← Сияса и кади

Сияса и кади · id 23688

التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية

عبد الحي الكتاني المغربي

Полный текст (682 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قلت: وذلك منه ﵇ امتثال لأمر الله له، ففي القرآن: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] . وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦ أ] بمعنى وذكرهم بوقائع الله التي وقعت للأمم السالفة، ويريد أن يعرفكم ما خفي عنكم من مصالحكم، ومحاسن أعمالكم ببيانها، ويهداكم مناهج من تقدمكم، من أهل الرشد والخير، لتسلكوا مسالكهم، فإن التاريخ يبحث فيه عن أحوال الأمم الخالية والأجيال الفانية، مع ضبط أشخاصهم بأسمائهم وألقابهم، وكناهم وأنسابهم واستيعاب رسومهم وأخبارهم، وبضائع علومهم وآثارهم، وصنائع الطوائف وعوائدهم، وسقوطهم ونهضتهم، وهو علم يتنافس فيه عقلاء الأمم والأجيال، ويتفاخر به الملوك والأقيال، وتسمو إلى معرفته حتى السوقة والأغفال، وتشد إلى تحصيله الركائب والرحال. وناهيك أن الله قص علينا في القرآن ما دار بين الأنبياء وأممهم، وأوضح لنا بيان مدتهم ومواطنهم، وأسماء أماكنهم كسبأ، والأحقاف، والحجر، ومكة، والمدينة، ومدين، ومصر، وأرشدنا بذلك إلى تعاقب أدوار الزمان، والتحول والنضارة والذبول، والعمار والدمار، وأمرنا بالمسير لننظر الحقائق، ونتناظر فيها، ونجانب الظنون، ولا نركن إليها، ولنطلع على عجائب صنع الله فيها، وامتن عل عباده بالجبال الشاهقة، التي يأوون إليها ويعتصمون فيها، وبالبحار الزاخرة الواسعة، التي ينتفعون بما يخرج منها، ويسافرون عليها، وبالحدائق المزينة بالأزهار، المطرزة بالثمار، وذكر لنا الجب والكهف والأخدود والغار، والقصر والبيت والدار، والقرى، والمدائن، والبروج، والحصون والمساكن، والبيع والصلوات، والمقاعد والعمد، والمحاريب، والمساجد والمجالس، والتناد والصخر والواد، وعنّف القاعدين الذين لم يركبوا متن الآمال الواسع، واستبعدوا المحل الشاسع، ولم يهجروا المضجع الوثير، لطلب المحل الأثير فقال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: ٩] وحضّ سبحانه على النظر والتأمل والاعتبار بقوله، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الروم: ٤٢] ولا يرد على ما ذكر أول الترجمة حديث: لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول. قال الحافظ في الفتح: وبتقدير ثبوته فالسمر في العلم يلحق بالصلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة. قلت: القصة التي أشار لها الحافظ خرّجها عبد الرزق، وابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن أبي موسى، أن أبا موسى أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال له عمر: ما جاء بك؟ قال: جئت أتحدث إليك قال: هذه الساعة قال: إنه فقه، فجلس عمر فتحدث طويلا، ثم إن أبا موسى قال الصلاة يا أمير المؤمنين قال إني في الصلاة.

стр. 597

باب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية ترجم البخاري في الصحيح «١» باب وقت المغرب، ثم أسند إلى رافع بن خديج قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله، قال الحافظ في الفتح: بفتح النون وسكون الموحدة أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى ناتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا إسناده حسن، والنبل هي السهام العربية اهـ. [ج ٤/ ٣٦ والإسلامي ٥١/ ٤] . باب اتخاذ معاوية ﵁ وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال ذكر المسعودي ترجمته في مروج الذهب ص ٥٢ ج ٢ أن من أخلاق معاوية أنه كان إذا صلى الفجر يجلس للقاص حتى يفرغ من قصصه، ثم كان إذا صلّى العشاء يأذن للخاصة، وخاصة الخاصة فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكائد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر على سمعه كل ليلة جملة من الأخبار، والسير والآثار، وأنواع السياسات ثم يخرج فيصلي الصبح. باب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا خرّج أبو نعيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : العلم ضالّة المؤمن حيثما وجده أخذه، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: وروينا عن علي ﵁ أنه قال في كلام له: العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه، قال: وعنه أيضا: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي المشركين، وانظر روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق، وقد سبق أن الصحابة تعلموا الكتاب من أسارى بدر، وهم كفار، ومن اليهود بالمدينة. وفي فتاوى الحافظ ابن تيمية: الحق يقبل من كل من تكلم به، كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في سننه: إقبلوا الحق من كل من جاء به

стр. 598

وإن كان كافرا، أو قال فاجرا. وأحذروا زيغة الحكيم «١» قال: وكيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: فإن على الحق نورا، أو كلاما هذا معناه اهـ وحديث: أطلبوا العلم ولو بالصين «٢» شهير، ومن المعلوم كما قال الشيخ رفاعة الطهطاوي، أن أهل الصين، إذ ذلك وثنيون، وأن المقصود من الحديث كان السفر إلى طلب العلم اهـ. باب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير جاء عن علي في خطبة خطبها: واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرىء ما يحسن، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم، وفي معناه أيضا قال: المرء مخبوء تحت لسانه، وربما قال: تحت بنانه، وقال أيضا: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، قال القرافي: ولم يقل بيديه، أي هو معتبر بهما، فإن رفعاه ارتفع، أو وضعاه اتضع، فالقلب معدن الحكم، واللسان ترجمانه وما عداهما في حكم الأعوان البعيدة، التي لا اعتداد بها وأنشد علي أيضا: الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء فإن أتيت بفخر من ذوي نسب ... فإن نسبتنا الطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء وقيمة المرء ما قد كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء فاطلب لنفسك علما واكتسب أدبا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء قال الشيخ أبو عمر ابن عبد البر على قول علي الخ: كل امرىء ما يحسن، من الكلام العجيب الخطير، وقد طار الناس به كل مطير، ونظمه جماعة من الشعراء اعجابا به وكلفا بحسنه، ثم أنشد في معناه لجماعة. وانظر روض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام. فائدة: ممن أفرد فضل العلم من المتقدمين بالتأليف ١- ابن أبي خيثمة ٢- وأبو يوسف بن يعقوب القاضي و ٣- ابن أبي عاصم و ٤- إسحاق بن راهواه و ٥- أبو بكر أحمد بن علي المروزي و ٦- أبو العباس أحمد بن علي المرهبي و ٧- آدم ابن أبي أياس و ٨- للحافظ أبي نعيم: فضل العالم العفيف علي الجاهل الشريف و ٩- لأبي عبد الله محمد بن أبي الصدق العدوي؛ منتقى من كتاب العلم لابن أبي خيثمة زهير بن حرب السابق الذكر و ١٠- الحافظ ابن عبد البر و ١١- الشمس محمد بن عبد الرحمن

стр. 599

الأصابي الحبيثي اليمني له: نشرطي التعريف في فضل حملة العلم الشريف، وغيرهم من المتأخرين كثير و ١٢- أفرد العارف البكري الأحاديث الواردة في فضل العلم فأوصلها إلى خمسمائة، وإن كان بعضهم قال: لم يصح فيه شيء وهو غلط كبير، أنظر كتاب فضل العلم لابن عبد البر، واختصاره للفاكهي، وشرح الإحياء للحافظ الزبيدي ترعجبا. باب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب ذكر أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن عباس عنه؛ أن طلاب العلوم لما ازدحموا عليه حتى ضاق بهم الطريق، رتبهم في التقديم على حسب مطالبهم، ولم يراع في ذلك سابقا؛ فنادى بالطالبين للقرآن وحروفه، وما أرادوا منه على سائر الطالبين، فإذا فرغوا دعا لمن طلب تفسير القرآن وتأويله، فجعلهم في الرتبة الثانية، فلما فرغوا دعا لمن طلب الحلال والحرام والفقه، فجعلهم في الثالثة، فلما فرغوا دعا لمن طلب الفرائض وما أشبهها، قال الشيخ أبو العباس ابن زاغ، كما في روضة الأعلام: يعني- والله أعلم- علم المواريث، فجعلهم في الرابعة، فلما فرغوا دعا لمن طلب العربية والشعر والغريب من الكلام، فجعلهم في الخامسة. باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة خرّج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة قال: لم يكن أصحاب النبي ﷺ مخرفين، ولا متهاونين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فاذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه، كأنه مجنون. وأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الثقفي رفعه: في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني: القرآن والشعر وقال: المناوي: يشير رفعه في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني: القرآن والشعر وقال. المناوي: يشير إلى إنه ينبغي للطالب عند وقوف ذهنه ترويحه بنحو شعر، أو حكايات. فإن الفكر إذا غلق ذهل عن تصور المعنى، وذلك لا يسلم منه أحد ولا يقدر إنسان على مكابدة ذهنة على الفهم، وغلبة قلبه على التصور. وذكر عياض في شرح حديث أم زرع عن أبي الدرداء قال: إني لأستجم نفسي بالباطل، كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملها، وذكر الشيخ عبد القادر الفاكهي المكي، في مناهج الأخلاق السنية في مباهج الأخلاق السنية، عن أبي ﵁: إني لأستجم ببعض الباطل ليكون أنشط للحق، وقال عقبه: مراده بالباطل نوع من اللهو المباح، كما هو ظاهر، وذكر عياض أيضا عن محمد بن إسحاق قال؛ كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة وقال: حمّضونا فيأخذ في أحاديث العرب، ثم يعود. فيفعل ذلك مرارا.

стр. 600

وفي مناهج الفاكهي: كان ابن عباس يقول لأصحابه إذا داموا في الدرس: أحمضوا أي ميلوا إلى الفاكهة، وهاتوا من أشعاركم، فإن النفس تمل كما تمل الأبدان اهـ. ونقل عياض في معنى الأمر بالإحماض، كما في هذه الآثار أي: إذا مللتم من الحديث والفقه، وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب، كما أن الإبل إذا ملت ما حلا من النبت، رعت الحمض وما ملح. باب في حديث خرافة روينا في الشمائل للترمذي بسنده عن عائشة ﵂ قالت: حدث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة، فقال النبي ﷺ : أتدرون ما خرافة؟ كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث دهرا فيهم ثم ردوه إلى الأنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة. قال ابن المعافي: عوام الناس يرون أن القائل هذا خرافة، إنما معناه أنه حديث لا حقيقة له، وإنما هو مما يجري في السمر، وينتظم في الأعاجيب وطرف الأخبار، وأنه لا أصل له، وأضيف فيه الجنس إلى بعضه كثوب خز، واشتقاقه على هذا من أخرف الثمرة إذا اجتناها، وهي خرفة، ولذا سمى الفصل خريفا لاختراف الفواكه فيه، فكأن هذه الأحاديث بمنزلة ما يتفكّه به من الثمار للتلهي به، وأرى أن قولهم: خرف إذا ثغر عقله من هذا، لأنه يتكلم بما يضحك ويتعجب منه، ومن هاهنا قيل: فكهت كذا أي تعجبت منه، وقيل للمزاح: فكاهة لما فيه من مسرة أهله، والاستمتاع به وقالوا: الغيبة فاكهة القراء، قال الزمخشري في ربيع الأبرار: سمعت العرب يشددون الراء من خرافة، ويسمون الأباطيل الخراريف اهـ. باب في حديث أم زرع «١» في الشمائل باب: ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر. عن عائشة قالت: جلست إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، اني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره. قالت الثالثة: زوجي العشنّق، أن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق. قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سئامة.

