← Сияса и кади

Сияса и кади · id 23688

التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية

عبد الحي الكتاني المغربي

Полный текст (682 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة) وما يضاف إلى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد من الصحابة

стр. 72

الخلافة «قال الفخر الرازي: الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه. وفي صناعة الكتابة لابن النحاس: وعلى هذا خوطب الصديق فقيل له: يا خليفة رسول الله وهو أول من ولي الخلافة في الإسلام» خزاعي. الخلافة هي الرياسة العظمى، والولاية العامة الجامعة، القائمة بحراسة الدين والدنيا، والقائم بها يسمّى الخليفة، لأنه خليفة عن رسول الله ﷺ ، والإمام لأن الإمامة والخطبة في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين لازمة له، لا يقوم بها غيره إلا بطريق النيابة عنه؛ كالقضاء والحكومة، ويسمّى أيضا أمير المؤمنين. وهو الوالي الأعظم لا والي فوقه ولا يشاركه في مقامه غيره، وأول خلافة انعقدت على حقيقتها ووجهها في الأرض، خلافة أبي بكر ﵁. أخرج ابن عديّ عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون، فقال: والله ما زدتني إلا غما. قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال فقال: يا رسول الله من يصلي بالناس؟ فقال: مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول الله ﷺ لسكوت الله وسكت المسلمون لسكوت رسول الله ﷺ ، فأعجبه فقال: بارك الله فيك. وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة أبي بكر من آيات القرآن، فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قال: هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير في قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح: ١٦] قال: هم بنو حنيفة. قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة: هذه الآية حجة على خلافة الصديق، لأنه الذي دعا إلى قتالهم، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول: خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية، قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلّا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة، ومن منع الزكاة. قال: فدلّ ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته، إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذّب عذابا أليما. قال الحافظ بن كثير: ومن فسّر القوم بأنهم فارس

стр. 73

والروم فالصديق هو الذي جهز الجيش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان، وهما فرعا الصديق، وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥] الآية قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة أبي بكر. وأخرج البيهقي عن ابن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق، وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ ، فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم. وفي الفروق لأبي العباس القرافي ص ١٨٢ من الجزء الثاني قال العلماء: إن قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] إنه الخلافة وأنه ﷺ كان يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه، فيقولون له: ويكون لنا الأمر من بعدك: فيقول ﷺ : إني قد منعت من ذلك، وإنه قد أنزل عليه وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ الزخرف: ٤٤] فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء، وقد سئل بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: سبحان الله إنا بالقيروان نعلم من هو أصلح منا للقضاء، ومن هو أصلح منّا للفتيا، ومن هو أصلح منا للإمامة، أيخفى ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق. وصدق ﵁ فيما قاله اهـ. وهو ﵁ أول من أسلم، وأول من جمع القرآن وأول من سمّاه مصحفا، وأول من سمّي خليفة. أخرج أحمد عن أبي بكر ابن مليكة قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله قال: أنا خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا راض به. وأول من ولي الخلافة وأبوه حي وأول خليفة فرض له رعيته العطاء. أخرج البخاري عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين، وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وفي ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق. فقال عمر: أين تريد؟ قال: إلى السوق. قال: أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين، ليس بأفضلهم ولا أركسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره، ففرض له كل يوم نصف شاة، وما كساه في الرأس والبطن، وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين. قال: زيدوني لأن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة. وهو أول من اتخذ بيت المال كما سبق. قال الحاكم: أول لقب في الإسلام لقّب أبي بكر عتيقا قال الحافظ السخاوي: وهو أول من لقب بشيخ الإسلام اهـ وقال الشهاب أحمد حلولو في شرحه على «جمع الجوامع» : أما

стр. 74

كون أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ؛ فقد اتفقت الصحابة على إطلاقه، وذلك لما اقتضته الأدلة من الاستخلاف، وهي كثيرة جدا مبسوطة في الكتب المطولّة، متواطئة على معنى واحد، غير أنه ليس فيها نص صريح؛ لأنه لو كان لما وقع التردد منهم أولا في يوم السقيفة، وأما تسمية بقية الخلفاء بأمراء المؤمنين فبإطلاق الصحابة اهـ. وقال الحافظ ابن حزم في «نقط العروس» : من ولي الخلافة بعهد اختلف الناس في أبي بكر. والذي أدين الله به: أنه ولي الخلافة بعهد من رسول الله ﷺ إليه، ونص عليه لإجماع أهل الإسلام على تسميته خليفة رسول الله، ولم يسمّ أحد بهذا الإسم أحدا غيره، ولا ممن استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة، ولا ممن استخلفه على الصلوات في غزواته وحجته، وللخبر الثابت «١» الذي رويناه من طرق ثابتة في قصة المرأة التي قالت: يا رسول الله، فإن رجعت ولم أجدك كأنها تريد الموت قال: «فأبو بكر» ، هكذا نص الحديث كما أوردناه، ولغير هذا مما ذكرناه في كتاب «الفيصل» ولله الحمد اهـ وقال ابن جزيّ في «القوانين» : الدليل على إثبات إمامة الخلفاء الأربعة من ثلاثة أوجه: أحدها أن كل واحد منهم جمع شروط الإمامة على الكمال، والآخر أن كل واحد منهم أجمع المسلمون على بيعته والدخول تحت طاعته والإجماع حجة، والثالث ما سبق لكل واحد منهم من الصحبة، والهجرة والمناقب الجليلة، وثناء الله عليهم وشهادة الصادق لهم بالجنة، ثم إن أبا بكر وعمر أشار رسول الله ﷺ إلى خلافتهما وأمر بالإقتداء بهما، وقدم أبا بكر على حجة الوداع وعلى الصلاة بالناس في مرض موته، وذلك دليل على إمامته ثم استخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الأمر شورى بين ستة نفر، فاتفقوا على تقديم عثمان. إلى أن قتل مظلوما، ثم كان أحقّ الناس بها بعده علي لمرتبته الشريفة وفضائله المنيفة. وأول من سمّي بأمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب اتفاقا، وذلك أن أبا بكر لما بويع كانوا يسمونه خليفة رسول الله، فلما بويع عمر كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول الله فاستثقلوا ذلك، وكرهوا تزايده داعيا إلى أن يؤدي إلى الاستهجان، ويذهب التمييز المقصود به لكثرتها وطول إضافتها، فاتفق أن دعا بعض الصحابة عمر بن الخطاب بأمير المؤمنين فيما كتبه إليه أبو موسى الأشعري، وفيما خاطبه مشافهة عدي بن حاتم الطائي أو المغيرة بن شعبة أو عمرو بن العاص أو غيرهم، فاستحسنه الناس واستصوبوه، وكان رسول الله ﷺ أطلق هذا الاسم قبله على عبد الله بن جحش حين بعثه في سرية. وقال الحافظ السيوطي كما في «المصباح الوهاج» ، حين ذكر أن أبا بكر بعد موته ﵇ بعث أسامة على جيش للشام، فكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير

стр. 75

المؤمنين. وروي عن سيدنا عمر أنه كان إذا رأى أسامة قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فيقول أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين تقول لي هذا فيقول لا أزال أدعوك الأمير ما عشت. مات رسول الله ﷺ وأنت عليّ أمير اهـ. ووقع في الأسئلة التي قدمها الشيخ تاج الدين السبكي للصلاح الصفدي: من عدّ من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر ولم يكن قرشيا حين عدّ ولا ... يجوز أن يتولى إمرة البشر؟ ومن جواب الحافظ السيوطي عن الأسئلة المذكورة: ثم المسمى أمير المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر أسامة حين ولاه النبي على ... سرية لقبوه ذاك في السفر ثم توارث الخلفاء هذا اللقب سمة لا يشاركهم فيها أحد وتنافسوا فيها؛ خصوصا ملوك بني أمية، ثم بني العباس الذين كانوا ببغداد، إلا من رأى أنه أحق منهم بالخلافة ببقية الأقطار، كإمام المغرب أبي العلاء، مولانا إدريس بن عبد الله الكامل، قدس الله روحه الزكيّة، فإنه قام بالأمر هنا، بإيصاء أخيه محمد النفس الزكية له بالأمر، وقد كان بويع في المدينة بالخلافة قبل بيعة أبي جعفر المنصور العباسي، فكان هو الخليفة الشرعي، وفي شرح ابن زكري على همزيته: إن النفس الزكية انعقدت له الإمامة قبل بني العباس، ولهذا كان مالك وأبو حنيفة يجنحان إليه ويرجّحان إمامته على بني العباس ويريان أن إمامته أصحّ من إمامة أبي جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل اهـ وأصله للحافظ التنسي في الدر والعقيان. وقال غيرهما: بيعة بني العباس هي غير المنعقدة لأنهم خارجون، وبيعة مولانا إدريس ثابتة، ولذلك ثبت أن مولانا إدريس الأكبر قال في خطبته حين بيعته: إن الذي تجدونه عندنا لا تجدونه عند غيرنا، وفي كنز الأسرار للمقري: سبب اشتهار مذهب مالك بالمغرب واقتصارهم عليه وأمر مولانا إدريس لهم باتباعه: رواية مالك في الموطأ عن جده عبد الله الكامل، وفتياه بخلع أبي جعفر المنصور العباسي، وبيعته لمحمد النفس الزكية وعهده لأخيه إدريس الأكبر بالخلافة بعده قاله ابن خالدون. فكان مالك هو السبب في ولايتهم الملك، فقال إدريس نحن أحق باتباع مذهبه وقراءة كتابه يعني الموطأ، وأمر بذلك في جميع عمالته اهـ وانظر الدر النفيس. وكعبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموي المتوفّى سنة خمسين وثلاثمائة. قال ابن جزيّ في قوانينه: هو أول من دعي بالأندلس أمير المؤمنين اهـ قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: هو أول من تسمى بالأندلس بالخلافة وبأمير المؤمنين لما وهت الدولة العباسية في أيام المقتدر، وكان الذين قبله إنما يتسمون بالأمير فقط اهـ وفي أزهار الرياض: والناصر هو من تسمّى بأمير المؤمنين من بني أمية بالأندلس، لأن الدولة عظمت في أيامه، حين اختلط نظام ملك العباسيين بالمشرق وتغلبت عليه الأعاجم اهـ منه. وإنما أعلن الناصر

стр. 76

بذلك لما رأى من ضعف أمر الخلفاء العباسيين ببغداد، إذ لقب نفسه أمير المؤمنين، وأورث من عقبه هذا اللقب، واستهل خطيبه بجامع قرطبة خطبة الجمعة بذلك سنة ٣١٦، وأنفذ منشوره بذلك لعماله جاء فيه: وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو لهذا الاسم منتحل له ودخيل ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه واسم ثابت أسقطناه، فمر الخطيب لموضعك أن يقول به، وأجر مخاطبتك لنا عليه اهـ. ولما قام عبيد الله المهدي أول ملوك العبيدين بأفريقية تسمّى بأمير المؤمنين لأنه كان رأى أنه أحق بالخلافة من بني العباس المعاصرين له بالمشرق، قال صاحب تاريخ دول الإسلام: فهو أول من زاحم الخليفة بهذا اللقب اهـ ثم تبعه على ذلك عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس، ورأى أن له الحق في الخلافة، اقتداء بسلفه الذين كانوا خلفاء بالمشرق، ثم لم يتجاسر أحد لا من ملوك العجم بالمشرق، ولا من ملوك البربر بالمغرب على التلقب بأمير المؤمنين، لأنه لقب الخليفة الأعظم القرشي، إلى أن جاءت دولة المرابطين وكان منهم يوسف بن تاشفين واستولى على المغربين، والأندلس وعظم سلطانه واتسعت مملكته، وخاطب الخليفة العباسي بالمشرق، فولاه على ما بيده وتسمى بأمير المسلمين، أدبا مع الخليفة، وقيل: أول من دعاه بها المعتمد بن عباد صاحب ملك الأندلس، فاستحسن ذلك منه. ثم لقبّه بها صاحب بغداد، ثم جرت على من بعده. ولما تكلم ابن أبي زرع على وقعة الزلاقة وكانت سنة ٤٧٩ وما أوتيه فيه من النصر قال: وفي اليوم نفسه سمّي يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين، ولم يكن يدعى بها قبل ذلك اهـ. قلت: مثل ما لابن أبي زرع لغير واحد. نعم في كتاب أخبار الدول وآثار الأول للقرماني أن عبد الله بن ياسين ممهد دولة الموحدين، سمّى أبا بكر بن عمر رأس قبيلة اللمتون لما بايعه بأمير المسلمين، ولا شك أن بيعته كانت قبل وقعة الزلاقة بكثير فيحتمل أن يكون الملقب أولا ابن عمر، ثم اشتهر على يوسف المبايع بعده لما لقبه به رسميا في الأندلس المعتمد بن عباد في وقعة الزلاقة، ثم أقره عليه الخليفة العباسي والله أعلم، وصار اللقب بأمير المسلمين شعار المرابطين ففي مكتبتنا طرف من الموطأ انتسخت في الرق لعلي بن يوسف بن تاشفين سنة ٥٣٠ على أول بعض أجزائها: مما كتب لخزانة أمير المؤمنين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين أدام الله تأييده ونصره يحيى بن محمد بن عباد اللخمي اهـ من خطه. وفي مكتبتنا في قسم السكك دراهم ليوسف بن تاشفين، رسم عليها وصفه بأمير المؤمنين. وهو يؤيد ما في كتاب أخبار الدول وآثار الأول. لأحمد بن يوسف القرماني الدمشقي في ترجمة يوسف بن تاشفين أنه تلقب بأمير المؤمنين اهـ انظر ص ٢٥٤ طبع بغداد.

