يمصها، قال: فكاع «١» القوم عنه، وقالوا: يا مولاتنا انصرفي فقد كفاك الله شره، وأخبروها، فقالت: لأوفين الله بما وعدته، ثم قالت: انبشوه من عند الرجلين، فنبشوا، فإذا بالثعبان لاو ذنبه برجليه، قال: فتنحت وصلت ركعتين، ثم قالت: اللهم إنك تعلم أني إنما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك فخل بيني وبينه، ثم تناولت عودا فمضت إلى ذنب الثعبان فانسل من مؤخر رأسه فخرج من القبر، ثم أمرت به؛ فأخرج من القبر ثم أحرق بالنار.
قلت: وفي كتاب الحرة للواقدي أن الثابت بالبلد عندنا أن مسرفا لما دفن بثنية المشلل «٢» وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن ربيعة تسير وراء العسكر بيومين أو ثلاثة حتى جاءها الخبر بذلك، فانتهت إليه، فنبشته ثم صلبته على المشلل، قال الضحاك:
فحدثني من رآه مصلوبا يرمى كما يرمى قبر أبي رغال.
وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: والله ما خلصت إليه، ولقد نبشت عنه ولكنها لما انتهت إلى لحده وجدت أسود من الأساود منطويا على رقبته فاتحا فاه، فانصرفت عنه.
وقال ابن الجوزي: لما دخلت سنة أربع وستين- وقد فرغ مسلم من قتال أهل المدينة- سار متوجها إلى مكة، واستخلف على المدينة روح بن زنباع، وسار إلى ابن الزبير؛ فمات في الطريق.
قلت: وذلك مصداق ما جاء في من يقصد أهل المدينة بسوء؛ فأهلكه الله سريعا.
قال القرطبي: أهلكه الله منصرفه عن المدينة، ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه؛ فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث ليال.
وقال الطبري: مات بهرشى بعد الوقعة بثلاث ليال، وكان لحماقته الموفرة يقول عند موته: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة ألاإله إلا الله أحب إلي من قتال أهل المدينة، ولئن دخلت النار بعدها إني لشقي، ثم دعا حصين بن نمير السكوني وقال له:
أمير المؤمنين ولاك بعدي. فأسرع السير، ولا تؤخر ابن الزبير، وأمره أن ينصب المجانيق على مكة، وقال: إن تعوذوا بالبيت فارمه، وحاصر مكة أربعة وستين يوما جرى فيها قتال
стр. 107
شديد، وقذفت الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول، وأخذ رجل قبسا في رأس رمح فطارت به الريح فاحترق البيت، فجاءهم نعي يزيد بن معاوية إهلال ربيع الآخر، وكان بين الحرة وبين موته ثلاثة أشهر، وقال القرطبي: دون ثلاثة أشهر؛ لأنه توفي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول، فلقد ذاب ذوب الرصاص، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته فنكس عنها، فقال لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخلوا الشام.
وكانت وقعة الحرة، وقتل الحسين، ورمي الكعبة بالمنجنيق من أشنع شيء جرى في أيام يزيد.
وقال عبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرة ﵃:
فإن تقتلونا يوم حرّة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل
ونحن قتلناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسلاب لنا منكم نفل
فإن ينج منها عائذ البيت سالما ... فكلّ الذي قد نابنا منكم جلل «١»
يعني بعائذ البيت عبد الله بن الزبير.
وهذه الكائنة غير الإغزاء المذكور في حديث البيداء؛ ولهذا روى ابن شبة عن أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال: يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة، ويبقرون بطون النساء، ويقولون: الحبلى في البطن: اقتلوا صبابة الشر، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم، قال أبو المهزم: فلما جاء جيش ابن ذبحة قلنا: هم، فلم يكونوا هم.
قلت: وقد جاء في بعض الأخبار بيان أن ذلك الجيش جيش السفياني، يبعثه لقتال المهدي.
وقال يحيى بن سعيد: لم تترك الصلاة في هذا المسجد منذ كان رسول الله ﷺ إلا ثلاثة أيام: يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: ونسيت الثالث، وفي العتبية عن مالك أنه بلغه ذلك عن سعيد بن المسيب بمعناه، قال ابن رشد: واليوم الثالث الذي ذكر مالك أنه نسيه، قال محمد بن عبد الحكم: هو يوم خرج به أبو حمزة الخارجي، وكان خروجه- فيما ذكروا- في دولة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفاء بني أمية.
стр. 108
مسير أبي حمزة إلى المدينة
قال خليفة بن خياط: سار أبو حمزة في أول سنة ثلاثين ومائة، يريد المدينة، واستخلف على مكة إبراهيم بن الصباح الحميري، وجعل على مقدمته فلح بن عقبة السعدي، وخرج أهل المدينة والتقوا بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة، وفلح في ثلاثين ألف فارس، فقال لهم: خلوا طريقنا فنأتي هؤلاء الذين بغوا علينا وجاروا في الحكم فإنا لا نريد قتالكم، فأبوا؛ فقاتلوهم فانهزم أهل المدينة، وجاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين: اتبع هؤلاء القوم، وأثخن على جريحهم، فإن لكل زمان حكما، والإثخان في مثل هؤلاء أمثل، قال: ما أرى ذلك، ومضى أبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الإثنين لثلاث عشر خلت من صفر، ففي يوم دخوله إياها- والله أعلم- خلي مسجد النبي ﷺ من أن يجمع فيه، وأصيب من قريش يومئذ ثلثمائة رجل، ومن آل الزبير اثنا عشر رجلا، فما سمع الناس بواكي أوجع للقلوب من بواكي قديد، ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا فيهم بكاء، وقالت نائحة تبكيهم:
ما للزمان وما ليه ... أفنى قديد رجاليه
فلأبكينّ سريرة ... ولأبكين علانيه
قلت: وذكر الذهبي عن خليفة بن خياط في خبر أبي حمزة هذا ما ملخصه: أن عبد الله بن يحيى الأعور الكندي المسمى طالب الحق- بعد أن ملك حضرموت وصنعاء- بعث إلى مكة أبا حمزة الخارجي الأباضي المذكور، فخاف عبد الواحد بن سلميان بن عبد الملك- وكان واليا على مكة والمدينة- وخذله أهل مكة، ففارقها في النفر الأول، وقصد المدينة، فغلب أبو حمزة على مكة، ثم سار منها بعد أن استخلف عليها، فلقي بقديد الجيش الذي أرسله عبد الواحد بن سليمان لقتاله، فظفر أبو حمزة، وسار إلى المدينة فدخلها، وقتل فيها جماعة منهم أربعون رجلا من بني عبد العزى، وجهز إليه مروان عسكرا، فلقي بوادي القرى فلحا، وهو على مقدمة أبي حمزة، فاقتتلوا، فقتل فلح وعامة أصحابه، ثم أدركوا أبا حمزة بمكة، فقتلوه في خلق من أصحابه، ثم ساروا لطالب الحق فقتلوه، انتهى ملخصا.
قلت: ولا يحتمل أن ما نقل عن الأخباريين في الخروج من المدينة إنما كان في هذه الكائنة أو قبل ذلك كله في كائنة بسر بن أرطأة، فإن القرطبي قال: وذكر أبو عمرو الشيباني قال: لما وجه معاوية ﵁ بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي رضي الله عنه
стр. 109
سار إلى أن أتى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس ﵄، وفر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرة بني سليم، ولكنه بعيد، والأقرب ما قدمناه، والله أعلم.
الفصل السادس عشر في ظهور نار الحجاز التي أنذر بها النبي ﷺ
فظهرت بأرض المدينة وأطفأها الله تعالى عند وصولها إلى حرمها، كما سنوضحه.
الأحاديث الواردة في هذه النار
روينا في مسند أحمد برجال ثقات عن أبي ذر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ فرأينا ذا الحليفة، فتعجل رجال إلى المدينة، وبات رسول الله ﷺ وبتنا معه، فلما أصبح سأل عنهم، فقيل: تعجلوا إلى المدينة، فقال: «تعجلوا إلى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت» ثم قال: «ليت شعري متى تخرج نار بأرض اليمن من جبل الوراق تضيء منها أعناق الإبل ببصرى بروكا كضوء النهار» ورواه ابن شبة من غير ذكر «بأرض اليمن» ولفظه «ليتركنها أحسن ما كانت، ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق تضيء لها أعناق الإبل ببصرى بروكا كضوء النهار» .
وأخرج الطبراني في آخر حديث لحذيفة بن أسد: وسمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان- أو ركوبة- تضيء منها أعناق الإبل ببصرى» .
قلت: وركوبة كما سيأتي: ثنية قريبة من ورقان، ولعله المراد بجبل الوراق، قال الحافظ ابن حجر: ورومان لم يذكره البكري. ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، ثم نقل عن البكري أن ركوبة بني المدينة والشام، وسيأتي رده.
وهذه النار مذكورة في الصحيحين في حديث «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز» ، ولفظ البخاري: «تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
وروى الطبراني بسند فيه ضعيف عن عاصم بن عدي الأنصاري قال: سألنا رسول الله ﷺ حدثنا ما قدم، فقال: «أين حبس سيل؟» قلنا: لا ندري، فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ فقال: من حبس سيل، فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، سألتنا عن حبس سيل، فقلنا: لا علم لنا به، وإنه مر بي هذا الرجل فسألته فزعم أن به أهله، فسأله رسول الله ﷺ فقال: «أين أهلك؟»
стр. 110
فقال: بحبس سيل، فقال: «أخرج أهلك منها؛ فإنه يوشك أن تخرج منه نار تضيء أعناق الإبل ببصرى» .
وحديث: «يوشك نار تخرج من حبس سيل تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار وتقيم الليل» الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى من رواية رافع بن بشير السلمي عن أبيه. قال الحافظ الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير رافع، وهو ثقة، انتهى.
وفي مسند الفردوس عن عمر حديث: «لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار يضيء له أعناق الإبل ببصرى» وأخرجه ابن عدي في كامله من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رفعه، وعمر بن سعيد ذكره ابن حبان في الثقات، وكتبه ابن عدي والدارقطني.
بيان أن المدينة يمانية كما أنها حجازية
وقد ظهرت هذه النار بالمدينة الشريفة كما سنبينه، ولا إشكال في كون المدينة حجازية، وأما كونها يمانية فقد نص عليه الشافعي. قال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي: ومكة والمدينة يمانيتان. قلت: وقد ذكر الشافعي في الأم حديث: «أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا» الحديث، ثم روى «أن النبي ﷺ وقف على ثنية تبوك فقال: ما هاهنا شام، وأشار بيده إلى جهة الشام، وما هاهنا يمن، وأشار بيده إلى جهة المدينة» هكذا نقلته من الأم بهذا اللفظ، وهو في مسند الشافعي بلفظ «ما هاهنا شام، وأشار بيده إلى الشام، ومن هاهنا يمن، وأشار بيده إلى جهة المدينة» قال ابن الأثير في شرحه: الغرض منه بيان حد الشام واليمن، وقد جعل المدينة من اليمن، اه. والعجب أن النووي قال في فتاويه: مدينة الرسول ﷺ ليست يمانية ولا شامية، بل هي حجازية، قال: وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وكأنه لم يقف على هذا.
وأما حبس سيل فقد قيل: إن حبس- بالضم ثم السكون- بين حرة بني سليم والسوارقية، وقد كان إقبال هذه النار من المشرق في جهة طريق السوارقية كما سيأتي، وقال نصر: حبس سيل- بالفتح- إحدى حرتي بني سليم. قلت: وأهل المدينة اليوم
стр. 111
يسمون السد الآتي وصفه فيما أحدثته هذه النار بالحبس. وفي كلام ياقوت ما يقتضي أنه كان يسمى بالسد قبل هذه النار؛ فإنه لم يدركها، ومع ذلك قال: إن أعلى وادي قناة عند السد يسمى بالشظاة، اه.
