارزمي آخر له كتاب اسمه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ينقل عنه أبو سالم العياشي في كتابه «الحكم
стр. 495
بالعدل والأنصاف» تحت عنوان قال: أبو بكر الخوارزمي الشافعي ﵁ في مفيد العلوم، وهو مطبوع أيضا بمصر وأكبر جرما من الذي قبله، وكثير من القاصرين لا يفهمون؛ أن أهل القرن الرابع دونوا مدخلا للعلوم والفنون، يشتمل على الموضوعات والمصطلحات العلمية الموجودة لذلك العهد.
ثم قاضي طليطلة صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ ألف كتابه طبقات الأمم وقد طبع أخيرا ومن وقف عليه يندهش لأسلوب وضعه، وواسع اطلاعه وبحثه، وجمعه باعتبار أنه بقلم أهل المائة الخامسة.
ثم الإمام أبو حامد الغزالي عدّد أنواع العلوم وفوائدها، وموضوعاتها في كثير من كتبه، وخصوصا في كتابه فاتحة العلوم والجواهر، ولما ذكر في كتابه الجواهر وكتاب الأربعين؛ أنواع العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز، واعتذر بعد ذلك عن إعراضه عن عدّها بأن القصد إنما هو ذكر ما يتعلق بالقرآن الكريم، ويتوقف على معرفته صلاح العباد والمعاش، قال بعد ذلك فيما يرجع لجنس تلك العلوم: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها، أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم لم تخرج إلى الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها، وعلوما قد خرجت إلى الوجود، واندرست الآن، فلم يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوما أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها. وكانت وفاته ﵀ سنة ٥٠٥.
ثم كتاب الفنون للإمام فخر العراق والحنابلة؛ أبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي، المتوفي سنة ٥١٣. قال سبط ابن الجوزي في ترجمته من مراة الزمان، وهو مائتا مجلد، جمعه طول عمره قال: واختصر منه جدي عشر مجلدات: فرّقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحو سبعين. وفيها حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب.
ثم كتاب قيد الأوابد لمحمد بن حسين الزاغوكي الشافعي المتوفي سنة ٥٥٩ عن ٧٩، وهو كما في كشف الظنون المطبوع: مجموع ذكر فيه العلوم كالتفسير وعلوم الحديث والفقه واللغة الخ الخ. ورتبها ولعلها بلغت أربعمائة مجلد، وفي رحلة الزيادي نقلا عن القاموس الجزم بأنه في أربعمائة مجلد.
ثم جامع الفنون وقامع الظنون للوادياشي البرار المتوفي سنة ٥٩٦ منه الجزء التاسع في النجوم. وكتاب جامع العلوم لابن نسيب الحراني الحنبلي، المتوفي سنة ٦٩٥. ذكره في كشف الظنون. وكتاب جامع العلوم للفخر الرازي المتوفي سنة ٦٠٦. قال في كشف الظنون: وهو مجلد متوسط اشتمل على أربعين علما ألفه للسلطان علاء الدين تكش الخوارزمي، وهو كتاب مفيد جدا وفي ص ٥٧١ من ج ٢ من كشف الظنون: أن للفخر الرازي كتاب «حدائق الأنوار في حدائق الأسرار» أورد فيه ستين علما. ومن أعظم
стр. 496
الموسوعات العربية التي جادت بها أقلام المسلمين في هذا التاريخ: الفتوحات المكية للشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، وهي في ٨ مجلدات ضخمة. وأود لو وفق معتن لجعل برنامج عام لمسائلها، وعلومها الكونية وفلسفتها الدينية، ليظهر للعالم العجب العجاب المنطوي في طيات هذا الكتاب العظيم.
وللسيد جلال الدين البخاري كتاب جامع العلوم ذكره صاحب الكشف أيضا.
ثم جاء بعد هؤلاء شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري النويري الكندي الشافعي المتوفي سنة ٧٣٢ له نهاية الارب في فنون الأدب قال في كشف الظنون في نيف وثلاثين مجلدا، قسمها إلى خمسة فنون، وكل فن إلى أبواب: الفن الأول في السماء، والآثار العلوية والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على خمسة أقسام. الثاني في الإنسان وما يتعلق به، الثالث في الحيوان الصامت. الرابع في النبات. والقسم الخامس في أنواع الطب وفي التاريخ، والقسم التاريخي ينتهي إلى سنة ٧٣١ وهو موجود كاملا في بعض مكاتب الاستانة، والمكتبة الخديوية بمصر وقد شرع في طبعه الآن بمصر «١» .
ثم جاء المؤرخ النقاد النسابة ابن فضل الله العمري، الكاتب الدمشقي المتوفي سنة ٧٤٨ له (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) في بضع وعشرين مجلدا، في الأدب والتاريخ والجغرافية والتاريخ الطبيعي، قسمه إلى قسمين: الأول في الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا، وهو نوعان الأول في ذكر المسالك، والثاني في ذكر الممالك. والقسم الثاني في سكان الأرض من طوائف الأمم، وتحت كل قسم أبواب. وتحت كل باب فصول. قال في كشف الظنون: هو في عشرين مجلدا كبارا، وذيله شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني، ذكره السيوطي في طبقات النحاة.
ثم جاء الإمام شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري المتوفي سنة ٧٤٩ فألف كتابه المسمى: ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ذكر فيه أصناف العلوم وأنواعها، وجملة ما فيه ستون علما منها عشرة أصلية: سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامها. وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنزل.
قال في كشف الظنون: وهو مأخذ مفتاح السعادة لطاشكبري زاده وقد ذكر في جملة العلوم أربعمائة تصنيف اهـ وقد طبع بمصر أيضا في جزء عام ١٣١٨ وعندي منه نسخة خطية سمعت في القرن الحادي عشر، على أبي مهدي عيسى الثعالبي المكي ﵀ بمكة.
ثم الإمام عبد الرحمن بن محمد البسطامي، ألف كتابا أورد فيه غرائب وعجائب حتى أورد فيه مقدار مائة علم، وذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية.
стр. 497
ثم المولى لطف الله بن حسن التوقادي المقتول سنة ٩٠٠ ألف وللسلطان بايزيد كتابا جمع فيه نبذا من العلوم، ثم شرحه وسماه المطالب الإلهية.
ثم جاء الحافظ الأسيوطي فألف النقاية في أربعة عشر علما وهي مشروحة بقلم السيوطي وغيره، ومنظومة قديما وحديثا. ومن أشهر من نظمها الشهاب أحمد بن عبد الحق السنباطي المصري، من أهل القرن العاشر. وشرح هو النظم في مجلدين.
ثم جاء العلامة الأرتقي وهو في المائة العاشرة فألف مدينة العلوم، في تعريفات العلوم، وتراجم المؤلفين وهو كتاب مفيد يبحث في العلوم وأقسامها، وأشهر من ألف فيها بدأ بالخط فالكتابة وفروعها وعلومها، وتاريخ نشوئها، والشعر والأدب والعلوم الطبيعية والميكانيكية والسياسة والدين، وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر. ووقفت على نسخة من كتاب مدينة العلوم بالمغرب، وهي في مجلد وسط ولكنها منسوبة لعصام الدين أبي الخير أحمد بن الإمام مصلح الدين، وهو والله أعلم أبو الخير عصام الدين أحمد بن مصلح الدين مصطفى المعروف بطاشكبري زاده المتوفى سنة ٩٦٧، والمعروف للمذكور كتابه المسمى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة تكلم فيه على العلوم وأقسامها وتفرعها، وجعله على طرفين: الأول في خلاصة العلم؛ والثاني في تعداد العلوم وضمنه ثلاثة أقسام الهية واعتقادية وعملية، وجعل علم الأخلاق ثمرة كل العلوم. قال في كشف الظنون: ذكر فيه مائة وخمسين فنا اهـ.
قلت: وقعت لي منه نسخة خطية عتيقة فعددت العلوم المذكروة فيها فإذا هي مائة وخمسة وهذا برنامج ما فيه من العلوم لتستفاد:
الدوحة الأولى: في العلوم الآلية ولها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الآلية اللفظية العربية، وهي تنقسم إلى القسم اللفظي، وإلى القسم الخطي. القسم الأول في اللفظي:
فمنها على مخارج الحروف، علم اللغة، علم الاشتقاق علم الصرف، علم التمييز، علم النحو، علم المعاني، علم المحاضرة، علم التواريخ، علم السير والمغازي، علم البيان، علم البديع، علم التصحيف، علم العروض، علم القوافي، علم قرض الشعر، علم مبادي الشعر، علم الإنشاء، علم الأمثال، علم وقائع الأمم ورسومهم على مسامرة الملوك، علم استعمالات الألفاظ، علم الأحاجي والأغلوطات، علم الترسل، علم السجلات.
القسم الثاني: من علم الأدب فيما يتعلق بالخط العربي من العلوم: علم قوانين الكتابة، علم ترتيب حروف التهجي في الكتاب، علم تحسين الحروف، علم كيفية تولد الخطوط عن أصولها، علم تراكيب الأشكال، بسائط الحروف، علم إملاء الألفاظ العربية.
الشعبة الثانية في العلوم الآلية المعنوية: علم المنطق، علم النظر والمناظرة، علم الجدل، علم الخلاف.
стр. 498
الدوحة الثانية في العلوم الإعتقادية: وفيها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الشرعية.
الاعتقادية: علم النواميس، علم القراءة، علم التجويد، علم الوقوف على رسم المصحف، علم الناسخ والمنسوخ، علم أسباب النزول، علم غرائب القرآن، علم دفع مطاعن القرآن، علم التفسير، علم التأويل، علم إشارات القرآن، علم دلائل الإعجاز مع خواص القرآن، علم أدب الدعاء وأوقاته، علم الخواص الروحانية، علم التصرف بالحروف والأسماء، علم متن الحديث، علم رجال الحديث، علم ناسخ الحديث ومنسوخه، علم أسباب ورود الأحاديث، علم شرح الحديث علم تأويل الحديث، علم رموز الحديث وإشاراته، علم غرائب لغات الحديث، علم مطاعن الحديث، علم تلفيق الأحاديث، علم طب النبي ﷺ ، علم المواعظ، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار، علم أصول الدين، علم أصول الفقه. الشعبة الثانية في العلوم الاعتقادية الحكمية والعلوم الفلسفية العلم الإلهي، علم التصوف، علم السير، علم الطير، علم الفناء والبقاء، علم الزهد والورع، علم البرزخ، علم الآخرة، علم الجفر والقضاء، علم الطبيعي، علم الطب، علم الباه، علم البيطرة والبيزرة، علم نوع النبات، علم الحيوان، علم الصيدلة، علم التشريح، علم الكحالة، علم الأطعمة والمزورات، علم الفراسة، علم الاختلاج، علم النظر في الكف، علم تعبير الرؤيا، علم قوس فزح، علم أحكام النجوم، علم الأدوار والأكوار، علم القرآآت، علم السّحر، علم الكهانة، علم كشف المدك كذا وإيضاح الشك، علم الحيل الساسانية علم الطلسمات، علم التبارج، علم استنزال الأرواح في قوالب الأشباح، علم العزائم، علم الكيميا، علم المعادن، علم معرفة الجواهر، علم الفلاحة، علم الرمل، علم الفال والقرعة.
العلوم الرياضية علم الهندسة، علم عقود الأبنية، علم المناظر، علم المرايا المحرقة، علم المراكز، علم الأثقال، علم المساحة، علم انبساط المياه، علم جر الأثقال، علم البنكامات، علم التعديل، علم الآلات الحرثية، علم الآلات الروحانية.
القسم الثاني في الهيئة علم الزيجات، والتقاويم، علم الجغرافية، علم المواقيت، علم كيفية الارصاد، علم تنظيم الارصاد، علم تسطيح الكرة، علم الآلات الظلية.
القسم الثالث العلم العددي ويسمى الارتماطيقي، علم الحساب، علم حساب التحت والميل، علم الجبر والمقابلة علم حساب الحظائر علم حساب الدور والوصايا علم حساب الدرهم والدينار علم خواص الأعداد علم التعابي العددية في الحروف، علم الحروف النورانية والظلمانية، علم التصريف بالإسم الأعظم، القسم الرابع علم الموسيقى، علم الرقص، علم الغنج.
(العلوم العلمية) وهي على قسمين: الأول: علم الفقه، علم الفرائض، علم الشروط
стр. 499
والسجلات، علم معرفة الساعات، علم معرفة قسم التركة، علم الموعظة، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار.