стр. 601

قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولم يولج الكف ليعلم البث. قالت السابعة: زوجي عياياء أو غياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلّالك. قالت الثامنة: زوجي المسّ مس أرنب، والريح ريح زرنب. قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد كثير الرماد، قريب البيت من الناد. قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس «١» من حلي أذني وملأ من شحم عضدي وبجحني فبجحت إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني من أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقّ، فعنده أقول: فلا أقبح وأرقد فأتصبح، وأشرب فاتقمح، أم أبي زرع، فما أم أبي زرع عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع مضجعه كمسل شطبة، وتشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع طوع أبيها، وطوع أمها. وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها، كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا وأخذ خطيا وأراح عليّ نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع قالت عائشة: فقال رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك. أخذ الأئمة من هذا الحديث جواز التحديث عن الأمم الماضية، والأجيال البائدة، وضرب الأمثال بهم، لأن في سيرهم اعتبارا للمعتبر، واستبصارا للمستبصر، واستخراج الفائدة للباحث المستكثر، فإن في هذا الحديث، لا سيما إذا حدّث به النساء منفعة في الحض على الوفاء للبعولة، والندب لقصر الطرف، والقلب عليهم. قال القاضي عياض: وفيه من الفقه التحدث بملح الأخبار، وطرف الحكايات، تسلية للنفس، وجلاء للقلب. وهكذا ترجم أبو عيسى الترمذي عليه باب ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر، وأدخل في هذا الباب هذا الحديث، وحديث خرافة، ويروي عن علي أنه قال: سلوا هذه

стр. 602

النفوس ساعة بعد ساعة، فإنها تصدأ كما يصدأ الحديث، ويروى عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: إذا أفاض من عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: حمّضوا أي إذا مللتم من الفقه والحديث وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب. ومنه قول أبي الدرداء: إني لأستجم ببعض اللهو؛ ليكون لي عونا على الحق. وقال علي: القلب إذا أكره عمي، وهذا كله ما لم يكن دائما متصلا وأما أن يكون ذلك عادة الرجل حتى يعرف به ويتخذه ديدنا، ويضحك به الناس فهذا مذموم غير محمود. وفيه من الفقه أيضا بسط المحدث والعالم، لما أجمل من علمه لمن حوله، وبيانه عليهم من تلقاء نفسه، كما فعل ﵇ في هذا الحديث. وقد قال ﵇ لعائشة: كنت لك كأبي زرع قالت ثم أنشأ يحدث الحديث، وقد روي في غير حديث ابتداؤه ﵇ أصحابه المسائل جملا وتفصيلا. قاله عياض. ولأهمية فوائد هذا الحديث وكثرة ما استنبط منه أفرده بالتصنيف إسماعيل بن أويس، من شيوخ البخاري في جزء مفرد، وثابت بن قاسم، والزبير بن بكار، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث، وأبو محمد بن قتيبة، وابن الأنباري، وإسحاق الكلاباذي، وأبو القاسم عبد الحليم بن حيان المصري، ثم الزمخشري في الفائق، ثم عياض وهو أجمعها وأوسعها وهو عندي في جزء وسط، والإمام الرافعي. وساقه برمته في تاريخ قزوين. ونقله عنه بنصه الحافظ السيوطي في تعليقه على الشمائل للترمذي، سماه الرافعي ذرة الضرع بحديث أم زرع، وربع الفرع في شرح حديث أم زرع للحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي، ولتاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد المكلي المتوفي سنة ٧٤٣ مطرب السمع في شرح حديث أم زرع، ثم العارف أبو الحسن ابن وفا المصري علي لسان القوم وأهل الإشارات، والشيخ مرتضى الزبيدي وغيرهم. المضحكون والمضحكات في الزمن النبوي دون ما سبق في القسم الأول منهم: نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري ممن شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها قال ابن الأثير في ترجمته من أسد الغابة: كان كثير المزاح يضحك النبي ﷺ من مزاحه، وهو صاحب سويبط بن حرملة، وكان من حديثهما أن أبا بكر خرج إلى الشام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكلاهما بدري. وكان سويبط على الزاد فجاءه نعيمان فقال: أطعمني فقال: لا حتى يجيء أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحاكا فقال؛ لأغيظنك. فجاء إلى أناس جلبوا ظهرا فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها، وهو ذو لسان. ولعله يقول: أنا حر. فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي، فقالوا: بلى بل نبتاعه منك بعشر قلائص، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها. ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم فقالوا: قم قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كذاب أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به، فجاء

стр. 603

أبو بكر فأخبر فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص، وأخذوه. فلما عادوا إلى النبي ﷺ وأخبروه الخبر ضحك النبي ﷺ حولا هو وأصحابه. وروى عباد بن مصعب من طريق ربيعة بن عثمان قال: أتى أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه. فقال بعض أصحاب النبي ﷺ لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم ويغرم رسول الله ﷺ ثمنها، قال فنحرها نعيمان، ثم خرج الأعرابي، فرأى راحلته فصاح واعقراه: يا محمد. فخرج النبي ﷺ فقال: من فعل هذا فقالوا: نعيمان، فاتبعه يسأل عنه فوجدوه في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفيا، فأشار إليه رجل ورفع صوته ويقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه حيث هو. فأخرجه رسول الله ﷺ وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: الذي دلوك عليّ يا رسول الله. هم الذين أمروني، فجعل رسول الله ﷺ يمسح وجهه ويضحك وغرم ثمنها، وأخباره في المزاح مشهورة اهـ «١» . وفي الاصابة قال الزبير بن بكار: وكان لا يدخل المدينة إلا اشترى منها ثم جاء إلى النبي ﷺ فيقول: هذا أهديته لك. فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبي ﷺ وقال: أعط هذا ثمن متاعه. فيقول: أو لم تهده لي فيقول: والله إنه لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه. وأخرج الزبير قصة البعير بسياق آخر من طريق ربيعة بن عثمان قال: دخل أعرابي على النبي ﷺ ، وأناخ ناقته. فقال بعض الصحابة لنعيمان الأنصاري: لو عقرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم ففعل. وخرج الأعرابي وصاح: واعقراه يا محمد فخرج النبي ﷺ وقال؛ من فعل هذا فقالوا نعيمان. فاتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد. فأشار رجل إلى النبي ﷺ حيث هو، فأخرجه فقال: له ما حملك على ما صنعت؟ فقال؛ الذين دلوك عليّ يا رسول الله. هم الذين أمروني بذلك، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك، ثم غرمها للأعرابي. وقال الزبير: حدثني علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب قال: لقي نعيمان أبا سيفان بن حرب فقال: له يا عدو الله أنت الذي تهجو سيد الأنصار نعيمان بن عمرو فاعتذر إليه، فلما ولّى قيل لأبي سفيان: إن نعيمان هو الذي قال ذلك فعجب منه وقصته مع سويبط بن حرملة تقدمت، وقال بعد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن عمر بن سيرين: إن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ ، نزلوا بماء، وكان نعيمان بن عمرو يقول لأهل الماء: يكون كذا وكذا فيأتونه باللبن والطعام، فيرسله إلى أصحابه فبلغ أبا بكر خبره قال: أراني آكل من كهانه نعيمان منذ اليوم، واستقاء ما في بطنه.

стр. 604

ومما جاء عن المضحكات في الزمن النبوي بالمدينة المنورة، ومكة المعظمة، وما رويناه في سنن أبي داود بسنده إلى الليث عن عمرة قالت: كانت امرأة مكية بطالة تضحك النساء، وكانت بالمدينة امرأة مثلها، فقدمت المكية المدينة فتعارفتا فدخلتا على عائشة، فتعجبت من اتفاقهما فقالت عائشة للمكية: عرفت هذه؟ قالت: لا ولكنا التقينا فتعارفنا، فضحكت عائشة وقالت: قال رسول الله ﷺ : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف «١» . وعن الزبير بن بكار في كتاب المزاح والفكاهة، من حديث ابن شهاب، عن عروة عن عائشة: أن امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن، فلما هاجرن ووسع الله دخلت المدينة قالت عائشة: فدخلت عليّ فقلت: فلانة ما أقدمك؟ قالت: اليكن. قلت: فأين نزلت؟ قالت: على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة، قالت: ودخل رسول الله ﷺ فقال: فلانة المضحة عندكم قالت: عائشة نعم. قال: فعلى من نزلت؟ قالت: على فلانة المضحكة قال الحمد الله: إن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. انظر المقاصد الحسنة للحافظ السخاوي، وعروس الأفراح في معنى حديث: الأرواح للمحدث الشمس محمد بن عقيلة المكي. قلت: مما يصح إدراج ذكره هنا جحى المعروف، فإنه يعدّ من التابعين، ونوادره مدونة، وهي نهاية في الحلاوة، وفي القاموس: جحى كهدى لقب أبي الغصين بن ثابت، ونقل الشمس محمد بن الطيب الشركي في حواشيه على القاموس، ثم الحافظ مرتضى الزبيدي في تاج العروس، ثم الشيخ عبد الهادي الأبياري في نيل الأماني ثلاثتهم، عن المنهج المطهر للقلب والفؤاد للعارف الشعراني ما نصه: عبد الله جحى كما رأيته بخط الجلال السيوطي قال؛ وكانت أمه خادمة لأم أنس بن مالك، قال: وكان الغالب عليه السماحة وصفاء السريرة، فلا ينبغي لأحد أن يسخر به إذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة، بل يسأل الله أن ينفعه ببركاته. قال الجلال: وغالب ما يذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصل له، قال في تاج العروس، عن شيخه الشرقي: وذكره غير واحد، ونسبوا له كرامات جمة وعلوما كثيرة اهـ انظر ص ٦٨ من المجلد العاشر من التاج و ٨٩ من نيل الأماني على مقدمة القسطلاني. وقال العلامة السيد محمد كبريت المدني (في رحلته) : رأيت في بعض المجاميع عن جحا أنه كان فاضلا ماجنا، وقد عمل الناس على لسانه كثيرا من النكت والنوادر. ولابن أبي اليمن الغفاري مؤلف في ذلك، يشتمل على ألف ورقة. وفي كتاب نزهة الجليس أن الخواجة ناصر الدين الفزاري المكني بأبي القص، صاحب التفسير، المتوفي

стр. 605

سنة ٣٨٦، تزعم العامة أنه جحا الذي تضرب أمثاله في الجد والهزل، وللإمام الزبير بن بكار كتاب الفكاهة والمزاح، وللقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي كتاب: النوادر والأخبار، وللحافظ أبي الشيخ الأصبهاني كتاب النوادر والنتف، وللحافظ تمام بن محمد الرازي كتاب، النوادر ولد علج كتاب النوادر، ذكر هذه المصنفات الشيخ عابد السندي في حصر الشارد. انظرها في حرف الفاء والنون منه. المقصد الثاني فيما حازه أصحابه ﵇ من السبقيات وما تميز به أفرادهم من علو المدارك والكيفيات مما يعرفك أن المدينة المنورة كانت في الزمن الأول مجموعة مهولة بصنوف واختلاف الأعمال والأفكار والصفات والأشغال الحياتية التي لا بد منها في كل مصر واتخذ عاصمة لمدنية عظمى سادت على العالم في أقرب وقت وما وصل إليه ذلك العصر الزاهر والمصر الطاهر من الاختلاط والإختلاف في الأحوال والإتفاق في الآمال وإنه من أندر ما حفظه التاريخ عن الأجيال والدهور وفيه أبواب: باب [في اجتهاد الصحابة] (في أن الصحابة كانوا أهل اجتهاد في الأحكام وقدرة على استنباطها والتبصر بمواقع الخطابات التشريعية ومحاملها. قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في أحكام القرآن على قوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] في الآية ضروب من الفوائد، منها إشعاره بمنزلة الصحابة، وأنهم أهل الإجتهاد، وجائز اتباع آرائهم، إذ وفقهم الله إلى المنزلة التي يشاورهم المصطفى فيها، ويرضى اجتهادهم، وتحريهم لموافقة النصوص من أحكام الله، ومنها أن ضمائرهم مرضية عند الله، ولولا ذلك لم يأمره بمشاورتهم، فدل ذلك على يقينهم، وصحة إيمانهم، وعلى منزلتهم في العلم. اهـ. وانظر أحكام الجصاص في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] . وقال الإمام تقي الدين السبكي، في طالعة كتاب الإبتهاج في شرح المنهاج، بعد أن بيّن عظمة أصول الفقه ومنزلته، وأنه مادة الإجتهاد: فإن قلت: قد كان العلماء في الصحابة والتابعين من أكابر المجتهدين، ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي فكيف يجعله شرطا في الإجتهاد؟ قلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين بطباعهم، كما كانوا عارفين بالنحو بطباعهم، قبل مجيء الخليل وسيبويه، وكانت ألسنتهم قوية وأذهانهم مستقيمة، وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد، لأنهم أهله الذين يؤخذ عنهم، وأما بعدهم فقد فسدت الألسن وتغيرت الفهم.

