← Сияса и кади

Сияса и кади · id 23688

التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية

عبد الحي الكتاني المغربي

Полный текст (682 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

باب في تعلمهم القرآن في زمنه ﵇ وتسويغه أخذ الأجرة عليه خرّج البخاري «١» في الصحيح، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله: قال ابن بطال: هذا عام في التعليم وغيره. وقد أجاز الإجارة على تعليمه والرقية به مالك والشافعي وأحمد اهـ. وقال المجاجي هذا الحديث يدل دلالة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله: إنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وذهب آخرون إلى المنع من ذلك؛ مستدلين بحديث يروى في ذلك أيضا، ظاهره يقتضي تحريم أخذ الأجرة، وهو عند المالكية ومن قال بقولهم مؤول اهـ. وفي البخاري: إذهب فقد زوّجتكها بما معك من القرآن «٢» . وفي حديث عبادة: كنت أعلم إنسانا من أهل الصفة القرآن، وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: ذكر رجل عنذ رسول الله ﷺ بخير، فقال: أو لم تروه يتعلم القرآن؟ انظر ص ٦٦ من مسند عائشة ج/ ٦. وفي الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء منها. وسوادها بأكدار المعصية والضلال، وكان ﷺ يشترط على وفود الأعراب بعد إسلامهم إقراء القرآن بينهم، وتعليمهم أمر الدين وإقامة المؤذنين اهـ. وسبق في القسم الأول دلائل صريحة في هذا؛ من حضه ﵇ الناس على تعلم القرآن، وإرسال المعلمين إلى الجهات، ومما أغفلناه هناك حديث: «تعلموا القرآن فاقرأوه وأقرئوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به؛ كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان ومثل من يتعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكىء على مسك، خرّجه الترمذي «٣» ، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان عن أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب. وحديث: تعلموا كتاب الله وتغنوا به فإنه أشدّ تفلتا من المخاض في عقلها أي النوق الحوامل المحبوسة في العقل جمع عقال خرجه أحمد «٤» عن عقبة بن عامر- والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

стр. 562

وفي نجوم المهتدين في دلائل نبوة سيد المرسلين؛ لأبي المحاسن النبهاني: الصحابة كان بعضهم يحفظ القرآن كله، والبعض يحفظ أكثره، والبعض يحفظ أقله، ويحفظ أحدهم ما لا يحفظه الآخر، وقلما رجل منهم لا يحفظ منه شيئا، حتى كان عمر رضى الله عنه؛ يأمر بقسمة الغنائم على مقادير الحفظ للقرآن؛ وبذلك تزداد الرغبة في الدين والدنيا اهـ ص ٤٠١. وقال الولي ابن خالدون في مقدمة العبر في فصل تعليم الولدان: إعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار من شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، بما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان، وعقائده من آيات القرآن، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه، ما يحصل بعد من الملكات. ثم قال: اختصت العوائد الإسلامية بتقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات، والقواطع عن العلم، فيفوته القرآن اهـ. وعلى ذلك جرى حال أهل ملة الإسلام في كل عصر وزمان، حتى قال الأئمة: إن تعليم القرآن وتعلمه فرض. وكذا معرفة معانيه، لأنها المقصود الأهم، والمطلوب الأعظم. وفي المجاجي نقلا عن الغبريني، أنه سئل عن أهل قرية امتنع بعضهم من بناء مسجد للصلاة، وأخذ المؤدب لقراءة أولادهم. هل يجبرون على ذلك. فقال: جبرهم على بناء المسجد واجب، وكذا جبرهم على تعليم أولادهم ونحوه للعقباني أيضا. تنبيه: في ابن غازي على الصحيح نقلا عن ابن بطال: أجاز أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه تعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه رجاء إسلامهما اهـ. باب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم نقل الشيخ أبو علي ابن رحال في شرحه على خ: بيعت المصاحف أيام عثمان فلم ينكروا ذلك اهـ منه لدى قول خ ولو مصحفا في باب الإجارة. انظر بكم بيع أول مصحف نسخ، وعرض للبيع وهل ثمنه كان على مقدار قيمة الناسخ والخطاط؟ أو على نسبة المنسوخ فيه من جلد ونحوه مما كانوا يكتبون فيه؟ لا بد أن يكشف المستقبل للباحث القول الفصل في هذه المسألة أيضا والله أعلم. باب في المكاتب لقراءة الصبيان في كتاب الديات من صحيح البخاري «١» : أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب أن

стр. 563

أبعث إلي غلمانا. وترجم البخاري في الأدب المفرد باب: السلام على الصبيان، فأسند إلى ابن عمر، أنه كان يسلم على الصبيان في المكتب. وسئل الأستاذ الكبير الشيخ المختار الكتبي عن الأصل في ترك المعلم للصبي قراءة الخميس والأربعاء والجمعة فأجاب: بأن الصحابة كانوا قبل ولاية عمر إنما يقريء الرجل ابنته وأخاه الصغير ويأخذ الكبير عن الكبير مفاهمة لسيلان أذهانهم، فلما كثرت الفتوحات، وأسلمت الأعاجم وأهل البوادي، وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم، وكانوا يسردون القراءة في الأسبوع كله. فلما فتح عمر الشام ورجع قافلا للمدينة تلقاه أهلها ومعهم الصبيان، وكان اليوم الذي لاقوه فيه يوم الأربعاء، فظلوا معه عشية الأربعاء ويوم الخميس وصدر يوم الجمعة، فجعل ذلك لصبيان المكاتب وأوجب لهم سنة للاستراحة، ودعا على من عطل هذه السنة. ثم اقتدى به السلف في الاستراحات المشروعة إلى يومنا هذا، وهي يوم النحر وثلاثة بعده ويوم الاثنين سرورا بمولد المصطفى ﵇، وثلاثة قبل المولد وثلاثة أيام بعده، ويوم المولد كانوا يسمونها التجميمات اهـ. عجيبة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، أن عامر بن عبد الله سجن ابنا له كان ماجنا، حتى جمع كتاب الله فأتي فقيل له: قد جمع كتاب الله فخله. فقال له: ما من موضع خير له من موضع جمع فيه كتاب الله، فأبى أن يخليه. انظر تحفة الناظر للعقباني. باب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم في شرح المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة قال أنس بن مالك: إذا لم يتحفظ معلم الأولاد على ماء الألواح، ولم يسأل أين يطرحونه فلينظر على أي دين يموت. دين اليهود أو دين النصارى. قيل له: كيف كانوا يفعلون يا أنس؟ قال: كان المؤدب في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يجعل إناء كبيرا معدا لمحو الألواح. فيأتي كل يوم صبي من أولئك بماء، ثم يجعل الماء في حفرة. قال ابن عرفة: وكان من عادتنا أن نجعله في حفرة عند القبور، ثم وجدت البرزالي في نوازله، ذكر عن أنس نقلا عن آداب المتعلمين لابن سحنون بلفظ: إذا محت صبية المكاتب تنزيل رب العالمين بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره ثم لا يبالي، حين يلقى الله على ما يلقاه قيل لأنس: كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة إناء يغسل فيها الثياب، وكل صبي يجيء في نوبته بماء طاهر فيصبه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس ثم يحفرون له حفرة في الأرض فيصبون ذلك الماء فيها فينشف اهـ. ونقل القرطبي في مقدمة تفسيره أن السلف كانوا يستشفون بغسالة الألواح، وفي المدخل لابن الحاج أن هذه الغسالة إما أن تصب في بحر أو بئر أو حفرة طاهرة لا توطأ.

стр. 564

باب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف قال الشيخ المحدث محمد طاهر الفتني، في خاتمة كتابه الجامع في مجمع بحار الأنوار ص ٥١٣ من ج ٢؛ كتبنا إلى شيخنا الشيخ علي المتقي أي الشهير بابن الهندي المكي مبوب الجامعين، فيما جرت عليه عادة أكثر هذه البلاد أنهم يبتدئون تعليم الصغار القرآن، حين يمضي عليهم أربعة سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام. هل له أثر في الحديث أو السلف؟ فكتب ﵁: إنه لم يوجد شيء يعتمد عليه إلا ما سمع عن بعض أنه شق صدره ﷺ وأمر بإقرأ حينئذ فهذا مع اختلاف فيه لو صح استنبط ما ذكر منه اهـ. زاد الزركشي: لكنه يخالف المشاهير اهـ وقد قال الدماميني، في كتاب الزكاة، من حواشيه على الصحيح، على قصة إزالة المصطفى ﵇، لتمر الصدقة من في الحسن ﵇: وفي الحديث أن الأطفال إذا نهوا عن شيء عرفوا لأي شيء نهوا عنه، ليكبروا فيأتي عليهم وقت التكليف، وهم على علم من الشريعة، على أن مالكا كره أن يعجل بتعليم الطفل القرآن، وأنكر لما قيل له، عن طفل جمع القرآن ابن سبع سنين ونحوها. قاله ابن المنبر. وما أراه والله أعلم كره ذلك إلا خشية أن ينطق به على خلاف ما ينبغي له، من إقامة الحروف وإخراجها من مخارجها، أو أن في إعجاله منعا من الذي ينبغي أن يفسح له فيه، من اللهو المقيم لبنية الأطفال، المروح لأنفسهم، ومقصود البخاري من ترجمة الباب: التنبيه على الاعتدال في تأديب الأطفال اهـ. ونقل كلام ابن المنبر هذا في تحفة الأكابر، واقره وانظره مع ما ذكره الشعراني في كشف الغمة، أنه ﵇، كان يرخص في إمامة الصبي المميز لا سيما إن كان أكثر القوم قرآنا، وكان عمر بن أبي سلمة ﵁، يؤم قومه ابن ست أو سبع أو ثمان في عهد رسول الله ﷺ . وكان ابن عباس يقول: كانوا يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث فيصلون بهم ويقولون: ليس لهم ذنوب فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٤٩] أي أمثالهم كما قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢] أي أمثالكم دونكم. قلت: وقصة عمر بن سلمة بكسر اللام الجرمي التي ذكر الشعراني أشار لها الحافظ في الإصابة في ترجمته وهذا سياقه: إنهم قدموا عمرو بن سلمة إماما مع صغره، لأنه كان أكثرهم قرآنا أخرجه البخاري اهـ ولا شك أن ذلك يدل دلالة صريحة على أنهم كانوا يبتدئون بتعليم الصبيان، وهم صغار. وبذلك تعلم ما نقله المجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة، عن ابن الحاج في المدخل: أن السلف إنما كانوا يقرئون أولادهم إذا بلغوا سبع سنين. قال: وكثير من الناس يقرئون أولادهم في حالة الصغر، وذلك تعب بلا فائدة.

стр. 565

وذكر القسطلاني عند باب تعليم الصبيان القرآن: إن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين اهـ. وفي فواتح الرحموت شرح مسلّم الثبوت أن الشافعي حفظ الموطأ وهو ابن خمس، ولعل القول الفصل أن ذلك يختلف باختلاف القوابل، والمقابلين والجهات أو أن ما في كشف الغمة ليس بصريح في حفظ أولئك في ذلك السن جميع القرآن، بل بعضه. وهذا ليس هو الذي كرهه مالك والله أعلم. ومن الغريب ما رأيته في حاشية الصبان على شرح الملوي على السلم: أن ابن مرزوق نظم جمل الخونجي وهو ابن ست سنين، كما صرح بذلك في نظمه اهـ وبعضهم ذكر ذلك عن ابن الحاجب، ومن خالط أهل صحراء شنجيط «١» لم يستغرب مثل هذا كل الإستغراب، وانظر آخر رسالتنا كشف اللباس عن حديث وضع اليد على الرأس، وهي مطبوعة، وجماع القول في هذا الباب ما في العتبية: أن مالكا سئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن قال: ما أرى هذا ينبغي. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال: مالك لا ينبغي ذلك من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع الحمل عليه في التأديب والتعليم، وهو صغير جدا. ونرى الرفق به في ذلك وأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله اهـ. باب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه ﵇ إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده ﵇ ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك تقدمت هذه الأبواب أول القسم الثاني؛ وهي بهذا القسم أنسب، لكن سقتها هناك تبعا لترتيب الخزاعي ﵀، وأحلت عليها هنا جمعا للنظائر، وليكون القسم العلمي واسع الأطراف، تام الوصف لعلم ذلك الزمن الكريم. باب في تعاطي علم الخط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قد كان نبي من الأنبياء يخط «٢» ، فمن وافق خطه ذلك الخط علم رواه البزار عن شيخه أبي الصباح محمد بن الليث، وأبو الصباح محمد بن الليث. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: يخطىء ويخالف وبقية رجاله رجال