القسم الثاني: علم الاحتساب، علم كيفية تحصيل ما لا يفي، علم كيفية ترتيب العساكر، علم الملاحة، علم الآلات الحربية.
النوع الثاني في الحكمة العملية: علم الأخلاق، علم تدبير المنزل، علم السياسة، وبها تم الكتاب فمجموع العلوم التي ذكر كما علمت ١٦٥.
وقد وقع في تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج ٣ ص ٣١٦ إن عدد علومه نحو ٣٠، وكذا جاء، في ص ٣١٦ من الجزء الثاني انظره وكأنه اشتبه عليه كتاب طاشكبري، بكتاب ولده ففي كشف الظنون: بعد أن ذكر كتاب مفتاح العلوم، ثم ترجمه ولده المولى كمال الدين محمد المتوفي سنة ١٠٣٢ بإلحاقات كثيرة في مجلد كبير؛ فبلغ فيه من العلوم خمسمائة فن ولم يعرج جرجي زيدان على الذيل المذكور في التاريخ المذكور، وهو عجيب منه. ولعل الأصل والفرع؛ كل منهما يعرف بمفتاح العلوم؛ فقد يشيرون إلى الأصل، ويريدون الفرع والعكس. ولذلك وجدت صاحب كشف الظنون في فصل تقسيم العلوم؛ ذكر أيضا برنامج علوم كتاب طاشكبري، فأوصلها إلى ثلاثمائة وخمسة علوم، فلعله عنى به الذيل المذكور، أو غير ذلك. وقد وقفت على الذيل المذكور بمراكش سنة ١٣٣١، فإذا جرمه ضعف النسخة التي عندي، وقد طبع في الهند قريبا.
رأيت ذلك في بعض الإعلانات والله أعلم.
وممن فرّق بين ما للوالد والإبن الشيخ حمزة فتح الله المصري في كتاب المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية فإنه ذكر أن أحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبري زاده له مفتاح السعادة الذي جمع فيه مائة وخمسين فنا، وزاده ابنه كمال الدين محمد المتوفي سنة ١٠٣٢ حتى بلغ خمسمائة فن. انظر ص ٢٢ من الجزء الأول وفيه أيضا: أحسن تقسيمات العلوم ما ذكره الإمام طاشكبري في مفتاح السعادة، وذكر أنه سرد من علوم النظر ثلاثمائة وخمسة، واعترض بأن في ذكره تكثيرا كذكره في فروع التفسير الأنواع المذكورة في إتقان السيوطي وأجيب بأن الإعتراض على المؤلفات سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها، كما يشاهد في المباني الضخمة إذ يعترض على بانيها كل سخيف الفكر، لا يقدر أن يضع حجرا منها على حجر، ثم وجدت في ص ٥٧١ من كشف الظنون أن ابن طاشكبري المولى كمال الدين محمد؛ نقل مفتاح السعادة لوالده إلى التركية ببعض إلحاقات وتصرف في مجلد كبير، وإنه توفي سنة ١٠٣٢ فانظره والله أعلم. وذكر أيضا أن المولى محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفي سنة ١٠٣٦، جمع كتابا للسلطان أحمد العثماني أورد فيه ٥٣ علما من أنواع العلوم العقلية والنقلية، وسماه الفوائد الخاقانية لأحمد خانية، ورتبه على ميمنة وميسرة، وساقة وقلب، على نحو ترتيب جيش السلطان، المقدمة
стр. 500
في ماهية العلم وتقسيمه، والقلب في العلوم الشرعية، والميمنة في العلوم الأدبية، والميسرة في العلوم العقلية، وأورد فيها ثلاثين علما، والساقة في علم آداب العلوم. وإنما اقتصر على ذلك العدد، ليكون موافقا لعدد اسم أحمد على حساب أبجد، ثم ألف بعد طاشكبري؛ الشيخ عبد القادر الطبري المكي كتابه: عيون المسائل من أعيان الرسائل، جمع فيه ٤٠ علما، ولكن الموجود من نسخته المطبوعة أقل منها، ثم ألف بعد ذلك مصطفى حاجي خليفة المتوفي في سنة ١٠٦٧ كتابه كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون، واستوعب فيه الكلام، على الفنون التي ذكرها طاشكبري زاده، في المفتاح الكبير والصغير، وما ألف فيها وكتاب الكشف هذا في مجلدين وله ذيول طبعت معه ولكن الطابعين لم يميزوا بين الأصل والفرع، فأوقعوا المطالع والناقل في الإشتباه، وسبب ذلك جهل المصححين والطابعين، أو قل المطالعين. ثم ألف بعده أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي المغربي المتوفي سنة ١١٠١ القانون، وهو في مجلد وسط، ألفه في أحكام العلم، وأحكام العالم، وأحكام المتعلم، فهذه ثلاثة أبواب. وفي الفصل العاشر من الباب الأول: عرّف العلم وتكلم على تقسيم العلوم، فذكر أولا أنها تقسم على الجملة إلى قديمة وحديثة، وفلسفية، أو جلية أو إما قديمة أو إسلامية. قال: وهو اضبط، ثم ساق العلوم، فقسمها إلى ما رآه وهو تقسيمها إلى: فلسفية أو إسلامية، فبدأ بالفلسفيات، ثم الشرعيات، وهو كتاب مفيد جدا، فيه كثير من الأبحاث والفرائد.
وألف أيضا عصريّه أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي بلدا ولقبا المتوفي سنة ١٠٩٦؛ كتابه الأقنوم في مبادي العلوم، وهو نظم رجزي، في نحو السبعة عشر ألف بيت.
وفي ترجمة مؤلفه من نشر المثاني للقادري: أنه اشتمل على مائة وخمسين علما أو أزيد.
وفي الصفوة للأفراني: اشتمل على أزيد من ثلاثمائة علم: ولكن ناظمه لم يكمله.
وهذا بيان ما في نظم الأقنوم من الفنون، مع بيان عدد أبيات كل فن: علم العقائد ٢٩ بيتا، علم التفسير ١٠٧، علم اصطلاح الحديث ٤٩، علم أصول الفقه ٥٢، علم فقه الفرائض ٣٠، علم النحو ٥٦، علم التصريف ٤٤، علم الخط ٢٦، علم المعاني ٧٣، علم البيان ٣١، علم البديع ٥٢، علم التشريح ٣٦، علم الطب ١٢٤، علم التصوف ٥٠، علم الكلام ٦٢، علم القرآات ٣٠٣، علم السير ١٩٦، علم الجدل، ١١٨ علم عمل الفرايض ٩٨، علم الجمل ٤٦، علم الرسم ١١٢، علم الضبط ٤٥، علم العروض ٧٨، علم القوافي ٢٤، علم الأدب ٢٤٥، علم الجراحات ١١٦، علم العلاج ١٤٦، علم آداب الدين ١٥١، علم المنطق ٦١، علم التجويد ١٣٢، علم الشمائل ٨٩، علم الخلافيات ٨٠، علم الفرائض بالكسور ٣٦، علم صنعة الإعراب ٩٤، علم اللغة ١٧١، علم الكتابة ٥٥، علم ميزان الشعر ٩١، علم أصول القوافي ٧٧، علم الموسيقى ٧٢، علم البيطرة ١١٥، علم طب الحيوان ٧٤، علم الأذكار النبوية ٥٩، علم المكونات ١٧٤، علم الوقف
стр. 501
والابتداء ١٢٠، علم الحديث ١١٣، علم السفسطة ١٢١، علم الحساب ١١٨، علم أصول النحو ٣٣٥، علم نظائر النحو ٦٧، علم أسرار الرسم ١٥٥، علم كتابة الشعر ٣٣، علم أصول اللغة ٥١، علم قانون اللغة ٨٤، علم البيزرة ٦٩، علم طب الطير ٨٦، علم التربية بالإصطلاح ٤٤، علم الفلسفة ١٢١، علم آداب القراءة ١١، علم التاريخ ١٧٨، علم الفقه ٤٧٤، علم العدد ١٢٩، علم الجبر والمقابلة ١٧٠، علم التكسير ٥٠، علم الإرتماطيقي ١٣٨، علم الهندسة ١٨٤، علم الجغرافيا ١٥٩، علم الاختلاج ٨٠، علم الفراسة ٧٩، علم السياسة ٧٢، علم الرياسة ١٨٠، علم الإلهيات ١٥١، علم العشر ٨٧، علم الأحكام ٤٤٥، علم القضاء ١٥١، علم الفتيا ٤٨، علم التعبير ٨٨، علم الإسطرلاب ٥٨، علم الربع المجيب ٨١، علم الصفيحة الزرقالية ٦٩، علم الصفيحة الشكارية ٦٣، علم الربع المقنطر ١١٧، علم الاسطرلاب الجنوبي ٣٢، علم السيميا ٢٨٩، علم الحكمة ١١٣، علم الهيميا «١» ١٧٠، علم الطبيعيات ١٩٠، علم العاديات ١١٨، علم خط الرمل ٢٤٠، علم الكتف ٨١، علم الأوفاق ٨٤، علم الوثائق ٤٧، علم فرض النفقات ٤٨٠، علم البرهان ٢٩، علم الحسبة ٥٣٣، علم النظارة ٧٠، علم نظر المواريث ٦٤، علم الهيئة ٣٤٤، علم الفلك ١٤٧، علم المجسطي ٣١، علم جومطريقا ٢٤، علم الكلام العرفاني ١٤٢، علم أسرار الدين ١٠٤، علم الشهادة ١٧٢، علم النواميس ١٧٦، علم المناظر ٥٦، علم الأنساب ٣٦١، علم المساحة ٢٦، علم التوقيت ٥٩، علم الأرصاد ٤٣، علم التعديل ٥٤، علم أحكام النجوم ٦٢، علم أنساب الشرفاء ٦٥، علم العشر ١٨، علم الجمع الكبير ١٧، علم جمع الجمع ١٩، علم السبع الصغير ١٦، علم أصول الدين ٢٦، علم العقائد الحاتمية ٣٢، علم الأصول الوسطى ٣٧، علم الهيئة الحاتمية ٥، علم المولدات ٧٨، علم الدول ٢٠، علم عروض المولدين ١٨، علم التوقيت المأثور ٤٤، علم الرواية ٢٧، علم الطب النبوي ٣٩، علم الفقه الشافعي ٥٢٧، علم الفقه ٢٦٤، علم الفقه الحنبلي ٤٢٦، علم الهيئة السنية ١٦، علم النجوم ١٧، علم الطلسمات ١٩، علم الغراسة ١٦، علم الأسماء ١٩٠، علم الأزياج ١٥، علم الفلاحة ١٤، علم فلاحة النحل ١٥، علم فلاحة الدجاج ١٦، علم فلاحة الحمام ١٥، علم فلاحة الأوز والبرك ١٤٠، علم الحروف ١٦، علم الديميا ١٥، علم الكهانة ٢٩، علم ميزان الماء ١٦، علم الأمثال ١٧، علم القيافة ١٥، علم الإشارة ١٦، علم أسرار الخليقة ١٨، علم تشريح الطير ٧، علم تشريح الدواب ٢٠، علم فراسة الحيوان ١٥، علم أحكام الأهلّة ٢١، علم آل دشمان «٢» ٢٠، علم المسامتات ٧، علم طب النبات ١٧، علم أسرار الحروف ٣٣، علم الاستخدامات ٣٨، علم الطب بالألحان ٨، علم مساحة الأرض ١٥، علم إعراب المعجم
стр. 502
٨، علم حساب التحت والميل ٢١، علم عقود الأبنية ١، علم المطابقة ١٠، علم الموازنات ٩، علم المعاملات السكية ٢٢، علم المعاملات الطبية ١٧، علم المخارجات ١٧، علم أسرار العدد ١٦، علم الاقتباسات ٦، علم السياسة العقلية ٤، علم تدبير الطبيعة ٣٨، علم أرض الحقيقة ١، علم الرياضة ١، علم صور المعاني ١، علم اختلاف الصور ١، علم أسرار الطبيعة ١، علم التاريخ النجومي ٦، علم الاستعدادات ٣٧، علم الزجر ١٨، علم التفاؤل ١٧، علم الوفيات ٨، علم المناسبات ١٥، علم البنكمات ١، علم السيرة النجومية ١، علم الماديات ١، علم هيئة الأرض ١، علم التدريس ٨، علم الفراسة الروحانية ٤، علم التأليف ٦، علم هندسة الأشجار ١٨، علم التواريخ القرآنية ١٩، علم هندسة المخروطات ١، علم التشكيك ١، علم الطواعية ٥، علم التفاوت ١، علم السياسة الشرعية ٥، علم إعمار العقاقير ٧٤، علم إبدال العقاقير ٧٩، علم قوى العقاقير ١١، علم الأقرباذين ١٤، علم الشعوذة ١٤، علم نوريك ١٧، علم الشطارة ١٧٨، علم الشمعنة ١٥، علم النجامة ٣٩، علم أصول الطب ١٧، علم المساحة بالإسطرلاب ١٦، علم التعبير من الفلك ١٣، علم المساحة بالربع ١٥، علم الطب من الحروف ١٨، علم المساحة الفلكية ١٧، علم الهيئة التوقيتية ٢٣، علم استنباط المياه ٢٧ علم الضروريات ١٧، علم الاستحضار ٢٠، علم المساحة بالخطابين ٧، علم المساحة بالجبر ٧، علم الطب بالخيل ١٧، علم الهيئة الريحية ٤، علم حساب الجملة ٢٠، علم حساب التعديل ١٩، علم الاستنزالات ٣٨، علم الجليان ١٨، علم حساب العام ٥٣، علم الروحانيات ٣٢، علم الامتزاجات ٢٠، علم الاختبارات ١٨، علم حساب الخطأين ٨، علم الجدول ١٨، علم حساب الربع ١٦، علم العرافة ١٨، علم الاختبارات السنية ٧، علم المناظرة ٣٦، علم تضاد النبات ١، علم الخط المنصف ١، علم طب الخط ١٠، علم الخط المجرور ١، علم التقويمات ١٧، علم الاختيارات الطبية ٤٣، علم الطب النجومي ١٧، علم وضع الإسطرلاب ١٤، علم تخطيط الرخام ١٤، علم الإطريمونا ١٦، علم فلاحة الدواب ١٨، علم الخنقرطات ١٨، علم يداقبا ١٨، علم الزيرجة ١٩، علم السرجعة ١٧، علم السحر ١٩، مراكز الأثقال ١، علم المرايا المحرقة ١، علم جر الأثقال ١، علم المجسطي الحاتمية ١، علم الزجر ٣٨، علم ميزان الملحون ٨، علم الوجهتين ١، علم الإرتباطات ١، علم تدبير المنزل ١، علم الأخبار ٥٦، علم أخبار المكاشفة ١٠، علم رسم الرخام ٢٠، علم المرائي ٧١، علم الفروسية ١٩، علم تزبير الأشجار ١٨، علم الزراعة ١٩، علم وضع الجدول ١٧، علم التداخل ١، علم أنولوطيقا ١، علم طوريقا ١، علم الفراسة النبوية ١، علم حيل الشريعة ١، علم فراسة المسكي ١، علم المتقابلات ١، علم الاختيارات التجربية ١٨، علم التوسم ٨، علم الأخلاق ١١، علم الرقي ١، علم المخمس الخالي ٢٧، فجميع ما فيه ٢٧٨ فنا عدد أبياتها بعد ضم ٦٢ بيتا في الخطبة ١٧٣٨٣ بيتا.
