ومن اللطائف ما في فهرسة شيخ الجماعة بالمغرب؛ أبي عبد الله محمد تو بن سودة أن شيخه الوجيه العيدروس قال في قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٢٧] الضمير للرزق، لا للإسم الشريف «١» ، قال: فقد بسط سبحانه لعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، ولم يكن منهم بغي انظر الفهرسة المذكورة، ثم وجدت السيد العيدروس مسبوقا بذلك قاله قبله العارف ابن وفا في كتابه.
باب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية
ذكر الشيخ المختار الكنتي في الأجوبة المهمة، نقلا عن الحافظ الدميري: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لما تزوج زينب بنت علي، فإنه أصدقها أربعين ألف دينار، فقيل له في ذلك فقال: والله ما فيّ رغبة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول «٢» : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فأردت تأكيد النسب بيني وبينه ﵇، فأردت أن أتزوج ابنته، كما تزوج ابنتي. وأعطيت هذا المال العريض إكراما لمصاهرتي إياه ﵇ اهـ منها. هذا مع كون عمر نهى عن المغالاة في المهر ولكن قاطعته امرأة احتجت عليه بقوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً [النساء: ٢٠] انظر قصتها معه في فتح الباري.
باب في ذكر عدد الصحابة
قال الحافظ أبو زرعة الرازي لمن قال له: أليس يقال: حديث رسول الله ﷺ أربعة آلاف حديث؛ قال؛ ومن قال ذا قلقل الله أنيابه. هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ، قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وعشرة آلاف ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه. قال أهل المدينة وأهل مكة، ومن بينهما من الإعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة، قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد إيراده لهذا: أجاب به أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم اهـ قال السخاوي إثره في شرح الألفية: وكذا لم يدخل في ذلك من مات في حياته ﷺ في الغزوات وغيرها اهـ وقال الشمس البرماوي في شرح الزهر البسام: العدد الأصح في النقل عنه أي أبي زرعة رواه ابن المديني في ذيله، على كتاب الصحابة: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ممن روى عنه، وسمع منه، واستبعده البرماوي. قال الشمس السفاريني في شرحه على عقيدته؛ قلت: قد جزم بهذا العدد الحافظ السيوطي في الخصائص الصغرى، وذكره شيخنا الشهاب المنيني في نظمها بقوله.
стр. 632
وعدّهم للأنبيا يقارب. اهـ أنظر ص ٤٧ ج ١.
ومع ذلك حصر ابن فتحون عدد ما في الاستيعاب في ثلاثة آلاف وخمسمائة، واستدرك عليه هو قريبا من ذلك. وقال الذهبي في كتابه التجريد: ولعل جميع ما فيه ثمانية آلاف نفس إن لم يزيدوا لم ينقصوا اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه لم يحصل أي كل من صنف في الصحابة على العشر من أساميهم بالنسبة إلى ما مضى عن أبي زرعة، فكل حكى عن قدر تتبعه ومبلغ علمه اهـ.
قال السخاوي: وسبب الخفاء أنّ أكثرهم أعراب وأكثرهم حضروا في حجة الوداع اهـ.
وقد ألفّ في معرفة الصحابة جماعة من المتقدمين والمتأخرين كابن سعد كاتب الواقدي، وأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، وعبد الباقي بن قانع القاضي، وأبي علي ابن السكن، وأبي عبد الله محمد بن منده، وأبي حاتم محمد بن حيان، وأبي موسى المديني، والبغوي، وابن عبد البر، وهو أشهر من ألف فيهم، وابن الأثير، والذهبي، وابن حجر، كتابه الإصابة وهو أجمعها وأقربها إفادة، ولم يأت بعده إلا من خدمه بالاختصار ونحوه. ومن آخر من اختصره بفاس أبو زيد العراقي الحسيني، والموجود عندي من اختصاره بخطه إلى حرف العين.
باب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه ﵇ آخر الأمر
قال الغزالي في الباب الثالث من أعمال الباطن، من ربع العبادات من الأحياء: مات ﷺ عن عشرين ألفا من أصحابه. قال الحافظ العراقي: لعله عنى [من] بالمدينة، وعن الشافعي، كما في مناقبه للآبري، والساجي من طريق ابن عبد الحكم عنه: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغيرها.
وعن أحمد فيما رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن علي الطبري عنه قال: قبض النبي ﷺ ، وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل. قال السخاوي في فتح المغيث: وكأنه عنى [من] بالمدينة ليلتئم مع ما قبله اهـ.
باب في المكثرين الرواية عنه ﷺ من الصحابة
المكثرون منهم رواية كما قال أحمد فيما نقله ابن كثير وغيره الذين زاد حديثهم على ألف وهم: ستة، عبد الله بن عمر، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر، وسعد، وأبو هريرة، وهو بالإجماع أكثرهم، ويدل لذلك أن بقي بن مخلد حافظ الأندلس روى:
١- لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين.
و٢- لابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين.
стр. 633
و ٣- لأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين.
و٤- لعائشة ألفين ومائتين وعشرة.
و٥- لابن عباس ألفا وستمائة وستين.
و٦- لجابر ألفا وخمسمائة وأربعين. ولهم سابع نّبه عليه الحافظ العراقي تبعا لابن كثير، وهو أبو سعيد الخدري، فروى له بقيّ ألفا ومائة وسبعين وقد نظمه البرهان الحلبي فقال:
أبو سعيد نسبة لخدرة ... سابعهم أهمل في القصيدة
وقال آخر:
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... عن النبي رسول الله خير مضر
أبو هريرة سعد جابر أنس ... صديقة وابن عباس كذا ابن عمر
وأدرج ابن كثير في المكثرين؛ ابن مسعود، وابن عمرو بن العاص، ولكن لم يبلغ حديث واحد منهم ألفا عند بقي، إذ حديث أولهما عنده ثمانمائة وثمانية وأربعون، وثانيهما سبعمائة.
تنبيه قال ابن سعد في الطبقات: قال محمد بن عمرو الأسلمي: إنما قلّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله ﷺ أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون، ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدّوها. فكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ أقلّ حديثا عنه من غيرهم؛ مثل أبي بكر وعثمان وطلحة وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأسيد بن حضير، ومعاذ بن جبل ونظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ونظرائهم. لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم، ومضى كثير من أصحاب النبي ﷺ ، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله ﷺ شيئا، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث عنه، ولكن الأمر في ذلك منهم على التأني في الحديث، أو على أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلى الإشتغال بالعبادة والاسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن رسول الله ﷺ شيء اهـ.
فائدة أفرد مسند عبد الله بن عمرو بالتصنيف جماعة، منهم محدث بغداد أبو خيثمة زهير بن حرب.
стр. 634
باب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام
قدمنا أن أبا هريرة أحفظ الصحابة، وقد حكى الإجماع على ذلك النووي، وقاله سعيد ابن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح، والعراقي في الألفية، وغيره، وترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ، فنقل عن الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال: وروى كهمس عن عبد الله بن شقيق قال: قال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أحفظ لحديثه مني، وذكر أن ابن عمر قال، لأبي هريرة: إن كنت لألزمنا وأعلمنا بحديثه.
وذكر الذهبي أيضا عن أبي بكر بن داود قال: رأيت في النوم وأنا بسجستان أبا هريرة فقلت له: أنا أحبك فقال: أنا أول صاحب حديث في الدنيا.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي، في شرح بديعية البيان، في ترجمة أبي هريرة: هو حافظ الصحابة في عصره ومكثرهم اهـ.
وقد أفرد مسند أبي هريرة بالتصنيف، دون بقّي بن مخلد جماعة، منهم؛ الطبراني، وإسماعيل بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو العباس أحمد بن محمد البرقي، وخلق سواهم. ونقل صاحب فواتح الرحموت على مسلّم الثبوت، عن العراقي قوله: أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر أميري المؤمنين، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير.
اهـ وفي محل آخر من فواتح الرحموت أيضا: أبو هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته، فإنه كان يفتي في زمن النبي ﷺ وبعده، وكان يعارض قول ابن عباس وفتواه، وفي بعض شروح الأصول للإمام فخر الدين: روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار، وروى عنه جماعة من الصحابة اهـ.
قلت: وقد وقفت في تونس على رسالة جليلة لمفتي المالكية بها الأستاذ الشيخ محمد النجار سماها: شمس الظهيرة في بيان فضل وفقه أبي هريرة، ولما ذكر الحافظ ابن القيم، في كتابه: الوابل الصيب حفظ عبد الله بن عباس وفقهه قال: وأين تقع فتاوي ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوي أبي هريرة وتفسيره، وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والإستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها. وهكذا الناس قسمان حفاظ، ومعتنون بالإستنباط اهـ.
قلت: وقع في كلام لبعض العصريين: يبدأ تاريخ الحفاظ المعدودين في الإسلام بعبد الله بن عباس، فقد كان لا يدور في مسمعيه شيء إلا وعاه وأثبته، وسمع قصيدة ابن
стр. 635
أبي ربيعة «١» ولم يكن سمعها إلا تلك المرة فوعاها، فلا جرم أن كان صدره خزانة العرب، إليه مرجعهم في التفسير والحديث، والحلال والحرام، والعربية والشعر، ولو صحت نسبة ما رواه بعض الرواة عن الزهري، عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء، لكان ابن عباس نفسه صاحب السبعين الأولى في الإسلام، وأما إن كان الخبر من أكاذيب عكرمة، فيكون قد وصف به أستاذه ابن عباس أصدق الوصف، على مبالغة فيه خبيثة.
باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة
المكثرون منهم إفتاء سبعة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون: أبو بكر وعثمان وأبو موسى، ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان وجابر وأبو سعيد، وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير، وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث؛ كأبيّ ابن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وسرد الباقين. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير.
قاله السخاوي. في فتح المغيث، والسيوطي في تدريب الراوي.
وفي ترجمة بقي بن مخلد حافظ الأندلس وفخرها من تاريخ ابن عساكر: أنه صنف في فتاوي الصحابة والتابعين ومن دونهم، حتى أربى فيه على مصنف عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهم. وانتظم علما عظيما لم يقع في شيء من هذه الكتب فصار هو وغيره من تاليفه قواعد في الإسلام لا نظير لها اهـ انظر اختصاره ص ٢٧٩ ج ٣.
قلت: وبذلك مع ما سيأتي عن ابن القيم عن ابن حزم؛ من أن فتاوي ابن عباس أفردت بسبع مجلدات، تعلم ما في قول النووي في تهذيب الأسماء واللغات: لم ينقل عن الصحابة إلا مسائل معدودات إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع، وكانت همتهم مصروفة إلى جهاد الكفار، لاعلاء كلمة الإسلام، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، الخ لخ. فإن الصحابة في زمنه ﵇ كانوا ينقسمون إلى من يتعلم ويعلم، وإلى من يتجر ويزرع، ولم يكونوا يحاربون على الدوام إلا إذا كان النفير العام في عام من الأعوام، ومن كان يفقه المئات والآلاف والملايين الذين أسلموا في زمنهم
стр. 636
رضي الله عنهم، ويبث فيهم الشرائع، لولا قيام طائفة منهم بالإفتاء والتعليم، وقصرهم أنفسهم على ذلك، والله أعلم.
لطيفة في جامع البيان والتحصيل لابن رشد، روي أن أبا هريرة ترك الفتيا، فقيل له في ذلك قال: أما جسمي فقد ضعف، والقلب بضعة من الجسم، وأنا أخشى أن يكون فهمي ضعف كما ضعف جسمي.
باب في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن ورباني الأمة والغواص ومن كان يعرف ممره من الطريق ومن وجم الناس عن تعزيته عن أبيه هيبة له وإجلالا
أكثر الصحابة على الإطلاق فتوى؛ فيما قاله الإمام أحمد: عبد الله بن عباس، بحيث كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، كيف وقد دعا له المصطفى ﷺ ، بقوله: اللهم علمه الكتاب «١» وفي لفظ اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، وفي آخر: اللهم علمه الحكمة وتاويل الكتاب، وفي آخر: اللهم بارك فيه وانشر منه وقال ابن عمر: هو أعلم من بقي بما أنزل على سيدنا محمد، وقال أبو بكرة: قدم علينا البصرة وما في العرب مثله حشما وعلما وبيانا وجمالا وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. ووصفه بالبحر ثابت في صحيح البخاري، وغيره. وإنما وصف بذلك لكثرة علمه كما قال مجاهد، وعن عطاء أنه كان يقول: قال البحر: وفعل البحر يريد ابن عباس، بل سماه غير واحد حبر الأمة وبعضهم حبر العرب وترجمان القرآن، ورباني الأمة، وانظر فتح المغيث.
وفي ترجمته من الأصابة: كان يقال له حبر العرب، ويقال إن الذي لقبه بذلك جرجير ملك طرابلس الغرب، وكان قد غزا مع عبد الله ابن أبي سرح أفريقية، فتكلم مع جرجير فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في الأخبار المنثورة له اهـ.
