وأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها. ثم بوب البخاري «١» أيضا باب عظة الأمام النساء وتعليمهن، فذكر فيه خروج المصطفى، ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة.
قال الحافظ: نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصا بأهلهن، بل ذلك مندوب إلى الإمام الأعظم، ومن ينوب عنه اهـ.
ثم بوّب البخاري «٢» أيضا باب: هل يجعل للنساء يوما على حدة؟ فذكر قول النساء لرسول الله ﷺ : غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن اهـ.
ومن اللطائف أن الإمام أبا إسحاق الأسفرايني، ذهب إلى أن الأحكام والأحاديث التي يرويها الرجال والنساء إذا تعارضت، فالمقدم مروي المرأة. قال: وأضبطية جنس الذكر إنما تراعى حيث ظهرت في الآحاد، وإلا فكثير من النساء أضبط من كثير من الرجال، وصوّبه الزركشي، ونقله عنه العراقي وأقره. وعكس السبكي في جمع الجوامع؛ فجعل من المرجّحات كون الراوي ذكرا. قال المحلي: لأنه أضبط منها في الجملة، قال العبادي: ظاهر تقديم خبر الذكر حتى على خبر الأنثى التي علمت أضبطيتها. وفيه نظر ولا يبعد تخصيص هذا إذا جهل الحال. أما لو علمت اضبطية تلك الأنثى فيقدم خبرها اهـ.
وثالثها: يرجحّ الذكر في غير أحكام النساء؛ بخلاف أحكامهن؛ لأنهن اضبط فيها. ومن الأئمة من فصّل: فجعل محل تقديم الذكر على الأنثى إن لم تكن الأنثى صاحبة الواقعة المروية، وذكر التاج السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: أن السر في نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله ﷺ أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا، وكان رسول الله ﷺ أشدّ الناس حياء، فجعل الله له نسوة؛ ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله، التي قد يستحيا من الأفصاح بها بحضرة الرجال، فيتكمل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة وغيرها، وأيضا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كل ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي. وما كان يشاهدها غيرهن، فحصل بذلك خير عظيم. ثم نقل نحوه عن صاحب التعجيز. انظر حواشي العطار على المحلى.
باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه ﵇ وكيفية ذلك
أخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه عند صلاة العشاء فقال:
стр. 527
احتشدوا للصلاة غدا فإن لي إليكم حاجة. فقال رفقة منهم: دونك أول كلمة يتكلم بها رسول الله ﷺ ، وأنت التي تليها وأنت التي تليها؛ لئلا يفوتكم شيء من كلام رسول الله ﷺ .
قلت: هذه أصول علم الإختزال اليوم.
باب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه
بوّب البخاري «١» على ذلك بقوله: باب من سمع شيئا فراجع فيه حتى يعرفه، فذكر فيه أن عائشة كانت لا تسمع شيئا إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وذكر الحافظ أبو نعيم من آداب طلبة العلم: أن يراجع بعضهم بعضا، ويفيد بعضهم بعضا، لما في ذلك من الإستعانة على الحفظ، ورسوخ التحصيل. ثم استظهر على ذلك بما أخرجه من طريق ابن كيسان بسنده إلى أنس بن مالك قال: كنا قعودا مع رسول الله ﷺ فعسى أن يكون ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم نريد الحاجة فنراجعه شيئا ثم هذا ثم هذا فنقوم كأنما زرع في قلوبنا.
باب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب
ترجم البخاري «٢» على ذلك بقوله: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ولولا حرصهم على التبليغ ما وصل الدين إلينا الآن في القرن الرابع عشر غضا طريا.
باب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا
ترجم البخاري «٣» على ذلك بقوله: باب العلم والموعظة بالليل، ثم ترجم باب السمر في العلم بالليل «٤» قال الحافظ: ويدخل في هذا الباب حديث أنس أن النبي ﷺ خطبهم بعد العشاء، وحديث عمر كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، أخرجه الترمذي «٥» والنسائي، ورجاله ثقات. وحديث عبد الله بن عمر: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا إلى عظيم صلاة. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. وأما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو حديث عند أحمد فيه راو مجهول، وعلى تقدير ثبوته، فالسمر في العلم يلحق بالسمر في صلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى الأشعري في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة اهـ.
стр. 528
وقال الدماميني على الترجمة الأولى: أراد الإحتجاج على صحة تصرف الناس في الدروس بالليل والتذكير، ولا يدخل ذلك في النهي عن الحديث بعد العشاء اهـ.
باب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين
ترجم البخاري «١» على ذلك بقوله باب من خص بالعلم قوما دون آخرين كراهية أن لا يفهموا وقال حدثوا الناس بما يعرفون اتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر قول معاذ للمصطفى ﷺ حين أخبره ببشارة دينية أفلا أخبر به الناس فيستبشروا قال: إذا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
وترجم البخاري أيضا بقوله باب في ترك بعض الإختبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، فذكر فيه قول المصطفى لعائشة «٢» : لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس باب يخرجون. قال الحافظ: يستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وإن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم، ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما اهـ.
باب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة
في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال: ٦٠] الآية. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.
وفي أحكام القرآن للجصاص على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦] هذا يدل على أن علينا أن نعلم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [طه: ١٣٢] ونحو قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ويدل على أن للأقرب فالأقرب مزية، في لزومنا تعليمهم، وأمرهم بطاعة الله، ويشهد له قوله ﵇: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) «٣» .
стр. 529
ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه، فكذلك عليه تهذيبه وتعليمه. ثم خرّج بسنده عن عبد الله بن عمر رفعه: ما نحل والد ولده خيرا من أدب حسن «١» أخرجه من طرق.
وأخرجه البيهقي عن عائشة رفعته: حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه «٢» وفي حديث أبي هريرة عند أبي نعيم والديلمي رفعه: حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب.
قال الشمس القاوقجي في الذهب الابريز: يعني القرآن ويؤيده ما في رواية الديلمي:
ويعلمه الصلاة إذا عقل، ويحتمل إرادة الخط؛ ويؤيده ما رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو الشيخ في ثواب الأعمال، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع مولى النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله للولد حق علينا كحقنا عليهم؟ قال حق الولد على الوالد، أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبا. والمراد بالكتابة الخط، لقوي نفعه وجموع فضله، والسباحة العوم في الماء، والرماية بالقسي، وفي هذا الزمان بطل حكمه «٣» فيبدل بتعلم الرمي بالرصاص والبارود فتنبه اهـ منه.
باب في القلم والدواة في العصر النبوي
بوّب النور الهيثمي في المجمع بقوله: باب فيمن كتب بقلمه أو غيره. ثم ذكر عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس ما تقول في؟ قال: وما عسى أن أقول فيك؟ فقال: إني عامل بقلم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بصاحب القلم في تابوت من نار، قفل عليه باقفال من نار، فإن أجراه في طاعة الله ورضوانه، فكّ عنه التابوت، وإن أجراه في معصية الله هوى به التابوت سبعين خريفا حتى باري القلم ومصلحه، ولائق الدواة. رواه الطبراني في الأوسط والكبير. وفيه أبو أيوب الحيري عن إسماعيل بن عياش. والظاهر أن آفة هذا الحديث الحيري؛ لأن الطبراني في الأوسط قال: تفرّد به الحيري اهـ.
وقوله: لائق الدواة؛ في مجمع بحار الأنوار: ألق الدواة بفتح الهمزة وكسر لام أمر من ألاق يليق إلاقة وهي لغة، والفصيح لقة الدواة، فهي ليقة كمبيعة إذا أصلحت مدادها اهـ والمحبرة في اللغة الدواة، يوضع فيها الحبر وفيها لغات منها؛ كسر الميم وفتح الباء كمعلقة اقتصر عليها الجوهري، وانكرها الفيروز آبادي وغلطه وهي صحيحة قياسا وسماعا،
стр. 530
نص عليها جماعة كالفارابي في ديوان الأدب، والفيومي في المصباح، ونشوان في شمس العلوم، والنووي في التهذيب، قال: والمحبرة وعاء أكبر، وكعب الحبر. قال الفرّاء: إنما قيل له كعب الحبر لمكان هذا الحبر، والذي يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب. انظر الجاسوس على القاموس.
وفي الخفاجي على الشفا في ترجمة كعب: وجه اطلاقه أنه من الحبر وهو المداد الذي يكتب به، وإليه نسب كعب المذكور، فقيل: كعب الحبر لكثرة كتابته بالحبر حكاه الأزهري اهـ.
باب الأقلام القصبية في زمن الصحابة
وجدت في مسند الدارمي في باب: من رخص في كتابه العلم أثرا هذا سياقه: حدثنا محمد بن سعيد أنا وكيع، عن عبد الله بن حنش قال رأيتهم يكتبون عند البراء بأطراف القصب على أكفهم اهـ من ص ٦٩ «١» .
وقد ترجم البخاري في كتاب العلم «٢» من الصحيح باب: كتابة العلم ثم ذكر فيه قول المصطفى ﷺ في مرض موته: إيتوني بكتاب أكتب لكم كتابا. قال في الفجر الساطع: أي بأدواته من قلم ودواة وكتف، ففيه مجاز الحذف اهـ.
وخرّج أبو داود في سننه في باب السواك «٣» من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال أبو سلمة فرأيت زيدّا يجلس في المسجد، وأن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب [وبقية كلامه: فكلما قام إلى الصلاة استاك] ، فلولا أن الكتّاب في ذلك الزمن الطاهر كان شأنهم وضع أقلامهم فوق آذانهم، ما شبّه بهم. وفيه احالتهم على معروفين بعلامة وميزة يتميزون بها، وتقدم في الجزء الأول في قسم الكتابة أن المصطفى؛ أمر معاوية أن يضع القلم على أذنه فإنه أذكر لخ.
باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب
في وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٣٧ شيوع صنعة الكاغد وتوفيرها، واتخاذها من الأبريسم والقطن والقنب. اخترع يوسف بن عمرو المكّي اتخاذ الكاغد من القطن، في حدود ثمانين في الهجرة بالحجاز، وموسى بن نصير اتخذه من الكتان والقنب
стр. 531
في بلاد المغرب، وبالجملة وإن كان ابتداء هذه الصناعة في أهل الصين ولكن الأسلاميين إهتموا في إصلاحها، وبلغوها إلى غاية كمالها، ونشروها في الأقطار، وكثّروها في الأمصار، ومنهم انتقل إلى أوروبا. وكان قبل ظهور الإسلام يكتب في القضيم «١» ، ولا يتيسر للأكثر لندرته وغلاء قيمته، فظهرت صناعة اتخاذ الكاغد في الإسلام، واعتنى أهله حتى جاؤوا من وراء الغاية، بحيث يظهر في الصفحة صورة الناظر، وتكون على ألوان مختلفة ونقوش مستحسنة اهـ.
وفي المطالع النصرية للشيخ نصر الهوريني: وكان الصحابة ومن تبعهم قبل أن يكثر الكاغد أي الورق الذي كان يجلب من الهند، يكتبون آيات القرآن وغيرها على عسيب السعف، وهو الأصل العريض من جريدة النخل، وعلى الألواح من اكتاف الغنم وغيرها، من العظام الطاهرة، والخرق والأدم أي الجلود مثل رق الغزال، فقد جمعت بعض آيات قرآنية، وفي البخاري «٢» لما نزلت آية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] قال ﵇ للبراء بن معرور: أدع لي زيدا ليجيء باللوح والدواة والكتف لخ.
وروي أن عثمان بعث إلى أبي بن كعب بكتف شاة مكتوب عليها بعض قرآن ليصلح بعض حروفه، وفي بعض روايات البخاري «٣» : أن المصطفى قال قبل موته بأربعة أيام:
ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي. ويروى أن الشافعي كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام، لقلة الورق حتى ملأ منها الخبايا، ورأيت بعض مصاحف مكتوبة على رق الغزال.
نعم المصاحف التي أمر عثمان بنسخها وإرسالها إلى الأمصار؛ كانت على الكاغد ما عدا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال كما شوهد بمصر اهـ منه على ما فيه.
وفي فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم المصري أن عمر كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر أنه كان يجري على من قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا وكذا، فأبليت بحوائجك فيه فإذا جاءك كتابي هذا، فارق القلم وأجمع الخط، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل أضر بيت مالهم والسلام عليك اهـ.
هذا يدل على ما كان يفرق على أمراء العمالات والجهات في زمن سليمان بن عبد الملك من القراطيس للكتابة وذلك أواخر القرن الأول من الهجرة.
стр. 532
باب في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى لهم بالتقييد
خرّج الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل يجلس إلى رسول الله ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط «١» . قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر ثم قال: هذا حديث ليس اسناده بذلك القائم.
وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها، قال: أكتبوا ذلك ولا حرج.