стр. 606

واعلم أنّ كمال الإجتهاد متوقف على ثلاثة أشياء: أحدها: التكيّف بالعلوم التي تهذب الذهن، كالعربية وأصول الفقه وما تحتاج إليه العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ، بحيث تصير هذه العلوم ملكة للشخص. وأصول الفقه كان الصحابة أعلم منا بها من غير تعليم، وغاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم، فقد يخطىء ويصيب. الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة، حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه حق أو موافق. الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة؛ ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل، وأن يصرح به، فإذا وصل الشخص إلى هذه المرتبة وحصل على الأشياء الثلاثة؛ فقد حاز رتبة الكاملين في الإجتهاد، ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة، وأما الأول فبطباعهم، وأما الثاني والثالث فلمشاهدتهم الوحي، ومعرفتهم بأحوال النبي ﷺ ، فأين لمن بعدهم مداناته؟ اهـ كلامه ملخصا. وقال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي ص ١٠ من كتابه: مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول، فصل: والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا خاصا بالصحابة فمن بعدهم، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله فيها من كتاب الله وسنة نبيه اهـ. وقال الإمام شرف الدين سلطان المادحين أبو عبد الله البوصيري في همزيته في حق الصحابة: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد ... وصواب، وكلهم اكفاء رضي الله عنهم ورضوا عن ... هـ فأنى يخطو إليهم خطاء قال ابن حجر على قوله: واجتهاد صحيح: لتوفر شروط الإجتهاد كلها في جميعهم زيادة، ولذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه قلّد غيره في مسألة من المسائل، وكان الناس يستفتون كلّ من روى منهم فيفتيه باجتهاده، ولا يعترض أحد منهم على أحد، إلا إن كان هناك نص صريح خولف فيذكر لهم، فمنهم من يرجع إليه ومنهم من يؤوله أو يعارضه بمسألة اهـ ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلوي وأبي عبد الله بنيس الفاسي. وقال الجوجري: أحكامهم ليست صادرة عن هوى النفس، بل هي ناشئة عن الإجتهاد التام، المستوفي لشروط الإجتهاد، المحصل للأجرين أصابوا أو أخطأوا اهـ منه ونحوه لأبي عبد الله الحضيكي، والشيخ سليمان الجمل المصري، والصومعي التادلي وغيرهم، ممن شرحها.

стр. 607

وقال الشريف السجلماسي في شرحها: هم علماء أئمة يقتدى بهم، لأنهم ورثوا من علمه ﷺ ما تميزوا به عن جميع من جاء بعدهم، وقد أنزل القرآن بلغتهم، وعلى أسباب عرفوها، وقصص كانوا فيها، فعرفوا مسطوره ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله، قال الشيرازي في طبقات العلماء الفقهاء: ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز لم ينقل أن أحدا من الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول الله ﷺ ، وخطاب رسول الله ﷺ بلغتهم، يعرفون معناه، ويفهمون منظومه وفحواه، وأفعاله هي التي فعلها من العبادات، والمعاملات في السير والسياسات، وقد شاهدوا ذلك كله، وعرفوه وتكرر عليهم وتحروه، غير أن الذي اشتهر منهم بالفتوى والأحكام جماعة مخصوصة، وأما من لم يلازمه ﷺ ، فإنه ليس بهذه المثابة، فقد جاء أن الحسن البصري كان يفتي الصحابة في زمنه، وهو من تصديق قوله ﵇: رب مبلّغ أوعى من سامع، ثم أتى بكلام ابن حجر السابق، وما أشار إليه من أنّ أكثرهم كذلك، نحوه قول ابن حجر. وهذا بالنسبة لأكثرهم، وغاية ما يقال في نحو الحسن البصري؛ أن السائل له من الصحابة قبل أن يصرف قوة اجتهاده وملكته بنفسه، فإذا أفتاه نظر فيه وبذل وسعه في النظر في الدليل، فيوافق إفتاء الحسن اجتهاده ثم استدل بقول الجوجري عقب ما سبق عنه، وكلهم في ذلك متكافئون، متساوون من حيث الإجتهاد، وعدم صدور شيء من الأحكام عن شهوة أو غرض اهـ. وقال الشهاب الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد أي صواب، وكلهم أكفاء؛ متكافئون في أصل الصحبة، والفضلية والعلم والإجتهاد، وإبراز الأحكام لله، وإنما يتفاوتون في الزيادة في ذلك، وحينئذ فلا ينافي ذلك قول ابن عمر: أبو بكر أعلمنا، ولا سؤال عمر لعلي فيجيبه فيقول: لا قدس الله أمة لست فيهم يا أبا الحسن، ولا تقديم عمر لابن عباس علي أكابر مشيخة المهاجرين والأنصار، لأنه كان يجد عنده من العلم ما ليس عندهم، ولا سؤال معاوية لعلي بالإرسال إليه في المشكلات فيجيبه. ولقد قال له أحد أهل بيته: لم تجيب عدونا فقال: أما يكفينا أنه احتاج إلينا وسألنا اهـ. وفي حاشية الباجوري، على شرح السلم، بعد أن ذكر عن ابن حجر مستدلا بأنه لم يعرف أن واحدا من الصحابة قلّد غيره في مسألة من المسائل، قال: لكن رجح بعض أن فيهم المقلدين والمجتهدين اهـ. وفيه أنه لم يأت بما يناقض ما ذكره ابن حجر فتأمله، والله تعالى أعلم. ثم وجدت في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، حين تكلم على قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي، هل يلحق بالسنة؟ وذكر منه القول بأن ذلك خاص بقول الشيخين، ما نصه: وينبغي أن يكون النزاع في الصحابة الذين أفنوا أعمارهم في الصحبة، وتخلقوا بأخلاقه الشريفة، كالخلفاء وأزواجه الطاهرات والعبادلة وأنس، وحذيفة ومن في طبقتهم، لا مسلمة الفتح، فإن أكثرهم لم تحصل لهم معرفة الأحكام الشرعية إلا تقليدا اهـ.

стр. 608

باب في تحريهم في الفتوى ومدافعتهم لها وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها قال الحافظ أبو شامة في اختصار كتاب المؤمل، إثر ما سبق عنه: وكانوا يتدافعون الفتوى، ويود كل منهم لو كفاه إياها غيره، وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع، ويقولون للسائل عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا قالوا: دعها حتى تقع، ثم يجتهد فيها. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به، واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد. فإذا وقعت واقعة لم يكن بد من النظر فيها. وعن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب، وهو على المنبر: أحرّج الله على كل امرىء مسلم سأل عن شيء لم يكن، فإنه قد قضى فيما هو كائن. وعن عبد الرحمن بن شريح إن عمر بن الخطاب كان يقول: إياكم وهذه العضل، فإنها إذا نزلت بعث الله من يقيمها ويفسرها. وعن معاذ بن جبل: يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإن لم تعجلوا قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدّد. وكان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى يقول: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس، ووضعها في عنقه. يشير إلى أن الفتوى والقضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة، وقال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار، من أصحاب سيدنا محمد ﷺ ؛ ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ودّ أنّ أخاه كفاه إياه، لا يستفتى عن شيء، إلا ودّ أن أخاه كفاه إياه، وفي رواية يسأل أحدهم المسألة فيردها إلى هذا حتى ترجع إلى الأول اهـ. قلت: قول عبد الرحمن ابن أبي ليلى المذكور خرجه عنه من طرق وروايات ابن سعد في ترجمته من طبقاته، انظر ص ٧٥ ج ٦ وأخرج عبد الغني بن سعيد في أدب المحدث من طريق داود ابن أبي هند قلت للشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال على الخبير سقطت كان إذا سئل الرجل، قال لصاحبه: أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول، وفي مسلم عن أبي المنهال أنه سأل زيد بن أرقم عن الصرف؟ فقال: سل البراء بن عازب، فسأل البراء فقال: سل زيدا. باب من كان يوسم بأعلم الصحبة وأذكاهم هكذا عقد الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء له، لما ترجم لأبي بكر فقال: فصل في علمه: وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم؛ ثم نقل عن الذهبي في تهذيبه: استدل أصحابنا

стр. 609

على عظيم علمه بقوله: في الحديث الثابت في الصحيحين «١» : والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته؛ على أن أبا بكر أعلم الصحابة، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته في المسألة أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه. وروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر وعمر، ما أعلم غيرهما. وفي الصحيحين «٢» في قصة خطبة النبي ﷺ قبيل موته في العبد الذي خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه فكان رسول الله ﷺ ، هو المخيّر وكان أبو بكر أعلمنا. وفي حديث السقيفة قول عمر: وكان من أعلم الناس بالله، وأخوفهم لله، وقال ابن كثير: كان الصديق اقرأ الصحابة، أي أعلمهم بالقرآن، لأنه ﷺ قد قدمه إماما للصلاة بالصحابة، مع قوله: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة، كما رجع إليه الصحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل من رسول الله ﷺ يحفظها هو، ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم. وكيف لا يكون كذلك؛ وقد واظب على صحبة رسول الله ﷺ ؛ من أول البعثة إلى الوفاة. وهو مع ذلك من أذكى عباد الله، وأعقلهم. وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل، لقصر مدته، وسرعة وفاته، وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه ولكن كان الذي في زمنه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم، وكان من أعلم الناس بالأنساب والتعبير، ثم عقد السيوطي فصلا لما روي عنه من الحديث، فأوصل مرويّه إلى مائة وأربعة أحاديث. وساقها. وكان مع ذلك أسدّ الصحابة رأيا، وأكملهم عقلا انظر تاريخ الخلفاء له، وقد سبق ويأتي عن جماعة أن عليا كان أفضل الصحابة من جهة العلم، أشهر به من غيره، وعلمه وفتاويه وحكمه ووقائعه تشهد لذلك، انظر الكتب المؤلفة في تراجمه وهي كثيرة لا حصر لها. باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم خرّج الترمذي من حديث علي رفعه: أنا مدينة العلم وعلى بابها، وقال: منكر، وجزم جماعة ببطلانه، لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب أنه حسن باعتبار طرقه، لا صحيح ولا ضعيف، فضلا عن أن يكون موضوعا اهـ وكذا قال الحافظ ابن حجر

стр. 610

في فتوى له: قال الحافظ السيوطي في الدرر المنثورة: وقد بسطت كلام العلائي وابن حجر في التعقبات الذي لي على الموضوعات اهـ ومصداقه ما ظهر على سيدنا على من العلم الواسع، الذي خضعت له به الرقاب، ودانت له الفلاسفة والحكماء، من كل أمة وملة، وقد سبق عن القرافي أنه: جلس ابن عباس يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر، وقال ابن المسيب: ما كان أحد يقول: سلوني غير علي. وقال ابن عباس: أعطي علي تسعة أعشار العلم ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي. قال: وإذا ثبت الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره، وسؤال كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن والمعضلات مشهور، وناهيك أن انتهاء طرق علوم القوم وسلاسلهم إليه، فلست ترى من طريقة في الإسلام إلا وانتهاؤها إليه، ومنتهى سندها عنه ﵁، تصديقا لكونه باب مدينة العلم. وقد قال الشيخ مصطفى البكري في كتاب تشييد المكانة لمن حفظ الأمانة: أن عليا ﵁ لما استقر له الأمر، نشر أعلام الحقائق، وكشف أسرار الدقائق، وأخذ عنه ولداه الحسن والحسين، وكميل بن زياد، والحسن البصري طريق الذكر والتلقين، وتفرعت عنه سائر الطرق حتى النقشبندية، فإن لهم سلسلتين تتصل إحداهما بسلمان والثانية بعلي، وتكلم في جفره على سر القدر، لكن برموز اصطلح عليها، فكان هو الباب الذي انفتح لقلوب العارفين، حتى دخلوا منه، وظهر عنهم ما ظهر، وتحقق العالمون بما كشف لهم من السر المصون لكنه أوصى بنيه بكتم ما أسره لهم، حفظا للأسرار عن أهل الإنكار، ولما سأله كميل بن زياد عن الحقيقة فأجابه فقال: أريد أوضح من هذا فأجابه، ثم طلب الزيادة فزاده، ثم قال: طلع الفجر فأطف المصباح، أي طلع فجر البيان عما سألته، فاطفأ السراج السؤال فقد اتضح لك وحققته اهـ. وفي حواشي الدر الثمين، للقاضي ابن الحاج عقب ما سبق عنه، في أن واضع علم التصوف سيدنا علي كرم الله وجهه، وقال فيه بعض الشيوخ، إنه أعطي العلم اللدني، ولا تصح النسبة إلى الولاية التي هي منبع الولاية الحقيقية، والمعارف الإلهية إلا من جهته، وحقيقته، فهو إمام الأولياء المحمدييين كلهم، وأصلهم ومنشأ انتسابهم إلى الحضرة المحمدية، ومظهر الولاية الأحمدية، وهو أرفع عارف في الدنيا بما خصه ﷺ بقوله: أنا دار الحكمة وعلي بابها، ونحوه له في الأزهار الطيبة النشر، وزاد وعنه أخذ الحسن البصري قال: فإن قلت مرجع الطرق الصوفية الموجودة الآن إلى أربعين طريقا حسبما في الرحلة العياشية، عن الشيخ حسن العجيمي، وجلّها إنما ينتهي للحسن البصري، أجيب بأن الحسن البصري رأى عليا على ما صححه السيوطي وغيره، وحينئذ فلا مانع من أخذه عنه كما يقوله الصوفية، لأن أخذ العلم وتلقيه من الشيخ باللسان، غير مشترط في هذه الطريقة، وإنما المقصود أن يحصل على سبيل الهمة، والحال هداية المريد، وإشراق الأنوار في قلبه اهـ الخ.