وفي ترجمته من الإستيعاب: كان عمر بن الخطاب يحبه ويدنيه ويقربه، ويشاوره مع أجلة الصحابة، وكان عمر يقول فيه: فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول، وقال طاوس: أدركت نحو خمسمائة من الصحابة إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يقرر لهم حتى ينتهوا إلى قوله. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم، وكان عمر يعدّه للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. ويروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يوما يتكلم، فأتبعه بصره وقال متمثلا:
стр. 637
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر
يصّرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر
وخرّج ابن عبد البر أيضا عن عطاء قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب وناس يأتون لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه، ما فيهم صنف إلا يقبل عليه بما شاء اهـ.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات: أن عمر قال لابن عباس، بعد مراجعة في قضية، رجع فيها عمر لقول ابن عباس مع صغره: يا ابن عباس من ظن أنه يرد لبحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال:
دخلت على عمر بن الخطاب يوما فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن، فأجبته فيها فقال عمر: أشهد أنك تنطق عن بيت نبوة.
وأخرج الدينوري عن المدائني قال علي ابن أبي طالب في عبد الله بن عباس: إنه لينظر إلى الغيب [من] خلف ستر رقيق؛ لعقله وفطانته بالأمور، وفي ترجمة ابن عباس من طبقات الحفاظ عن الأعمش قال: استعمل عليّ ابن عباس على الحج، فخطب يومئذ خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ سورة النور فجعل يفسرها. وقال الحافظ ابن القيم في كتابه، الوابل الصيب: هذا عبد الله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي ﷺ لم يبلغ العشرين حديثا، الذي يقول فيه سمعت ورأيت وسمع كثيرا من الصحابة، وبورك له في فهمه واستنباطه، حتى ملأ الدنيا علما وفقها.
قال أبو محمد بن محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار، وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وقد سمع كما سمعوا وحفظ القرآن كما حافظوا، ولكن كانت أرضه أخصب الأراضي، وأمثلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبت من كل زوج كريم، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة: ٤] اهـ.
وذكر ابن سليمان في صلته أن أبا محمد دعلج بن أحمد السجستاني أفرد مسند عبد الله بن عباس بالتصنيف، وأن الحافظ ابن رجب له نور الإقتباس في مشكاة وصية ابن عباس، وفي خلاصة الخزرجي قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس ويقول:
غواص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهما ولا ألبّ لبا ولا أكثر علما ولا أوسع حلما من ابن عباس. ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مرّ في الطريق قالت النساء: أمرّ المسك أو ابن عباس؟ وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت أفصح الناس، وإذا حدّث قلت أعلم الناس اهـ.
وفي كتاب رونق التحبير في حكم السياسة والتدبير لمحمد ابن أبي العلاء بن سماك، والفروق للقرافي ص ١٩٥ ج ٢ روي أن العباس بن عبد المطلب لما مات عظم المصاب به
стр. 638
على ابنه عبد الله وكان عبد الله بن عباس عظيما عند الناس في نفسه، لأنه كان ترجمان القرآن، وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة، فأعظمه الناس على التعزية إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه، وعظمة من أصيب به، فإنّ العباس عم رسول الله ﷺ ، وبقي بعد وفاته مثل والده، وكان يقال: من أشجع الناس؟ فيقال: العباس.
ومن أعلم الناس؟ فيقال: العباس ومن أكرم الناس؟ فيقال: العباس. فلما مات عظم خطبه وجلّت رزيته في صدور الناس، وفي صدر ولده عبد الله، وأحجم الناس عن تعزيته، فأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون، فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس، فقال الناس: ما تريد؟ قال: أريد أن أعزي عبد الله بن عباس. فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية، فلما رأى عبد الله بن عباس قال له: السلام عليك يا أبا الفضل فرد عليه عبد الله فأنشده:
إصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية عند صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس
فلما سمع الشعر عبد الله زال ما كان به، واسترسل الناس في تعزيته اهـ.
تتمة ممن دون فقهه من أهل القرن الأول الحسن البصري، ففي رسالة الحافظ أبي محمد بن حزم في مفاخر أهل الأندلس، أن القاضي محمد بن يمن بن مفرج له سبعه أسفار في فقه الحسن البصري، وكتب كثيرة جمع فيها فقه الزهري اهـ أنظرها في نفح الطيب ص ١٣٢ ج ٢.
باب في ذكر من كان في الصحابة له أتباع يقلدونهم في فتواهم
قال ابن المديني: انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ثلاثة؛ ممن أخذ عنهم العلم وهم: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس. وإلى ذلك إشار الحافظ العراقي في الألفية فقال:
وهو وزيد وابن عباس لهم ... في الفقه أتباع يرون قولهم
فأما ابن عباس فذكر الشمس ابن عابدين الحنفي الدمشقي: أوّل حواشيه على الدر المختار ص ٤٠ أن ملوك الدولة العباسية؛ كانوا على مذهب جدهم عبد الله بن عباس، قال: وإن كان أكثر قضاتهم ومشايخ إسلامها حنفية. انظره. وانظر لم لم يحملوا الناس على مذهبه مع أن مذهبه وفتاويه دونت قبل ابن حزم في سبع مجلدات، كما سبق في الترجمة قبل. والله أعلم ثم وجدت ابن عابدين المذكور ذكر في باب العيدين أن مذهب ابن عباس في تكبير العيدين أن يكبر الإمام في الأولى سبعا وفي الثانية ستا قال في الهداية:
عليه عمل العامة اليوم لأمر الخلفاء من بني العباس به، قال في الظهيرية: وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد فإنهما فعلا ذلك لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده
стр. 639
ففعلا ذلك امتثالا لأمره، لا مذهبا واعتقادا. قال في المعراج: لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة اهـ أنظر ص ٥٨٣ ج ١.
وأما ابن مسعود ففي الدر المختار، شرح تنوير الأبصار، للحصكفي الحنفي، قد قالوا: الفقه زرعه عبد الله بن مسعود، وسقاه علقمة وحصده إبراهيم النخعي، ودرسه حمّاد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف، وخبزه محمد، فسائر الناس يأكلون من خبزه وقد نظم بعضهم فقال:
الفقه زرع ابن مسعود، وعلقمة ... حصّاده ثم إبراهيم درّاس
نعمان طاحنه يعقوب عاجنه ... محمد خابز والآكل الناس
قال محشي الدر على قوله: زرعه أي أول من تكلم باستنباط مرويه عبد الله بن مسعود اهـ.
باب في ذكر الذين انتهى إليهم العلم من الصحابة
قال مسروق بن الأجدع: انتهى الذي كان عند أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستة أنفس: زيد، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وانتهى علم الأربعة الأولين لعلي وابن مسعود، وجعل الشعبي أبا موسى الأشعري بدل أبي الدرداء، وخرّج الحاكم مرفوعا: أبو هريرة وعاء العلم وأخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له: يرحمك الله فإنك عليم معلم.
وفي طبقات ابن سعد؛ أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فينا يعني ابن مسعود، وأخرج فيها أيضا أن عبد الله أقبل يوما وعمر جالس قال: فلما رآه مقبلا قال: كنيف ملىء علما أو قال فقها: وقال في القاموس [للفيروز آبادي] : وكنيف لقب ابن مسعود لقبه به عمر تشبيها بوعاء الراعي اهـ قال ابن الطيب في حواشي القاموس: هذا هو المعروف المشهور، خلافا لما في الظهيرية وغيرها، من أن النبي ﷺ قال له: كنيف مليء علما فإنه ليس بمعروف اهـ.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة عن أبي سفيان عن أشياخ لهم في امرأة أمر عمر برجمها وهي حبلى، فأشار معاذ بن جبل بحبسها حتى تضع، فخرجت إشارة معاذ فقال عمر: عجزت النساء أن تلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.
وأخرج ابن سعد عن شهر بن حوشب قال: قال عمر: إن العلماء إذا حضروا يوم القيامة كان معاذ بن جبل بين أيديهم قذفة بحجر، وفي الإستبصار: أن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا.
ولم يكن من المشركين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله إن إبراهيم كان أمة فأعاد قوله: إن معاذا فلما رأيته أعاد عرفته أنه تعمد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما
стр. 640
القانت؟ قلت: الله أعلم. قال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، ويؤتم به، ويقتدى به، والقانت المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير، مطيعا لله.
وأخرج ابن سعد عن شهر بن حوشب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: خرج معاذ إلى الشام، لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمات أبا بكر أن يحبسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، قال كعب بن مالك: وكان معاذ بن جبل يفتي الناس بالمدينة في حياة النبي ﷺ ، وأبي بكر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: وكان معاذ معلما من المعلمين على عهد رسول الله ﷺ ، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: لكل أمة عالم، وعالم هذه الأمة عبد الله بن عمر.
تنبيه منتهى غالب سلاسل الفقه المالكي، والفقه الحنبلي إلى عبد الله بن عمر، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الحنفي إلى عبد الله بن مسعود، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الشافعي إلى عبد الله بن عباس ﵃، أنظر حرف الفاء من حصر الشارد للشيخ محمد عابد السندي الحنفي، وفي غير الغالب تنتهي إلى غير هؤلاء من فقهاء الصحابة، انظر: كنز الرواية المجموع، والرحلة العياشية وغيرها.
باب من عرف بالكرم والجود من الصحابة
مشاهيرهم وعظاماؤهم به سادوا، وعنهم في باب الجود الحديث الغريب يساق، وناهيك بجودهم بأنفسهم وأولادهم فمالهم بالأحرى، ومجيء أبي بكر له ﵇ بجميع ماله، وعمر بنصفه معروف، خرّجه الدارمي وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن أبي عاصم وابن شاهين في السنة، والحاكم وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي وابن الضريس وغيره، وتجهيز عثمان جيش العسرة معلوم.
وممن جاء عنه العجب في هذا الباب سيدنا سعد بن عبادة سيد الخزرج، وهو الذي كان يلقب من بين الصحابة بالكامل، وقد ترجمه الدارقطني في كتاب الإستحياء قال في الأصابة:
مشهورا بالجود هو وأبوه وجده، وكان لهم أطم ينادى عليه كل يوم: من أحب اللحم والشحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنته تدور مع النبي ﷺ في بيوت أزواجه.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن سيرين قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالأثنين، والرجل بالجماعة، أما سعد فكان ينطلق بثمانين كل ليلة يعشيهم، هكذا ساقه في ترجمة فضائله ابن الهندي في الكنز، وكان سعد يقول: اللهم لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلح لي القليل، ولا أصلح عليه.
وأخرج أبو بكر في الغيلانيات، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، أن النبي ﷺ وسلم بعثهم في بعث عليهم قيس بن سعد بن عبادة، فجهدوا فنحر لهم تسع
стр. 641
ركائب، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن خديج قال: أقبل أبو عبيدة ومعه عمر بن الخطاب فقال لقيس بن سعد: عزمت عليك لا تنحر، فلما نحروا بلغ النبي ﷺ قال: إنه في بيت جود انظر ص ٨٤ ج ٧ من كنز العمال.
وفي الإستبصار في انساب الأنصار؛ يقال: لم يكن في الأنصار كله أربعة مطعمون يتوالون في بيت واحد، إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم ولم يكن مثل ذلك في سائر العرب.
وجاء ابن عمر على أطم سعد فقال لنافع: هذه أطم جده. لقد كان مناديه ينادي يوما: من أراد اللحم والشحم فليأت دار دليم فمات دليم فنادى عبادة بمثل ذلك ثم مات عبادة فنادى سعد بمثل ذلك ثم رأيت قيسا يفعل مثل ذلك اهـ.
قال ابن قدامة: قيس بن سعد أحد الأجواد المذكورين، وأخباره في الجود والبسالة مشهورة، ومن مشهورها أنه كانت له ديون كثيرة، فمرض، فاستبطأ عوّاده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك عليهم، فأمر مناديا فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه.
وفي ترجمة سنطاس مولى سعد بن عبادة من الأصابة، وقع ذكره في الإستحياء للدار قطني، فأخرج عن محمد بن عبد العزيز قال: كان سعد بن عبادة يغزو سنة ويغزو ابنه قيس بن سعد سنة. فغزا سعد مع الناس، فنزل برسول الله ﷺ ضيوف كثير مسلمون فبلغ ذلك سعدا، وهو في ذلك الجيش فقال: إن يكن قيس ابني فسيقول: يا سنطاس هات المفاتيح، أخرج لرسول الله ﷺ حاجته، فيقول سنطاس: هات من أبيك كتابا فيدق أنفه ويأخذ المفاتيح ويخرج لرسول الله ﷺ حاجته، فكان الأمر كذلك. وأخذ قيس لرسول الله ﷺ مائة وسق.
وعزا محدث الشام الشمس السفاريني في ص ٩٩ ج ٢ من شرحه على منظومة الآداب، لأبي بكر أحمد بن مروان المالكي الدينوري، في المجالس عن معن بن كثير عن أبيه أن سعد بن عبادة أتى رسول الله ﷺ بصحفة أو جفنة مملوءة مخا فقال: يا أبا ثابت ما هذا؟ قال؛ والذي بعثك بالحق، لقد نحرت أو ذبحت أربعين ذات كبد، فأحببت أن أشبعك من المخ، قال: فأكل ودعا له النبي ﷺ بخير، قال: إبراهيم بن حبيب: سمعت أن الخيزران حدثت بهذا الحديث فقسمت قسما من مالها على ولد سعد بن عبادة، وقالت:
أكافىء ولد سعد عن فعله برسول الله ﷺ . قال السفاريني: الخيزران هي أم هارون الرشيد وهي أمة بربرية ولها خيرات، وقد أخرج هذه القصة ابن عساكر، فساقها الحافظ السيوطي في الجمع وابن الهندي في الكنز. أنظر ص ٤٠ ج ٧.