وظهور النار المذكورة بالمدينة الشريفة قد اشتهر اشتهارا بلغ حد التواتر عند أهل الأخبار، وكان ظهورها لإنذار العباد بما حدث بعدها؛ فلهذا ظهرت على قرب مرحلة من بلد النذير صلوات الله وسلامه عليه، وتقدمها زلازل مهولة، وقد قال تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الإسراء: ١٦] ولما ظهرت النار العظيمة الآتي وصفها، وأشفق منها أهل المدينة غاية الإشفاق، والتجؤوا إلى نبيهم المبعوث بالرحمة، صرفت عنهم ذات الشمال، وزاحت عنهم الأوجال، وظهرت بركة تربته ﷺ في أمته، ولعل الحكمة في تخصيصها بهذا المحل- مع ما قدمناه من كونه حضرة النذير- الرحمة لهذه الأمة فإنها لو ظهرت بغيره وسلطان القهر والعظمة التي هي من آثاره قائم لربما استولت على ذلك القطر ولم تجد صارفا؛ فيعظم ضررها على الأمة، فظهرت بهذا المحل الشريف لحكمة الإنذار، فإذا تمت قابلتها الرحمة فجعلتها بردا وسلاما، إلى غير ذلك من الأسرار.
ابتداء الزلزلة التي حدثت بالمدينة
وكان ابتداء الزلزلة بالمدينة الشريفة مستهلّ جمادى الآخرة أو آخر جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وستمائة، لكنها كانت خفيفة لم يدركها بعضهم مع تكررها بعد ذلك، واشتدت في يوم الثلاثاء على ما حكاه القطب القسطلاني، وظهرت ظهورا عظيما اشترك في إدراكه العام والخاص، ثم لما كان ليلة الأربعاء ثالث الشهر أو رابعه في الثلث الأخير من الليل حدث بالمدينة زلزلة عظيمة أشفق الناس منها، وانزعجت القلوب لهيبتها، واستمرت تزلزل بقية الليل، واستمرت إلى يوم الجمعة ولها دوي أعظم من الرعد، فتموج الأرض، وتتحرك الجدارات، حتى وقع في يوم واحد دون ليله ثمانية عشر حركة على ما حكاه القسطلاني.
وقال القرطبي: قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت بقريظة بطرف الحرة، ترى في صفة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج وموادن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من
стр. 112
ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا:
رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى، اه.
وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام.
ونقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة الشريفة وغيره أن في ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها وباتت في تلك الليلة تزلزل، ثم استمرت تزلزل كل يوم وليلة مقدار عشر مرات- وفي كتاب بعضهم أربع عشرة مرة- قال: والله لقد زلزلت مرة ونحن حول الحجرة فاضطرب لها المنبر إلى أن سمعنا منه صوتا للحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، زاد القاشاني: ثم في اليوم الثالث- وهو يوم الجمعة- زلزلت الأرض زلزلة عظيمة، إلى أن اضطربت منام المسجد، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم، قال القطب: فلما كان يوم الجمعة نصف النهار ظهرت تلك النار، فثار من محل ظهورها في الجو دخان متراكم غشى الأفق سواده، فلما تراكمت الظلمات وأقبل الليل سطع شعاع النار، فظهرت مثل المدينة العظيمة في جهة المشرق، والحكمة في ظهورها في يوم الجمعة غير خافية، ففي الحديث «من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ» الحديث، وفي الحديث أيضا: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفهي أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» رواه أبو داود، وهو اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة، وأكمل فيه دينهم؛ فأراد الله أن يخوف عباده فيه بذلك ليردهم إليه، فتلك النار نعمة في صورة نقمة، ولهذا وجلت «١» منها القلوب وأشفقت، وأيقن الناس أن العذاب قد أحاط بهم. قال القاضي سنان: وطلعت إلى الأمير- وكان عز الدين منيف بن شيحة- وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله، فأعتق كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم- زاد القاشاني: وأبطل المكس- ثم هبط الأمير للنبي ﷺ وبات في المسجد ليلة الجمعة وليلة السبت، ومعه جميع أهل المدينة حتى النساء والصغار، ولم يبق أحد في النخل إلا جاء إلى الحرم الشريف، وبات الناس يتضرعون
стр. 113
ويبكون، وأحاطوا بالحجرة الشريفة كاشفين رؤوسهم مقرّين بذنوبهم مبتهلين مستجيرين بنبيهم ﷺ . قال القطب: ولما عاين أمير المدينة ذلك أقلع عن المخالفة، واعتبر، ورجع عما كان عليه من المظالم وانزجر، وأظهر التوبة والإنابة، وأعتق جميع مماليكه، وشرع في رد المظالم، وعزم أهل المدينة على الإقلاع عن الإصرار وارتكاب الأوزار، وفزعوا إلى التضرع والاستغفار، وهبط أميرهم من القلعة مع قاضيهم الشريف سنان وأعيان البلد، والتجؤوا إلى الحجرة الشريفة، وباتوا بالمسجد الشريف بأجمعهم حتى النساء والأطفال؛ فصرف الله تعالى عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال، ونجوا من الأوجال، فسارت تلك النار من مخرجها وسالت ببحر عظيم من النار، وأخذت في وادي أحيليين وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم كأنها عندهم، ومالت من مخرجها إلى جهة الشمال واستمرت مدة ثلاثة أشهر على ما ذكره المؤرخون.
مدة النار
وذكر القطب القسطلاني في كتاب أفرده لهذه النار، وهو ممن أدركها، لكنه كان بمكة فلم يشاهدها: أن ابتداءها يوم الجمعة السادس من شهر جمادى الآخرة، وأنها دامت إلى يوم الأحد السابع والعشرين من رجب، ثم خمدت، فجملة ما أقامت اثنان وخمسون يوما، لكنه ذكر بعد ذلك أنها أقامت منطفية أياما، ثم ظهرت، قال: وهي كذلك تسكن مرة وتظهر أخرى؛ فهي لا يؤمن عودها، وإن طفئ وقودها، انتهى؛ فكأن ما ذكره المؤرخون من المدة باعتبار انقطاعها بالكلية، وطالت مدتها ليشتهر أمرها فينزجر بها عامة الخلق ويشهدوا من عظمها عنوان النار التي أنذرهم بها حبيب الحق.
قوة النار
وذكر القسطلاني عمن يثق به أن أمير المدينة أرسل عدة من الفرسان إلى هذه النار للإتيان بخبرها، فلم تجسر الخيل على القرب منها، فترجل أصحابها وقربوا منها، فذكروا أنها ترمي بشرر كالقصر، ولم يظفروا بجلية أمرها، فجرد عزمه للإحاطة بخبرها، فذكر أنه وصل منها إلى قدر غلوتين بالحجر ولم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض وأحجار كالمسامير تحتها نار سارية ومقابله ما يتصاعد من اللهب، فعاين نارا كالجبال الراسيات، والتلال المجتمعة السائرات، تقذف بزبد الأحجار كالبحار المتلاطمة الأمواج، وعقد لهيبها
стр. 114
في الأفق قتاما حتى ظن الظان أن الشمس والقمر كسفا إذ سلبا بهجة الإشراق في الآفاق، ولولا كفاية الله كفتها لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان والنبات والحجر، انتهى.
وذكر الجمال المطري ما يخالف بعض هذا؛ فإنه قال: أخبرني علم الدين سنجر العزي من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة قال: أرسلني مولاي الأمير عز الدين بعد ظهور النار بأيام، ومعي شخص من العرب، وقال لنا ونحن فارسان:
اقربا من هذه النار، وانظرا هل يقدر أحد على القرب منها، فإن الناس يهابونها لعظمها، فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها؛ فلم نجد لها حرا، فنزلت عن فرسي، وسرت إلى أن وصلت إليها، وهي تأكل الصخر والحجر، فأخذت سهما من كنانتي، ومددت به يدي إلى أن وصل النصل إليها فلم أجد لذلك ألما ولا حرا، فعرق النصل ولم يحترق العود، فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش فاحترق الريش ولم يؤثر في العود.
وذكر المطري قبل ذلك أنها كانت تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر، ولا تأكل الشجر، قال: وظهر لي في معنى ذلك أنه لتحريم النبي ﷺ شجر المدينة؛ فمنعت من أكل شجرها لوجوب طاعته ﷺ على كل مخلوق.
قلت: وذكر القسطلاني أن هذه النار لم تزل مارة على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها، وتذيب ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة اللظى، وأن طرفها الشرقي أخذ بين الجبال فحالت دونه ثم وقفت، وأن طرفها الشامي- وهو الذي يلي الحرم- اتصل بجبل يقال له وعيرة على قرب من شرقي جبل أحد، ومضت في الشظاة الذي في طرفه وادي حمزة ﵁، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي ﷺ فطفئت، قال: وأخبرني شخص أعتمد عليه أنه عاين حجرا ضخما من حجارة الحرة كان بعضه خارجا عن حد الحرم، فعلقت بما خرج منه، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت وخمدت، انتهى.
وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري؛ لأن المطري لم يدرك هذه النار وإن أدرك من أدركها، بخلاف القطب فإنه أدركها، واعتنى بجمع أخبارها، وأفردها بالتصنيف، ولم يقف عليه المطري، وهذا أبلغ في الإعجاز، حيث لم تدخل هذه النار حرمه الشريف؛ إذ هي للإنذار والتخويف وهو نبي الرحمة ﷺ .
ضوء النار
وقد نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب القاضي سنان الحسيني أن سيل النار انحدر مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد، وكادت النار تقارب حرة العريض وخاف الناس منها خوفا عظيما، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة، وطفئت مما يلي العريض بقدرة الله
стр. 115
تعالى، فرجعت تسير في الشرق، وهو مؤيد لما ذكره القطب، ومشاهدة آثارها اليوم تقضي بذلك.
قال المطري: وأخبرني بعض من أدركها من النساء أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة الشريفة.
وقال القسطلاني: إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان «١» ، وظهر من القلاع، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة، وجملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة، ودام على ذلك لهبها حتى تأثر له النيران، وصار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة، ولونها من تصاعد الالتهاب يعتريه حمرة، والقمر كأنه قد كسف من اضمحلال نوره، قال:
وأخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق المشيان أنهم شاهدوا ضوءها على ثلاثة مراحل للمجدّ، وآخرون أنهم شاهدوها من جبال ساية.
قلت: نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة أن هذه النار رئيت من مكة ومن الفلاة جميعها، ورآها أهل ينبع.
قال أبو شامة: وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.
وقال المجد: والشمس والقمر في المدة التي ظهرت بها ما يطلعان إلا كاسفين.
قال أبو شامة: وظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف النور على الحيطان، وكنا حيارى من سبب ذلك، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار، وكل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: وعجائب هذه النار وعظمتها يكلّ «٢» عن وصفها البنان والأقلام، وتجل عن أن يحيط بشرحها البيان والكلام؛ فظهر بظهورها معجزة للنبي ﷺ لوقوع ما أخبر به وهي هذه النار؛ إذ لم تظهر من زمنه ﷺ قبلها ولا بعدها نار مثلها.
هل رؤيت النار ببصرى
وقال القسطلاني: إن جاء من أخبر برؤيتها ببصرى فلا كلام، وإلا فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في الحديث على وجه المبالغة في ظهورها، وأنها بحيث ترى، وقد جاء من أخبر أنه أبصرها بتيماء، وبصرى منها مثل ما هي من المدينة في البعد.