стр. 611

وانظر تعليقنا على جامع الترمذي، وقد وقع من الولي ابن خالدون كلام في هذا الفصل، أشار فيه إلى الطعن على من يرفع سند الخرقة لعلي قائلا: هو من هذا المعنى بريء، وإلا فعلي لم يختص من بين الصحابة بتحلية ولا طريقة في لباس ولا حال، بل كان أبو بكر وعمر من أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ ، وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه بالخصوص، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد، والمجاهدة اهـ ملخصا. ولله در الشيخ عبد الهادي الأبياري إذ قال إثره في سعود المطالع: وفي النفس من هذا الكلام شيء؛ إذ فيه من القدح في أجلة المشايخ وخرق الإجماع منهم، في انتهاء أسانيد طرقهم إلى الإمام علي، ما لا يخفى على المطلع على أحوالهم، المطالع لصحف طرقهم، ما تجمح من أن تقبله- وقد كان ﷺ يخص من شاء من العلوم والطرائق بما شاء، كما يرشد، إلى ذلك حديث حذيفة الذي أعلمه ﷺ بما كان ويكون إلى يوم القيامة، وحديث أبي هريرة: أخذت وعاءين من العلم عن رسول الله ﷺ ، وغير ذلك اهـ. وقد أفرد ما رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ جماعة؛ فقد ذكر ابن سليمان الرداني في صلته: الذين جمعوا المسند لعلي: أبو جعفر محمد بن عبد الله الحضرمي عرف بمطين، وأبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو محمد عبد الرحمن بن عثمان ابن أبي نصر وغيرهم، وللخادمي في شرح الطريقة المحمدية؛ أن جميع الفرق ينتسبون لعلي في الأصول والفروع، وكذا المتصوفة في صفاء الباطن وابن عباس رئيس المفسرين تلميذه اهـ. قلت: ومن أراد أن يعرف مقدار سعة علم سيدنا علي ومصداق كونه باب مدينة العلم النبوية فليطالع بتتبع شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ير العجب العجاب الذي يفوق أعداد الحساب. باب من كان يلقب منهم بأسد الله كان يقال لحمزة بن عبد المطلب أسد الله، لتقدم قدمه في الحرب، وشدة إقدامه على أعداء الله، وقد قال هو عن نفسه يوم بدر: أنا أسد الله وأسد رسوله، وأخرج الديلمي عن ابن عبد الصمد عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده: إنه لمكتوب في السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. باب الملقب فيهم بشيخ الإسلام سبق عن الحافظ السخاوي أن أول من لقب في الإسلام بشيخ الإسلام أبو بكر الصديق ﵁، وفي تفسير البيضاوي لدى قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤] قول ابن أبيّ لأبي بكر: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام، والقصة خرّجها الواحدي، وقال ابن حجر: منكر وذكر إسنادها وقال: هو سلسلة الكذب

стр. 612

لا سلسلة الذهب اهـ ولكن قال القاضي الخفاجي في العناية: شيخ الإسلام كان في زمن الصحابة يطلق على أبي بكر وعمر وهما الشيخان والمراد بشيخ الإسلام كما للحافظ ابن ناصر الدمشقي في الرد الوافر عند الجهابذة النقاد: المتتبع لكتاب الله، المقتفي لسنن رسول الله، المتقدم بمعرفة أحكام القرآن، ووجوه قراآته، ووجوهه وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، الآخذ بالآي المحكمات، والإيمان بالمشتبهات، أحكم من لغة العرب ما أعانه على علم ما تقدم، وعلم السنة إسنادا ونقلا وعملا، واستنباطا للأصول والفروع من الكتاب والسنة، قائما بما فرض الله عليه، متمسكا بما ساقه الله إليه، مع التواضع لله، العلي الشأن الخائف من عثرة اللسان، لا يدعي العصمة ولا يفرح بالتبجيل انظر ص ١٠ منه. وقال الحافظ السخاوي في كتابه الجواهر، الذي ألف في مناقب شيخه ابن حجر شيخ الإسلام: أطلقه السلف على المتبع للكتاب والسنة، مع التبحر في العلوم، من المعقول والمنقول، وربما وصف به من بلغ درجة الولاية، ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين الصديق والفاروق، فإنه ورد وصفهما بذلك ثم ساق أثرا عن علي من طريق الرياض النضرة للمحب للطبري أطلق فيه ذلك على الشيخين أنظر العناية. باب الملقب فيهم بسيف الله هو خالد بن الوليد سماه رسول الله ﷺ سيف الله، لحسن آثاره في الإسلام، وصدقه في قتال المشركين، فكان النبي ﷺ إذا نظر إليه وإلى عكرمة بن أبي جهل قرأ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [آل عمران] ، لأنهما من خيار الصحابة، وأبواهما عدوّان لله ورسوله، وكان على مقدمة النبي ﷺ يوم حنين، وهو الذي تولى كسر أكثر الأصنام، وهدم الأوثان التي كانت قريش تعبدها، أنظر تحليل ما سمع من جوفها حين أراد هدمها عند الجاحظ، وقد نقل ذلك الثعالبي في ثمار القلوب ص ١٧. ولما توفي المصطفى، وكانت أيام الردة حسن بلاء خالد فيها، وكان عميدا عند أبي بكر فبعثه إلى طليحة فهزمه، وصالح أهل اليمامة، ونكح ابنة مجّاعة ولما توفي لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبره، أو حلقت رأسها. ولما ارتفعت أصوات النساء عليه أنكرها بعض الناس فقال عمر: دع نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان، ويرقن من دموعهن سجلا أو سجلين. باب في الذي يضرب به المثل في العدل منهم يقال: سيرة العمرين؛ وهما أبو بكر وعمر يضرب بهما المثل، إذ لم يعهد بمثلهما بعد النبي ﷺ ، وكان عبد الملك بن مروان يقول: انصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر، ولا ترون منها، ولا في أنفسكم سيرة الحبيب أبي بكر وعمر، وقال البحتري:

стр. 613

إن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية قد ساسها المتوكل وقال بعض البلغاء: وقد ذكر بعض الملوك: رأيت صورة قمرية وصورة عمرية، وعن عائشة ﵂: إذا ذكر عمر ذكر العدل، وإذا ذكر العدل ذكر الله. وإذا ذكر الله نزلت الحرمة. وعنها أيضا قالت: زينوا مجالسكم بذكر عمر، وقال بعض الشيوخ: من أصابه هم فليناد عمر ما سلكت فجا إلا وسلك الشيطان فجا غير فجك، لأن أكثر الهموم من مثيرات الشيطان يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [البقرة: ٢٦٨] وفي العتيبة قال مالك: كانت عائشة تقول: إذا أردتم أن يطيب لكم المجلس فاذكروا عمر ﵁، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قول عائشة بيّن لأن ذكر هديه، وما كان عليه من السيرة مما تشرح له الصدور، وتطيب به النفوس اهـ. ولا تزال سيرة عمر الشغل الشاغل للأمم يردد دويها الناس في كل عصر وزمان، ولو تتبعت من أفرد سيرته بالتأليف لطال الحال، وحتى الإفرنج فقف على كتاب الكساندر مازا الذي سماه أعيان الشرق في مجلدين طبع بباريز سنة ١٨٤٧، وترجمة سيدنا عمر فيه من ص ١٠٦ إلى صحيفة ١٦٠ وعلى الموسوعات والمعاجم التاريخية المتنوعة في لغات الإفرنج. باب فيمن كان يضرب به المثل في الهيبة من الصحابة قال الشعبي: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج، ولما جيء بالهرمزان ملك خراسان أسيرا إلى عمر وافق ذلك غيبته عن منزله، فما زال الموكل بالهرمزان يقتفي أثر عمر، حتى عثر عليه في بعض المساجد، نائما متوسدا درته، فلما رآه الهرمزان قال: هذا والله الملك الهني عدلت فنمت، والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة، أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة، وقد عقد ابن الجوزي في سيرة عمر بابا هو ٤٥ من أبواب في ذكر شدة هيبته في القلوب، فروى فيهما عن القاسم بن محمد قال: بينما عمر يمشي وخلفه عدة من الصحابة إذ بدا له فالتفت فما بقي منهم أحد إلّا خرّ لركبتيه ساقطا قال: فأرسل عينه بالبكاء، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني أشدّ فرقا وعن عكرمة أن حجاما كان يقص شعر عمر بن الخطاب، فتنحنح عمر وكان مهيبا فأحدث، فأعطاه عمر أربعين درهما، واسم هذا الحجام سعيد بن الهبلج كذا وقصته هذه عزاها السيوطي في الجمع لابن سعيد والخطيب. وعن عبد الله بن عباس يحدث قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن آية فلا أستطيع لهيبته. أنظره في خبر هيبته من الباب المذكور من سيرته للحافظ ابن الجوزي. وأخرج ابن عساكر عن عائشة أنه كان بينها وبين النبي ﷺ كلام، فقال رسول الله ترضين أن يكون بيني وبينك أبو بكر؟ فقلت: لا. فقال: أترضين أن يكون بيني وبينك عمر قلت: من

стр. 614

عمر؟ قال: ابن الخطاب. قلت: والله أني أفرق من عمر، قال رسول الله ﷺ : الشيطان يفرق من عمر. وفي لفظ من حسّ عمر. باب فيمن كان يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة كان يضرب المثل بفضائل علي في الكثرة، كما قال محمد بن مكرم لأبي على البصير: فضولك والله أكثر من فضائل علي، وقال الجاحظ: لا يعلم رجل في الأرض، متى ذكر السبق في الإسلام، والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة، والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور، التي يتناصر الناس عليها، وكان مذكورا في هذه الخلال كلها، إلا عليّ. وكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالما، وليس بعابد، وعابدا وليس بعالم، وعابدا عالما وليس بعاقل، وسليمان بن يسار عالم عابد عاقل. قال الثعالبي في الثمار: انظر ابن تقع خلال سليمان من خصال علي اهـ. وقال الحافظ ابن الجزري في كتابه أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ص ٥٩: انتهت إليه جميع الفضائل من أنواع العلوم، وجميع المحاسن، وكرم الشمائل، من القرآن والحديث، والفقه، والقضاء، والتصوف، والشجاعة، والولاية، والكرم، والزهد، والورع، وحسن الخلق، والتقوى، وإصابة الرأي. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب. باب فيمن كان يضرب به المثل في الصدق كان يضرب المثل في الصدق بأبي ذر ﵁، وقول المصطفى: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء بعد النبيئين أصدق لهجة من أبي ذر» «١» مشهور. قال الثعالبي في الثمار: ومن أملح ما سمع في ضرب المثل به قول الصاحب بن عبّاد في إنسان كذوب (والفاختة عنده أبو ذر) لأن الفاختة عنده يضرب بها المثل في الكذب، وأبو ذر يضرب به المثل في الصدق. باب فيمن كان يضرب به المثل في المشية من الصحابة كان يضرب المثل بسماك بن خرشة الأنصاري «٢» ، وكان شجاعا بطلا قد تعوّد الإقدام حيث تزل الأقدام. وله آثار جميلة في الإسلام، وكانت له مشية عجيبة في الخيلاء، ونظر

стр. 615

إليه المصطفى ﷺ في المعركة، وهو يتبختر بين الصفين فقال: إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان. وكان يقال له: ذو المشهرة لأنه كان له مشهرة (درع) إذا لبسها في الحرب لا يبقى ولا يذر. انظر ثمار القلوب. باب فيمن كان يضرب به المثل في الفقه من الصحابة في مسند أبي حنيفة من جمع الحصكفي، أنه روى عن حماد عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، اجتمعوا في منزل فأقيمت الصلاة فجعلوا يقولون: تقدم فأبى فقال: أي صاحب المنزل لابن مسعود: تقدم أمّ بنا يا أبا عبد الرحمن، فتقدم فصلى بهم. قال ابن سلطان في شرحه: لأنه كان أفضلهم، فقد قيل: إنه أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة، ولما قال صاحب القاموس في الصحابة العبادلة، وليس منهم ابن مسعود. قال القاري عليه: لأنه أجلّ منهم، لا يعد منهم. ولهذا إذا أطلق عبد الله عند المحدثين فهو ابن مسعود اهـ. وكان يضرب المثل في الفقه بالعبادلة وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهؤلاء من فقهاء الصحابة وثباتهم وعلمائهم، ومن أثبتهم ومن عبادلتهم أيضا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، كذا في ثمار القلوب. وفي شرح الفية العراقي لمؤلفه قيل لأحمد بن حنبل: من العبادلة قال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وقيل له: فابن مسعود؟ قال: لا قال البيهقي لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى عملهم. فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة. وهذا هو المشهور بين المحدثين وغيرهم، واقتصر صاحب الصحاح في اللغة على ثلاثة وأسقط ابن الزبير. ووهم صاحب القاموس حيث وقع له أن الجوهري عدّ منهم في الصحاح ابن مسعود. قال الشمس ابن الطيب الشركي في حواشيه: وليس في شيء من أصول الصحاح المقررة ذكر ولا تعرض، وقد راجعت أكثر من خمسين نسخة منه، فلم أره ذكره، وانظر بقية القول في العبادلة في الحواشي المذكورة، وفي فتح القدير «١» للكمال بن الهمام: أن اسم العبادلة غلب على من اشتهر بالفقه والفتوى من الصحابة، قال الشمس ابن عابدين الدمشقي، في حاشية نسمات الأسحار على شرح المنار، وعلى هذا يدخل تحته كل من اشتهر بالققه؛ كابن مسعود وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعائشة، كما في ابن نجيم [صاحب البحر الرائق] . وانظر شرح الحافظ السخاوي على الألفية.