стр. 503
كما ألف العلامة الشيخ علي الموصلي: طوالع النجوم في مفاخرة العلوم، ضمنه المفاضلة بين ثلاثة وسبعين علما من العلوم.
ثم جاء بعدهم فاضي فاس، الشيخ الطالب بن حمدون بن الحاج المتوفي سنة ١٢٧٤ فألف كتابه الأزهار الطيبة النشر، فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادي العشر، وهو مفيد جدا وقد طبع بفاس، وألف بعده نادرة علماء مصر الشيخ عبد الهادي الأبياري المتوفي سنة ١٣٠٦، كتابه سعود المطالع وشرحه في مجلدين مطبوعين بمصر، جمع فيه نحو الأربعين علما وهو مفيد جدا توسع فيه ما شاء، وأفاض وأطاب. ثم دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي المصري وهي في عدة مجلدات طبعت مرارا وكتابه كنز العلوم واللغة أيضا وهما من أفيد ما ألف في عصرنا هذا، مما يناسب روح العصر، وتقريب الأقصى، بلفظ موجز مع حسن الترتيب والتبويب والتقسيم والتسهيل جزاهم الله خيرا آمين.
باب في أن السنة بنت القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه في القرآن
قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله ﷺ إلا وجدت مصداقه في كتاب الله، وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله، أخرجها ابن أبي حاتم وقال ابن برهان: ما قال النبي ﷺ من شيء إلا وهو في القرآن، أو فيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه، وعمي عنه من عمي. وكذا كل ما حكم به أو قضى به، وإنما يدرك الطالب من ذلك بمقدار اجتهاده، وبذل وسعه ومقدار فهمه.
وفي أزهار الرياض لأبي العباس المقري، ناقلا عن خط أبي زيد عبد الرحمن بن القصير الغرناطي، على هامش الشفا، لشيخه عياض على قوله فيها: هو أي القرآن الفصل ليس بالهزل، قال عبد الرحمن: قال بعض من أدركنا من أهل العلم المتبحرين في العلوم:
الحديث الصحيح اطلبوا لفظه أو بعض لفظه أو معناه في القرآن، تجدوه، هذا من ذلك القبيل اهـ.
وذكر الإمام ابن مرزوق عن بعض شيوخه أنه كان كثيرا ما يشرح مضمون الأحاديث من الآيات. وقال ﵀، حين ذكر: الصبر عند الصدمة الأولى «١» . الحديث أن نظيره من القرآن قوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: ١٧٦] اهـ كلام ابن مرزوق بمعناه.
قلت: قد سلك هذه الطريقة من خيار عصرنا، الفقيه الصالح البركة العلامة العارف الصوفي، سيدي عبد الرحمن الفاسي حفظه الله، ذكر عنده حديث فاطمة في طلب الخادم من
стр. 504
النبي ﷺ ، وقول النبي ﷺ لها ولعلي: فذاك خير لكما من خادم، قال حفظه الله مصداق ذلك قوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً [الكهف: ٤٦] الآية اهـ.
وفي نفحة المسك الداري، لجد جدنا من قبل الأم أبي الفيض حمدون بن الحاج على قوله في نظمه لمقدمة ابن حجر:
كأن كتاب الله منسوج سندس ... ولفظ رسول الله طرز معلّم
كأن كتاب الله من قوم عسجد ... ولفظ رسول الله غنج متمم «١»
فكتب على شرحها بقلمه عن نفسه؛ أنه كان يدرس الصحيح، ويبين في كل باب أصله من الكتاب.
وفي رياض الورد لولده خاتمة المحققين المطلعين بفاس، أبي عبد الله محمد، الطالب بن حمدون بن الحاج، الذي ألفه في ترجمة والده المذكور؛ أنه كان كثيرا ما يشرح مضمون أحاديث الصحيح من الآية، ويبين في كل ترجمة أصلها من الكتاب. قال: وهذه طريقة أهل العلم المتبحرين في العلوم اهـ منه.
وقد سبق عن السيوطي أن ابن برهان وهو الإمام العارف أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان المعروف بأبي الرجال، دفين مراكش بعد الثلاثين وخمسمائة، أفرد كتابا فيما تضمنه القرآن من معاضدة الأحاديث.
قلت: وهذا الكتاب لابن برجان خاص بأحاديث صحيح مسلم وقفت على تسميته في ذيل على صلة ابن بشكوال عندي، بخط اندلسي لم أقف على اسم مؤلفه، وهذا سياقه في ترجمة ابن برجان، وألف كتاب الإرشاد، قصد به استخراج أحاديث صحيح مسلم بن الحجاج، من كتاب الله تعالى، فتارة يريك الحديث من نص آية، وتارة من فحواها، وتارة من إشارتها، ومن مجموع آيتين متوافقتين أو مفترقتين، ومن عدة آيات إلى أشباه هذه الماخذ، حتى وفي كتابه بالمقصد المذكور، بما عليه احتوى، وأراك عيان قوله تعالى: في نبيه ﷺ : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] اهـ منه وهذا الكتاب من أنفس ما ألفه المسلمون وأغربه، وهو يلي كتاب الخزاعي عندي في الأهمية ولو ظفرت به لسموت.
باب مقدار الأحاديث الواردة عنه ﷺ
لا يخفى أن الإحصاء لها غير ممكن، ضرورة أن عدد الصحابة لم يحص إلا على وجه التقريب، لأن الناس في القرن الأول لم يعتنوا كلّ الإعتناء بالتدوين، كيف وفي الصحيح أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك، وأصحاب رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ يعني ديوان، وفي الفية العراقي:
стр. 505
والعد لا يحصرهم فقد ظهر ... سبعون ألفا بتبوك وحضر
أربعون ألفا وقبض ... عن دين مع أربع آلاف تنض
ومع ذلك لم يبلغ مجموع ما في تصانيف من صنف عشرة آلاف، وسبب ذلك أن الناس في القرون الأولى، لم يعتنوا بالتدوين في عددهم وضبطهم، ولكن بعلمك مقدار ما كان الأئمة يحفظونه تعلم مقدار السنة على وجه التقريب، ففي شرح بديعية البيان للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: أول محفوظ المحدثين من المتقدمين، كما قال أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث اهـ.
وفي القوت للإمام أبي طالب المكي قيل للإمام أحمد بن حنبل: إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي؟ قال: لا. قيل فمائتي ألف حديث؟ قال: لا. قيل فثلاثمائة ألف حديث؟ قال: أرجو اهـ انظر اهـ ١٤٧ من ج ١.
وفي ثمار مشتهى العقول في منتهى النقول، للأسيوطي كان أبو زرعة يحفظ ألف ألف حديث، والبخاري حفظ عشرها مائة ألف حديث، والكل من بعض محفوظ الإمام أحمد بن حنبل اهـ.
وقال عبد الوهاب الوراق؛ كما في غذاء الألباب: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
قالوا: وأي شيء بان لك من فضله وعلمه، على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة. فأجاب فيها بأن قال: حدثنا وأخبرنا، وروينا، وإلى هذا أشار الإمام الصرصري في لاميته بقوله:
حوى الف ألف من أحاديث أسندت ... وأثبتها حفظا بقلب موصّل
أجاب على ستين ألف قضية ... بأخبرنا لا من صحائف نقل
قال السفاريني في ص ٣٥٩ من ج ٢ وهذه لا يعلم أحد من أيمة الدنيا فعلها ونقل في ص ٣٦٩ من ج ٢ عن صيد الخاطر لابن الجوزي؛ أن الإمام أحمد دار الدنيا مرتين حتى جمع المسند اهـ وذكر في محل آخر؛ أن مسنده ثلاثون ألف حديث غير المكرر، والتفسير مائة وعشرون ألفا. وذكر في محل آخر أنه ذكر غير واحد من الحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني أنه لم يحط أحد بسنة المصطفى ﵇ غير الأمام أحمد بن حنبل.
قال السفاريني: وهذه منقبة امتاز بها عن سائر هذه الأمة، وعمن مضى، وعمن بقي من الأيمة اهـ من ص ٢٥٨ من ج ١ من شرح منظومة الآداب قلت: وانظره مع ما نصّوا عليه؛ من أن الحاكم الذي هو لقب المحيط بالسنة، لم يوجد ولا يوجد. وانظر أبن نص على ذلك الحافظ فهو في عهدته ولكن الناقل أمين، وفي كشف الظنون لدى كلامه على جمع الجوامع: لا مجال إلى دعوى الإحاطة والاستيعاب، لتعذر الوصول إلى جميع الروايات والمسموعات اهـ.
стр. 506
وقد قال الحافظ الأسيوطي أول تدريب الراوي له ص ٨: ومما روي في قدر حفظ الحفاظ قال أحمد بن حنبل: انتقيت المسند من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث قيل له وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب وقال يحيى بن معين: كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال البخاري:
أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن. وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث. سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت أبا عبد الله بن وارة يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف. وهذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ سبعمائة. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين اهـ.
قلت: رحم الله الحافظ البيهقي فقد أزال عن القلب غمة، ورفع عن الدين أكبر وصمة بهذه الإفادة التي شرح فيها هذه المقالة، فإن كثيرا من المتفقهين الآن يقولون: مع تكفل الله بالدين، أين هذا المقدار من السنة الآن؟ فهل لم يدون؟ فبيّن البيهقي أن مرادهم بهذه الأعداد العظيمة ما يشمل السنة وآثار الصحابة والتابعين، أو أنهم كانوا يريدون طرق الحديث المتنوعة، فيجعلون كل طريق حديثا، وكل حديث له طرق وروايات، فمرادهم بهذا العدد العديد طرق الحديث الواحد العديدة، ورواياته المتنوعة، وقد يكون الحديث واحدا ولكن باعتبار طرقه، واختلاف الفاظه وتعدد من رواه؛ يعدّ الحديث الواحد بالمائة؛ لأنهم كانوا يقولون: لو لم نكتب الحديث من عشرين وجها ما عرفناه.