قلت: قد تقدم عن القرطبي أنه بلغه أنها رئيت من جبال بصرى، وصرح الشيخ عماد الدين بن كثير بما يقتضي أنه أضاءت من هذه النار أعناق الإبل ببصرى، فقال: أخبرني قاضي القضاة صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة
стр. 116
بصرى أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة الليلة التي ظهرت فيها هذه النار ممن كان يحاضره ببلد بصرى أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار، فقد تحقق بذلك أنها الموعود بها، والحكمة في إنارتها بالأماكن البعيدة من هذا المظهر الشريف حصول الإنذار، ليتم به الانزجار، كما اتفق لأهل المدينة، وفي هذا المعنى يقول قائلهم:
يا كاشف الضّرّ صفحا عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها ... حملا ونحن بها حقا أحقّاء «١»
زلازلا تخشع الصّمّ الصّلاب لها ... وكيف تقوى على الزلزال شمّاء «٢»
أقام سبعا يرجّ الأرض فانصدعت ... عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجري فوقه سفن ... من الهضاب لها في الأرض إرساء
ترمي لها شررا كالقصر طائشة ... كأنها ديمة تنصبّ هطلاء
تنشقّ منها بيوت الصخر إن زفرت ... رعبا، وترعد مثل السعف أضواء
منها تكاثف في الجو الدخان إلى ... أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سعفة في البدر لفحتها ... فليلة التم بعد النور عمياء
تحدت النيرات السبع ألسنها ... بما تلاقي بها تحت الثرى الماء
وقد أحاط لظاها بالبروج إلى ... أن صار يلفحها بالأرض أهواء
فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت ... منا الذنوب وساء القلب أسواء
فاسمح وهب وتفضل بالرضى كرما ... وارحم فكلّ لفرط الجهل خطّاء
فقوم يونس لما آمنوا كشف الت ... عذيب عنهم وعمّ القوم نعماء
ونحن أمة هذا المصطفى، ولنا ... منه إلى عفوك المرجو دعّاء
هذا الرسول الذي لولاه ما سلكت ... محجة في سبيل الله بيضاء
فارحم وصلّ على المختار ما خطبت ... على علا منبر الأوراق ورقاء
مبدأ ظهور النار
قال المؤرخون: وكان ظهور هذه النار من صدر واد يقال له وادي الأحيليين وقال البدر بن فرحون: إنها سالت في وادي أحيليين، وموضعها شرقي المدينة على طريق السوارقية مسيرة من الصبح إلى الظهر.
قال القطب القسطلاني: ظهرت في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في
стр. 117
موضع يقال له قارع الهيلاء على قرب من مساكن قريظة شرقي قباء، فهي بين قريظة وموضع يقال له أحيليين، فثارت من هذا القاع، ثم امتدت فيه آخذة في الشرق إلى قريب من أحيليين، ثم عرجت واستقبلت الشام سائلة إلى أن وصلت إلى موضع يقال له قرين الأرنب بقرب من أحد، فوقفت وانطفت وانصرفت، انتهى.
من فوائد هذه النار
قال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال، وتسيل سيلا ذريعا في واد يكون طوله مقدار أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، وهي تجري على وجه الأرض والصخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك «١» ، فإذا خمد اسودّ بعد أن كان أحمر، ولم يزل يجتمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار ولا كسد ذي القرنين، يعجز عن وصفه الواصف، ولا مسلك لإنسان فيه ولا دابة.
قلت: وهذا من فوائد إرسال هذه النار؛ فإن تلك الجهة كثيرا ما يطرق منها المفسدون لكثرة الأعراب بها؛ فصار السلوك إلى المدينة متعسّرا عليهم جدّا.
قال القسطلاني: أخبرني جمع ممن أركن إلى قولهم إن النار تركت على الأرض من الحجر ارتفاع رمح طويل على الأرض الأصلية.
قال المؤرّخون: وانقطع وادي الشظاة بسبب ذلك، وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور حتى يصير بحرا مد البصر عرضا وطولا، فانخرق من تحته في سنة تسعين وستمائة لتكاثر الماء من خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنتين كاملتين، أما السنة الأولى فكان قد ملأ ما بين جانبي الوادي، وأما الثانية فدون ذلك، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة كاملة أو أزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز، فكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي جبل وعيرة وتلك النواحي، فجاء سيل طام لا يوصف، ولو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة، وكان أهل المدينة يقفون خارج باب البقيع على التل الذي هناك فيشاهدونه ويسمعون خريرا توجل القلوب دونه، فسبحان القادر على ما يشاء!
стр. 118
النذر الحادثة في عام النار والذي يليه
ومن العجائب أن في السنة التي ظهرت فيها هذه النار احترق المسجد الشريف النبوي بعد انطفائها كما سيأتي، وزادت دجلة زيادة عظيمة فغرق أكثر بغداد وتهدمت دار الوزير، وكان ذلك إنذارا لهم، وليتهم اتعظوا.
ثم في أول السنة التي تلي هذه السنة وقعت الطامة الكبرى، وهي أخذ التتار لبغداد وقتل الخليفة المستعصم وبعده المسلمون، وبذل السيف ببغداد نيفا وثلاثين يوما، وأخرجت الكتب فألقيت تحت أرجل الدواب، وشوهد بالمدرسة المستنصرية معالف الدواب مبنية بالكتب موضع اللبن «١» ، وخلت بغداد من أهلها، واستولى عليها الحريق على ما ذكره سعيد الذهلي، واحترقت دار الخلافة، وعم الحريق أكثر الأماكن حتى القصور البرانية وترب الرصافة مدفن ولاة الخلافة، وشوهد على بعض حيطان منها مكتوب:
إن ترد عبرة فهذا بنو ... العباس دارت عليهم الدائرات
استبيح الحريم إذ قتل الأحي ... اء منهم وأحرق الأموات
ثم كثر الموت والفناء ببغداد، وطوى بساط الخلافة منها من ذلك الزمان، فلله الخلق والأمر!
وقد نظم بعضهم خروج هذه النار وغرق بغداد، وأصلحه أبو شامة منبها على أن الأمرين في سنة بقوله:
سبحان من أصبحت مشيئته ... جارية في الورى بمقدار
في سنة أغرق العراق، وقد ... أحرق أرض الحجاز بالنار
بعض ما يناسب هذه النار
قال المجد: ومما يناسب هذه النار ويضاهيها ما حكاه ابن جبير أنه رأى من أخبره أن في بحر رومية جزيرتين يخرج منهما النار دائما، قال: وأبصرنا الدخان صاعدا منهما، وتظهر بالليل نار حمراء ذات ألسن تصعد في الجو، قال: وأعلمنا أن خروجها من جبلين يصعد منهما نفس ناري شديد، وربما قذف فيها الحجر فتلقى به مسودا إلى الهواء بقوة ذلك النفس، وتمنعه من الانتهاء إلى القعر، قال: وأما الجبل الشامخ الذي بالجزيرة المعروف بجبل النار فشأنه أيضا عجيب، وذلك أن نارا تخرج منه في بعض السنين كالسيل
стр. 119
العرم؛ فلا تمر بشيء إلا أحرقته، حتى تنتهي إلى البحر فتركب ثبجه «١» طائرة على صفحته حتى تغوص فيه.
شأن خالد بن سنان العبسي
قلت: وأقرب من ذلك في مناسبة هذه النار ما ذكره ابن شبة في أخبار المدينة- عند ذكر خالد بن سنان العبسي الذي قال النبي ﷺ لما جاءته بنته «هذه ابنة نبي ضيعه قومه» - فروى ابن شبة في خبره من طرق ما ملخصه أنه كان بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحدثان (حرة بأرض بني عبس) تعشى الإبل «٢» بضوئها من مسيرة ثماني ليال، وربما خرج منها العنق فذهب في الأرض فلا يبقي شيئا إلا أكله، ثم يرجع حتى يعود إلى مكانه، وإن الله تعالى أرسل إليها خالد بن سنان، فقال لقومه: يا قوم، إن الله أمرني أن أطفئ هذه النار التي قد أضرت بكم فليقم معي من كل بطن رجل، فخرج بهم حتى انتهى إلى النار فخط عليهم خطا ثم قال: إياكم أن يخرج أحد منكم من هذا الخط فيحترق، ولا ينوهن باسمي فأهلك، وجعل يضرب النار ويقول: بدا بدا «٣» كل هدي لله مودا، حتى عادت من حيث جاءت، وخرج يتبعها حتى ألجأها في بئر في وسط الحرة منها تخرج النار، فانحدر فيها خالد. وفي درة الغواص: فإذا هو بكلاب تحتها فرضهن بالحجارة، وضرب النار حتى أطفأها الله على يده، ومعهم ابن عم له، فجعل يقول: هلك خالد، فخرج وعليه بردان ينطفان «٤» من العرق وهو يقول: كذب ابن رايعة المعزى لآخرجنّ منها وثيابي تندى، فسموا بني ذلك الرجل «بني راعية المعزى» إلى اليوم، وفي رواية أن قومه سالت عليهم نار من حرة النار في ناحية خبير، والناس في وسطها، وهي تأتي من ناحيتين جميعا، فخافها الناس خوفا شديدا. وفي رواية: وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع، فقال لهم خالد بن سنان: ابعثوا معي إنسانا حتى أطفئها من أصلها، فخرج معه راعي غنم، وهو ابن راعية، حتى جاء غارا تخرج منه النار. وفي رواية: أنها كانت تخرج من بئر، ثم قال خالد للراعي: أمسك ثوبي، ثم دخل في الغار، وفي رواية:
أنه انطلق في ناس من قومه حتى أتوها، وقال لهم: إن أبطأت عنكم فلا تدعوني باسمي، فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه ويقول:
هديا هديا، كل نهب مودى، زعم ابن راعية المعزى، أني لا أخرج منها وثيابي تندى،
стр. 120
حتى دخل معها الشعب، فأبطأ عليهم، فقال بعضهم: لو كان حيّا لخرج إليكم، فقالوا:
إنه قد نهاها أن ندعوه باسمه، قال: ادعوه باسمه، فو الله لو كان حيّا لخرج إليكم بعد، فدعوه باسمه، فخرج وهو آخذ برأسه؛ فقال: ألم أنهكم أن تدعوني باسمي؟ قد والله قتلتموني، احملوني وادفنوني، فإذا مرت بكم حمر معها حمار أبتر، وفي رواية فإذا دفنتموني وأتى عليّ ثلاثة أيام فأتوا قبري، فإذا عرضت لكم عانة «١» من حمر وحش وبين يديها عير فانبشوني فإني أقوم فأخبركم ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأتوا القبر بعد ثلاث وسنحت لهم الحمر، فأرادوا نبشه، فمنعهم قوم من أهل بيته، وقالوا: لا ندعكم تنبشون صاحبنا فنعير بذلك، وفي رواية: فيكون سبة علينا، فتركوه.
وفي رواية لابن القعقاع بن خليد العبسي عن أبيه عن جده، قال: بعث الله خالد بن سنان نبيا إلى بني عبس، فدعاهم فكذبوه، فقال قيس بن زهير: إن دعوت فأسيل علينا هذه الحرة نارا اتبعناك؛ فإنك تخوفنا بالنار، وإن لم تسل نارا كذبناك، قال: فذلك بيني وبينكم؟
قالوا: نعم، قال: فتوضأ ثم قال: اللهم إن قومي كذّبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا، فأسلها عليهم نارا، قال: فطلع مثل رأس الحريش «٢» ، ثم عظمت حتى عرضت أكثر من ميل، فسالت عليهم، فقالوا: يا خالد ارددها فإنا مؤمنون بك، فتناول عصا ثم استقبلها بعد ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا، فلم يزل يضربها حتى رجعت، قال: فرأيتنا نعشى الإبل على ضوء نارها ضلعا الربذة وبين ذلك ثلاث ليال.
قف على كرامة لتميم الداري
وروى له ابن شبة أخبارا أخرى مع قومه، وروى البيهقي في دلائل النبوة في باب «ما جاء في الكرامة التي ظهرت على تميم الداري شرفا للمصطفى ﷺ وتنويها باسم من آمن به، عن معاوية بن حرمل، وذكر خبرا في قدومه المدينة، وقول عمر له: اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه، ثم قال: فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر ﵁ إلى تميم الداري ﵁، فقال: قم إلى هذه النار، فقال: يا أمير المؤمنين ومن أنا؟ قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها «٣» بيده حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها، فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثا، والله أعلم.