стр. 616

باب في الحائز لقب أمين الأمة من الصحابة هو أبو عبيدة بن الجراح، كان من عظاماء الصحابة، وكان ﵇ يقول فيه: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. أخرجه البخاري عن أنس «١» . والإمام أحمد عن عمر، وأحمد عن خالد بن الوليد والبيهقي، والنسائي عن أنس، وابن أبي شيبة عن قتادة، وأبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله عن خالد بن الوليد، والخطيب، وابن عساكر، عن أم سلمة قال الطيبي: كما في قوت المغتذي: الأمين كامير: الثقة الرضي، والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، ولكنه ﵇ خصه بصفة غلبت عليه، وكان بها أخص، زيادة في معناها على غيره. مفخرة: للمترجم؛ أخرج ابن سعد عن ابن نجيح قال: قال عمر بن الخطاب لجلسائه: تمنّوا، فتمنوا. فقال عمر: لكني أتمنى بيتا ممتلئا رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: ما ألوت الإسلام، قال ذاك الذي أردت «٢» . وفي ترجمة معاذ بن جبل، من الاستبصار لابن قدامة، أن عمر قال للصحابة يوما: تمنوا فتمنى كل إنسان شيئا، فقال: عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان. وقال بعض من كتب في ترجمة أبي عبيدة ﵁ من المصريين: اشتهر عند الروم بحلو الشمائل وصدق المقال. وفي فتوح دمشق أمّن أهلها على نفوسهم، ورخّص لمن لم يسلم إذا أراد الخروج أن يخرج بجانب من أمواله، وأعطاهم فرصة الأمان ثلاثة أيام من حين خروج من يريد الخروج، لا تلحقهم فيها جيوش الإسلام. وقال بعض من كتب على هذه الواقعة من مؤرخي الإفرنج: لو كانت أوصاف هذا الصحابي الجليل الذي كان أمير الجيش الإسلامي، في ذلك العصر مجتمعة في أمراء جيوش الأعصر الجديدة المشهورة بالتمدن والتقدم؛ لافادتهم غاية المجد والشرف، ونفت عنهم مثالب الجور. فأجل أمراء جيوش الدول العظيمة المتمدنة في عهدنا لم تبلغ درجة ذلك الأمير الخطير، الذي هو بين الفاتحين عديم النظير فكل منقبة من مناقب عدله وحلمه ووفائه، تخجل أكابر رؤساء كل جيش من جيوش الدول المعاصرة وتزري بأمرائه اهـ. باب فيمن أولم وليمة بقي يضرب بها المثل كان الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، كما في الرياض المستطابة شريفا مطاعا في قومه، ثم وفد على النبي ﷺ في سنة عشر من الهجرة، في قومه كندة، فأسلموا

стр. 617

ورجعوا إلى اليمن، ثم ارتد الأشعث زمن الردة، فأسرته خيل أبي بكر، وجاؤوا به إليه فأسلم، وقال للصديق: استبقني لحربك وزوجني أختك، فزوّجه أخته لأبيه أم فروة اهـ. قال الثعالبيّ: فأصبح صبيحة البناء شاهرا سيفا فلم يلق ذات أربع، مما يؤكل لحمه إلا عقرها، فقال الناس: هذا الأشعث ارتدّ ثانيا، ثم إنه قال: يا أهل المدينة إنا والله لو كنا ببلادنا لأولمنا فاجتزوا من هذه اللحمان، وتصادفوا في الأثمان. فلم تبق دار من دور المدينة إلا دخلها من تلك اللحوم، ولم يمر يوم أشبه بيوم الأضحى من ذلك، فضرب أهل المدينة المثل لوليمة الأشعث، وأولم من الأشعث، وفي الأجوبة المهمة للشيخ المختار الكنتي نقلا عن الحافظ المنذري: أن أعظم وليمة بلغنا خبرها وليمة الأشعث بن قيس الكندي، حين تزوج أم فروة، فكانت وليمة ألف رأس من إبل وبقر وغنم اهـ وانظر ترجمته من الإصابة. باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة كان يضرب المثل في الحلم بالأحنف بن قيس التميمي السعدي، وفي الزهد لأحمد عن الحسن عن الأحنف: لست بحليم ولكني أتحلم. وترجم النووي في التهذيب؛ لقيس بن عاصم الصحابي المشهور فقال: وفد على النبي ﷺ فقال له لما رآه: هذا سيد أهل الوبر. وكان قيس عاقلا حليما مشهورا بالحلم، وقيل: للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوما بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه، يحدث قومه، فأتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فو الله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه وقال: يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت عند ربك فقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك وفتت عضدك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني إلى ابن عمك فحلّ كتافه، ووار أخاك، وسق إلى أمك مائة ناقة من الإبل، دية ابنها فإنها غريبة. قال الجاحظ: قد ذكروا في الإشعار حلم لقمان، وذكروا قيس بن عاصم، ومعاوية بن أبي سفيان، ورجالا كثيرين، ما رأينا هذا الإسم التزق والتحم بإنسان وظهر على الألسنة كما رأيناه تهيأ للأحنف بن قيس، ثم كان على ذلك رئيسا في أكثر الفتن، فلم ير حاله عند الخاصة والعامة، وعند النساك والفتاك، وعند الخلفاء الراشدين، والملوك المشتغلين، ولا حاله في حياته، ولا حاله بعد موته، إلا مسنونا فينبغي أن يكون قد سبقت له من النبي ﷺ دعوة، ونال منه كما رووه وذكروه، أو يكون قد كان يضمر حسن النية، ومن شدة الإخلاص، ما لم يكن عليه أحد من نظرائه اهـ. قلت: دعاء المصطفى له قد ساقه الحافظ في ترجمته في القسم الثالث من الإصابة، وهو قوله ﵇: اللهم اغفر للأحنف وذكر إن الأحنف كان يقول: ما من شيء من

стр. 618

عملي أرجى عندي من ذلك، وإن أحمد خرّج في كتاب الزهد من طريق جبير بن حبيب، أن رجلين بلّغا الأحنف بن قيس، أن النبي ﷺ دعا له فسجد. وفي شرح بديعية البيان في ترجمة أبي ذر الغفاري: كان حليم الأمة وواحد الأيمة، ومفتي أهل الشام وأول قضاة دمشق في الإسلام. باب في من كانت تستحي منهم ملائكة الرحمن من الصحابة قال الشيخ يوسف بن عمر، في شرح الرسالة، لما تكلم على عورة الفخذ: قد كشفه النبي ﷺ مع أبي بكر وعمر، وستره مع عثمان اهـ قال الشيخ أبو الإرشاد على الأجهوري: وهذا يدل على أن عثمان ليس عنده ﵇ من الخاصة، الذين يجوز كشفه بحضرتهم كالشيخين اهـ. قال الزرقاني على المختصر: وفيه نظر: لأنه غطاه لعلة، وهي استحياء الملائكة منه، فعن عائشة أنه ﵇ كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذنه أبو بكر، فأذن له وهو على حاله، فاستأذن عمر فأذن له، وهو على حاله، ثم استأذن عثمان، فأرخى ﵇ ثيابه، فلما قاموا. قلت يا رسول الله: استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما، وأنت على حالك، فلما استأذنك عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: يا عائشة ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه. رواه أحمد «١» . وسئل الحافظ السخاوي عن المواطن التي استحيت فيها الملائكة من عثمان فقال: لم أقف عليها في حديث يعتمد، ولكن أفاد شيخنا البدر النسابة في بعض مجاميعه، عن الجمال الكازروني، أنه ﷺ : لما آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة في بيت أنس، وتقدم عثمان كذلك كان صدره مكشوفا فتأخرت الملائكة منه، فأمره النبي ﷺ بتغطية صدره فعادوا إلى مكانهم، فسألهم عن سبب تأخرهم فقالوا: حياء من عثمان. قلت وروى الطبراني في الكبير، وابن عساكر في تاريخه، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : مرّ بي عثمان وعندي جيل من الملائكة فقالوا: شهيد من الآدميين، يقتله قومه إنا نستحيي منه اهـ انظر شرح صحيح مسلم للسنباطي. باب في ذي الرأي من الصحابة هو الحباب بن المنذر بن الجموح، صاحب المشورة يوم بدر، أخذ المصطفى ﷺ برأيه، ونزل جبريل ﵇ فقال: الرأي ما قال حباب. وكان له في الجاهلية آراء مشهورة، حتى لقب بذي الرأي، وهو الذي قال يوم سقيفة بني ساعدة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب.

стр. 619

وأخرج ابن عساكر عن طلحة بن عبد الله رفعه: إن عمرو بن العاص لرشيد الرأي. وأخرج الطبراني وسعيد بن منصور عن طلحة رفعه: يا عمرو إنك لذو رأي رشيد في الإسلام. وفي طبقات ابن سعيد أن النبي ﷺ استشارهم يوم قريظة والنضير، قال: فقام الحباب بن المنذر فقال: إلا أن تنزل بين القصور فتقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ النبي ﷺ بقوله. باب في ذي اليدين من الصحابة هو عمير بن عبد عمرو من خزاعة، كان يعمل بيديه جميعا. فقيل له: ذو اليدين. وكان يدعى ذا الشمالين، وهو الذي ذكر في حديث سهوه ﵇ في الصلاة، قال الحافظ: كان يقال ذو الشمالين فسماه ﵇ ذو اليمينين اهـ. وفي القاموس: ذو اليدين: الخرباق قال الفاسي عليه: وهو بالكسر ابن سارية أو ابن عمرو، كما في شروح البخاري. وفي شرح التسهيل لأبي حيان أن اسمه خملاق وهو غريب لم يذكره المحدثون، ووقع الخلاف هل هو ذو الشمالين؟ والأصح أنه غيره. كما في التوشيح، والإرشاد، والفتح، وغيرهم، من شروح البخاري اهـ كلام ابن الطيب. وفي ترجمة ذي الشمالين من الاصابة: روى الطبراني من طريق أبي شيبة الواسطي عن الحكم قال: قال عمار: كان مع رسول الله ﷺ ثلاثة كلهم أضبط ذو الشمالين، وعمر بن الخطاب، وأبو ليلى اهـ والأضبط هو الذي يعمل بيديه جميعا اهـ كلام الإصابة. وفي ترجمة عمر بن الخطاب من أسد الغابة: كان أعسر يعمل بكلتا يديه. باب في ذي العمامة هو سعيد بن العاص بن أمية، قال الثعالبي في ص ٢٣١ من ثمار القلوب؛ كان يقال له: ذو العمامة، لأنه كان في الجاهلية إذا لبس عمامته لم يلبس قرشي عمامته، حتى ينزعها. كما أن حرب بن أمية كان إذا حضر ميتا لم يبكه أهله حتى يقوم، وكما أن أبا طالب كان إذا أطعم لم يطعم غيره اهـ. قلت: في ترجمة سعيد من أسد الغابة: كان جده أحيحة إذا اعتم بمكة لا يعتم أحد بلون عمامته إعظاما له، وكان يقال له ذو التاج، ولعله هو الصواب. باب فيمن كان يضرب المثل بسيفه من الصحابة علي بن أبي طالب كان يضرب المثل بسيفه في المصاعب كما قال الصاحب: أحسن من عود ومن ضارب ... ومن فتاة طفلة كاعب قدّ غلام صيغ من فضة ... متصل الحاجب بالحاجب س لّ على الأمة من طرفه ... سيف علي بن أبي طالب