وفي صدي الخواطر للحافظ ابن الجوزي في فصل ١٧٥: جرى بيني وبين أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد: صح عن رسول الله ﷺ سبعمائة ألف حديث، فقلت له: إنما يعني به الطرق. فقال: لا المتون. فقلت: هذا بعيد التصور، ثم رأيت لأبي عبد الله الحاكم في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل كلاما فعجبت كيف خفي هذا على الحاكم، وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله، وهو أربعون ألف حديث منها: عشرة آلالف مكررة قال أحمد: جمعته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد غير الطرق؟ فإن السبعمائة ألف إن كانت كلام النبي ﷺ فكيف ضاعت ولم أهملت؟ وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد، فانتقى منها ورمى الباقي، وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب، ولا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا، ولم يحدثوا بها التابعين.
فإن الأمر قد وصل إلى أحمد وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلا.
ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله ﷺ ما
стр. 507
بلغ خمسين ألفا فأين الباقي؟ ولا يجوز أن يقال: تلك الأحاديث كلام التابعين فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم ودوّنوها وأخذوا بها، ولا وجه لتركها ففهم كل ذي لب أي الإشارة إلى الطرق وما توهمه الحاكم فاسد، ولو عرض هذا عليه وقيل له: فأين الباقي؟ لم يكن له جواب. لكن الفهم عزيز اهـ كلام ابن الجوزي باختصار.
ولما نقل الإمام أبو الحسن السندي المدني في حواشيه، على مسند أحمد عن الطيبي في شرح المشكاة أن أحمد قال: صح من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر، عقّبه بقوله:
والمراد بهذه الأعداد الطرق لا المتون اهـ وأصله للسيد الجرجاني كما نقله عنه صاحب الحطة ص ٢٦.
وفي كشف الظنون بعد ذكره بعض هذه الأعداد: هي ليست على الحقيقة وإنما المراد منها معنى الكثرة فقط اهـ.
وقال المقبلي اليمنى في العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، ص ٣٩٢ في ترجمة السيوطي «أنه قال: إنه يحفظ مائتي ألف حديث، ثم قال: ولا أظنه يوجد اليوم أكثر من هذا، فينتج مع ما مضى أن أحاديثه مائتا ألف، ولا يستشكل بما ذكره جماعة عن جماعة من المحدثين: أنه يحفظ ستمائة ألف حديث ونحو ذلك؛ لأن المحدثين على تسمية الحديث الواحد بحسب الصحابي، فقد يكون الواحد في كتاب السيوطي أربعة أو عشرة أو ستين حديثا باعتبارهم، وكذلك الموقوف عندهم. فليتنبه لما ذكرنا لئلا يتوهّم الناظر اهـ.
ولما عرّف المناوي أول شرحه على الشمائل الحافظ في اصطلاح المحدثين قال: هو من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا. ولو بتعدد الطرق والأسانيد اهـ.
وبهذا تفهم مجمل محفوظ السلف وقياسه بالموجود الآن، والمدون أو يكون مرادهم بذلك العدد الكثير المروي، سواء صح أو لا، فإنه قد كذب الكثير عليه ﵇ في حياته وبعد موته، أو ما صحبه عمل، ومالا.
وفي رحلة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي الكبرى: أحمد بن حنبل حافظ الدنيا على الإطلاق، يشهد لذلك مسنده، وقد سئل كم عدد المروي من الأحاديث؟ فقال: اثنا عشر مائة ألف حديث فيما بين صحيح وسقيم، فقيل: من يحفظها؟
فقال: أنا وهذا الفتى لأبي زرعة الرازي يحفظ الثلثين اهـ ولما نقله الفقيه الواعظ النحوي سليل المحدثين أبو محمد عبد القادر بن أبي القاسم العراقي، فيما وجدته بخطه على أول نسخة بخط أحد سلفه عندي، من مسند الإمام أحمد قال: وإلى كون أبي زرعة الرازي يحفظ ثمانمائة ألف حديث إذ ذك، ثلثا ما كان يحفظ أحمد بن حنبل أشار صاحبنا الحوضي بقوله:
للرازي جاء مائة ألف ألفا ... وعشر أحمد الإمام تلفى
стр. 508
أو ألف ألف لابن خلكان ... ربّ ارحم الأيمة الأركان
لكن اقتصر على أن أحمد كان يحفظ مائة ألف حديث، وأفاد يعني الحوضي في شرح نظمه أن مسنده فيه أربعون ألف حديث، ولم يلتزم الصحة فيه وإنما أخرج فيه من لم يجتمع الناس على تركه، وليس كل ما فيه صحيحا خلافا لمن زعمه اهـ وفي حواشي الإمام أبي الحسن السندي على مسند أحمد نقلا عن ابن عساكر في عدد أحاديثه أنها تبلغ ثلاثين ألفا سوى المعاد، وغير ما ألحق به ابنه عبد الله، ثم نقل عن أحمد قال أنه قال فيه: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة اهـ.
وفي الحطة لصديق حسن الهندي؛ قال أبو المكارم علي بن شهاب الصديقي: الظاهر أن هذا القول موضوع على الإمام أحمد، لأن في الكتاب الصحيح من الأحاديث ما لم يوجد في المسند مع الإجماع على حجّتيها اهـ وفيه أن الصحيح عند قوم غير محتج به عند آخرين لاختلاف الاجتهاد والمدارك، وقد وقفت على بعض التقاييد المنقولة من إملاء حافط فاس والمغرب أبي العلاء العراقي الحسيني، أن أحمد بن حنبل قال: جملة ما روي عن النبي ﷺ : اثنا عشر مائة ألف، وهذا الرجل وأشار إلى أبي زرعة الرازي يحفظ منها ثمانمائة ألف، والباقي متكلم فيه. قال المناوي عن البيضاوي: وليس كل ما نسب إلى رسول الله ﷺ صدق، أو الاستدلال به جائز، فإنه روي عن أحمد وشعبة والبخاري ومسلم أن نصف الحديث كذب اهـ.
والوضاعون للحديث هم نيف وثلاثمائة ووجدوا لخمسة منهم من الحديث الموضوع خمسة وثلاثون ألفا اهـ.
وقد أنشد محدث فاس أبو عبد الله محمد بن قاسم القصار لغيره في عدد الأحاديث الموضوعة التي أخبر بها حماد بن زيد:
وقال حماد بن الورع ... جملة ما من الأحاديث وضع
على نبينا الكريم اثني عشر ... ألف حديث كلها لا تعتبر
وقال الحافظ العراقي: روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: وضع الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث.
قلت: على أن الإمام فخر المغرب القاضي أبا بكر ابن العربي المعافري قال: ما ضمن الله الحفظ لحديث النبي ﷺ ، وإنما ضمن القرآن؛ على اختلاف أيضا بين العلماء في تأويل قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] اهـ من كتاب القواصم والعواصم له بلفظه.
стр. 509
باب هل تصدى أحد من المتأخرين إلى جمع جميع السنة
قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي طالعة [في مقدمة] كتابه الجامع الصغير المشتمل على عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثين حديثا: هذا كتاب أودعت فيه من الكلم النبوية ألوفا، ومن الحكم المصطفوية صنوفا، اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في تحرير التخريج، وصنته عما تفرد به كذاب أو وضاع، ففاق بذلك الكتب المؤلفة في هذا النوع، كالفائق والشهاب وحوى من نفائس الصناعة الحديثية، ما لم يودع قبله في كتاب، وسميته الجامع الصغير لأنه مقتضب من الكتاب الكبير، الذي سميته بجمع الجامع، وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها اهـ.
قال المناوي في شرحه الكبير على قوله بأسرها: أي لجميعها، وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر، لتعذر الإحاطة بها وإنافتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم، وقد اخترمته المنية قبل إكماله اهـ.
قلت: وكتاب جمع الجوامع المذكور؛ كتاب عظيم الشأن، ولم يؤلف في الملة مثله، اشتمل على نحو ثمان مجلدات ضخمة، سبر ألفاظ النبوة سبرا ويسر للناس الوقوف على كلام نبيهم الكريم، وعرفهم بمخرجيها، ومظان أسانيدها، ورواتها، فمنته على جميع من تأخر بعده من المسلمين عظيمة، وشكره والاعتراف له بذلك من خلوص الإيمان.
وقد قال العالم النظار الشيخ صالح المقبلي اليمنى في العلم الشامخ. ما زال الله يكرم كل متأخر بفضيلة يتضح نفعها في الدين، ويرتفق بها من وفق من المهتدين، وكنت أتمنى وأستغرب أنه لم يتصد لجمع الحديث النبوي على هذا الوجه المغرب أحد، وأقول لعلها كرامة ادخرها الله لبعض المتأخرين، وإذا الله أكرم بذلك وأهل له من لم يكد ير مثله في مثل ذلك الإمام السيوطي في كتابه المسمى بالجامع الكبير، صرح بهذا المقصد في أوله وفي أول الجامع الصغير اهـ منه ص ٣٩٢.
وقال الإمام ابن الهندي طالعة كنزه: أنه وقف على كثير مما دونه الأئمة من كتب الحديث، فلم ير فيها أكبر جمعا منه بين أصول السنة، وأجاد مع كثرة الجدوى وحسن الألفاظ اهـ.
قلت: وهذا سياق خطبة جمع الجوامع المذكور:
هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل، بجمع الأحاديث النبوية الشريفة كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحا لأبواب المسانيد العلية، وقسمته قسمين:
الأول أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وأطوق كل خاتم منه بفصه، وأتبع متن
стр. 510
الحديث بذكر من خرّجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة ومن رواه من الصحابة من واحد إلى عشرة، أو أكثر من عشرة، سالكا طريقة يعرف منها: صحة الحديث، وحسنه، وضعفه.
الثاني الأحاديث الفعلية المحضة أو المشتملة على قول أو فعل أو سبب أو مراجعة أو نحو ذلك مرتبا على مسانيد الصحابة، وسميته جمع الجوامع اهـ مختصرا.
وفي التحفة القادرية للفقيه المؤرخ الجمّاع أبي محمد عبد السلام بن الخياط القادري الفاسي أن شيخ الإسلام بالمغرب أبا عبد الله القصار كان يقول في حقه: ما جمع أحد كجمعه فيه مع حسن الترتيب والتبويب اهـ.
وفي محل آخر منها: ما جمع أحد كجمعه في هذا المصنف، ولا تفحص كتفحصه فيه، وقد أورد عدة من حفاظ المحدثين متون أحاديث مرسلة، ومعلقة من غير ذكر إسناد لها، فلما جاء السيوطي خرّجها بإسانيدها من طرق أخرى ومتابعات، وأوردها وبين الحكم في مراتبها اهـ.
وعدد الأحاديث الموجودة في الجامع الكبير على ما في صدر الدرر اللوامع، على أحاديث جمع الجوامع، للحافظ أبي العلاء العراقي مائة ألف حديث اهـ.
ووجدت طرة على هامش رسالة للسيوطي في عدد مؤلفاته بخط بعض المشارقة على اسم جمع الجوامع هذا فيها ما نصه: مات ﵀ ولم يتمه، جمع فيه مائة ألف حديث، مع الحكم على كل حديث منها. وكان في غرضه أن يجمع فيه جميع الأحاديث النبوية بأسرها، فاخترمته المنية قبل ذلك اهـ.
ووجدت في بعض مجامعي منقولا عن بعض تلاميذ السيوطي ما نصه: عدد أحاديث الجامع الكبير ثمانون ألف حديث، وعددها في الدر المنثور له فيها ثلاثة وثلاثون ألفا اهـ.
وقرأت في ثبت العلامة المسند المكثر أبي العباس أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني التميمي حين ذكر السيوطي ما نصه: الذي حفظ ثلاثمائة ألف حديث قال: ولو وجدت أكثر لحفظته، وكان مراده أن يجمعها كلها في كتاب واحد، فجمع ثمانين ألف حديث في جامعه الكبير ومات، فلم يرد الله بجمع الأحاديث كلها في كتاب واحد اهـ منه.