стр. 566

الصحيح، وعن ابن عباس قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ ، أو أثاره من علم. قال: الخط، رواه أحمد والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخط فقال: هو أثارة من علم. قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط أيضا عن ابن عباس موقوفا قال في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤] قال: جودة الخط. وفي المواهب الفتحية في علوم العربية نقلا عن الحافظ ابن الجوزي: أن كتابة الصحابة للمصحف الكريم مما يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصة، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم اهـ ص ١٧. وقد استدل الحافظ السيوطي على قدم علم النحو بما منه كتابة المصحف، على الوجه الذي يعلله النحاة في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالألف اهـ واستفسره الأبياري في «القصر المبني على حواشي المغني» بأن الرسم القرآني توقيفي، كما ذكره الشيخ الدباغ في الإبريز، وهو كما ترى غير داحض معرفة الصحابة بذلك، إذ كانوا تعلموه منه ﵇. وأخرج ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد قال: قدم عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب فسأله عمر: من استخلفت على مصر؟ قال مجاهد بن جبر. فقال له عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم. إنه كاتب فقال عمر إن العلم ليرفع بصاحبه. باب في حضهم على تعاطي الشعر قال الإمام النووي صدر كتابه تهذيب الأسماء واللغات؛ بعد أن ذكر أن لغة العرب لما كانت في المحل الأعلى اجتهد أولوا البصائر في الاعتناء بها، والتمكن من اتقانها، بحفظ أشعار العرب وخطبهم، ونثرهم حال كان هذا الاعتناء في زمن الصحابة، مع فصاحتهم نسبا ودارا، ومعرفتهم باللغة استظهارا. وكان ابن عباس وعائشة وغيرهما يحفظون من الأشعار واللغات ما هو من المعروفات الشائعات، وأما ضرب عمر وابنه أولادهما لتفريطهم في حفظ العربية فمن المنقولات الواضحات الجلية اهـ وذكر أبو نعيم في رياض المتعلمين بعد أن ذكر تعلم العربية لغة ونحوا، ثم ليعرف طرفا من الشعر فإنه ديوان العرب، وموروث في الأعقاب والأخلاف باق مدحه وذمه لازم خيره وشره قال: وفيه الشاهد والحاضر، والمثل السائر، والشرح والإيضاح، وبيان غريب القرآن، ومعاني سنن الرسول الله ﷺ ، ثم أسند عن عائشة قالت: عليكم بالشعر فإنه يعرب ألسنتكم اهـ. وفيها ذكره ابن الأنباري عن ابن عباس قال: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليكم الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب إرجعوا إلى ديوانها، فالتمسوا معرفة ذلك منه. وفي شرح الشفا لأبي الحسن علي الحريشي: البحث عن الشعر مسنون كغيره من

стр. 567

العلوم، وقد عدّ من فروض الكفاية، حتى شعر المولدين. ذكره السيوطي في شرح منظومة المعاني. وقد ترجم البخاري «١» في صحيحه على جواز إنشاد الشعر في المسجد. وفي الموطأ أواخر أبواب الصلاة؛ مالك إنه بلغه أن عمر بن الخطاب بني رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة. كتاب قصر الصلاة في السفر باب ٢٤/ ص ١٧٥ ج ١. قلت: هذا يصح أن يكون أصلا لبناء المدارس والربط متصلة بالمسجد، لسكنى المتعلمين والذاكرين والمنقطعين والمعتكفين، وقد أفرد شعر الصحابة بالتدوين جماعة، منهم: تركي في عصرنا رأيت المجلد الأول منه مطبوعا، وسبق أن الحافظ ابن سيد الناس أفرد الصحابة الذين مدحوه ﵇ بمؤلف في مجلد عدد فيه نحو المائتين «٢» . باب في علم الأنساب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم «٣» . رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أبو الأسباط بشر بن رافع، وقد أجمعوا على ضعفه. وعن العلاء بن خارجة أن النبي ﷺ قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. فذكر الحديث وهو بتمامه في صلة الرحم، رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي: ورجاله موثقون اهـ. وأورده في الجامع الصغير بلفظ: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال أي؛ سبب لكثرته، منسأة في الأجل، أي مظنة لتأخيره. وعزاه لأحمد «٤» والترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وفي التيسير: قال الحاكم: صحيح وأقروه اهـ وممن أقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد وثقوا. وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث له طرق؛ أقواها ما أخرجه الطبراني من حديث العلاء بن خارجة. وجاء هذا عن عمر أيضا، وساقه ابن حزم بإسناد رجاله موثقون؛ إلا أن فيه انقطاعا اهـ. وأخرج ابن زنجوية من حديث أبي هريرة: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ثم انتهوا، وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله تعالى ثم انتهوا، قال الزبيدي في الاتحاف: وهذا يظهر الجمع بين الحديثين، وأن محل النهي إنما هو في التوغل فيه والاسترسال، بحيث يشغل به عما هو أهم اهـ أي في إبانه اهـ.

стр. 568

وترجم في الإصابة لتمام بن أوس فقال: له إدراك، وكان علّامة في الأنساب، حتى قال ابن الكلبي: كان أنسب العرب. وهو الذي قال لمعاوية: إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها اهـ. وأما خبر: علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، فقال الحافظ في الفتح: روي مرفوعا ولا يثبت، وروي عن عمر أيضا ولا يثبت اهـ وقد أقام البرهان على بطلانه الحافظ ابن حزم، أول جمهرته، وجعله من العلوم النافعة التي جهلها يضر، لأن من علم النسب ما هو فرض على الأعيان، وأسند إلى عمر قوله: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. قال ابن حزم: وكان أبو بكر الصديق وأبو الجهم بن حذيفة العدوى، وجبير بن مطعم بن عوف بن نوفل بن عبد مناف، من أعلم الناس بالأنساب. وكان عمر وعلي وعثمان فيه علماء. وإنما ذكرنا أبا بكر وأبا الجهم وجبيرا قبلهم، لشدة رسوخهم في العلم بأنساب العرب. وقد أمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت أن يأخذ ما يحتاج إليه من علم أنساب قريش عن أبي بكر. وهذا يكذب قول من نسب إلى رسول الله ﷺ أن النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر؛ لأن هذا القول لا يصح، وكل ما ذكرنا صحيح مشهور منقول في الأسانيد الثابتة، يعلمها من له أقل علم بالحديث، وما فرض عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب الديوان إذ فرض إلا على القبائل، ولولا علمه بالنسب ما أمكنهم ذلك، فبطل قول كل مخالف اهـ كلام الجمهرة من نسخة عندي بخط نسّابة المغرب، ونقيب الأشراف به أبي الربيع الحّوات ﵀. وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء: كان الصديق أعلم بأنساب العرب، لا سيما قريش. أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عنبسة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش، والعرب قاطبة. وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب اهـ منه. وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب، بسنده عن عبد الله بن بريدة، أن معاوية بن أبي سفيان دعا دغفلا فسأله عن العربية، وسأله عن أنساب الناس، وسأله عن النجوم، فإذا رجل عالم قال: يا دغفل من أين حفظت هذا؟ قال: حفظت هذا بقلب عقول، ولسان سئول، وإن غائلة العلم النسيان. فقال معاوية: انطلق إلى يزيد فعلمه أنساب الناس، وعلمه النجوم وعلمه العربية اهـ. ودغفل هذا هو ابن حنظلة السدوسي الشيباني النسابة العلامة، قاله ابن عبد البر. قال بعض الكاتبين: علم النسب في الحقيقة ليس عبارة عن نسب الأشخاص والقبائل، فإن هذه معرفة بسيطة لا تستحق أن تسمى علما، وإنما كان النسابون يعرفون أخبار أولئك الأشخاص، وأخبار تلك القبائل. وهذا هو التاريخ، وربما كان السبب في اشتهار هذه المعرفة بعلم الأنساب، أن عارفي الأخبار، كما إليهم المرجع في معرفة الأنساب، التي من

стр. 569

أهم فوائدها معرفة تفريع القبائل، وإلحاق الفروع بأصولها، على شدة البعد بين تلك الأصول والفروع. وقد كان منهم اختصاصيون بهذا العلم يلقونه على من يتحلقون حولهم اهـ. باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي وحضه ﵇ الناس على تعلمه وتعليمه قال حافظ المذهب المالكي حطاب المغرب أبو علي بن رحال، في شرحه العظيم على المختصر: علم الفرائض علم قرآني، حيث بين فيه السدس وغيره، ولمن هو، وبيّن فيه الحجب من حال لحال، وغير ذلك واجتهاد الصحابة فيه، واختلافهم فيه لقوة اعتنائهم به، وحضّ الرسول ﷺ كاف في ذلك، وهو فرض كفاية إجماعا، ذكره ابن العربي والستاني اهـ. قلت وأخرج ابن ماجه «١» والحاكم عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ : تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم، وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي» وفيه حفص بن عمر متروك. وعن أبي هريرة «٢» إن النبي ﷺ قال: تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس، فإني مقبوض، وإن العلم سيقبض. أي يموت أهله، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما. خرّجه الترمذي عن أبي هريرة. وقال فيه اضطراب. وورد نحوه في مسند أحمد والحاكم عن ابن مسعود، وعند الدارمي: في أوائل الجامع في باب الاقتداء بالعلماء والواحد في آية فريضة من الله. وخرج الشيرازي في الألقاب وغيره نحوه أيضا، انظر الجامع الكبير. وفي مسند الدارمي عن عمر قال: تعلموا الفرائض واللحن (الأعراب) والسنن، كما تعلمون القرآن. وخرج عنه أيضا قال: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وخرج أيضا عن عبد الله قال: تعلموا القرآن والفرائض، فإنه يوشك أن يفتقر الرجل إلى علم كان يعلمه أو يبقى قوم لا يعلمون. ثم خرّج عن أبي موسى: من علم القرآن ولم يعلم الفرائض فإن مثله مثل الرأس لا وجه له، أو ليس له وجه. وخرج أيضا عن الحسن. قال: كانوا يرغبون في تعلم القرآن والفرائض، والمناسك. وعن عبد الله أيضا: من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض؛ فإن لقيه إعرابي قال: يا مهاجر اتقرأ القرآن؟ فإن: قال: نعم. قال: تفرض. فإن قال: نعم، فهو زيادة وخير، وإن قال: لا قال ما فضلك عليّ يا مهاجر؟.

стр. 570

وفي تحفة الناظر للعقباني، نقلا عن جامع المستخرجة قال؛ وحدثني أنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول: إذا لم يحكم أحدكم الفرائض، وسنة الحج والطلاق، فما فضله على أهل البادية؟. قال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن. لأن أهل البادية أهل جهالة، فإنما فضلهم أهل الحاضرة بمعرفتهم بأمور الدين، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١] اهـ. وقال ابن العربي في الأحكام: كان علم الفرائض جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، وسماه رسول الله ﷺ نصف العلم. مبالغة في الثناء على عظيم فائدته، وتحريكا للنفوس على المبادرة إلى تحصيله، حتى كأنه بشرفه نصف جميع ما يتعلم من العلوم، وروى أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يكون الرجل عالما مفتيا حتى يحكم الفرائض والنكاح، والطلاق والإيمان، قال ابن العربي: إشارة إلى عظم منازل هذه الأصول في الدين، وعموم وقوعها بين المسلمين. وقال المتيطي [كذا] في نهايته بعد ذكر بعض الأحاديث: وقد حض على تعليم الفرائض جماعة من الصحابة والتابعين اهـ. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر التلمساني: الرسقي نزيل سبتة، في رجزه في الفرائض المشهور ﵀: وخصّنا بالمصطفى محمد ... هادي الأنام للطريق الأرشد فبيّن الحلال والحراما ... وفصّل الحدود والأحكاما وحضّ في تعليم علم الفرض ... صلّى عليه الله أيّ حضّ وقال في ذاك: تعلموه ... ثم جميع الناس علّموه جعله من العلوم شطرا ... فهو أجل كل علم قدرا وهو الضروري بلا محالة ... أرى عليّ فرضا انتحاله إذ ليس يخلو الدهر بالحدوث ... من وارث في الناس أو موروث قال الإمام أبو يوسف يعقوب بن موسى السيتاني في شرحها: وقوله ﵇: نصف العلم؛ مما يدل على تأكيدها على غيرها، من سائر العلوم سواها وتشريفها عليها، ولأجل أنها بهذه المنزلة الشريفة أمر الإنسان ببذل المجهود في تحصيلها، وأمر أيضا بعد تحصيلها ببذلها لجميع الناس. ثم قال: أورد على قوله ﵇: نصف العلم سؤالان. أنه قال في الفرائض: إنها نصف العلم، وقال حسن السؤال نصف العلم، «١» والشيء لا يكون له أكثر من نصفين؟ والذي بقي أضعاف ما اندرج بكثير. وثانيهما: أن مسائل