стр. 620

باب من كان من الصحابة يعدّ صوته في الجيش بألف رجل أخرج الإمام أحمد، والحاكم، وأبو يعلى عن أنس وجابر قال: قال رسول الله ﷺ : لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة، وأخرج سمويه وابن سعد في الطبقات عن أنس رفعه: صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل، وأخرج الحاكم عن جابر رفعه: لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل، وأخرج عبد بن حميد عن أنس: لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة، وطلحة هذا هو زيد بن سهل الأنصاري، كان من شجعان الصحابة، وأكابرهم راميا شديد الرمي، وفي الذهب الإبريز: ولا مستنكر أن يجمع هيبة ألف في واحد على طريق الحقيقة، لا المبالغة وقد وقع ذلك في أفراد من الناس اهـ. باب فيمن كان يسبق الفرس شدا على قدميه من الصحابة ترجم في در السحابة لسلمة بن الأكوع فقال: كان شجاعا راميا، ودخل مصر لغزو المغرب، وكان يسبق الفرس شدّا على قدميه. باب فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، نقلا عن الذهبي، كان يقال: داهية قريش أبو بكر وأبو عبيدة. وفي ترجمة المغيرة بن شعبة من الإستيعاب؛ روى مجالد عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة معاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. وحكى الرياشي عن الأصمعي قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبديهة، وزياد للصغير والكبير، والمغيرة للأمر العظيم. قال ابن عبد البر إثر ما نقل، قال أبو عمر: يقولون إن قيس بن عبادة لم يكن في الدهاء بدون هؤلاء، مع كرم كان فيه وفضل اهـ. وفي بهجة المجالس لابن عبد البر قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة، ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، اهـ وفي در السحابة: كان يقال في حق المغيرة بن شعبة: مغيرة الرأي، وقال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها اه. وفي ثمار القلوب: دهاء معاوية ذلك مما اشتهر أمره، وسار ذكره، وكثرت الروايات والحكايات فيه، ووقع الإجماع على أن الدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه فأما ما كان من معاوية فحيث هو من الدهاء وبعد الغور، وانضم إليه الثلاثة الذين يريدون بأول آرائهم أواخر الأمور، فكان لا يقطع أمرا حتى

стр. 621

يشهدوه، ولا يستضيء في ظلم الخطوب إلا بمصابيح آرائهم، سلم له أمر الملك، وألقت إليه الدنيا أزمّتها، وصار دهاؤه ودهاء أصحابه الثلاثة مثلا، ولم يذكر معهم في الدهاء إلا قيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي اهـ. باب فيمن عرف من الصحابة بالقوى المدهشة حتى باهى به العرب فارس والروم ترجم الحافظ السيوطي في در السحابة، فيمن دخل مصر من الصحابة لقيس بن عبادة فقال فيه: أبو عبد الله من زهاد الصحابة وشرفائهم، وكان شجاعا مطاعا قالت له عجوز: أشكو إليك قلة الجرذان. فقال: ما أحسن هذه الكناية املأوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا. وكانت له صحفة يدور بها حيث دار، وينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد. وكان أبوه وجده من قبله يفعلان ذلك. وكان مديد القامة جدا. كتب ملك الروم إلى معاوية أن إبعث إليّ بسراويل أطول رجل من العرب، فأخذ سراويل قيس. فوضعت على أنف أطول رجل في الجيش فوقعت على الأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث برجلين من جيشه، يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم وقال: إن كان في جيشك من يفوقهما؛ هذا في قوته؛ وهذا في طوله بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من يشبههما فهادني ثلاث سنين؛ فدعا للقوي بمحمد بن الحنفية، فجلس وأعطى للرومي يده، فأجهد بكل ما يقدر عليه من القوى أن يزيله عن مكانه، أو يحركه ليقيمه فلم يجد إلى ذلك سبيلا. ثم جلس الرومي وأعطى لابن الحنفية يده فما لبث أن أقامه سريعا ورفعه إلى الهواء ثم ألقاه إلى الأرض، فسرّ بذلك معاوية سرورا عظيما، ودعا بسراويل قيس بن سعد بن عبادة، وأعطاها للرومي الطويل فلبسها، فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط الأرض. فاعترف الرومي بالغلب. باب فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول في ترجمة عمر من أسد الغابة: كان طويلا قد فرع الناس أي طالهم كأنه على دابة اهـ وقال في صبح الأعشى: كان عمر بن الخطاب كأنه راكب والناس يمشون لطوله، وكان عدي بن حاتم إذا ركب تكاد رجلاه تخط في الأرض، وكذلك جرير بن عبد الله البجلي اهـ. قلت: روى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند أن نعل جرير بن عبد الله البجلي طولها ذراع. ثم قال القلقشندي: وكان عبد الله بن عباس في نهاية الطول، وكان أبوه العباس أطول منه، وجده أطول من أبيه. وفي ترجمة العباس من طبقات ابن سعد أنه حين أسر في وقعة بدر طلب له قميص فما وجدوا له قميصا يقدر عليه إلا قميص عبد الله بن أبي، ألبسه إياه فكان عليه. وفيها: كان العباس بن عبد المطلب أقرب الناس شحمة أذن إلى السماء.

стр. 622

قلت وفي قصة سريّة الخبط، وخروج دابة العنبر للصحابة أن أبا عبيدة أخذ ضلعا من أضلاعه فنصب، ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته، ثم عمد إلى أطول رجل معه، وفي رواية عبادة عن ابن إسحاق: ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها، وما مست رأسه. والقصة في الصحيح للبخاري «١» . وجزم الحافظ في مقدمة الفتح أن الرجل قيس بن سعد وتبعه القسطلاني في الإرشاد، وقال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه وأظنه قيسا، فإنه كان مشهورا بالطول، وقصته مع معاوية مشهورة، لما أرسل له ملك الروم أطول رجل منهم، ونزع له قيس سراويله، فكانت طول قامة الرومي، بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نزع سراويله فأنشد: أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود قلت: قيس هذا هو المذكور طوله في الترجمة قبله عن در السحابة، ولكن قال النووي في ترجمته من التهذيب: قال ابن عبد البر: وخبره في السراويل عند معاوية باطل لا أصل له اهـ وممن كان يعرف بالطول من الصحابة، الزبير بن العوام وفي در السحابة: كان الزبير طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب، أخرجه الزبير بن بكار. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عروة قال: كان الزبير طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة. وقال محمد بن الربيع: أدرك الإسلام عشرة؛ طول كل رجل منهم عشرة أشبار: عبادة بن الصامت، وسعد بن معاذ، وقيس بن سعد بن عبادة، وجرير بن عبد الله البجلي، وعدي بن حاتم الطائي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، والأشعث بن قيس الكندي، ولبيد بن ربيعة، وأبو زيد الطائي وعامر بن الطفيل، ويقال: طلحة بن خويلد. وقد أورد الحافظ الهيثمي في المجمع: باب أخذ الحديث من الثقات؛ عن المنقع بن الحصين قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو على ناقة له، ومعه أسود قد حاذى رأسه برأس النبي ﷺ ، ما رأيت أحدا من الناس أطول منه، فلما دنوت منه كأنه أهوى إليّ، فكفّه النبي ﷺ ، فذكر حديثا. وهذه القصة للطبراني في الكبير، وابن سعد في ترجمة المنقع من الطبقات أنظر ص ٤٣ ج ٧. باب من كان من الصحابة في غاية القصر كان عبد الله بن مسعود قصيرا يكاد الجالس يوازيه من قصره. باب من كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل أبو بكر الصديق في معرفة الأنساب، عمر بن الخطاب في قوة الهيبة عثمان بن عفان في التلاوة [الحياء] علي بن أبي طالب في القضاء، ومعاوية في كثرة الإحتمال، وأبو عبيدة

стр. 623

بن الجراح في الأمانة، وأبوذر في صدق اللهجة وأبي بن كعب في القرآن، وزيد بن ثابت في الفرائض، وابن عباس في تفسير القرآن، وعمرو بن العاص في الدهاء، وأبو موسى الأشعري في سلامة الباطن. وفي نزهة الجليس للعباس بن علي الموسوي المكي، لدى ذكره الذين رزقوا السعادة في أشياء لم يأت بعدهم من نالها قال: وهم أبو بكر الصديق فإنه كان نسابة عصره، علي بن أبي طالب في القضاء، أبو عبيدة في الأمانة، أبوذر في صدق اللهجة، أبي بن كعب في القرآن الخ. باب من كان يضرب به المثل من الصحابة في الجمال جرير بن عبد الله البجلي كان كامل الجمال حتى قال فيه عمر: هو يوسف هذه الأمة. وكان المصطفى يحبه ويكرمه لذلك، قاله المناوي في فيض القدير، وقول عمر المذكور فيه أخرجه ابن سعد، والخرائطي في اعتلال القلوب، وقال فيه المصطفى لما ورد عليه: سيدخل عليكم من هذا الفخ أو من هذا الباب من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك. أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، وأبو نعيم، وأخرجه الطبراني عنه قال: كان إذا قدمت على رسول الله ﷺ الوفود دعاني فباهاهم بي، وأخرج الطبراني في الكبير، والحكيم من طريق صابر بن سالم بن حميد بن يزيد بن عبد الله بن ضمرة بن مالك البجلي عن أبيه، عن سالم عن أبيه، حميد عن أبيه يزيد قال: حدثتني أختي أم القصاف عن أبيها عبد الله بن ضمرة أنه كان قاعدا عند النبي ﷺ ، فطلع جرير فبسط له رداءه. وفي صحيح البخاري «١» وشمائل الترمذي عن جرير قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك. قال المناوي ما حجبني: منعني منه الدخول عليه مع خواصه وخدمه، وقال ابن سلطان: ولعل وجه التبسم له كل مرة في رؤيته أنه رآه مظهر الجمال فإنه كان له صورة حسنة على وجه الكمال اهـ. وأخرج الترمذي في الشمائل أيضا عن جرير قال: عرضت بين يدي عمر، فألقى جرير رداءه، ومشى في إزار فقال: خذ رداءك. فقال عمر للقوم: ما رأيت رجلا أحسن من جرير إلا ما بلغنا من صورة يوسف ﵇. ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي قال: كان طول جرير ستة أذرع، وقال عبد الملك بن عمر: رأيت جرير بن عبد الله وكأنّ وجهه شقة قمر، وكان نعله ذراعا، وقال الموقري: وكان جرير طويلا يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعا فيه اهـ أنظر جميعه في حاشية العلقمي على الجامع الصغير، على حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. ونقل ابن سلطان على الشمائل: عن أبي عثمان مولى عمرو بن حريث عن عبد

стр. 624

الملك بن عمير قال: رأيت جرير بن عبد الله، وكأنّ وجهه شقة قمر، وممن كان يضرب به المثل في حسن الصورة دحية الكلبي، وكان جبريل ينزل على صورته. وروى العجلي في التاريخ؛ عن عوانة بن الحكم، قال: أجمل الناس من كان جبريل ينزل على صورته، وقال ابن عباس: وكان دحية إذا قدم المدينة لم تبق مخدرة إلا خرجت تنظر إليه. ذكره ابن قتيبة في الغريب. وقد سبق عن الفتوحات المكية أنه بلغ من أثر جمال دحية في الخلق، أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس، ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها. وعن العمدة للعيني: أن دحية هذا كان يمشي متلثما خشية أن تفتتن به النساء، وأنظر أبواب الرسل من المجلد الأول. أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام في در السحابة عن مسلم: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشرافا، ولدوا في دار واحدة أبعد قبورا من بني العباس: عبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة، والفضل بالشام، ومعبد وعبد الرحمن بافريقية؛ وقثم بسمرقند، وكثير بالينبع. وقيل: إن الفضل بأجنادين وعبيد الله بأفريقية اهـ. قلت: قبر الفضل معروف الآن برملة فلسطين، زرته وروبت فيه. وحدثت حين مروري على الرملة لزيارة بيت المقدس، عام ١٣٢٤، [١٩٠٦] وأم أولاد العباس الستة وهم: الفضل وعبد لله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب، أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، وفيها عبد الله بن يزيد الهلالي: ما ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أم الفضل أكرم بهم من كهلة وكهل أنظر طبقات ابن سعد. وهنا يحق أن نتمثل بقول الشاعر: وإن لنا قبرين قبر بلنجر ... وقبر بصين يا لك من قبر فذاك الذي بالصين عمّت فتوحه ... وهذا الذي يسقي به وابل القطر باب في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة في در السحابة لما ترجم لعبد الله بن عمرو بن العاص فقال عنه: أسلم قبل أبيه وكان أصغر منه بإحدى عشرة سنة، وفي كتاب الشهادات من ابن غازي على الصحيح، على قول فقرة: أسلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، نقلا عن ابن حجر. هذا فقرة الكوفي، ومثله عن عمرو بن العاص، وذكروا أنه ما كان بينه وبين ابنه عبد الله إلا اثنتا عشرة سنة.