стр. 121
الباب الثالث في أخبار سكانها في سالف الزمان، ومقدمه ﷺ إليها ،
وما كان من أمره بها في سنين الهجرة، وفيه اثنا عشر فصلا
الفصل الأول في سكانها بعد الطوفان، وما ذكر في سبب نزول اليهود بها، وبيان منازلهم
نزول عبيل بيثرب
أسند الكلبي عن ابن عباس أن مخرج الناس من السفينة نزلوا طرف بابل، وكانوا ثمانين نفسا، فسمى الموضع سوق الثمانين، قال: وطول بابل مسيرة عشرة أيام واثني عشر فرسخا، فمكثوا بها حتى كثروا، وصار ملكهم نمروذ بن كنعان بن حام، فلما كفروا بلبلوا، فتفرقت ألسنتهم على اثنين وسبعين لسانا، ففهّم الله العربية منهم عمليق وطسم ابني لوذا بن سام، وعادا وعبيل ابني عوص بن أرم بن سام، وثمود وجديس ابني جاثق بن أرم بن سام، وقنطور بن عابر بن شالخ بن أرفحشذ بن سام، فنزلت عبيل يثرب، ويثرب اسم ابن عبيل، ثم أخرجوا منها فنزلوا الجحفة، فجاءهم سيل أجحفهم فيه، فلهذا سميت جحفة، فرثاهم رجل منهم فقال:
عين جودي على عبيل وهل ير ... جع من فات بيضها بالسحام؟
عمروا يثربا وليس بها شف ... ر ولا صارخ ولا ذو سنام
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا النخيل بالآجام
أول من سكن يثرب
وقال أبو القاسم الزجاجي: أول من سكن المدينة عند التفرق يثرب بن قاينة ابن مهلائيل بن أرم بن عبيل بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇، وبه سميت يثرب، وروي عن ابن عباس ما يدل له.
سكنى العماليق المدينة
وقال ياقوت: كان أول من زرع بالمدينة، واتخذ بها النخل، وعمر بها الدور والآطام، واتخذ بها الضياع، العماليق، وهم بنو عملاق بن أرفخشذ بن سام بن نوح،
стр. 122
وكانت العماليق ممن انبسط في البلاد، فأخذوا ما بين البحرين وعمان والحجاز كله إلى الشام ومصر، وجبابرة الشام وفراعنة مصر منهم، وكان منهم بالبحرين وعمان أمة يسمون جاسم، وكان ساكن المدينة منهم بنو هف وبنو مطرويل، وكان ملكهم بالحجاز الأرقم بن أبي الأرقم.
وأسند ابن زبالة عن زيد بن أسلم أن ضبعا رؤيت وأولادها رابضة في حجاج عين رجل من العماليق- والحجاج، بكسر أوله وفتحه: العظم الذي ينبت عليه الحاجب- قال زيد بن أسلم: وكان تمضي أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة.
قوم من اليهود ينزلون المدينة
وأسند رزين عن أبي المنذر الشرقي قال: سمعت حديث تأسيس المدينة من سليمان بن عبيد الله بن حنظلة الغسيل، قال: وسمعت أيضا بعض ذلك من رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عمار بن ياسر، قال: فجمعت حديثهما لكثرة اتفاقه وقلة اختلافه، قالا: بلغنا أنه لما حج موسى صلوات الله عليه حج معه أناس من بني إسرائيل، فلما كان في انصرافهم أتوا على المدينة، فرأوا موضعها صفة بلد نبي يجدون وصفه في التوراة بأنه خاتم النبيّين، فاشتورت طائفة منهم على أن يتخلفوا به، فنزلوا في موضع بني قينقاع، ثم تألفت إليهم أناس من العرب فرجعوا على دينهم، فكانوا أول من سكن موضع المدينة.
وذكر بعض أهل التواريخ أن قوما من العمالقة سكنوه قبلهم، قلت: وهو الأرجح.
داود النبي يغزو سكان المدينة
وأسند ابن زبالة مصدّرا به كتابة في بدء من سكنها عن مشيخة من أهل المدينة قالوا:
كان ساكن المدينة في سالف الزمان صعل وفالج، فغزاهم داود النبي ﵊، وأخذ منهم مائة ألف عذراء، قالوا: وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل، وهي التي بناحية الجرف، وبقيت امرأة منهم تعرف بزهرة، وكانت تسكن بها، فاكترت من رجل وأرادت الخروج إلى بعض تلك البلاد، فلما دنت لتركب غشيها الدود، فقيل لها: إنا لنرى دودا يغشاك، فقالت: بهذا هلك قومي، ثم قالت: ربّ جسد مصون، ومال مدفون، بين زهرة ورانون، قالوا: وقتلها
стр. 123
قلت: وداود بعد موسى ﵉، وكان يدعو إلى شريعته.
وقد عبّر ابن النجار عما سبق بقوله: فال أهل السير: أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم صعل وفالج، وذكر قصة داود ملخصة، ثم قال: قالوا: وكان قوم من الأمم يقال لهم: بنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق فيما بين مخيض إلى غراب الضائلة إلى القصاصين إلى طرف أحد؛ فتلك آثارهم هنالك.
وروى ابن زبالة عند ذكر جماء أم خالد بوادي العقيق عن عثمان بن عبد الرحمن قال: وجد قبر في الجماء عليه حجر مكتوب فيه فهبط بالحجر فقرأه رجل من أهل اليمن، فإذا فيه: أنا عبد الله رسول رسول الله ﷺ سليمان بن داود إلى أهل يثرب، وأنا يومئذ على الشمال.
وروى أيضا عن عمر بن سليم الزرقي قال: رقينا الجماء فوجدنا قبرا إرميا على رأسها عنده حجران مكتوبان لا تقرأ كتابتهما، فحملناهما، فثقل علينا أحدهما فرميناه في الجماء، وأخذت الآخر، فكان عندي، فعرضته على أهل التوراة من يهود فلم يعرفوه، ثم عرضته على أهل الإنجيل من النصارى فلم يعرفوه، فأقام عندي حتى دخل المدينة رجلان من أهل ماه، فسألتهما: هل كان لكم كتاب؟ قالا: نعم، فأخرجت إليهما الحجر، فقرآه فإذا فيه: أنا عبد الله الأسود رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل قرى عرينة، وقالا: نحن كنا أهل هذه القرية في أس «١» الدهر، وسيأتي بقية ما جاء في ذلك في رابع فصول الباب السابع.
مهلك العماليق بالحجاز
وأسند ابن زبالة أيضا عن عروة بن الزبير قال: كانت العماليق قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وعتوا عتوّا كبيرا، فلما أظهر الله موسى ﵇ على فرعون وطئ الشام وأهلك من بها، يعني من الكنعانيين وقيل: بعث إليهم بعثا، فأهلك من كان بها منهم، ثم بعث بعثا آخر إلى الحجاز للعماليق، وأمرهم ألايستبقوا أحدا منهم بلغ الحلم، فقدموا عليهم، فأظهرهم الله فقتلوهم، حتى انتهوا إلى ملكهم الأرقم بن أبي الأرقم فقتلوه، وأصابوا إبنا له- وكان شابا من أحسن الناس- فضنوا به عن القتل، وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على نبي الله موسى ﵇ فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم، فقبض الله موسى قبل قدوم الجيش، فلما سمع بهم الناس تلقوهم فسألوهم فأخبروهم بالفتح، وقالوا: لم نستبق منهم إلا هذا الفتى، فإنا لم نر شابا أحسن
стр. 124
منه، فتركناه حتى نقدم به على نبي الله موسى ﵇ فيرى فيه رأيه، فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه لمعصية منكم لما خالفتم أمر نبيكم، لا والله لا تدخلون علينا بلادنا أبدا، فقال الجيش: ما بلد إذ منعتم بلادكم بخير من البلد الذي خرجتم منه، وكان الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله وأظهره ماء، قال: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق.
سبب نزول اليهود المدينة
وفي الروض الأنف عن أبي الفرج الأصبهاني أن السبب في كون اليهود بالمدينة- وهي وسط أرض العرب- أن بني إسرائيل كانت تغير عليهم العماليق من أرض الحجاز، وكانت منازلهم يثرب والجحفة إلى مكة، فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى، فوجه إليهم جيشا، وذكر نحو ما تقدم، ثم قال: وأصح من هذا ما ذكره الطبري أن نزول بني إسرائيل بالحجاز كان حين وطئ بختنصر بلادهم بالشام وخرب بيت المقدس، انتهى.
وحكى ابن النجار عن بعض العلماء أن سببه أن علماءهم كانوا يجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل نزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها خيبر فنزلوها، ومضى أشرفهم وأكثرهم فلما رأوا يثرب سبخة وحرة وفيها النخل قالوا: هذه البلد التي تكون مهاجر النبي العربي ﵊، فنزل النضير بطحان، ثم حكى ما سيأتي من نزول قريظة والنضير بمذينيب ومهزور.
وحكى ياقوت عن بعض علماء الحجاز من يهود أن سبب نزولهم الحجاز أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل وملك الشام خطب إلى بني هرون، وفي دينهم أن لا يزوجوا النصارى، فخافوه وأنعموا له، وسألوه أن يشرفهم بإتيانه إليهم، فأتاهم، ففتكوا به وبمن معه، ثم هربوا حتى لحقوا بالحجاز فأقاموا بها، وزعم بنو قريظة أن الروم لما غلبوا على الشام خرج قريظة والنضير وهدل هاربين من الشام يريدون من كان بالحجاز من بني إسرائيل، فوجه ملك الروم في طلبهم؛ فأعجزوا رسله، وانتهى الرسل إلى ثمد «١» بين الحجاز والشام فماتوا عنده عطشا، فسمي الموضع «ثمد الروم» وهو معروف بذلك، والله أعلم أي ذلك كان.
وروى بعض أهل السير عن أبي هريرة ﵁، قال: بلغني أن بني إسرائيل لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بحنتصر عليهم وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون
стр. 125
محمدا ﷺ منعوتا في كتابهم، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية في قرية ذات نخل، ولما خرجوا من أرض الشام كانوا يعبرون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون أن يلقوا محمدا فيتبعونه، حتى نزل من بني هرون ممن حمل التوراة بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم يؤمنون بمحمد ﷺ أنه جاء، ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه: أي حسدا للأنصار حيث سبقوهم إليه.
وقال ابن زبالة عقب ما قدمناه عنه من عود الجيش من بني إسرائيل إلى الحجاز وسكناهم المدينة: فركحوا منها حيث شاؤوا- أي: تفسحوا وتبوؤوا- فكان جميعهم بزهرة، وكانت لهم الأموال بالسافلة، وزهرة ثبرة- أي أرض سهلة بين الحرة والسافلة مما يلي القف- ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول مما يلي زغابة، قالوا:
وكانت يثرب سقيفة طويلة فيها بغايا يضرب إليهن من البلدان، وكانوا يروحون في قرية يثرب ثمانين جملا جونا «١» سوى سائر الألوان.
ثم أسند عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هدل وعمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوى بن جبر بن النحام بن عازر بن عيرز بن هرون بن عمران ﵇ والنضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء، فتبعوا آثارهم، فنزلوا بالعالية على واديين يقال لهما مذينيب ومهزور، فنزلت بنو النضير على مذينيب واتخذوا عليه الأموال فكانوا أول من احتفر بها- أي بالعالية- الآبار وغرس الأموال، قال: ونزل عليهم بعض قبائل العرب فكانوا معهم، فاتخذوا الأموال، وابتنوا الآطام والمنازل.
وأسند هو وابن شبة أيضا عن جابر مرفوعا: أقبل موسى وهارون حاجّين فمرا بالمدينة، فخافا من يهود، فخرجا مستخفيين، فنزلا أحدا، فغشى هارون الموت، فقام موسى فحفر له ولحد، ثم قال: يا أخي إنك تموت، فقام هارون فدخل في لحده، فقبض «٢» عليه موسى التراب.