стр. 77

ورأيت عياضا وصف ولده علي بن يوسف بن تاشفين مرارا في الغنية بأمير المؤمنين، ولما أعقبت دولة المرابطين الدولة الموحدية أعلنت بما تهوى قال ابن جزيّ في قوانينه عن عبد المؤمن بن علي الموحدي تسمى بأمير المؤمنين اهـ. وأفاد صاحب تاريخ دول الإسلام أن عبد المؤمن تسمّى بأمير المؤمنين سنة ٥٢٨ واتسم بوسم الخليفة، وتبعه على ذلك بنوه، ففي مكتبتنا نسخة من اختصار الموطأ للمهدي بن تومرت وأماليه، انتسخت بفاس سنة ٥٨٨ طالعتها وفيها تحلية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بأمير المؤمنين، ولا يستغرب ذلك في الدولة الموحدية، لأنهم تجاوزوا ذلك إلى إدعاء العصمة والمهدوية، في إمامهم ابن تومرت. ومن العجيب ما وقع في باب الأيمة من قريش من فتح الباري من أن قطري أحد أيمة الخوارج تسمى بأمير المؤمنين قال: وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج؛ ممن قام على الحجاج كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما، فتسمى بالخلافة وليس بقرشي كبني عباد وغيرهم بالأندلس، كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها اهـ منه. ولكن لما جاءت الدولة المرينية محت ذلك واقتصر ملوكها على التلقيب بأمير المسلمين، وبذلك كان يدعى ملوكهم، ولذلك نجد على بناآتهم وآثارهم الوصف بأمير المسلمين لا المؤمنين تمييزا لهم عن لقب الخلفاء بالمشرق، وفي مكتبتنا مد لإخراج زكاة الفطر من آثارهم نقش في صدره ما نصه. الحمد لله- أمر بتعديل هذا المد المبارك مولانا أمير المسلمين أبو الحسن بن مولانا أمير المسلمين أبي سعيد بن مولانا أمير المؤمنين أبي يوسف بن عبد الحق أيده الله ونصره الخ. وفي مكتبتنا أيضا أوراق من ربعة مصحف كريم في الرق في آخره بالذهب: كمل الجزء السادس عشر، مما نسخ لمولانا الملك العادل التقى الأطهر، أمير المسلمين وخليفة رب العالمين، أبو سعيد بن مولانا المقدس يوسف بن عبد الحق الخ واقتدى بهم في ذلك ملوك بني زيان بتلمسان، ففي مكتبتنا ربعة مصحف انتسخها بيده السلطان أبو زيان محمد بن أبي حم سنة ٨٠١ ووقع في آخرها وصفه بأمير المسلمين. ولكن لما كانت انقطعت الخلافة ببغداد وكثر الأمراء في الجهات واستقل كل في جهته الحال الذي وصفه ابن الخطيب بقوله: حتى إذا سلك الخلافة انتثر ... وذهب العين جميعا والأثر قام بكل بقعة مليك ... وصاح فوق كل غصن ديك توسع ملوك الأطراف في التلقيب بأمير المؤمنين، وتهافتوا عليه فيما بعد وخصوصا ملوك الدولة السعدية، ففي عقود تحبيساتهم في مكتبة القرويين وصفهم بأمير المؤمنين

стр. 78

كثيرا، وبالأخص يتيمة عقدهم أبو العباس المنصور، مع احترامه لملوك الترك العثمانيين وكونهم أولياء نعمته وشيوخه نراه يكتب فوق كثير من عقود التحبيس عن نفسه أمير المؤمنين ذاهبا بها قلمه كيف شاء، وهكذا الحال إلى الآن وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] . وفي مقدمة العبر لدى فصل إن اللقب بأمير المؤمنين من شعار الخلافة وأنه محدث، منذ عهد الخلفاء أنه لما تعطل دستها، وثار بالمغرب من قبائل البربر يوسف بن تاشفين ملك لمتونة ملك العدوتين، وكان من أهل الخير والاقتداء نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة، تكميلا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي، وأوفد عليه ببيعته عبد الله بن العربي، وولده القاضي أبا بكر من مشيخة أشبيلية، يطلبان توليته إياه على المغرب، وتقليده ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب، واستعار زيهم في لبوس رتبة وخاطبه فيه بأمير المؤمنين تشريفا له واختصاصا، فاتخذه لقبا. ويقال إنه كان دعا له بأمير المؤمنين من قبل أدبا مع رتبة الخلافة، لما كانت عليه هو وقومه المرابطون من انتحال الدين واتباع السنة، ثم انتحل عبد المؤمن الموحدي اللقب بأمير المؤمنين، وجرى عليه من بعده خلفاء بني عبد المؤمن، وآل ابن حفص من بعدهم، استيثارا بهم عمّن سواهم، ولما انتقض الأمر بالمغرب وانتزعه زناتة «١» ، ذهب أولهم مذهب البداوة والسذاجة، واتباع لمتونة في انتحال اللقب بأمير المؤمنين، أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن أولا، وبني حفص من بعدهم، ثم انتزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين، وانتحلوه إلى هذا العهد اهـ وقوله المؤمنين لدى كلامه على يوسف بن تاشفين، وبني مرين هو كذلك في طبعتي مصر الأولى والثانية وهو تصحيف وصوابه: أمير المسلمين وهو المعروف كما أن ما ذكره من أن يوسف بن تاشفين أوفد على المستظهر العباسي ببيعته عبد الله بن العربي وولده القاضي أبا بكر الخ منقوض بأن ابن العربي ووالده ذهبا للمشرق فرارا من يوسف بن تاشفين لما سقطت دولة المعتمد بن عباد، بدليل أن عبد الله بقي بالمشرق متجولا إلى أن مات هناك إجماعا، وولده أبو بكر بقي بعده ورجع لبلده لا لمراكش وفي مدة انتقالهما وجولانهما بالمشرق اعتقلت أملاكهما عليهما إلى أن رجع أبو بكر فتشفع في ردها عليه الحافظ أبو علي الصدفي. انظر كتابنا حول كتاب العواصم لابن العربي المذكور. ذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح هكذا ترجم الأسيوطي [السيوطي] في حسن المحاضرة ص ١٠٨ من الجزء الثاني فذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب قال لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال

стр. 79

له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر، وخرّج أيضا عن عمر قال: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا فسكت عمر، وأما السلطان من حيث الإصطلاح فقال ابن فضل الله في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الإصطلاح أن لا تطلق هذه التسمية (السلطان) إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك مثلا مصر وأهل الشام أو مثلا إفريقية والأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة ومثل خراسان وعراق العجم وفارس ومثل إفريقية والمغرب الأوسط والأندلس كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية اهـ انظر حسن المحاضرة وتاريخ القرماني ص ٢٢١. «لطيفة» وفي مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية أن أبا جعفر المنصور أحضر ليلة عبد الله بن علي وصالح بن علي في نفر معهما فقال عبد الله بن علي يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما هرب إلى بلاد النوبة «١» جرى بينه وبين ملكها كلام فيه أعجوبة سقط عني حفظه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يرسل إليه بحضرتنا، ويسأله عما ذهب عنا، وكان في الجيش. فأرسل إليه أبو جعفر فلما دخل قال له: أخبرني بحديثك وحديث ملك النوبة. قال: يا أمير المؤمنين هربت بمن تبعني بأثاث سلم لي إلى بلاد النوبة، فلما دخلت بلادهم فرشت تلك الأثاث، فجاء أهل النوبة ينظرون معجبين إلى أن بلغ الخبر إلى ملكهم فجاءني فلما وصل قعد على الأرض قال: إنكم تشربون الخمر وهو محرم عليكم، فقلت: عبيدنا وأتباعنا يفعلون ذلك بالجهل منهم. فقال: فلم تلبسون الديباج والحرير، وتتحلون الذهب وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك وإنقطعت المادة واستنصرنا بقوم من الأعاجم كان هذا زيهم فكرهنا الخلاف عليهم، فأطرق يقلب يده ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا. يكرر الكلام على نفسه. ثم نظر إليّ وقال: ليس ذلك كما تقول، ولكنكم قوم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما به أمرتم، وركنتم إلى ما عنه نهيتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بكم النقمة، وأنتم ببلدي فتصيا بني معكم، فارتحلوا عن جواري، فقام أبو جعفر وقيد من كلامه قال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء: ١٦] اهـ. وقد ذكر القصة بمعناها أيضا المسعودي في مروج الذهب، ثم ابن خالدون في مقدمة

стр. 80

العبر، وانظر المسند الصحيح الحسن في ماثر أمير المؤمنين أبي الحسن، وإيضاح المراشد في أجوبة أبي راشد كلاهما للخطيب بن مرزوق، ومقدمة كتاب القضاء من شرح التقليد للماوردي المالكي؛ فإنه حرر مواضع الخلافة، وهذب طرقها وما يحتاج إليه من ذلك، وكتاب إمام الحرمين الجويني في الخلافة، الذي سماه غياث الأمم في التياث الظلم وهو عنده مرتب على ثلاثة أركان: الركن الأول في الإمامة وما يليق بها من الأبواب، والركن الثاني في تقدير خلوّ الزمان عن الأيمة وولاة الأمة والركن الثالث: في تعذير إنقراض حملة الشريعة جملة. صنفه لغياث الدولة وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر، وانظر مقدمة كتاب: نصيحة الصفا في قواعد الخلفا لأبي العباس أحمد بن محمد بن يعقوب وهو مشتمل على أبواب خمسة: الأول في معنى الخلافة الثاني في حرزها الثالث في إستقرارها الرابع في كمالها وحربها الخامس في جعلها وسيلة للفوز بالخلافة الآخروية. لطيفة أخرى: في ثمار القلوب للثعالبي: كان أبو الفتح البستي يستحسن قولي في كتاب المبهج: الملك خلافة عن الله في عباده وبلاده، ولن تستقيم خلافته مع مخالفته اهـ. وفي ترجمة أبي عبد الله المقري التلمساني من تكملة الديباج عنه أنه قال: سألني بعض الفقراء عن سوء بخت المسلمين في ملوكهم؛ إذ لم يلهم من سلك بهم الجادة، بل من يغتر بدنياه غافل عن عقباه، لا يرقب في مؤمن إلا ذمة، فأجبته بأن الملك ليس في شرعنا، بل هو شرع من قبلنا قال تعالى ممتنا على بني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [المائدة: ٢٠] وقال: قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً [البقرة: ٢٤٧] وقال: وَهَبْ لِي مُلْكاً [ص: ٣٥] ولم يشرع لنا إلا الخلافة، فأبو بكر خليفته ﵇، كما فهم الناس عنه. وأجمعوا عليه، واستخلف عمر؛ فخرج عن طريق الملك الذي يرثه ولد عن والد، إلى الخلافة التي هي النظر والإختيار. ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، وأخرجها عمر عن بنيه؛ لأنها ليست ملكا. ثم تعين علي بعد إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، والآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أولّ من حوّلها ملكا. والخشونة لينا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٠] فصارت ميراثا. ثم لما خرجت عن وصفها لم تستقم ملكا. وكان عمر بن عبد العزيز خليفة لأن سليمان آثر حق المسلمين، فرغب عن بني أبيه، وعلم اجتماع الناس إليه فلم يسلك طريق الإستقامة إلا خليفة، وأما الملوك فكما ذكرت إلا من قل، وغالب حاله غير مرضي اهـ. قال الحافظ في أول كتاب الأحكام من الفتح: ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية؛ لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعوني. في قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] فقال له: أليس قد نزعت عنكم يعني الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [النساء: ٥٩]