وعن عبد الله بن عمرو قال: كان عند رسول الله ﷺ ناس من أصحابه وأنا معهم، وأنا أصغر القوم فقال النبي ﷺ : من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فلما خرج القوم قلت: كيف تحدثون عن رسول الله ﷺ وقد سمعتم ما قال؟ وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول الله ﷺ ، فضحكوا وقالوا: يا ابن أخينا إن كل ما سمعنا منه عندنا في كتاب. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وعن أنس قال: شكا رجل إلى النبي ﷺ سوء الحفظ فقال: استعن بيمينك، وفيه إسماعيل بن يوسف وهو ضعيف.
وعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ سوء الحفظ فقال: استعن بيمينك على حفظك، رواه البزار وفيه الخطيب بن مجدر وهو كذاب.
وفي ترجمة أنس من طبقات ابن سعد أنه قال لبنيه: يا بني قيّدوا العلم بالكتاب انظر ص ١٤ من ج ٧.
وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن عمر قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك أحاديث، أفتاذن لي أن أكتبها؟ قال: نعم فكان أول كتاب كتبته بيدي كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة.
وأخرج ابن قانع من طريق عاصم بن مهاجر الكلاعي عن أبيه: قال رسول الله ﷺ :
الخط الحسن يزيد الحق وضوحا. وساقه الحافظ في الإصابة في ترجمة مهاجر الكلاعي.
وأخرج الحكيم والطبراني في الكبير وسمويه والخطيب في تقييد العلم عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال فذكره.
وأخرج ابن الجوزي في العلل عن ابن عمر رفعه: من كتب عني أربعين حديثا رجاء أن يغفر الله له غفر له، وأعطاه ثواب الشهداء.
وفي مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، من مسند الإمام أحمد ص ١٧٦ ج ٢ ثنا
стр. 533
يحيى بن إسحاق قال: ثنا يحيى بن أيوب قال: حدثني أبو قبيل قال: كنا عند عبد الله عمرو بن العاصي، وسئل أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية، فدعا عبد الله بن عمرو بصندوق له حلق، فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولا؟ أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولا يعني قسطنطينية قال الشيخ أبو الحسن السندي في حواشيه: قوله: له حلق بحاء مهملة مكسورة جمع حلقة أو بخاء معجمة مفتوحة ولام مفتوحة صفة صندوق أي عتيق. وفي المجمع رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. غير أبي قبيل وهو ثقة اهـ.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن عمرو قال: استأذنت النبي ﷺ في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة.
وأخرج ابن سعد أيضا عن مجاهد قال: رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت عن رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه فيها أحد ص ١٢٥ ج ٢ من القسم ٣.
وعن أبي هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، قال: كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستاذن رسول الله ﷺ في الكتابة فأذن له، رواه أحمد والترمذي. وقال حديث حسن صحيح، وأصله في الصحيح. وبوّب عليه الترمذي في كتاب العلم. من الجامع تحت باب: الرخصة في كتابة العلم ولفظ البخاري «١» : فإنه كان يكتب ولا أكتب قال الحافظ في الفتح على قوله: ولا أكتب: قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال تحدث عند أبي هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتبا من حديث رسول الله ﷺ فقال: هذا هو مكتوب عندي قال ابن عبد البر: ويمكن الجمع بأنه لم يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه اهـ منه.
وقال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي: وأباح كتابة الحديث طائفة وفعلوها منهم:
عمر وعلي، وابنه الحسن، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وابن عباس، وعمرو، وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين اهـ.
وأخرج البيهقي في المدخل وابن عساكر عن الحسن بن علي قال لبنيه وبني أخيه:
إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين: فتعلموا العلم فمن لم يحسن منكم أن يؤديه أو يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته.
стр. 534
وأخرج البغوي في معجمه عن يزيد الرقاشي قال: كنا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمجال له فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث سمعتها من رسول الله ﷺ ، وكتبتها وعرضتها. أورده الحافظ السيوطي في التدريب انظر ص ١٤٣ منه.
وقال محمد بن هارون الروياني في مسنده: حدثنا محمد بن زياد ثنا فضيل بن عياض عن عائد عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي ابن رافع فيقول: ما صنع النبي ﷺ يوم كذا؟ ومع ابن عباس من يكتب ما يقول.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سلمى قالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئا من فعل رسول الله ﷺ .
وقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة في كتابه مشكل الحديث، بعد أن ذكر أحاديث النهي عن كتابة شيء دون القرآن، وقوله ﵇: قيّدوا العلم بالكتابة فقال: إن في هذا معنيين أحدهما: أن يكون من منسوخ السنة بالسنة؛ كأنه نهى في أول الأمر أن يكتب قوله، ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد، والمعنى الآخر أن يكون خصّ بهذا عبد الله بن عمرو بن العاص، لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والإثنان. وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له. ثم أسند مرفوعا أن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويظهر القلم ويفشو التجار قال عمر: وإن كنا لنلتمس في الحواء العظيم (البيوت المجتمعة من الناس على ماء) الكاتب، ويبيع الرجل البيع فيقول: حتى استأمر تاجر بني فلان اهـ «١» .
وفي الأكليل على قوله تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [طه: ٥٢] أخرج ابن أبي حاتم عن أبي المليح قال: الناس يعيبون علينا الكتابة، وقد قال تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى قال البلقيني: هذا أحسن استنباط لكتابة الحديث والعلم اهـ.
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: لما علم الشارع أن حفظ القرآن والسنة يصعب أمر بكتابة المصحف، وكتابة الحديث، فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه الآية دعا بالكاتب فأثبتها، وكانوا يكتبونها في العسب، والحجارة وعظم الكتف، ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صونا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان وبقية الصحابة، وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء. وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن، وقال: لا تكتبوا عني سوى القرآن، فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة، ثم ذكر قول المصطفى ﷺ لأبي هريرة في رواية: لما شكا إليه قلة الحفظ: استعن على حفظك بيمينك يعني الكتابة. ثم ذكر حديث قيّدوا العلم بالكتابة انظر بقيته فيه.
стр. 535
وفي العتبية قال مالك: كان عمر قد أراد أن يكتب الأحاديث وكتب منها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: المعنى في هذا أن عمر كان أراد أن يكتب الأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ ليجعلها أصلا يحمل الناس عليها، كما يفعل بالقرآن فتوقف عن ذلك، إذ لا يقطع على صحة نقل الأحاديث عن النبي ﷺ كما يقطع على صحة نقل القرآن الذي قد نقل بالتواتر، فرأى أن يكل أمر الأحاديث إلى الاجتهاد والنظر في صحتها، ووجوب العمل بها. وأما أن يكتب الرجل الحديث قد رواه ليتذكره ولا ينساه فلا كراهية في ذلك، وقد حدث رسول الله ﷺ بحديث فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله فقال: أكتبوا لأبي فلان. وقال أبو هريرة: ما من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. ولولا أن العلماء قيدوا الحديث، ودوّنوه وضبطوه وميزوا الصحيح منه من السقيم لدرس العلم، وعمي أثر الدين فالله يجازيهم عن اجتهادهم في ذلك بافضل الجزاء اهـ منه وهو حسن.
باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة واتباعهم التدوين والتصنيف ؟
قال الهروي في ذم الكلام: لم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يدونونها حفظا ويأخدونها لفظا إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الإستقصاء اهـ بنقل صاحب الحطة ص ٢٧.
وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الصحابة كانت همتهم مصروفة إلى الجهاد، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، فلم يتفرغوا للتصنيف، وكذلك التابعون لم يصنفوا اهـ منه.
وقال الإمام أبو علي اليوسي في قانونه: لما تكلم على أصول طرق نشر العلم، وأنها مأثورة قديمة قال: وأما التأليف فأصله ما كان ﷺ يفعله من كتب الوحي إذا نزل، وكتب الرسائل إلى الملوك وغيرهم، وكتاب الصدقات وقد جمع فيه مسائل، فهو علم مدون.
وذلك هو التأليف. ولئن كان ﷺ لا يكتب بيده لما أغناه الله عن ذلك، لقد كان يأمر بالكتب. والمقصود: إنما هو وضع العلم وتدوينه وتخليده، سواء كتب العالم بيده أم لا وكم من عالم يملي ولا يكتب، ويكون ذلك تأليفا اهـ منه، وهو جيد.
وفي سمط الجوهر الفاخر: كتب ﷺ بيده كتبا لأهل الإسلام في الشرائع والأحكام، منها كتابه ﷺ في الصدقات، كان عند أبي بكر، وكتابه ﷺ في نصاب الزكاة وغيرها الذي كان عند عمر، وكتابه ﷺ إلى أهل اليمن في أنواع من الفقه وأبواب مختلفة، هو كتاب جليل واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات اهـ.
стр. 536
قلت: كتابه ﷺ في الصدقات، الذي ذكر أنه كان عند أبي بكر؛ خرّجه أحمد وأبو داود والترمذي [٤٠/ ٣] وحسنه، والحاكم من طريق سفيان بن حسين عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال:
كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقات، فلم يخرجه إلى عماله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في كل خمس من الإبل شاة، فذكره قال الترمذي: وقد روى يونس وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسين، وعند البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين، فذكره بنحوه، وفي رواية لأبي داود أن أبا بكر كتب لأنس وعليه خاتم النبي ﷺ ؛ وقد ساقه مالك في الموطأ «١» في باب صدقة الماشية من كتاب الزكاة قائلا: حدثني يحي عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة قال فوجدت فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الصدقة فساقه. قال القاضي عياض: اعتمد مالك والعلماء والخلفاء قبلهم، على ما في هذا الكتاب، ولم يرد عن الصحابة إنكار شيء منه اهـ قال في الإستبصار في أنساب الأنصار، لدى ترجمة عمرو بن حزم الأنصاري: استعمله ﵇ على نجران، ليفقههم في الدين ويعلمهم، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات، وكتاب عمرو بن حزم مشهور، يحتج به العلماء قال أبو عمر: شهرته أقوى من الإسناد أو كما قال اهـ.
قلت: وقد غاب عن علم الجميع في هذا الباب، وعن كل من تكلم على أول من دون في الإسلام ديوان العطاء الذي دوّن في زمن عمر ﵁ وبإذنه وانتدابه لكتبه عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وقال: اكتبوا الناس على منازلهم، يعني في العطاء فإنه ينبغي أن يكون هذا الديوان العمري، من أول ما دون في الإسلام. وإن اعتبرنا كتابة أول من أسلم قبل ذلك، في مدته ﵇، كما ذكر لك في موضعه، وهو الذي بوّب عليه البخاري بقوله في كتاب المغازي: باب كتابة الإمام الناس.
وذكر فيه قوله ﵇: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام. قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية يمكننا الجزم بأن أول تدوين وقع هو ما ذكر ولا شك أن كتابة الناس على مراتبهم، في السبقية للإسلام والهجرة والنصرة هو المادة الأولى، لكتب تراجم الصحابة وتراجم زعماء الإسلام وابنائهم، فلذلك أرى أن يكون هذا أول ما دوّن، لأنه مادة كبرى وضعها من سبق لمن سيلحق. ألا ترى أن حوالات الأحباس [حجج الأوقاف] (سجلاته
стр. 537
الآن) نأخذ منها فائدة عظمى في معرفة زمن وجود المحبسين [الواقفين] مع ذكر الحدود والمجاورات، وحلا [وصف] البيوت ورجالاتها، فتدوين من أسلم، مع ديوان عمر هذا لو وجدا اليوم، لكانا أعظم مادة لرجال الإسلام، وقد ظفر ببقاياهما من سبق، فدونوا ما بأيدينا من ذلك انظر إلى قول ابن سعد في طبقاته، لما ترجم للنعمان بن مالك، وسبب تسمية آله قواقله؛ كذلك هم في الديوان يدعون بني قوقل، وكذلك قال لدى كلامه على بني جشم، وزيد بني الحارث بن الخزرج، ودعوتهما واحدة في الديوان الخ. وقد وجدت عبارة كتبها عن غير قصد صاحب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص ٤٧ نصها:
بعد الفتح الإسلامي بوقت وجيز اضطرت شؤون الإدارة والأحكام إلى تكليف العمال والموظفين بالتقارير الجغرافية عن الأمصار والأقاليم، التي قد كان فتحها المسلمون. هذه هي مبادي الجغرافية عند العرب، وتوسعوا أيضا في معرفة جزيرة العرب، وأرض إيران أي العجم وهي بلاد فارس، وأرض بر الشام، وأتوا ببعض إيضاحات عن أقاليم التتار، وجنوبي روسيا، والصين، والهند، ومن هذه المبادي الصغيرة التي أنشأتها دواعي الإدارة السياسية، تولدت شيئا فشيئا آداب عربية جغرافية مسطرة واسعة وجامعة، نتمتع نحن أبناء هذا الجيل بمطالعتها مطبوعة اهـ فانتظره.