وقد وقع في أول نسختنا من الجامع الكبير تسمية الكتب التي أنهى السيوطي مطالعتها حال جمعه للجامع قال: خشيت أن تهجم المنية قبل تمامه على الوجه الذي قصدته فيقيض الله من يذيل عليه فإذا عرف ما أنهيت مطالعته استغنى عن مراجعته ونظر ما سواه من الكتب فسمى ثمانين مصنفا. ثم عقد فصلا آخر لبيان كتب وقع ذكرها في الجامع، ولم تذكر في هذه الترجمة، فسمّى ستا وسبعين مصنفا ولا أستحضر الآن أحدا اعتنى بالتذييل على جمع الجوامع من أهل المشرق والمغرب، لتراجع الأمة الإسلامية وتأخرها في القوة والعلم إلا
стр. 511
ما كان من مفخرة فاس أبي العلاء العراقي الحسيني الفاسي المتوفي سنة ١١٨٣، فإنه اهتم بالجامع المذكور اهتماما عظيما، فألف في التعريف بالرجال المخرج لهم في الجامع الكبير، وهو عندي في مبيضته وألف أيضا الدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع لم يتممه، وعندي بعضه بخطه أيضا. واهتم بالتذييل عليه كما ذكر ذلك شيخ شيوخنا العلامة أبو محمد الوليد بن العربي العراقي في ترجمته من الدر النفيس، والقاضي ابن الحاج في الأشراف لما ترجماه، ولم يذكرا عدد المزيد ولا كيفيته ووقع في ترجمة الحافظ المذكور من سلوة الأنفاس أنه استدرك أحاديث كثيرة على الجامع الكبير للسيوطي تنيف على الخمسة آلاف اهـ.
وأهمل صاحب السلوة «١» ذكر الذيل المذكور في رسالته المستطرفة، وكأنه بناه على ما كنت شافهته به، من أن الذيل المذكور لم يدونه العراقي ويفرده، إنما ألحق الحاقات بهامش نسخته.
ثم وجدت خاتمة الحفاظ بالمشرق الشيخ مرتضى الزبيدي المصري ترجم في معجمه لأبي العلاء العراقي المذكور قائلا بعد أن وصفه بحافظ العصر: حكى لي صاحبنا محمد بن عبد السلام بن ناصر، وهو أحد طلبته الملازمين له من رسوخه في الفن، وحسن ضبطه وحفظه ما يقضي به العجب، ولما أقرأ الجامع الكبير للحافظ السيوطي استدرك عليه نحو عشرة آلاف حديث، كان يقيدها في طرة نسخته بحيث لو نقل ذلك في كتاب لجاء مجلدا اهـ وابن عبد السلام الناصري أعرف الناس بأبي العلاء العراقي، لأنه أخذ عنه وعرف حاله فوصفه ووصف مصنفاته وصف السابرين.
ثم وقفت على كناشة ابن عبد السلام الناصري المذكور، المتضمنة لاجازته من مشائخه بخطوطهم، عقب استدعائه منهم فمنه استدعاؤه الإجازة من شيخه الحافظ العراقي المذكور وإجازته له عقبه بخطه فإذا فيه: واصفا ومحليا لشيخه العراقي بما نصه: ادعى صاحب جمع الجوامع أنه جمع الحديث كله، ثم استدرك عليه الشيخ المذكور أحاديث جمة فها هي مفرقة على هوامش أصله تبلغ عشرة آلاف من حفظه اهـ كلام ابن عبد السلام الناصري في استدعائه. وكان فيه بخطه استطرد فأصلحها شيخه العراقي بخطه استدرك، وأثر الاستدعاء المشتمل على ما ذكره وغيره إجازة شيخه العراقي بخطه ولعلها آخر ما كتب وقد اعتنى الشيخ علي المتقي المعروف بابن الهندي المكي بترتيب جمع الجوامع، والجامع الصغير على الأبواب الفقهية في عدة كتب: أكبرها كنز العمال، وقد اشتمل على خمسة وأربعين ألفا، وتسعمائة وتسعة وخمسين على عدّ مصححه، مع أن ابن الهندي يقول في صدره فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بجمع الجوامع مبويا مع أحاديث كثيرة ليست في
стр. 512
جمع الجوامع؛ لأن المؤلف ﵀ زاد في الجامع الصغير وذيّله أحاديث لم تكن في جمع الجوامع اهـ.
ومن علم أن جمع الجوامع اشتمل علي ثمانين ألف حديث أو أكثر كما سبق وأن ابن الهندي غاية ما في كنزه نحو ستة وأربعين ألفا يظهر له إما أن جمع الجوامع الموجود بين أيدينا لم يشتمل على المقدار المذكور بل على قدر نصفه، أو أن ابن الهندي حذف منه المكرر ونحوه، وهذا أقرب على أن من تتبعه وجد فيه التكرار الكثير زيادة على كون الفائدة منه قليلة، ولعله زاد الأصل إغماضا وإيهاما، بحيث ربما تتيسر المراجعة في أصله ولا تسهل فيه، ولهذا الكنز مختصر اسمه منتخب كنز العمال وهو مطبوع بهامش مسند أحمد بمصر، وقد اشتمل المنتخب المذكور على نحو اثنين وثلاثين ألفا حديث، خالية عن التكرار، كما نقل عن العلامة الشمس الشوبري المصري.
تنبيه: إسم الجامع الكبير جمع الجوامع، كما سبق لنا خطبته، وفي أول الدرر اللوامع لأبي العلاء العراقي أنه جمع الجوامع، ومعروف عند العامة بالجامع الكبير، وكتب بهامش الدرر بخطه أيضا: انظر هذا، وإنما هذه التسمية لابن حجر، وأما السيوطي فسماه جمع الجوامع اهـ.
وكأنه اشتهر بذلك فرقا بينه وبين الجامع الصغير، والله أعلم. والجامع الكبير الذي ذكر لابن حجر هو؛ الجامع الكبير في سنن البشير النذير نسبه له ضمن مصنفاته المناوي، في: شرح توضيح النخبة المسمى باليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، ولم يذكره صاحب كشف الظنون، وكان على أبي العلاء العراقي أن يقول: إنما هذه التسمية أصلية للبخاري؛ ففي كشف الظنون: الجامع الكبير في الحديث للبخاري؛ ذكره ابن طاهر اهـ.
تنبيه آخر: تقدم عن فهرس الشيخ أبي العباس البوني، أن الحافظ السيوطي بلغ محفوظه من الأحاديث ثلاثمائة ألف حديث، والذي سبق عنه بواسطة العلم الشامخ دون هذا. ووجدت بخط العلامة النحرير أبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي ناقلا له عن طبقات الشعراني الوسطى هو ما نصه: قال أي السيوطي: كان الحافظ ابن حجر يحفظ ما يزيد على مائتي ألف حديث. وكان الشيخ عثمان الديمي يحفظ عشرين ألف حديث، قال وأنا أحفظ مائتي ألف حديث، ولو وجدت أكثر لحفظته، ولعله لا يوجد على وجه الأرض أكثر من ذلك.
قال الشعراني: وكان السيوطي أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، حافظا متقنا، ويعرف غريب ألفاظه واستنباط الأحكام منه، وقد بيّض ابن حجر لعدة أحاديث، لم يعرف من خرّجها ولا مرتبتها، فخرجها الشيخ وبين مرتبتها من حسن وضعف وغير ذلك اهـ.
تنبيه ثالث: لا أعلم في الإسلام من اهتم بجمع الأحاديث فوصل جمعه إلى العدد الذي
стр. 513
بلغه السيوطي، إلا ما رأيته في كشف الظنون، المطبوع بالاستانة ص ١١٨٥ من الجزء الأول؛ ففيه بحر الأسانيد للإمام الحافظ الحسن بن أحمد بن محمد السمرقندي المتوفى سنة ٤٩١ قال:
وهو كتاب جمع فيه مائة ألف حديث، ورتبه وهذبه ولم يقع في الإسلام مثله.
وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، ولم أجد اسم الكتاب المذكور الآن في نسخة كشف الظنون الخطية عندي التي تم نسخها سنة ١٢٢٠، فلعله في أحد ذيوله الثلاثة التي جمع، وألحقت بالأصل، وطبع الجميع وعنون عنه بكشف الظنون، ونسب لحاجي خليفة تدليسا من أصحاب الطبع، وكان يجب عليهم أن ينبهوا لئلا يقع الناس في اللبس، وقد تأملت النسخة الخطية التي بيدي من الكشف، فإذا هي نحو ثلث المطبوع أو تزيد قليلا، وبهذا يزاح عنك إشكال وجود عدة مؤلفات في النسخة المطبوعة، لمن وجد في القرن الثاني عشر وأواخر الحادي عشر، مع أن مؤلف كشف الظنون مات سنة ١٠٦٧. كما في آكام المرجان في آثار هندستان.
وقد رأيت بعضهم قال: لكشف الظنون ثلاثة ذيول، مزجت به فانحل الإشكال، وقد بحثت عن ترجمة أبي محمد الحسن السمرقندي المذكور في وفيات الأعيان، وذيلها فوات الوفيات للصلاح الكتبي، وطبقات الشافعية لابن السبكي فلم أجدها، ثم وجدته مترجما في شرح بديعية البيان للحافظ بن ناصر الدمشقي، قال فيه: الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر القاسمي أبو محمد المسرقندي الكوفيخني قوام السنة، نزيل نيسابور، تخرّج بجعفر المستغفري، أحد الأعيان وحدث عنه وعن خلق، وعنه خلق منهم: إسماعيل التميمي ووجيه الشحالي، وهو إمام حافظ، جليل رحال، ثقة نبيل. سمع وجمع وصنف وألف ومن مصنفاته: بحر الأسانيد في صحاح المسانيد يشتمل على مائة ألف من الأخبار، وهو في ثمانمائة جزء كبار وهي آثار الصحابة، وغيرها من الموقوفات، فأصبح مقصود السيوطي أسمى وأجمع.
وترجم ابن عساكر في تاريخه: للحسين بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ما سرجس النسيابوي الحافظ الماسرجسي المتوفي سنة ٣٦٥ فقال: صنف المسند الكبير في ألف وثمانمائة جزء مهذبا مبينا للعلل، ورأيت أنا مقدار مائة وخمسين جزآ منه، وعندي أنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه، فإنه وقع في خطه في ألف وثلاثمائة جزء.
قلت: على التحقيق أنه يقع في خطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء، وكان مسند أبي بكر بخطه في بضعة عشر جزء، بعلله وشواهده فكتبه الوراقون في نيف وستين جزآ اهـ من اختصاره.
وفي الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم للإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليمني ص ٨٨ من الجزء الأول أن الحافظ الماسرجسي جمع المسند الكبير الذي فرغ في قدر ثلاثمائة مجلد كبار اهـ.
تنبيه آخر: في شرح بديعية البيان؛ للحافظ ابن ناصر الدمشقي، لما ترجم ليعقوب بن
стр. 514
شيبة السدوسي البصري، نزيل بغداد فقال فيه: صنف المسند ولم يكمله على منوال لم يصنف مثله، ولا رأى في العلل والكثرة شكله، فمسند، على ما قيل خمس مجلدات كبار لزمه على تخريجه عشرة آلاف دينار، وكان في بيته أربعون لحافا مرصدة لمبيت الوراقين الذين يبيّضون مسنده اهـ.
واصل ذلك في طبقات الحفاظ للذهبي، وزاد في حق المسند المذكور أنه: ما صنف مسند أحسن منه. وقيل: إن نسخة من مسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر فكان مائتي جزء. قال: والذي ظهر له من المسند مسند العشرة، وابن مسعود وبعض الموالي، وأرخ وفاته سنة ٢٦٢ ثم قال الذهبي: كان وقع لي في مسنده جزء. اهـ فانظر لهذه الهمم السامية والماثر الهامية فرحم الله السلف وألهم الخلف.
باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي
أخرج أبو نعيم في آداب العالم والمتعلم، والديلمي عن أبي هريرة رفعه: إذا جلستم إلى العالم أو [المعلم] فادنوا، وليجلس بعضكم خلف بعض ولا تجلسوا متفرقين، كما يجلس أهل الجاهلية. ذكره الحافظ السيوطي في الجمع. وبوّب الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: باب الجلوس عند العالم ثم قال: عن قرة إن رسول الله ﷺ : كان إذا جلس جلس إليه أصحابه حلقا حلقا. رواه البزار، وفيه سعيد بن سلام، وكذبه أحمد وعن يزيد الرقاشي قال: كان أنس مما يقول لنا إذا حدثنا هذا الحديث: إنه والله ما هو بالذي تصنع يعني أنت وأصحابك، يقعد أحدكم فتجتمعون حوله، فيخطب. إنما كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا يقرؤون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويزيد الرقاشي ضعيف اهـ.