стр. 81

قال الطيبي أعاد الفعل في قوله: أطيعوا الرسول إشارة إلى إستقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بين ذلك بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله اهـ. الوزير «قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعن له من الأمور اهـ وقد صرح ابن العربي في سراج المريدين والأحكام بتحسين حديث فيه أن أبا بكر وعمر وزراء النبي ﷺ من أهل الأرض» . قلت: وفي القوانين لابن جزي في حق عمر: وكان هو وأبو بكر وزيرين لرسول الله ﷺ في حياته اهـ منها. ولا شك أن حالهما كان مع رسول الله ﷺ لا يعطي إلا ذلك، وبما وصلاه من هذه الرتبة العظيمة إستخلفهما المسلمون بعده، وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير؛ فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول الله ﷺ يقدم عليه أحدا. انظر ص ٢٣ من تاريخ الخلفاء للسيوطي، وقد جاء ذكر الوزير في كثير من الأحاديث؛ أخرج النسائي عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : من وليّ منكم عملا فأراد به خيرا جعل له وزيرا صالحا فإن نسي ذكره وإن ذكره أعانه «١» . وخرّج أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أراد الله بالأمير خيرا حعل الله له وزير صدق إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإن أراد الله به غير ذلك جعل الله له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه» «٢» . وأصله في الصحيح. ترجم على الحديث المذكور أبو داود في سننه باب إتخاذ الوزير وأورده في الجامع الصغير، وعزاه لأبي داود والبيهقي قال المناوي في التيسير: رمز المؤلف لحسنه، ولعله لشواهده. وإلا فقد جزم الحافظ العراقي بضعفه اهـ وقال الشمس العلقمي في حواشي الجامع المسماة بالكوكب المنير بجانبه علامة الحسن، وقال أيضا قوله: وزير، الوزير هو الذي يوازر الأمير، فيحمل عنه ما يحمله من الأثقال، والذي يلتجىء الأمير إلى رأيه، فهو ملجأ له ومفزع انظر بقيته فيه، وفي عون الودود على سنن أبي داود للفنجابي: الحديث يدل على إستحباب إتخاذ الوزير عند الحاجة لأمور السياسة اهـ. وكان على الخزاعي أن يذكر هنا قول عبد الله بن مسعود وهو عند أحمد والبزار والطبراني في الكبير قال النور الهيثمي ورجاله موثّقون: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد

стр. 82

قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ونظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سييء وأن يذكر أيضا ما خرّجه الآجري في أربعينه، عن عبد الرحمن بن خديج بن ساعدة رفعه: إن الله إختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وفي أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب للحافظ السيوطي أيضا: وأيد ﵇ بأربعة وزراء جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر، وأعطي من أصحابه أربعة عشر نجباء، وكل نبي أعطي سبعة اهـ قال البدر الروضي في شرحه عليه قلت: قد جاء بيان هذه الأربعة عشر في الحديث من طرق مع إختلاف الأسماء فمنها ما جاء: لم يكن نبي قط إلا أعطي سبعة نجباء ووزراء رفقاء، وأعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبا بكر وعمر وعليا والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة وأبا ذر وبلالا ومصعبا اهـ. وفي سيرة ابن فارس: وأما رفقاؤه النجباء فعلي وابناه وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وأبو ذر والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمار بن ياسر وبلال. وفي الاستيعاب ورد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : إنه لم يكن نبي إلا أعطي سبعة نجباء وزراء ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر فذكرهم بأسمائهم لكنه مرة قدّم بعضهم ومرة أخر. والمقصود التسمية والعدد. وبذلك كله تعلم ما في قول أبي عبد الله اكنسوس في الجيش لما جاء الإسلام، وصار الملك خلافه، وذهب رسم الملك، وذهبت تلك الخطط اللازمة بذهابه، وبقيت المعاونة بالرأي والمفاوضة بالمصالح المستجلبة، والمفاسد المستدفعة، فلم يمكن زوال هذا. إذ هو أمر طبيعي لا بد منه، فكان ﷺ يشاور أصحابه، ويفاوضهم في المهمات العامة والخاصة، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان بعض العرب الذين عرفوا دول العجم قبل الإسلام كسرى وقيصر والنجاشي؛ يسمون أبا بكر وزير النبي ﷺ . وكذلك كان عمر مع أبي بكر، وعلي وعثمان مع عمر، ولم تكن العرب تعرف لفظ الوزير في هذه المرتبة، وإنما علمها منهم من خالط العجم، هذا حاصل ما ذكره ابن خالدون اهـ وتعلم أيضا ما في نقل القلقشندي في صبح الأعشي عن القضاعي وغيره: أن أول من لقب بالوزارة في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلالّ وزير أبي العباس السفاح، أول خلفاء بني العباس، ولم يكن ذلك قبله. ثم جرى الأمر على ذلك في إتخاذ الخلفاء والملوك الوزراء اهـ سيما وإستعمال الوزير وقع في القرآن حكاية عن الأنبياء قبل. فعن موسى ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [طه: ٢٩] وقال تعالى: وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً [الفرقان: ٣٥] فتأمل ذلك.

стр. 83

ذكر صاحب السر «صرّح الخطيب في تاريخ بغداد: أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سرّ رسول الله ﷺ ، ووقع تسميته بذلك أيضا في سنن النسائي، في قصة ذهاب علقمة للشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء فإن أبا الدرداء قال له: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟» . قال في أسد الغابة: حذيفة صاحب سرّ رسول الله ﷺ في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله ﷺ ، وسأله عمر أفي عمالي أحد من المنافقين؟ قال: نعم، واحد قال: من هو؟ قال: لا أذكره. قال حذيفة: فعزله فكأنما دل عليه اهـ. في ذكر الآذن [الحاجب] قلت: قال الشبراملسي في حواشي المواهب قوله: ويأذن عليه أن يراجع النبي ﷺ فيمن يريد الدخول عليه، ثم يأذن له إذا علم رضى النبي بذلك، وأما من كان يأذن على رسول الله ﷺ . «فخرّج مسلم «١» عن جابر بن عبد الله قال: جاء أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن له، وفي كتاب أنباء الأنبياء للقضاعي: آذنه أنس بن مالك. قال ابن العربي في الأحكام: كان أنس بن مالك يستأذن على رسول الله ﷺ ، فيعمل على قوله وفي ذلك دليل على أنه يجوز من الصغير، وفي الصحيح مطولا في كتاب النكاح من حديث الحسن فقال لغلام له أسود: أستأذن لعمر. وفي مختصر السير لإبن جماعة: وآذن ﵇ رباح الأسود وأنسه مولاه» . استيذان رباح الأسود المذكور على النبي ﷺ لعمر «١» ، لما كان في المشربة في صحيح مسلم أيضا، وأسد مولاه ترجمه في الإصابة ص ٣٢ نقلا عن تاريخ جمعه العباس بن محمد الأندلسي للمعتصم بن صمادح وفيه: وكان أنس ومولاه أسد يستأذن عليه اهـ وأنسه المذكور يكنى أبا يشرح، ويقال أبا يسروح وكان يأذن على رسول الله ﷺ إذا جلس، فيما حكاه مصعب الزبيري. ومات في خلافة أبي بكر ﵁. وذكر ذلك في ترجمته في الإصابة ناقلا له أيضا عن خليفة. وذكر فيه التردد هل هو أنيس أو أنسه أو التعدد، ورباح مولى النبي ﷺ قال في الإستيعاب: كان أسود، وربما آذن على النبي ﷺ أحيانا إذا انفرد رسول الله ﷺ كان يأخذ عليه الإذن، وترجم في الإصابة لعبد الله بن زغب الأيادي فقال: ويقال إنه كان يأذن على النبي ﷺ . ذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن ترجم في الإصابة لمالك بن أبي العيزار فقال هو مذكور عند إبراهيم الحربي في

стр. 84

غريب الحديث عن عائذ بن سعيد الجسري قال: وفدنا على النبي ﷺ فلقينا الضحاك بن سفيان وابن ذي اللحية الكلابي لم يؤذن لهما فقال: يا مالك وهو أحد الوفد إن جسرا قد أتى بها، فإذا دخلت على رسول الله ﷺ فقل كذا وقل كذا فقال: أنا إلى الإذن أحوج مني إلى التلقين، ثم نادى مالك إئذن لوفد جسر يا رسول الله فأذن لنا. الحديث. الحاجب في العقد الفريد لإبن عبد ربه وحاجبه ﵇ أبو أنسه مولاه اهـ منه ص ١٧٤ من ج ٢ وقد تكلم في صبح الأعشى على الحجابة فقال: كان موضوعها عند الخلفاء الراشدين حفظ باب الخليفة، والإستيذان للداخلين عليه، لا للتعدي للحكم في المظالم. وقد ذكر القضاعي في تاريخ الخلائف ما يقتضي أن الخلائف لا تزال تتخذ الحجاب من لدن الصديق فمن بعده، فسمى هو وغيره شديدا وشريف مولى أبي بكر كان حاجبه، ويرفأ حاجب عمر بن الخطاب، وحمران مولى عثمان كان حاجبه أيضا نائل مولاه، وحاجب علي كرم الله وجهه قنبر، وكان قبله بشر مولاه أيضا، وفي فتح الباري: أما إتخاذ الحاجب فقد ثبت في قصة عمر في منازعة العباس وعلي أنه كان له حاجب يقال له: يرفأ ومضى ذلك في فرض الخمس واضحا اهـ من كتاب الأحكام. البواب «في الصحيح عن أنس قال: مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: إتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى» «١» . قلت: بالأفراد عند البخاري في الأحكام وله في الجنائز، فلم تجد عنده بوابين بالجمع، وفائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه رسول الله ﷺ إستشعرت خوفا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه كالملوك، له حاجب وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. كذا قال الطيبي. أقول: يخطر بالبال أن مرادها لم تجد بوّابه في تلك الحالة حاضرا. فلا ينافي أنه كان له من يدخل الناس عليه ﵇ بدليل ما سبق في الآذان، وفي المواهب اللدنية: ومن تواضعه ﵇: أنه لم يكن له بواب راتب، ثم ذكر حديث المرأة المذكورة. قال الزرقاني: فلا ينافي وجود بوّاب أحيانا لأمر ما. ثم قال في المتن: لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابا للنبي ﷺ ؛ لما جلس على القف بضم الفاء (الدكة تجعل

стр. 85

حول البير، أو حافة البئر) وهي قصة بير أريس، فإن فيها كما في الصحيحين: فجلست عند الباب فقلت: لأكوننّ بواب رسول الله ﷺ اليوم. زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني. الحديث في مجيء أبي بكر ثم عمر ثم عثمان واستيذانه عليهم، وقوله ﵇ في كل: إفتح له وبشره بالجنة «١» . وفي رواية أبي عوانة: أملك على الباب فلا يدخل عليّ أحد. قال القسطلاني وجمع بين القصتين: بأنه كان ﵇ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة. أي: وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابا. قاله الزرقاني. وفي حديث عمر حين إستأذن له رباح الأسود حين آلى من نسائه شهرا كفاية اهـ وفي باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها من كتاب النكاح من فتح الباري على قول عمر فقلت لغلام له أسود: إستأذن على عمر فدخل الغلام، فكلم النبي ﷺ ثم رجع فقال: كلمات النبي ﷺ وذكرتك له فسكت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فقلت للغلام إستأذن لعمر فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك، فصمت فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت إستأذن لعمر فدخل ثم رجع إليّ فقال قد ذكرتك له فصمت فلما وليت منصرفا قال: إذا الغلام يدعوني فقال قد أذن لك رسول الله ﷺ فدخلت على رسول الله ﷺ «٢» . قال الحافظ على قوله: فقلت لغلام له أسود وفي رواية عبيد بن حنين فإذا رسول الله ﷺ في مشربة يرقى عليها بعجلة وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس العجلة، واسم هذا الغلام رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة، سماه ضحاك في روايته ولفظه: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدا على أسكفة المشربة مدلي رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقي عليه رسول الله ﷺ وينحدر وعرف بهذا تفسير العجلة المذكورة في رواية غيره والأسكفة في رواية: بضم الهمزة والكاف بينهما مهملة، ثم فاء مشددة وهي عتبة الباب السفلى وقوله: على نقير بنون ثم قاف بوزن عظيم أي منقور ووقع في بعض روايات مسلم بفاء بدل النون وهو الذي جعلت فيه بين كالدرج اهـ. ثم قال الحافظ آخر الترجمة وفيه: جواز إتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس الماضي في كتاب الجنائز، في المرأة التي وعظها رسول الله ﷺ فلم تعرفه، ثم جاءت إليه فلم تجد له بوابين، محمولا على الأوقات التي يحلس فيها للناس. قال المهلب: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته، عند الأمر يطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس وهو نشيط إليهم. فإن الكسير إذا إحتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذنه، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر عظيم المنزلة عنده اهـ.