стр. 126
قلت: وإسناد ابن شبة لا بأس به، غير أن فيه رجلا لم يسمّ، وسماه ابن زبالة، وذلك المسمى لا بأس به أيضا، لكن ابن زبالة لا يعتمد عليه في ذلك، وهو دال على أن اليهود نزلوا المدينة في زمن موسى ﵇، وطالت مدتهم بها في حياته، حتى وقع منهم ما يقتضي خوفه منهم عند مروره، وهو إنما يتأتى على ما قدمناه من أنه لما حج ومعه ناس من بني إسرائيل فرأوا موضع المدينة صفة بلد خاتم النبيين، فاشتورت طائفة منهم على أن يتخلفوا به، ويكون ما اتفق لموسى وهارون ﵉ في حجة أخرى بعد ذلك، وسيأتي في مسجد عرق الظبية بالروحاء حديث «ولقد مر به موسى بن عمران حاجّا ومعتمرا في سبعين ألفا من بني إسرائيل» ومن الغريب ما نقل الحافظ ابن حجر عن كتاب الأنواء لعبد الملك بن يوسف قال: إن قريظة كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله ﵇، وإن ذلك محتمل؛ فإن شعيبا كان من بني جذام القبيلة المشهورة- قال الحافظ ابن حجر: وهو بعيد جدّا- ونقل ابن زبالة ما حاصله: أن ممن كان من العرب مع يهود قبل الأنصار بنو أنيف حي من بلي، ويقال: إنهم بقية من العماليق، وبنو مريد حي من بلى، وبنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم، وبنو الجذماء حي من اليمن، وكانت الآطام عزّ أهل المدينة ومنعتهم التي كانوا يتحصنون فيها من عدوهم، وروى حديث النهي عن هدم آطام المدينة، قال: وكان لبني أنيف بقباء: الأجش عند البئر التي يقال لها لاوة، وأطمان فيما بين المال الذي يقال لها الماثة والمال الذي يقال له القائم، وآطام عند بئر عذق وغيرها، قال شاعرهم فيها:
ولو نطقت يوما قباء لخبرت ... بأنّا نزلنا قبل عاد وتبّع
وآطامنا عاديّة مشمخرّة ... تلوح فتنكى من نعادي وتمنع
بقايا اليهود بالمدينة
وكان ممن بقي من اليهود- حين نزلت عليهم الأوس والخزرج- جماعات منها بنو القصيص وبنو ناغصة كانوا مع بني أنيف بقباء، وكان بقباء رجل من اليهود يقال «إنه من بني النضير» كان له أطم يقال له «عاصم» كان في دار ثوبة بن حسين بن السائب بن أبي لبابة، وفيه البئر الذي يقال لها قباء، وقيل: إن بني ناغصة حي من اليمن كانت منازلهم في شعب بني حرام حتى نقلهم عمر بن الخطاب إلى مسجد الفتح، ومنها بنو قريظة في دارهم المعروفة بهم اليوم، وكان لهم بها آطام: من ذلك أطم الزبير بن باطا القرظي، كان موضعه في موضع مسجد بني قريظة، وأطم كعب بن أسد يقال له بلحان بالمال الذي يقال له الشجر، وله يقول الشاعر:
من سره رطب وماء بارد ... فليأت أهل المجد من بلحان
стр. 127
وكان مع قريظة في دارهم إخوتهم بنو هدل وبنو عمرو المقدم ذكرهم، وإنما سمي هدلا بهدل كان في شفته، ومن ولده ثعلبة وأسد ابنا سعيّة وأسد بن عبيد ورفاعة بن سموأل وسخيت ومنبه ابنا هدل، ومنها بنو النضير في النواعم، ومنهم كعب بن الأشرف، وكان لهم عامة أطم في المال الذي يقال له فاضجة، وأطم في زقاق الحارث دبر قصر ابن هشام دون بني أمية بن زيد كان لعمر بن جحاش، وأطم البويلة، وغير ذلك، هذا ما ذكره ابن زبالة.
ونقل ابن عساكر عن الواقدي أنه قال: كانت منازل بني النضير بناحية الغرس.
قلت: والظاهر أنهم كانوا بالنواعم، وتمتد منازلهم وأموالهم إلى ناحية الغرس وإلى ناحية الصافية وما معها من صدقات النبي ﷺ وبعض منازلهم كانت بجفاف؛ لأن فاضجة به، ورأيت بالحرة في شرقي النواعم آثار حصون وقرية بقرب مذينيب يظهر أنها من جملة منازلهم، وأن ما في قبلة ذلك في شرقي العهن من منازل بني أمية بن زيد كما سيأتي، ومنها بنو مريد في بني خطمة وناعمة إبراهيم بن هشام، وكان لهم أطم يعرف بهم فيه بئر، ومنها بنو معاوية في بني أمية بن زيد، ومنها بنو ماسكة بقرب صدقة مروان بن الحكم مما يلي صدقة النبي ﷺ وكان لهم الأطمان اللذان في القف في القرية، ومنها بنو محمم في المكان الذي يقال له بنو محمم، وكان لهم المال الذي يقال له خناقة، معروف اليوم، وكان رجل منهم قطع يد رجل في الجاهلية فقال المقطوع: أعطني خناقة عقلا بيدي، فأبى، وحفر للذي قطعه كوة في خناقة، ثم أخرج يده منها من وراء الحائط وقال: اقطع، فقطع يده، فقال حين قطع يده:
الآن قد طابت ذرى خنافة ... طابت فلا جوع ولا مخافة
ومنها بنو زعورا عند مشربة أم إبراهيم بن النبي ﷺ ولهم الأطم الذي عندها، وكان الأطم الذي في مال جحاف لبعض من كان هناك من اليهود، ومنها بنو زيد اللات، قال ابن زبالة: وهم رهط عبد الله بن سلام، كانوا قريبا من بني غصينة، ومنها بنو قينقاع عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية، وكان هناك سوق من أسواق المدينة، وكان لهم الأطمان اللذان عند منقطع الجسر على يمينك وأنت ذاهب من المدينة إلى العالية إذا سلكت الجسر، وغير ذلك، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن بني قينقاع هم رهط عبد الله بن سلام، خلاف ما تقدم عن ابن زبالة، قال الحافظ ابن حجر: وهم من ذرية يوسف الصديق ﵇، ومنها بنو حجر عند المشربة التي عند الجسر، ولهم أطم يعرف بهم، ومنها بنو ثعلبة وأهل زهرة بزهرة، وهم رهط الفطيون، وهو ملكهم الذي كان يفتض نساء أهل المدينة قبل أن يدخلن على أزواجهن، وكان لهم الأطمان اللذان على
стр. 128
طريق العريض حين يهبط من الحرة، وكانت بزهرة جماع من اليهود وكانت من أعظم قرى المدينة، وقد بادوا، ومنها ناس كانوا بالجوانية- بفتح الجيم وتشديد الواو والياء المثناة من تحت: موضع بقرب أحد في شمالي المدينة كما سيأتي- ولهم أطمان صارا لبني حارثة بن الحارث وهما صرار والريان، ولذلك يقول نهيك بن سياف:
لعل صرارا أن تعيش بياره ... ويسمع بالريان تبنى مشاربه
وكانت بنو الحذماء المتقدم ذكرهم- وهم حي من اليمين- ما بين مقبرة بني عبد الأشهل وبين قصر ابن عراك، ثم انتقلوا إلى راتج، ومنها بنو عكوة في يماني بني حارثة، ومنها بنو مرابة في شامي بني حارثة، ولهم الأطم الذي يقال له الشبعان في ثمغ صدقة عمر بن الخطاب ﵁، ومنها ناس براتج، وهو أطم سميت به الناحية، وهو الذي يقول له قيس بن الخطيم:
ألا إن بين الشرعبيّ وراتج ... ضرابا كتخديم السبال المعضد
ومنها ناس بالشوط والعنابس والوالج وزبالة إلى عين فاطمة حيث كان يطبخ الآجر لمسجد الرسول ﷺ وكان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له الشرعبي، وهو الأطم الذي دون ذباب، وقد صار لبني جشم بن الحارث بن الخزرج أي الأصغر يعني إخوة بني عبد الأشهل، وكان لأهل الوالج أطم بطرفه مما يلي قناة، وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان بمفضاهما المسجد الذي صلّى فيه رسول الله ﷺ حين سار إلى أحد، وكان لأهل زبالة الأطمان عند كومة أبي الحمراء الرابض والذي دونهما، ومنها أهل يثرب، وكانوا جماعا من اليهود بها وقد بادوا فلم يبق منهم أحد.
قلت: ونقل رزين عن الشرقي أن يهود كانوا نيفا وعشرين قبيلة، وقال ابن النجار:
إن آطامهم كانت تسعة خمسين أطما، وللعرب النازلين عليهم قبل الأنصار ثلاثة عشر أطما، وقد ذكر ابن زبالة أسماء كثير منها حذفناه لعدم معرفته في زماننا.
فهذا علم من سكن المدينة بعد الطوفان إلى قدوم الأوس والخزرج.
الفصل الثاني في سبب سكنى الأنصار بها
قصة مأرب وسيل العرم غسان
نقل ابن زبالة وغيره أن اليهود لم تزل هي الغالبة بالمدينة، الظاهرة عليها، حتى كان من أمر سيل العرم ما كان وما قص الله من قصته في مائه يعني قصة أهل مأرب، ومأرب مهموز: أرض سبأ المعنية بقوله تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ [سبأ: ١٥] عن ابن عباس أنها كانت أخصب البلاد وأطيبها، تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها أي بمغزلها وتسير
стр. 129
بين ذلك الشجر، فيمتلئ مما يتساقط فيه من الثمر، فطغوا، وقيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيّا يدعونهم إلى الله، ويذكرونهم نعمة الله عليهم، فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لله نعمة، قال المسعودي: وكان طول بلدهم أكثر من شهرين للراكب المجد، وكذلك عرضها، وكان أهلها في غاية الكثرة مع اجتماع الكلمة والقوة، وكانوا كما قص الله من خبرهم بقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني: قرى الشام قُرىً ظاهِرَةً [سبأ: ١٨] يعني متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فكانوا آمنين في بلادهم، تخرج المرأة لا تتزود شيئا، تبيت في قرية، وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام، فقالوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩] لأنهم بطروا النعمة وملوها، وقالوا: لو كان جني جناتنا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة كما قال: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ: ١٩] وعن الضحاك أنهم كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فسلط عليهم سيل العرم، قيل: العرم: المطر الشديد، وقيل: جرذ أعمى فنقب عليهم السد، وكان فرسخا في فرسخ بناه لقمان الأكبر العادي، وكان بناه للدهر على زعمه، وكان يجتمع إليه مياه اليمن ثم تتفرق في مجاري على قدر حاجة جنانهم، وقيل: بناه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وساق إليه سبعين واديا، ومات قبل أن يكمله فأكمله بعده ملوك حمير، وكان أولاد حمير بن سبأ وأولاد كهلان بن سبأ سادة اليمن في ذلك الزمان، وكان كبيرهم وسيدهم جد الأنصار عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، ويقال: الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ذكر نسبه كذلك ابن هشام وابن حزم وابن الكلبي فيما نقله عنه ابن عبد البر، ونقل غيره عنه أنه جعل ثعلبة بين حارثة وبين امرئ القيس، وكانت الأنصار تقول: سمى عمرو مزيقياء لأنه كان يلبس في كل يوم حلتين ثم يمزقهما لئلا يلبسهما أحد بعده، وقيل لأبيه «ماء السماء» لجوده وقيامه عند الجدب مقام الغيث، وكان لعمرو مزيقياء أخ كاهن لم يعقب يسمى عمران، وكانت زوجة عمرو مزيقياء يقال لها طريفة من حمير، وكانت كاهنة، فولدت له ثلاثة عشر رجلا، ولدت ثعلبة وهو الذي أخرج جرهم من مكة هو وأخواته، ومن انخرع معه من الأزد على ما نقله رزين، ونقل أن والد ثعلبة- وهو عمرو بن عامر- توفي قبل
стр. 130
غلبة ثعلبة لجرهم، وثعلبة أبو الأوس والخزرج، وولدت له أيضا حارثة والد خزاعة على ما سيأتي، وقيل: غير ذلك، وولدت له أيضا جفنة والد غسان ، سموا باسم ماء نزلوا عليه يقال له: غسان، والأشهر أنهم بنو مازن بن الأزد بن الغوث، وولدت له أيضا وداعة، وأبا حارثة، والحارث، وعوفا، وكعبا، ومالكا، وعمران، هؤلاء أعقبوا كلهم، والثلاثة الباقون لم يعقبوا.