стр. 642
قلت: هذه القصة من عظيم ما جاء عن ذلك التاريخ، مما يدل على التوسع والرفاهية، ولذيذ المطعم، وفيه قوة عمارة المدينة، وأنها كانت تحمل أن يذبح فيها مثل ذلك العدد من ذوات الكبد، ولا يعد ذلك تضييعا للمال، وما كان الصحابة يأتون من الأعمال الحامل عليها منهم التقرب إليه ﵇ بكل غال ورخيص، وقال ابن المسيب كما في الاصابة: عن سعد كنا عند النبي ﷺ فأقبل العباس فقال: هذا أجود قريش كفا، وأخرج أبو نعيم عن المسوّرين مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة، وفقراء المسلمين، وأمهات المؤمنين.
وبعث معي إلى عائشة بمال من ذلك المال، فقالت له عائشة: أما أني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
فهذا يدل على ارتفاع الأرضين في زمن الخلفاء الراشدين، فإن البلدة التي يكون ثمنها الآن نحو الثمانين ألف ريال بلدة عظيمة، فكيف بها هناك في ذلك الزمن، ويدل على عظيم بذل الصحابة وبرّهم وهبتهم، فبخ بخ لتلك الهمم القعساء، والخلل الشماء.
وأخرج الإمام أحمد «١» وأبو نعيم قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا رجت منه المدينة فقالت؛ ما هذا فقالوا عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف، من الشام، وكانت سبعمائة بعير فقالت عائشة: أما أني سمعت النبي ﷺ يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الحنة حبوا، فبلغ ذلك ابن عوف، فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته فقال: إني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر، عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله على عهد رسول الله ﷺ أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة، ولما ذكر ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، أن الزبير كان له ألف عبد يؤدون له الخراج، كتب عليه الشمس الحفني في حواشيه أي: في كل يوم فيتصدق في مجلسه به ولا يقوم بدرهم اهـ.
وأخرج الروياني وابن عساكر، عن حبيب ابن أبي ثابت، أن أبا أيوب أتى معاوية فشكا له أن عليه دينا، فلم ير فيه ما يحبه ورأى ما يكرهه، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم سترون بعدي أثرة قال: فأي شيء قال لكم؟ قال: اصبروا. قال: فاصبروا.
قال: فو الله لا أسألك شيئا أبدا، فقدم البصرة فنزل على ابن عباس، ففرغ له بيته وقال:
لأصنعن لك كما صنعت برسول الله ﷺ ، فأمر أهله فخرجوا، وقال له: لك ما في البيت كله، وأعطاه أربعين ألفا وعشرين مملوكا: انظر فضائل أبي أيوب من كنز العمال. وترجم
стр. 643
النووي في التهذيب: عياض بن غنم الصحابي الجليل فقال: كان جوادا وكان يسمى زاد الراكب، يطعم الناس من زاده، فإذا نفد نحر لهم بعيره اهـ.
باب في ذكر أعلم الأمة بالفرائض من الصحابة
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، في ترجمة زيد بن ثابت: كاتب الوحي المعظم، وأعلم الأمة بالفرائض وأحكم وأحد القراء المذكورين والأئمة المشهورين اهـ وقد سبق أن سيدنا زيدا ألف في الفرائض، في ترجمته من الإستيعاب، لابن عبد البر: كانوا يقولون: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنين؛ القرآن والفرائض اهـ وقال السهيلي: كما في الأزهار الطيبة النشر: كان عمر أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة، فيبدأ باسمه قبل اسمه.
وحين أشكلت عليه مسألة الجد، مشى بنفسه إلى منزل زيد بن ثابت، يستفهمه فيها اهـ.
وأخرج ابن سعد عن سلمان بن يسار قال: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء والفتيا، والفرائض والقراءة.
وأخرج ابن سعد أيضا عن سالم بن عبد الله قال: كنت مع ابن عمر يوم مات زيد بن ثابت، فقال: مات عالم الناس اليوم. فقال ابن عمر: يرحمه الله اليوم، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر، وحبرها، فرّقهم عمر في البلدان، ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وجلس زيد بن ثابت في المدينة يفتي أهل المدينة، وغيرهم، وحديث: أفرضكم زيد معروف «١» خرجه أحمد بسند صحيح، قال ابن الأثير في الأسد بعد أن ذكره في ترجمة سيدنا زيد، فأخذ الشافعي بقوله في الفرائض عملا بهذا الحديث اهـ.
قلب: وكذلك مالك بنى مذهبه في الفرائض على قول زيد، إلا في أربعة مسائل فقط كما نبه على ذلك الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم، ابن القاضي في كتابه البحر الفائض، فيما تضمنه اسم زيد من الفرائض، وهو كتاب عجيب، استخرج جميع مسائل الفرائض من رسم زيد ﵁، وهو من بديع الاتفاق الغريب، والتناسب العجيب، وكأنّ القاضي ابن الحاج لم يقف على اسم مؤلف كتاب البحر هذا، فلذلك ذكر المؤلف ولم يسم صاحبه، بل عبر عنه ببعض المتأخرين والله أعلم.
باب في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة
أخرج الإمام أحمد «٢» والبخاري في الأدب والنسائي عن بريدة رفعه أن عبد الله بن
стр. 644
قيس «١» أعطي مزمارا من مزامير آل داود، وأخرج مسلم «٢» عن أبي موسى رفعه: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. وقال الحافظ ابن حجر، في ترجمة أبي موسى الأشعري، أحد قضاة الأمة الأربعة، وجامع العلم، فما أوسعه المنفرد بحسن الصوت إذا قرأ، كأن مزمارا من مزامير آل داود معه اهـ وترجمه الذهبي في تذكرة الحفاظ فنقل عن ابن الهندي: ما سمعت طنبورا ولا صنجا ولا مزمارا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، حين كان يصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة اهـ.
باب فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا
في طبقات ابن سعد عن سماك بن حرب، أن معاوية استعمل النعمان بن بشير على الكوفة، وكان والله من أخطب من سمعت من أهل الدنيا يتكلم. انظر ص ٣٥ ج ٦.
باب في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة
عن عبد الرحمن بن جبر، قال معاوية: ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء، إلا أن كعب الأحبار أحد العلماء، نقله صاحب الجاسوس ص ٥٠١.
وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه. لكل أمة حكيم وحكيم هذه الأمة أبو هريرة وأخرج ابن عساكر عن جبر بن نفير مرسلا رفعه: إن لكل أمة حكيما وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء، وترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ أبا الدرداء فقال فيه: الإمام الرباني، وكان يقال هو حكيم هذه الأمة وحفظ القرآن عن رسول الله ﷺ ، وكان عالم أهل الشام ومقرىء أهل دمشق وفقيههم، وقاضيهم، وقال ابن أبي مليكة: سمعت يزيد بن معاوية يقول: إن أبا الدرداء من الفقهاء العلماء، الذين يشفون من الداء وروى الليث بن سعد عن فلان قال؛ رأيت أبا الدرداء دخل المسجد ومعه الأتباع، مثل ما يكون مع السلطان وهم يسألونه العلم اهـ. وانظر ترجمة الحكيم والمنجم والقافي فيما سبق.
باب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها
أخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن ليلة، والتوراة ليلة، قال السيوطي في الجمع: فيه إبراهيم بن محمد بن يحيى المدني ضعيف اهـ.
وترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ عبد الله بن سلام هذا، فنقل عن إبراهيم بن أبي يحيى ثنا معاذ بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني قرأت القرآن والتوراة، فقال: اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة. قال الذهبي: فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها اهـ.
стр. 645
وفي طبقات ابن سعد: سئل علي عن سلمان الفارسي فقال: أوتي العلم الأول والعلم الآخر، أيدرك ما عنده؟ وفي رواية: قرأ الكتاب الأول وقرأ الكتاب الآخر. وكان بحرا لا ينزف.
وفي طبقات الحفاظ للذهبي: عن أبي هريرة أنه لقي كعبا فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة اهـ.
وفي ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص منها: أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمنت النظر فيها ورأى فيها عجائب اهـ.
وفي طبقات ابن سعد؛ عن شريك بن خليفة قال: ورأيت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ بالسريانية.
وأخرج البخاري «١» عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ : قال أجل. والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، قال الشهاب الخفاجي؛ في شرح الشفا، على هذا الحديث: فإن قلت:
عبد الله قرشي عربي فلا يناسب سؤاله عمّا في التوراة، والتوراة وغيرها من الكتب القديمة.
قال الفقهاء: لا تجوز قراءته فما وجه هذا. قلت: إن عبد الله كان يقرأ ويكتب كما مر، وقال البرهان الحلبي في المقتفى: إنه كان يحفظ التوراة. وقد روى البزار أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى في المنام في إحدى يديه عسلا، وفي الآخرى سمنا وهو يلعقهما، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له: تقرأ الكتابين التوراة والقرآن، فكان يقرؤهما.
وأما النهي عن قراءتها وإن صرح به الفقهاء، فليس على إطلاقه، لوقوعه في زمن النبي ﷺ لكثير من الصحابة من غير إنكار، فهو مقيّد بمن لم يميز المنسوخ والمخرج منها، ويضيع وقته في الاشتغال بها، وأما غيره فلا يمنع منه، بل قد يطلب لإلزامهم بما أنكروه منها، كما في قصة الرجم اهـ انظر ص ١٨٩ ج ١ وما عزاه للبزار من رؤيا ابن العاص، خرّجه أحمد والبغوي من طريق واهب المعافري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عزاه لهما أبو الحسن السندي أول مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، من حاشيته على مسند أحمد. وصرح الحافظ ابن حجر بأن القول بجواز النظر في التوراة وكتابتها نسب لوهب بن منبه. قال: وهو من أعلم الناس بالتوراة اهـ.
وفي ترجمة أبي الجلد الجوني من طبقات ابن سعد قال: كان أبو الجلد يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ويختم التوراة في ستة أيام يقرؤها نظرا، فإذا كان يوم ختمها حشد إلى ذلك ناس وكان يقول كان يقال: تنزل عند ختمها الرحمة انظر ص ١٦١ ج ٧.
стр. 646
قلت: وبذلك تعلم ما حكاه الزركشي في التلقيح؛ من الإجماع على عدم جواز الاشتغال بكتابة التوراة والإنجيل ونظرها، قال: وقد غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي، ولولا أنه معصية ما غضب منه اهـ.
ونقل نحوه الشيخ زكرياء الأنصاري في شرحه على البخاري؛ عن الشمس البرماوي بلفظه: ولله در الحافظ ابن حجر فإنه اعترضه قائلا: الذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ؛ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، وقد فعل ذلك جمع من الأمة. ثم قال: وأما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب ودعوى أنه لو لم يكن معصية ما غضب فهو معترض بأنه يغضب من فعل المكروه، ومن فعل ما هو خلاف الأولى، إذا صدر ممن لا يليق به ذلك، كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة، وقد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الأمر الواضح، مثل الذي سأل عن لقطة الإبل اهـ.
قال الشيخ زكرياء إثره: وهو أوجه اهـ بواسطة الفجر الساطع انظر آخر كتاب التوحيد، ونقل كلام الحافظ هذا أيضا الشهاب ابن حجر الهيثمي في فتاويه الفقهية ص ٤٩ ج ١ قائلا: وما ذكره واضح لا محيد عنه، وكل ما ذكره الزركشي وغيره محمول على غير متمكن، أو متمكن لم يقصد بالنظر فيها مصلحة دينية، أو متمكن قصد ذلك فلا وجه لمنعه، ويأتي ما ذكر في التوراة والإنجيل اهـ.
ومما يتفرع عن حكم قراءة الكتب القديمة النقل منها، وفي تكملة الديباج في ترجمة أبي العباس أحمد بن بقي، ومسألة النقل من التوراة والإنجيل هي إحدى المسائل الواقعة بين البرهان البقاعي والحافظ السخاوي، وألف كل منهما ردا على الآخر؛ البقاعي يجوزه والسخاوي يمنعه اهـ.
قلت: سمي السخاوي كتابه الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل انظره وفي ترجمة الإمام شرف الدين يحيى المناوي من طبقات حفيده [عبد الرؤوف المناوي] لدى ذكره نثره، ومنه ما كتبه في تقريظ على مناسبات القرآن للبقاعي، لما اعترضه جماعة من أهل عصره منهم السخاوي في نقله عن التوراة والإنجيل، وأفتى بعضهم بحرمة ذلك ووجوب غسل المناسبات لما تضمنته من ذلك، فكتب الشرف على الكتاب وكان أول من كتب بحسن صنيع البقاعي، ثم قال: ولا يقال قد استوضح في بعض المناسبات بما جاء في التوراة والإنجيل؛ لأنه اقتدى في ذلك بأئمة الإسلام أهل الأصول والتأصيل، كعبد الله بن عمرو في صفة سيد الأنام، وبعده الأئمة الأعلام، فتعين القول بالجواز على من اتّضح ذلك لديه، والمنع على من اشتبه ذلك عليه اهـ من الطبقات.