стр. 86

ثم قال الحافظ: وفيه أن الحاجب إذا علم منع الآذن بسكوت المحجوب لم يأذن، وفيه مشروعية الإستيذان على الإنسان وإن كان وحده لإحتمال أن يكون على حالة يكره الإطلاع عليها، وفيه جواز تكرار الإستيذان لمن لم يؤذن له إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات كما سيأتي إيضاحه في كتاب الإستيذان في قصة أبي موسى مع عمر، ولا إستدراك على عمر في هذه القصة؛ لأن الذي وقع من الإذن له في المرة الثالثة وقع إتفاقا ولو لم يؤذن له فالذي يظهر أنه كان يعود إلى الإستيذان لأنه صرح كما سيأتي أنه لم يبلغه ذلك الحكم اهـ من الفتح. وفي كتاب الأحكام من الفتح أيضا على قول البخاري باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب قال المهلب: لم يكن للنبي ﷺ بواب راتب، يعني: فلا يرد ما مضى في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي ﷺ لما جلس على القف، قال: فالجمع بينهما أنه إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا إنفراد لشيء من أمره، أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه. وقال الطبري: دل حديث عمر حين إستأذن له الأسود أنه ﵇ كان في وقت خلوته يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه اهـ انظر بقيته فيه. تنبيه: لما قسم القرافي البدع إلى أقسام خمسة، وذكر القسم الثالث وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته قال: كإقامة صور للأيمة والقضاة وولاة الأمور؛ على خلاف ما كان عليه الصحابة، بسبب أن المقاصد الشرعية والمصالح لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين، ومن سابق الهجرة حتى اختل النظام، وذهب ذلك القرن، وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور، فتعين تفخيم الصور كي تحصل المصالح، وكان عمر يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم، لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام، ولذلك لما قدم الشام وجد معاوية قد اتخذ حاجبا واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، سأله عن ذلك فقال له: إنا في أرض ونحن فيها محتاجون لهذا، فقال: لا آمرك ولا أنهاك «١» . ومعناه: أنت اعلم بحالك هل محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يكون حسنا. فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأيمة وولاة الأمر تختلف باختلاف الأمصار، والأعصار والقرون والأحوال، فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال اهـ ونقله المنجور [كذا] في المنهج وأقره وزاد أن الأيمة في كلامه شمل الإمامة الكبرى والصغرى وهو حسن جدا.

стр. 87

ذكر من تولى خدمة رسول الله ﷺ من الأحرار والموالي قلت: قال في شرح المواهب: الخادم كان غلاما أو جارية اهـ وقد عدهم العامري في بهجة المحافل أحد عشر. «وقال ابن جماعة في مختصر السير في ذكر من خدم رسول الله ﷺ منهم: أبو حمزة أنس بن مالك وهند وأسماء إبنة حارثة الأسلميان، وربيعة بن كعب الأسلمي، قال أبو الفرج ابن الجوزي في مختصر الحلية: ربيعة بن كعب الأسلمي كان يخدم رسول الله ﷺ ويبيت على بابه لحوائجه. وفي الإستيعاب: كان يلزم رسول الله ﷺ في السفر والحضر» . قلت: وفي مسلم عنه قال: كنت أبيت على باب رسول الله ﷺ ، وأعطيه الوضوء، وفي شرح المواهب قال الواقدي: لم يزل مع النبي ﷺ إلى أن قبض فخرج من المدينة. وترجم في در السحابة لمهاجر مولى أم سلمة يكنى أبا حذيفة فقال: خدمت رسول الله ﷺ خمس سنين لم يقل لشيء صنعته لم صنعته؟ ولم يقل لشيء تركته لم تركته؟ اهـ. ذكر من كان يخدمه ﵇ من مواليه (والموالى) جمع مولى، يطلق على المعتق بالكسر والمعتق بالفتح وهو المراد هنا. وفي بهجة الخ: إعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي ﷺ ، بل كل شخص منهم في وقت. وفي بهجة المحافل في فصل مواليه ﷺ أنهم وصلوا إلى واحد وثلاثين. وعد منهم زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وأبا أنجشه ثم أنيسة ثم شقران ورباح، ويسار وأبو رافع القبطي، أبو مويهبة كركرة، زيد، هلال بن يساف، طهمان، مأبور القبطي، واقد أبو واقد، هشام، وأبو ضميرة عيب [كذا] عبيدة، أبو هند، أنجشة، أبو لبابة، رويفع. وكان له من الإماء سبع إحدا هن سلمى، وأوصلهم إلى العدد المذكور أيضا المحب الطبري في الخلاصة وفي المواهب عن ابن الجوزي مواليه ٤٣ واماؤه إحدى عشرة قال الزرقاني: زاد غيره عليه عشرة فيهما، وأفرد ذلك بالتصنيف اهـ انظر الألفية وشروحها وسمط الجوهر الفاخر. تنبيه: قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي ﷺ ، بل كان بعض منهم في وقت والله أعلم اهـ. ذكر الموالي الذين أعتقهم ﵇ في مرضه وفي نور النبراس نقلا عن أبي طاهر المخلص راويا بسنده إلى سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق رسول الله ﷺ في مرضه أربعين رقبة، ووقف على نور النبراس الحافظ أبو العلاء العراقي بخطه: أعتق ﷺ في مرضه أربعين رقبة اهـ وعقد في سمط الجوهر الفاخر ترجمة لذكر مواليه ﷺ الذين أعتقهم إشتملت على أربع ورقات. ونقل عصرينا المحدث الأثري نور الحسن خان بن الأمير صديق حسن خان في شرحه على بلوغ المرام عن النجم الوهاج أنه ﷺ أعتق ٦٣ نسمة عدد سني عمره ﵇، وسماهم

стр. 88

قال: وأعتقت عائشة ٦٩ وعاشت كذلك وأعتق أبو بكر كثيرا وأعتق العباس سبعين عبدا رواه الحاكم. وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين بالفضة، وأعتق عبد الله بن عمر ألفا وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة اهـ. ذكر من كان يوقظه ﵇ إذا نام ويستره إذا اغتسل في سمط الجوهر الفاخر في حق عبد الله بن مسعود قيل: كان يوقظه ﵇ إذا نام، ويستره إذا اغتسل، ويرحل له راحلته إذا سافر، ويماشيه الأرض اهـ وفي قصة الفتح واغتساله ﵇: وإذا فاطمة بنته تستره. ذكر من كان يخدم النبي ﷺ إذا أراد حاجته داخل منزله كان يتولى له ذلك ﵇ أهله، صرّح بذلك الحافظ ابن حجر في الفتح قائلا: الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله اهـ راجع باب حمل العنزة ص ٢٢١ من ط الأولى ونحوه للقسطلاني. ذكر من كان يبيت على باب رسول الله ﷺ من الرجال في طبقات ابن سعد عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند باب رسول الله ﷺ ، أعطيه وضوءه فأسمع الهويّ من الليل: سمع الله لمن حمده، وأسمع الهويّ من الليل: الحمد لله رب العالمين انظر ص ٤٤ من ج ٤ «١» . وحديث كعب المذكور خرّجه أبو داود في باب وقت قيام النبي ﷺ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ آتيه بوضوئه وبحاجته قال: سلني. قلت: مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قال فأعني على نفسك بكثرة السجود «٢» . قال المنذري في إختصارها أخرجه مسلم والنسائي وأخرج الترمذي وابن ماجه طرفا منه وليس لربيعة في كتبهم سوى هذا الحديث. وفي ترجمة الهيثم ابن نصر الأسلمي من الإصابة عنه قال: خدمت النبي ﷺ ولزمت بابه في قوم محاويج، فكنت آتيه بالماء من بير أبي الهيثم، وكان ماؤها طيبا. استخدامه ﵇ في ذلك امرأة أخرج الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: قام رسول الله ﷺ في الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي ﷺ قال يا أم أيمن: قومي فأهرقي ما في تلك الفخارة.

стр. 89

فقلت: قد والله شربت ما فيها، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: أما والله لا يجعر أي لا يصيب بطنك أبدا. استخدامه ﵇ غلاما يهوديا ففي الصحيح عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فعاده ﵇ فعرض عليه الإسلام فأسلم فمات [انظر: كتاب الجنائز ج ٢ ص ٩٧] . وفي العتبية من أمهات المذهب المالكي: عن زياد بن شبطون من أصحاب مالك أن اسم هذا الغلام عبد القدوس؛ انظر من اسمه عبد القدوس في الإصابة، وترجمه العلامة ابن زكري في كتابه: الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة فانظره. تنبيه: بعد أن ذكر الحافظ الشامي عدة أحاديث فيها أنه ﵇ كان ربما يحلب شاته، ويخيط ثوبه ويسلخ شاته، ويخدم نفسه قال: وهذا يتعين حمله على أوقات، فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة بنفسه وتارة بغيره وتارة بالمشاركة اهـ. الأشياء التي كان ﵇ لا يكلها إلى أحد من خدمه خرج ابن سبع عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل. ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وروى ابن سعد بن زياد مولى عياش بن أبي ربيعة قال: خصلتان كان لا يكلهما رسول الله ﷺ لأحد؛ الوضوء من الليل حين يقوم، والسائل يقوم حتى يعطيه. ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه قال في المقالات السنية: والمصطفى غيثه عمّ الوجود فمن ... هـ الكون في نصح والخلق في نعم بادي البشاشة للوفود، راحته ... أنمى لدى آمل من هاطل الديم وفد النجاشي طه قام يخدمهم ... بنفسه حين حلّوا ساحة الكرم قالت صحابته: نكفيك قال: أنا ... أحق للمكرمين الصحب بالخدم أما هم المكرمو صحبي وقد ذهبوا ... مهاجرين إليهم، في ديارهم وقال ابن ليون التجيبي في الانالة: الأصل في خدمة المشايخ من دونهم؛ أنه ﵇ قام يخدم وفد النجاشي. قلت: قيام المهاجرين يفرجون عنه ﷺ عند الإزدحام؛ في مسند عائشة من مسند أحمد عروة عن عائشة قالت: إن أمداد العرب كثروا على النبي ﷺ حتى غموه وقام إليه المهاجرون يفرجون عنه حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه فأسلم رداءه في أيديهم ووثب على العتبة فدخل وقال: اللهم ألعنهم فقالت عائشة يا رسول الله هلك القوم فقال كلا والله يا بنت أبي بكر لقد إشترطت على ربي شرطا لا خلف له، فقلت إنما أنا بشر

стр. 90

أضيق كما يضيق البشر فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة فأجعلها له كفارة انظر ص ١٠٧ من الجزء السادس «١» . ذكر صاحب الوساد [المخدة] قلت: وهي بكسر الواو واقتصر عليه في المصباح، وفي القاموس: أنه يثلث كان ابن مسعود هو المولى لها في عهد النبي ﷺ ، «وقع ذلك في الصحيح، في قصة ذهاب علقمة إلى الشام ولقائه لأبي الدرداء» . قلت: في كتاب الوضوء من الصحيح، من قول أبي الدرداء خطابا لأهل العراق: فيكم صاحب الطهور والوساد، بلا هاء وهي المخدة كما للقسطلاني. وقال الخفاجي في شرح الشفا الوسادة: ما يتوسد أي يوضع تحت الرأس، وهي التي تسمى مخدة اهـ. في إدناء النبي ﷺ الوساد للداخل «أدناها النبي ﷺ إلى سلمان حين دخل عليه وقع ذلك في كتاب أخلاق النبي ﷺ لابن حيان الأصبهاني» . قلت: وفي السيرة الشامية معزوا إلى ابن سعد أن عديّ بن حاتم، قدم على النبي ﷺ ، فسلّم عليه وهو في المسجد. ثم قال: من الرجل؟ قال: عدي بن حاتم. فانطلق به إلى بيته، وألقى له وسادة. وقال: إجلس عليها. قال الخفاجي على الشفا: وهذا يدل على أن الوسادة فراش لا مخدة، ولا عبرة بتفسير الجوهري لها بالمخدة فقط اهـ. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس وضعفّ: أن عدي بن حاتم لما دخل على المصطفى ألقى إليه وسادة وجلس هو على الأرض، فقال: أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا، ثم أسلم. وفي رواية أخرى فقيل له: يا نبي الله لقد رأينا منظرا لم نره لأحد. فقال: هذا نعم هذا كريم. فإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقد روى الحديث المذكور من طريق عدي بن حاتم الدولابي في كتاب الكنى والألقاب، وقال الذهبي: في الميزان عنه أنه منكر، وقد ذكره في الجامع الصغير من طرق عدة من الصحابة ولكن قال الذهبي في مختصر المدخل: طرقه كلها ضعيفة، وله شاهد مرسل وحكم ابن الجوزي بوضعه، وتعقبه العراقي ثم تلميذه ابن حجر بأنه ضعيف لا موضوع، وخرّجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد. والوسادة إحدى الأمور التي نهى ﷺ عن ردها، في حديث الترمذي: ثلاث لا ترد اللبن والوساد والدهن «٢» . وأنشد بعضهم: قد كان من سيرة خير الورى ... صلى عليه الله طول الزمن أن لا يرد الطيب والمتكا ... والتمر واللحم معا واللبن