ومن أمثلة التقارير الجغرافية، التي كانوا يرفعونها للخلفاء، المكتوب الذي كتبه عمرو بن العاص لعمر بعد فتح مصر في وصفها: انظره في التواريخ المصرية، وسيأتي لنا سياقه بنصه، فانتظره قريبا.
وفي تاريخ آداب العرب للرافعي المصري: أول ما عرف يعني في باب التدوين، أن ابن عباس كان يكتب الفتاوى التي يسأل عنها انظر ص ٢٨٧.
وفي بلوغ اقصى المرام للعلامة الطرنباطي: لما علم مهرة الصحابة والتابعين، أن ليس كل أحد يقدر يفهم معاني القرآن، اشتغلوا بتفسيره ودوّنوا التفاسير، نصحا لمن بعدهم. ودونوا الأحاديث النبوية، لأن ذلك وسيلة إلى معرفة ما وقع به التكليف، وهو وسيلة إلى امتثال المقصود اهـ منه. ومثله في الأزهار الطيبة النشر للقاضي أبي الفتح ابن الحاج فانظرها.
وفي أوائل الحافظ السيوطي: أول من صنف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، أخذ ذلك من أسئلة ابن الأزرق لابن عباس اهـ.
وفي آخر «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للحافظ الزيلعي: أن الواقدي أسند عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته فإذا فيه: وأتى بنص كتاب المصطفى ﵇ للمنذر بن ساوى، وجواب المصطفى ﵇ له انظر ص ٣٨١ من المجلد ٢. فيؤخذ منه: أنه كان لابن عباس الكتب إما من تصنيفه، أو
стр. 538
من جمعه فيفيد على كل حال ما قبله، ويفيد أيضا على الأقل أنهم كانوا يعددون النسخ، من مكاتيبه ويدخرونها وهو عين التدوين، ثم وجدته في ترجمة ابن سيرين من طبقات ابن سعد عنه أنه قال: لو كنت متخذا كتابا لا تخذت رسائل النبي ﷺ ، انظر ص ١٤١ من ج ٢ من خطط المقريزي عن زيد بن أسلم قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فهذا يدل على أنهم كانوا يعتنون بجمع المكاتيب الرسمية، أو نظائرها. ثم وجدته في طبقات ابن سعد ص ٢١٦ من ج ٥ عن موسى ابن عقبة قال: وضع عندنا كريب بن أبي مسلم، مولى عبد الله بن عباس المتوفي بالمدينة سنة ٩٨ من الهجرة حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه أن ابعث لي بصحيفة كذا وكذا قال: فينسخها فيبعث إليه بإحدهما. انظر ترجمة كريب مولى ابن عباس من الطبقات.
وفي ترجمة سعيد بن جبير من الطبقات أيضا عنه قال: ربما أتيت ابن عباس فكتب في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثا حتى أرجع لا سأله أخذ شيء. وفيها أيضا: كنت آتي ابن عباس فأكتب عنه، فيها أيضا عنه قال: كنا إذا اختلفنا بالكوفة في شيء كتبت عندي حتى ألقى ابن عمر فأسأله عنه، وفيها أيضا عن وفاء بن أياس قال: رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب، ومعه الدواة انظر ص ١٨٦ من ج ٦.
قلت: ويتداول الناس تفسيرا ينسبونه لعبد الله بن عباس، ولكن لم يدونه هو، وإنما جمع فيه ما نقل عنه، ومنه ما لا يصح.
وممن جمع ما روي عن ابن عباس الإمام مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس بكتاب سماه تنوير المقياس من تفسير ابن عباس، وقد طبع مرارا بمصر والهند.
وقد وقع في المعيار للونشريسي من جواب في فصل البدع ص ٣٧٧ من المجلد الثاني: وتكلم أهل النقل في صحة نسبة التفسير المنسوب لابن عباس اهـ منه.
وفي إيثار الحق على الخلق للإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليمني: قد جمع عنه تفسير كامل، ولم يتفق ذلك لغيره من الصدر الأول، الذين عليهم في مثل ذلك المعول، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير اهـ.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة، وهو عامله على الكوفة أن: ادع من قبلك من الشعراء، فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والإسلام، ثم اكتب بذلك إلي. انظر القصة في جمع الجوامع للحافظ الأسيوطي، ثم كنز العمال ص ١٧٦.
وفي الخطط للتقي المقريزي ص ١٤٣ من الجزء الرابع طبع مصر سنة ١٣٢٦، قال
стр. 539
أبو سعيد بن يونس، في تاريخ مصر، عن حياة بن شريح قال: دخلت على حسين بن شفي وهو يقول: فعل الله بفلان، فقلت ماله؟ قال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص أحدهما قضى رسول الله ﷺ في كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا والآخر، ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب، يعني بالخولة والرباب: مركبين كبيرين من سفن الجسر، كانا يكونان عند رئيس الجسر مما يلي الفسطاط اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة جابر بن عبد الله من تذكرة الحفاظ: الفقيه مفتي المدينة في زمانه، حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا نافعا، وله منسك صغير أخرجه مسلم اهـ منها ص ٣٧ من ج ١.
قلت: منسك جابر الذي أشار له الذهبي، خرجه مسلم في صحيحه مطولا في كتاب الحج، وهو عنده في نحو أربع ورقات، وعنون عليه فبّوب صحيح مسلم بقوله: حديث جابر الطويل. [وفي طبعة استانبول: باب حجة النبي ﷺ ص ٨٨٦/ ١] .
وفي حواشي الأبي على مسلم عن عياض عليه: قد أكثر الناس الكلام على ما فيه من الفقه، وألف فيه ابن المنذر جزآ كبيرا، ذكر فيه مائة ونيفا وخمسين نوعا من الفقه، ولو استقصى لزاد على هذا العدد قريبا منه اهـ ونحوه للسيوطي في الديباج أيضا ولجابر صحيفة معروفة، وقع ذكرها في ترجمة مجاهد من طبقات ابن سعد قال: كانوا يرون أن مجاهدا يحدث عن صحيفة جابر. ومات مجاهد سنة ١٠٢، انظر ص ٣٤٤ من ج ٥.
وذكر صديقنا البحاثة النادرة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي في كتابه توجيه النظر إلى أصول الأثر ص ٨ قال: توهم أناس أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض، وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في صحيحه كتابا ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي، فقال: حدثنا داود. بن عمرو الضبي، حدثنا نافع عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني «١» ، فقال: ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضلّ.
وحدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجر عن طاوس قال: أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر- وأشار سفيان بن عيينة- بذراعه، والظاهر أن الكتاب الذي محاه إلا قدر ذراع على هيئة درج مستطيل اهـ انظره وهو مفيد.
стр. 540
وما استظهره في الكتاب الذي محاه ابن عباس، أنه كان على هيئة درج أصله للنووي، كما نقله السنوسي عنه في إكمال الإكمال، وكأنه ﵀ لم يستحضر ما في الصحيح في باب: كتابة العلم عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر اهـ. قال الحافظ في الفتح: وقوله الصحيفة أي الورقة المكتوبة، وللنسائي من طريق الأشتر: فأخرج كتابا من قراب سيفه قوله: العقل، أي الدية، والمراد أحكامها، ومقادريرها، وأصنافها، ووقع للبخاري «١» ومسلم: من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، فإذا فيها: المدينة حرام الحديث ولمسلم عن أبي طفيل عن علي: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء، لم يعم به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا وأخرج صحيفة مكتوب فيها. لعن الله من ذبح لغير الله. الحديث. [ج ٢/ ١٥٦٧ كتاب الأضاحي] .
وللنسائي [كتاب القسامة ١٠ ص ١٩/ ٨] من طريق الأشتر وغيره عن علي، فيها:
المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. الحديث، ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة، والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، فنقل كل واحد من الرواة ما حفظه انتهى ملخصا.
قال البدر الدماميني، في المصباح: على قوله: أو فهم أعطيه رجل قال ابن المنير:
يعني بالفهم: التفقه والإستنباط والتأويل، وانظر هل يقتضي لفظه أن الفقه كان مكتوبا أولا؟
والظاهر أنه كان مكتوبا عندهم، لأن السائل قال لهم: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أو هذه الصحيفة. وكانت فيها أحاديث وأشياء من الفقه، والكتاب يدل على أن الفهم الذي هو الفقه كان حينئذ كتابا، وإلا كان استثناء من غير الجنس قطعا فالمعطوف منها مثلها أيضا وهو مرفوع. والإستثناء من غير الجنس لا يكون إلا فيه منصوبا، فيكون ذلك أصلا في كتابة الفقه اهـ.
وانظر ما يأتي عن ابن ليون في كون أبي الأسود الدؤلي: أمره علي أن يضع علم النحو.
وفي ترجمة الحسن البصري من طبقات ابن سعد ص ١١٥ من ج ٧ قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة يعني ابن جندب التي يرويها الحسن عنه: سمعنا أنها من كتاب، وفيها أيضا عن حميد قال: كان علم الحسن في صحيفة مثل هذه، وعقد عفان، بالإبهامين والسبابتين. وفي ترجمة منها أيضا أخبرني موسى بن اسماعيل ثنا سهل بن حصين عن مسلم الباهلي قال: بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ابعث إلي
стр. 541
بكتب أبيك فبعث إلي إنما لها ثقل قال: اجمعها لي. فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها فقال للخادم: اسجري التنور. ثم أمر بها فأحرقت غير صحيفة واحدة فبعث بها إلي ثم لقيته بعد ذلك فاخبرني مشافهة، بمثل الذي أخبرني الرسول.
وفي ترجمة أبي قلابة منها أيضا أخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد قال:
أوصى أبو قلابة قال: ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حيا وإلا فاحرقوها، ومات أبو قلابة سنة أربع أو خمس ومائة.
وفي ترجمة الحارث الأعور من طبقات ابن سعد، من طريق علباء بن أحمد أن علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: من يشتري علما بدرهم، فاشترى الحارث الأعور صحفا بدرهم، ثم جاء بها عليّا فكتب له علما كثيرا، ثم إن عليا خطب الناس بعد فقال: يا أهل الكوفة: غلبكم نصف رجل، انظر ص ١١٦ من ج ٦ وفي ترجمة حجر بن عدي الكندي أحد كبار أصحاب علي منها أيضا عن غلام لحجر قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ قال ناولني الصحيفة من الكوة فقرأ.
بسم الله الرحمن الرحيم وهذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر أن الطهور شطر الإيمان، قال. وكان ثقة معروفا. انظر ص ١٥٤ من ج ٦ أيضا.
وفي عقيدة السلف لشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني: أن صبيغ التميمي الذي كان يسأل عن المتشابه في أيام عمر، لما قدم المدينة كانت عنده كتب، ولما ترجم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء للحارث بن كلدة الثقفي الطائفي قال فيه: وللحارث بن كلدة من الكتب كتاب المحاورة في الطب بينه وبين كسرى أنوشروان اهـ منه ص ١١٨ من ج ١ وذكر قبل ذلك، حين ذكر محاورته مع كسرى أحسن صلته وأمره بتدوين ما نطق به اهـ.
قلت: والحارث المذكور ترجمه ابن سعد في الطبقات في ترجمة من نزل بالطائف من الصحابة، وترجمه الذهبي في الصحابة وقال فيه: اختلف في صحبة الحارث، ثم قال:
وقيل: إن الحارث سافر إلى فارس وتعلم الطب وحذق فيه، واشتهر أمره ونال بالطب مالا وأدرك الإسلام اهـ.
ولكن لما ترجمه في الإصابة، نقل عن ابن أبي حاتم فيه؛ لا يصح إسلامه. ثم قال:
ووجدت له رواية في الجزء التاسع من الأمالي المحاملية، وفي التصحيف للعسكري فذكر بعض كلامه اهـ ولذا قال أبو زيد العراقي في اختصار الإصابة عقب ذلك: أقول ذكر المصنف في ولده أن ابن عبد البر قال: لا يصح إسلامه ثم قال؛ وهو قول ابن أبي حاتم، ويأتي الرد عليه فلم يذكر شيئا. ونقل العراقي حسبما هو بخط شيخنا عن ن وغيره إسلامه، فعلى إسلامه وصحبته ينتج أن صحابيا ألّف في الطب.
стр. 542
وفي طبقات ابن أبي أصيبعة أيضا، لدى ترجمة تيادون الطبيب الفاضل المشهور، الذي كان في دولة بني أمية، المتوفى بواسط في نحو تسعين من الهجرة، له من الكتب كناش كبير، ألّفه لابنه، كتاب ابدال الأدوية وكيفية دقها، وانقاعها واذابتها، وشيء من تفسير أسماء الأدوية اهـ من عيون الأنباء ص ١٢٣ من ج ١.