стр. 647
فائدة: في شرح المنهاج للشهاب ابن حجر الهيثمي صح أنه ﵇ قام إلى التوراة اهـ ففيه القيام للكتب السماوية، وبالأخص القرآن الكريم. وانظر فتاوى ابن تيمية وشرح منظومة السفاريني في الآداب، والبرماوي على الغاية من كتب فقه الشافعية.
قلت: كان هذا هو الأصل لما ذكره الشيخ عبد الغني النابلسي في كتاب الرد المتين على منتقص الشيخ محيي الدين من الأئمة الحنفية نقلوا أن الجنب يكره له قراءة التوراة، والزبور، والإنجيل، لأن الكل كلام الله، وما بدل منه بعض غير معين، وغير المبدل غالب فالاحتياط في التحرز عن المس، لأن غير المبدل واجب التعظيم، وإذا اجتمع المحرم والمباح غلبه المحرم.
وفي المبتغى: لا يجوز يعني للجنب مسّ التوراة والزبور والإنجيل، والتفسير. كذا ذكره والدي في كتابه الأحكام اهـ منه ص ٨١ ج ١ ونحوه. نقل ابن عابدين في حواشي الدر عن شرح المنيني «١» .
ومن هذا الباب في التوسعة ما في شرح الطريقة المحمدية للنابلسي أيضا ص ٣٦١ ج ٢ من أن العلماء اختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزها أبو بكر وكرهها مالك خوفا من أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى فإنهم لا غرض لهم في ذلك، بخلاف غيرها مما بدلوه اهـ وفي الكافي للحافظ أبي عمر بن عبد البر ما نصه: وإذا رقى الذمي المسلم بكلمات الله وأسمائه جاز اهـ منه بلفظه.
باب ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة
ترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ، عائشة فقال: من أكبر فقهاء الصحابة، كان فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون إليها. تفقه بها جماعة. يروى عن قبيصة قال: عائشة أعلم الناس. يسألها أكابر الصحابة، وروى أبو بريدة عن أبيه: ما أشكل على أصحاب سيدنا محمد ﷺ حديث قط فسألوا عنه عائشة، إلا وجدوا عندها منه علما. قال الذهبي: كانت غزيرة العلم بحيث أن عروة كان يقول: ما رأيت أحدا أعلم بالطب منها، وقال علي بن مسهر، ثنا هشام عن أبيه قال: ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن، ولا بفريضة، ولا بحلال، ولا بحرام، ولا بشعر، ولا بحديث العرب، والنسب من عائشة اهـ.
وأخرج الحاكم عن عطاء قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة.
وأخرج الحاكم عن الزهري قال: لو جمع علم الناس كلهم ثم علم أزواج النبي ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علما. وقال القاسم بن محمد: كانت عائشة استقلت بالفتيا في خلافة
стр. 648
أبي بكر وعمر وعثمان، وهلم جرا، إلى أن ماتت وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله الغافقي في حق عائشة: أروى الراوين وأفقه المفتين تنتجه من أبعد أرض، لعلم سنة وفرض، وتروي كل شعر للعرب محض وتقرب في تفسير وفصاحة لفظ، وتضرب في الطب بأوجه حظ، ثم نقل عن أبي الزناد: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: ما روايته في رواية عائشة. ما كان ينزل بي شيئا إلا أنشدت فيه شعرا. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ﷺ لكان علم عائشة أفضل.
وأخرج ابن سعد في الطبقات: عن مسروق أنه قيل له: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: أي والذي نفسي بيده، لقد رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقد جمع الحافظ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي جزآ فيه استدراك عائشة على الصحابة، ذكره وساق إسناده إليه الحافظ أبو بكر بن خير الأشبيلي الأموي في معجمه ص ١٢٤.
وفي مكتبتنا جزء للحافظ السيوطي في الموضوعات سماه: عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة قال في طالعته [مقدمته] : هذا جزء لخصت فيه كتاب الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للإمام بدر الدين الزركشي، مع زيادة ما تيسر، وقد سبق الشيخ بدر الدين إلى التأليف في ذلك الأستاذ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادي، الفقيه المحدث المشهور فعمل في ذلك كتابا أورد فيه خمسة وعشرين حديثا بأسانيده عن شيوخه، ثم فصل السيوطي تأليفه المذكور على الأبواب هكذا: باب الطهارة، باب الصلاة، باب الجنائز، باب الصيام، باب الحج، باب النكاح، باب جامع وفي آخره قال: هذا ما أورده الزركشي، وقد حذفت فيما أورده أشياء، لأنها ليست من باب الاستدراك، وهذه زيادات لم يذكرها، ثم ساقها وقد جمع مسندات عائشة وأفردها بالتصنيف أبو بكر عبد الله بن أبي داود صاحب السنن، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد وغيرهم، أنظر المسانيد من صلة الرداني.
باب في ذكر من قيل فيه من نساء الصحابة: لو كان رجلا لصلح للخلافة
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، لابن عبد السلام: روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو كانت امرأة تكون خليفة لكانت عائشة خليفة.
باب ذكر أن من الصحابة مولى قال عمر: لو كان حيّا لاستخلفته
في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة، من الاستبصار، كان من فضلاء الموالي من خيار الصحابة وكبارهم، ومعدود في القرّاء. وكان عمر يفرط في الثناء عليه، وروي عنه أنه قال عند موته: لو كان سالم حيّا ما جعلتها شورى، وروي أن المهاجرين الأولين لما قدموا
стр. 649
لقباء، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان أكثرهم قرآنا. وروي أن النبي ﷺ قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله.
أنظر الاستبصار.
باب من قيل فيه أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة
وأخرج الحاكم عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أحدا أفصح من عائشة، وأخرج الحاكم عن الأحنف قال: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء، وهلم جرا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة، ساقها السيوطي في عين الإصابة.
باب ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة
ترجم الصلاح الصفدي في نكت الهميان، لعبد الله بن عمر فقال: كان لا يتخلف عن السرايا في حياة النبي ﷺ ، ثم كان بعد موته مولعا بالحج قبل الفتنة، وفي الفتنة يقال:
إنه كان أعلم الصحابة بمناسك الحج [ص ١٨٣] .
باب فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب: لما ترجم لعبد الله بن عمر بن الخطاب أنه أفتى في الإسلام ستين سنة وقال مولاه نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان.
باب من كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي
تقدم إطلاق ذلك على ابن عباس، وأخرج الحاكم وتعقب عن ابن عمر رفعه: أن حبر هذه الأمة لعبد الله بن عباس، وذكر أبو علي محمد بن علي بن معلى السبتي، في منسكه؛ أنه جاء في رواية قوله ﵇ للأنصار، لما ورد عليهم سعد، قوموا إلى حبركم اهـ ونقل السيد السمهودي في الوفا عن الواقدي: كان مخيريق أحد بني النضير حبرا عالما فامن بالنبي ﷺ . وجعل ماله وهو سبع حوائط لرسول الله ﷺ .
باب أمره ﵇ الصحابة بالقيام إلى العالم منهم وأخذ ركابه
في منسك ابن معلى السبتي، حين تكلم على مسألة القيام للداخل، وساق حديث سعد، وقوله ﵇ للصحابة: قوموا إلى سيدكم، أو إلى حبركم. ما نصه: فالحبر العالم، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فهي نص في القيام للعالم، وهكذا روينا هذه اللفظة في السنن، من طريق اللؤلؤي بالحاء غير المعجمة، اهـ.
وللإمام النووي كتاب: الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية في الإسلام، على جهة البر والتوقير والاحترام، لا على الرياء والإعظام. وقد طبع قريبا، وقد باحثه فيه ابن الحاج في المدخل، وانتصر للنووي الشهاب ابن حجر الهيثمي بمؤلف خاص.
стр. 650
باب من كان من الصحابة يقبل تلاميذه يده
عن جميلة أم ولد أنس بن مالك قالت: كان ثابت إذا أتى أنسا قال: (أي أنس) يا جارية: هات لي طيبا أمسح يدي، فإن ثابتا لا يرضى حتى يقبّل يدي، رواه أبو يعلى ورجاله موثقون، قاله السيد السمهودي في جواهر العقدين.
باب من قبّل من الصحابة يد تلميذه لكونه من أهل البيت
أخرج ابن عساكر، عن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت، ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه فقال، تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يدك فأخرج يده فقبّلها. وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. أورده في مناقب زيد من كنز العمال بهذا اللفظ وأورد أيضا عن ابن النجار: أنه أخرج عن ابن عباس أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت، ثم قال: أمرنا أن نأخذ بركاب معلمينا وذوي أسناننا.
قال شيخ بعض شيوخنا، محدث الحجاز ومسنده الشيخ محمد عابد السندي في رسالته، في تقبيل اليد: قول زيد هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، يؤخذ منه أن تقبيل يد ذي الشرف مأمور به من النبي ﷺ ، لأن قول الصحابي أمرنا له حكم الرفع؛ إذ ليس له آمر غير النبي ﷺ . كما حققه ابن الصلاح والحافظ ابن حجر، وكلما كان مأمورا به من النبي ﷺ إذا لم يفعله كان آثما، فكل من لم يقبل يد ذي شرف، كان آثما مخالفا لأمر النبي ﷺ : قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] فإذا كانت هذه الحالة لمن لم يقبل، فما ظنك بمن أنكر التقبيل رأسا، كان إثمه أكثر، ووزره أوفر اهـ.
وقد أفرد الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقري جزآ في تقبيل اليد وما ورد فيه، ولي رسالة أفردتها فيمن قبّل يد النبي ﷺ ، وللشيخ محمد عابد السندي الأنصاري في الباب رسالة نفيسة وهي عندي.
باب صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه
أخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر عن أبي رافع قال: وجّه عمر بن الخطاب جيشا إلى الروم، وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي ﷺ ، فأسره القوم فذهبوا به إلى ملكهم فقالوا له: إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تنتصر وأشركك في ملكي وسلطاني، فقال له عبد الله: ولو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب، على أن أرجع عن دين سيدنا محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، قال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به فصلب، وقال للرماة: ارموه قريبا من يديه، قريبا من رجليه، وهو يعرض عليه، وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم دعا بقدر فصبّ
стр. 651
فيه ماء حتى احترقت، ثم أمر بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى ثم أمر به أن يلقى فيها فلما ذهب به بكى: فقيل له إنه قد بكى، فظن أنه فزع، فقال: ردّوه فعرض عليه النصرانية فأبى. فقال: ما أبكاك إذن؟ قال: أبكاني أني قلت في نفسي: الساعة تلقى في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى في الله، قال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، قال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبل رأسه يخلي عني وعن جميع أسارى المسلمين، لا أبالي فدنا منه فقبّل رأسه، فدفع إليه الأسارى فقدم بهم عمر، فأخبر عمر بخبره فقال عمر: حقّ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، قام عمر فقبّل رأسه.
هكذا أورد هذه القصة ابن الهندي في مناقب عبد الله بن حذافة المذكور ص ٦٢ ج ٧ من كنز العمال وأوردها الحافظ في ترجمته من الإصابة، وذكر أن البيهقي أخرجها من طريق ضرار بن عمرو عن أبي رافع وأخرج ابن عساكر هذه القصة شاهدا من حديث ابن عباس موصولا وآخر من فوائد هشام بن عثمان، من مرسل الزهري فأنظرهما.
باب صحابي قال فيه عمر: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير منه
ترجم النووي في التهذيب سيدنا عويم بن ساعدة الأنصاري الصحابي، فقال: توفي في خلافة عمر، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت راية لرسول الله ﷺ إلا وعويم تحت ظلها ﵁.
باب صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه
أخرج ابن سعد عن رجل من بني عامر، عن خالد له أن سلمان لما قدم على عمر قال للناس: أخرجوا بنا نتلقى سلمان. أورده ابن الهندي في الكنز في ترجمته، من فضائل الصحابة، وهو في طبقات ابن سعد ص ٦١ ج ٤، وهذا يدل على أمر عظيم كانوا يرونه لسلمان ﵁.
باب الصحابة الطلس ومن استخلف منهم
ترجم في درّ السحابة لعبد الله بن الزبير بن العوام؛ فوصفه بأمير المؤمنين وقال عنه:
كان فصيحا ذا لسانة وشجاعة، وكان أطلس لا لحية له، وذكر أبو عمر بن عبد البر، وابن قدامة في الاستبصار، عن الزبير بن بكار أنّ قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن الزبير وشريحا القاضي لم يكن في وجوهم شعر، ولا شيء من اللحية اهـ ويجمعهم للحفظ هذا البيت.
стр. 652
قيس بن سعد ما بوجهه شعر ... كابن الزبير وشريح بن الأغز
وذكر مؤلف سنن المهتدي في أوله عن الدميري وغيره: الثلاثة وزاد الأحنف بن قيس. فالسادات الطلس إذا أربعة ولكن الصحابة منهم ثلاثة.
وفي الاستبصار لابن قدامة أنّ الأنصار كانت تقول: لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا، وكان مع ذلك جميلا ﵀.
باب في الخصي
نقل المنجور في شرح المنهج عن ابن رشد: أنّ أوّل من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية، وجدت ذلك في البيان والتحصيل بلفظ: قيل إن معاوية هو أول من اتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على نفسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه النجائب، وأول من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة اهـ من جامعه.