وقد بوّب البخاري «١» في الصحيح باب الحلق والجلوس في المسجد. أي جواز ذلك فيه لتعلم العلم، وقراءة القرآن، والذكر ونحو ذلك، وإن استلزم ذلك استدبار بعضهم القبلة، وأما التحلق فيه في أمور الدنيا فغير جائز، وهو المراد بحديث ابن مسعود: سيكون في آخر الزمام قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا، أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة. ذكره الحافظ العراقي في شرح الترمذي وقال: إسناده ضعيف، وعليه أيضا يحمل حديث مسلم «٢» عن جابر: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: ما لي أراكم عزين؟ قال ابن حجر: إنما أنكر تحلقهم على ما لا فائدة فيه، ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنما كان لسماع العلم اهـ.
وقد عقد الإمام اليوسي فصلا في قانونه ذكر فيه أصول طرق نشر العلم، فقال: أما التعليم بصورة التدريس فأصله ما كان ﷺ يفعله في مجالسه مع أصحابه، من تبيين الأحكام
стр. 515
والحكم والحقائق، وتفسير الآيات القرآنية، وذكر فضائلها وخواصها، وغير ذلك. وهم في ذلك مجتمعون عليه، فهذا تقرير وتبيين. قال تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:
٤٤] وهذه حلقة العلم، ولم تزل حلق العلم على العلماء كذلك، وهلم جرا اهـ منه.
وأخرج المروزي وابن أبي شيبة عن أبي معاوية الكندي قال: قدمت على عمر بالشام فسألني عن الناس فقال: لعل الرجل يدخل المسجد كالبعير النافر، فإن رأى مجلس قومه ورأى من يعرفهم جلس إليهم فقلت: لا ولكنها مجالس شتى يجلسون فيتعلمون الخير ويذكرونه. قال: لن تزالوا بخير ما دمتم كذلك.
باب في وقوفه ﵇ على حلق العلم لأصحابه وجلوسه فيها معهم وإيثارها على حلق الذكر
اتصل بنا في ذلك حديث مسلسل، بحرف العين في اسم كل راو أرويه، وأنا عبد الحي، عن والدنا الشيخ عبد الكبير الكتاني، سماعا عليه غير مرة، والشيخ عبد الجليل برادة المدني، والشيخ عبد الحق الإلهابادي الهندي ثم المكي، شفاها منهما بمكة ومسند المدينة المنورة أبي الحسن علي بن طاهر الوتري المدني كتابة منها وغيرهم، قالوا: حدثنا الشيخ عبد الغني ابن أبي سعيد الدهلوي المدني بها، قال أنا عابد السندي الأنصاري المدني، قال: إني الشيخ علي بن عبد الخالق المزجاجي قال: أخبرنا والدي قال أنبأنا عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي، عن علاء الدين بن محمد باقي المزجاجي عن عبد الله بن سالم البصري، عن عيسى بن محمد الثعالبي، عن علي الاجهوري، عن عمر بن ألجاي، عن الحافظ عبد الرحمن الأسيوطي، أنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الملقن، أنا علي بن أبي المجد، أنا عيسى بن عبد الرحمن بن مطعم، قال: أنا عبد الله بن عمر اللتي، أنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، أنا عبد الرحمن بن محمد الداودي، أنا عبد بن أحمد السرخسي، أنا عيسى بن عمر السمرقندي، أنا الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أنا عبد الله بن يزيد أنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ مرّ بمجلسين في مسجده فقال: كلاهما خير، وأحدهما أفضل من صاحبه؛ أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم، ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما. قال: ثم جلس فيهم.
قلت هكذا أورده الحافظ الدارمي في مقدمة مسنده تحت باب فضل العلم والعالم انظر ص ٨٤ من المطبعة الهندية الأولى «١» .
стр. 516
وقد أخرجه ابن ماجه في سننه تحت باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، وهذا سياقه: حدثنا بشر بن هلال الصواف حدثنا داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرأون القرآن ويدعون الله، والآخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبي ﷺ : كلّ على خير، هؤلاء يقرؤون القرآن ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلما فجلس معهم.
قال الحافظ السخاوي كما في حصر الشارد قوله: هذا حديث غريب وابن أنعم الأفريقي ضعيف لسوء حفظه، ولكن للمتن شواهد، قال السيوطي: وأخرجه ابن ماجه من حديث بكر بن خنيس عن ابن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، فكان الحديث عن ابن أنعم عنهما معا عن ابن عمرو اهـ.
قال ابن حجر الهيثمي في حواشي المشكاة، على قوله: مر بمجلسين؛ أي حلقتين اهـ.
وفي ترجمة جابر بن عبد الله من در السحابة للسيوطي نقلا عن مصنف وكيع: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي، يؤخذ عنه العلم اهـ.
باب فيمن كان يخلف المصطفى بعد قيامه من مجلسه للتذكير والفقه
في شرح الإحياء نقلا عن القوت: وكان عبد الله بن رواحة يقول لأصحاب رسول الله ﷺ : تعالوا حتى نؤمن من ساعة فيجلسون إليه، فيذكرهم العلم بالله، والتوحيد في الآخرة، وكان يخلف رسول الله ﷺ بعد قيامه، فيجمع الناس ويذكرهم الله، ويفقههم فيما قال رسول الله ﷺ . فربما خرج عليهم رسول الله ﷺ ، وهم مجتمعون عنده، فيسكتون، فيقعد إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه. ويقول رسول الله ﷺ : بهذا أمرت ويروى نحو هذا عن معاذ بن جبل: وكان يتكلم في هذا العلم. وقد روينا هذا مفسرا في حديث جندب: كنا مع رسول الله ﷺ فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن اهـ.
باب في تدارسهم القرآن وتفسير المصطفى لهم آية
في صحيح مسلم «١» وغيره من حديث طويل عن أبي هريرة: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتعلمون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. قال القاري في شرح المشكاة:
«التدارس قراءة بعضهم على بعض؛ تصحيحا لألفاظه، أو كشفا لمعانيه، كذا قال ابن الملك. ويمكن أن يكون المراد بالتدارس: المدارس: المدارسة المتعارفة؛ بأن يقرأ
стр. 517
بعضهم عشرا مثلا، وبعضهم عشرا آخر. وهكذا. فيكون أخصّ من التلاوة، أو مقابلا لها، والأظهر أنه شامل لجميع ما يناط بالقرآن، من التعلم والعلم» .
فانظر أصل التدريس وتعاطي علوم القرآن، فإنه قديم. وقد ذكر السيوطي في الإتقان: أنه ﵇ بيّن لأصحابه جميع تفسير القرآن، أو غالبه. ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه «١» عن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وأن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها. فدل فحوى الكلام على أنه كان ﵇ يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر لهم هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن لتخصيصها وجه.
وأما ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن، إلا آيات بعد أن علمه إياهن جبريل، فهو حديث منكر. كما قال الحافظ ابن كثير، وأوّله ابن جرير وغيره على أنها إشارات إلى آيات مشكلات، أشكلن عليه، فسأل الله عنهنّ، فأنزل إليه على لسان جبريل، وانظر الحديقة الندية.
باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه
خرّج أبو نعيم عن علي قال؛ تزاوروا وتذاكروا هذا الحديث؛ إن لا تفعلوا يدرس.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن ابن مسعود قال: تذاكروا الحديث، فإنه يفهم بعضهم بعضا، وذكر أيضا عن عون بن عبد الله قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها فقلنا:
أمللناك يا أم الدرداء فقالت: ما أمللتموني، لقد طلبت العبادة بالمدينة، فما وجدت أشهى لنفسي من مذاكرة العلم، أو قالت من مذاكرة الفقه.
وروي عن عمر بن الخطاب قال: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب، أو أجالس قوما يلتقطون أطيب القول، كما يلتقط طيب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله.
وحكى ابن قتيبة أن معاوية قال لعمر: ما بقي من لذة الدنيا إلا محادثة الرجال أهل العلم، أو خبر صالح يأتيني من ضيعتي.
وخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون، وكان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجل سورة من القرآن.
وفي القاموس: الفقه بالكسر: العلم بالشيء والفهم له والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه اهـ.
стр. 518
وقال الشمس ابن الطيب في حواشيه: قيده جماعة بأنه العلم بالشيء الخفي، فلا يقال مثلا: فقهت السماء والأرض. وقيل: الفقه شدة الفهم والفطنة، وقيل: الفقه أنزل من العلم اهـ.
باب في الأمر بالاعتناء بالسند في نقل السنة
أسند الديلمي عن علي مرفوعا: إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده. قال السيوطي في تدريب الراوي: وفي الباب أحاديث غير ذلك اهـ.
وقال ابن حجر الهيثمي في شرح المشكاة على حديث الصحيحين وغيرهما: بلغوا عني ولو آية «١» ، ولكون الإسناد يعرف به الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية، وقيل: بلغوا عني؛ يحتمل وجهين أحدهما: اتصال السند بنقل الثقة إلى مثله إلى منتهاه، لأن التبليغ من البلوغ. وهو انتهاء الشيء على غايته. والثاني: أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين، لوقوع بلغوا: مقابلا لقوله: حدثوا عن بني إسرائيل اهـ بنقل من سلطان في المرقاة.
باب إباحته ﵇ التحديث بالأخبار الإسرائيلية وعجائب الأمم الماضية
حديث الصحيحين عن أبي هريرة وابن عمر مشهور وفيه: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: الظاهر منه أنه ﵇ أباح التحدث عنهم بما يذكر فيهم من العجائب، وإن لم يأت ذلك بنقل العدل عن العدل، إذا كان من الكلام الحسن الذي لا يدفعه العقل، وأنه ليس تحته حكم فيلزم التثبت في روايته اهـ منه.
وقال العلقمي: أي لا ضيق عليكم في التحديث عنهم؛ لأنهم كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر إلى كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدنيوية، خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار اهـ نقله القاوقجي في الذهب الأبريز، وهو حسن. وقال المناوي في التيسير: أي بلغوا عنهم القصص والمواعظ ونحو ذلك، ولا حرج عليكم في التحديث عنهم ولو بلا سند، لتعذره بطول الأمد، فيكفي غلبة الظن بأنه عنهم اهـ.
وقال السيد جمال الدين كما في القاري على المشكاة: المراد بالتحديث هنا التحديث بالقصص من الآيات العجيبة، وكحكاية عوج بن عنق، وقتل بني إسرائيل أنفسهم، في
стр. 519
توبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب.
ولكن أخبار عوج بن عنق موضوعة، أفرد الحافظ الأسيوطي الكلام عليها بمؤلف، انظره وفي تثقيف اللسان، وتلقيح الجنان؛ لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الحميري المازري، قاضي تونس في باب: ما تأول على غير تأويله وهو الباب ٤١ منه.
ومن ذلك توهمهم قول النبي ﷺ : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، أن معناه:
حدثوا عن بني إسرائيل بما يصح عندكم وما لا يصح، وليس كذلك: قال لنا الشيخ أبو محمد عبد الحق أيده الله: إنما المعنى لا حرج عليكم أن لا تحدثوا عن بني إسرائيل، لأن أول واجب هو قوله: بلّغوا عني ولو آية وليس بواجب عليكم أن تحدتوا بما صح عندكم من حديث بني إسرائيل، إن شئتم حدثوا وإن شئتم فلا حرج عليكم، كما عليكم الحرج أن لا تبلغوا عني اهـ منه.
وذكر الخطيب البغدادي؛ كما نقله عنه السخاوي في فتح المغيث: إن اطّراح أحاديث بني إسرائيل المأثورة عن أهل الكتاب، وما نقل عن أهل الكتاب واجب، والصدود عنه واجب قال: وأما ما حفظ من أخبار بني إسرائيل وغيرهم، من المتقدمين عن النبي ﷺ وأصحابه وعلماء السلف، فإن روايته تجوز ونقله غير محظور.
ثم روى عن الشافعي أن معنى: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي؛ لا بأس أن تحدثوا عنهم بما سمعتم، وإن استحال أن يكون في هذه الأمة. قال السخاوي: لكن قال بعض العلماء: إن قوله: ولا حرج في موضع الحال، أي حدثوا عنهم، حال كونه: لا حرج في التحديث بما حفظ من أخبارهم، عن النبي ﷺ يعني وعن أصحابه والعلماء. كما قاله الخطيب فإن روايته تجوز اهـ.
وقد بينت ذلك واضحا في كتابي (الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل) اهـ.