ونقل صاحب الجاسوس على القاموس في ص ٥٠١ عن الفرّاء في كعب الحبر «١» ، وهو كعب بن ماتع الحميري، كان يهوديا، وأدرك زمن النبي ﷺ ، إنما قيل له كعب الحبر، لمكان هذا الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب اهـ وكانت وفاة كعب في خلافة عثمان، وفي ترجمة عبيدة بن قيس السلماني: ممن أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولكنه لم يلقه، ومات سنة ٧٢ من الهجرة، من طبقات ابن سعد بسنده إلى النعمان بن قيس قال:
دعا عبيدة بكتبه عند موته فمحاها وقال: أخشى أن يليها أحد بعدي، فيضعونها في غير موضعها اهـ وعنه أيضا قال: لا تخلدن علي كتابا انظر ص ٦٣ من ج ٦.
وفي ترجمة عروة بن الزبير، من طبقات ابن سعد أيضا، أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، أنا عبد الرزاق بن همام، أنا معمر عن هشام بن عروة قال: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي اهـ انظر ص ١٣٣ من ج ٥ ووقعة الحرة كانت سنة ٦٣ من الهجرة وكثير من الصحابة كانوا في الأحياء قال بعضهم: هل احترقت كتب عروة في اليوم الذي كتبت فيه، بل كتبت هي وغيرها من الكتب في غضون القرن الأول، فهل بقي شك في أن العرب دوّنوا علومهم في الصحف من ابتداء القرن الأول الهجري؟ اهـ.
ويؤيد هذا الظن القاضي بأن الكتب كثرت أول القرن الثاني، وآخر الأول: ما في ترجمة أبي عمرو بن العلاء، من ابن خلكان؛ أن كتبه التي كتبت عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتا غرفة إلى قريب من السقف، وولد المذكور سنة ٦٥، ومات وسط القرن الثاني.
وفي ترجمة ابن شهاب الزهري، من تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر: قال معمر عن صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ . قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة قال: فكتب ولم أكتب فنجح وضيعت.
ونقل أيضا عن أبي الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس، هذا مع أن ابن شهاب ولد سنة خمسين أو بعدها بيسير، ومات سنة ١٢٣، وأدرك جماعة من الصحابة أخذ عنهم، كعبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وجابر، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، ومحمود بن الربيع، وأبي أمامة وغيرهم، أوصلهم أبو نعيم في الحلية لأزيد من العشرين.
стр. 543
فعلى هذا كتب السنن المرفوعة مجردة، ثم لما أفردها، كتب ما جاء عن الصحابة.
وأخرج ابن سعد في ترجمة ابن شهاب، من طبقاته عنه قال: كنا نكره كتب العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين.
وفي الطبقات عنه أيضا؛ عن معمر: كنا نرى أنا أكثرنا عن الزهري، حتى قتل الوليد. فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه. يقول: من علم الزهري.
وفي طبقات ابن سعد أيضا عند ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كان ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله ﷺ ، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرا ما تقرأ ويأمرنا بتعلمها اهـ.
وهذا يؤذن بأنها كانت عنده مدونة مجموعة.
وفي ترجمة ابن شهاب من وفيات الأعيان لابن خلكان: أنه كان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما، والله لهذه الكتب اشد علي من ثلاث ضرائر اهـ.
وفي كشف الظنون، أن لابن شهاب المذكور كتب المغازي. انظر ص ٣٠١ من ج ٢، وأعاد ذلك أيضا في ص ٤٧١ من ج ٢ أيضا. وفيه أيضا يقال: أول من صنف فيها يعني المغازي والسير، عروة بن الزبير، وجمعها أيضا وهب بن منبه، ولوهب بن منبه صاحب الأخبار والقصص، المتوفى سنة ١١٠ أو بعدها، كتاب في الملوك المتوجين من حمير وأخبارهم، وأشعارهم وقصصهم، قال ابن خلكان: إنه شاهده بنفسه، وأنه في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة اهـ انظر ترجمة وهب بن منبه من وفيات الأعيان.
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان حين ترجم لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي، المتوفى سنة ٨٥ من الهجرة بعد أن وصفه بأنه كان من أعلم قريش بفنون العلم ما نصه: له كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان بصيرا بهذين العالمين، متقنا لهما. وله رسائل دالة على معرفته، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال له: مريانس الرومي. وله فيها ثلاث رسائل، تضمنت إحدا هن ما جرى له مع مريانس المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التي أشار إليها، وله فيها أشعار كثيرة مطولات، ومقاطع دالة على حسن تصرفه، وسعة علمه اهـ كلام ابن خلكان ص ١٦٨ من ج ١.
وقد ذكر ابن النديم في فهرسته ص ٨٩، والسجستاني في كتاب المعمرين، أن عبيد بن شرية الجرهمي النسابة الأخباري، المعمر المتوفى سنة ٦٧، ألّف كتاب الملوك وأخبار الماضين، لمعاوية ابن أبي سفيان، وذلك أن معاوية استحضره من صنعاء اليمن، فسأله عن الأخبار المتقدمة، وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة، وافتراق الناس في البلدان، ونحو ذلك، فلما أجابه أمر معاوية أن يدون قوله. ونسب إلى عبيد هذا. فكان
стр. 544
ذلك أوّل ما دون في الأخبار. وسمى كتابه هذا كتاب الملوك وأخبار الماضين وألف كتابا آخر سمّوه أيضا كتاب الأمثال. وقد ترجم لعبيد المذكور الحافظ في الإصابة، ونقل عن الرشاطي عن الهمذاني: أن معاوية كان مستشرفا لأخبار حمير. فقال عمرو بن العاص: أين أنت عن عبيد بن شرية، فإنه أعلم من بقي بأخبارهم وأنسابهم، فكتب إليه فأخذ عنه الأخبار فألفها كتابا، وقد زيد فيه ونقص، فلا يوجد منه نسختان مستويتان اهـ.
وذكر ابن النديم كتبا في مواضع مختلفة، ألفها أبو مخنف الأزدي من أصحاب علي، فيها تراجم المشاهير وغيرهم، وكان أبو مخنف هذا صاحب أخبار وأنساب والأخبار أغلب عليه، وكتاب ألفه عوانة بن الحكم الكلبي في التاريخ، وذكر ابن النديم أيضا أن زياد بن أبيه الداهية المشهور الذي استلحقه معاوية بنسبه، ليستعين به على أعدائه عمل في نسبه كتابا دفعه إلى ابنه. وفي شرح الشفا للقاضي الخفاجي ص ١٧٥ من ج ١: حين ترجم أبا العالية وهو رفيع بن مهران التابعي- أسلم في زمن أبي بكر ومات سنة ٩٠- ما نصه: وله تفسير.
اهـ من نسيم الرياض.
ونسب صاحب كشف الظنون لمجاهد بن جبر المكي المتوفي سنة ١٠٤ تفسيرا، ولقتادة بن دعامة السدوسي تفسيرا أيضا، وزاد فيه خارجة بن مصعب: مقدار ألف حديث اهـ انظر ص ١٣ وصفحة ١٤ منه.
وفي كشف الظنون أيضا لدى الكلام على الوجوه والنظائر في القرآن، نقلا عن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، وقد نسب كتاب فيه إلي عكرمة عن ابن عباس، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وألف فيه مقاتل بن سليمان اهـ انظر حرف الواو من الكشف ص ٦٢٨.
وفيه أيضا في حرف الكاف كتاب الإخلاص للحسن البصري، ذكر الخطيب في ترجمة الحلاج من تاريخ بغداد أن القاضي أبا عمر المالكي توقف في أمره، أي الحلاج، حتى قرأ في كتاب له فوقف على أمر له فقال: له من كتاب الإخلاص للحسن فقال: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة، ولم يكن فيه شيء من هذا، ثم حكم بقتله. كذا في النكت الوفية، فهذا إقرار من القاضي أبي عمر أن كتاب الإخلاص للحسن فهو أول من صنف مطلقا اهـ من كشف الظنون ص ٢٥٩ من ج ٢.
وفي ترجمة حميد الطويل، من طبقات ابن سعد: أخبرت عن حمّاد بن سلمة عن حميد أنه أخذ كتب الحسن فنسخها وردها عليه اهـ انظر ص ٧ من ج ٧ من القسم ٢.
وفي طبقات ابن سعد، لما ترجم للحسن بن محمد بن الحنفية، المتوفي في أيام عمر بن عبد العزيز: عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء فقال لزاذان: يا أبا عمر، لوددت أني كنت ميتا ولم أكتبه انظر ص ٢٤١ من ج ٥.
стр. 545
وقد ذكر شيخ بعض شيوخنا حافظ الحجاز الشيخ محمد عابد الأنصاري السندي في ثبته حصر الشارد: إسناده لكتاب التفسير عن مجاهد واسناده لكتاب التفسير عن الضحاك وإسناده لكتاب التفسير عن روح بن عبادة. انظر حرف التاء. وبكل ذلك تعلم ما نقله الحافظ السيوطي في تنوير الحوالك على موطأ مالك عن الشيخ أبي طالب المكي في القوت: هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة، فانظره ونص عبارة القوت ص ١٠٩ من ج ١: هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين ومائة من التاريخ، وبعد وفاة كل الصحابة. وعلية التابعين، ثم قال بعد سنة عشرين أو أكثر من التاريخ.
باب في اعتناء قوّاد الصحابة برفع التقارير الجغرافية للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يفتحونها
في صناجة الطرب في تقدمات العرب ص ٤١٩، أن الخلفاء صدر الإسلام أمروا أمراء جيوشهم وعمالهم، أن يرسم كل منهم خطط البلاد التي افتتحها واستولى عليها اهـ.
قلت: ومن أمثلة تلك التقارير، أن عمرو بن العاص لما أتم فتح مصر أرسل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتابا يصف له فيه مصر، وشرح له السياسة التي سيتخذها فيها ونصه:
مصر تربة غبراء (سهلة الإنبات) وشجرة خضراء (كثيرة الشجر الأخضر) طولها شهر، وعرضها عشر (لعله يريد أن الماشي يقطعها طولا في شهر، وعرضا في عشرة أيام) يكتنفها جبل أغبر (يحيط بها جبل ضارب إلى السواد) ورمل أعفر (أبيض مائل إلى الحمرة أو الصفرة) يخط وسطها نهر ميمون الغدّوات مبارك الروحات (محمود الذهاب والإياب) يجري بالزيادة والنقصان، كجري الشمس والقمر. له أوان (يزيد وينقص في أزمنة معينة) تظهر به عيون الأرض وينابيعها حتى إذا عجّ عجيجه (معظم مائه) وتعظمت أمواجه (انقطعت وتسربت في الأرض) لم يكن وصول بعض أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب وصغار المراكب، فإذا تكامل في زيادة نكص (رجع وذهب) على عقبه، كأول ما بدا في شدته، وطمى في حدّته (ونقص في شدة كما زاد بقوة) فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه (أعالي الأرض وأسافلها) يبذرون الحبّ ويرجون الثمار من الرب، حتى إذا أشرق وأشرف (ظهر وبان) سقاه من فوقه النّدى وغذاه من تحته الثرّى، فعند ذلك يدرّ حلابه ويغنّي ذبابه (يعظم محصوله) فبينما هي يا أمير المؤمنين درّة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء، وإذا هي زبرجدة خضراء فتعالى الله الفعال لما يشاء، الذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنها فيها أن لا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وأن لا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبتدأ والمال اهـ.
стр. 546
قال أبو المحاسن في النجوم الزاهرة: في ملوك مصر والقاهرة المطبوع بليدن سنة ١٨٥٠ م فلما ورد هذا الكتاب على عمر بن الخطاب قال: لله درك يا ابن العاص، لقد وصفت لي خبرا كأني أشاهده اهـ.
وقد ترجم هذا التقرير ونشره إلى عدة لغات أجنبية الكاتب الفرنسوي الشهير (أو كتاف أوزان) في جريدة (الفيجارو) الفرنسوية ووصفه بقوله، إنه من أكبر آيات البلاغة، في كل لغات العالم، وقال عنه: إنه من الفرائد في إيجازه وإعجازه، واقترح وجوب تدريسه في جميع مدارس المعمورة، حتى يتعلموا منه مع قوة الوصف ومتانة التعبير، صحة الحكم على الأشياء وكيفية تنظيم الممالك وسياسة الإستعمار اهـ.
وقد ترجم هذا الوصف من مؤرخي الإنجليز المؤرخ جيبون والدكتور بطلر انظر ص ١٣٠ من تاريخ عمرو بن العاص.
باب في أن ترجمة الكتب القديم العلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أواخر أيام الصحابة
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ في كتابه البيان والتبيين:
وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء اهـ منه ص ١٢٦ من ج ١ ط مصر سنة ١٣١٣.