стр. 625

باب من كان من الصحابة بيده سيف الفتح بحيث فنصب في عهده اثنا عشر ألف منبر هو عمر بن الخطاب ﵁، وقع ذلك في كلام البزازي من أئمة الحنفية في كتاب أدب القاضي، ونقل ذلك عنه العالم النحرير الحاج رجب ابن أحمد التركي في شرح الطريقة المحمدية المسمى، بالوسيلة الأحمدية أنظر ص ٢٧١ ج ١ منه وقد سبق كلامه في الاختصاصيين من الصحابة. باب من كان من الصحابة له ألف مملوك يؤدون له الخراج في درّ السحابة لدى ترجمة الزبير بن العوام: كان له ألف مملوك يؤدون له الخراج، وكان يتصدق به كله، أخرجه يعقوب بن سفيان. ولا يدخل بيته شيئا اهـ ونحوه في ترجمته من الإصابة عازيا له ليعقوب بن سفيان: أنه كان لا يدخل بيته منه شيئا، وفي ظل الغمامة، لأبي عبد الله بن أبي الخصال الغافقي، في ترجمة الزبير: المتصدق في كل يوم ما تل [كذا] جديد بخراج ألف كامل من العبيد اهـ. باب فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة وكان له مائة غلام، كل غلام منهم يتكلم لغة خاصة، تقدم ذلك عن عبد الله بن الزبير في أبواب السفراء والتراجمة، وهو شيء عجيب يدل على اتساع المعارف وثبوت قدمها عندهم، ولا أعلم مثل هذا نقل عن أمة من الأمم، أو دولة من الدول، فغاية ما جاء عن الفرس: أن ملوكهم كانوا كما في مفاتيح العلوم للخوارزمي؛ يتكلمون في مجالسهم باللغة الفهلوية، وهي من لغات الفرس، وكانوا يتكلمون في الخلاء ومواضع الإستفراغ وعند التعري في الحمام، وفي الأندية والمغسل باللغة الخوزية، وهي لغة منسوبة إلى خوزستان، وكان حاشية الملوك إذا التمسوا الحوائج وشكوى الظلامات يتكلمون باللغة النبطية، لأنها أملق الألسنة، وكان يجري كلام الموابذة وهم القضاة، ومن كان مناسبا لهم بلغة كور فارس. وعبارة ابن عابدين في حواشي الدر؛ نقلا عن ابن كمال باشا: أن الفارسية خمس لغات: فهلوية كان يتكلم بها الملوك في مجالسهم، ودرّية يتكلم بها الموابذة ومن كان مناسبا لهم، وخوزية وهي لغة خوزستان يتكلم بها الملوك والأشراف في الخلاء، وموضع الإستفراغ، وعند التعري للحمام، وسريانية منسوبة إلى السريان وهم بالعراق اهـ ص ٣٣٩ ج ١ وقوله: الموابذة قال في القاموس: موبذان مفرد ومعناه: فقيه الفرس أو حاكم المجوس، وجمعه موابذة وهذه التاء تاء العجمة اهـ «١» .

стр. 626

قلت: وهذا شيء سهل يسير جدا بالنسبة لما في هذه الترجمة عن موالي عبد الله بن الزبير وسيدهم. باب فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم في كتاب العلم من الأحياء؛ لما مات عمر بن الخطاب قال عبد الله بن مسعود: مات تسعة أعشار العلم، قال في الإتحاف: رواه صاحب القوت بلا سند. وأخرجه ابن أبي خيثمة في كتاب العلم، فقال: حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال قال عبد الله: إني لأحسب أنه مات تسعة أعشار العلم بموته. ولفظ أبي خيثمة إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم، قال في القوت فعرّف بالألف واللام، ثم فسره بالعلم بالله، وذلك لما قيل له: أتقول هذا وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون؟ فقال: إني لست أعنى العلم الذي تذهبون إليه، إنما أعنى العلم بالله اهـ منه ص ٢٣٥ ج ١. ونحوه؛ نقل عن ابن مسعود النووي في ترجمة عمر، من تهذيب الأسماء واللغات. باب في ذكر صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين في تذكرة الحفاظ لدى ترجمة أبي بن كعب: أن عمر بن الخطاب كان يهابه، ويستفتيه، ولما مات قال عمر: اليوم مات سيد المسلمين اهـ. باب في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية قال ابن سيد الناس في سيرته: لما تكلم على غزوة تبوك: أنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها اهـ وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألفي دينار فقال ﷺ : اللهم ارض عن عثمان. فإني راض عنه اهـ. قال البرهان الحلبي في نور النبراس: وجهزهم بسبعمائة بعير وخمسين بعيرا، وبخمسين فرسا،. قاله ابن عبد البر. ثم قال عن أسد بن موسى: حدثني أبو هلال الراسبي قال: حدثنا قتادة قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا اهـ. وفي جامع الترمذي، والحاكم، وأخرجه أحمد والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن حباب السلمي الصحابي قال: شهدت النبي ﷺ ، وهو يحثّ على جيش العسرة، قال عثمان: عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حثّ على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله عليّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله على ثمانمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ﷺ ينزل على المنبر، وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد ذلك، قال الترمذي: إسناده جيد وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن سمرة قال: أتى عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 627

بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، قال الترمذي، بل في مسند أبي يعلى الموصلي بسنده، أن عثمان جهز جيش العسرة، وجاء بسبعمائة أوقية من الذهب، وأخرج ابن عدي عن حذيفة وأبو نعيم في مسند أبي موسى، أن النبي ﷺ بعث إلى عثمان يستسلفه في غزوة غزاها، فبعث إليه بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه. ذكره الذهبي في الميزان في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الثقفي. وأخرج ابن سعد في الطبقات، عن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، يوسعون على نسائهم في اللباس، الذي يصان ويتجمل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مطرف خزّ ثمنه مائتا درهم فقال: هذا لنائلة كسوتها إياه، فأنا ألبسه أسرها به، وأخرج فيها أيضا أن عثمان أجاز الزبير بن العوام بستمائة ألف، وقال سيدنا سعد بن الربيع: أنا أكثر الأنصار مالا، وكانت عند المقداد بن الأسود غرائر من المال، ببركة دعائه ﵇، وكذا دعا لعروة بن الجعد فقال: فلقد كنت أقوم بالكناسة، وهو موضع بالكوفة فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب لربح فيه. وذكر الخفاجي وبناني في شرح الشفا أن حكيم بن حزام لما حج في الإسلام أهدى مائة، بدنة وألف شاة، ووقف بمائة وصيف في أعناقهم أطواق فضة، منقوش عليها عتقاء الله عن حكيم بن حزام، انظر ص ٤٠٦ ج ١ من نسيم الرياض. وبلغ من غنى عبد الرحمن بن عوف أن قال: كما للحافظ الشامي: لو رفع حجرا لرجا أن يصيب تحته ذهبا، وفتح الله عليه. ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤوس حتى مجلت منه الأيدي، وأوصى بخمسين ألف دينار وأعتق يوما ثلاثين عبدا، وتصدق بشطر ماله أربعة ألاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم بخمسمائة فرس، ثم بخمسائة راحلة. وفي الترمذي أنه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف، قال: بحديث حسن. وقال عروة بن الزبير: أوصى عبد الرحمن بن عوف لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ. وأوصى بألف فرس في سبيل الله، وعن أنس قال: لقد رأيته منح لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف. قال الحافظ في الفتح إثره. قلت: مات عن أربع نسوة فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ومائتي ألف، وهذا بالنسبة لتركه الزبير التي تقدم شرحها في الخمس قليل جدا فيحتمل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم لأن كثرة مال عبد الرحمن بن عوف مشهورة جدا اهـ من باب الوليمة، من كتاب النكاح. وفي الاستيعاب: كان عبد الرحمن بن عوف تاجرا مجدودا في التجارة، وكسب مالا

стр. 628

كثيرا. وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع على الجرف بعشرين ناضحا، فكان يدخر من ذلك قوت أهله سنة. وروي أن زوجته التي طلقها صولحت عن ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا قيل: صولحت بهذا المقدار عن ربع الثمن من متروكه اهـ. وقال جعفر بن يرقان [كذا] بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة. أخرجه أبو نعيم في الحلية، وأخرج ابن سعد في الطبقات أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار على ثلاثين ألفا، وصدقاته أكثر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر. وفي أيام خلافة عثمان توسع الناس في أمور الدنيا أكثر مما كانوا عليه في زمن عمر، واستعملوا النفيس من الملبس، والمسكن، والمطعم، واقتنوا الضياع والأثاث. قال المسعودي، في مروج الذهب: في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وخيبر وغيرهما مائتا ألف دينار، وخلف إبلا وخيلا كثيرا. وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلف ألف فرس وألف أمة. قلت: وفي طبقات ابن سعد أن الزبير خلّف أربع نسوة أصاب كل امرأة ألف ألف ومائة ألف، قال فجميع ماله خمسة وثلاثون ألف ألف ألف ومائتا ألف، وفيها عن سفيان بن عيينة قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف، وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان قيمة ما ترك الزبير إحدى وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وفيها أيضا عروة قال: كان للزبير بمصر خطط، وبالإسكندرية خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة، انظر ص ٧٧ ج ٣. من طبقات ابن سعد. وفي باب إدام النبي ﷺ من المناوي على الشمائل، في حق ابن مسعود قال في الكشاف: روي أنه خلف تسعين ألف دينار سوى الرقيق والماشية اهـ ثم قال المسعودي في مروج الذهب: وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك. قلت: وفي طبقات ابن سعد: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالإعراض له غلات، وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله وزوج أياماهم وأخدم عائلهم، وقضى دين غارمهم، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن صبيحة التميمي ثلاثين ألف درهم. وفي طبقات ابن سعد أن طلحة كان في يده خاتم ذهب فيه ياقوتة حمراء، وفي الطبقات أيضا عن عمرو بن العاص قال: حدثت إن طلحة ترك مائة بهار، في كل بهار

стр. 629

ثلاث قناطير ذهب، وسمعت أن البهار جلد ثور. ثم قال المسعودي: وكان على مربض عبد الرحمن بن عوف ألف فرس، وألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكة يوم وفاته أربعة وثمانين ألفا، وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلّف من الأموال والضياع بمائة ألف دينار. وبنى الزبير داره بالبصرة، وكذلك بمصر، والإسكندرية، والكوفة، وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة، وشيّد داره بالمدينة، وبناها بالجص والآجر، والساج. وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، ورفع سمكها، وأوسع فضاءها، وجعل على أعلاها شرفات. وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن، وفي تاريخ ابن عساكر: أن الثائرين على عثمان انتهبوا ماله كله يوم قتل، وكان ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم اهـ. وترجم في الإصابة لحمزة بن أيفع الهمداني فذكر عن ابن الكلبي، أنه هاجر في زمن عمر إلى الشام ومعه أربعة آلاف عبد فاعتقهم كلهم، وفي مسند أحمد «١» عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف، قدمت من الشام، تحمل كل شيء. قال: فكانت سبعمائة بعير. قال: فارتجت المدينة من الصوت، فذكر القصة. وفيها: فجعلها عبد الرحمن بن عوف بأقتابها وأحمالها في سبيل الله . وممن كان يعدّ من أغنياء الصحابة عمرو بن العاص خرج ابن عساكر أن عمروا كان يلقح كروم الوهط (بستان له بالطائف بألف ألف خشبة، كل خشبة بدرهم، فالكرم الذي يحتاج إلى خشب بألف ألف. كم تكون غلته؟ وكانت له دور كثيرة بمصر، ودور بدمشق، منها دار بجيرون ودار في ناحية الجابية، ودار تعرف بدار بني أحيحة، ودار تعرف بالمارستان، أنظر تاريخ ابن عساكر، حتى قال بعض العصريين: إن ما ذكره المؤرخون من مقدار ثروة عمرو لا يقبله العقل. ومن أغنيائهم أيضا عمرو بن حريث القرشي المخزومي، ترجمه النووي في التهذيب فقال: مسح النبي ﷺ رأسه، ودعا له بالبركة في صفقته وبيعته، فكسب مالا عظيما فكان من أغنى أهل الكوفة، وهو أول قرشي اتخذ بها داره، وولي بها لبني أمية اهـ. وفي ترجمة حويطب بن عبد العزى من الإصابة أن المصطفى ﵇ استقرضه مالا فأقرضه أربعين ألفا، ونزل المدينة، وبقي بها إلى أن مات. وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس فقال حويطب: وما هذه لمن عنده خمس من العيال.