قلت: انظر ما سيأتي ممن كان من الصحابة يقرأ الكتب القديمة، وفي الدر المختار في شرح تنوير الأبصار، للعلامة الحصكفي الدمشقي من كتب فقه الحنفية حديث حدثوا عن بني إسرائيل يفيد حل سماع العجائب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه، بقصد الفرجة لا الحجة بل وما يتيقن كذبه، لكن بقصد ضرب الأمثال والمواعظ، وتعليم نحو الشجاعة على لسان آدميين أو حيوانات ذكره ابن حجر اهـ.
قال الشمس ابن عابدين في حواشيه عليه، المسماة رد المحتار على قوله: لكن بقصد ضرب الأمثال، وذلك كمقامات الحريري، فإن الظاهر أن الحكايات التي فيها عن الحرث ابن همام والسروجي لا أصل لها. وإنما أتى بها على هذا السياق العجيب لما لا يخفى
стр. 520
على من طالعها، وهل يدخل في ذلك مثلا قصة عنترة والملك الظاهر، إذا قصد به ضرب الأمثال ونحوها فيحرر اهـ.
قلت: ومنه قصص ألف ليلة وليلة، وألف يوم ويوم، فكل ذلك من معنى ما ذكر وأمثاله، مما يقصد به زيادة على تنشيط النفس العلم بما جريات من سبق، لأن القصص وإن كانت خرافية، فلا تخلو من إفادة عن حال واضعيها ومدونيها، أو من دوّنت على لسانهم والله أعلم.
وفي فتاوى ابن حجر الهيثمي: مقامات الحريري على صورة الكذب ظاهرا ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، وإنما هي ضرب الأمثال، وإبراز الطرق الغريبة والأسرار العجيبة، والبديع الذي لم ينسج على منواله، ولا خطر بفكر أديب فشكر الله سعي واضعها، ومن أطلق عليها الكذب استهزاء بما فيها من العلوم كفر: فقد قال الأيمة من قال: قصعة من ثريد خير من العلم إنه يكفر، فإذا كفر بهذا سواء قصد استهزاء أم لا. فما ظنك بمن يستهزىء بالعلم ويجعله كذبا اهـ وانظر شرح النابلسي على الطريقة المحمدية ص ٢٥٠ من ج ٢.
باب في إرشاد النبي ﷺ الناس إلى ما تميز بفضيلة من أصحابه ليؤخذ عنه
قال الحافظ أبو نعيم: وإذا ظهر للعالم البلاغ والكمال في العلم من بعض أصحابه، دله على مكانه ومنزلته من العلم ليفزع الناس إليه بعده، إذا فقدوه ونزلت بهم الحوادث والمعضلات. واحتج لذلك بحديث حذيفة عن النبي ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي «١» ، وأشار إلى أبي بكر، واهتدوا بهدي عمر، وإذا حدثكم ابن أم عبد فصدقوا، ومنه حديث:
استقرئوا القرآن من أبي وابن مسعود، فدل على من فيه الأهلية. وهي شهادة منه ﵇ لهم.
ومنه أخذ الشمس محمد بن مسعود الطرنباطي الفاسي الأصل للشهادات التي يعطيها الشيوخ لتلاميذهم، تعريفا بمعلوماتهم وتقديرا لمزاياهم. انظر بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام له. خرّج أحمد «٢» والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر وزاد فيه: وأقضاهم علي، وأخرجه الديلمي
стр. 521
في مسند الفردوس، من حديث شدّاد بن أوس. وزاد: أبوذر أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان أحكم أمتي. وقد ذكر هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر؛ في الاستيعاب من طرق مسندا ومرسلا وقال: روينا عن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا علي، وأقرؤنا أبي اهـ.
قال السيوطي عقبه في تاريخ الخلفاء: وقد سئل شيخنا الكافيجي عن هذه التفصيلات: هل تنافي تفضيل أبي بكر فأجاب بأنه لا منافاة اهـ.
وقال الشافعي، كما في جمع الجوامع وشرحه للمحلي: أن الخبرين المتعارضين في مسألة الفرائض يرّجح منهما الموافق لزيد فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعلي، والمتعارضين في مسألة في غير الفرائض يرجح منهما الموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعلي، قال المحلي: وذكر الموافق للثلاثة على هذا الترتيب لترتيبهم، كذلك المأخوذ من الحديث السابق، فقول الصادق ﵇ فيه: أفرضكم زيد على عمومه، وقوله أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، يعني في غير الفرائض، وكذا قوله: أقضاكم علي يعني في غير الفرائض، واللفظ. في معاذ أصرح منه في علي، فقدم عليه في الفرائض وغيرها اهـ.
قال العطار في حواشيه: توضيح ما ذكره أن الحلال والحرام علم، وعلم القضاء المستفاد من قوله: أقضاكم علي عام، والفرائض المستفاد من قوله أفرضكم خاص، والخاص مقدم على العام فيخص العام به، جمعا بين الدليلين. وقوله: أصرح منه يعني أن الحلال والحرام عام مصرح به، وعلم القضاء، غير مصرح به، بل مستفاد من قوله:
أقضاكم علي. كما أوضح ذلك الناصر اهـ.
وعن ابن عباس قال خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية وقال: أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت إلى أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني واليا قاسما. رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن داود بن الحصين لم أر من ذكره قاله النور الهيثمي في مجمع الزوائد.
قلت: وفي مرآة المحاسن، عن والد مؤلفها الشيخ أبي المحاسن، في وجه ذكر كل واحد من الخلفاء بوصف خاص، كما في حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها أن هذا كالطبائع الأربع، وإنما يحكم على الإنسان بالغالب، وعليه الخلفاء لم يخل أحد منهم بما يحكم به على الآخر اهـ.
وفي المقتصر على المختصر للباجي على حديث: أقرؤكم أبي، وأفرضكم زيد، ليس في هذا الحديث ما يوجب كونه فوق الخلفاء الراشدين، وفوق أجلاء الصحابة فيما ذكروا به، وإنما المعنى أن من جلّت رتبته في معنى من المعاني، جاز أن يقال: إنه أفضل الناس
стр. 522
في ذلك المعنى، وإن كان فيهم مثله، أو من هو فوقه، وكذا يجوز أن يقال عمن برع في العلم: إنه أعلم الناس، وإن كان لا يعرف الناس جميعا ولا مقدار علومهم اهـ منه ص ٣٩٤.
وفي الوسيلة الأحمدية والذريعة السرمدية. في شرح الطريقة المحمدية للشيخ رجب بن أحمد التركي:
الأولى في تفضيل الخلفاء الأربعة، أن كلّ واحد منهم أفضل من الآخر، باعتبار الوصف الذي اشتهر به، لأن فضيلة الإنسان ليست من حيث ذاته، بل باعتبار أوصافه.
وعلى هذا نقول: إن أبا بكر أفضل من الصحابة، باعتبار كثرة صدقه واشتهاره فيما بينهم، وعمر أفضلهم من جهة العدل، وعثمان أفضلهم من جهة الحياء، وعلي أفضلهم من جهة العلم واشتهاره به، ويؤيده ما ذكره البزازي في كتاب أدب القاضي: بأن سيف الهدى كان بيد محمد ﵇، وسيف [القضاء على] الردة كان بيد أبي بكر الصديق، وسيف الفتح كان بيد عمر الفاروق، حيث نصب في عهده اثنا عشر ألف منبر، وسيف البغي كان بيد علي المرتضى اهـ.
على أنه يمكن أن تكون فضيلة واحدة أرجح من فضائل كثيرة، إما بشرفها في نفسها، أو لزيادة كيفية. أنظر بقيته فيه.
باب في إطلاق العلّامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر
في الإحياء لدى كتاب العلم: مرّ رسول الله ﷺ برجل والناس مجتمعون عليه، فقال: ما هذا قالوا: رجل علامة، فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. قال: علم لا ينفع، وجهل لا يضر. قال الحافظ العراقي في المغني أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة، وضعفه. وفي آخر الحديث: إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة اهـ «١» .
وفي التخريج الكبير للعراقي رواه أبو نعيم في رياض المتعلمين من رواية بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة، وفيه: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فرأى جمعا من الناس على رجل فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله رجل علامة؟ قال: وما العلامة؟ قالوا أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بالشعر، وما اختلفت فيه العرب. فقال: هذا علم لا
стр. 523
ينفع وجهل لا يضر. ثم قال: العلم ثلاثة ما خلاهن فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة اهـ.
قلت: وقد قدمنا عن شارح الإحياء: الإيماء، إلى الجمع بين الحديث المذكور، والحديث السابق الذي فيه: تعلموا من أنسابكم ما تصلونه به أرحامكم، بأن محل النهي، إنما هو في التوغل فيه، والاسترسال بحيث يشغل به عما هو أهم، وكأني به ﵇ أراد بخبر هذه الترجمة لمن يجعل الوسائل مقاصد، ويخلط بين المقامات. وكم من عالم يريد أن يشوّف الناس إلى علم ما يعلم، كعلمه فخرج ذلك منه ﵇ مخرج الحض على ذلك، وإلا فعلم أيام العرب وأشعارهم من أجل العلوم قدرا، وبه نهتدي إلى مواضع غوامض القرآن والسنة، والله أعلم.
وفي القاموس ممزوجا بكلام التاج: ورجل عالم وعليم، جمع: علماء وعلّام.
كجهال. وعلمه العلم تعليما وعلاما، ككذاب. والعلامة مشددة وكشدّاد وزنّار والتعلامة العالم جدا، والعلامة والعلّام النسابة وهو من العلم اهـ.
وفي ترجمة عقبة بن عامر الجهني من التذكرة: كان فقيها علامة قارئا لكتاب الله بصيرا بالفرائض كبير القدر اهـ «١» .
باب في ذكر اختبار المصطفى قوابل أصحابه ومبلغهم من الذكاء والفهم في العلم
ترجم البخاري «٢» على هذا القدر في كتاب العلم بقوله: باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وذكر فيه قصة لغز المصطفى ﷺ في النخلة، وكان ابن عمر أصغر الحاضرين قال: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قال: حدثنا ما هي يا رسول الله قال: هي النخلة وكان ابن عمر على ما في الفتح هو عاشر عشرة. قال الحافظ: فكان منهم أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو هريرة وأنس. وفي الموطأ من رواية ابن القاسم قال عبد الله: حدثت بالذي وقع في نفسي من ذلك عمر بن الخطاب فقال عمر: أن تكن قلتها أحبّ إليّ من حمر النعم اهـ.
قال البدر الزركشي في كتابه: عمل من طب لمن حب، أن النخلة لا يطلق عليها شجرة، وتأويل قوله ﵇: أن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها، أنه استعمله للألغاز اهـ وقد رده ابن الطيب الشركي في حواشيه على إرشاد القسطلاني وغيره: بأن الزجّاج وغيره نصّوا على أن العرب سموا النخل شجرا فانظره.
стр. 524
وقال أبو عبد الله ابن زكري على هذه الترجمة: ينبغي أن لا يبالغ في التعمية لئلا يوقعهم في الحيرة، وقد سألهم المصطفى وفي يده جمّار ففيه إشارة إلى وجه المخرج.
وأما نهيه عن الأغلوطات فهي صعاب المسائل المعماة، أو ذلك محمول على ما لا يوقع فيه، أو خرج مخرج تعنيت المسؤول وتعجيزه اهـ.
وفي ألغاز ابن فرحون المسماة درة الغواص في محاضرة الخواص قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي للعالم أن يميز أصحابه بألغاز المسائل العويصات عليهم، ليختبر أذهانهم في كشف المعضلات، وإيضاح المشكلات، وهذا النوع سمّته الفقهاء الألغاز، وأهل الفرائض سموه المعايات، والنحاة يسمونه الأحاجي، وقد ألف العلماء في ذلك تصانيف عديدة اهـ.
باب في تخصيصه ﷺ لأهل العلم أياما معلومة
ترجم البخاري لهذا القدر أولا بقوله: ما كان ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم، كي لا ينفروا. فأخرج عن ابن مسعود: كأن ﷺ يتخّولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السامة علينا «١» ، ثم أخرج عن أنس قال قال رسول الله ﷺ يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا «٢» ثم ترجم أيضا بقوله باب من حفظ لأهل العلم أياما معلومة فاسند إلى أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك تذكرنا في كل يوم. قال: أما أنه يمنعني من ذلك إني أكره أن أملّكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السامة علينا «٣» .
قال الحافظ في الفتح: يستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في العمل أيضا، خشية الملل. وإن كانت المواظبة مطلوبة لكن على قسمين: إن كان يوم مع عدم التكلف، وإما يوما بعد يوم، الترك لأجل الراحة، ليقبل على الثاني بنشاط. وإما يوما في الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط: الحاجة مع مراعاة وجود النشاط اهـ.