وذكر ابن أبي الحديد المدائني، في شرح نهج البلاغة، ص ٤٧٦ من ج ٣ طبعة مصر أن خالد بن يزيد بن معاوية كان أول من أعطى التراجمة والفلاسفة، وقرّب أهل الحكمة، ورؤساء أهل كل صناعة، وترجم كتب النجوم والطب، والكيمياء والحروب، والأداب والصناعات اهـ.
ولا شك أن خالدا المذكور مات سنة ٨٥ من القرن الأول، وقد عاش بعد هذا التاريخ كثير من الصحابة.
وفي شرح الشمس محمد السفاريني على عقيدته؛ نقلا عن الصلاح الصفدي: لم يبتكر المأمون العباسي النقل والتعريب، بل فعل ذلك قبله كثير؛ فإن يحيى بن خالد عرّب من كتب الفرس كليلة ودمنة، وعرّب لأجله كتاب المجسطي، من كتب اليونان، والمشهور أن أول من عرّب كتب اليونان: خالد بن يزيد بن معاوية، لما ولع بكتب الكيمياء. ثم قال السفاريني بعد ص ١٠ أما خالد بن يزيد فعربت له كتب الطب والنجوم. وقيل: الذي عربت له كتب الطب والنجوم المنصور. وأما خالد فإنما ولهه في صنعة الكيمياء. وله في ذلك رسائل، وكان قد أخذ ذلك عن رجل من الرهبان يقال له: مريان الرومي اهـ منه.
وفي كشف الظنون المطبوع: كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حاكم «١» آل
стр. 547
مروان، خطر بباله الصنعة. فأحضر جماعة من الفلاسفة، فأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اليوناني إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام اهـ منه ص ٤٤٧ من ج ١.
وفي أوائل السيوطي: أول من ترجمت له كتب الطب والنجوم خالد بن يزيد بن معاوية. وقيل: المنصور اهـ.
وذكر ابن النديم في فهرسته: أن صناعة الكيمياء كانت رائجة في أيام خالد بن يزيد بن معاوية في مدرسة الاسكندرية، فاستقدم جماعة منهم راهب رومي اسمه اسطفان القديم انظر ص ٢٤٢ وص ٢٤٤ منها.
وبكلام ابن أبي الحديد السابق تعلم ما في قول جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية: لعلهم ترجموا لخالد بن يزيد شيئا في علم النجوم لم يصلنا خبره، وفي أخبار الحكماء لابن القفطي ص ٤٤٠ في ترجمة ابن السنبدي؛ أنه شاهد في خزائن الكتب بالقاهرة كرة نحاس، وعليها مكتوب: حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية. [تاريخ الحكماء وهو مختصر الزوزني من أخبار العلماء طبعة ١٩٠٣ لينبريغ] .
قلت: وبكل ما سبق عن الجاحظ، وابن النديم، وابن خلكان، وابن القفطي، وابن أبي الحديد، والصفدي، والسيوطي، وغيرهم تعلم ما في تعقل ابن خالدون البارد، وذلك في قوله: من المعلوم البيّين أن خالدا من الجيل العربي والبداوة إليه أقرب، فهو بعيد عن العلوم والصنائع بالجملة، فكيف له بصناعة غريبة المنحى مبنية على طبائع المركبات وأمزجتها، وكتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات والطب لم تترجم بعد اهـ.
ويكفي في رد تهجمه قول ابن النديم: وهو من هو من القرب إلى ذلك الزمن والاطلاع العظيم أن صناعة الكيمياء كانت رائجة في زمن خالد. وبذلك يهوي تعقل ابن خالدون في الدرك الأسفل من الفساد والله أعلم.
وفي تاريخ آداب اللغة العربية المذكور أن طبيبا كان معاصرا لمروان بن الحكم اسمه ماسرجوية سرياني الجنس يهودي المذهب، كان يقيم في البصرة، وظهر في أيامه، كتاب في الطب هو كناش (حاوي) من أفضل الكنانيش ألفّه القس أهرون بن أعين في اللغة السريانية، فنقله ماسرجوية إلى العربية. فلما تولى عمر بن عبد العزيز، وجد هذا الكتاب في خزائن الكتب في الشام، فحرضه بعضهم على إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به، فاستخار الله في ذلك أربعين يوما ثم أخرجه إلى الناس، وبثه في أيديهم انظر ص ٢٣٣ من ج ١.
وفي شفاء الغليل: الكنّاش بضم الكاف العربية وتخفيف النون وآخره شين معجمة بوزن غراب لفظ سرياني: المجموعة والتذكرة وقد وقع هذا اللفظ كثيرا في كلام الحكماء، وسموا به بعض كتبهم كما يعرفه من طالع كتب الحكمة اهـ.
стр. 548
باب في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة
قال ابن ليون التجيبي في الأنالة العلمية: أول من تكلم في علوم التصوف علي اهـ.
وقال العالم الصالح أبو القاسم علي بن محمد بن خجو: في ضياء النهار: الصحابة كان علمهم بالله وبالآخرة، وكانوا أهل خوف وحزن، ومجاهدة، ومراقبة، وقناعة، وصبر، وتوكل، ورضى، وانقطاع إلى الله، واخلاص عميم، وكانوا مشغولين بتحصيل العبادة، من جهاد ومجاهدة النفوس، والايثار والبحث عن مكارم الأخلاق، والتوحيد والاخلاص، واليقين والذكر وهذا هو علم التصوف. ولم ترد جل خطب النبي ﷺ وجل وصاياه إلا بما اشتمل عليه علم التصوف، وكانت تتعاطاه الصحابة من الذكور والاناث. فالعلم الواجب على كل مكلف: هو ما كانت تتعاطاه الصحابة في وقته، وذلك علم التوحيد، والاخلاص، وسائر مقامات التصوف، من التوبة إلى انقضاء غايته اهـ.
وبذلك تعلم أن ما وقع في المدخل من أن الحسن البصري أولّ من فتح الكلام في طريق القوم، وهو رضيع إحدى زوجاته ﵇، وهي أم سلمة يعني بعد علي، ثم وجدت القاضي ابن الحاج نقل في حواشيه على الدر الثمين عن التستري في رسالته العلمية أن الحسن البصري قال: أول من تكلم في التصوف والفقر علي. قال: ومن ثم جعله الوالد في نظمه للحكم واضعا لعلم التصوف فقال:
وله علي واضع ... هو ذو العلم وذو الحكم
اهـ ونحوه له في الأزهار الطيبة النشر، لدى كلامه على واضع علم التصوف، وفي الذهب الأبريز للقاوقجي: أبو ذر الغفاري هو أول من تكلم في علم البقا والفنا اهـ.
وفي القوت للإمام أبي طالب المكي: كان الحسن البصري أول من نهج سبيل هذا العلم، وفتق الألسنة به، ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره وكشف قناعه، وكان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من اخوانه. فقيل له: يا أبا سعيد، أنت تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك فممن أخذت هذا؟ فقال من حذيفة بن اليمان. وقيل لحذيفة بن اليمان: نراك تتكلم في هذا العلم لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فممن أخذته قال: خصني به رسول الله ﷺ . اهـ منه.
وقال: قيل: الحسن هو إمامنا في هذا العلم، الذي نتكلم فيه، أثره نقفو، وسبيله نقتفي ومن مشكاته نستضيء، أخذنا ذلك بإذن الله، وإمامنا عن إمام، إلى أن ينتهي ذلك إليه. وقد لقي سبعين بدريا، ورأى ثلاثمائة صحابي. ورأى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب الخ وذكر قبل أنّ علي بن أبي طالب انتهى. في مسجد البصرة إلى حلقة الحسن البصري، وهو يتكلم في هذا العلم، فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه. انظر ص ١٤٨ و ١٤٩ و ١٥٠ من ج ١ من القوت. وبذلك تعلم كذب من زعم أن سيدنا عليا أخرجه من المسجد، ونهاه عن التكلم.
стр. 549
باب في أن أول من وضع علم النحو في الإسلام الصحابة
أخرج أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي في أماليه قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري؛ حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سالم الباهلي، حدثنا أبي عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فرأيته مطرقا مفكرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما انبنى على المسمى، والفعل ما انبنى على معنى؛ والحرف ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود؛ أن الأشياء ثلاثة، ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.
قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء عرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن وأن وليت ولعلّ وكأن، ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. قال: بلى هي منها، فزادني فيها «١» . هكذا ساق هذا الأثر الحافظ السيوطي في أوائله، وجمع الجوامع، وابن الهندي في الكنز؛ عن الزجاجي. كما ذكر. ولم أجده في أمالي الزجاجي المطبوعة، فلعله في غيرها، إذ له الأمالي الكبرى، والصغرى، والوسطى، والصغرى هي المطبوعة بمصر، أو لزجاجي آخر، لعله أبو إسحاق.
وفي ترجمة أبي الأسود من الاصابة؛ نقلا عن أمالي أبي علي القالي: أول من وضع العربية، ونقط المصحف أبو الأسود. وقد سئل أبو الأسود عمن نهج له الطريق فقال:
تلقيته من علي.
وأخرج الأصبهاني في الأغاني، من طريق جعفر ابن أبي حرب ابن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه قال: قيل لأبي الأسود الدؤلي: من أين لك هذا العلم؟ يعني النحو.
قال: أخذت حدوده عن علي.
وأخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر، وابن النجار، عن صعصعة بن صوحان أن عليا قال لأبي الأسود: ضع للناس شيئا يستدلون به على صلاح ألسنتهم، فرسم له الرفع والنصب والخفض. انظر كتاب العلم من كنز العمال.
ولما رفع الشيخ أبو محمد عبد القادر بن أحمد الكوهن الفاسي، في فهرسته إسناده
стр. 550
في علم النحو إلى أبي الأسود، عن علي كرم الله وجهه قال: وهو أي علي واضعه؛ كما أخرجه الزجاجي في أماليه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأبو الفرج في الأغاني، من طرق متعددة. وهذا مظهر قوله ﵇: أنا مدينة العلم وعلي بابها أخرجه الترمذي «١» ، والحاكم، عن علي، وأخرجه الحاكم أيضا والطبراني عن ابن عباس اهـ ومن نسخة عليها خطه نقلت.
وفي الأزهار الطيبة النشر، للقاضي أبي الفتح ابن الحاج: لما جاء الأسلام واختلطت الأمم، وخيف على العربية الضياع، تكلم فيها علي بن أبي طالب ورسم أصولها، ومن ثم جعله والدنا في ميميته في السيرة تبعا لغيره، واضعا لهذا الفن فقال بعد أبيات:
هو الذي كان واضعا لنحو أتى ... في اسم وفعل وحرف غير ملتئم
ثم تصدى بعد ذلك لتحرير قواعدها، ودفع الشكوك عنها، والشبه أبو الأسود الدؤلي، ومن ثم جعله الشريشي في شرح المقامات، والأزهري في التصريح؛ تبعا لغيرهما واضعا لهذا الفن. وهو تابعي مات بالبصرة سنة ٦٩ عن ٨٥. وإلى هذا أشار ابن شعبان في ألفيته بقوله:
أول من أفادنا النحو علي
وحكى الفخر الرازي: أن عليا رسم لأبي الأسود باب الاضافة، وباب الإمالة، ثم صنف أبو الأسود باب العطف، وباب النعت، ثم باب التعجب، وباب الاستفهام اهـ الخ.
وفي سعود المطالع للأبياري: واشتهر أن أول من وضعه أبو الأسود الدؤلي من الصحابة، بأمر من الإمام علي، أو عمر لأسباب مختلفة يمكن الجمع بينها بتعدد الوقائع اهـ واستظهر الشيخ الأبياري المذكور؛ في أول كتابه القصر المبني في حواشي المغني أن قواعد هذا العلم وأصوله التي بها يعرف وجوه الكلام؛ كانت معروفة بين الصحابة، أو بين أفراد منهم، وأن أمر علي لأبي الأسود بوضع النحو؛ يدل على أن هذا العلم معروف معلوم، لدى الآمر والناهي. انظر الحاشية المذكورة. وذكر ابن الأنباري في ترجمة أبي الأسود من نزهة الألباء في طبقات الأدباء أنه وضع مختصرا في النحو، منسوبا له. وأن سببه أن زياد بن أبيه قال له: لو وضعت للناس شيئا. أنظر ص ١١ منه.
وقد ذكر ابن النديم في فهرسته، مما شاهده بعينه، في عرض كلامه، عن خزانة كتب أطلعه عليها أحد جمّاعي الكتب، فكان من جملة ما فيها: قمطر كبير فيه نحو ٣٠٠ رطل جلود فلجاب وصكوك وقرطاس مصري وورق صيني وورق خراساني وبينهما أربع أوراق قال: أحسبها من ورق الصين؛ ترجمتها هذه: فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي
стр. 551
الأسود، بخط يحيى بن يعمر. وتحت هذا الخط بخظ عتيق هذا خط علّان النحوي، وتحته هذا خط النضر بن شميل، ثم لما مات هذا الرجل، فقدنا القمطر انظر ص ٤٠ من الفهرست.