стр. 91

وأوصلها الحافظ السيوطي إلى سبع فقال: عن المصطفى سبع يسنّ قبولها ... إذا ما بها قد أتحف المرء خلّان فحلوّ وألبان ودهن وسادة ... ورزق لمحتاج، وطيب وريحان وفي طبقات الشعراني عن سفيان بن عيينة: ماء زمزم بمنزلة الطيب لا يرد، وفي الرسالة العلمية لابن ليون التجيبي: وأما الإتكاء ففي سنن أبي داود «١» عن جابر بن حمزه قال دخلت على النبي ﷺ في بيته فرأيته متكئا ووسادة على يساره، وكان أبو سعيد الخدري يجلس على البساط ويتكىء على الوسادة. وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي نقلا عن الهداية من كبار كتب الحنفية: روي أن النبي ﷺ جلس على مرفقة حرير، وهي بضم الميم وسادة الإتكاء، وخرّج ابن سعد في الطبقات؛ في ترجمة ابن عباس عن راشد مولى لبني عامر قال: رأيت على فراش ابن عباس مرفقة حرير. وخرّج أيضا عن مؤذن بني وداعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متكىء على مرفقة حرير، وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول: أنظر كيف تحدث عني، فإنك حفظت عني كثيرا اهـ وفي أصول البدائع في أصول الشرائع لأبي بكر الكاساني، بعد ذكره قصة ابن عباس: وروي أن أنسا حضر وليمة فجلس على وسادة حرير، عليها طيور فدل فعله على رخصة الجلوس على الحرير، وعلى الوسادة الصغيرة التي عليها صور اهـ انظر باب الإستحسان. ذكر صاحب النعلين «في مختصر السير لإبن جماعة ونحوه في المواهب وغيرهما: كان عبد الله بن مسعود صاحب نعلي رسول الله ﷺ ، إذا قام ﷺ ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم» . قلت: خرّج ذلك الحرث وابن أبي عمر من مرسل القاسم بن عبد الرحمن وزاد: فإذا قام ألبسه نعليه في رجليه، ومشى حتى يدخل الحجرة قبله. قال الزرقاني على المواهب: على قوله: جعلهما في ذراعيه: وكان حكمة ذلك تخلية يديه لخدمة المصطفى إن احتاج، ويشغلهما بالطاعة إذا أرادها بهما اهـ ص ٣٤١ وأصله لشيخه الشبراملسي. وفي فتح المتعال للإمام أبي العباس المقري: ثبت أن عبد الله بن مسعود كان صاحب النعلين والسواك والوساد والطهور كما في الصحيح، وكان يلي ذلك من رسول الله ﷺ ، وكان يلبس رسول الله ﷺ نعليه إذا قام، ويجعلهما في ذراعيه إذا جلس حتى يقوم النبي ﷺ . وروى محمد بن يحيى عن القاسم قال: كان عبد الله بن مسعود يقوم إذا جلس النبي ﷺ ؛ ينزع نعليه من رجليه، ويدخلها في ذراعيه، فإذا قام ألبسه إياهما فيمشي بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة. وقد ذكر جماعة منهم ابن سعد أن أنس بن مالك كان صاحب نعلي رسول الله ﷺ وإداوته. قال الحافظ بن حجر عند ما تكلم على حديث: أليس فيكم

стр. 92

صاحب النعلين ما نصه: والمراد بصاحب النعلين وما ذكر معهما عبد الله بن مسعود، لأنه كان يتولى خدمة النبي ﷺ في ذلك. فصاحب النعلين في الحقيقة هو النبي ﷺ . وقيل لإبن مسعود: صاحب النعلين مجازا لكونه كان يحملهما اهـ. وقال البيضاوي كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: أي كان يخدم المصطفى ويلازمه في حالاته كلها، فيحمل مطهرته في قيامه لوضوئه، ويأخذ نعليه فيضعهما صونا لوقت اللبس اهـ. وفي كون ابن مسعود كان صاحب النعال [أنشدني] بوصيري العصر أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي لنفسه ببيروت سنة ١٣٢٤: إني خدمت مثال نعل المصطفى ... لأعيش في الدارين تحت ظلالها سعد بن مسعود بخدمة نعله ... وأنا السعيد لخدمتي لمثالها وفي المقالة الحادية والعشرين من المقالات السنية في مدح خير البرية ناظما لمحصل ما نقلنا عن المقري: يقوم ينزع نعلي ذي الوسيلة من ... رجليه يدخلهما الهمام ذو النعم أي في ذراعيه حتى قام ألبسه ... إياهما ثم يمشي ثابت القدم أمام أحمد بالعصا فيدخله ... للحجرة إحدى الهدى المخصوص بالخدم تنبيه: في ابن غازي على الصحيح أن العرب في الجاهلية كانوا يلبسون النعال غير مدبوغة، إلا أهل السعة منهم اهـ ولذا إستغرب من رأى ابن عمر يلبس النعال السبتية، وهي التي ليس فيها شعر. فقال: رأيت النبي ﷺ يلبسها اهـ وقد أفرد ما يتعلق بالنعال النبوية بالتأليف جماعة من الأعلام؛ كأبي اليمن بن عساكر، والسراج البلقيني، والبستي والشمس محمد بن عيسى المقري صاحب كتاب قرة العينين في تحقيق أمر النعلين وغيرهم، وأشهرهم الإمام أبو العباس المقري التلمساني دفين مصر له النفحات العنبرية في وصف نعلي خير البرية «١» . كما أن تأليفه في العمامة النبوية ألفه عند رأسه ﵇ بالمسجد النبوي. قلت: في السيرة الشامية (سيرته ﷺ في غمز الظهر من السقطة والقدمين) . روى أبو نعيم في الطب عن عمر قال: دخلت على النبي ﷺ وحبشي يغمز ظهره. قلت: ما هذا يا رسول الله. قال: إن الناقة تقحمت بي البارحة، وفي لفظ يغمز ظهره فسأل عمر فقال النبي ﷺ : إن الناقة أتعبتني. الحديث المذكور خرّجه الطبراني في المعجم الصغير، فيمن إسمه إبراهيم. وكذا في الأوسط. قال القاري في شرح عين العلم: إسناده ضعيف اهـ.

стр. 93

وفي المقاصد الحسنة حديث غمز القدم ونحوه أورده الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس، قال: كنت عند أبي ابن كعب أغمز، فذكر حديثا في قراءة آية وروى فيه عن أبي زيد قال أتيت النبي ﷺ فقال: أدن فامسح ظهري فدنوت ومسحت ظهره. مضحك رسول الله ﷺ ترجم في الإصابة حمارا فذكر عن الصحيح أن إسمه عبد الله، ويلقب بحمار، وكان يضحك رسول الله ﷺ . وعن أبي يعلى عن زيد بن أسلم؛ أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ العكة من السمن، أو العسل، ثم يجيء بصاحبها فيقول: أعطه الثمن. قال الحافظ: وقع نحو ذلك للنعمان فيما ذكره الزبير بن بكار في كتاب «الفكاهة والمزاح» . وترجم في الإصابة أيضا لسويبط بن حرملة العبدري، وذكر قضايا من أفعاله، فذكر أن النبي ﷺ ضحك هو وأصحابه منها حولا. وفي فوائد الدرر وفرائد الفكر، في شرح مختصر السير، للفقيه المحدث القاضي أبي علي حسن بن بلقاسم بن باديس القسمطيني، لما ترجم لسودة زوجه ﵇ قال: وكانت تضحك النبي ﷺ ؛ قالت له: صليت البارحة خلفك يا رسول الله، فركعت فأمسكت بأنفي مخافة الدم أن يقطر فضحك اهـ منه. ملاعبة الإمام أقاربه الصغار ترجم في الإصابة لكثير بن عباس بن عبد المطلب فقال: خرّج أبو علي بن السكن وابن مندة عن كثير بن العباس قال: كان النبي ﷺ يجمعنا أنا وعبد الله وقثم وآخر فيفرج بين يديه ويقول: من سبق فله كذا، وخالفه غيره فقال: كان يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا أولاد العباس ويقول: من سبق فله كذا وهذا أقوى. الرجل يعلم الوفد كيف يحيّون المصطفى ﷺ ذكر ابن إسحاق في قصة وفد ثقيف سنة تسع أنه خرج بهم عبد ياليل وهو صاحب أمرهم، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة وجدوا المغيرة بن شعبة، فانثاب «١» ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج إليهم فروّح الظهر معهم، فعلمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا إلا تحيّة الجاهلية. انظر الهدى لإبن القيم ص ٤٥٨ ج ١ وعلى المواهب ص ٦ من ج الرابع وفي تفسير المولى أبي السعود الحنفي: كان أبو بكر ﵁ إذا قدم على رسول الله ﷺ الوفود أرسل من يعلمهم كيف يسلّمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله ﷺ اهـ وهذا يفهمنا أيضا أن أبا بكر كان يشغل أيضا وظيفة [تشبه] مدير التشريفات اليوم.

стр. 94

القسم الثاني في العمليات الفقهية وأعمال العبادات وما يضاف إليها من عمالات المسجد وعمالات الطهارة وما يقرب منها، وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه وظائف:

стр. 95

في العمليات الفقهية وأعمال العبادات قلت: هاهنا قاعدة في الموظفين الشرعيين: يصلح للمناصب الدينية كما في الفوائد كل وضيع وشريف إذا كان ذا دين وعلم، ولا يصلح لها فاسق وإن كان قرشيا، نعم يقع الترجيح إذا اجتمعا في شخص وانفرد الآخر فيما سوى النسب اهـ وقد احتج من لم يشترط القرشية في الإمام بتأمير النبي ﷺ عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد وغيرهم في الحروب. وأجاب الجمهور بأن ذلك ليس من الإمامة العظمى في شيء. لأنه يجوز للخليفة إستنابة غير القرشي ولهذا ألغز التاج السبكي بقوله: من عدّ من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر ولم يكن قرشيا حين عدّ ولا ... يجوز أن يتولى إمرة البشر؟ قال السيوطي: الجواب أنه أسامة بن زيد، مولى النبي ﷺ أمّره على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفذ حتى توفي رسول الله ﷺ ، فبعثه أبو بكر إلى الشام. انظر المصباح الوهاج. ذكر معلم القرآن وفيه فصول «الفصل الأول: فيمن كان يعلم ذلك بالمدينة والنبي ﷺ بها ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه مشكل الصحيحين: عبادة بن الصامت فقال: كان يعلم أهل الصفة القرآن (والصفة) دكة في ظهر المسجد النبوي كان يأوي إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة» . قلت: وترجم في الإصابة لوردان جد الفرات بن يزيد بن وردان، فذكر عن الواقدي أن النبي ﷺ أسلمه إلى أبان بن سعيد بن العاصي؛ ليمونه ويعلمه القرآن. وأخرج ابن عساكر عن ابن ثعلبة قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إدفعني إلى رجل حسن التعليم، فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم قال: دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك، انظر فضائل أبي ثعلبة الخشني من كنز العمال. الفصل الثاني: وكان ﵇ يأمر الناس أن يتعلموا الفقه والقرآن من جيرانهم؛ فقد ترجم في الإصابة لأبزى الخزاعي فخرج عنه أنه ﵇ خطب الناس، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون؟