стр. 571

الفرائض بالنسبة إلى مسائل الفقه لا تفي بعشرها؛ فضلا عن مسائل غير الفقه من سائر العلوم الشرعية. وأجيب عن الأولين بوجهين: أحدهما: أن قوله ﵇: حسن السؤال نصف العلم، جاء باعتبار السائل والمسؤول، وهذا الحديث باعتبار الفرائض مع غيرها، فلم يتواردا على محل واحد الوجه الثاني: إن هذا مجاز على جهة التشريف والمبالغة في الحث عليها، كقوله ﵇: الحج عرفة، وقوله: الهم نصف الهرم، والتدبير نصف العيش، والقود نصف العقل، تنبيها على عظم هذه الأشياء، وموقعها مما نسبت إليه. قال القرافي: وقد أورد هذا السؤال على فرضي قليل التصرف، فلم يجد ما يجاوب به. وأجيب عن الثاني بوجهين: أحدهما إن علم الفرائض لما كان عظيم المنفعة، تمس الحاجة إليه أكثر مما تمس إلى غيره، وإن كان صغير الجرم فهو يساوي ما عداه، مما هو أكثر مسائل. وهذا من المحسوسات كثير. وثانيها: أن ما أمر به الإنسان شيئان؛ شيء في الحياة وشيء بعد الممات. فهو نصف بهذا الاعتبار، وأورد عليه أن الذي يتوجه عليه الخطاب بعد الموت ليس الفرائض وحدها، بل مع الوصايا النظرية والمالية ومسائل الجنازة، وأجيب بأنا نلتزم بأنها من حق الفرض أن يتكلم فيها، وإنها من جملة الفرائض، أو يقال: الوصية ليست مما يتوجه [يتوجب] بعد الموت. وإنما يتوجه بعد الموت انفاذها. وأما إنشاؤها فقبل الموت، وأيضا فليست بلازمة في كل حال؛ بخلاف الميراث. وما في كتاب الجنائز إنما يتعلق بالأحياء وردّ بأن تعلّم الفرائض إنما يتوجه إلى الحيّ وما يفعل بالميت وماله، إنما يخاطب به الحق. وهذا كله تكلف، والأولى أن يقال: هذا على وجه المبالغة؛ كالحج عرفة، ونظائره. وقال بعض المتأخرين: وأظنه لم ير كلام القرافي: يحتج الأكثر من أهل هذا الفن على فضله بالحديث عن أبي هريرة، بناء على أن الفرائض فرض الوارث، والذي يظهر أن هذا الحمل بعيد. وأن المراد إنما هو الفروض التكليفية في العبادات والعادات وغيرهما، وبهذا المعنى تصح النصفية والثلثية، ثم الاعتراض الثاني، ثم قال: ويتعين المراد أن حمله على هذا الفن المخصوص، وتخصيصه بفروض الوراثة إنما هو إصطلاح ناشىء عند حدوث الفنون والاصطلاحات، ولم يكن صدر الإسلام يطلق إلا على كونه مشتقا من الفرض، الذي هو لغة التقدير. أو القطع. وما كان المراد إلا جميع الفروض كما قلناه، وهي حقيقته الشرعية، فلا ينبغي أن يحمل إلا على ما كان يحمل عليه في عصرهم. فهو الأليق بمرادهم. هذا نص كلامه. وظاهره أن أهل الفرائض بل بعضهم اختصوا بجلب هذا الحديث، وليس كما قاله بل جلبه ابن ماجه، وكثير من المحدثين والفقهاء والمفسرين والموثقين، وكلهم جلبوه في مقدمة كتاب الفرائض بلفظه أو معناه، وأتوا بعد ذلك باثار عن الصحابة والتابعين، تدل على هذا. وفيها لفظ الفرائض، وكلهم أطلقها على فرض الوراثة وهم أعلم منه بالإطلاق اللغوي والشرعي اهـ كلام أبي يوسف السيتاني.

стр. 572

قلت: مراده ببعض المتأخرين الولي ابن خالدون؛ فإنه الذي بحث بما ذكر في مقدمة العبر، وبحث السيتاني معه بمن ذكر الحديث في أبواب المواريث من أئمة السلف وجيه، وناهيك بالإمام الترمذي فقد ترجم أبواب الفرائض، ثم ترجم بقوله: باب ما جاء فيمن ترك مالا فلورثته، ثم ترجم ثانيا بقوله: باب ما جاء في تعليم الفرائض، وذكر حديث الترجمة. وكذا ابن ماجه وغيره. وناهيك بقرين البخاري أبي محمد الدارمي فإنه بوّب في مسنده كتاب الفرائض، وذكر عدة آثار عن الصحابة في ذلك، وقد قدمناها أول الترجمة. وذلك أعظم دليل على أن اطلاق علم المواريث على علم الفرائض قديم الإستعمال. وفي نهاية ابن الأثير على حديث ابن عمر: العلم ثلاثة منها فريضة عادلة، يريد العدل في القسمة بحيث تكون على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة، وقيل: إنه أراد أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة، وإن لم يرد بها نص فيهما. فتكون عادلة للنص، وقيل: الفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون اهـ. وقال بعض شيوخنا- رادا على ابن خالدون- قوله في آخر الحديث في رواية النسائي: حتى يختلف الاثنان في الفرائض فلا يجدان من يفصل بينهما، وقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١] وقوله في الحديث الآخر: وأعلمكم بالفرائض زيد بن ثابت، يبعد ما قاله ابن خالدون ويرجح ما لغيره وقوله: إنما هو اصطلاح ناشىء للفقهاء في محل المنع اهـ. أما المناوي في التيسير؛ فإنه ذكر الحديث على الإحتمالين قائلا: قيل: المراد بالفرائض هنا علم المواريث، وقيل: ما افترض الله على عباده بقرينة ذكر القرآن اهـ وكذا فعل صاحب مجمع بحار الأنوار، مع ميلانه لكلام ابن خالدون والله أعلم، بل وجدت الشيخ أبا علي ابن رحال، قال في شرحه على المختصر، إثر كلام السيتاني: ما قاله ابن خالدون هو الحق، والعلم عند الله. قال: ويكون المراد بالحديث الحض على الإعتناء بالواجبات، والواجبات نصف العلم؛ باعتبار المندوب وترك المحرم واجب وترك المكروه مندوب والجائز قد علمت ما ذكر فيه أهل الأصول، وهاته الآثار التي أشار لها السيتاني يشترط في الإحتجاج بها صحتها، ويشهد بذلك أرباب الفن من المحدثين فافهم اهـ وهو كما علمت ساقط بمن بوّب على الحديث في أبواب التركات؛ كالدارمي، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم. والإحتجاج قد يكون بالحسن اتفاقا. نعم. قال أبو علي ابن رحال: حديث حسن السؤال نصف العلم معناه: والعلم عند الله وإن لم يشر إليه السيتاني ولا غيره ممن وقفت عليه؛ أن المراد بالعلم، العلم الذي وقع عليه السؤال. كما إذا قال إنسان لعالم: ما حكم الوتر هل الوجوب أو الندب فيقول له العالم مثلا: هو الوجوب أو الندب فسؤال الرجل: هو نصف هذا العلم الذي أجيب به، إذ بسؤاله ظهر هذا الحكم مع إجابة

стр. 573

العالم، وذلك لأنه لما أحسن السؤال أعان المجيب على إجابته. فللسائل جهة التصور وحده، وللعالم المجيب جهة التصديق، وحده. وإن شئت قلت: السائل صوّر والعالم حكم. وإن شئت قلت: السائل هيأ المحل للحكم، والعالم أنزله في ذلك المحل، هذا الذي فهمناه من هذا الحديث، ومن ابتلي بالفتوى علم قدر حسن السؤال، وأنه كما قال ﵇؛ لا سيما إن كان الطالب نجيبا غاية، فإنه في سؤاله يشير للأحكام إشارة إجمالية ينبه المجيب لما لم يخطر بباله اهـ وهو حسن. باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين عقد الإمام أبو يوسف السيتاني في شرح التلمسانية، تنبيها ذكر فيه أن مما يحتاج إليه في فمن المواريث علم الحساب قال: وبحسب قوته في الحساب يكون اقتداره على إخراج الحظوظ [السهام] ، فإن كان فقيها لا حساب له لم يقدر على عملها، وغاية ما يتأتى له من الفرائض البسيطة ما يتأتى للعامي بعقله، ثم قال: وقد حكي عن [ابن] عمر: أنه سئل عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد ابن جبير، فإنه يعلم عنها مثل ما أعلم: ولكنه أحسب مني اهـ فأفاد أولا أن عمر كان حيسوبيا، ولكن أحال على سعيد لأن السلف كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة أحال فيها على غيره، وربما دارت بين جماعة يحيل فيها كل واحد على صاحبه، حتى ربما رجعت إلى المسؤول عنها أولا: وفي شرح الإمام ابن قنفذ القسمطيني على منظومة ابن أبي الرجال في الفلك: اعترض على الإمام فخر الدين حيث قال: الصحابة لم يكونوا متبحرين في دقائق علم الحساب والهندسة، قال شهاب الدين: وهو خلاف ما هو معلوم لأهل الإطلاع على أحوال الصحابة، وقد قال الشعبي: ما رأيت أحسن من علي بن أبي طالب. قال غيره: وكان يخرج وقائع صفين من قوله تعالى: حم عسق إلى غير ذلك من أحوالهم المعروفة في دقائق العلوم اهـ. وفي الفروق للقرافي: ومن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب، المسألة المحكية عن علي ابن أبي طالب، وذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما، ثم بعد الفراغ من الأكل دفع لهما الذي أكل معهما ثمانية دراهم وقال: اقتسما هذه الدراهم على قدر ما أكلت لكما، فقال صاحب الثلاثة: إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم، فقال له الآخر: إلا ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع. فترافعا إلى علي، فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، ولصاحب الخمسة سبعة دراهم، فتنكر من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي: الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ثلثا، بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثا، إلا ثلثا وهي خمسة، يبقي له رغيفان وثلث،

стр. 574

وذلك سبعة أثلاث، أكلها صاحب الدراهم. فهذه مسألة فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي، والقاضي الملزم، وهي لا تعلم إلا بدقيق الحساب كما ترى اهـ منها ص ٢٤٠ من ج ٢. وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي ﷺ قال لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب، وأخرج ابن النجار عن العرباض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب. وفي مدينة العلوم لما تكلم على حساب العقود، والمراد بالعقود عقود الأصابع قال: وكان هذا العلم تستعمله الصحابة كما وقع في الحديث؛ في كيفية وضع اليد على الفخذين في التشهد أنه عقد خمسا وخمسين. وأراد بذلك هيئة وضع الأصابع، لاهيئة وضع خمس وخمسين وهي عقد ما عدا الإبهام والسبابة من الأصابع، وتخليف الإبهام مع السبابة اهـ وانظر الشرح الجلي على بيتي الموصلي. باب في أخذ أهل أوروبا الأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه ذكر ذلك الشهاب المرجاني في الوفيات قائلا «١» : دخلت بلادهم في سنة أربعين في خلافة علي اهـ انظر ص ٣٣ منه. باب ايثارهم في أخذ العلم القرشيّ علي غيره أورد في جمع الجوامع عن ابن أبي شيبة وابن جرير عن سهل ابن أبي حثمة رفعه: تعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموا قريشا ولا تؤخروها فإن للقرشي قوة الرجلين من غيره وقصره المناوي في التيسير على الشجاعة أو الرأي الجزم، كذا قيد به ولا تعلموها قال: فإنها به عالمة، والظاهر في التعلم العموم فيما يوجد عندهم، فأخذه عنهم أولى فإنهم بيت الخلافة ومهبط الوحي، ومنبع الرياسة والسيادة، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر رفعه: سلوا أهل الشرف عن العلم فإن كان عندهم علم فاكتبوه عنهم فأنهم لا يكذبون. باب الأمر بتعليم علم النجوم أخرج أبو نعيم في روض المتعلمين عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله، ثم أسند عن أبي الدرداء موقوفا عليه: إنّ أحبّ عباد الله إلى الله الذين يحبون الله، ويحببون الله إلى الناس، والذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله. ثم روى بسنده أيضا إلى ابن عمر رفعه: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ومن النجوم ما تهتدون في الظلمة.