غسان
وقال ابن حزم: إن غسان هم بنو الحارث وجفنة ومالك وكعب بني عمرو مزيقياء، شربوا كلهم من ماء غسان، بخلاف بقية ولد عمرو مزيقياء فلم يشربوا من ذلك الماء، فليسوا غسان، وكان لعمرو بن عامر بمأرب من القصور والأموال ما لم يكن لأحد.
أول خبر سيل العرم
ونقل رزين أنه كان أول شيء وقع بمأرب من أمر سيل العرم أن عمران بن عامر رأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، وأن بلادهم ستخرب، فذكر ذلك لأخيه عمرو بن عامر؛ فكان بين التصديق والتكذيب، فبينا طريفة امرأته ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت، فذعرت ذعرا شديدا، فسكّنوها، فقالت: يا عمرو بن عامر، الذي رأيت في الغيم، أذهب عني النوم، رأيت غيما أرعد وأبرق، طويلا ثم أصعق، فما وقع على شيء إلا احترق؛ فما بعده إلا الفرق «١» ، فلما رأوا ما بها خفضوها «٢» حتى سكنت، ثم إن عمرو بن عامر دخل حديقة ومعه جاريتان له، فبلغ ذلك طريفة خرجت نحوه، فلما خرجت من بيتها عارضها ثلاث مناجذ- وهي دواب تشبه اليرابيع- منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن، فلما رأتهن طريفة وضعت يدها على عينها وقعدت على الأرض، فلما ذهبت المناجذ خرجت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت في الطريق على ظهرها، وجعلت تروم «٣» الانقلاب وتستعين بيدها فلا تستطيع، فتحذف التراب على نفسها، وتقذف بالبول من تحتها، فلما رأت طريفة ذلك جلست على الأرض حتى عادت السلحفاة إلى الماء، ثم مضت طريفة حتى دخلت الحديقة التي فيها عمرو بن عامر حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها، وإذا الشجرة من غير ريح تتكفأ،
стр. 131
فمرت حتى دخلت على عمرو، فلما رآها قال: هلمي يا طريفة، فقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الماء لغائر، وإن الشجر لهالك، فقال عمرو: ومن أخبرك بذلك؟ قالت: أخبرتني المناجذ، بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد، وسلحفاة تحذف بالتراب حذفا، وتقذف بالبول قذفا، ورأيت الشجر من غير ريح ولا مطر تكفأ، قال: وما ترين ذلك؟ قالت: داهية وكيمة «١» ، وأمور جسيمة، قال: أما إن كان ذلك فلك الويل. قالت: أجل وما لعمرو فيها من نيل، مما يجيء به السيل، فألقى بنفسه على الفراش وقال: ما هذا الذي تقولين إلا أمر جليل، وخلف قليل، وأخذ القليل خير من تركه، قال عمرو: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: إذا رأيت جرذا يكثر في السد الحفر، ويقلب منه بيديه الصخر، فاعلم أن قد وقع الأمر. فانطلق عمرو إلى السد ينظر فإذا جرذ يقلب بيديه ورجليه الصخرة ما يقلها خمسون رجلا من أسد، فرجع إلى طريفة فأخبرها.
ثم رأى عمرو رؤيا أنه لا بد من سيل العرم، وقيل: إن آية ذلك أن ترى الحصى قد ظهر في شرب النخل، فذهب فرأى ذلك، فعرف أن ذلك واقع، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاه، وأجمع على أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ ويخرج منها هو وولده، فخشي أن يستنكر الناس ذلك، فاحتال في الأمر، فأمر بإبل فنحرت، وبغنم فذبحت، وصنع طعاما واسعا، وبعث إلى أهل مأرب بأجمعهم، وكان فيمن دعا يتيم كان رباه وأنكحه، وقال له فيما بينه وبينه: إذا أنا جلست أطعم الناس فاجلس بجنبي ثم نازعني الحديث واردد عليّ مثل ما أقول لك، وافعل بي مثل ما أفعل بك، فكلمه عمرو في شيء، فرد عليه، فضرب عمرو وجهه وشتمه، ففعل اليتيم به مثله، فصاح عمرو: وا ذلاه، اليوم ذهب فخر عمرو ومجده، فحلف ليقتلنه، فلم يزالوا به حتى تركه، وقال: والله لا أقيم ببلدة صنع بي هذا فيه أبدا، ولأبيعن أموالي كلها وأرحل عنكم، فاغتنم الناس غضبه واشتروا منه أمواله، فباع جميع عقاره، وتبعه ناس من الأزد فباعوا أموالهم، ولما كثر البيع استنكر الناس ذلك، فأمسكوا، فلما اجتمع عند عمرو بن عامر أثمان أمواله أخبر الناس بأمر سيل العرم، فخرج من مأرب ناس كثير، وأقام بها من قضي عليه بالهلاك، هذا ما نقله رزين في تاريخه وقد اقتفيت أثره في ذلك في كتابي.
وذكر ابن هشام في سيرته نحوه، وقال: إن الأسد- يعني الأزد- قالوا: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، وقيل: كانت طريفة زوجة ثعلبة، وإنه صاحب القصة والمحتال في بيع ماله.
стр. 132
وقال ياقوت: إن عمرو بن عامر مات قبل سيل العرم، وصارت الرئاسة إلى أخيه عمران بن عامر الكاهن، وكان عاقرا لا يولد له، وإنه صاحب القصة مع طريفة الكاهنة، وإنها أقبلت عليه يوما وقالت: والظلمة والضياء، والأرض والسماء، ليقبلن إليكم الماء، كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم فلا يسفى عليها الصبا، وذكر القصة، وأنه احتال لبيع أمواله بأن قال لحارثة أحد أولاد أخيه عمرو بن عامر إذا اجتمع الناس إليّ فإني سامرك بأمر فأظهر فيه العصيان فإذا ضربت رأسك بالعصا فقم إليّ والطمني، فقال: وكيف يلطم الرجل عمه؟ فقال: افعل يا بني فإن في ذلك صلاحك وصلاح قومك، وذكر القصة، قال: فجاء بعد رحيلهم بمديدة السيل وقد خرب الجرذ السد فلم يجد مانعا، فغرق البلاد حتى لم يبق من جميع الأرضين والكروم إلا ما كان في رؤوس الجبال والأمكنة البعيدة مثل ذمار «١» وحضرموت وعدن، وذهبت الضياع والحدائق والجنان، وجاء السيل بالرمل وطمّها، فمضى على ذلك إلى اليوم، وباعد الله بين أسفارهم كما سألوا.
عمرو بن عامر يصف البلاد لقومه
ونقل رزين أن عمرو بن عامر الكاهن قال لهم عند خروجهم: سأصف لكم البلاد، فقال: من كان منكم ذا همّ بعيد، وجمل شديد، ومراد حديد، فليلحق بقصر عمان المشيد؛ فسكنها أزدعمان. قال: ومن كان منكم ذا هم غير بعيد، وجمل غير شديد، ومراد غير حديد؛ فليلحق بالشعب من كرود- وهي من أرض همدان- فكان الذين سكنوه وداعة بن عمرو بن عامر فانتسبوا في همدان. قال: ومن كان منكم ذا هم مدن، وجمل معن، فليلحق بالثنى من شن، وهو بالسراة، فسكنه أزدشنوءة. قال: ومن كان منكم ذا جلد وبصر، وله صبر على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر، فسكنته خزاعة. قال: ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بالحرة ذات النخل؛ فكان الذين سكنوها الأوس والخزرج. قال: ومن كان يريد الخمر والخمير، والديباج والحرير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير- وهما من أرض الشام- فكان الذين سكنوه آل جفنة بن غسان. قال: ومن كان يريد الثياب الرقاق، والخيول العتاق، والكنوز من الأرزاق، فليلحق بالعراق؛ فكان الذين لحقوا بالعراق جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة من غسان.
قلت: وقيل: إن الذي سجع لهم بذلك طريفة الكاهنة، وإنها قالت: ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل.
стр. 133
وروى ابن زبالة سجع عمرو بن عامر في المدينة بلفظ: من كان يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، المدركات بالذحل «١» ، فليلحق بيثرب ذات النخل؛ فلما سمعوا ذلك القول خرج عمرو بن عامر بجميع ولده ومن معه من الأزد يريد أرضا يقيمون بها، ففارقهم وداعة بن عامر فسكن همدان، ثم سار عمرو حتى إذا كان بين السراة ومكة أقام هنالك ناس من الأزد، وأقام معهم عمران بن عمرو بن عامر، ثم سار عمرو في باقي ولده وفي ناس من بني مازن من الأزد حتى نزلوا ماء يقال له غسان، وغلب عليهم اسمه حتى قال شاعرهم:
إمّا سألت فإنّا معشر نجب ... الأزد نسبتها والماء غسان
نزول خزاعة في مكة
قال أبو المنذر الشرقي: ومن ماء غسان انخزع لحيّ- واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن حارثة- فأتى مكة فتزوج بنت عامر الجرهمي ملك جرهم، فولدت له عمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم، فسمى ولده خزاعة لأن أباهم انخزع من غسان.
وقال غيره ما يخالف ذلك؛ فروى الأزرقي أن عمرو بن عامر سار هو وقومه لا يطؤون بلدا إلا غلبوا عليه، فلما انتهوا إلى مكة- وأهلها جرهم قد قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل وغيرهم- أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر يقول: يا قوم إنا خرجنا من بلادنا، فلم ننزل بلدا إلا فسح أهله لنا فنقيم معهم حتى نرسل روّادنا إلى الشام والمشرق، فحيث ما قيل لنا إنه أمثل لحقنا به، فأبت جرهم ذلك، فأرسل إليهم ثعلبة: إنه لا بد لي من المقام، فإن تركتموني نزلت وحمدتكم وواسيتكم في الماء والمرعى، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترتعوا معي إلا فضلا ولا تشربوا إلا رنقا- يعنى الكدر- فإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء وقتلت الرجال، ولم أترك أحدا منكم ينزل الحرم أبدا، فأبت جرهم، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزمت جرهم، فلم ينفلت منهم إلا الشريد، وأقام ثعلبة بمكة وما حولها بعساكره حولا، فأصابتهم الحمى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريفة الكاهنة فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت: قد أصابني الذي تشكون، ثم ذكر الأزرقي سجعها في أمر الدلالة على البلاد في هذا المحل وهو غى سجع عمران بن عامر عند تفرقهم من سبأ، ثم ذكر لحوق كل فرقة منهم ببلدها على النحو الذي قدمناه، وأن الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر- وهم الأنصار- نزلوا بالمدينة، ثم قال: وانخزعت خزاعة بمكة،
стр. 134
فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحيّ، فولي أمر مكة، فهذا يقتضي أنهم إنما افترقوا من مكة، ولا شك أن منها افترق الذين وصلوا إليها.
نزول ثعلبة بن عمرو في المدينة
وقال ياقوت: إنهم لما ساروا من اليمن عطف ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السما بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الراد بن الغوث نحو الحجاز، فأقام ما بين الثعلبية إلى ذي قار، وباسمه سميت الثعلبية، فنزلها بأهله وولده ومن تبعه، فأقام هناك يتبع مواقع القطر، فلما كثر ولده وقوي ركنه سار بهم نحو المدينة وبها يهود فاستوطنوها؛ فأقاموا بها بين قريظة والنضير وخيبر وتيماء ووادي القرى، ونزل أكثرهم بالمدينة.
الفصل الثالث في نسبهم
قد قدمنا انتسابهم إلى عمرو مزيقياء، وانتساب عمرو إلى قحطان.