стр. 96

وعزاه لإبن السكن وإسحاق ابن راهواه، وقد ساق الحديث مطولا الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: تحت باب تعليم من لا يعلم. ثم قال عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله ﷺ ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون، والله ليعلمن قوما جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون ويتعظون أو أعاجلنهم العقوبة، ثم تولى. فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين. هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه من الأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذكرت قوما بخير وذكرتنا بشر، ما بالنا. قال: ليعلمن قوم جيرانهم وليفقهنهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قولهم عليه وأعادوا أقوالهم أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك أيضا فقالوا: أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم. ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ [المائدة: ٧٨] الآية ورواه الطبراني في الكبير، وفيه بكر بن معزوف قال خ إرم به ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى وقال عدي أرجو أنه لا بأس به. الفصل الثالث: ذكر من بعثه النبي ﷺ إلى الجهات يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين. قلت: إستفتح الخزاعي فصل الفقه في الدين بفصول، أولها: في الحض على التفقه في الدين، صدّره بحديث معاوية: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين «١» ، مقتصرا على عزوه لمسلم مع أنه في البخاري. وهذا معيب منه ﵀، لما تقرر أن الحديث إذا كان في البخاري لا يعزى إلى غيره، وثانيها: كيف كان الناس يسألون النبي ﷺ في أمور الدين، وثالثها: سؤال النساء. وهذه الفصول في نظري إستطرادية. ثم ترجم لمن بعثه النبي ﷺ مفقها في الدين فمنهم عنده: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف. في سيرة ابن إسحاق؛ لما انصرف النبي ﷺ من القوم الذين بايعوه في العقبة الأولى، قال: وهم إثنا عشر بعث معهم مصعبا، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمى المقريء بالمدينة. قلت: في الإستبصار لإبن قدامة المقدسي: لما قدم مصعب بن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الأنصار، يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى الله ، فأسلم على يديهما جماعة؛ منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وغيرهما. اهـ

стр. 97

وفي التهذيب للنووي لدى ترجمة مصعب هذا: هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليعلّم الناس القرآن ويصلي بهم، بعثه رسول الله ﷺ مع الإثنى عشر أهل العقبة الثانية، ليفقه أهل المدينة ويقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة اهـ «ومنهم معاذ بن جبل في الإكتفاء لأبي الربيع الكلاعي: إستخلف رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن» . خرّجه ابن سعد في الطبقات عن مجاهد انظر ص ١٠٨ ج ٢ من القسم ٢. قلت: «وفي الإستيعاب: بعثه النبي ﷺ قاضيا على الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال، الذين باليمن عام فتح مكة، ومنهم؛ عمرو بن حزم الخزرجي النجاري؛ في الإستيعاب إستعمله النبي ﷺ على نجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن، ويأخذ صدقاتهم. وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات والديات اهـ» . قلت: يصح أن يستدرك هنا من المعلمين جماعة فمنهم: أبو عبيدة بن الجراح، أخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: لما وفد أهل اليمن على رسول الله ﷺ قالوا: إبعث معنا رجلا يعلّمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: «هذا أمين هذه الأمة» ، وسيّره «١» إلى الشام أميرا فكان فتح أكثر الشام على يده، ومنهم رافع بن مالك الأنصاري، ترجمه في الإصابة فذكر عن ابن إسحاق أنه: أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وأن الزبير بن بكار روى في أخبار المدينة أن رافعا لما لقي المصطفى ﷺ بالعقبة، أعطاه ما أنزل إليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع إلى المدينة، ثم جمع قومه فقرأ عليه في موضعه قال: وعجب المصطفى ﷺ من إعتدال قلبه، ومنهم أسيد بن حضير ترجم في الإصابة لإبراهيم بن جابر فقال فيه: كان من جملة العبيد الذين نزلوا على النبي ﷺ أيام حصاره الطائف، فأعتقه وبعثه إلى أسيد بن حضير، وأمره أن يمونه ويعلمه. ذكره الواقدي واستدركه ابن فتحون. وترجم في الإصابة أيضا للأزرق بن عقبة الثقفي، من عبيد الحارث بن كلدة الثقفي فذكر: أنه ممن نزل على النبي ﷺ في حصار الطائف، وأنه أسلم وأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاصي ليمونه ويعلمه، ومنهم عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري قال في الإستبصار في أنساب الأنصار: إستعمله رسول الله ﷺ على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر اهـ. أقول: يجب أن يذكر هنا من كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ وهم ستة من

стр. 98

الأنصار عدّهم البيهقي هكذا: أبي بن كعب، زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبادة، رواه الطبراني والبيهقي مقيدا بالأنصار فلا ينافي أنه حفظه كثيرون، وفي الصحيحين عن أنس أنه جمع القرآن أي حفظ جميعه على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي ومعاذ وأبو زيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومته. أبو زيد المذكور هو قيس بن السكن يكنى أبا زيد كنيته غالبة عليه ولا عقب له، نبّه على ذلك الموفق بن قدامة في الإستبصار في أنساب الأنصار. وفي ترجمة ثابت بن زيد بن مالك الأنصاري من الإستبصار أيضا يروي عن يحيى بن معين أنه أبو زيد الذي جمع القرآن وغير ذلك أولى اهـ منه، وفي ترجمة حنظلة بن أبي عامر من الإستبصار أيضا. روى قتادة عن أنس قال: إفتخرت الأوس فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب. ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا من كانت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من إهتز عرش الرحمن لموته سعد بن معاذ فقال الخزرجيون: منا أربعة قرؤا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد وأبو حنظلة اهـ. قلت: ومراد من حصرهم في أربعة من حضر في ذهنه، فلا ينافي وجود غيرهم من حفظته، كأبي بكر، وفي الفجر الساطع لدى باب القراء من أصحاب رسول الله ﷺ قول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة أستشكل هذا فإنه قد جمعه سواهم، ذكر أبو عبيد منهم الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة الأربعة وغيرهم، وأجيب باحتمال: أن المراد لم يجمعه على جميع وجوهه من القراآت التي أنزل بها إلّا أولئك، وأن أنسا قاله بحسب ما وصل إليه علمه، وإن كان الواقع خلافه اهـ وفي فتح الباري: الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياته ﵇، وقد صح حديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «١» ، وقد قدمه النبي ﷺ في مرضه إماما للمهاجرين والأنصار، فدل على أنه كان أقرأهم، وكسيدنا علي فإنه جمع القرآن على ترتيب النزول، عقب موت النبي ﷺ أخرجه ابن أبي داود «وانظر فتح الباري» . وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عباد قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون اهـ. وهذا الحصر ممنوع؛ بل حفظه أيضا الصديق على الصحيح، وصرّح به جماعة منهم النووي في تهذيبه، وعليّ وورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ . وفي الرياض المستطابة: جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله ﷺ عشرة: علي،

стр. 99

وعثمان، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب اهـ. ورأيت في ترجمة مجمع بن حارثة من طبقات ابن سعد ص ٣٤ ج ١: روى الكوفيون أنه جمع القرآن على عهد النبي ﷺ إلّا سورة أو سورتين منه. وفي ترجمته من الإستبصار قال ابن إسحاق: كان مجمع غلاما حدثا قد جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ اهـ. وفي ترجمة شهاب القرشي مولاهم نزيل حمص من الإصابة روى ابن منده عن عبد الله بن زغب: كان شهاب القرشي أقرأه النبي ﷺ القرآن كله، فكان عامة الناس بحمص يقرأون منه. وانظر فتح الباري، وارشاد ابن غازي، والإتقان، وشرح المواهب ص ٣٦٦ من الجزء الثالث، وانظر شرح الراية للجعبري، وحاشية الشبراملسي على المواهب أيضا. (عجيبة) وبعد أن أطال في الإتقان في هذه المسألة قال: فائدة: ظفرت بامرأة صحابية جمعت القرآن، لم يعدها أحد ممن تكلم على ذلك. فأخرج ابن سعد في الطبقات عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، إن رسول الله ﷺ حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: إن الله عهد لك شهادة، وكان ﷺ أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن غلام لها وجارية كانت قد دبّرتها «١» ، فقاتلاها في إمارة عمر. فقال عمر صدق رسول الله ﷺ . كان يقول: إنطلقوا بنا نزور الشهيدة. وذكر السيوطي في الجمع نحو ما ذكر وعزاه لإبن راهواه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي. قال: وروى أبو داود بعضه اهـ. قلت: ومن تأمل هذه الترجمة علم بالضرورة أن الصحابة لم يكونوا كلهم يعلمون جميع القرآن، وإنما غالبهم كان يعلم البعض دون البعض، وممن صرح بهذا القدر بعينه الاستاذ النابلسي، في شرح الطريقة المحمدية انظر ص ٢٥٣ جزء ١. ذكر من نقل عنه وجوه القراءة من الصحابة ذكر خاتمة أيمة القراآت بفاس الشمس بن عبد السلام الفاسي في محاذيه عن شرح الجعبري على الشاطبية ما نصه: الأيمة الذين نقل عنهم وجوه القراءة كثيرون في كل عصر، لا يكادون يحصون، فمنهم من الصحابة المهاجرون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس

стр. 100

وعمرو بن العاص وإبنه عبد الله، ومعاوية وابن الزبير وعبد الله بن السائب وعائشة وحفصة وأبو سلمة، ومن الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، وأبو زيد ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك ﵃ أجمعين اهـ منه ومن خط مؤلفه نقلت. ذكر معلم الناس الكتابة في زمن رسول الله ﷺ ذكر المعلم من الرجال- المعلم المسلم «ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب في ص ٣٩٣ من مطبعة الهند عبد الله بن سعيد بن العاصي فقال: أمره رسول الله ﷺ أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة وكان كاتبا محسنا وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقرآن» . قلت: ونحو ما سبق عن الإستيعاب في الإصابة في ترجمة الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية؛ نقلا عن الزبير في نسب قريش. المعلم الكافر في الروض الأنف للسهيلي في الكلام على غزوة بدر ص ٩٢ من الجزء الثاني قال «كان من الأسارى يوم بدر من يكتب، ولم يكن من الأنصار يومئذ أحد يحسن الكتابة، فكان منهم من لا مال له، فيقبل منه أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار» . وفي المطالع النصرية في الأصول الخطية لأبي الوفاء نصر الهوريني المصري: لم تكثر الكتابة العربية في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة، وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم، في غزوة بدر السنة الثانية من الهجرة، جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال. وعلى كل من عجز عن الإفتداء بالمال أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة، فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم، فبذلك كثرت فيهم الكتابة، وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام، في حياته ﵇ وبعده، حتى بلغت عدة كتّابه ﵇ ٤٢ رجلا اهـ. وذكر الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين نقلا عن ابن قتيبة أن العرب «كانت تعظم قدر الخط وتعده من أجل نافع «١» حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر أربعة الاف، حتى إن الرجل ليفادي على أنه يعلم الخط؛ لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلالة قدره وظهور نفعه وأثره وقد قال الله لنبيه: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: ٣- ٤] فوصف نفسه بأن علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم، وعد ذلك من نعمه العظام، ومن

стр. 101

آياته الجسام، حتى أقسم به في كتابه فقال: ن وَالْقَلَمِ فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم» . وقد روي عن ابن عباس في قوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤] ، قال يعني الخط. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦٩] ، يعني الخط وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] ، يعني الخط اهـ بتقديم وتأخير. قال بعضهم: وهذا يبطل ما قاله ابن خالدون عن جهلهم بالخط، فإن عكرمة كان يتكلم عن مشاهدة وابن خالدون قال ما قال عن تخمين. ذكر المعلمة من النساء «قال في الإستيعاب والإصابة: الشفاء أم سليمان بن أبي حتمة قال لها رسول الله ﷺ : علّمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة، خرّج ذلك عنها أبو داود عن الشفا. قالت: دخل علي النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة قال الخطابي في معالم السنن. في هذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابة غير مكروه اهـ» . نقل كلام الخطابي المذكور وأقره جماعة منهم ابن طرخان في الأحكام النبوية، ونحوه للأردبيلي في الأزهار شرح المصابيح، وابن القيم في الهدى وغيرهما، وفي نور النبراس أنه وقع في عهده بدمشق أن فقيها سئل: هل يجوز أن يتعلم النساء الكتابة؟ فأجابه: لا يجوز تعليمهن الكتابة. قال الحافظ برهان الدين الحلبي: وغفل هذا المفتي عن الحديث الذي في سنن أبي داود في الطب، وقد سكت عليه أبو داود. فهو صالح عنده ثم ذكر حديث الشفا هذا اهـ. وقال الإمام مجد الدين بن تيمية في المنتقى عقب حديث الشفا المذكور في هذه الترجمة: وهو دليل على جواز تعلم النساء للكتابة. قال شارحه القاضي الشوكاني في نيل الأوطار: وأما حديث لا تعلّموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف وعلموهن سورة النور فالنهي عن تعلميهن الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمهن الفتنة اهـ منه. وفي الفتاوي الحديثية للشهاب بن حجر الهيثمي الشافعي المصري أنه سئل ما حكم تعلم النساء الكتابة؟ وفي وسيط الواحدي أول سورة النور ما يدل على عدم الإستحباب هل هو صحيح أو ضعيف؟ فأجاب بقوله: هو صحيح فقد روى الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رفعته لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، يعني النساء وعلموهن الغزل وسورة النور، لما فيهن من الأحكام الكثيرة المتعلقة بهن المؤدي حفظها وعلمها، إلى غاية حفظهن عن كل فتنة وريبة كما هو ظاهر. وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن مسعود رفعه: مرّ لقمان على جارية في الكتّاب،