وفي تحفة المحبين والأحباب، فيما للمذنبين من الأنساب، لدى كلامه على الأغوات من حرف الألف: أول من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية، وقد كان لرسول الله ﷺ خادما خصيا والله أعلم، أن خصاه كان خلقيا، وقد صرح الجمهور من العلماء بكراهته، وأحكامهم مذكورة في كتب الفقه، وقد حررها العلامة عبد القادر الطبري المكي، في كتابه نشأة السلافة في شأن الخلافة، وأطال فيهم المقال: أنظره، فإنه كتاب مفيد جدا، وأول من استخدمهم في المسجد النبوي، والمسجد المكي بالحرمين الشريفين صلاح الدين الأيوبي اهـ.
ثم نقل الكلام على أصل استخدامهم من رسالة تحفة المحبين للمحبوب، في تنزيه مسجد الرسول من كل خصي ومحبوب للعلامة جمال الدين القطان، ومن التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للحافظ السخاوي فانظر كلامهم في التحفة وقد وقفت على رسالة للحافظ السيوطي، سماها آكام العقيان في أحكام الخصيان، والتوصية بهم، عقد فيها فصلا قال فيه: ذكر الصحابة منهم، وترجم لمأبور، وسندر مولى زنباع الجذامي، وذكر في ترجمة الأخير أنه قال لرسول الله ﷺ : أوص بي فقال: أوصي بك كل مسلم، ثم جاء إلى أبي بكر فعاله حتى مات، ثم لقي عمر فقال إن شئت أن تقيم عندي أجريت عليك مالا فانظر إلى أي المواضع أحب إليك لأكتب لك، فاختار مصر فلما قدم على عمرو بن العاص أقطعه أرضا واسعة، ودارا. وعمّر سندر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وذكره محمد بن الربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين دخلوا مصر، وأن لأهل مصر عن سندر حديثين اهـ.
باب المخنث
الخناثة اللين والتكسر، قال في المصباح: زاد بعضهم، ولا يشتهي النساء. وقال الحافظ: هو من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه اهـ.
стр. 653
وفي صحيح البخاري «١» في كتاب النكاح باب ما ينهى من دخول المشتبهين بالنساء على المرأة، ثم أخرج عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان عندها وفي البيت مخنّث فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد الله بن أبي أميمة: إن فتح الله لكم الطائف غدا أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ : لا يدخلن هذا عليكم.
قال الحافظ في الفتح: تقدم في غزوة الطائف أن اسمه هيث وأن ابن عيينة ذكره عن ابن جريج بغير إسناد، وذكر ابن حبيب في الواضحة عن حبيب كاتب مالك قال: قلت لمالك أن سفيان بن عيينة زاد في حديث ابنة غيلان أن المخنث هيث، وليس في كتابك هيث فقال: صدق هو كذلك.
وأخرج الجرجاني في تاريخه؛ من طريق الزهري، عن علي بن الحسين بن علي قال: كان مخنث يدخل على أزواج النبي ﷺ يقال له: هيث. وأخرج أبو يعلى وأبو عوانة وابن خبان كلهم من طريق يونس عن الزهري، عن عروة عن عائشة أن هيثا كان يدخل.
الحديث.
ورواه المستغفري من مرسل محمد بن المنكدر أن النبي ﷺ نفى هيثا في كلمتين تكلم بهما من أمر النساء.
وذكر ابن إسحاق في حديث البائع أن اسم المخنث مانع. وهو بمثناة، وقيل: بنون.
فروى عن محمد بن إبراهيم التميمي قال: كان مع النبي ﷺ في غزوة الطائف مولى لخالته، فاختة بنت عمرو بن عابد، مخنث يقال له مانع يدخل على نساء النبي ﷺ ، ويكون في بيته لا يرى رسول الله ﷺ يفطن لشيء من أمر النساء، مما يفطن له الرجال، ولا أن له إربة في ذلك، فسمعه يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن فتحتم الطائف فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان بن سلمة، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله ﷺ حين سمع ذلك منه: لا أرى هذا الخبيث يفطن لما سمع. ثم قال لنسائه: لا تدخلن هذا عليكنّ فحجب عن بيت رسول الله ﷺ .
وحكى أبو موسى المديني في كون مانع لقب هيث أو بالعكس، أو أنهما اثنان خلاف. وجزم الواقدي بالتعدد قال: كان هيث مولى عبد الله بن أبي أمية، وكان مانع مولى فاختة، وذكر أن النبي ﷺ نفاهما معا إلى الحمى. قال الحافظ: ويستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به في أمر من الأمور.
وفي الحديث أيضا تعزير من يتشبه بالنساء، بالإخراج من البيوت والنفي، إذا تعيّن ذلك طريقا ليردعه. وظاهر الأمر وجوب ذلك؛ وتشبّه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقا، وسيأتي لعن من فعل ذلك في كتاب اللباس اهـ.
стр. 654
وبوّب البخاري «١» في كتاب الحدود بقوله: باب نفي أهل المعاصي والمخنثين، ثم خرّج عن ابن عباس: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال:
أخرجوهم من بيوتكم: وأخرج عمر فلانا. وفي الشرح الجلي على بيتي الموصلي: كان في المدينة على عهده ﷺ ثلاثة من المخنثين وهم؛ هيث وهرم، ومانع، فنفى النبي ﷺ منهم هيثا إلى خاخ، وذلك أن النبي ﷺ كان يظنه أنه من غير أولي الإربة من الرجال، لما يرى فيه من التكسر ولين الكلام، فكان يدخل على أزواج النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ وهو يصف جارية من العرب، فسمعه يقول في وصفها: أنها إذا قامت تثنت، وإذا قعدت تبثت، وبين فخديها شيء مخبوء، كأنه الإناء المكفوء فقال النبي ﷺ : ما كنت أحسب هذا الخبيث يحسن هذا الكلام أو كما قال. ونفاه إلى خاخ.
وأما بعد وفاته ﷺ فكان بالمدينة ستة من المخنثين اهـ انظر ص ٢٣١. وقال الحافظ في ترجمة أنجشة من الإصابة: وقع في حديث واثلة ابن الأسقع أن أنجشة كان من المخنثين في عهد رسول الله ﷺ ، فأخرج الطبراني بسند فيه لين عن واثلة قال: لعن النبي ﷺ المخنثين، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، وأخرج النبي ﷺ أنجشة، وأخرج عمر فلانا.
وترجم في الإصابة أيضا لأنة فنقل عن البارودي؛ أنه أخرج من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن حفص، قال: قالت عائشة لمخنث كان بالمدينة يقال له أنة: ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر؟ قال: بلى فوصف امرأة إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فسمعه رسول الله ﷺ فقال: يا أنة أخرج من المدينة إلى حمراء الأسد فليكن بها منزلك، ولا تدخلن المدينة، إلا أن يكون للناس عيد.
ورمز له بالزاي. وعجبا لأبي زيد العراقي؛ فإنه اختصر هذه الترجمة بقوله: إنه المخنث ذكره اهـ إلا أنه ضبط إنة بالكسر والتشديد وهو غلط منه ﵀. وفي التجريد للذهبي أنه المخنث. قال السهيلي: المخنثون على عهد النبي ﷺ : هيث وهرم ومانع اهـ.
وترجم في الإصابة أيضا هيث في حرف الهاء فقال: هيث المخنث الذي كان يدخل على النساء، قيل: اسمه مانع، وأشار له بالسين وهي إشارة إلى تخريج أبي موسى المديني له، وترجم أيضا لمانع المخنث مولى فاختة بنت عمرو بن عابد، بن عمران بن مخزوم، فذكر أنه كان هو وهيث في بيوت النبي ﷺ وأنه قال لعائشة لما سمعها تطلب امرأة تخطبها لعبد الرحمن ابن أبي بكر أخيها: عليك بفلانة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فسمعه النبي ﷺ ، فنفاه إلى حمراء الأسد فبقي إلى خلافة أبي بكر وخلافة عمر.
وذكر ابن وهب في جامعه عن الحرث بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذيب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن مخنثين كانا على عهد النبي ﷺ يقال لأحدهما: هيث وللآخر
стр. 655
مانع، فهلك مانع وبقي هيث بعده. قال ابن وهب: وحدثني من سمع أبا معشر يقول أن النبي ﷺ أمر به فضرب. الحديث.
تنبيه: قال الحافظ أبو محمد بن حزم في الإحكام في أصول الأحكام: الصحابي كلّ من جالس النبي ﷺ ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه ﵇ أمرا يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم، واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه ﵇ باستحقاقه؛ كهيث المخنث، ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا فهو صاحب، وكلهم عدل إمام فاضل رضى مرضي، علينا توقيرهم وتعظيمهم وأن نستغفر لهم ونحبهم، وثمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك، وجلسة من الواحد منهم مع النبي ﷺ أفضل من عبادة أحدنا دهره كلّه. اهـ ص ١٩ ج ٥.
باب في المجبوب
ترجم في الإصابة لمأبور القبطي الخصي، قريب مارية القبطية أم ولد النبي ﷺ ، قدم معها من مصر، فنقل عن الطبري أنه رضي لمكانته منها، أن يجب نفسه، فقطع ما بين رجليه، حتى لم يبق قليل ولا كثير. الحديث قال الشيخ الطيب في شرح الألفية: لا منافاة بين كونه أهداه خصيا وكونه جبّ نفسه لاحتمال أنه أهداه فاقد الخصيتين، مع بقاء الذكر، وهو الذي قطع.
وترجم في الإصابة لأبي مريم الخصي فقال: له إدراك، ذكره ابن منده. وأخرج من طريق الأوزاعي عن سليمان بن موسى قال: قلت لطاووس: إن أبا مريم الخصي أخبرني، وقد أدرك النبي ﷺ فقال: أحلني على غير خصي ونحوه في أسد الغابة، وقال أخرجه ابن منده وأبو نعيم اهـ وفي نور النبراس: لا أعلم في الصحابة خصيا إلا هذا مأبور، وآخر يقال له سندر،
باب هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة
تغالي معاوية في بردة كعب معروف، واحتفاظ خالد وأبي زمعه وغيرهما بشعر رسول الله ﷺ منقول ومعروف، ومحافظة أم أنس على عرق رسول الله لا يخفى، وفي العتبية:
مالك سئل عن نعل رسول الله ﷺ التي رآها كيف كان حدوها؟ قال: رأيتها إلى التدوير ما هي، وبحصرها في مؤخرها، وهي معقبة من خلفها، قلت: أكان لها زمامان؟ قال: ذلك الذي أظن، وكانت عند آل أبي ربيعة المخزوميين من قبل أم كلثوم أمهم، وسمعت مالكا يذكر أن عند عبد الرحمن بن عبد العزيز فراش من شعر، وجرس لحفصة. فقلت له: ما قصة الجرس قال: لا أدري. قال ابن رشد في البيان والتحصيل الأجراس كانت تعلق في أعناق الإبل لتعرف مواضعها بأصواتها إن شذّت أو ضلت، ومعنى السؤال في هذه الحكاية عن قصة الجرس إنما هو لم كانوا يحبونه ويرفعونه، وقد جاء النهي عن استعماله فلم يجب
стр. 656
على سؤاله، والجواب: فيه أن استعماله وإن كان لا يجوز ففي حبسه منفعة وهو أنه يذكر العهد القديم، ويترحم من أجله على من قد مات من السلف الكريم اهـ منه.
باب [في حديث ابن أبي هالة]
جعلته خاتمة الأبواب وزبدة الكتاب في حديث ابن أبي هالة الذي هو أجمع حديث عندي في صفاته ﵇ الخلقية والخلقية.
وبتتبعه لا يستغرب أحد أن يربي صاحب تلك الأحوال، والتراتيب والأخلاق رجالا يصلحون لإرشاد الخليقة، والقيام بسياسة الكون، وتأسيس دول في مشارق الأرض ومغاربها.
أخبرنا عاليا القاضي المسند المعمر نصر الله بن عبد القادر الخطيب الدمشقي سماعا عليه بدمشق، عن عمر بن مصطفى الآمدي، أنا مصطفى الرحمتي الأيوبي، عن العارف عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، أنا نجم الدين بن بدر الدين الغزي، عن أبيه قال أنا شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري، أخبرنا العز بن الفرات، عن إبراهيم التنوخي أخبرنا الدلاصي، عن ابن تاميتت، أخبرنا ابن الصائغ، عن أبي عمرو بن التوزري، عن أبي محمد بن برطلة، عن أبي الحسين الغافقي، أخبرنا القاضي أبو الفضل عياض، قال حدثنا القاضي أبو علي الحسين بن محمد الحافظ ﵀، بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة قال أنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي قرأت عليه، أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله ابن الحسن النيسابوري، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوخشي، قالوا: أنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي، قالوا أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاسي، قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ، قال أنا سفيان بن وكيع، أنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، إملاء من كتابه قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين ﵂، يكنى أبا عبد الله ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، عن حلية رسول الله ﷺ ، وكان وصّافا، وأنا أرجوا أن يصف لي منها شيئا أتعلق به قال:
كان رسول الله ﷺ ، فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن إنفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفّره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشم، كثّ اللحية، أدعج سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا سواء البطن والصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة
стр. 657
والسرة بشعر، يجري كالخط، عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين وسائر الأطراف، سبط العصب.
ورواه ابن الأنباري: سبط القصب وهو شبه خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا إلتفت إلتفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام.
قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه، ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، لم يكن يذم ذواقا، ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدث إتصل بها يضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفترّ عن مثل حبّ الغمام.
قال الحسن: فكتمها الحسين بن علي زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأل أباه عن مدخل رسول الله ﷺ ، ومخرجه، ومجلسه، وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين ﵁: سألت أبي ﵇ عن دخول رسول الله ﷺ فقال:
إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزء لله وجزؤ لأهله، وجزؤ لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، قسمته على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب منكم، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنه إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون أو إذا قال في حديث سفيان بن وكيع ولا يفترقون إلا عن ذواق، يخرجون أذلة يعني فقهاء.
قلت: فأخبرني عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا فيما يعنيهم، ويؤلفهم، ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصونه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا، أو يملوا، لكل حال
стр. 658
عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، لا يجاوز إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة، وموازرة.
فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه؟ فقال:
كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ويوطيء الأماكن وينهى عن إيطائها، وإذا إنتهى إلى القوم يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قام منه لحاجة سايره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، متفاضلين فيه بالتقوى وفي الرواية الآخرى وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا توبن [كذا] فيه الحرم، ولا تتنى [كذا] فلتاته، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب.
فسألته عن سيرته ﷺ في جلسائه فقال:
كان رسول الله ﷺ دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها، فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافيء، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجاوزه فيقطعه بإنتهاء، أو قيام هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع.
وزاد الآخر: قلت: كيف كان سكوته ﷺ ؟
قال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر، فأما تقديره ففي تسوية النظر، والإستماع من الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر ﷺ ، فكان لا يغضبه شيء يستفزه، وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينهي عنه، وإجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في القواصم والعواصم ومنها نقلت: أخبرني أبو القاسم بن المنفوخ بزقاق القناديل، أنه سمع من رضوان الفيلسوف يقول: حين قرأت عليه
стр. 659
صفة النبي ﷺ في حديث هند وغيره: هذه الصفات لا تكون إلا لنبي، ولا يحتاج في الدلالة معها إلى غيرها وإن اعتدال الخلقة يدل على اعتدال الخلق، وإنها جبلة صدرت عن النور الساطع، والحق الذي ليس عنده باطل، وأنه لم يلق في طريقه ظلمة، ولا آفة، حتى خلص إلى الوجود على نهاية الكمال في الصنع، ثم استفسره خاتما كلامه بقوله: من نظر إلى كلام سيدنا محمد ﷺ ، وما أبان من المعاني، وأوضح من المقاصد وأخبر عنه من الكائنات، ونظم من الترتيب، وقرر من التدريب، ودخول جميع المعاني من جميع الخلق أفعالا وأقوالا تحت ذلك النظام، علم قطعا أنه أمر يفوت طوق البشر، وأنه لا يحصيه فيهم إلا موجدهم، ولا يرأبه لهم إلا عالمهم وخالقهم، وهذه غاية في العصمة والحمد لله والمنة اهـ ملخصا.
خاتمة
وهنا عنّ لنا الإختتام وإيقاف القلم المسكين للإستراحة، موقف الإتمام معتذرا للسامع في الإقتصار على هذا القدر، من أحوال ذلك العصر النبوي الزاهر، بأن هذا ما أمكن الآن جمعه وعرضه، لا أن هذا غاية ما كان رائجا في ذلك الدور، من الصناعات والتجارات، والعمالات، والعلوم، لا، لا، فإن الواصل إلينا العلم به أدون مما كان موجودا بمراحل كثيرة، وبينهما فراغ متسع، لأن المقطوع به أنه ليس كل ما كان موجودا في ذلك الزمان في كل باب وصلنا العلم به التفصيلي التام الآن، ولا غيرنا ممن قبلنا وذلك لأسباب:
الأول أن أهل القرن الأول لم يكن لهم إعتناء تام كاف بالتدوين إكتفاء بالقرآن، وخشية أن يختلط به غيره، فلما أمن الناس ذلك في القرن الثاني، أقبلوا على التدوين في بعض الأبواب، على حسب الآكد بالنسبة لأدوار وأحوال ذلك الجيل لما رأوا إذا ذاك الحاجة ماسة إلى تدوينه بحيث لم يهتبلوا بتدوين ما كان من هذا النمط، ولو دونوا فيه لكان نهاية العبر وآية الإعجاز، بحيث ما تقف عليه الآن في هذه الأبواب إنما نقيمه ونستخرجه من خلال ذكر الغزوات والقضايا والواقعات، لا أنهم كانوا يقصدون الأخبار بهذا النوع بعينه، ولله در من قال: إن المدنية الإسلامية التي طبّقت شهرتها الآفاق، كادت تكون مع قرب عهدها، وبقاء آثارها، وآثار أهلها إلى الآن أشبه في الغموض بمدنية الأمم البائدة، التي ينقب الباحثون في تاريخها، عن دفائنها الأرضية، وآثارها العافية، ليقفوا على تاريخها الغابر اهـ.
وقال أيضا: أين هو لعمر أبيك التاريخ الذي يفصّل لنا أخبار السلف، التي تتعلق بمدنيتهم الغابرة، وأصول معيشتهم، وصنائعهم، وعوائدهم، وأزيائهم، وأصول حكومتهم، المتعلقة بالإدارة، والقضاء والسياسة، والجندية والتعليم، والمدارس، والمصانع، وغير ذلك مما يتعلق بترقي هذه الأمة وحالتها الإجتماعية.
الثاني: أن غالب مصنفات من تقدم في الأثر والسير إنعدمت اليوم أو كادت،
стр. 660
والموجود منها غير كاف لأنّ أكثر ما كان جمع وصنف أحرق أثناء الغارات، وقد ضاع من ذلك في وقعة التتر ما لم يذكر التاريخ أفظع منه، ألقي في نهر الدجلة حتى وقف عن الجريان، وأسودّ ماؤه بكثرة مداد ألقي فيه من الكتب الإسلامية، بل قد وجدت الشكاية بإندثار أكثر كتب السلف قبل وقعة التتر، وذلك من الحافظ ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر قال:
كانت همم القدماء عالية، تدل عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارهم، إلا أنّ أكثر التصانيف إندثرت، لأنّ همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطوّلات. ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فاندثرت الكتب، ولم تنسخ.
ويذكر التاريخ العربي عن مدينة قرطبة بالأندلس، أنها كانت أكثر بلاد الله كتبا، وأن مسيحي إسبانيا لما استولوا على قرطبة أحرقوا كل ما طالت إليه أيديهم، من مصنفات المسلمين، وعددها مليون وخمسون ألف مجلد، وجعلوها زينة وشعلة في يوم واحد، ثم رجعوا على تسعين مكتبة في الأندلس، وصاروا يتلفون كلّ ما عثروا عليه في كل إقليم، من مؤلفات العرب ذكر ذلك (موندي) في تاريخه اهـ.
وقال أحد مؤرخيهم (ويلس) : إن ما أحرقه الإسبان من كتب الأندلس، ألف ألف وخمسة آلاف مجلد، وقال في وفيات الأسلاف إن أسقف طليطلة أحرق من الكتب الإسلامية العالية ما ينيف على ثمانين ألاف كتاب، وأنّ الإفرنج لما تغلبوا على غرناطة أحرقوا من الكتب النفيسة، ما تتجاوز ألف ألف، وأنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش، تقلّ ما عزّ على المسلمين أن يخلّفوه وراءهم، فألقوها في قصر الإسكوريال، ثم لعبت بها النيران، وبقيت منها بقية رتّب فهرستها أحد مسيحي سورية، وجعلوها إلى اليوم مكتبة ينتابها علماء الأرض. وكان بقي منها على عهد من رتبها ١٨٥١ سفرا.
ورأيت بعض برنامجها أسماء الكتب العربي فيما قرب بقلم محمد محمود الشنقيطي، الشهير لما توجه إليها أيام السلطان عبد الحميد، فإذا هو تافه جدا بالنسبة للمظنون، أما بالنسبة لما كان بالمكاتب الأندلسية فلا نسبة. فقد ذكر صاحب الوافي في المسألة الشرقية أنه كان بمكتبة قرطبة وحدها على عهد الإسلام ستمائة ألف مجلد، من الكتب المختارة اهـ منه ص ١٧٢.
قال المرجاني بعد ذكر بعض ما ذكر في وفيات الأسلاف: وبالجملة فلم يبق من آثار علماء الإسلام إلا النادر الأقل [من] القليل اهـ منه ص ٣٢٥.
وقال بعض المؤرخين المصريين: إن الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر، مما أحرقه الصليبيون، والتتر، والأسبان، اهـ.
ولذلك قلت قديما: إن آثار الأسلاف أتى عليها ناهبان قويان، جيش الإنسان وجيش الحيوان، وقد جاء في تاريخ الوافي في المسألة الشرقية ص ١٧١ أن من مكتبة فاس
стр. 661
والعراق اغتنت مكاتب أوروبا فانظر كلامه فإن جادت اليوم أوروبا علينا بنقل شيء من مكاتبها، أو نشره استفدنا، وإلا بقيت تلك الكنوز مكنوزة، وفي مكاتبهم المحاطة بدواليب الماء، والمطافي خشية الإحتراق، وبالعسس الليلية والنهارية مصونة.
ولما ذكر أبو محمد عبد الله التيجاني في رحلته: أنه كان بخزانة أبي زكرياء الحفصي بتونس ثلاثون ألف مجلد، فنقصت إلى أن صارت سنة الاف، قال: حكي ذلك إلى الحسن بن معمر الهواري الطرابلسي، قاضي باحة، وكان من خواص السلطان المذكور، ومن علماء دولته، وسئل عن السبب فقال: المطر وأيدي البشر اه وعلّل ذلك بعض شيوخنا الجزائرين فقال: توالي البطالات والسكون إلى الراحات. وأين الموجود الآن من أسماء الكتب، مما ذكره الشيخ مسعود جموع في كتابه: منهاج رسم القرآن في شرح مورد الظمان، حسبما نقلته من خط تلميذه ابن عاشر الحافي السلوي في كناشه، نقلا عن شرح العقيلة قال: صنف المصنفون من هذه الأمة كتبا ما لها عدد في كل فن، ثم نقل عمن رأى بغرناطة عند بعض الطلبة كتابا كبيرا ضخما في القالب الكبير، وعلى ظهر الكتاب مكتوب السفر السادس والخمسون من أسماء الكتب، ولم يدر ما بقي معه، وليس في هذا السفر إلا إسم الكتاب وإسم مؤلفه، وبلده ووفاته، خاصة فانظر كم تضمنت هذه الأسفار من أسماء أجزاء الكتب اهـ.
وقد ذكر القاضي ابن خلكان في ترجمة الصاحب بن عباد أنه كتب إليه نوح بن منصور أحد ملوك بخارى يستدعيه ليفوض إليه وزارته، فكان من اعتذاره أنه قال له: إنه يحتاج لنقل كتبه خاصة أربعمائة جمل اهـ وابن عباد المذكور من أهل المائة الرابعة توفي في صفر سنة ٣٨٥، وإذا كان هذا ما يملكه رجل واحد في قطر واحد، فما بالك بمن عداه من الرجال المنتشرين في الأقطار والأمصار، وإذا كان هذا ما بلغت إليه صنعة التأليف عند المسلمين في نحو ثلاثمائة سنة في علم واحد، فانظر ما بلغوه بعد.
قال الحافظ السيوطي في المزهر عقب حكاية الصاحب ابن عباد المذكور: قد ذهبت جلّ كتبه في اللغة في الفتنة الكائنة بين التتر وغيرهم، بحيث أن الكتب الموجودة الآن في اللغة، من تصانيف المتقدمين والمتأخرين، لا يجيء حمل جمل واحد اهـ بواسطة فتح القدوس، في شرح خطبة القاموس، لأبي العباس الهلالي، وجمع في الفتح المذكور بين رواية ابن خلكان في احتياج ابن عباد لأربعمائة جمل، وبين رواية غيره بإحتياجه إلى ستين جملا بأن الزائد على ما ذكر السيوطي هو من كتب غير اللغة، أنظر فتح القدوس.
وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار للحصكفي الحنفي قيل: إنه أي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة المتوفي سنة ١٨٩ صنّف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعة وتسعين كتابا اهـ وقال الشافعي: حملت من علم محمد وقر بعير كتبا، فإذا كان هذا مؤلف واحد في القرن الثاني الهجري بلغت مؤلفاته الألف منها ما كتب في ستين دفترا وآخر وهو
стр. 662
مالك بلغ ما أملاه في الأحكام الشرعية نحوا من مائة وخمسين مجلدا فكيف بغيره في ذلك القرن؟ فكيف بمن بعدهم؟
ونقل أبو الحسن علي الأجهوري في حواشيه على خطبة الرسالة، عن إمام الحرمين في حق مالك: أنه أملى في مذهبه نحوا من مائة وخمسين مجلدا في الأحكام الشرعية.
وقد ذكر قاضي قضاة حيدر آباد الهند خدابخش في مقالة له نشرتها مجلة المقتطف، ثم دائرة المعارف الوجدية أن كتب الواقدي تملأ ستمائة صندوق، ويقتضي حملها مائة وعشرين جملا. أنظر مادة كتب من المجلد ٨.