стр. 630

قلت: هذا يدلك على مقدار ما كانوا يستهلكون من المصاريف، ونفقات عيالهم. وفي طبقات ابن سعد: عن سفيان بن الربيع قال: انطلقت في رهط في نسّاك أهل البصرة إلى مكة فقلت: لو نظرت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فدللنا على عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، فقلت: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم هو ومواليه وأحباؤه الخ أنظر ص ٢ ج ٤. ومن أغنيائهم سيدنا أنس، خادم النبي ﷺ ، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات: كان أنس بن مالك من أحرص أصحاب محمد على المال، وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري في الصحابة: أغنياء نزاهة فقراء ... علماء أيمة أمراء من كان بيده منهم فال كابن عوف وعثمان، فإنما كان خازنا لله يصرفه في مصارفه الشرعية، فهو مقتنيه لذلك لا لفخر، ولا لمحبة جمع الحطام الفاني، ولذلك جاء أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف رقيق، وتصدق هو وعثمان في غزوة تبوك بما يبهر العقل، وكان للزبير ألف مملوك يؤدون له الخراج، وما مات إلا وعليه قدر كثير جدا من الديون، وكون المخلف عن ابن عوف في ربع ثمنه ثمانون ألف دينار، لا ينافي ما تقرر أنه إنما كان خازنا لله، فإنه ليس معناه يخرج جميع ما بيده دفعة واحدة، بل يبقيه ويخرج منه ما هو المطلوب منه في كل حال، أو زمان. وأما إخراجه ﷺ لجميع ما كان بيده دفعة فهو إما لاحتياجه لذلك، لسدّ ضروريات أصحابه أو لأن حاله في الأمور الخارقة للعادة، لا يقدر غيره على التأسي به فيها، فلا يكلف بذلك اهـ ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلاوي، والشريف السجلماسي، وأبي عبد الله الحضيكي السوسي، ثلاثتهم في شرحها أيضا وزاد الحضيكي على قوله: زهدوا في الدنيا فما عرف الميل ... إليها منهم ولا الرغباء لا ينافي زهدهم فيها كونهم أغنياء كما تقدم، وحصولها بأيدي بعضهم بدعائه ﷺ لأنس، وابن عوف، وثناؤه ﵇ على المال بقوله: نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح، لأنهم خزان الله الخ. وانظر تحفة الأكابر على أثر عبد الرحمن بن عوف: يدخل الجنة حبوا. وسأل السلطان الملك الأشرف حافظ عصره الشمس السخاويّ عن حديث: اللهم من أحبني فارزقه الكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده، هل هو صحيح؟ وما الجمع بينه وبين دعائه ﵇؛ لأنس بكثرة المال والولد، فأجابه بجواب نفيس جدا في نحو كراسين مضمونه؛ أن الحديث المذكور وارد من طرق ودعاؤه لأنس أصح منه، ومحملها أن المال الذي دعا به ﵇ لأنس هو المطلوب من حله والمأخوذ من وجهه، أنظر الجواب المذكور فإنه مفيد.

стр. 631

ومن اللطائف ما في فهرسة شيخ الجماعة بالمغرب؛ أبي عبد الله محمد تو بن سودة أن شيخه الوجيه العيدروس قال في قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٢٧] الضمير للرزق، لا للإسم الشريف «١» ، قال: فقد بسط سبحانه لعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، ولم يكن منهم بغي انظر الفهرسة المذكورة، ثم وجدت السيد العيدروس مسبوقا بذلك قاله قبله العارف ابن وفا في كتابه. باب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية ذكر الشيخ المختار الكنتي في الأجوبة المهمة، نقلا عن الحافظ الدميري: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لما تزوج زينب بنت علي، فإنه أصدقها أربعين ألف دينار، فقيل له في ذلك فقال: والله ما فيّ رغبة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول «٢» : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فأردت تأكيد النسب بيني وبينه ﵇، فأردت أن أتزوج ابنته، كما تزوج ابنتي. وأعطيت هذا المال العريض إكراما لمصاهرتي إياه ﵇ اهـ منها. هذا مع كون عمر نهى عن المغالاة في المهر ولكن قاطعته امرأة احتجت عليه بقوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً [النساء: ٢٠] انظر قصتها معه في فتح الباري. باب في ذكر عدد الصحابة قال الحافظ أبو زرعة الرازي لمن قال له: أليس يقال: حديث رسول الله ﷺ أربعة آلاف حديث؛ قال؛ ومن قال ذا قلقل الله أنيابه. هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ، قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وعشرة آلاف ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه. قال أهل المدينة وأهل مكة، ومن بينهما من الإعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة، قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد إيراده لهذا: أجاب به أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم اهـ قال السخاوي إثره في شرح الألفية: وكذا لم يدخل في ذلك من مات في حياته ﷺ في الغزوات وغيرها اهـ وقال الشمس البرماوي في شرح الزهر البسام: العدد الأصح في النقل عنه أي أبي زرعة رواه ابن المديني في ذيله، على كتاب الصحابة: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ممن روى عنه، وسمع منه، واستبعده البرماوي. قال الشمس السفاريني في شرحه على عقيدته؛ قلت: قد جزم بهذا العدد الحافظ السيوطي في الخصائص الصغرى، وذكره شيخنا الشهاب المنيني في نظمها بقوله.

стр. 632

وعدّهم للأنبيا يقارب. اهـ أنظر ص ٤٧ ج ١. ومع ذلك حصر ابن فتحون عدد ما في الاستيعاب في ثلاثة آلاف وخمسمائة، واستدرك عليه هو قريبا من ذلك. وقال الذهبي في كتابه التجريد: ولعل جميع ما فيه ثمانية آلاف نفس إن لم يزيدوا لم ينقصوا اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: إنه لم يحصل أي كل من صنف في الصحابة على العشر من أساميهم بالنسبة إلى ما مضى عن أبي زرعة، فكل حكى عن قدر تتبعه ومبلغ علمه اهـ. قال السخاوي: وسبب الخفاء أنّ أكثرهم أعراب وأكثرهم حضروا في حجة الوداع اهـ. وقد ألفّ في معرفة الصحابة جماعة من المتقدمين والمتأخرين كابن سعد كاتب الواقدي، وأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، وعبد الباقي بن قانع القاضي، وأبي علي ابن السكن، وأبي عبد الله محمد بن منده، وأبي حاتم محمد بن حيان، وأبي موسى المديني، والبغوي، وابن عبد البر، وهو أشهر من ألف فيهم، وابن الأثير، والذهبي، وابن حجر، كتابه الإصابة وهو أجمعها وأقربها إفادة، ولم يأت بعده إلا من خدمه بالاختصار ونحوه. ومن آخر من اختصره بفاس أبو زيد العراقي الحسيني، والموجود عندي من اختصاره بخطه إلى حرف العين. باب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه ﵇ آخر الأمر قال الغزالي في الباب الثالث من أعمال الباطن، من ربع العبادات من الأحياء: مات ﷺ عن عشرين ألفا من أصحابه. قال الحافظ العراقي: لعله عنى [من] بالمدينة، وعن الشافعي، كما في مناقبه للآبري، والساجي من طريق ابن عبد الحكم عنه: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغيرها. وعن أحمد فيما رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن علي الطبري عنه قال: قبض النبي ﷺ ، وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل. قال السخاوي في فتح المغيث: وكأنه عنى [من] بالمدينة ليلتئم مع ما قبله اهـ. باب في المكثرين الرواية عنه ﷺ من الصحابة المكثرون منهم رواية كما قال أحمد فيما نقله ابن كثير وغيره الذين زاد حديثهم على ألف وهم: ستة، عبد الله بن عمر، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر، وسعد، وأبو هريرة، وهو بالإجماع أكثرهم، ويدل لذلك أن بقي بن مخلد حافظ الأندلس روى: ١- لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين. و٢- لابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين.

стр. 633

و ٣- لأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين. و٤- لعائشة ألفين ومائتين وعشرة. و٥- لابن عباس ألفا وستمائة وستين. و٦- لجابر ألفا وخمسمائة وأربعين. ولهم سابع نّبه عليه الحافظ العراقي تبعا لابن كثير، وهو أبو سعيد الخدري، فروى له بقيّ ألفا ومائة وسبعين وقد نظمه البرهان الحلبي فقال: أبو سعيد نسبة لخدرة ... سابعهم أهمل في القصيدة وقال آخر: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... عن النبي رسول الله خير مضر أبو هريرة سعد جابر أنس ... صديقة وابن عباس كذا ابن عمر وأدرج ابن كثير في المكثرين؛ ابن مسعود، وابن عمرو بن العاص، ولكن لم يبلغ حديث واحد منهم ألفا عند بقي، إذ حديث أولهما عنده ثمانمائة وثمانية وأربعون، وثانيهما سبعمائة. تنبيه قال ابن سعد في الطبقات: قال محمد بن عمرو الأسلمي: إنما قلّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله ﷺ أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون، ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدّوها. فكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ أقلّ حديثا عنه من غيرهم؛ مثل أبي بكر وعثمان وطلحة وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأسيد بن حضير، ومعاذ بن جبل ونظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ونظرائهم. لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم، ومضى كثير من أصحاب النبي ﷺ ، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله ﷺ شيئا، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث عنه، ولكن الأمر في ذلك منهم على التأني في الحديث، أو على أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلى الإشتغال بالعبادة والاسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن رسول الله ﷺ شيء اهـ. فائدة أفرد مسند عبد الله بن عمرو بالتصنيف جماعة، منهم محدث بغداد أبو خيثمة زهير بن حرب.

стр. 634

باب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام قدمنا أن أبا هريرة أحفظ الصحابة، وقد حكى الإجماع على ذلك النووي، وقاله سعيد ابن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح، والعراقي في الألفية، وغيره، وترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ، فنقل عن الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال: وروى كهمس عن عبد الله بن شقيق قال: قال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أحفظ لحديثه مني، وذكر أن ابن عمر قال، لأبي هريرة: إن كنت لألزمنا وأعلمنا بحديثه. وذكر الذهبي أيضا عن أبي بكر بن داود قال: رأيت في النوم وأنا بسجستان أبا هريرة فقلت له: أنا أحبك فقال: أنا أول صاحب حديث في الدنيا. وقال ابن ناصر الدين الدمشقي، في شرح بديعية البيان، في ترجمة أبي هريرة: هو حافظ الصحابة في عصره ومكثرهم اهـ. وقد أفرد مسند أبي هريرة بالتصنيف، دون بقّي بن مخلد جماعة، منهم؛ الطبراني، وإسماعيل بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو العباس أحمد بن محمد البرقي، وخلق سواهم. ونقل صاحب فواتح الرحموت على مسلّم الثبوت، عن العراقي قوله: أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر أميري المؤمنين، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير. اهـ وفي محل آخر من فواتح الرحموت أيضا: أبو هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته، فإنه كان يفتي في زمن النبي ﷺ وبعده، وكان يعارض قول ابن عباس وفتواه، وفي بعض شروح الأصول للإمام فخر الدين: روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار، وروى عنه جماعة من الصحابة اهـ. قلت: وقد وقفت في تونس على رسالة جليلة لمفتي المالكية بها الأستاذ الشيخ محمد النجار سماها: شمس الظهيرة في بيان فضل وفقه أبي هريرة، ولما ذكر الحافظ ابن القيم، في كتابه: الوابل الصيب حفظ عبد الله بن عباس وفقهه قال: وأين تقع فتاوي ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوي أبي هريرة وتفسيره، وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والإستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها. وهكذا الناس قسمان حفاظ، ومعتنون بالإستنباط اهـ. قلت: وقع في كلام لبعض العصريين: يبدأ تاريخ الحفاظ المعدودين في الإسلام بعبد الله بن عباس، فقد كان لا يدور في مسمعيه شيء إلا وعاه وأثبته، وسمع قصيدة ابن

стр. 635

أبي ربيعة «١» ولم يكن سمعها إلا تلك المرة فوعاها، فلا جرم أن كان صدره خزانة العرب، إليه مرجعهم في التفسير والحديث، والحلال والحرام، والعربية والشعر، ولو صحت نسبة ما رواه بعض الرواة عن الزهري، عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء، لكان ابن عباس نفسه صاحب السبعين الأولى في الإسلام، وأما إن كان الخبر من أكاذيب عكرمة، فيكون قد وصف به أستاذه ابن عباس أصدق الوصف، على مبالغة فيه خبيثة. باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة المكثرون منهم إفتاء سبعة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون: أبو بكر وعثمان وأبو موسى، ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان وجابر وأبو سعيد، وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير، وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث؛ كأبيّ ابن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وسرد الباقين. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير. قاله السخاوي. في فتح المغيث، والسيوطي في تدريب الراوي. وفي ترجمة بقي بن مخلد حافظ الأندلس وفخرها من تاريخ ابن عساكر: أنه صنف في فتاوي الصحابة والتابعين ومن دونهم، حتى أربى فيه على مصنف عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهم. وانتظم علما عظيما لم يقع في شيء من هذه الكتب فصار هو وغيره من تاليفه قواعد في الإسلام لا نظير لها اهـ انظر اختصاره ص ٢٧٩ ج ٣. قلت: وبذلك مع ما سيأتي عن ابن القيم عن ابن حزم؛ من أن فتاوي ابن عباس أفردت بسبع مجلدات، تعلم ما في قول النووي في تهذيب الأسماء واللغات: لم ينقل عن الصحابة إلا مسائل معدودات إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع، وكانت همتهم مصروفة إلى جهاد الكفار، لاعلاء كلمة الإسلام، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، الخ لخ. فإن الصحابة في زمنه ﵇ كانوا ينقسمون إلى من يتعلم ويعلم، وإلى من يتجر ويزرع، ولم يكونوا يحاربون على الدوام إلا إذا كان النفير العام في عام من الأعوام، ومن كان يفقه المئات والآلاف والملايين الذين أسلموا في زمنهم
следующие страницы →