стр. 575

وأخرج البيهقي والمقدسي بسندهما عن ابن أبي أوفى رفعه: إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله. ثم اسند عن أبي هريرة موقوفا عليه قال: ألا إن خيار الأمة الذين يراعون الشمس لمواقيت الصلاة، واورد السيوطي في الجامعين من حديث ابن عمر رفعه: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا، وعزاه لابن مردويه في تفسيره، والخطيب في كتاب النجوم، وعزاه في الكبير لأبي الشيخ، والديلمي قال المناوي: تعلموا من علم النجوم أي من علم أحكامها فإن ذلك ضروري لا بد منه وقال على قوله ثم انتهوا: أي أتركوا النظر فيما سوى ذلك، فإن النجامة تدعو إلى الكهانة، فالمأذون في تعلمه علم التيسير لا علم التأثير اهـ. وفي سعود المطالع أن علم الفلك من فروض الكفاية، وقيل: إنه من الفروض العينية لأنه به تعرف أوقات الصلوات، وقد ورد في فضله آيات وأحاديث كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: ٥] وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها [الأنعام: ٩٧] وقوله ﵇: تعلموا الوقت ولا تكونوا كالذين يؤذنون بعضهم بعضا، وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ جمع سنة، وهي: إما عربية أو قبطية. والعربية إما هلالية أو قمرية حسابية، والقبطية هي الشمسية. لخ كلامه انظره. وقال صاحب الهداية من أئمة الحنفية في كتابه مختارات النوازل: وأما علم النجوم فهو في نفسه حسن غير مذموم، وهو قسمان حسابي، وإنه حق نطق به القرآن قال تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [الرحمن: ٥] أي سيرهما بحساب، واستدلال بسير النجوم وحركات الأفلاك على الحوادث بقضاء الله وقدره، وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض، وهو يعتقد بقضاء الله وإن ادعى علم الغيب بنفسه كفر اهـ وللحافظ الخطيب البغدادي كتاب: القول في علم النجوم المحمود منه والمذموم، ذكره له ابن سليمان الرداني في الصلة. باب أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة ترجم البخاري «١» في الصحيح، باب التحريض على الرمي، أي تعلمه بالسهام ونحوها، فذكر فيه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] قال الحافظ في الفتح: جاء في تفسير القوة في هذه الآية إنها الرمي، وهو عند مسلم «٢» ، في حديث عقبة بن عامر ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، إلا أن القوة الرمي، ثلاث قال البيضاوي: لعله ﷺ خصه بالذكر لأنه

стр. 576

أقواه اهـ وعند أبي داود «١» عن عقبة رفعه: إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به ومنبله أي راده على الرامي به، فأرموا وأركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. الحديث وفيه: ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنه نعمة كفرها، وفي مسلم أيضا من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى «٢» قال الأبي: معناه ليس متصلا بنا ولا داخلا في زمرتنا. وقال النووي: هذا تشديد عظيم في نسيانه بعد تعلمه وهو مكروه كراهة شديدة اهـ وقال ابن أبي جمرة: روي عنه ﷺ أنه مر بموضع كان بعض الصحابة يتعانون فيه الرمي فنزع نعله ومشى فيه، ثم قال: روضة من رياض الجنة، ومعناه أن العمل الذي عمل فيه يوجب روضة من رياض الجنة اهـ من بهجة النفوس له. وأورد الحافظ الأسيوطي في الجامع الكبير حديث: تعلموا الرمي والقرآن وعزاه للديلمي عن أبي سعيد ثم أورد فيه أيضا: تعلموا الرمي فإن ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة، وعزاه للديلمي عن أبي هريرة. وأخرج ابن منده من طريق إسماعيل بن عياش عن سليمان بن عمرو وقف على الدر المنثور لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦١] ، وانظر ما سبق مما يتعلق بالرماية والسباحة في الصنائع. باب في أمرهم بتعلم العربية أورد السيوطي في الجامع الكبير حديث: تعلموا اللحن فيه، أي في القرآن كما تعلمون حفظه، وعزاه للديلمي عن أبي بن كعب. باب في أمر عمر لعماله بضرب كتابهم إذا لحنوا وتأخيرهم في روضة الأعلام، للقاضي ابن الأزرق، روى ابن الأنباري: أنّ كاتب أبي موسى الأشعري كتب إلى عمر ﵁، فكتب: من أبو موسى فكتب إليه عمر، إذا أتاك كتابي هذا فأضرب كاتبك سوطا، واعزله عن عمله، وعنه أيضا أنه كان إذا سمع رجلا يخطيء فتح عليه، وإذا أصابه يلحن ضربه بالدرة، وعن عبد الله ابنه: أنه ﵁ كان يضرب ولده على اللحن في كتاب الله. باب في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقي والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك تقدم ذلك مفصلا في أبواب متفرقة في الأقسام السابقة.

стр. 577

باب في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين قال على: تريدون أن يكذب الله ورسوله؟ حدثوا الناس بما يعرفون. ودعوا ما ينكرون. رواه البخاري «١» . وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله ﷺ قال: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب أو يشق عليهم، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: يا ابن عباس لا تحدث حديثا لا تحمله عقولهم، فيكون فتنة عليهم. وأخرج العقيلي وابن عساكر عن عثمان بن داود عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله ما نسمع منك نحدث به؟ قال: نعم، إلا أن تحدث قوما حديثا لا تضبطه عقولهم، فيكون على بعضهم فتنة، فكان ابن عباس يكنّ أشياء لا يفشيها إلى قوم. وقال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، رواه مسلم «٢» . وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم «٣» وانظر كتابنا أداء الحق الفرض فيما يتعلق بهذه الترجمة. باب في وصاية رسول الله ﷺ بالشباب من طلبة العلم في رياض المتعلمين، لأبي نعيم عن شهر بن حوشب: كنا نأتي أبا سعيد الخدري ونحن غلمان نسأله، فكان يقول: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : سيأتيكم قوم يتفقهون ففقهوهم، وأحسنوا إليهم. وفيه وذكره الرامهرمزي أيضا عن أبي سعيد الخدري: كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ، أمرنا أن نحفظ لكم الحديث، ونوسع لكم في المجلس. وترجم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد بقوله: باب حثّ الشباب على طلب العلم. انظر ص ٥٠، وانظر شرح التلمسانية لدى قولها: هذا وإن لا حظها من يعدل ... فلبني العشرين عذر يقبل وترجم ابن الجوزي باب: إيثار الشباب على الأشياخ بالعلم، ثم اسند عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : استودعوا العلم الأحداث. وأخرج ابن عبد البر، والبيهقي، عن الزهري. قال: كان مجلس عمر مختصا بالقراء

стр. 578

شبابا وكهولا، فربما استشارهم ويقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنّه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه، ولكن الله يضعه حيث يشاء. باب في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والإهتمام بوقايتهم من الأهواء وحنوّهم عليهم في روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق عن ابن عباس قال: أكرم الناس عليّ جليسي، الذي يتخطّى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على جبهته لفعلت. وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني اهـ. باب في ذكر الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك الزمن تعلما وتعليما لما تكلم ولي الدين ابن خالدون في فصل: إن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم من مقدمة العبر قال: على أن الناس في الزمن الأول لم تدعهم الحاجة إلى التدوين والتأليف، قال: وجرى الأمر على ذلك في زمن الصحابة والتابعين، وكانوا يختصون بحمل ذلك. ونقله القراء أو الذين يقرؤون الكتاب، وليسوا أميين فقيل لحملة القرآن يومئذ: قرّاء إشارة إلى هذا فهم قرّاء لكتاب الله، والسنة الماثورة عن الله، لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه، ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح اهـ كلامه على ما وقع في كلامه ﵀، في هذا الفصل من المجازفات. وربما يردّ على ما ذكره ما في ترجمة سعد بن عبيد الأنصاري المعروف بسعد القاري، من طبقات ابن سعد من أنه كان يسمى بالقاري، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يسمى القاري غيره اهـ ص ٣٠ من ج ٣، مع أن حفظة القرآن من الأنصار وغيرهم كثير، سبق عدّهم من القسم الأول فانظره. ثم وجدت في ترجمة حرام بن ملحان الأنصاري، من الطبقات أيضا عن أنس قال: جاء ناس إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إبعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم: القراء، منهم خالي حرام. كانوا يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل، ويتعلمون. القصة وأصلها في الصحيح. فلعلها مستند ما لابن خالدون وبعد ذلك صار العلماء يتميزون بالتحنك. قال القرافي في الفروق ص ١٣٠ من ج ٢: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك، كان من شعار العلماء. حتى إن مالكا سئل عن الصلاه بغير تحنك فقال: لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك. وهذا هو شأن أهل الفتيا في الزمن القديم اهـ. باب في تسميته ﵇ حملة الحديث ونقلته عنه خلفاء له ﵇ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم أرحم خلفائي قلنا: من خلفاؤك يا

стр. 579

رسول الله؟ قال: الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس. رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أحمد بن عيسى الهاشمي. قال: الدارقطني كذاب، وعزاه السيوطي في الجامع الكبير: للطبراني في الأوسط، والرامهرمزي في المحدث الفاصل، وأبي الأسعد هبة الله القشيري، وأبي الفتح الصابوني معا في الأربعين، والخطيب في شرف أصحاب الحديث، والديلمي، وابن النجار، ونظام الملك في أماليه، ونصر المقدسي في الحجة، وأبي علي بن خنيس الدينوري في حديثه، وقد أخرجه من حفاظ المغرب أبو القاسم العزفي في الدر المنظم، فانظره. قال المنّاوي في فتح القدير: وهذه منقبة لأهل الحديث أعظم بها من منقبة، فهم خلفاؤه ﵇ على الحقيقة اهـ لهذا كان المحدث في العصر الأول يلقب بأمير المؤمنين. قال الحافظ الأسيوطي في التدريب أخذا من هذا الحديث: وممن لقب بذلك من المحدثين قديما سفيان بن راهواه والبخاري وغيرهم اهـ. وللحافظ أبي علي الحسن بن محمد البصري التبيين بمن سمّي أمير المؤمنين ذكر فيه أن أول من سمي به من المحدثين أبو الزناد، ثم بعده مالك، ومحمد بن إسحاق، وشعبة ابن الحجاج، وسفيان، وعبد الله بن المبارك، والدارقطني، انظر التعريف برجال مختصر ابن الحاجب. قلت: وممن لقب بأمير المؤمين في الحديث من المتأخرين الحافظ ابن حجر ﵀، ولعصرينا المحدث المقري أبي عبد الله محمد حبيب الله الجكني الشنجيطي منظومة سماها هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث «١» . باب عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات في الأجوبة المهمة لمن له بأمر دينه همة، للشيخ العالم العارف أبي محمد المختار ابن أبي بكر الكنتي، صاحب الطريقة الشهيرة: الأصل في البرنامج قوله تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [إبراهيم: ٥٢] ولقد اتفق العلماء الراسخون في العلم أن هذه الآية برنامج القرآن، لأنها مشتملة على جميع ما فيه من الفرائض، وجميع أنواع المعاملات، والزجر عن جميع المنهيات، وجميع معارف الله، وتوحيده، وتعريفه حق انبيائه، والنص على جميع أمور المعاد؛ من الموت، وعذاب القبر، والنشر، والحشر، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، فباعتبار هذه الآية أخذ الفقهاء بجواز البيع على البرنامج اهـ. قلت: وقد رأيت مصحفا كتب في أول ورقة منه الآية المذكورة.

стр. 580

باب في حضه ﵇ طلبة العلم على السؤال عما لم يفهموا قال أبو نعيم: وليتحرضوا على مساءلة العلماء، ثم أسند عن أبي جحيفة قال: كان يقال: جالس الكبراء، وخالط الكبراء، قال: وزاد غيره: وسائل العلماء. رواه أبو ملك النخعي، عن سلمة مرفوعا. ثم أسند عن أبي سلمة عن أبي جحيفة رفعه: جالس العلماء، وسائل الكبراء، وخالط الحكماء. وبوّب عليه ابن عبد البر في كتاب العلم: باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم، ولما كان الافراط فيه، أو صدوره على غير ما يحمد منه مطلوب الترك، قال ابن عبد البر متمما لذلك: ومنع ما منع منه. وخرّج في الباب جملة آثار صدّرها بقول النبي ﷺ : ألم يكن شفاء العي السؤال «١» ، وذكر عن عائشة «٢» : رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن اهـ وفي الحديث المشهور: حسن السؤال نصف العلم وراجع من خرّجه «٣» ، صدر رسالتنا البيان المعرب عما ورد في أهل اليمن والمغرب، وقيل، لابن عباس: بم نلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول وقلب عقول. باب في اجابته ﵇ السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام من تأمل أجوبته ﵇ لأسئلة السائلين، وأفراد المستفتين يرى أنها كانت تتنوع بحسب الأحوال، والأشخاص، والمعاملات، والأعراف، وذلك كالذي سأله كما في الصحيحين وغيرهما: عن أفضل الأعمال؟ فأجاب كل سائل عن فضيلة قال النووي في شرح مسلم وأجاب ﷺ كلّا من السائلين بما رآه أنفع له وأخص به، فقد يكون ظهر من أحدهما كبر وانقباض عن الناس، فأجابه بإطعام الطعام وإفشاء السلام، وظهر من الآخر قلة مراعاة ليده ولسانه، فأجاب بالجواب الآخر، أو يكون ﵇ تخوّف عليهما ذلك، أو كانت الحاجة في وقت السؤال كل منهما أحسّ به فجاوب به. وقال الشيخ أبو عبد الله السنوسي، في مكمل إكمال الإكمال قال بعض الشيوخ: وفي اختلاف الأجوبة عن السؤال الواحد دليل على أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأعراف، وحتى في الفتاوى، كما ذكره المتأخرون. وفي شرح أحكام عبد الحق للإمام ابن مرزوق قالوا: يؤخذ من اختلاف الأجوبة لاختلاف الأحوال وجوب تعليم الإمام، أو المذكر للناس ما جهلوه، ويذكرهم ما نسوه،