стр. 102

فقال لمن يصقل هذا السيف؟ أي حتى يذبح به. وحينئذ فيكون فيه إشارة إلى علة النهي عن الكتابة، وهي أن المرأة إذا تعلمتها توصلت بها إلى أغراضها الفاسدة. واعلم: إن النهي عن تعليم النساء للكتابة لا ينافي طلب تعليمهن القرآن والعلوم والآداب، لأن هذه مصالح عامة من غير خشية مفاسد تتولد عليها بخلاف الكتابة. فإن قلت أخرج أبو داود عن الشفا وذكر حديث الترجمة وفيه علميها الرقية كما علمتها الكتابة وهذا يدل تعليم النساء الكتابة قلت ليس فيه دلالة على طلب تعليمن الكتابة وإنما فيه دليل على جواز تعليمهن الكتابة ونحن تقول به، وإنما غاية الأمر فيه أن النهي عنه تنزيه لما تقرر من المفاسد المترتبة عليه اهـ وحديث الشفا هذا أورده الحافظ السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: علمي حفصة رقية النملة، وعزاه إلى أبي عبيد في الغريب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حتمة قال المناوي في شرحه الكبير فتح القدير: ورقيتها كما في الفائق قروح تخرج بالجنب فترقى فتذهب. ورده بعض أذكياء المغاربة بأنه من الخرافات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بها؟ وإنما أراد الأول وأراد تأديب حفصة حيث أشاعت السر الذي استودعها إياه على ما نطق به التنزيل بقوله: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [التحريم: ٣] . وقال في التيسير: ورقيتها؛ (العروس تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصى الرجل) اهـ وفي النهاية قيل: إن هذا من لغز الكلام ومزاحه، كقوله للعجوز: لا تدخل الجنة عجوز إذ رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع اهـ. «١» وفي حواشي البدر الدماميني على البخاري على حديث: ثلاث لهم أجران، رجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها «٢» ، الحديث في باب تعليم الرجل امته وأهله شرائع الدين، لأن هذا الحديث ينسحب على تعليم الإماء، فكيف بالحرائر والأقارب؟ قاله ابن المنير اهـ. وترجم البخاري عقب الترجمة السابقة باب عظة الإمام النساء وتعليمهن فذكر فيها قول ابن عباس أن المصطفي ﵇ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع فوعظهن. قال الدماميني: هذا أصل في حضور النساء المواعيد ومجالس الخير بشرط السلامة من الفتنة اهـ. وفي الفجر الساطع على هذه الترجمة أي مطلوبية ذلك ونبه على أنه كما يطلب من الرجل أن يعلم أهله يطلب من الإمام أو نائبه أن يعلم النساء اهـ. ثم بوّب البخاري أيضا بعد ترجمتين بقوله باب هل يجعل للنساء يوما على حدة في

стр. 103

العلم؟ قال في الفجر الساطع: أي تعليمه وجواب هل محذوف تقديره: نعم يجعل لهن ذلك اهـ وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي: وليس من التشبه المذموم دخول المرأة في شيء من طلب العلم وتعليمه وتربية المريدين، فقد كانت عائشة تعبر العلوم وتورد الإشكالات على الفحول، وقد استدركت على جماعة من الصحابة في كثير من الأحاديث، فاستدركت على عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن الزبير وزيد وأبي الدرداء وأبي سعيد والبراء وفاطمة بنت قيس وغيرهم، وألّف في ذلك جمع من العلماء آخرهم الحافظ السيوطي كتابه «الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام، والعلم والشعر والطب من عائشة. وقال مسروق: لقد رأيت الصحابة يسألون عائشة عن الفرائض. رواهما الحاكم، وكذلك بقية أزواج النبي ﷺ ، والنساء الصحابيات كأم سليم وأم الدرداء وفاطمة بنت قيس، وسائر النساء الصالحات والعارفات، كرابعة العدوية ورابعة الشامية وشقوانة فإنهم كانوا يأخذون العلم والأدب والزهد عنهن، كما كانوا يحملونه عن الرجال، كما يؤخذ ذلك من سيرهن المذكورة في كتب الحديث والتاريخ. وقد رئي من اجتهادهن في العبادة وتدقيقهن في الورع، ما عجزت عنه الرجال اهـ منه. وقد ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الأفريقية خصوصا شنقيط موريتانيا وتنبكتو وكنت العجب، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير صاحب الطريقة الشهيرة به ختم المختصر الخليلي يوما للرجال وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء، وفيهما ألف ولدهما الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن الشيخ المختار كتابه «الطريفة والتالدة في مناقب الشيخ الوالد والشيخة الوالدة» وهو في مجلد ضخم، وانظر الكلام على حكم تعليم النساء في شرح المجاجي على مختصر بن أبي جمرة للصحيح، والآداب الكبرى لابن مفلح الحنبلي، ورسالة عصرينا محدث الهند الشيخ محمد شمس الحق الألهابادي المسماة: عقود الجمان في جواز الكتابة للنسوان، وهي مطبوعة وشرح الوغليسية لزرّوق، وشرح أبي علي بن رحال على المختصر، ثم كتاب الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، لإحدى الكاتبات المصريات المتأخرات زينب بنت فواز وهو في مجلد ضخم، ويعجبني أن أثبت هنا قول عصرينا الشاعر المصري المشهور وهو الشيخ مصطفى صادق الرافعي «١» : يا قوم لم تخلق بنات الورى ... للدرس والطرس وقال وقيل لنا علوم ولها غيرها ... فعلموها كيف نشر الغسيل والثوب والإبرة في كفها ... طرس عليه كل خط جميل

стр. 104

فائدة: ظفرت في تونس بجزء للحافظ أبي الفرج بن الجوزي سماه «ري الظما فيمن قال الشعر من الإماء» قال في أوله: كان الوزير أطال الله بقاءه ذاكرني منذ أيام فيمن قال الشعر من الإماء المماليك، وأمرني أن أجمع له ما وقع من أخبارهم، في الدولتين الأموية والعباسية، ولم أجد في الدولة الأموية منهن شاعرة مذكورة ولا خاملة، لأن القوم لم يكونوا يجيزون من في شعره لين، ولا رضوا إلا بما يجري من الشعر مجرى الجزل المختار الفصيح، وإنما شاع هذا في دولة بني هاشم، فذكرت منهم من وقع إلي له خبر مستحسن، أو شعر صالح. ورسمت ذلك على قدر مراتبهن في أشعارهن وأزمانهن، وبالتتبع وجدته ذكر فيه أخبار وأشعار نحو الثلاثين شاعرة من الإماء، ولا يذكر عنهم إلا ما اتصل به إسناده. وهذا يدل على حفظ كبير وإطلاع تام. ترجم في الإصابة للشفاء المذكورة فقال: كانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان النبي ﷺ يأتيها ويقيل عندها في بيتها، وكانت قد اتخذت له فراشا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان، وأقطعها رسول الله ﷺ دارها عند الخياطين، وكان يقدمها في الدار ويرضاها ويفضلها، وربما ولاها شيئا من السوق اهـ ونحوه للمنذري في اختصار سنن أبي داود. اتخاذ الدار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس «ذكر أبو عمر بن عبد البر في باب «العبادلة» من الإستيعاب: ص ٣٤٧ عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، القرشي العامري، فقال نقلا عن الواقدي: قدم المدينة مع مصعب بن عمير بعد بدر بيسير فنزل دار القرّاء اهـ» . في ترجمة ابن أم مكتوم من طبقات ابن سعد: قدم المدينة مهاجرا بعد بدر بيسير، فنزل دار القراء. وهي دار مخرمة بن نوفل اهـ انظر ص ١٥٠ ج ٤. ذكر المفتين على عهد رسول الله ﷺ وقع في الموطأ «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فذكر أحدهما لرسول الله ﷺ : إني سألت أهل العلم فأخبروني الخ. القصة وهي صريحة في أن هناك من كان يترافع إليه الناس في زمنه ﵇، ثم إذ لم يرضهم الحكم ترافعوا (استأنفوا) النازلة عنده ﵇. «وقد ترجم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المدهش فقال: تسمية من كان يفتي في زمن رسول الله ﷺ : أبو بكر، عمر، عثمان، علي، عبد الرحمن بن عوف، ابن مسعود، معاذ بن جبل، حذيفة زيد بن ثابت، أبو الدرداء، أبو موسى، سلمان» .

стр. 105

قلت: وهكذا سمّاهم ابن الجوزي في كتابه العجيب المسمى بالتلقيح أيضا، وهو كتاب عجيب من أندر كتبه وعندي منه نسخة. وفي ترجمة أبي بن كعب من الإصابة: أن عمر كان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات اهـ منها ص ١٦. وفي الإحياء لم ينصب أحد من الصحابة نفسه للفتوى إلا بضعة عشر رجلا «١» ، قال في شرحها كابن عباس، وابن مسعود وأبي الدرداء، وعلي وحذيفة، ومعاذ وأبي هريرة وأنس وزيد بن ثابت وعمر بن الخطاب وعائشة اهـ. وأصل عبارة الإحياء في القوت وزاد: ولا حملت عنه القضايا والأحكام. وأخرج ابن سعد في الطبقات من حديث سهل بن أبي خيثمة: إن الذين كانوا يفتون على عهد النبي ﷺ : ثلاثة من المهاجرين، عمر علي عثمان، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وفي حديث ابن عمر قال: كان أبو بكر وعمر يفتيان في زمن النبي ﷺ ، ومن حديث خراش الأسلمي: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في زمن النبي ﷺ . وفي خاتمة مجمع بحار الأنوار للفتني: لم ينكر النبي ﷺ فتوى غيره في زمانه، لأنه صدر عن تعليمه. ولذلك كان يفتي في زمنه ﵇ أربعة عشر من الصحابة. وأما بحضوره فلم يكن يفتي أحد سوى الصديق اهـ. وقد نظم من كان يفتي في عهده ﵇ الحافظ الأسيوطي، كما في كتابه قلائد الفرائد وآداب الفتوى، وفي كتابه الحاوي أيضا فقال: وقد كان في عصر النبي جماعة ... يقومون في الإفتاء قومة قانت فأربعة أهل الخلافة منهم ... معاذ أبي وابن عوف وثابت وابن عوف بالرفع وثابت معطوف على عوف مدخول لقوله ابن أي وزيد بن ثابت. وممن نظمهم أيضا الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون؛ صاحب تصحيح المنهاج. قال النجم الغزي في الكواكب السائرة في أهل المائة العاشرة: أخبرنا شيخ الإسلام الوالد قال: أنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون، عن أخيه شيخ الإسلام نجم الدين ابن قاضي عجلون لنفسه: لقد كان يفتي في زمان نبيّنا ... مع الخلفاء الراشدين أيمة معاذ وعمار وزيد بن ثابت ... أبي ابن مسعود ابن عوف حذيفة ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة

стр. 106

وأفتى بميراث أبو بكر الرضى ... وصدّقه فيها، وتلك مزية وانظر كتاب العلم من شرح الإحياء، ونقل السيوطي في «تدريب الراوي» عن ابن حزم: أكثر الصحابة فتوى مطلقا ستة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة، قال: ويمكن الجمع من فتوى كل واحد من هؤلاء مجلدا ضخما قال: ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتياكل واحد منهم جزآ صغيرا، قال: وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسا يقلّون في الفتيا جدا اهـ. ذكر من كان يتوسط بين المصطفى وبين الصحابة إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء ترجم في «الإصابة» لثابت بن معاذ الأنصاري فقال: جاء ذكره في حديث لأنس ضعيف السند، ذكره الخطيب في المؤتلف، من طريق القاسم بن خليفة، حدثنا أبو يحيى التميمي عن إسماعيل بن إبراهيم، عن مطين بن خالد عن أنس بن مالك قال: كنا إذا أردنا أن نسأل رسول الله ﷺ ، عن شيء أمرنا عليا أو سلمان أو ثابت بن معاذ، لأنهم كانوا أجرا أصحابه عليه، فلما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] فذكر حديثا في فضل علي قال الحافظ نقلا عن الخطيب: مطين مجهول، وأبو يحيى التميمي: ضعيف جدا اهـ. ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله ﷺ «ذكر علي بن سعد الخولاني القيرواني في كتابه في التعبير: أن رسول الله ﷺ قال: أعبر أمتي للرؤيا أبو بكر، وأسماء بنت عميس. وفي الصحيحين: ذكر مراءي تقدم أبو بكر لتعبيرها، ثم سأل رسول الله ﷺ عن تعبيره فقال له: أصبت بعضا وأخطأت بعضا «١» » . وقد رأى ﵇ مرة رؤيا قال عنها: رأيت أني لقمت لقمة من حيس «٢» فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل علي يده فنزعه، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذه سرية من سراياك يأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله. فكانت سرية خالد إلى تهامة ووقع ما لم يرضه ﵇،

стр. 107

فبعث عليا. قال ابن باديس: أمر النبي ﷺ على تعبير الرؤيا أبا بكر، وظاهره أنه أقدم على تعبيرها مبادئا، ولم يسأله النبي ﷺ عن ذلك. وفيه جواز مثل ذلك عند العالم ممن هو دونه، لأن أهل الإمداد والوصول إلى الفوائد إنما هو بوساطة ذلك العالم وتعليمه، وما أناله الله على يده صلوات الله وسلامه عليه اهـ. وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي: وكان الصديق غاية في علم تعبير الرؤيا، وكان يعبر الرؤيا في زمن النبي ﷺ . وقد قال محمد بن سيرين، وهو المقدم في هذا العلم بالإتفاق: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ أخرجه ابن سعد. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أولي الرؤيا أبا بكر اهـ. وترجم في الإصابة لأسماء بنت أبي بكر فقال: كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره اهـ وقال القسطلاني على باب غسل الدم من الصحيح في حق أسماء: كانت عارفة بتعبير الرؤيا حتى قيل أخذ ابن سيرين التعبير عن ابن المسيب، وأخذه ابن المسيب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها اهـ وأصله في طبقات ابن سعد عن الواقدي. وللحسين الخلال الحافظ كتاب طبقات المعبرين: ذكر فيه خمسة الاف وخمسمائة معبر من المشاهير، الذين ضربوا في هذا العلم، وأخذوا منه بقسم، وجعلها خمسة عشر قسما: الأول من الأنبياء والثاني: من الصحابة والثالث من التابعين والرابع من الفقهاء والخامس من المذكرين الوعاظ والسادس من المؤلفين انظر كشف الظنون. وفي الرسالة: ولا ينبغي أن يعبر الرؤيا من لا علم له بها. قال التادلي: إلا إذا كان عالما بأصول التفسير، وهي الكتاب والسنة، وكلام العرب وأشعارها، وأمثالها، وكان له فضل وصلاح وفراسة، ولا يعبرها بالنظر في كتب العبارات، ويعني بذلك على جهة التقليد لذلك: فإن ذلك لا يجوز لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال. قال الفاكهاني: ولا ينبغي على التحريم لأنه يكون كاذبا أو مخمنا قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] اهـ من ابن ناجي عليها «١» . وفي شرح أقرب المسالك للدردير: والعلم بتعبير الرؤيا ليس من كتب، كما يقع للناس من التعبير من ابن سيرين فيحرم تعبيرها بما فيه، بل يكون بفهم الأحوال والأوقات وفراسة علم بالمعاني اهـ.

стр. 108

ومن شرح الشيخ زروق على الرسالة: قيل لمالك: أيعبر الرؤيا من لا علم له بها؟ قال: أبالنبوة يلعب؟ وقال جسوس: أي لأن النبي ﷺ جعل الرؤيا جزآ من أجزاء النبوة. وقد أخذ ﷺ الحكم من مرائي أصحابه، كما في رؤيا الأذان، ورؤيا ليلة القدر. وكل ذلك بناء على أنها وحي، كما أشار إليه القرطبي. ونقله الآبي اهـ. وقال الشيخ أبو يحيى التازي عليها فإن قيل: فالذي ينظر في الفروع التي وضعها من ألف في تعبير المنام كعلي بن أبي طالب القيرواني وغيره، فيجد نص من رأى والجواب عليه. قيل: هذا كالمقلد في الفروع، ينظر نص المسألة وجوابها. وقد يغلط في التنظير اهـ انظر فيه بقيته. تنبيه: الكتب المنسوبة إلى ابن سيرين في علم تعبير الرؤيا من أهجن ما كذب على السلف، ولا يتصور من التابعين أن يكون هذا أول ما ألفوا فيه من أبواب العلم، والتصنيف إنما شاع بعد ذلك والله أعلم وقال الشهاب المرجاني في وفية الأسلاف ص ٢٩٨: ألف فيه أي علم التعبير إبراهيم بن عبد الله الكرماني، ثم صنف فيه علماء الإسلام وأكثروا، ونسب الغالب منها في زماننا هذا إلى ابن سيرين، يقولون: ذكر فيه لما أن المذكور فيه هو قوله، والذاكر هو المصنف لذلك الكتاب لا ابن سيرين، كما يقال: ذكر محمد في نوادر هشام، والشافعي في البويطي، لما أنا المذكور فيه هو قول محمد أو الشافعي. والذاكر هو هشام أو البويطي من هذا القبيل. وفي الطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٥٦ لما تكلم على الذين أنكروا من السلف التدوين ما نصه: وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث فكيف بالرؤيا اهـ وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد، فإذا كان ابن سيرين لا يرى كتابة الحديث فكيف يدون تعبير الرؤيا، إن هذا إلّا حلم يحتاج إلى مؤولين ولسنا بتأويل الأحلام بعالمين. ثم وجدت المسند الشمس ابن سليمان الرداني ذكره في حرف العين من: صلة الخلف بموصول السلف تحت عنوان «كتاب عبارة الرؤيا لأبي بكر محمد بن سيرين المعبر» قال في جزءين. وذكر أنه يرويه الفخر ابن البخاري عن أبي الفتح محمد الميداني عن هبة الله بن محمد بن الحصين، عن علي بن المحسن التنوخي، عن إبراهيم بن أحمد الطبري، عن محمد بن موسى الأنصاري، عن أحمد بن حمدية الزاهد عن محمود بن محمد الحلبي، عن مخلد بن عبد الواحد المعبر عن هشام عنه، وعلى كل حال؛ فالأمر موقوف على معرفة هشام الراوي عن ابن سيرين. وهل ابن سيرين المعلوم هو المعني عنده بأبي بكر المعبر أو غيره. فتأمل ذلك. ووجه ذكر هذا الترجمة تلو باب المفتي، أن التعبير من باب الفتيا وكذلك سماه تعالى في قصة ملك مصر، فقال تعالى يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] اهـ.

стр. 109

وقد قال الراغب الأصبهاني في الذريعة: ومن علم الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم الله أمرها في جميع الكتب المنزلة. والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه القوى في الإنسان فائدة والله يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب وهو الأكثر أضغاث أحلام، وأحاديث النفس بالخواطر الردية، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج لا يقبل صورة. وضرب هو الأقل صحيح، وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، ولذلك يحتاج المعبر إلى مهارة يفرق بين الأضغاث وغيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا تصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه، ثم من صح له ذلك؛ منهم من يرشح أن يلقي إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك. ولهذا قال اليونانيون: يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن له حظا من النبوّة انظر بقيته فيه وانظر مقدمة العبر لإبن خالدون. الإمام في صلاة الفريضة «السلطان أحق بالإمامة في الصلاة، إلا أن يأذن لغيره في ذلك. قال ابن العربي في الأحكام: ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن فيهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة وقدّم للصلاة من ترضى حالته سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم. فقد كان بنو أمية حين كانوا يصلون بأنفسهم يخرج أهل الفضل من الصلاة خلفهم، ويخرجون من الأبواب، فيأخذهم سياط الحرس فيصبرون عليه اهـ» . إشتهر في كتب المتأخرين أن إتخاذ المحاريب في المساجد لوقوف الأيمة بدعة، وأفرد ذلك الحافظ السيوطي بمؤلف. وفي عون المعبود على سنن أبي داود: ما قاله القاري من أن المحاريب من المحدثات بعده ﵇ فيه نظر؛ لأن وجود المحراب في زمنه ﵇ يثبت من بعض الروايات، أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول الله ﷺ نهض إلى المسجد فدخل المحراب، ثم رفع يديه للتكبير. وقال ابن الهمام: لا يخفي أن إمتياز الإمام مقرر مطلوب شرعا، وثبتت المحاريب في المسجد من لدن رسول الله ﷺ اهـ انظر العون. فائدة: وفي فوائد الفكر لدى قصة الفتح، ذكروا أن العباس لما احتمل أبا سفيان معه إلى قبته أصبح وقد رأى الناس ثائرين إلى طهورهم، فقال يا أبا الفضل: ما للناس أأمروا فيّ بشيء؟ قال: لا، ولكن قاموا إلى الصلاة. فأمره فتوضأ فلما رأى تكبير الناس بتكبير النبي ﷺ وركوعهم بركوعه قال: ما رأيت كاليوم؛ قوم جميعهم من هنا، وهاهنا، ولا فارس والروم ذات القرون بأطوع منهم له اهـ.

стр. 110

ذكر استخلاف رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق على الصلاة وكم من صلاة صلّاها «أمر النبي ﷺ في مرض موته أبا بكر أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم في الصحيحين وغيرهما وفي الدر المنظم لأحمد بن محمد بن أحمد اللخمي العزفي قال ابن الهاشمي: صلى أبو بكر بالناس في مرض رسول الله ﷺ سبعة عشر صلاة وقال: هكذا روى الدولابي «١» » . وروى الدارقطني من مراسيل الحسن البصري: أن أبا بكر صلى بالناس في مرض موته ﷺ تسعة أيام، وخرج النبي ﷺ في اليوم العاشر، وصلى خلف أبي بكر، قال الزرقاني في شرح المواهب: ومدة مرضه ﵇ إثنا عشر يوما؛ فيها ستون صلاة أو نحو ذلك اهـ. وقال الحافظ ابن تيمية في رده على ابن مطهر الحلي: ولم تكن الصلاة التي صلّاها أبو بكر بالمسلمين في مرض النبي ﷺ صلاة ولا صلاتين، ولا صلاة يوم ولا يومين، وأقل ما قيل: إنه صلى سبعة عشر صلاة، صلى بهم العشاء الأخيرة ليلة الجمعة، وخطب بهم يوم الجمعة هذا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة اهـ منه. ونقله الحافظ برهان الدين الحلبي في نور النبراس وأقره، فاستفدنا منه فائدة وأي فائدة! وهي أن أبا بكر هو الذي خطب بالناس يوم الجمعة في مرض موت النبي ﷺ ، وقد كنت أو مأت إلى التوقف في ذلك في اختصار الشمائل تبعا لشيخنا الشبيهي، الذي قال في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به من الفجر الساطع: لم أقف على من ذكر حال صلاة الجمعة الواقعة في مرضه ﵇، وما وقع فيها من خطبة وغيرها اهـ فلم يبق الآن إلا البحث في موضوع خطبته إذ ذاك. تنبيه: بما وقع عليه الإجماع من كون أبي بكر قدّمه ﵇ للصلاة بالناس في مدة مرضه، ردّ الحافظ ابن تيمية في كتابه في الرّد على ابن المطهر ما ذكره من أنه ﵇ وجّه أبا بكر في الجيش الذي أمرّ عليه أسامة فقال: لم ينقل أحد من أهل العلم أنه ﵇ أرسل أبا بكر وعثمان في جيش أسامة، وكيف يرسل أبا بكر، وقد استخلفه يصلي بالناس مدة إلى أن مات، وكيف يتصور أن يأمره بالخروج في الغزاة، وهو يأمره بالصلاة بالناس اهـ واعترضه الحافظ الشامي في سيرته من وجهين: الأول قوله: إنه لم ينقله أحد من أهل العلم الخ بأنه قد ذكره محمد بن عمر الأسلمي وابن سعد، وهما من أئمة المغازي. وجرى عليه في المورد وجزم به في العيون والفتح في مناقب زيد بن حارثة الثاني قوله: وكيف يرسل أبا بكر في جيش أسامة ليس بلازم، وأن إرادة النبي ﷺ بعث
следующие страницы →