باب في أن العلم كانوا يحملونه تدريجيا وأنه يؤخذ الأوكد والأسهل، فالأصعب، والمبادي قبل غيرها
ذكر البخاري «٤» عن ابن عباس: كونوا ربانيين علماء فقهاء علماء قال البخاري:
والمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها. وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده اهـ.
стр. 525
باب في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار
قال البخاري في باب: الأغتباط بالعلم والحكمة: وقد تعلم أصحاب رسول الله ﷺ في كبر سنهم «١» .
قلت: والشأن كان عندهم في طلب العلم صغر السن؛ للأثر المشهور التعلم في الصغر كالنقش في الحجر قيل: من كلام علي، وقيل: من كلام الحسن، وما تعلم ابن عباس وعلي إلا في صغرهما.
وقال بعض الشيوخ كما في روضة الأعلام لابن الأزرق الغرناطي: تعليم الكبير آكد من تعليم الصغير، ولا يقول الكبير: لا أتعلم لأني لا أحفظ، لأن الصحابة تعلموا وهم كبار شيوخ، وكهال، واشتغلوا بالعلم فكانوا بحورا اهـ.
وفي سراج الملوك للطوطوشي: كان أصحاب النبي ﷺ يسلمون شيوخا وكهولا وأحداثا. وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن، وهم بحور العلم، وأطواد الحكمة والفقه، غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولا وأبسق فروعا اهـ.
باب في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج
ذكر البخاري عن عمر ﵁ أنه قال: تعلموا قبل أن تسودوا «٢» . ونقل عياض عن بعض العلماء: أي أن تتزوجوا، لئلا تشغلكم أزواجكم وبيوتكم عن ذلك.
باب في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر
بوّب البخاري «٣» في صحيحه: باب التناوب في العلم، فذكر فيها قول عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار، نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يوما وأنزل يوما. فإذا نزلت يوما جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي. وإذا نزل فعل مثل ذلك. قال الحافظ: وفيه أن الطالب لا يغافل في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يقوله يوم غيبته، لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذلك اهـ.
باب في كون الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى كان يجعل للنساء يوما على حدة
بوّب البخاري «٤» على هذا القدر بقوله: باب تعليم الرجل أمته وأهله، فذكر فيه قول النبي ﷺ : في الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين، ومنهم رجل كانت عنده أمة فأدبها
стр. 526
وأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها. ثم بوب البخاري «١» أيضا باب عظة الأمام النساء وتعليمهن، فذكر فيه خروج المصطفى، ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة.
قال الحافظ: نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصا بأهلهن، بل ذلك مندوب إلى الإمام الأعظم، ومن ينوب عنه اهـ.
ثم بوّب البخاري «٢» أيضا باب: هل يجعل للنساء يوما على حدة؟ فذكر قول النساء لرسول الله ﷺ : غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن اهـ.
ومن اللطائف أن الإمام أبا إسحاق الأسفرايني، ذهب إلى أن الأحكام والأحاديث التي يرويها الرجال والنساء إذا تعارضت، فالمقدم مروي المرأة. قال: وأضبطية جنس الذكر إنما تراعى حيث ظهرت في الآحاد، وإلا فكثير من النساء أضبط من كثير من الرجال، وصوّبه الزركشي، ونقله عنه العراقي وأقره. وعكس السبكي في جمع الجوامع؛ فجعل من المرجّحات كون الراوي ذكرا. قال المحلي: لأنه أضبط منها في الجملة، قال العبادي: ظاهر تقديم خبر الذكر حتى على خبر الأنثى التي علمت أضبطيتها. وفيه نظر ولا يبعد تخصيص هذا إذا جهل الحال. أما لو علمت اضبطية تلك الأنثى فيقدم خبرها اهـ.
وثالثها: يرجحّ الذكر في غير أحكام النساء؛ بخلاف أحكامهن؛ لأنهن اضبط فيها. ومن الأئمة من فصّل: فجعل محل تقديم الذكر على الأنثى إن لم تكن الأنثى صاحبة الواقعة المروية، وذكر التاج السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: أن السر في نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله ﷺ أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا، وكان رسول الله ﷺ أشدّ الناس حياء، فجعل الله له نسوة؛ ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله، التي قد يستحيا من الأفصاح بها بحضرة الرجال، فيتكمل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة وغيرها، وأيضا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كل ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي. وما كان يشاهدها غيرهن، فحصل بذلك خير عظيم. ثم نقل نحوه عن صاحب التعجيز. انظر حواشي العطار على المحلى.
باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه ﵇ وكيفية ذلك
أخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه عند صلاة العشاء فقال:
стр. 527
احتشدوا للصلاة غدا فإن لي إليكم حاجة. فقال رفقة منهم: دونك أول كلمة يتكلم بها رسول الله ﷺ ، وأنت التي تليها وأنت التي تليها؛ لئلا يفوتكم شيء من كلام رسول الله ﷺ .
قلت: هذه أصول علم الإختزال اليوم.
باب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه
بوّب البخاري «١» على ذلك بقوله: باب من سمع شيئا فراجع فيه حتى يعرفه، فذكر فيه أن عائشة كانت لا تسمع شيئا إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وذكر الحافظ أبو نعيم من آداب طلبة العلم: أن يراجع بعضهم بعضا، ويفيد بعضهم بعضا، لما في ذلك من الإستعانة على الحفظ، ورسوخ التحصيل. ثم استظهر على ذلك بما أخرجه من طريق ابن كيسان بسنده إلى أنس بن مالك قال: كنا قعودا مع رسول الله ﷺ فعسى أن يكون ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم نريد الحاجة فنراجعه شيئا ثم هذا ثم هذا فنقوم كأنما زرع في قلوبنا.
باب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب
ترجم البخاري «٢» على ذلك بقوله: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ولولا حرصهم على التبليغ ما وصل الدين إلينا الآن في القرن الرابع عشر غضا طريا.
باب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا
ترجم البخاري «٣» على ذلك بقوله: باب العلم والموعظة بالليل، ثم ترجم باب السمر في العلم بالليل «٤» قال الحافظ: ويدخل في هذا الباب حديث أنس أن النبي ﷺ خطبهم بعد العشاء، وحديث عمر كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، أخرجه الترمذي «٥» والنسائي، ورجاله ثقات. وحديث عبد الله بن عمر: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا إلى عظيم صلاة. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. وأما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو حديث عند أحمد فيه راو مجهول، وعلى تقدير ثبوته، فالسمر في العلم يلحق بالسمر في صلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى الأشعري في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة اهـ.
стр. 528
وقال الدماميني على الترجمة الأولى: أراد الإحتجاج على صحة تصرف الناس في الدروس بالليل والتذكير، ولا يدخل ذلك في النهي عن الحديث بعد العشاء اهـ.
باب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين
ترجم البخاري «١» على ذلك بقوله باب من خص بالعلم قوما دون آخرين كراهية أن لا يفهموا وقال حدثوا الناس بما يعرفون اتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر قول معاذ للمصطفى ﷺ حين أخبره ببشارة دينية أفلا أخبر به الناس فيستبشروا قال: إذا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
وترجم البخاري أيضا بقوله باب في ترك بعض الإختبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، فذكر فيه قول المصطفى لعائشة «٢» : لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس باب يخرجون. قال الحافظ: يستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وإن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم، ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما اهـ.
باب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة
في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال: ٦٠] الآية. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.
وفي أحكام القرآن للجصاص على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦] هذا يدل على أن علينا أن نعلم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [طه: ١٣٢] ونحو قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ويدل على أن للأقرب فالأقرب مزية، في لزومنا تعليمهم، وأمرهم بطاعة الله، ويشهد له قوله ﵇: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) «٣» .
стр. 529
ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه، فكذلك عليه تهذيبه وتعليمه. ثم خرّج بسنده عن عبد الله بن عمر رفعه: ما نحل والد ولده خيرا من أدب حسن «١» أخرجه من طرق.
وأخرجه البيهقي عن عائشة رفعته: حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه «٢» وفي حديث أبي هريرة عند أبي نعيم والديلمي رفعه: حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب.
قال الشمس القاوقجي في الذهب الابريز: يعني القرآن ويؤيده ما في رواية الديلمي:
ويعلمه الصلاة إذا عقل، ويحتمل إرادة الخط؛ ويؤيده ما رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو الشيخ في ثواب الأعمال، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع مولى النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله للولد حق علينا كحقنا عليهم؟ قال حق الولد على الوالد، أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبا. والمراد بالكتابة الخط، لقوي نفعه وجموع فضله، والسباحة العوم في الماء، والرماية بالقسي، وفي هذا الزمان بطل حكمه «٣» فيبدل بتعلم الرمي بالرصاص والبارود فتنبه اهـ منه.
باب في القلم والدواة في العصر النبوي
بوّب النور الهيثمي في المجمع بقوله: باب فيمن كتب بقلمه أو غيره. ثم ذكر عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس ما تقول في؟ قال: وما عسى أن أقول فيك؟ فقال: إني عامل بقلم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بصاحب القلم في تابوت من نار، قفل عليه باقفال من نار، فإن أجراه في طاعة الله ورضوانه، فكّ عنه التابوت، وإن أجراه في معصية الله هوى به التابوت سبعين خريفا حتى باري القلم ومصلحه، ولائق الدواة. رواه الطبراني في الأوسط والكبير. وفيه أبو أيوب الحيري عن إسماعيل بن عياش. والظاهر أن آفة هذا الحديث الحيري؛ لأن الطبراني في الأوسط قال: تفرّد به الحيري اهـ.
وقوله: لائق الدواة؛ في مجمع بحار الأنوار: ألق الدواة بفتح الهمزة وكسر لام أمر من ألاق يليق إلاقة وهي لغة، والفصيح لقة الدواة، فهي ليقة كمبيعة إذا أصلحت مدادها اهـ والمحبرة في اللغة الدواة، يوضع فيها الحبر وفيها لغات منها؛ كسر الميم وفتح الباء كمعلقة اقتصر عليها الجوهري، وانكرها الفيروز آبادي وغلطه وهي صحيحة قياسا وسماعا،
стр. 530
نص عليها جماعة كالفارابي في ديوان الأدب، والفيومي في المصباح، ونشوان في شمس العلوم، والنووي في التهذيب، قال: والمحبرة وعاء أكبر، وكعب الحبر. قال الفرّاء: إنما قيل له كعب الحبر لمكان هذا الحبر، والذي يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب. انظر الجاسوس على القاموس.
وفي الخفاجي على الشفا في ترجمة كعب: وجه اطلاقه أنه من الحبر وهو المداد الذي يكتب به، وإليه نسب كعب المذكور، فقيل: كعب الحبر لكثرة كتابته بالحبر حكاه الأزهري اهـ.
باب الأقلام القصبية في زمن الصحابة
وجدت في مسند الدارمي في باب: من رخص في كتابه العلم أثرا هذا سياقه: حدثنا محمد بن سعيد أنا وكيع، عن عبد الله بن حنش قال رأيتهم يكتبون عند البراء بأطراف القصب على أكفهم اهـ من ص ٦٩ «١» .
وقد ترجم البخاري في كتاب العلم «٢» من الصحيح باب: كتابة العلم ثم ذكر فيه قول المصطفى ﷺ في مرض موته: إيتوني بكتاب أكتب لكم كتابا. قال في الفجر الساطع: أي بأدواته من قلم ودواة وكتف، ففيه مجاز الحذف اهـ.
وخرّج أبو داود في سننه في باب السواك «٣» من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال أبو سلمة فرأيت زيدّا يجلس في المسجد، وأن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب [وبقية كلامه: فكلما قام إلى الصلاة استاك] ، فلولا أن الكتّاب في ذلك الزمن الطاهر كان شأنهم وضع أقلامهم فوق آذانهم، ما شبّه بهم. وفيه احالتهم على معروفين بعلامة وميزة يتميزون بها، وتقدم في الجزء الأول في قسم الكتابة أن المصطفى؛ أمر معاوية أن يضع القلم على أذنه فإنه أذكر لخ.
باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب
في وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٣٧ شيوع صنعة الكاغد وتوفيرها، واتخاذها من الأبريسم والقطن والقنب. اخترع يوسف بن عمرو المكّي اتخاذ الكاغد من القطن، في حدود ثمانين في الهجرة بالحجاز، وموسى بن نصير اتخذه من الكتان والقنب