стр. 581

وتحريضهم على فهم ما أهملوه. قالوا: ولهذا جرت عادة خطباء المشرق، وقدماء الأندلس بتنويع الخطب بحسب الحاجة الوقتية للتنبيه على ما يفعل الناس لذلك، فتحصل للسامع أعظم منفعة، وأكبر فائدة، وأهمل هذا أهل المغرب؛ بل طالما أنكره وانتقده من ينتمي إلى العلم، ولو علم هذا ما اشتملت عليه خطبه ﵇، وخطب خلفائه لما أنكره. وهي طريقة مشهورة عن السلف. ذكرت شواهدها في شرح خطبي التي أنشأتها اهـ منه. باب في روايته ﷺ عن أصحابه وتحديثه عنهم روى ﵇ في خطبته عن تميم الداري في قصة الجساسة وهي في آخر صحيح مسلم، وروي عن مالك بن مزود وقيل: ابن مرارة وقيل ابن مرارة الرهاوي، وفيما أخرجه ابن منده في الصحابة بسنده عن زرعة بن ذي يزن، أن النبي ﷺ كتب إليه كتابا، وأن مالك بن مزود الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين، فأبشر بخير. الحديث. ومنه روايته ﷺ عن أمه في حديث عنها أنها أخبرته بإضاءة قصور الشام وبصرى عند ولادته، ومنه قراءته ﷺ على أبيّ بن كعب، وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] قال السيد السمهودي في الجوهر من فوائده: أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفصول اهـ. قلت وهذا الأصل في رواية الأكابر عن الأصاغر. ومنه كما في كشف الظنون: رواية الخلفاء الأربعة وغيرهم، عن عائشة في كثير من الأحكام، وهو النوع الحادي والأربعون من تقريب النووي، وهو كما قالوا: نوع لطيف. ومن فوائده معرفة الأمن من الانقلاب، فلا يظن ولا يتوهم في السند انقلاب وتنزيل أهل العلم منازلهم؛ عملا بخبر أبي داود من حديث عائشة مرفوعا: أنزلوا الناس منازلهم «١» ، وهذا النوع يحمل عليه الرغبة في الفائدة؛ لأنها ضالّة المؤمن فحيث ما وجدها من كبير أو صغير أو تلميذ أو قرين التقطها. باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض وهو من أنواع نقل السنة ووجوهها، وهو نوع مهم جدا ذكره البلقيني في محاسن الإصطلاح ولم يذكره ابن الصلاح ولا اتباعه في أنواع الحديث، لأن الغالب رواية الصحابة عن النبي ﷺ ، ورواية التابعين عن الصحابة، ومن أمثلته حديث اجتمع فيه أربعة صحابة يروي بعضهم عن بعض؛ وهو حديث الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عبد الله بن السعدي عن عمر بن الخطاب مرفوعا: ما جاءك الله من هذا المال من غير إشراف ولا سائل فخذه، ولا تتبعه نفسك «٢» .

стр. 582

ومنه حديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقدام بن معدي كرب، عن ابي أيوب عوف بن مالك، وحديث اجتمع فيه أربع نسوة صحابيات، ثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي ﷺ ، وهو ما رواه مسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ يوما محمرا وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث «١» . وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث بجزء ووقع في بعض الأجزاء حديث اجتمع فيه خمس من الصحابة تضمن رواية عبد الله بن العاص عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب عن أبي بكر الصديق عن بلال قال قال رسول الله ﷺ : الموت كفارة لكل مسلم. باب في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يؤدهم إليه اجتهادهم نقل في روضة الإعلام، عن الشيخ أبي العباس بن زاغ التلمساني مخالفة التلميذ للشيخ في بعض المسائل، إذا كان لها وجه، وعليها دليل قائم يقبله غير الشيخ من العلماء: ليس من سوء أدب التلميذ مع الشيخ، ولكن مع ملازمة التوقير الدائم، والإجلال اللازم. فقد خالف ابن عباس عمر وعلي وزيد بن ثابت، وكان قد أخذ عنهم اهـ وقد ألف الحافظ السيوطي رسالة أثبت فيها تهاجر الصحابة فيما بينهم بسبب خلافات في مسائل سياسية ودينية. باب في أدب الصحابة مع من يتعلمون منه أيضا خرّج أبو نعيم عن ابن عباس قال: إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فاتي بابه وهو قائل، (نائم) فأتوسد ردائي على بابه، تنسف الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ، ما جاء بك ألا أرسلت إلي فاتيك؟ فاقول: أنا أحق أن آتيك فاسألك عن الحديث. وذكر ابن عبد البر عنه في كتاب العلم أنه قال: وجدت علم أصحاب رسول الله ﷺ ، عند هذا الحي من الأنصار. إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئت أذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وروى أبو الزناد عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله يسأله عن علم ابن عباس، فربما أذن له، وربما حجبه وأخرج الخطيب في الجامع عن علي ﵇ قال: من حق العالم عليك، أن تسلم على القوم عامة، وتخصه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تسارّ في محله، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلجّ

стр. 583

عليه إذا ملّ، ولا تعرض من طول صحبته، فإنما هو بمنزلة النخلة، تنظر متى يسقط عليك منها شيء، فإن المؤمن العالم لأعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، فإذا مات العالم، انثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة. باب في رواية الصحابة عن التابعين وهو نوع مهم، كثير الفائدة؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة عن النبي ﷺ ، حتى أنكر بعضهم وجود ذلك. وقال: إن رواية الصحابة عن التابعين إنما هي في الإسرائليات والموقوفات، وليس كذلك. وقد جمع الحافظ العراقي الأحاديث التي بهذه الشريطة، فبلغت إلى عشرين حديثا. ومنه؛ رواية أنس بن مالك عن ابنه غير مسمى حديثا، وقد ذكر ابن سليمان الرداني، في حرف الراء من الصلة كتاب: روايات الصحابة عن التابعين، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب فانظرها. باب في أخذ كبار الصحابة العالم عن الموالي في ترجمة بلال «١» من الإستيعاب قال: علي بن عمر روى عن بلال جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وكعب بن عجرة والبراء بن عازب وغيرهم. وفي ترجمة صهيب من طبقات ابن سعد أن عمر قال لأهل الشورى، فيما يوصيهم به عند موته، وليصلّ بكم صهيب، وإن عمر لما توفي نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فقدموا صهيبا فصلى على عمر، وناهيك بمن يقدم للصلاة على مثل عمر، وفي ترجمة سالم مولى أبي حذيفة من الإستيعاب، وتهذيب النووي، أن عمر كان يثني عليه كثيرا، حتى قال حين أوصى قبل وفاته: لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البر: وهذا عندي على أنه كان يصدر فيها عن رأيه والله أعلم اهـ من الإستيعاب. باب أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود من أول من أسلم بعد دخول النبي ﷺ المدينة عبد الله بن سلام هو وآله، ولازم المصطفى وأخذ عنه العلم الجم، وروى عنه أبو هريرة وعبد الله بن مغافل، وأنس، وعبد الله بن حنظلة، وقيس، وغيرهم. وفيه نزل قوله تعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: ٤٣] وفي التاريخ الصغير للبخاري بسند جيد عن يزيد قال: لما حضرت معاذا الوفاة قيل له: أوصنا قال التمسوا العلم عند أبي الدرداء، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهوديا فأسلم، وأخرج البغوي في المعجم بسند جيد عن عبد الله بن معقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليا عن خروجه إلى العراق، وقال:

стр. 584

إلزم قبر رسول الله ﷺ ، فإنك إن تركته لا تراه أبدا. فقال علي: إنك رجل صالح منا. وأخذ كثير من علية الصحابة عن كعب الحبر معروف. وانظر الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة لابن زكريا الفاسي. باب في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به ذكر ابن عبد البر عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، ولو كانت بنت ذي العصبة، يعني زيد بن الحصين الحارثي فمن زاد القيت زيادته في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء، طويلة فيها فطس فقالت له: ليس كذلك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: ٢٠] فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وعن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا عن مسألة فقال فيها. فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا. فقال علي ﵁: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم، وحكى ابن بطال أن صاحبا لمعاذ بن جبل قدم على ابن مسعود، فقال له أصحابه: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. قالوا: من أهل الجنة قال: لا أدري لذنوب فلو أعلم أنها غفرت لقلت لكم: إني مؤمن من أهل الجنة. فتضاحك القوم. فلما خرج ابن مسعود قالوا له: ألا تعجب هذا يزعم أنه مؤمن ولا يزعم أنه من أهل الجنة، قال ابن مسعود: لو قلت: إحداهما اتبعتها الآخرى. فقال الرجل: رحم الله معاذا حذرني زلة العالم، وهذه زلة منك، وما الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والجنة والنار، والبعث والميزان، ولنا ذنوب لا ندري ما يصنع الله بها، فلو نعلم أنها غفرت لنا لقلنا إنا من أهل الجنة. فقال ابن مسعود: صدقت يا أخي. باب في تأديب النبي ﷺ للصحابة في التعليم واقتفاء الصحابة أثره في ذلك قال الحافظ أبو نعيم: فإن عاود أي التلميذ مساءلته أي الشيخ؛ فلا بأس لها بأن يناله بأدب خفيف ثم استظهر بحديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، أنه خرج إلى الصلاة فلقيه أعرابي فسأله عن شيء فقال له رسول الله ﷺ : ليس هذه ساعة فتوى، فأعاد عليه فغضب النبي ﷺ ، فضربه بسوط كان معه أو بشيء، وذكر أبو نعيم في محل آخر تنبيهه على استحسان الأدب الخفيف، على إساءة أخرى منها معاودة الاستفهام مرة ثانية بعد الإفهام قال: فله الانتهار واحتج له بما أخرجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة فقال: إركبها. قال: إنها بدنة قال: إركبها قال: إنها بدنة قال؛ إركبها ويلك في الثانية أو الثالثة. ومنها إذا عاد معترضا قال: عليه أن يعظه بلسانه واستدل بما رواه عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قال: قلت وإن زنى وإن

стр. 585

سرق؟ قال: نعم. قلت: وإن شرب الخمر؟. قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء. قال أبو الدرداء: فإن عاوده في الرابعة. فلا بأس أن يناله بضرب خفيف. واحتج له بما رواه عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أو نؤاخذ بكل ما نقول؟ ويكتب علينا. فضرب النبي ﷺ منكب معاذ مرارا ثم قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم- وفي ضمن ذلك طلب المتعلم باحتمال الصبر على تأديبه وزجره. ولطمة عالم في الخدّ مني ... ألذ إليّ من شرب الرحيق وذكر الكاساني في أصول البدائع: أن عبد لله بن عباس قيّد عبدا له يعلمه تأويل القرآن، قال: وبه جرت العادة في سائر الأمصار من غير نكير فصار إجماعاا اهـ منه. وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن. انظر ص ١٣٣ من ج ٢ من القسم الثاني «١» . باب مناظرة الصحابة بين يدي المصطفى ﷺ ذكر أبو نعيم في أدب العلم: أنه لا بأس بالمناظرة والمماراة في العلم بحضرة العالم، ثم أسند إلى أبي هريرة قال: لقد رأيتنا يكثر مراؤنا عند رسول الله ﷺ ، قال: ولا بدّ مع هذا من مراعاة ما يختص بأدب الحضور بين يدي الشيخ «٢» . باب في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى ومنها تعلم الآداب المعروفة لطالب العلم في زمن النبوة عقد لذلك بابا الإمام أبو نعيم في آداب المتعلم، ذكر فيه أمورا. أولا: ملازمة السواك، وهو أول ما ندب إليه من هذه الخصال، قال ما نصه: وليعلم أنه لا يخلو إذا غشي المجالس من مجالسة العلماء، ومخاطبة الحكماء ومذاكرة المتعلمين، ومجادلة المخالفين فليتعاهد نفسه بما يصلحه ويزينه وليبدأ بالسواك، فليلزمه. وخرّج لذلك عن ابن عباس ﵁ قال: كانوا يدخلون على النبي ﷺ ولا يستاكون، فقال: يدخلون علي ولا يستاكون فلولا أن اشق على أمتي لفرضت عليهم السواك، كما فرضت عليهم الصلاة [روى البخاري في كتاب الجمعة باب ٨ عن أبي هريرة: لولا ... الخ ص ٢١٤/ ١] . ثانيا: قص أظفاره إذا طالت، لما أخرجه عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن خبر السماء. فقال: أتسألني عن خبر السماء، وتدع أظفارك كأظفار الطير، فيها الخباثة والتفث [رواه أحمد ج ٥/ ٤١٧] .