وقال الحافظ السيوطي في الدوران الفلكي، على ابن الكركي: لو جمعت أسماء الكتب التي ألفها علماء الأمة في رد بعضهم على بعض لبلغت مجلدات، فإذا كانت أسماء كتب رد العلماء بعضهم على بعض إذا جمعت تبلغ مجلدات فكيف بموضوع آخر، وقد اهتممت فيما قرب بجمع أسماء الفهارس والأثبات فبلغت عندي أزيد من الألف في حين أن كشف الظنون لا يوجد فيه منها ولا عشره، وأين هذا مما تضمنه كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة رئيس كتبة أسرار السلطان مراد الرابع، ووزير ماليته، فإن غاية ما جمع من أسماء الكتب ثمانية عشر ألف وخمسمائة وخمسون اسما من أسماء الكتب، هذا مع كونه من المتأخرين عاش في المائة الحادية عشر، وقد سبقه إلى التأليف في هذا الباب جماعة، منهم: صاحب الكتاب الذي سبق ذكر من وقف على السفر السادس والخمسين منه، ومنهم صاحب كتاب: الدر الثمين في أسماء المصنفين، وهو عندي في مجلد ومؤلفه الإمام المؤرخ البارع، تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله، المعروف بابن الساعاتي البغدادي، المتوفي سنة ٦٧٤، وهو مترجم في طبقات الحفاظ للذهبي، وكتابه هذا من الضنائن التي تفردت بها مكتبتنا، وقد ذكره صاحب كشف الظنون في حرف الألف تحت عنوان: أخبار المصنفين ست مجلدات، لأبي الحسين علي بن أنجب البغدادي المتوفي سنة ٦٧٤. وذكر في حرف الدال إسم كتابه الدرّ الثمين، ولم يذكر مؤلفه وهذا عجيب منه ﵀.
ومنهم جمال الدين بن القفطي الصعيدي ترجمه الأدفوي في الطالع السعيد، فذكر من مؤلفاته أخبار المصنفين وما صنفوا.
ومنهم الإمام الطوفي البغدادي، ألف في تراجم المؤلفين في الإسلام ومؤلفاتهم، كتابا حافلا في ثمان مجلدات، وتوجد بعض مجلدات منه في إحدى دور الكتب بالآستانة واستانبول.
ومنهم الإمام أبو البركات محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي الأندلسي، له تأليف في أسماء الكتب والتعريف بمؤلفيها، على حروف المعجم.
ومنهم شرف الدين محمد بن معمر المقدسي الكاتب المتوفي سنة ٧١٢، له القصيدة
стр. 663
البائية في أسامي الكتب العلمية، وهذه المنظومة هي المنقول عنها في كشف الظنون المطبوع، ما رأيت من ألف في موضوعها شيئا غيره، وقد عرفت حال النظم وضيقه عن الإستيعاب كما ينبغي اهـ وهو قصور من صاحب كشف الظنون عجيب، فكأنه لم يقف على ما ذكرناه من الكتب في موضوعه لابن الساعاتي، والطوفي، وابن الحاج، وغيرهم على أن صاحب كشف الظنون، ذكر كما علمت كتاب ابن الساعاتي في الكشف في موضعين في حرف الألف، وفي حرف الدال أنظر ما سبق.
ولشيخ الإسلام محمد أبي السرور البكري الصديقي المصري المتوفي سنة ١٠٨٧ كتاب في تاريخ المؤلفين على أسلوب أخبار المصنفين، لابن أنجب البغدادي وهو في مجلدات.
وقد ذيّل على كشف الظنون جماعة فمنهم الفاضل، إبراهيم بن علي الحنفي الرومي المتوفي سنة ١١٨٩، له الذيل على كشف الظنون لكاتب چلبي [شلبي] الرومي، في أسماء الكتب والإلحاقات. ذكره له في ترجمته صاحب سلك الدرر المرادي، ومنهم كمال الدين محمد بن مصطفى البكري الغزي الحنفي، المتوفي سنة ١١٩٦، قال في سلك الدرر:
جمع كتابا في أسماء الكتب على طريقة غريبة، سماه كشف الظنون في أسماء الشروح والمتون اهـ.
ومنهم عصرينا المعمّر المعتني سعادة المير آلاي إسماعيل باشا البغدادي الأصل، الآستانة لي المولد والدار، ذيّل على كشف الظنون في مجلدين، وله أيضا مؤلف في أربع مجلدات كبار في أسماء المؤلفين، ومؤلفاتهم، كان المذكور حيا سنة ١٣٢١-[١٩٠٣] م وقد جاوز السبعين كما بلغني عن عصرينا المعتني البحاثة الشيخ جميل العظم البيروتي، أن له ذيلا على كشف الظنون، في عشر مجلدات، ولصاحبنا البحاثة الأثري السيد حسن حسني عبد الوهاب التونسي كتاب سماه (دليل الباحثين عمن ألف من الإفريقين) أخبرني أنه في ثلاث مجلدات، وأنه اشتمل على آلاف من أسماء الكتب التي ألفها من على شرطه، وأن فيه التراجم نحو الثمانمائة، يصف فيه كل كتاب وصفا مدققا عن محل وجوده، وجرمه ومخطوطه ومطبوعه إن كان طبع.
ولأبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسي (كواكب الترصيف فيما للحنفية من التصنيف) ذكره له من عرف به ولم أقف عليه.
ولمحدث الهند وعالمه أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الأنصاري:
(فرحة المدرسين بذكر المؤلفات والمؤلفين) وقبله ألف الحافظ قاسم بن قطلوبغا كتابه: تاج التراجم فيمن صنف من الحنفية، وهو موجود بالمكتبة الخالدية ببيت المقدس، كما ألف في أسماء المؤلفين دون من ذكر جماعة، وفي ترجمة أبي حفص عمر ابن المكي
стр. 664
الشرقاوي المتوفي سنة ١٢٦٠ بفاس، من سلوة الأنفاس أن له صلوات تضمنت أسماء الكتب المؤلفة في الصلاة على سبيل التوراة والتوجيه.
وفي صبح الأعشي: كان للخلفاء والملوك في القديم بخزائن الكتب مزيد إهتمام، وكمال إعتناء، حتى حصلوا منها على العدد الجم، وعلى الخزائن الجليلة، ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن؛ إحداها خزانة الخليفة العباسي ببغداد فكان بها من الكتب ما لا يحصى كثرة ولا يقدّم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد. الثانية: خزانة الفاطميين بمصر، وكانت من أعظم الخزائن وأكثرها إلى أن إنقرضت دولتهم بموت العاضد آخر ملوكهم، الثالثة: خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، وكانت من أجلّ خزائن الكتب، ولم تزل إلى أن إنقرضت دولتهم فذهبت كتبهم كل مذهب اهـ.
قلت: في صناجة الطرب أن عبد الرحمن الناصر الأموي جمع في قرطبة على ما يقال: أربعمائة ألف مجلد، وستمائة ألف على قول البعض اهـ.
قال القلقشندي في صبح الأعشي: واعلم أن الكتب المصنفة أجلّ من أن تحصى، وأكثر من أن تحصر، لا سيما الكتب المؤلفة في الملة الإسلامية، فإنه لم يصنف مثلها في ملة من الملل، ولا قام بنظيرها أمة من الأمم اهـ.
أقول: يجب القول اليوم بأن أعظم مكتبة إسلامية في الكرة الأرضية المكتبة الخديوية المصرية، فإنها جمعت ما لم تجمعه الآن مكتبة في العالم الإسلامي، وبرنامجها في عشر مجلدات ولعله أضيف إليها بعد طبعه ما يقرب مما كان فيها وقت جمعه، وذكرت دائرة المعارف الوجدية أن عدد الكتب المطبوعة الموجودة بها ٨٤٠٠٠ مجلد، وعدد الكتب المخلوطة بها ١٩٠٠٠ من ضمنها ١٨٩ مصحفا ومن هذه المصاحف ٢٧ مصحفا بالخط الكوفي على رق غزال، وبها بردية كتبت في شهور سنة ١١٧ هجرية، وهي أقدم ما بها وأقدم ما بها من الكتب رسالة الشافعي بخط تلميذه الربيع الجيزي، كتبها سنة ٢٦٤، ويليها مكاتب الإستانة وهي كثيرة متعددة؛ فيها ما لا يوجد في غيرها غرابة وزخرفة، وأني أخاف عليها كثيرا اليوم أن تحرق أو تغرق، ويا ليت أهل أنقرة يبيعونها في أوروبا فتحفظ من مكرهم وغارتهم على الإسلام وعلومه وكتبه، ويا ليت جمعية الأمم تهتم بذلك، ثم مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، ولكن بلغني أن معظم ما كان بها تفرّق شذر مذر، ثم من المكاتب الخصوصية بمصر مكتبة البحاثة المعتني الكبير أحمد تيمور المصري، فقد أخبرني السيد حسن حسني عبد الوهاب، أنها اشتملت على أربعة وعشرين ألف مجلد، فيها بخطوط المؤلفين نحو سبعة آلاف مجلد، ويليها مكتبة الكاتب الكبير أحمد زكي باشا، فيها أيضا الكثير الطيب.
ومن الأسف أن المطابع المصرية وغيرها لا تعتني الآن إلا بطبع كتب المتأخرين غالبا، وربما كررت طبع الكتاب الواحد مرات، غاضة الطرف عن كتب المتقدمين التي
стр. 665
ألفت في القرن الثاني والثالث والرابع والخامس، مع أنها أجدر بالإهتمام؛ لإفادتها وقلتها في الوجود، فأخاف إن دام طرف أصحاب المطابع مغضوضا عنها أن تضيع بالكلية وتنعدم، فإن أكثر الموجود منها على قلته تخرّق وكاد يضمحل وأني أندب الكتّاب وأصحاب الهمم إلى الكتابة في هذا الموضوع الهام، وهو تحريض أصحاب المطابع على نشر الكتب القديمة الإسلامية، التي كادت تضمحل، وذلك بتكوين لجنة أولية تجمع أساميها وعناوينها ومحلات وجودها، ثم السعي في نشر الأهم، والأقدم، والأندر منها، والله الموفق.
ولكن وإن أحرق ما أحرق، ونهب ما نهب، وحجر ما حجر، وأخفي ما أخفي، فالأصل الأصيل لتفاصيل المدنية الإسلامية القرآن الكريم الذي جمع فأوعى، وكان حفظه الذي لا ينسى على ممر الدهور، السبب العظيم لحفظ ضوابط تلك المدنية الإسلامية، وقد حازت منه الأمة المغربية أوفر الحظوظ، حتى قالوا: إن القرآن نزل بلغة العرب ففسره العجم، وحفظه المغاربة ونطق به أهل مصر، وأحسن الإستماع له الترك، وعمل بالقسم الآخروي منه أهل اليمن. ومنذ نزل القرآن هذه مدة من أربعة عشر مائة سنة، والناس يستنبطون منه، ويستخرجون على إختلاف المدارك والغايات، والحظوظ، والفنون العلمية، والأخلاقية والقانونية والتاريخية والفلسفية، وهو إلى الآن بحر لا ينفد، ولا تنقضي عجائبه.
ومن بديع أمر القرآن الدال على أنه منبع الترقي والحضر، والإستعمار بمعناه اللغوي، أنك لا تجد اليوم حادثة في باب من أبواب العلوم الكونية إلا ويمكن أن تستخرجها أو ما يدل عليها من القرآن، وقد قام بهذا القسط اليوم من أهل الإسلام من شعروا بالغاية القصوى فيه، من أهل مصر، والشام، والعراق، فتجردوا لإستخراج فرائده، وإستيعاب مضامينه على حسب حاجات هذا العصر، وما يروج فيه مما هو في الحقيقة من العلوم الإسلامية، ولكن أعطي صبغة أخرى، وشكلا آخر، فقام كاتب حكيم في دمشق الشام وهو الأستاذ محمد بن أحمد الإسكندراني يستخرج منه العلوم الطبيعية، وما في الأرض من أسرار المياه، ومجاريها والأحجار وفوائدها، والنباتات وحكمها وخواصها، وكتابه هذا في غاية الإبداع، إشتمل على ثلاث مجلدات سماه: كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية، طبع سنة ١٢٩٩. وقام العلامة الفلكي الكبير المرحوم أحمد مختار باشا التركي فألف كتاب: «موافقة الآي القرآنية للعلوم الفلكية» جمع فيه نحو سبعين آية.
وقام ضابط تركي من النابغين في الفلك والهيئة فألف كتابا في تطبيق قواعد هذا العلم على القرآن الكريم أيضا.
وما ألف أجمع ولا أوسع في هذا الباب من كتاب صديقنا الاستاذ العلامة عالم مصر الشمس محمد بن بخيث المطيعي الحنفي، وهو مطبوع في مجلد. وقام كاتب في مصر
стр. 666
وهو الشيخ طنطاوي جوهري جرّد وجهته إلى العلوم الفلكية، وإستخراجها منه، والشمس وشعاعها، والقمر وضيائه، والسماء ونجومها، في كتابه نظام العالم، والأمم، وكتابه نهضة الأمة، وحياتها وكتابه: ميزان الجواهر، وكتابه: جمال العالم.
وقام فريد وجدي الكاتب البحاث البارع في مجلة الحياة، وكتابه كنز العلوم واللغة، وكتابه دائرة المعارف، وكتابه الإسلام والمدنية، وتفسيره ومقدمته، صفو العرفان بإستخراج العلوم النفسية والقوانين الإجتماعية والعلوم العمرانية من القرآن وجواهره.