وبعد أن قرر القاضي ابن الأزرق في عروض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام، أن السلف تسارعوا إلى وضع العربية، لما علموا في ذلك من المصلحة، قال:
هذا إن سلّم أن وضع هذا العلم لم يتقدم إليه الخلفاء الراشدون، وأما إن كانوا هم الذين أمروا به، وأرشدوا إلى تأصيل أوضاعه، كما يدل عليه ما تقدم، فهو بلا شك من جملة ما سنّوا من الخير الذي سبقوا إليه، ودليله هو بعينه دليل جمع المصحف وغير ذلك، مما تقتضيه قاعدة المصالح المرسلة اهـ منه.
وذكر قبل ذلك بعد أن نقل من عدة وجوه: أن أول من وضع النحو علي. وأن عنه اقتفى أبو الأسود وضعه على مقتضى ما علمه، وقد ضمن بعضهم هذا المعنى في عرض الفخر به والمدح، لابن عصفور، لما وافق اسمه اسم أمير المؤمنين، فاتح باب الوضع لهذا العلم المنسوب إليه فقال:
نقل النحو إلينا الدؤلي ... عن أمير المؤمنين البطل
بدأ النحو عليّ وكذا ... ختم النحو ابن عصفور علي
وانظر رسالة الأخبار المروية في سبب وضع العربية، للحافظ السيوطي.
باب في أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع
وهو أن تأتي بلفظ واحد تحتمل قراءته بوجهين، وتسمية بقية ما استنبطه من العلوم.
من ألطفه قول سيدنا علي كرم الله وجهه: كل عنب الكرم تعطيه، فإنه يصحف بقولك: كل عيب الكرم يغطيه، قال جد جدنا لأمه العلامة أبو الفيض حمدون ابن الحاج في شرحه: النوافح العالية في المدائح السليمانية: علي هو أول من نطق بالتصحيف في كلامه، انظره. ثم وجدت من سبقه إلى ذلك، وهو صاحب مدينة العلوم؛ نقل عن الشيخ عبد الرحمن البسطامي: أول من تكلم بعلم التصحيف الإمام علي بن أبي طالب، ومن كلامه في ذلك: خراب أهل البصرة بالريح، بالراء والحاء. المهملتين بينهما ياء. قال الحافظ الذهبي: ما علم تصحيف هذه الكلمة إلا بعد المائتين من الهجرة: يعني خراب البصرة بالزنج بالزاي والنون والجيم. قال: وللإمام في هذا العلم صنائع بديعة اهـ.
وفي إتحاف الرواة بمسلسل القضاة، للشهاب أحمد بن الشلبي الحنفي المصري؛ تعرضه لأوليات سيدنا علي قيل: إنه أول من تكلم في التصحيفات اللوذعية فقال: كل عنب الكرم الخ الخ ونحوه لابن هشام، في الفصل الرابع من كتابه موقد الأدهان وموقظ الوسنان، وفي الجرعة الصافية والنفحة الكافية، للشيخ المختار بن أحمد الكنتي الوافي: علي هو
стр. 552
الذي استنبط علم النحو، والكيمياء، والاسطرلاب، وأسرار الحروف، وأسرار الحساب، والتنجيم، والأوفاق، والتعبير، والفرائض، ودقائق القسمة، إلى غير ذلك اهـ.
وفي بهجة الآفاق في علم الحروف والأوفاق لجوّاب الكرة الأرضية، الشمس محمد بن الغلاني الدانكوري السوداني، دفين مصر: صنف علي في الجفر، والجامعة في أسرار الحروف الكونية، وهو ألف وسبعمائة مصدر من مفاتيح الأسرار، وهو أول من وضع مربع مائة في مائة من الصحابة، كما قال صاحب الكنز الباهر في شرح حروف الملك الظاهر.
باب في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم فيه ويدوّن الإمام الأشعري
نقل الشيخ الأمير، في حواشي الجوهرة عن الإمام أبي علي اليوسي: أنه اشتهر عن أبي الحسن الأشعري أنه واضع علم الكلام، وليس كذلك. بل تكلم فيه عمر بن الخطاب، وأنس، وألف فيه مالك رسالة قبل أن يولد الأشعري اهـ نقله الشيخ عليش في فتاويه أثناء جواب له: في واضع علم الكلام قائلا: الأولى أنه علم قرآني، لأنه مبسوط في كلام الله، بذكر العقائد، والنبوات، والسمعيات، انظر ص ١٣ من ج ١ ونقل الحافظ السيوطي في شرح نظمه لجمع الجوامع، عن أبي الوليد الباجي: ناظر ابن عمر منكري القدر، واحتج عليهم بالحديث، وناظر ابن عباس الخوارج اهـ منه.
قلت: من طالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي لم يبق له شك في أنه علم قديم خاض فيه المصطفى والصحابة وصدور التابعين.
باب املاء الصحابة على من يكتب عنهم
روى ابن عدي والبيهقي في المدخل عن أبي الخطاب معروف الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع يملي على الناس الأحاديث، وهم يكتبونها عنه.
باب وقت بروزه ﵇ للجواب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه
عن أبي موسى قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر انحرفنا إليه فمنا من يسأله عن القرآن، ومنا من يسأله عن الفرائض، ومنا من يسأله عن الرؤيا، رواه الطبراني في الكبير.
قال الهيثمي: وفيه محمد بن عمر الرومي ضعفه أبو داود وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان.
فائدة: في طبقات ابن سعد عن الزهري؛ أن النبي ﷺ كان لا يأذن بعد الظهر. وهي السنة وكان يأذن عليه أنس مولاه انظر ص ٣٣ من ج ٣.
فعلى هذا: كان ﵇ إذا دخل إلى منزله بعد صلاة الزوال، إنما يأذن الناس في الدخول عليه ولقائه بعد الظهر.
стр. 553
باب في مراجعتهم الحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى ﵇
ترجم الهيثمي في المجمع: باب في مدارسة العلم ومذاكرته، عن أنس قال: كنا قعودا مع النبي ﷺ ، فعسى أن يكون قال ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم يدخل لحاجته، فنراجعه بيننا هذا، ثم هذا، فنقوم كأنما درّ [فتح] في قلوبنا. رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف.
باب في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن
خرّج الحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة.
باب في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره
روى البيهقي في المدخل؛ بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال لسعيد بن جبير:
حدث. قال: أحدث وأنت شاهد؟ قال: أو ليس من نعم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أخطأت علمتك.
وفي ترجمة سعيد من طبقات ابن سعد أن ابن عباس قال لسعيد: حدث قال أحدث وأنت هاهنا؟ قال: أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك.
باب في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا
عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الآخرى؛ حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل رواه أحمد، وابن سعد في الطبقات. وفيه عطاء ابن السائب، اختلط في آخر عمره، وعن ابن عمر قال: لقد عشت برهة من دهري، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد، فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم القرآن. فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده فيه، وينثره نثر الدقل. رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وفي ذيل مجمع بحار الأنوار؛ على حديث. من تعلّم القرآن وعلمه، لا يلزم منه فضله على الفقيه، لأن المخاطبين الصحابة. وكانوا فقهاء يعرفون الفقه من معانيه أكثر مما يعرفه من بعدهم اهـ منه.
стр. 554
وأورد في الجامع الكبير حديث: تعلموا القرآن والتمسوا غرائبه، وغرائبه فرائضه، وفرائضه حدوده، وحدوده حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، واعتبروا بأمثاله. وعزاه للديلمي عن أبي هريرة.
وفي الموطأ «١» أن ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها. قال الباجي في المنتقى: ليس ذلك لبطء حفظه، معاذ الله، بل؛ لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها، وما يتعلق بها.
وأخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا. نقله السيوطي في تنوير الحوالك وقد عدّ الونشريسي في فصل البدع من المعيار: من البدع اقتصار الناس على حفظ حروف القرآن دون التفقه فيه، ثم إنه ذكر عن ابن عمر ما سقناه. قال: قال العلماء معناه: أنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها اهـ منه.
ونقل ابن عبد السلام في محاذيه عن الحافظ الذهبي في حق مجاهد: أنه صح عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه فيها عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ اهـ.
وفي جامع البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه قد حفظ القرآن في البصرة في هذه السنة خلق كثير، فكتب له أن يفرض لهم ثم كتب له في السنة بعدها أنه قد حفظ القرآن أضعاف ذلك، فقال له أتركهم، فإني أخشى أن يشتغل الناس بحفظ القرآن، ويتركوا التفقه فيه اهـ.
قلت: قصة أبي موسى أوردها في الكنز فانظره، وفي شرح الملا علي القاري على مسند أبي حنيفة: كان من يقرأ القرآن في الصدر الأول عالما بالسنة والفقه المتعلق بالصلاة ونحوها، ولذا ورد: يؤمهم اقرأهم اهـ منه. ومن أقرب ما يمثل لنا تفقه من سبق في القرآن حالة حفظه، ما في بذل المناصحة لأبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي السوسى، دفين فاس في ترجمة أستاذ درعة أبي القاسم الوحلاني الدرعى قال: حدثني عنه بعض الأصحاب: أنهم سمعوا منه: أنه لا يمحى اللوح حتى يقرأها، بكل ما يتعلق بها من الأحكام، من التجويد بالقراآت والرسم، والأعراب والتفسير. ولكل فن شيخ قال: وربما يبقى في ثمن الجمعة حتى يجتاز بها على جميع شيوخ مطالبها اهـ ومن خط البوسعيدي نقلت.
стр. 555
باب في أول من أطلق على سفر القرآن المصحف
أخرج ابن أشته في كتاب المصاحف، من طريق كهمس بسند منقطع عن بريدة قال:
إن أول من جمع القرآن في مصحف؛ سالم مولى أبي حذيفة، ثم ائتمروا على أن يسموه باسم فقال البعض منهم: سموه السفر. فقال: إن ذلك من تسمية اليهود لكتبهم، فكرهوا ذلك. فقال: إني رأيت مثله في الحبشة يسمى المصحف، فأجمع رأيهم على أن يسموه المصحف، فسمى به أنظر أزهار العروش في أخبار الحبوش.
وفي باب العلم من سمى المصحف مصحفا أبو بكر. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف.
وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي؛ أن المصحف بضم الميم وقد تكسر وقد تفتح، مأخوذ من أصحف أي جعل فيه الصحف، ثم جعل علما على القرآن الكريم.
وأول من سماه به: أبو بكر الصديق. ذكره الوالد في شرحه على الدرر اهـ منه ص ٢٦٩ من ج ٢، ونحوه للزرقاني على المختصر لدى قول الشيخ خ في باب الركوة والقرآن والمصحف. انظره.
باب فتوى الصحابة في حكم أجرة نسخ المصاحف
عن ابن عباس أنه سئل عن أجرة كتابة المصاحف فقال: لا بأس؛ إنما هم مصورون، وإنما يأكلون من عمل أيديهم. ذكره التبريزي في المشكاة وعزاه لرزين السرقسطى. قال القاري في المفاتيح: فإنما هم مصورون أي ينقشون صور الحروف، وقال: لا بأس، لأن القرآن كما يطلق على صفة الله القديمة، يطلق على ما بين الدفتين من النقوش، فهم إنما يأخذون الأجرة في مقابلة تلك النقوش، الدالة على تلك الصفة. ولذا قال: إنما هم مصورون أي ينقشون صور الحروف. ثم نقل عن الطيبي: الصورة الهيئة والنقش، والمراد هنا: النقش إشعار بالمجموع، لأنه أثبت النقش والمنقوش، والقرآن كان عبارة عن المجموع من القرآن والمقروء، والكتابة والمكتوب، والمقروء هو القديم والكتابة والقراءة ليستا من القديم، لأنها من أفعال القارئي والكاتب، فلما نظر المسؤول إلى تمييز معنى المقروء والمكتوب، وأنهما من صفات الإنسان جوزها اهـ.
باب في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها
ترجم في الاصابة؛ لناجية الطفاوي الصحابي فقال: كان يكتب المصاحف، وترجم لنافع بن ظريب النوفلي فقال: هو الذي كتب المصحف لعمر. وقال هشام الكلبي: كان يكتب المصاحف لعمر، وقال البلاذري: كتب المصاحف لعثمان، وقيل لعمر، وذكر خالنا
стр. 556
أبو المواهب جعفر بن ادريس الكتاني في فهرسته، وتلميذه المطلع المحدث، أبو عبد الله محمد المدني ابن جلون، في كناشته أنه نقل من خط شيخ الأول قاضي الجماعة بفاس شارح تيسير ابن الدّيبع أبي محمد عبد الهادي بن عبد الله العلوي المدغري، أن جده العلامة مولاي التهامي، نظم تركة النبي ﷺ وذلك في قوله:
قد خلف الرسول تسعا تعرف ... سجادة وسبحة ومصحف
وقفتان، وسواك وحصير ... مشط ونعلان وابريق منير
واضعها مكتوبة في منزله ... يدوم أمن أهله ونزله
فعد منها المصحف والسبحة، وربما يستغرب ذلك، ويستنكر أما المصحف فلما اشتهر، وتقرر أن أبا بكر أول من جمع القرآن، فلعله أراد بالمصحف المعدود من المتخلفات النبوية؛ تلك الصحف التي كان يكتب فيها القرآن، وقت نزوله من عظم ونحوه، وقد قال ابن سعد في الطبقات: إن عمر أول من جمع القرآن في المصحف اهـ ص ٢٠٢ من ج ٣ من القسم ١.