نسب قحطان
وقال ابن رزين نقلا عن الشرقي: أصل الأنصار الأوس والخزرج وهما من ولد ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، وكأنه سقط من النسخة بعد الغوث «بن نبت» فإنه بين مالك والغوث كما قدمناه، وجماع قبائل اليمن تنتهي إلى قحطان، وقحطان اختلف في نسبه، فالأكثرون قالوا: إنه عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل:
هو من ولد هود نفسه، وقيل: ابن أخيه، ويقال: قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو والد العرب المتعربة، وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة، وأما العرب العاربة فكانوا قبل ذلك كعاد وثمود وطسم وجديس وعمليق وغيرهم، وقيل: إن قحطان أول من قيل له:
أبيت اللّعن»
، وعم صباحا. وذهب الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل ﵇، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل ﵇، ويدل له تبويب البخاري بأن نسبة اليمن إلى إسماعيل، وأورد فيه الحديث المتضمن لمخاطبة النبي ﷺ بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل، وأسلم هو ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس صاحب النسب المتقدم، فدل على أن اليمن بني قحطان من بني
стр. 135
إسماعيل، وهو ظاهر قول أبي هريرة في الصحيحين في قصة هاجر «فتلك أمكم يا بني ماء السماء» يخاطب الأنصار؛ لأن جدهم عامرا والد عمرو كان يلقب بذلك، كما تقدم، أو أراد أبو هريرة ﵁ العرب كلهم؛ لكثرة ملازمتهم الفلوات التي بها مواقع القطر، وهذا متمسّك من ذهب إلى أن جميع العرب من ولد إسماعيل ﵇.
قال ابن حبان في صحيحه: كل من كان من ولد إسماعيل يقال له «ابن ماء السماء» لأن إسماعيل ولد هاجر، وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء، ورجح عياض أن مراد أبي هريرة الأنصار خاصة، ونسبتهم إلى جدهم المعروف بماء السماء، انتهى. ودلالته على أن قبائل اليمن كلها من ولد إسماعيل ظاهرة.
قال الحافظ ابن حجر: وهو الذي يترجح في نقدي، وقد ذكر ابن عبد البر من طريق القعقاع بن أبي حدرد أن النبي ﷺ «مرّ بناس من أسلم وخزاعة وهم يتناضلون فقال: ارموا بني إسماعيل» وأسلم وخزاعة قد تقدم نسبهما في قبائل اليمن التي جماع نسبتها قحطان، ومما يؤيد ذلك قول المنذر بن عمرو جد حسان بن ثابت الأنصاري:
ورثنا من البهلول عمرو بن عامر ... وحارثة الغطريف مجدا مؤثّلا
ماثر من آل ابن نبت بن مالك ... ونبت بن إسماعيل ما إن تحوّلا
وأول ذلك كله المخالفون بتأويلات بعيدة، بل الذي أميل إليه أن العرب كلهم من ولد إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه، وإن لم يتم ذلك فالعرب الذين لهم الشرف بالتقديم في الكفاءة وغيرها شرعا هم بنو إسماعيل، ويدل له قول بعض أصحابنا في الإمامة: إذا لم يوجد قرشي مستجمع للشروط نصب كناني، فإن لم يكن فرجل من ولد إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه، فإن تعذر انتقلنا إلى العجم، ولم يقولوا انتقلنا إلى بقية العرب، لكن في التتمة للمتولي: فإن لم يوجد من ولد إسماعيل ﵇ يولّى جرهمي، وجرهم أصل العرب، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسحاق ﵇، اه.
وهو مخالف لقول البغوي في التهذيب: فإن لم يوجد ولد إسماعيل فمن العجم، وأيضا فالمتولي جعل جرهما متأخرين عن ولد إسماعيل، وجعل لهم فضلا في الجملة على العجم، كذا قدم بعض العجم على بعض، وإسماعيل أبو العرب الذين شرف نسبهم بمشاركة نسبة أشرف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، وهو الأسّ في ذلك،
стр. 136
وعربي اللسان لا عبرة به، على أن في مستدرك الحاكم من حديث ابن عباس «أول من نطق بالعربية إسماعيل» لكن في الصحيح أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم الذين نزلوا مع أمه.
أول من تكلم بالعربية
قال ابن إسحاق: وكان جرهم وأخوه قطورا ابنا قحطان أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن.
قلت: وهو جار على رأي من يقول: إن العرب كلها ليست من ولد إسماعيل.
وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال: أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل؛ فبهذا القيد يجمع بين الخبر المتقدم وبين ما في الصحيح، فيكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان، لا الأولية المطلقة، فيكون بعد تعلم أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة؛ فعلى تقدير تسليم أن العرب كلهم ليسوا من ولد إسماعيل فالمستحق للشرف إنما هو عربية إسماعيل، فيمتاز بنوه بما تقدم.
وقال ابن دريد في الوشاح: أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان، ثم إسماعيل، ونقل ابن هشام عن الشرقي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم، وكله جار على خلاف ما قدمناه من أن العرب كلها من ولد إسماعيل، والله أعلم.
أم الأنصار ونسبها
وأم الأنصار في قول الكلبي: قيلة بنت عمرو بن جفنة، وقال ابن حزم: هي بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء، ويقال: بنت كاهل بن عذرة من قضاعة، وقضاعة من حمير عند الأكثر، واشتهرت الأنصار ببني قيلة ولهم يقول القائل:
بهاليل من أولاد قيلة، لم يجد ... عليهم خليط من مخالطة عتبا
مطاعيم في المقري، مطاعين في الوغى ... يرون عليهم فعل آبائهم نحبا
«١» وذكر رزين عن الشرقي عقب ما قدمناه عنه من أن الأنصار أصلهم الأوس والخزرج وهما من ولد ثعلبة بن عمرو، فقال: فولد لثعلبة بن عمرو بن حارثة الأوس والخزرج، وأمهما قيلة؛ فولد الأوس مالكا، ومن مالك قبائل الأوس كلها، فولد لمالك عمرو وعوف ومرة، ويقال لهم أوس الله، وهم الجعادرة، سموا بذلك لقصر فيهم.
стр. 137
قلت: وسيأتي ما يخالف هذا مع بيان قبائل الأوس المنتشرة من هؤلاء.
وروى الخرائطي أنه لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو الوفاة اجتمع عليه قومه، فقالوا: قد حضر من أمر الله ما ترى، وقد كنا نأمرك في شبابك أن تتزوج فتاة، وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين وليس لك ولد غير مالك، فقال: لن يهلك هالك، ترك مثل مالك، إن الذي يخرج النار من الرينة قادر أن يجعل لمالك نسلا، ورجالا بسلا، وكل إلى موت، ثم أقبل على مالك فقال: أي بني، المنية ولا الدنية، وذكر حكما سجع بها، قال: ثم أنشأ يقول:
شهدت السبايا يوم آل محرّق ... وأدرك عمري صيحة الله في الحجر
فلم أر ذا ملك من الناس واحدا ... ولا شوقه إلا إلى الموت والقبر
فعلّ الذي أردى ثمودا وجرهما ... سيعقب لي نسلا على آخر الدهر
تقربهم من آل عمرو بن عامر ... عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر
فإن تكن الأيام أبلين جدّتي ... وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإنّ لنا ربّا علا فوق عرشه ... عليما بما يأتي من الخير والشر
ألم يأت قومي أنّ لله دعوة ... يفوز بها أهل السعادة والبرّ
إذا بعث المبعوث من آل غالب ... بمكة فيما بين زمزم والحجر
هنالك فابغوا نصره ببلادكم ... بني عامر؛ إن السعادة في النصر «١»
ثم قضى من ساعته.
وقال ابن حزم: إن بني عامر بن عمرو بن مالك بن الأوس كانوا كلهم بعمان لم يكن منهم بالمدينة أحد؛ فليسوا من الأنصار.
قال الشرقي: وولد الخزرج بن حارثة أخو الأوس أيضا خمس بنين. وتفرقوا بطونا كثيرة.
قلت: وهم عمرو، وعوف، وجشم، وكعب، والحارث، وسيأتي بيان ما انتشر من قبائلهم.
وقال ابن حزم: إن عقب السائب بن قطن بن عوف بن الخزرج لم يكن منهم أحد بالمدينة، كانوا بعمان؛ فليسوا من الأنصار، وذكر نحو ذلك في بعض بني الحارث بن الخزرج الأكبر كما سيأتي، وذكر أيضا أن بعض بني جفنة بن عمرو مزيقياء كانوا بالمدينة في عداد الأنصار، والله أعلم.
стр. 138
الفصل الرابع في تمكنهم بالمدينة، وظهورهم على يهود، وما اتفق لهم مع تبع
قال الشرقي: لما قدمت الأوس والخزرج المدينة تفرقوا في عاليتها وسافلتها، ومنهم من نزل مع قوم من بني إسرائيل في قراهم، ومنهم من نزل وحده لا مع بني إسرائيل ولا مع العرب الذين كانوا قد تألفوا إلى بني إسرائيل، وكانت الثروة في بني إسرائيل، كانوا نيفا على عشرين قبيلة، ولهم قرى أعدّوا بها الآطام، فنزلت الأوس والخزرج بينهم وحواليهم.
إقامة الأوس والخزرج مع اليهود
وقال ابن زبالة عن مشيخة من أهل المدينة قالوا: أقامت الأوس والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخيل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم، فمكثت الأوس والخزرج ما شاء الله، ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم جوارا وحلفا يأمن به بعضهم من بعض، ويمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا، وأمرت «١» الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد، فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة والنضير أعدّ وأكثر، وكان يقال لهما الكاهنان، وبنو الصريح، وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم مثنيا عليهم:
كنا إذا رامنا قوم بمظلمة ... شدت لنا الكاهنان الخيل واعتزموا
نسوا الرهون وآسونا بأنفسهم ... بنو الصّريح فقد عفّوا وقد كرموا
قصة الفطيون ملك اليهود الطاغية
فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود، حتى نجم «٢» منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج وسوّده «٣» الحيان الأوس والخزرج، وكان الفطيون- أي بالفاء المكسورة، وقال ياقوت: الفيطوان- ملك اليهود بزهرة، وكانت لا تهدى عروس بيثرب من الحيين الأوس والخزرج حتى تدخل عليه فيكون هو الذي يفتضها قبل زوجها، فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلا من قومها، فبينا مالك في
стр. 139
نادي قومه إذ خرجت أخته فضلا، فنظر إليها أهل المجلس، فشق ذلك على مالك، ودخل فعنّفها وأنبها، فقالت: ما يصنع بي غدا أعظم من ذلك، أهدى إلى غير زوجي، فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على الفطيون متنكرا مع النساء، فلما خف من عنده عدا عليه فقتله وانصرف إلى دار قومه، ثم بعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم بحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود، وكان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج، وكان قبيحا دميما شاعرا بليغا، فمضى حتى قدم على أبي جبيلة أحد بني جشم بن الخزرج الذين ساروا من يثرب إلى الشام، وقال بعضهم: كان أبو جبيلة من ولد جفنة بن عمرو بن عامر قد أصاب ملكا بالشام وشرفا.
قلت: قد تقدم أن أبناء جفنة من غسان، وكانوا بالشام ملوكا.
ولما ذكر ابن حزم بني جشم بن الخزرج قال: فولد جشم غضب، فولد غضب مالك، فولد مالك عبد حارثة، فولد عبد حارثة حبيب، فولد حبيب عبد الله، فولد عبد الله أبا جبيلة الملك الغساني الذي جلبه مالك بن العجلان لقتل اليهود، انتهى.
وفيه نظر؛ إذ ليس من بطون الخزرج غساني كما يؤخذ مما قدمناه عن ابن حزم أيضا، والمشهور ما قدمناه، قالوا: فشكا إليه حالهم وغلبة اليهود عليهم، وما يتخوفون منهم، وأنهم يخشون أن يخرجوهم، وأنشده من شعره. فتعجب من شعره وبلاغته وقبحه ودمامته، وقال: عسل طيب في وعاء خبيث. فقال الرمق: أيها الملك، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه. فقال: صدقت؛ وأقبل أبو جبيلة في جمع كثير لنصرة الأوس والخزرج. كذا قاله ابن زبالة.