وقام عالم شيعي اسمه هبة الله الشهرستاني من أهل عصرنا، بكتابه المسمى الهيئة والإسلام إفتتحه بمقدمات هامة سدّ بها فراغا عظيما في باب العلوم الفلكية أيضا، وما أحسنه وأسهل مأخذه.
وألف صاحبكم «١» هذا كتابه في إقامة أصول الكهرباء والبخار ونتائج العلم بهما من تسيير القطارات والأتوموبيلات والغواصة البحرية والمنطادات الجوية، ومن الكتاب والسنة، سميته اليواقيت الثمينة في الأحاديث القاضية بظهور سكة الحديد ووصولها إلى المدينة، وقد طبع بالجزائر سنة ١٣٢٩- ١٩١١ وبلغني أنه ترجم لللغة الفرنسية.
ومن عجيب أمر القرآن والسنة أنهما لا يحجران علينا الأخذ بما لم يوجد فيهما صراحة ونصا، مما يصلح للزمن القابل، لأن الدين تكفل بتأييد مبادي الرقي، وجميع مشاريع العمران، فلم يحجر علينا إلا الأخذ بما يضر من آداب وأخلاق الأمم الآخرى، أما ما ينفع الناس، وظهرت فائدته فحاشا الدين الإسلامي أن يقوم عثرة في طريقه.
وفي العتبية قال مالك بن أنس: إن عمر بن عبد العزيز قال: «سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها إتّباع لكتاب الله، واستعمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها، ولا تغييرها، ولا النظر في شيء يخالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن إنتصر بها منصور. ومن تركها اتّبع غير سبيل المؤمنين، وتولّاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: إتباع ما سنّوه إتباع لكتاب الله اهـ.
وإنما تتوهم المباينة من قصور أو تقصير الباحث المتصدي، أو قل الجمود على المبادي، والجمود ضد الإسلام، وعلى هذه الطريقة جرت الأمم الإسلامية، بالأخذ بالأحسن فالأحسن، وقت مدنيتها الزاهرة بقرطبة، وفاس، والقيروان، وبغداد، وقزوين، فلذلك، لم تكن إختراعاتهم تقف عند حدّ، وطرقهم لباب الرقي لم يكن يقف في وجوههم سدّ، فأتوا من ذلك وقت ما كانت أوروبا في نومها العميق، ما صيّرهم قدوة لغيرهم، واعترف لهم بذلك فطاحلة المؤرخين من غيرهم.
стр. 667
ولننقل لك بحثا للمؤرخ سيدليو السابق الذكر في كتابه خلاصة تاريخ العرب، الذي ترجمته إدارة المعارف المصرية وطبعته سنة ١٣٠٩ هـ ١٨٩٠ م قال فيه:
المبحث السابع عشر في إختراعات العرب، وإستكشافاتهم بيت الإبرة، وصناعة الورق، والبارود، والأسلحة النارية.
أسلفنا لك وصف الأسباب والمسببات المتعلقة بالتمدن المنتشر في الدنيا، بإنتشار العرب، من إبتداء بوغاز جبل طارق، إلى نهاية حدود آسيا. وبقي علينا التكلم على ما تغيرت به الحالة الأدبية والسياسية والعسكرية في جميع الدنيا، من إختراع العرب الورق، وبيت الإبرة وبارود المدافع، ولا عبرة ببعض الأفرنج الذي سلب عن العرب شرف إختراعها وتعليمها لأوروبا، زاعما أنّ أهل الصين عرفوا تلك الأشياء، منذ زمان قديم، عملا بما أطلع عليه من نسبته لغيرهم، في بعض متون موهومة العزو إلى من نسبت إليه، كما زعم أنّ المطبعة كانت موجودة لدى أهل الصين، منذ القرن الثامن من الميلاد، نعم، إستفاد العرب عمل الورق من الحرير من أهل الصين، الذين لو كانوا يعرفون صناعة الطبع قبل غيرهم لإستفادها العرب منهم، وكيف يظن أنهم إستعملوا بيت الإبرة، مع أنهم لم يزالوا إلى سنة ١٨٠٠ ميلادية يعتقدون أنّ القطب الجنوبي من الكرة الأرضية سعير تتلظّى، وهل عرفوا إستعمال البارود وتلك الإستعمالات المتنوعة الباقي أثرها لدى العرب، المشهود لهم بإستعمالها أصنافا من القلل [الفنابل] في حصارهم مكة «١» سنة ٦٩٠ ميلادية، وإستعمالهم بمصر في القرن الثالث عشر البارود المستخرج من ملح النجاة، ليرمى به نحو قلل ذات صوت كالرعد، وذكر استعماله في وصف معرض البحرية التي عقدها ملك تونس مع أمير أشبيلية في القرن الحادي عشر، كما استعمل في حصار جبل طارق سنة ١٣٠٨ ميلادية، وحصار إسماعيل ملك غرناطة لمدينة بايطة سنة ١٣٢٤، وحصار طريفة سنة ١٣٤٠، أن الرصاص رمي بالبارود في تلك الحصارات، فابتدأ نصارى إسبانية يومئذ في استعماله، وقد استعمل العرب بيت الإبرة في ابتداء القرن الحادي عشر، في سفر البحر والبر، وضبط محاريب الصلاة، وصنع الورق من الحرير سنة ٦٥٠ ميلادية في سمرقند وبخارى، ثم استبدل يوسف بن عمر سنة ٧٠٦ ميلادية الحرير بالقطن الذي منه الورق الدمشقي، واستعمل ورق الغرب في الثالث عشر بقسطيلة، التي شاع منها استعماله في فرنسا وإيطالية وألمانية، وما أسلفناه هو كيفية تحكم العرب على جميع فروع تمدن أوروبا الحديث، ومنه يعلم أنه من القرن التاسع إلى الخامس عشر كان عند العرب أوسع ما سمح به الدهر من الأدبيات، وأن نتائج أفكارهم الغزيرة، وإختراعاتهم النفيسة، تشهد أنهم أساتذة أوروبا في جميع الأشياء، كالمواد المختصة بتاريخ القرون الوسطى، وأخبار السياحات والأسفار، وقواميس سير الرجال المشهورين، والصنائع العديمة المثال، والأبنية الدالة على
стр. 668
عظيم أفكارهم، وإستكشافاتهم المهمة، ولذلك كله وجب الإعتراف برفعة شأن هذه الأمة المحمدية، التي تحتقرها الإفرنج منذ أزمان عديدة اهـ من ص ٢٦٧ منه إرجع إليه تر عجبا، ولا نحتاج إلى زيادة الإحتجاج على ما ذكرنا أكثر مما سمعت عن مؤرخ أوروبي كبير، فغضوا الجفون عن القذى، واستروا الهفوات، وغطوا الجلابيب على الردى بحسن الفهم ومزيد الروية.
اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن منك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي.
أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوآ وظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. والحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين إصطفى.
حرره بيده الفقير محمد عبد الحي الكتاني في شوال الأبرك عام ١٣٤١ بفاس، أمّنها المولى بمنه آمين.
ثم أعدت النظر إليه والإلتفات مشتغلا به نحو سنتين أو أكثر فتم تنقيحا وتهذيبا وإلحاقا وتبويبا عام ١٣٤٦ بفاس، حرسها المولى بمنه مطالعا عليه مراجعا لأجله ما سبقت تسميته في المقدمة من الكتب والرسائل، وزدت على ذلك أخيرا ما لم يقع لنا فيما سبق تسميته، كالزرقاني على الموطأ وعون الودود على سنن أبي داود، وفضائل عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن الحكم المصري، والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد ابن إبراهيم الوزير اليمني، وإتحاف الرواة بمسلسل القضاة لأحمد بن محمد بن يونس الشلبي الحنفي المصري، وشرح السفاريني على منظومته في التوحيد، وصيد الخاطر لابن الجوزي، ونقط العروس لابن حزم، وروض التحبير في حكم السياسة والتدبير، لابن سماك الأندلسي، وتاريخ الخميس للديار بكري، والهدية المقبولة في حلل الطب المشمولة، وشرحها لأحمد بن صالح الأكناوي الدرعي، والمنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، لأحمد بن مرتضى وأنس السمير فيما وقع بين الفرزدق وجرير للياصلوتي والقانون لليوسي، والحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف، لأبي سالم العياشي، وشرح التحفة للشيخ التاودي بن سودة، وفهرسته، وكتاب وصف البريد، وشرح منظومة ابن أبي الرجال، في الفلك لابن قنفذ القسمطيني، والجرعة الكافية للشيخ المختار الكنتي، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. والحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين اصطفى.
стр. 669
تم كتاب التراتيب الإدارية للعلامة أعجوبة الزمان الحافظ المرحوم محمد عبد الحيّ الكتاني الإدريسي الحسني رحمه الله تعالى وقد صححت كثيرا من أخطائه المطبعية، وتركت بعضها مما لم يتضح لي سبيل تصحيحه كما وضحت بعض العبارات حسب الاصطلاح المعمول به في المشرق بوضعها بين حاصرتين [] وحذفت ما كان فيه إطناب زائد كثيرا عن الحاجة وأشرت لذلك في الهامش، كما رأيت ضرورة حذف بعض العبارات التي لا تتناسب مع جلالة هذا الكتاب الثمين وأسأل الله لمؤلفه الجليل أفضل الجزاء فقد كان بحرا لا يدرك قعره، ولولا خوضه في مستنقع السياسة لكان علما وإماما ليس له نظير، ولكن ما شاء الله كان، وإنه لشرف كبير لي أن أقوم بتصحيح هذا الكتاب خدمة للسنة النبوية المطهرة والسيرة المحمدية العطرة في أجلّى صورها وأدّق مناحيها وتفاصيلها الحياتية، مما يعطي القارىء صورة كاملة عن تصرفات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله في أمور لا تخطر بالبال لولا أن المؤلف بما آتاه الله من سعة العلم وقوة الحفظ وبعد النظر استطاع أن يضمنها دفتي هذا الكتاب العجيب الذي يكاد على صغر حجمه أن يكون موسوعة علمية نادرة. وقد قال المؤلف في آخر المقدمة النفيسة ص ٨٠ من الطبعة الأولى.
فإليكم معاشر الآتين وأرواح أفراد من الماضين أسوق هذه المجموعة النفيسة، التي هي كمرآة مكبرة، تتجلّى لكم منها الحالة الاجتماعية والسياسية والحربية والعلمية والأخلاقية والعائلية التي كانت في زمن مصدر النبوة، وإبّان فيضان الكمال بأتمّ معانيه في وقت الرسالة المحمدية، فخذوها شاكرين، واقرأوها بالخير ذاكرين، والله المستعان.
ولا أنسى في خاتمة الكتاب من التنويه بالأخ الهمام الأستاذ أكرم الطبّاع صاحب دار الأرقم بن أبي الأرقم الذي قبل اقتراحي عليه بتجديد طباعة هذا الكتاب النفيس دون تردد، حبا منه في نشر الكتب العلمية النافعة وخدمة لسيرة رسول الله ﷺ ، وحرصا منه على إخراج هذا الكتاب في حلة جديدة زاهرة، لينتفع بها الشباب المؤمن المتعطش لمعرفة التفاصيل العملية لحياة الرسول الكريم في مختلف نواحي الحياة جزاه الله خير الجزاء.
وحقق آمال مؤلفه العلم الشامخ الذي قلّ نظيره في فضله وعلمه وحسبه ونسبه ولا بد من شكر العاملين الفنيين في تنضيد الحروف وهم الجنود المجهولون العامذون بصمت وعلى رأسهم الأخ حسن فتوني لصبرهم وجهدهم في تصحيح تجارب الطبع أعانهم الله.
ربنا أغفر لنا وارحمنا وعافنا واهدنا لما فيه رضاك آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مصححه خادم أهل العلم عبد الله بن محمد رشيد الخالدي
بيروت في ٢٠/ ذي القعدة ١٤١٦ هـ ٨/ (اپريل) نيسان ١٩٩٦ م.
стр. 670
فهرس الموضوعات
القسم التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله ﷺ وذكر من عملها من الصحابة رضوان الله عليهم زيادة على ما تقدم وفيه عدة أبواب ومقدمات وهي ثماني ست لم يأت عليها الإمام الخزاعي فاستدركتها عليه فأقول ٥
المقدمات ٧
باب ما ذكر في الأسواق ٨
باب كون الناس كانوا أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وما ينجي من الربا ١٦
باب تشديد عمر على الصحابة في تركهم الاتجار لغيرهم من العامة والاخلاط ١٨
باب ايثار الصحابة في الخروج للتجارة التبكير ١٩
باب أمر عمر بالسعي وحضه الناس على التكسب ١٩
باب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه ٢٠
باب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينهما بالنسبة إلى نفسه ٢٠
الباب الأول في ذكر من كان يتجر في زمن رسول الله ﷺ ٢١
ثم من اتجر من كبار الصحابة بعده ٢١
ذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة ٢٤
باب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله ﷺ ٢٥
باب في سوق البزازين في المدينة على عهده ﵇ ٢٦
باب في العطار ٢٦
باب في الوزان في زمنه ﵇ ٢٧
باب في الصراف ٢٨
ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله ﷺ ٢٨
التجارة في العنبر والزئبق ٢٨