وقال الخزاعي في فصل: إن عمر أول من دوّن الدواوين، وقد كان أبو بكر جمع القرآن في صحف، وبقيت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين، إلى زمن عثمان ذكر ذلك أبو محمد بن عطية وغيره، وكان جماعة من الصحابة قد جمعوه أيضا قبل ذلك، ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود.
قال أبو عمر ابن عبد البر: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب وهو بعرفات فقال:
جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب لذلك عمر غضبا شديدا، وقال: ويحك من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود. فذهب عنه ذلك الغضب، وسكن إلى حاله. وقال: والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحقّ بذلك منه اهـ.
وقالوا: إن عثمان حين أكمل كتب المصحف أمر بانتزاع ما عند الصحابة من المصاحف، فانتزعت إلا مصحف عبد الله بن مسعود اهـ.
فهذا يدل على أنه كانت مصاحف جمعت قبل مصحف عثمان، وإنما نسبوا ذلك له، لأنه المصحف الذي بعث نسخه إلى الأمصار، وابتهج المسلمون به في جميع الأقطار اهـ.
ثم بعد كتبي هذا بمدة وجدت بخط سيدنا الخال ﵀ إثر الأبيات السابقة ما نصه: والمراد بالمصحف ما جمعه الصحابة، مما بين الدفتين أي اللوحين من القرآن، وفي البخاري: باب من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس، وابن الحنفية، أنه لم يترك إلا ذلك، لأنه جمع في الصحف ثم جمعت تلك الصحف في المصحف بعد النبي ﷺ ، فكان التأليف في الزمن النبوي والجمع في الصحف في زمن الصديق، والنسخ في المصاحف في زمن عثمان. وقد كان القرآن كله مكتوبا في
стр. 557
عهده ﷺ ، لكنه غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور. قاله القسطلاني.
قلت: قد ظفرت بما يدل على أن ما كان نزل من القرآن؛ كان الصحابة يعددون منه النسخ في زمنه ﵇. وبوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد «١» من الصحيح بقوله:
باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، ثم خرّج عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ :
نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وفي لفظ لإسحاق بن راهواه في مسنده: كره رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. وخرجه أحمد بلفظ: نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو.
وقال البخاري في الترجمة المذكورة؛ وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه إلى أرض العدو، وهم يعلمون القرآن. قال الحافظ: أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالمصحف، خشية أن يناله العدو، لا السفر بالقرآن نفسه اهـ فلولا أن ما كان نزل من القرآن يجمع في الصحف ونحوها، ويتداوله الناس بالنسخ والملك، ما صح ورود النهي المذكور فتأمله.
وأخرج أحمد «٢» والطبراني والدارمي عن أبي أمامة قال: لما كان في حجة الوداع:
قام رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم، وقبل أن يرفع العلم، الحديث. فسأله اعرابي يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا، فرفع النبي رأسه إليه وهو مغضب وقال:
هذه اليهود والنصارى بين أيديهم المصاحف، لم يتعلقوا منها بشيء مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته. ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك، وابن عمر، وصفوان وهي عند أحمد والترمذي والطبراني والدارمي. والبزار بالفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعني.
وفي مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد «٣» عنه أن رجلا أتى النبي ﷺ بابن له فقال يا رسول الله إن ابني هذا يقرأ المصحف في النهار ويبيت بالليل، فقال رسول الله ﷺ ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما.
وفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] في المتاع أربعة أقوال الرابع: صحف القرآن اهـ.
وفي المسلسل ٤١ من مسلسلات المنح البادية في الأسانيد العالية؛ بإسناد مؤلفها إلى القاضي أبي بكر ابن العربي المعافري قال: اشتكت عيني فشكيت إلى الشريف نسيب الدولة
стр. 558
فقال لي: انظر المصحف وهكذا تسلسل إلى علقمة فقال: اشتكت عيني. فقال لي عبد الله بن مسعود: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فقال لي رسول الله ﷺ : انظر في المصحف، زاد غيره في هذا الحديث بقوله: فإن عيني اشتكت، فقال لي جبريل: انظر في المصحف.
ثم نقل عن كتاب سلوة الأحزان في فضائل القرآن للزناتي عن أنس رفعه: من قرأ في المصحف لم ير سوآ في بصره ما عاش. انظر المنح. وأما السبحة فقال الشيخ الأمير في فهرسته: لم يصح ما اشتهر من عدها أي السبحة من مخلفاته ﵇ اهـ وسبقه إلى نحوه ابن سلطان في شرح المشكاة قائلا: إن السبحة المعروفة لم تكن في زمن النبي ﷺ اهـ ونقل كلام الأمير والقاري، وأقره أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في رسالة: نزهة العطر في سبحة الذكر، واقتصر على كلام الأمير في كتابه ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني، ص ١٥١ ونحوه لابن الطيب، في حواشي القاموس.
والصواب أن اتخاذ السبحة ونحوه لعد الذكر ثبت عن الصحابة في حياته ﵇ وبعده، والذي حدث هو خرز، ونظم تلك الحبوب في الخيط ونحوه، كما قاله الشيخ عبد الغني الدهلوي المدني، على أن مخلفات النبي ﷺ من خيل ودواب وإبل وغنم وفراش وأجنة «١» وأثاث وغيرها، أكثر من ذلك بكثير، والعلم عند العلي الكبير. وقد نظمها غيره على غير هذا الوجه. انظر رحلتنا (الدرنية) .
باب في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف لهم في أسفارهم
يستفاد ذلك من الترجمة قبله، وذكر المسعودي في مروج الذهب في عرض كلامه على واقعة صفين بين على ومعاوية، وما كان من ظهور علي، وما أشار به عمرو بن العاص، من رفع المصاحف؛ ورفع من معسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف اهـ.
وليست هذه كل المصاحف إذ ذاك، مع أن بين جمع القرآن وواقعة صفين سبع سنين، فانظر إلى هذا العدد الذي وجد في ذلك الجيش فكيف بغيره من مصاحف من لم يحضر.
وفي ترجمة أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري من طبقات ابن سعد، عن يزيد بن مردانيه قال: رأيت أبا بردة راكبا على راحلة، ومصحف معلق مقدم الراحلة.
لطيفة: وقع في حواشي الشيخ الأمير الكبير، على الزرقاني على المختصر، عن شيخه الشمس البليدي المالكي. فرع: يكره جعل القرآن أجزاء. قال مالك: إنه تعالى يجمعه وهم يفرقونه اهـ ثم وجدت في العتبية: وأن مالك كره ذلك كراهة شديدة. قال ابن رشد في البيان
стр. 559
والتحصيل: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل على النبي ﷺ شيئا بعد شيء حتى كمل الدين واجتمع القرآن في الأرض، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا.
تنبيه: المصاحف القديمة الموجودة في المكاتب العظيمة، التي يظن إنها كتبت في القرون الأولى، لا تجدها إلا بأرفع الخطوط وأوضحها في أغلى الصحف ثمنا وأجملها وأغلظها. وما ذلك إلا لأنهم كانوا يرون ذلك من رفع المصحف وإكباره. وفي مدينة العلوم، لما تكلم على آداب كتابة المصاحف، أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى مصحفا كتب بقلم دقيق ضرب كاتبه، وكان إذا رأى مصحفا عظيما سرّ به. وكان علي يكره أن تتخذ المصاحف صغارا اهـ.
وقد أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن انظر الاتقان. وقد عد في الطريقة المحمدية من الآفات تصغير المصحف. قال العارف النابلسي في شرحها: أي كتابته في أوراق صغار، ثم نقل عن أبي حنيفة: أنه يكره أن يصغر المصحف، وأن يكتب بقلم دقيق، ثم قال: ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن يكتبه بأحسن خط وأثبته، على أحسن ورق وأبيض قرطاس، بأفخم قلم وأبرق مداد، ويفرّج السطور، ويفخم الحروف، ويجرده عما سواه من التفاسير، وذكر الآي وعلامات الوقف وصونا لنظم الكلمات كما هو مصحف الإمام عثمان ﵁ اهـ منه.
باب هل كانوا يحلّون المصاحف
ترجم ابن رشد في جامع البيان والتحصيل؛ لصفة مصحف جد الإمام مالك المكتوب على عهد عثمان، قال ابن القاسم: وأخرج إلينا أي مالك مصحفا لجده (أبي عامر الأصبحي المختلف في صحبته) فحدثنا أنه كتب على عهد عثمان بن عفان، فوجدنا حليته فضة، وأغشيته من كسوة الكعبة، وأعاد ذلك في العتبية مرة أخرى، وزاد فيها: ما زدت أنا فيه شيئا قال ابن رشد: أحفظه في إجازة تحلية المصحف بالفضة، أما تحليته بالذهب فأجيز وكره، وظاهر ما في الموطأ إجازته اهـ.
باب في أن حفظ المصاحف كان له ولاة مختصون به في زمن أبي بكر ﵁
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، لابن عبد السلام، في ترجمة أبي بكر أن عمر كان قاضيه، وعثمان كاتبه. وسعد مولى مصاحفه، وسعد القرظ مؤذنه.
باب هل كانوا يقبلون المصاحف ؟
في شرح الأحاديث الأربعين للشمس محمد بن مصطفى الكرماني الحنفي: المصحف قبّله عمر وعثمان في كل غداة، وقيل: إنه بدعة في المنية اهـ منه ص ١٠٦. وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار، للعلامة الحصكفي الدمشقي، من كبار كتب الحنفية: روي أن
стр. 560
ابن عمر كان يأخذ المصحف كل غداة ويقبله ويقول: عهد ربي ومنشور ربي ، وكان عثمان يقبل المصحف ويمسحه على وجهه اهـ انظر ص ٢٥٤ من ج ٥ من هامش رد المختار لابن عابدين.
ونقل الشمس السفاريني الحنبلي في شرح منظومة الآداب عن الرعاية: إنه يستحب تقبيل المصحف، لأن عكرمة بن أبي جهل «١» كان يفعل ذلك. رواه جماعة منهم الدارمي بإسناد صحيح. قال: كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربي كتاب ربي.
وممن صحح إسناد الدارمي عن عكرمة النووي في التبيان، وفي مناسك العلامة شيخ الجماعة بفاس أبي عبد الله محمد بن عبد السلام البناني، ورد أن الحجر الأسعد يمين الله في أرضه، والعادة تقبيل يمين من يقصد إكرامه. فجعل إشارة إلى ذلك تعالى الله عن التشبيه، وهذا معنى لطيف في تقبيله، ولا يخفى أن القرآن العظيم صفة الله فهو بالتقبيل أولى، ومنه يؤخذ تقبيل المصحف، ويد العالم والولي والرجل الصالح، وآثار الصالحين ونحو ذلك مما يعظم. ذكر معناه السبكي في طبقاته اهـ.
باب كون الصحابة كانوا يستحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا إلا وقد نظر في المصحف
ذكر الحافظ أبو القاسم الغافقي الملاحي، في فضائل القرآن، له نقلا عن القوت؛ لأبي طالب المكي: كان كثير من الصحابة يقرؤون في المصحف ويستحبون أن لا يخرج يوم إلا وقد نظروا فيه، وخرق عثمان مصحفين من كثرة درسه فيهما اهـ.
وفي المنح البادية للفاسي: كان الأيمة والصالحون من السلف أول ما يبدؤون به إذا أصبحوا النظر في المصحف، وكان يأمرون من اشتكى ببصره أن ينظر في المصحف.
وفي ترجمة أبي العالية من طبقات ابن سعد ص ٧٥ ج ٦ عن مجاهد: كان لعبد الرحمن ابن أبي ليلى بيت فيه مصاحف، يجتمع إليه فيه القراء قلما تفرقوا إلا عن طعام وبذلك كله تعلم ما في تحفة الأكابر عن مختصر ابن أبي زيد: لم تكن القراءة في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج، وأكره أن يقرأ في المصحف في المسجد اهـ وانظر التحفة أيضا على حديث من استظهر القرآن خفف الله عن أبويه العذاب.