стр. 586

ثالثا: تنقية براجمه ورواجبه لحديث ابن عباس «١» أن جبريل ابطأ علي النبي ﷺ فذكر ذلك فقال: كيف لا يبطأ علي وأنتم حولي لا تستنقون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم، قال أبو نعيم: البراجم العقد التي في مفاصل قصبات الأصابع من باطن، والرواجب: ملتقى رؤوس السلاميات إذا قبض القابض كفّ شخص. رابعا: هو اغتساله مهما أحس من نفسه ريحا أو عرقا يتأذى به، لما رواه عن عائشة قالت: كان الناس يأتون الجمعة من العوالي فيأتون في الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح، فأتى إنسان منهم النبي ﷺ وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ : لو تطهرتم لهذا اليوم [رواه البخاري في كتاب الجمعة باب ١٥ ص ٢١٧/ ١] . خامسا: أخذه من شاربه إذا طال، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اعفوا اللحى وخذوا من الشارب [روى مالك في الموطأ عن ابن عمر كتاب الشعر ص ٩٤٧: أمر رسول الله ﷺ بإخفاء الشوارب وإعفاء اللحى] . سادسا: تسكينه من شعره إذا كان ذا شعر، لما رواه عن جابر أن النبي ﷺ رأى رجلا أشعث الرأس فقال: أما يجد هذا ما يسكن به شعره [رواه أحمد ج ٣/ ٣٥٧] . سابعا: أن لا يغافل الترجل والتدهن، لحديث جابر قال: كان لأبي قتادة وفرة، فسأل النبي ﷺ عنها فقال: إدهنها وأكرمها. ثامنا: اجتهاده في نظافة ثوبه، وتحرزه من الوسخ عليه، لما رواه أيضا عن جابر قال: أتى النبي ﷺ فرأى رجلا أشعث. قال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه، ويلم شعثه. وروي عن أبي صالح قال: ما كنت أتمنى من الدنيا إلا ثوبين أبيضين أجالس فيهما أبا هريرة [انظر مسند أحمد ج ٣/ ٣٥٧] . تاسعا: أن يمسّ من الطيب إذا وجد إليه سبيلا لما رواه عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يكره أن يخرج إلى أصحابه ثقيل الريح، وكان إذا كان في آخر الليل مسّ طيبا. عاشرا: اجتنابه للطعام الذي فيه رائحة كريهة؛ لما رواه «٢» عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه البقلة، فلا يقربنّ مساجدنا. إحدى عشر: غسله ليده إذا أكل زهيما لئلا يؤذي محاذيه، لما رواه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يده من وضره، لا يؤذي من يحاذيه [روى أحمد ج ٤/ ١٨٠ حديثا بمعناه عن سهل بن الحنظلية: من أكل لحما فليتوضأ] . الثاني عشر: احترازه من اشتغال العالم أو جليسه بالجشاء بل يكظمه، لما رواه «٣» عن ابن عمر أن رجلا تجشأ عند رسول الله ﷺ فقال: كف جشاءك عنا.

стр. 587

الثالث عشر: أن لا يلبس من الثياب ما لا يجوز لبسه، لما رواه عن عبد الله بن عمرو: قال رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين. فقال إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها [رواه مسلم في كتاب اللباس ٢٧ ج ٢/ ١٦٤٧] . الرابع عشر: أن يلبس ما ابيض من الثياب فإنه مستحب لأهل العلم، لما رواه عن سمرة عن النبي ﷺ قال: عليكم بالبياض فإنه خير ثيابكم، فكفنوا فيها موتاكم وليلبسها أحياؤكم فإنها أطيب وأطهر. الخامس عشر: أن يعتمّ قال: لأنها زينة لأهل العلم. وخرّج عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: اعتموا تزدادوا حلما «١» . السادس عشر: أن يعتني بحفظه لصحته، ليستعين بها على طلب العلم والتحصيل، وذكر أبو نعيم من ذلك أمورا: من ذلك اجتنابه لما يخل قوة الفهم والحفظ، ويعود بضعف في النفس أو البدن، وتعاهده إخراج الدم، وشرب الدواء واستعانته على تقوية بصره بالجلوس على الخضرة والماء الجاري، وتهذيب بدنه بترك ما يورث السمن، وترك التملي من الطعام والشراب لئلا يقطع عن الدرس، ثم استدل لكل أدب من هذه الآداب، فراجع كلامه الذي لخصه ابن الأزرق: في روضة الأعلام فإنه أحلى من العسل، وألذ من الماء البارد على الظمأ. وعلى قدر اطلاع المتتوّر على ما يقال الآن عن المسلم وطالب العلم من أهله، يكثر فرحه بهذه الآداب الإسلامية، التي كانت رائجة في ذلك الزمن النبوي، ويبتهج بما سقناه لأنه بذلك يعلم أن دينه وتعاليمه أسبق التعاليم إلى الحضر والنظافة، والرقي والاعتناء بحفظ الصحة، والاقتصاد النافع، وانظر كتاب آداب المتعلم لأبي نعيم الأصبهاني، وآداب المحدث للحافظ عبد الغني بن سعيد البغدادي، ومقدمة شرح تهذيب النووي، وكتاب تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، للشيخ بدر الدين بن جماعة، وجواهر العقدين للسيد السمهودي، وروضة ابن الأزرق وشرح ألفية العراقي للسخاوي، وبلوغ أقصى المرام للطرنباطي، وممن ألف في مكارم الأخلاق من السلف الطبراني، والخرائطي، له كتاب في مكارم الأخلاق وآخر في مساوي الأخلاق. باب في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم في العلم والسن والآداب التي كانوا يوصون بها المتعلم ليعامل بها معلمه ذكر ذلك أبو نعيم في آداب المتعلمين، واستدل له بما هو معروف؛ من أن زيد بن ثابت، أراد أن يركب فوضع رجله في الركاب، فأمسك له ابن عباس ﵄. فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله ﷺ . فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء والكبراء، ولما قال البلخي في عين العلم: ويأخذ بركاب العلماء للتوقير، قال شارحه الملا على القاري، بعد ذكر قصة ابن عباس هذه: وأخذ عمر بغرز زيد أي بركابه، حتى رفعه. وقال: هكذا فافعلوا بزيد وأصحابه اهـ منه.

стр. 588

وقد أخرج أحمد «١» والترمذي عن ابن عباس وأحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت رفعاه: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا ولم يعرف لعالمنا حقه. باب في إنزال النبي ص الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكثر علما أو سنا ذكره أبو نعيم واستدل له بحديث الصحيح «٢» عن ابن مسعود قال كان النبي ﷺ يقول: ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، وبحديث سمرة أن النبي ﷺ قال: ليقم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار، ليقتدوا به وفي سيرة مالك: من أمره بالتخلق بهذا الأدب، وأخذه أصحابه بالاستعمال له في مجالس تدريسه عبرة، وقد ذكر تفاريع هذه الترجمة، وصورها ابن العربي في الأحكام: منها مجلس النبي ﷺ ، والتفسح فيه بالهجرة والعلم، ومنها: مجلس الجمعة والتفسح فيه بالبكور إلى ما يلي الإمام، ومنها: مجلس الحرب يتقدم فيه ذو النجدة والمراس من الناس، ومنها مجلس الرأي والمشورة، يتقدم فيه من له بصر بالشؤون، وهو داخل في مجلس الذكر بوجه. قال: وكل ذلك يتضمنه قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١] فيرتفع المرء بإيمانه أولا، ثم بعلمه ثانيا. وفي الصحيح «٣» أن عمر بن الخطاب كان يقدم ابن عباس، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير: إذا جاء نصر الله والفتح فسكتوا. فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما يعلم. باب رحلة الصحابة في طلب العلم أو رغبة في علو السند قال القاضي ابن العربي المعافري: إن موسى ﵇ أول من رحل في طلب العلم من أهل الشرائع، وقال الغزالي: قلّ مذكور في العلم محصّل، من زمان الصحابة إلى زماننا هذا إلا وحصل العلم بالسفر، وسافر لأجله اهـ. والأمر بالرحلة في الجملة وقع في القرآن في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة ١٢٢] وذكر ابن عبد البر عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى موسى أن أتخذ نعلين من حديد، ثم اطلب العلم حتى تخرق نعليك، وتنكسر عصاك. وبوّب البخاري في صحيحه:

стр. 589

باب الرحلة في طلب العلم «١» ، وذكر أن جابر بن عبد الله رحل إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر، في حديث واحد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: السائحون هم طلبة العلم، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه، وقد أفرد فوائد الرحلة وذكر الرحالين الخطيب البغدادي بجزء. باب ترغيب الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي يريدون العلم لأن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وذلك بعد انتقاله ﵇ قال السيد السمهودي في جواهر العقدين: خرّج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة أنه مرّ بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث النبي ﷺ يقسم وأنتم ها هنا؛ ألا تذهبون، فتأخذون نصيبكم منه. قالوا: وأين هو؟ قال في المسجد، فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة قد أتينا المسجد، فدخلنا فيه فلم نر شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة. أو ما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى رأينا أقواما يصلون وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم فذاك ميراث سيدنا محمد ﷺ . وذكر أبو عمر بن عبد البر، عن سلمان بن مهران قال: سمعت أحد القراء يقول: بلغني أن قوما كانوا يتناظرون بالعراق في العلم، فقال قائل: من هؤلاء؟ فقيل له: قوم يقتسمون ميراث النبي ﷺ . باب في القاص في الزمن النبوي وجلوسه ﵇ مجلسه خرّج أحمد «٢» وأبو يعلى عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على جماعة وقاص يقصّ، فلما رأى رسول الله ﷺ أمسك. فقال النبي ﷺ قصّ، فلأن أقعد هذا المقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب ولأن أقعد هذا المقعد بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب، أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير. قال: ورجاله موثقون إلا أن فيه أبا الجعد عن أبي أمامة، فإن كان هو الغطفاني، فهو من رجال الصحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه، وعن رجل من أهل بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب. قال شعبة: فقلت أي مجلس يعني؟ قال: كان قاصا. رواه أحمد «٣»

стр. 590

وفيه كردوس بن قيس وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، وعن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد، فإذا كعب يقص قال من هذا؟ قالوا: كعب يقص علينا. قال سمعت النبي ﷺ يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال، قال: فبلغ ذلك كعبا فما رئي بعد ذلك يقص. رواه أحمد. «١» قال الهيثمي: وإسناده حسن، وعن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. رواه أبو داود «٢» غير قوله أو متكلف. ورواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أبو العباس الرازي، لم أر من ترجمه، وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. قال الملا على القاري في شرح المشكاة: القصص التكلم بالقصص والأخبار والمواعظ وقيل المراد به الخطبة خاصة اهـ وقال غيره: القصص التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ، يريد من يعظهم إما أمير أو مأمور، أو يجوز لهما الوعظ أما مختال يعظ لطلبه الرياسة والتكبر، فلا يقبل هذا في الخطبة فالأمر فيها إلى الأمراء أو إلى من يتولاها من قبلهم. قال الطيبي في شرح المشكاة: وكل من وعظ وقص داخل غمارهم، وأمره موكول إلى الولاة اهـ انظر مجمع بحار الأنوار، في الإكليل للسيوطي على قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] عن ابن العربي: هذه الآية أصل في الوعظ المرقق للقلوب اهـ. قلت: ولا ينافي أحاديث الترجمة ما جاء عن بعض السلف؛ من إنكار القصص وذم القاصين. ففي الإحياء بعد أن ذكر أن الحسن البصري كان يتكلم في قصصه في علم الآخرة، والتذكير بالموت، والتنبيه على عيوب النفس، وآفات الأعمال، وخواطر الشيطان، ووجه الحذر منها. ويذكر بالاء الله ونعمائه، وتقصير العبد في شكره، ويعرف حقارة الدنيا وتصرفها وقلة عهدها، وعظم الآخرة وأهوالها فهذا هو التذكير المحمود شرعا، ثم تكلم عل الذين نقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم، وذهلوا عن طريق التذكير المحمود، واشتغلوا بالقصص التي يتطرق إليها الاختلاف والزيادة، والنقصان، وتخرج عن القصص الواردة في القرآن، وتزيد عليها فقال: من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر سماعه، وإن كان صادقا. قال: فترجع القصص المحمودة إلى ما يشتمل عليه القرآن، وإلى ما صحّ من الكتب الصحيحة، من الأخبار. قال في الإتحاف: أخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن ابن سيرين قال: بلغ عمر أن قاصا يقص بالبصرة فكتب إليه: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٥] قال فعرف الرجل فتركه، وأخرج عبد بن حميد في تفسيره، عن قيس بن سعد قال: جاء أن ابن عباس مرّ على عبيد بن عمير