باب في أن معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ
في ترجمته من مروج الذهب للمسعودي أنه كان في السمر يحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارهم، والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان مرتبون، وقد وكلوا بقراءتها وحفظها انظر ص ٥٢ من ج ٢ المطبعة المصرية لسنة ١٣٠٤.
стр. 561
باب في تعلمهم القرآن في زمنه ﵇ وتسويغه أخذ الأجرة عليه
خرّج البخاري «١» في الصحيح، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله: قال ابن بطال: هذا عام في التعليم وغيره. وقد أجاز الإجارة على تعليمه والرقية به مالك والشافعي وأحمد اهـ.
وقال المجاجي هذا الحديث يدل دلالة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله:
إنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وذهب آخرون إلى المنع من ذلك؛ مستدلين بحديث يروى في ذلك أيضا، ظاهره يقتضي تحريم أخذ الأجرة، وهو عند المالكية ومن قال بقولهم مؤول اهـ.
وفي البخاري: إذهب فقد زوّجتكها بما معك من القرآن «٢» .
وفي حديث عبادة: كنت أعلم إنسانا من أهل الصفة القرآن، وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: ذكر رجل عنذ رسول الله ﷺ بخير، فقال: أو لم تروه يتعلم القرآن؟ انظر ص ٦٦ من مسند عائشة ج/ ٦.
وفي الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء منها.
وسوادها بأكدار المعصية والضلال، وكان ﷺ يشترط على وفود الأعراب بعد إسلامهم إقراء القرآن بينهم، وتعليمهم أمر الدين وإقامة المؤذنين اهـ.
وسبق في القسم الأول دلائل صريحة في هذا؛ من حضه ﵇ الناس على تعلم القرآن، وإرسال المعلمين إلى الجهات، ومما أغفلناه هناك حديث: «تعلموا القرآن فاقرأوه وأقرئوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به؛ كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان ومثل من يتعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكىء على مسك، خرّجه الترمذي «٣» ، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان عن أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب. وحديث: تعلموا كتاب الله وتغنوا به فإنه أشدّ تفلتا من المخاض في عقلها أي النوق الحوامل المحبوسة في العقل جمع عقال خرجه أحمد «٤» عن عقبة بن عامر- والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
стр. 562
وفي نجوم المهتدين في دلائل نبوة سيد المرسلين؛ لأبي المحاسن النبهاني: الصحابة كان بعضهم يحفظ القرآن كله، والبعض يحفظ أكثره، والبعض يحفظ أقله، ويحفظ أحدهم ما لا يحفظه الآخر، وقلما رجل منهم لا يحفظ منه شيئا، حتى كان عمر رضى الله عنه؛ يأمر بقسمة الغنائم على مقادير الحفظ للقرآن؛ وبذلك تزداد الرغبة في الدين والدنيا اهـ ص ٤٠١.
وقال الولي ابن خالدون في مقدمة العبر في فصل تعليم الولدان: إعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار من شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، بما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان، وعقائده من آيات القرآن، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه، ما يحصل بعد من الملكات.
ثم قال: اختصت العوائد الإسلامية بتقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات، والقواطع عن العلم، فيفوته القرآن اهـ.
وعلى ذلك جرى حال أهل ملة الإسلام في كل عصر وزمان، حتى قال الأئمة: إن تعليم القرآن وتعلمه فرض. وكذا معرفة معانيه، لأنها المقصود الأهم، والمطلوب الأعظم.
وفي المجاجي نقلا عن الغبريني، أنه سئل عن أهل قرية امتنع بعضهم من بناء مسجد للصلاة، وأخذ المؤدب لقراءة أولادهم. هل يجبرون على ذلك.
فقال: جبرهم على بناء المسجد واجب، وكذا جبرهم على تعليم أولادهم ونحوه للعقباني أيضا.
تنبيه: في ابن غازي على الصحيح نقلا عن ابن بطال: أجاز أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه تعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه رجاء إسلامهما اهـ.
باب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم
نقل الشيخ أبو علي ابن رحال في شرحه على خ: بيعت المصاحف أيام عثمان فلم ينكروا ذلك اهـ منه لدى قول خ ولو مصحفا في باب الإجارة. انظر بكم بيع أول مصحف نسخ، وعرض للبيع وهل ثمنه كان على مقدار قيمة الناسخ والخطاط؟ أو على نسبة المنسوخ فيه من جلد ونحوه مما كانوا يكتبون فيه؟ لا بد أن يكشف المستقبل للباحث القول الفصل في هذه المسألة أيضا والله أعلم.
باب في المكاتب لقراءة الصبيان
في كتاب الديات من صحيح البخاري «١» : أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب أن
стр. 563
أبعث إلي غلمانا. وترجم البخاري في الأدب المفرد باب: السلام على الصبيان، فأسند إلى ابن عمر، أنه كان يسلم على الصبيان في المكتب.
وسئل الأستاذ الكبير الشيخ المختار الكتبي عن الأصل في ترك المعلم للصبي قراءة الخميس والأربعاء والجمعة فأجاب: بأن الصحابة كانوا قبل ولاية عمر إنما يقريء الرجل ابنته وأخاه الصغير ويأخذ الكبير عن الكبير مفاهمة لسيلان أذهانهم، فلما كثرت الفتوحات، وأسلمت الأعاجم وأهل البوادي، وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم، وكانوا يسردون القراءة في الأسبوع كله. فلما فتح عمر الشام ورجع قافلا للمدينة تلقاه أهلها ومعهم الصبيان، وكان اليوم الذي لاقوه فيه يوم الأربعاء، فظلوا معه عشية الأربعاء ويوم الخميس وصدر يوم الجمعة، فجعل ذلك لصبيان المكاتب وأوجب لهم سنة للاستراحة، ودعا على من عطل هذه السنة. ثم اقتدى به السلف في الاستراحات المشروعة إلى يومنا هذا، وهي يوم النحر وثلاثة بعده ويوم الاثنين سرورا بمولد المصطفى ﵇، وثلاثة قبل المولد وثلاثة أيام بعده، ويوم المولد كانوا يسمونها التجميمات اهـ.
عجيبة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، أن عامر بن عبد الله سجن ابنا له كان ماجنا، حتى جمع كتاب الله فأتي فقيل له: قد جمع كتاب الله فخله. فقال له: ما من موضع خير له من موضع جمع فيه كتاب الله، فأبى أن يخليه. انظر تحفة الناظر للعقباني.
باب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم
في شرح المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة قال أنس بن مالك: إذا لم يتحفظ معلم الأولاد على ماء الألواح، ولم يسأل أين يطرحونه فلينظر على أي دين يموت. دين اليهود أو دين النصارى. قيل له: كيف كانوا يفعلون يا أنس؟ قال: كان المؤدب في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يجعل إناء كبيرا معدا لمحو الألواح. فيأتي كل يوم صبي من أولئك بماء، ثم يجعل الماء في حفرة. قال ابن عرفة: وكان من عادتنا أن نجعله في حفرة عند القبور، ثم وجدت البرزالي في نوازله، ذكر عن أنس نقلا عن آداب المتعلمين لابن سحنون بلفظ: إذا محت صبية المكاتب تنزيل رب العالمين بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره ثم لا يبالي، حين يلقى الله على ما يلقاه قيل لأنس: كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة إناء يغسل فيها الثياب، وكل صبي يجيء في نوبته بماء طاهر فيصبه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس ثم يحفرون له حفرة في الأرض فيصبون ذلك الماء فيها فينشف اهـ.
ونقل القرطبي في مقدمة تفسيره أن السلف كانوا يستشفون بغسالة الألواح، وفي المدخل لابن الحاج أن هذه الغسالة إما أن تصب في بحر أو بئر أو حفرة طاهرة لا توطأ.
стр. 564
باب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف
قال الشيخ المحدث محمد طاهر الفتني، في خاتمة كتابه الجامع في مجمع بحار الأنوار ص ٥١٣ من ج ٢؛ كتبنا إلى شيخنا الشيخ علي المتقي أي الشهير بابن الهندي المكي مبوب الجامعين، فيما جرت عليه عادة أكثر هذه البلاد أنهم يبتدئون تعليم الصغار القرآن، حين يمضي عليهم أربعة سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام. هل له أثر في الحديث أو السلف؟ فكتب ﵁: إنه لم يوجد شيء يعتمد عليه إلا ما سمع عن بعض أنه شق صدره ﷺ وأمر بإقرأ حينئذ فهذا مع اختلاف فيه لو صح استنبط ما ذكر منه اهـ.
زاد الزركشي: لكنه يخالف المشاهير اهـ وقد قال الدماميني، في كتاب الزكاة، من حواشيه على الصحيح، على قصة إزالة المصطفى ﵇، لتمر الصدقة من في الحسن ﵇: وفي الحديث أن الأطفال إذا نهوا عن شيء عرفوا لأي شيء نهوا عنه، ليكبروا فيأتي عليهم وقت التكليف، وهم على علم من الشريعة، على أن مالكا كره أن يعجل بتعليم الطفل القرآن، وأنكر لما قيل له، عن طفل جمع القرآن ابن سبع سنين ونحوها. قاله ابن المنبر. وما أراه والله أعلم كره ذلك إلا خشية أن ينطق به على خلاف ما ينبغي له، من إقامة الحروف وإخراجها من مخارجها، أو أن في إعجاله منعا من الذي ينبغي أن يفسح له فيه، من اللهو المقيم لبنية الأطفال، المروح لأنفسهم، ومقصود البخاري من ترجمة الباب: التنبيه على الاعتدال في تأديب الأطفال اهـ.
ونقل كلام ابن المنبر هذا في تحفة الأكابر، واقره وانظره مع ما ذكره الشعراني في كشف الغمة، أنه ﵇، كان يرخص في إمامة الصبي المميز لا سيما إن كان أكثر القوم قرآنا، وكان عمر بن أبي سلمة ﵁، يؤم قومه ابن ست أو سبع أو ثمان في عهد رسول الله ﷺ . وكان ابن عباس يقول: كانوا يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث فيصلون بهم ويقولون: ليس لهم ذنوب فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٤٩] أي أمثالهم كما قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢] أي أمثالكم دونكم.
قلت: وقصة عمر بن سلمة بكسر اللام الجرمي التي ذكر الشعراني أشار لها الحافظ في الإصابة في ترجمته وهذا سياقه: إنهم قدموا عمرو بن سلمة إماما مع صغره، لأنه كان أكثرهم قرآنا أخرجه البخاري اهـ ولا شك أن ذلك يدل دلالة صريحة على أنهم كانوا يبتدئون بتعليم الصبيان، وهم صغار. وبذلك تعلم ما نقله المجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة، عن ابن الحاج في المدخل: أن السلف إنما كانوا يقرئون أولادهم إذا بلغوا سبع سنين. قال: وكثير من الناس يقرئون أولادهم في حالة الصغر، وذلك تعب بلا فائدة.
стр. 565
وذكر القسطلاني عند باب تعليم الصبيان القرآن: إن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين اهـ.
وفي فواتح الرحموت شرح مسلّم الثبوت أن الشافعي حفظ الموطأ وهو ابن خمس، ولعل القول الفصل أن ذلك يختلف باختلاف القوابل، والمقابلين والجهات أو أن ما في كشف الغمة ليس بصريح في حفظ أولئك في ذلك السن جميع القرآن، بل بعضه. وهذا ليس هو الذي كرهه مالك والله أعلم.
ومن الغريب ما رأيته في حاشية الصبان على شرح الملوي على السلم: أن ابن مرزوق نظم جمل الخونجي وهو ابن ست سنين، كما صرح بذلك في نظمه اهـ وبعضهم ذكر ذلك عن ابن الحاجب، ومن خالط أهل صحراء شنجيط «١» لم يستغرب مثل هذا كل الإستغراب، وانظر آخر رسالتنا كشف اللباس عن حديث وضع اليد على الرأس، وهي مطبوعة، وجماع القول في هذا الباب ما في العتبية: أن مالكا سئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن قال: ما أرى هذا ينبغي. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال: مالك لا ينبغي ذلك من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع الحمل عليه في التأديب والتعليم، وهو صغير جدا. ونرى الرفق به في ذلك وأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله اهـ.
باب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه ﵇ إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده ﵇ ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك
تقدمت هذه الأبواب أول القسم الثاني؛ وهي بهذا القسم أنسب، لكن سقتها هناك تبعا لترتيب الخزاعي ﵀، وأحلت عليها هنا جمعا للنظائر، وليكون القسم العلمي واسع الأطراف، تام الوصف لعلم ذلك الزمن الكريم.
باب في تعاطي علم الخط
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قد كان نبي من الأنبياء يخط «٢» ، فمن وافق خطه ذلك الخط علم رواه البزار عن شيخه أبي الصباح محمد بن الليث، وأبو الصباح محمد بن الليث. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: يخطىء ويخالف وبقية رجاله رجال