стр. 591

وهو يقص فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ [مريم: ٥٤] الآية وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ [مريم: ٥٦] الآية ذكرنا بأيام الله، وأثن على من أثنى الله عليه، وانظر كتاب القصّاص والمذكّرين للحافظ ابن الجوزي، وكتاب المذكر والتذكير والذكر، لأبي أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم، وكتاب الحافظ العراقي المسمى بالباعث على الخلاص من حوادث القصاص، وللحافظ السيوطي أيضا فيهم رسالة. قال الزبيدي في الاتحاف: الذي تلخص مما ذكرنا أنه لا ينبغي أن يقصّ على الناس إلا العالم المتقن، الحافظ لحديث رسول الله ﷺ ، العارف بصحيحه من سقيمه، وبسنده ومقطوعه، ومنفصله، العالم بالتواريخ وسير السلف، الحافظ لأخبار الزهاد، الفقيه في دين الله، العالم بالعربية واللغة، ومدار كل ذلك على تقوى الله، وأن يخرج الطمع في أموال الناس من قلبه. كذا حققه ابن الجوزي فانظره. تنبيه: خرج أبو نعيم والعسكري، أن تميما الداري استأذن عمر أن يقصّ على الناس قائما فأذن له فقص قائما. مهمة: ترجم ابن سعد في طبقاته لأم الحسن البصري، فأخرج بسنده عن أسامة بن زيد عن أمه قالت: رأيت أم الحسن البصري تقصّ على النساء، وأم الحسن هذه كانت في عصر كبار الصحابة، وروت عن أم سلمة وغيرها، من أزواج النبي ﷺ . وفي طبقات ابن سعد عن الحسن قال: كان الأسود بن سويع رجلا شاعرا وكان أولّ من قص في هذا المسجد. قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات، وفيها أيضا عنه قال: كان الأسود بن سويع يذكر في مؤخر المسجد، انظر ترجمة الأسود من الطبقات ص ٢٨ من ج ٧. باب في ذكر ما بثه ﵇ من الفرائض الطبية والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيه الدواوين ذكر المولى أحمد طاشكبري زاده في مفتاح العلوم: علم طبه ﵇ من جملة العلوم التي اشتغل بها البشر، فقال ما نصه: علم طب النبي ﷺ هو علم أبرز من الحديث، كإبراز الفرائض من الفقه، والكحالة من الطب، وهو علم يعرف منه ما قاله النبي ﷺ في أمر تصحيح الأبدان الإنسانية، وموضوعه ومباديه يظهر بالقياس إلى علم الحديث، وغرضه وفائدته أظهر من أن تخفى. وقد صنف فيه الإمام المستغفري. تصنيفا فائقا ولا أجمع وأنفع من كتاب ابن طرخان يجده من يطلبه اهـ وقد ترجم لهذا العلم أيضا صاحب كشف الظنون، فذكر أن ممن ألف فيه أبو نعيم الأصبهاني، وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضى، للمأمون رسالة مشتملة عليه. والحبيب النيسابوري جمعه أيضا، وابن السني وعبد الملك بن حبيب، والحافظ

стр. 592

السيوطي، واسم كتابه فيه (المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي) وإن أول كتابه: الحمد لله الذي أعطى كل نفس خلقها، وهو مرتب على ثلاثة فنون الأول: في قواعد الطب، الثاني في الأدوية والأغذية الثالث: في علاج الأمراض. قلت: ولعله اختصره من كتاب الطب النبوي للحافظ الذهبي أيضا، فإنه على هذا النسق، وقد طبع مرارا، ولم يذكر صاحب الكشف كتاب ابن طرخان، الذي ذكره طاشكبري، وهو كتاب نفيس في مجلد، اسمه الأحكام النبوية في الصناعة الطبية، ومؤلفه الإمام أبو الحسن علي بن مهذب الدين أبي المكارم عبد الكريم بن طرخان بن بقى الحموي، ثم الصفدي، صاحب كتاب مطلع النجوم في شرف العلماء والعلوم، رتب ابن طرخان كتابه الطبي هذا على عشرة أبواب، وبناه على أربعين حديثا في الطب مما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم. الباب الأول: في الأحاديث الواردة في ذكر الأمراض ومعالجتها، والأمر بالتداوي، ومن تطبب ولم يعلم منه طب. الباب الثاني: في الأحاديث الدالة على ما يتعلق بحفظ الصحة من صفة الأكل والشرب والنوم وغير ذلك. الباب الثالث: في شأن أصل الطب وهل هو وحي، أو تجربة أو قياس. وذكر الواضع وفضيلته، وموافقته للعقل والشرع. الباب الرابع: في بيان الصحة وفضلها، وذكر الأحاديث الواردة فيها. الباب الخامس: في بيان المرض وفضله، وذكر الأخبار الواردة فيه وفيه شيء من الرقى. الباب السادس: في فضل عيادة المريض، وما ورد في ذلك من الأحاديث النبوية. الباب السابع: في ذكر أربعين حديثا طبية فصلت عن الأربعين الأولى فنبه على أكثرها. الباب الثامن: في ذكر الخلاف هل التداوي أفضل أو تركه؟ وحجة كل واحد من الطائفتين. الباب التاسع: في ذكر الحمية وفضلها، وما يكتب للحمى وما ورد في ذلك. الباب العاشر: في ذكر أدوية مفردة وقواها، ومنافعها وما ورد فيها من الأحاديث الطبية وغيرها، وهو كتاب نادر الوجود، كندورة ترجمة مؤلفه عندي منه نسخة قديمة، بخط مشرقي كتبت بمكتبة الناصرية بالشام بقرب زمن مؤلفه، كنت ظفرت بها بالمدينة المنورة سنة زيارتي لها عام ١٣٢٤. وممن أتى بقسم نافع من الطب النبوي؛ الحافظ ابن القيم في الهدى النبوي، وتبعه

стр. 593

الشهاب القسطلاني في المواهب، فإنهما أتيا بزبدة ما لمن تقدم جزاهم الله خيرا، وفي الهدية المقبولة في حلل الطب المشمولة، للشهاب أحمد بن صالح الأكتاوي الدرعي: هذا النبي المصطفى من يرتضى ... سيد كل من يجيء أو مضى أرقى وعالج تداوى واحتجم ... مع التوكل الذي فيه ارتكم والأمر بالتوكل الصحيح ... عن مثلنا يفيد بالتصريح وفي العلاج سنة الرسول ... وتطييب «١» لخاطر العليل فقال النظام في شرح هديته: الأذن فيه أي الطب من الشارع يكفي فيه فعله، وما تواتر عنه نقله، كما صرحت به أحاديث كثيرة، وأخبار وافرة جديرة، يطول بنا نقلها، ويعرفها من أصولها وفروعها أهلها اه. وقد اعتنى بالتعرض لما جاء عن جانب النبوة من درر الحكمة في هذا الباب، أحد حكماء الإسلام الشيخ داود الأنطاكي في التذكرة في مواضع منها؛ لدى كلامه على داء الاستسقاء، وأفضى به الكلام إلى ذكر أن من علاجه لبن اللقاح وأبوالها فقال: إنه غاية في أنواع الاستسقاء الثلاثة؛ خصوصا إذا كانت في البادية لاقتياتها حينئذ بالعطريات المفتحة، كالشيح والقيصوم وقال: وفيها أحاديث عن صاحب الشرع ﵇، أخرجها ابن السني وأبو نعيم وأحمد والترمذي في حديث غريب، ثم ذكر قصة العرنيين وحاصلها: أن قوما وفدوا عليه وهو في المدينة، ففي رواية فأصابهم وعك وأخرى فاجتووها بالتخمة، أي المدينة أي أصابهم منها الاجتواء، وهو عبارة عن فساد البطن ورائحة كريهة، وفي رواية فذربت بطونهم، فأرسلهم إلى إبل الصدقة، فشربوا من ألبانها وأبوالها وقصتهم مشهورة. وإنما أمر ﷺ بذلك، لكون الاستسقاء من الأمور الباردة اللزجة القروية، وفيها تقطيع وتفتيح وجلاء يطابق المادة، كما في المفردات وتخصيصه في الرواية الأخيرة بالبرية إما لتعدد الواقعة وكون مرض المأمورين بذلك أشد، فنصّ على البرية لرعيتها المفتحة الفعالة في ذلك بنفسها أيضا، كالشيخ والعرفج أو غير متعددة فيكون من حمل المطلق على المقيد، ومن هنا حكم بعض المجتهدين بطهارة بول ما يؤكل لحمه، لأمره به، ومنع بعضهم لزوم ذلك، وجعله من باب الجواز الضروري إذا تعين كإساغة اللقمة بالخمر، واعلم أنه غير لازم في مداواته ﵇، بما من شأنه أن ينفع من ذلك المرض، بل قد يداوي بما لا يجوّز العقل استعماله، فمن عثر على شيء من ذلك فليعلم أنه خرج مخرج الإعجاز، كما في قصة ملاعب الأسنة، وقد شكى إليه ﷺ الاستسقاء، فأرسل إليه بحثية من تراب تفل فيها فحين شربها برىء اهـ كلام التذكرة. وانظر ما كتبه في الجذام والحمي تر عجيبا. وفي الطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٦٤ على قوله ﵇: لا تديموا النظر

стр. 594

للمجذومين، فيه فائدة عظيمة، وهي أن الطبيعة نقالة، فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل الطبيعة، وقد جرب بين الناس أن المجامع إذا نظر إلى شيء عند الجماع، وأدام النظر إليه انتقل منه صفته إلى الولد. وذكر البيهقي وغيره أن المصطفى تزوج امرأة من غفار، فدخل عليها فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بياضا عند ثديها، فانحاز النبي ﷺ عن الفراش، فلما أصبح قال: إلحقي بأهلك، وحمل لها صداقها اهـ. وفي الهدي النبوي لابن القيم أيضا، وسفر السعادة للمجد الفيروز آبادي: لم يجمع ﷺ بين سمك ولبن، ولا بين لبن وشيء من الحوامض، ولا بين غذاءين حارين، ولا باردين لزجين، ولا بين قابضين، وقابض ومسهل، ولا مسهلين، ولا بين غليظين، ولا بين سريع الهضم وبطيئه، ولا بين مشوى ومطبوخ، ولا بين قديد ورطب، ولا بين الحليب والبيض، ولا بين اللحم والحليب، ولا أكل طعاما بائتا، ولا ما فيه عفونة من الأطعمة، ولم يثبت أنه تناول شيئا من الملوحات والمخللات، وثبت أنه شرب الحليب المشوب بالماء، وماء التمر المنقع للهضم، والعسل الممزوج بماء بارد في غاية البرودة اهـ. وانظر بسط الكلام على ماكله ﷺ وما يتعلق بذلك في المناهج السنية للفاكهي، وتأليف سيدنا الوالد في السنة تر عجبا عجابا. ومن المهاثرة ما ذكره الفيلسوف ابن خالدون في مقدمة تاريخه حين فصل أنواع الطب ومستنداته قال: وللبادية من أهل العمران طب بنوه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح فيه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا موافقة المزاج. وكان في العرب أطباء من هذا القبيل معروفون، كالحارث بن كلدة وغيره، والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا عند العرب اهـ كلامه الخشن. ولله در العلامة الشيخ عبد الهادي الأبياري المصري، إذ قال إثره في سعود المطالع ص ١٥٥ ج ٢ ما نصه: وأقول: هذه هفوة لا ينبغي النظر إليها، كيف وقد قال ﵇ للمبطون الذي أمره بشرب العسل، فلم ينجح: صدق الله وكذب بطنك اهـ. وإذا قرأت كلام الشيخ داود الذي سقناه لك أولا تعلم أن عقيدته في هذه المسألة أسلم مما لابن خالدون، والجواد قد يكبو والكمال لله. ولنختم هذا المبحث بلطيفة ذكرها السيوطي في الإكليل، نقلا عن كتاب العجائب للكرماني، قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له: جمع الله الطب في نصف آية، وهي قوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] ، فقال الطبيب: ما ترك كتابكم لجالينوس طبا اهـ.

стр. 595

ولما تكلم الحافظ ابن رجب على حديث «١» : لم يخلق الله وعاء إذا ملىء شرا من بطن، فإذا كان لا بد فاجعله ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح: إنه أصل عظيم جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب ابن أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات يعني قوله ﵇ حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه إلى أخرى لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات [المستشفيات] ، ودكاكين الصيادلة. وقال القرطبي في شرح الأسماء: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، وفي الأحياء: ذكر هذا الحديث يعني تقسيم البطن أثلاثا لبعض الفلاسفة فقال: ما سمعت كلاما في قلة أكل أحكم من هذا، ولا شك أن أثر الحكمة فيه واضح. وقال ابن القيم في الهدى النبوي: مراتب الغذاء ثلاثة؛ أحدها مرتبة الحاجة، والثانية مرتبة الكفاية، والثالثة مرتبة الفضيلة، فأخبر ﷺ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته، ولا يضعف فإن تجاوزها فليأكل ثلثا لبطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس. وهذا أنفع للبدن والقلب، انظر بقيته فيه. وفي شرح منظومة الآداب للسفاريني، وفي مسند أحمد «٢» عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى يلقى أحد طرفيه) يعني يبرأ أو يموت، وهو أصل ما سبق عن الجيش لاكنسوس في باب الطب، من القسم الثامن انظره. باب في ذكر توسعه ﵇ مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدروس اليوم في شبه ذلك بوّب البخاري «٣» باب السمر في العلم، وخرج أبو داود وصححه ابن خزيمة، وهو من رواية أبي حسان عن عبد الله بن عمر، وهو ليس على شرط البخاري: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا لعظيم صلاة. وأخرجه أحمد والطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح عن عمران بن حصين قال كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظيم صلاة «٤» .

стр. 596

قلت: وذلك منه ﵇ امتثال لأمر الله له، ففي القرآن: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] . وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦ أ] بمعنى وذكرهم بوقائع الله التي وقعت للأمم السالفة، ويريد أن يعرفكم ما خفي عنكم من مصالحكم، ومحاسن أعمالكم ببيانها، ويهداكم مناهج من تقدمكم، من أهل الرشد والخير، لتسلكوا مسالكهم، فإن التاريخ يبحث فيه عن أحوال الأمم الخالية والأجيال الفانية، مع ضبط أشخاصهم بأسمائهم وألقابهم، وكناهم وأنسابهم واستيعاب رسومهم وأخبارهم، وبضائع علومهم وآثارهم، وصنائع الطوائف وعوائدهم، وسقوطهم ونهضتهم، وهو علم يتنافس فيه عقلاء الأمم والأجيال، ويتفاخر به الملوك والأقيال، وتسمو إلى معرفته حتى السوقة والأغفال، وتشد إلى تحصيله الركائب والرحال. وناهيك أن الله قص علينا في القرآن ما دار بين الأنبياء وأممهم، وأوضح لنا بيان مدتهم ومواطنهم، وأسماء أماكنهم كسبأ، والأحقاف، والحجر، ومكة، والمدينة، ومدين، ومصر، وأرشدنا بذلك إلى تعاقب أدوار الزمان، والتحول والنضارة والذبول، والعمار والدمار، وأمرنا بالمسير لننظر الحقائق، ونتناظر فيها، ونجانب الظنون، ولا نركن إليها، ولنطلع على عجائب صنع الله فيها، وامتن عل عباده بالجبال الشاهقة، التي يأوون إليها ويعتصمون فيها، وبالبحار الزاخرة الواسعة، التي ينتفعون بما يخرج منها، ويسافرون عليها، وبالحدائق المزينة بالأزهار، المطرزة بالثمار، وذكر لنا الجب والكهف والأخدود والغار، والقصر والبيت والدار، والقرى، والمدائن، والبروج، والحصون والمساكن، والبيع والصلوات، والمقاعد والعمد، والمحاريب، والمساجد والمجالس، والتناد والصخر والواد، وعنّف القاعدين الذين لم يركبوا متن الآمال الواسع، واستبعدوا المحل الشاسع، ولم يهجروا المضجع الوثير، لطلب المحل الأثير فقال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: ٩] وحضّ سبحانه على النظر والتأمل والاعتبار بقوله، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الروم: ٤٢] ولا يرد على ما ذكر أول الترجمة حديث: لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول. قال الحافظ في الفتح: وبتقدير ثبوته فالسمر في العلم يلحق بالصلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة. قلت: القصة التي أشار لها الحافظ خرّجها عبد الرزق، وابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن أبي موسى، أن أبا موسى أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال له عمر: ما جاء بك؟ قال: جئت أتحدث إليك قال: هذه الساعة قال: إنه فقه، فجلس عمر فتحدث طويلا، ثم إن أبا موسى قال الصلاة يا أمير المؤمنين قال إني في الصلاة.

стр. 597

باب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية ترجم البخاري في الصحيح «١» باب وقت المغرب، ثم أسند إلى رافع بن خديج قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله، قال الحافظ في الفتح: بفتح النون وسكون الموحدة أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى ناتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا إسناده حسن، والنبل هي السهام العربية اهـ. [ج ٤/ ٣٦ والإسلامي ٥١/ ٤] . باب اتخاذ معاوية ﵁ وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال ذكر المسعودي ترجمته في مروج الذهب ص ٥٢ ج ٢ أن من أخلاق معاوية أنه كان إذا صلى الفجر يجلس للقاص حتى يفرغ من قصصه، ثم كان إذا صلّى العشاء يأذن للخاصة، وخاصة الخاصة فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكائد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر على سمعه كل ليلة جملة من الأخبار، والسير والآثار، وأنواع السياسات ثم يخرج فيصلي الصبح. باب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا خرّج أبو نعيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : العلم ضالّة المؤمن حيثما وجده أخذه، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: وروينا عن علي ﵁ أنه قال في كلام له: العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه، قال: وعنه أيضا: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي المشركين، وانظر روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق، وقد سبق أن الصحابة تعلموا الكتاب من أسارى بدر، وهم كفار، ومن اليهود بالمدينة. وفي فتاوى الحافظ ابن تيمية: الحق يقبل من كل من تكلم به، كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في سننه: إقبلوا الحق من كل من جاء به

стр. 598

وإن كان كافرا، أو قال فاجرا. وأحذروا زيغة الحكيم «١» قال: وكيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: فإن على الحق نورا، أو كلاما هذا معناه اهـ وحديث: أطلبوا العلم ولو بالصين «٢» شهير، ومن المعلوم كما قال الشيخ رفاعة الطهطاوي، أن أهل الصين، إذ ذلك وثنيون، وأن المقصود من الحديث كان السفر إلى طلب العلم اهـ. باب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير جاء عن علي في خطبة خطبها: واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرىء ما يحسن، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم، وفي معناه أيضا قال: المرء مخبوء تحت لسانه، وربما قال: تحت بنانه، وقال أيضا: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، قال القرافي: ولم يقل بيديه، أي هو معتبر بهما، فإن رفعاه ارتفع، أو وضعاه اتضع، فالقلب معدن الحكم، واللسان ترجمانه وما عداهما في حكم الأعوان البعيدة، التي لا اعتداد بها وأنشد علي أيضا: الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء فإن أتيت بفخر من ذوي نسب ... فإن نسبتنا الطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء وقيمة المرء ما قد كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء فاطلب لنفسك علما واكتسب أدبا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء قال الشيخ أبو عمر ابن عبد البر على قول علي الخ: كل امرىء ما يحسن، من الكلام العجيب الخطير، وقد طار الناس به كل مطير، ونظمه جماعة من الشعراء اعجابا به وكلفا بحسنه، ثم أنشد في معناه لجماعة. وانظر روض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام. فائدة: ممن أفرد فضل العلم من المتقدمين بالتأليف ١- ابن أبي خيثمة ٢- وأبو يوسف بن يعقوب القاضي و ٣- ابن أبي عاصم و ٤- إسحاق بن راهواه و ٥- أبو بكر أحمد بن علي المروزي و ٦- أبو العباس أحمد بن علي المرهبي و ٧- آدم ابن أبي أياس و ٨- للحافظ أبي نعيم: فضل العالم العفيف علي الجاهل الشريف و ٩- لأبي عبد الله محمد بن أبي الصدق العدوي؛ منتقى من كتاب العلم لابن أبي خيثمة زهير بن حرب السابق الذكر و ١٠- الحافظ ابن عبد البر و ١١- الشمس محمد بن عبد الرحمن

стр. 599

الأصابي الحبيثي اليمني له: نشرطي التعريف في فضل حملة العلم الشريف، وغيرهم من المتأخرين كثير و ١٢- أفرد العارف البكري الأحاديث الواردة في فضل العلم فأوصلها إلى خمسمائة، وإن كان بعضهم قال: لم يصح فيه شيء وهو غلط كبير، أنظر كتاب فضل العلم لابن عبد البر، واختصاره للفاكهي، وشرح الإحياء للحافظ الزبيدي ترعجبا. باب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب ذكر أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن عباس عنه؛ أن طلاب العلوم لما ازدحموا عليه حتى ضاق بهم الطريق، رتبهم في التقديم على حسب مطالبهم، ولم يراع في ذلك سابقا؛ فنادى بالطالبين للقرآن وحروفه، وما أرادوا منه على سائر الطالبين، فإذا فرغوا دعا لمن طلب تفسير القرآن وتأويله، فجعلهم في الرتبة الثانية، فلما فرغوا دعا لمن طلب الحلال والحرام والفقه، فجعلهم في الثالثة، فلما فرغوا دعا لمن طلب الفرائض وما أشبهها، قال الشيخ أبو العباس ابن زاغ، كما في روضة الأعلام: يعني- والله أعلم- علم المواريث، فجعلهم في الرابعة، فلما فرغوا دعا لمن طلب العربية والشعر والغريب من الكلام، فجعلهم في الخامسة. باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة خرّج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة قال: لم يكن أصحاب النبي ﷺ مخرفين، ولا متهاونين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فاذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه، كأنه مجنون. وأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الثقفي رفعه: في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني: القرآن والشعر وقال: المناوي: يشير رفعه في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني: القرآن والشعر وقال. المناوي: يشير إلى إنه ينبغي للطالب عند وقوف ذهنه ترويحه بنحو شعر، أو حكايات. فإن الفكر إذا غلق ذهل عن تصور المعنى، وذلك لا يسلم منه أحد ولا يقدر إنسان على مكابدة ذهنة على الفهم، وغلبة قلبه على التصور. وذكر عياض في شرح حديث أم زرع عن أبي الدرداء قال: إني لأستجم نفسي بالباطل، كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملها، وذكر الشيخ عبد القادر الفاكهي المكي، في مناهج الأخلاق السنية في مباهج الأخلاق السنية، عن أبي ﵁: إني لأستجم ببعض الباطل ليكون أنشط للحق، وقال عقبه: مراده بالباطل نوع من اللهو المباح، كما هو ظاهر، وذكر عياض أيضا عن محمد بن إسحاق قال؛ كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة وقال: حمّضونا فيأخذ في أحاديث العرب، ثم يعود. فيفعل ذلك مرارا.

стр. 600

وفي مناهج الفاكهي: كان ابن عباس يقول لأصحابه إذا داموا في الدرس: أحمضوا أي ميلوا إلى الفاكهة، وهاتوا من أشعاركم، فإن النفس تمل كما تمل الأبدان اهـ. ونقل عياض في معنى الأمر بالإحماض، كما في هذه الآثار أي: إذا مللتم من الحديث والفقه، وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب، كما أن الإبل إذا ملت ما حلا من النبت، رعت الحمض وما ملح. باب في حديث خرافة روينا في الشمائل للترمذي بسنده عن عائشة ﵂ قالت: حدث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة، فقال النبي ﷺ : أتدرون ما خرافة؟ كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث دهرا فيهم ثم ردوه إلى الأنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة. قال ابن المعافي: عوام الناس يرون أن القائل هذا خرافة، إنما معناه أنه حديث لا حقيقة له، وإنما هو مما يجري في السمر، وينتظم في الأعاجيب وطرف الأخبار، وأنه لا أصل له، وأضيف فيه الجنس إلى بعضه كثوب خز، واشتقاقه على هذا من أخرف الثمرة إذا اجتناها، وهي خرفة، ولذا سمى الفصل خريفا لاختراف الفواكه فيه، فكأن هذه الأحاديث بمنزلة ما يتفكّه به من الثمار للتلهي به، وأرى أن قولهم: خرف إذا ثغر عقله من هذا، لأنه يتكلم بما يضحك ويتعجب منه، ومن هاهنا قيل: فكهت كذا أي تعجبت منه، وقيل للمزاح: فكاهة لما فيه من مسرة أهله، والاستمتاع به وقالوا: الغيبة فاكهة القراء، قال الزمخشري في ربيع الأبرار: سمعت العرب يشددون الراء من خرافة، ويسمون الأباطيل الخراريف اهـ. باب في حديث أم زرع «١» في الشمائل باب: ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر. عن عائشة قالت: جلست إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، اني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره. قالت الثالثة: زوجي العشنّق، أن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق. قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سئامة.
следующие страницы →