وقد نقل رزين عن الشرقي ما يقتضي أن مالك بن العجلان هو الذي توجّه بنفسه، وأن ما ذكر من سيرة الفطيون في افتضاض الأبكار إنما كانت في غير الأوس والخزرج، وأنه أراد أن يسير فيهم بذلك، فقتله مالك بن العجلان، فإنه قال: إن الفطيون كان قد شرط ألاتدخل امرأة على زوجها حتى تدخل عليه، فلما سكن الأوس والخزرج المدينة أراد أن يسير فيهم بتلك السيرة؛ فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلا من بني سليم، فأرسل الفطيون رسولا في ذلك وكان مالك أخوها غائبا، فخرجت تطلبه، فمرت بقوم أخوها فيهم، فنادته، فقال أخوها: لقد جئت بسبّة يا هنتاه، تناديني ولا تستحيي؟ فقالت:
الذي يراد بي أكبر، فأخبرته، فقال لها: أكفيك ذلك، فقالت: وكيف؟ فقال: أتزيا بزي النساء وأدخل معك عليه بالسيف فأقتله، ففعل، ثم خرج حتى قدم الشام فنزل على أبي
стр. 140
جبيلة، وكان نزلها حين نزلوا هم المدينة، فجيّش جيشا عظيما، وأقبل كأنه يريد اليمن واختفى معهم مالك بن العجلان، فجاء فنزل بذي حرض، وأرسل إلى أهل المدينة من الأوس والخزرج فأتوا إليه فوصلهم وأعطاهم، ثم أرسل إلى بني إسرائيل- يعني اليهود- وقال: من أراد الحباء «١» من الملك فليخرج إليه، وإنما فعل ذلك خيفة أن يتحصنوا في الحصون فلا يقدر عليهم، فخرج إليه أشراف بني إسرائيل كلهم، فأمر لهم بطعام حتى اجتمعوا، فقتلهم من عند آخرهم، فلما فعل ذلك صار الأوس والخزرج أعز أهل المدينة؛ ففي ذلك يقول البلوي يمدح مالكا فيما فعل:
فليشهدنّ بما أقول عصابة ... بلويّة وعصابة من سالم
هل كان للفطيون عقر نساكم ... حكم النصيب وليس حكم الحاكم
حتى حباه مالك عن عرسه ... حمراء تضحك عن نجيع قاتم
ثم ذكر أبياتا نسبها إلى أبي يزيد بن سالم أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج مدح بها أبا جبيلة ونسبها ابن زبالة للرمق فإنه قال: إن الأوس والخزرج قالوا لأبي جبيلة لما قدم لنصرهم: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم تقدر عليهم، ولكن ادعهم للقائك وتلطفهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتستمكن منهم، فصنع لهم طعاما وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم، فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه، وجعل الرجل منهم يأتي بحامته وحشمه «٢» رجاء أن يحبوهم، وكان قد بنى لهم حيّزا وجعل فيه قوما فأمرهم أن يقتلوا من دخل عليهم منهم، ففعلوا حتى أتوا على وجوههم ورؤسائهم، فعزت الأوس والخزرج بالمدينة، واتخذوا الديار والأموال والآطام، فقال الرمق يثني على أبي جبيلة:
لم تقض دينك من حسان ... وقد عنيت وقد عنينا
قضيت همك في الحسان ... فقد عنيت وقد عنينا
وفي رواية رزين:
الراشقات المرشقا ... ت الجازيات بما جزينا
أمثال غزلان الصّرا ... ثم يأتزرن ويرتدينا
الرّيط والدّيباج والحلي ... المفصل والبرينا «٣»
وأبو جبيلة خير من ... يمشي، وأوفاه يمينا
стр. 141
وأبرّهم برا وأع ... لمهم بهدي الصالحينا
القائد الخيل الصوا ... نع بالكماة المعلمينا
أبقت لنا الأيام والحر ... ب الملمة تعترينا
كبشا له در يغل متو ... نها الذكر السمينا
ومعاقلا شمّا وأسيا ... فا يقمن وينحنينا
ومحلة زوراء تج ... حف بالرجال الظالمينا
وفي بعض الروايات أن مالك بن العجلان لما قتل الفطيون قصد اليمن إلى تبّع الأصغر؛ فشكا إليه ما كان الفطيون يسير فيهم، فعاهد ألايقرب امرأة ولا يمس طيبا ولا يشرب خمرا حتى يسير إلى المدينة ويذل من بها من اليهود؛ ففعل ذلك.
وذكر ابن قتيبة في معارفه تبّع بن حسان، قال: وهو تبع الأصغر آخر التبابعة، وذكر أنه صار إلى الشام وملوكها غسان فأطاعته، قال: وصار إلى ابن أخيه الحارث وهو بالمستقر من ناحية هجر فأتاه قوم كانوا وقعوا إلى يثرب ممن خرج مع عمرو مزيقياء وحالفوا اليهود بيثرب- أي وهم الأنصار- فشكوا اليهود، وذكروا سوء مجاورتهم، ونقضهم الشرط الذي شرطوه لهم عند نزولهم، ومتّوا «١» إليه بالرحم، فأحفظه ذلك «٢» ، فصار إلى يثرب ونزل في سفح أحد، وبعث إلى اليهود، فقتل منهم ثلاث مائة وخمسين رجلا صبرا، وأراد خرابها، فقام إليه رجل من اليهود قد أتت عليه مائتان وخمسون سنة فقال: أيها الملك، مثلك لا يقتل على الغضب، وأمرك أعظم من أن يطير بك برق أو يسرع بك لجاج، فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من عند هذه البنية، يعني البيت الحرام، فكف تبع ومضى ومعه هذا اليهودي ورجل آخر من اليهود عالم، وهما الحبران، فأتى مكة، وكسا البيت ثم رجع إلى اليمن ومعه الحبران وقد دان بدينهما وآمن بموسى ﷺ اه.
فلعل مالك بن العجلان كان قد توجه إلى جهة ملك غسان وبها تبّع المذكور فوقع من كل منهما نصره، فأضافه قوم إلى تبع، وقوم إلى أبي جبيلة الغساني.
قالوا: ولعنت اليهود مالك بن العجلان في كنائسهم وبيوت عباداتهم، فبلغه ذلك، فقال:
تحامى اليهود بتلعانها ... تحامي الحمير بأبوالها «٣»
стр. 142
وماذا عليّ بأن يلعنوا ... وتأتي المنايا بإذلالها
وقالت سارة القرظية ترثي من قتل من قومها:
بأهلي رمّة لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفّيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهم ... سيوف الخزرجية والرماح
ولو أذنوا بأمرهم لحالت ... هنالك دونهم حرب رداح «١»
قال أهل السير: ثم انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام، وقد ذلّل الحجاز والمدينة، ومهّدها للأوس والخزرج.
ونقل المجد عن ياقوت أن تبّعا كان بالمدينة، فإنه قال: وعكس ياقوت قصة افتضاض الأبكار؛ فجعل أنها كانت باليمامة، وأن أهل المدينة مع تبّع هم الذين أزالوا هذه الفضيحة من اليمامة، ثم أورد كلام ياقوت، وليس مضمونه ما ذكره؛ بل مضمونه أن من كان يفعل فيهم هذه الفضيحة باليمامة احتالوا في دفعها وقتلوا من كان يفعل بهم ذلك وغلبوا عليهم، فهرب منهم شخص ولحق بتبع فنصره تبع مع أهل المدينة، وهو خبر ممتنع فلنورده تبعا للمجد، قال ياقوت: إن طسما وجديسا من ولد لاوذ بن إرم بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇ أقاموا باليمامة، وكثروا بها، حتى ملكوا عليهم عمليق الطّسمي- وكان جبارا غشوما، وكان قد قضى بقضاء جائر بين امرأة وزوجها من جديس، فأنشدت المرأة أبياتا بلغته، فأمر ألا تزوج بكر من جديس حتى تدخل عليه فيكون هو الذي يفترعها «٢» - ولقوا منه ذلا، حتى زوجت منهم أخت الأسود بن غفار سيد جديس، وكان جلدا، فلما كانت ليلة الإهداء خرجت والقيان «٣» حولها لتحمل إلى عمليق وهن يضربن بمعازفهن ويقلن:
أبدى بعمليق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح بأمر معجب
فسوق تلقين الذي لم تطلبي ... وما لبكر دونه من مهرب
ثم أدخلت على عمليق فافترعها، وقيل: كانت أيدة «٤» ، فامتنعت عليه، فخاف العار فوجأها «٥» بحديدة في قبلها فأدماها، فخرجت وقد تقاصرت إليها نفسها فشقّت ثوبها من خلفها ودماؤها تسيل، فمرت بأخيها في جمع من قومه وهي تبكي وتقول:
стр. 143
لا أحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
في أبيات، فأغضب ذلك أخاها، ووقفها على نادي قومه، وهي تقول:
أيجمل أن يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيجمل تمشي في الدما فتياتكم ... صبيحة زفّت في العشاء إلى بعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغب من الكحل
ودونكم ثوب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فلو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... وكونوا كنار شب بالحطب الجزل
وإلا فخلوا بطنه وتحمّلوا ... إلى بلد قفر وهزل من الهزل
فللموت خير من مقام على أذى ... وللفقر خير من مقام على ثكل
فدبّوا إليه بالصّوارم والقنا ... وكل حسام محدث العهد بالصّقل
ولا تجزعوا للحرب قومي فإنما ... يقوم رجال للرجال على رجل
فيهلك فيها كل وغل مواكل ... ويسلم فيها ذو الجلادة والفضل
فامتلأت جديس غيظا، ونكسوا رؤوسهم حياء، وتشاوروا في الأمر، فقال الأسود:
أطيعوني فإنه عز الدهر، وقد رأيت أن أصنع للملك طعاما ثم أدعوه وقومه، فإذا جاؤونا قتلت الملك، وقام كل منكم إلى رئيس منهم فقتله، فلا يبقى للباقين قوة، فنهتهم أخت الأسود عن الغدر، وقالت: ناجزوهم فلعل الله أن ينصركم عليهم لظلمهم؛ فعصوها فقالت:
لا تغدرنّ فإنّ الغدر منقصة ... وكل عيب يرى عيبا وإن صغرا
إني أخاف عليكم مثل تلك غدا ... وفي الأمور تدابير لمن نظرا
حشّوا سعيرا لهم فيها مناجزة ... فكلكم باسل أرجو له الظفرا
فأجابها أخوها:
شتان باغ علينا غير متئد ... يغشى الظلامة لا يبقى ولن يذرا
إنا لعمرك لا نبدي مناجزة ... نخاف منها صروف الدهر من ظفرا
إني زعيم بطسم حين تحضرنا ... عند الطعام بضرب يهتك الفقرا
стр. 144
وصنع الأسود الطعام، ودفن كل منهم سيفه تحته في الرمل مجردا، فلما جلس الملك وقومه للأكل وثبت عليهم جديس حتى أبادوهم، ثم قتلوا باقيهم، فهرب رجل من طسم حتى لحق بتبّع تبان أسعد بن كلكيكرب، وقيل: بحسان بن تبّع الحميري وكان بالمدينة، فاستغاثه، وذكر أبياتا فيها غدر جديس بهم، فوعده بنصره، ثم رأى منه تباطؤا فقال:
إني طلبت لأوتاري ومظلمتي ... بال حسّان آل العز والكرم
المنعمين إذا ما نعمة ذكرت ... والواصلين بلا قربى ولا رحم
قصة زرقاء اليمامة
في أبيات أخرى، فسار تبع من المدينة في جيوشه، حتى إذا كان عند جبل على ليلة من اليمامة قال له الطسمي: توقف أيها الملك فإن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها يمامة أبصر خلق الله على بعد، وإني أخاف أن ترانا فتنذرهم بنا، فأقام تبع، وأمر رجلا فصعد الجبل ليرى ما هناك، فدخل في رجله شوكة بالجبل، فأكب يستخرجها، فأبصرته اليمامة، وكانت زرقاء العين، فقالت لهم: إني أرى على الجبل الفلاني رجلا وما أظنه إلا عينا، فقالوا: ما يصنع؟ فقالت: إما يخصف «١» نعلا أو ينهش كتفا، فكذبوها، ثم قال الطسمي لتبع: إن بصرها بالليل أنفذ فمر أصحابك ليقطعوا من الشجر أغصانا ليستتروا بها فيشبهوا «٢» عليها الأمر، ففعلوا، حتى إذا دنوا من اليمامة ليلا؛ فنظرت اليمامة فقالت: يا جديس سارت إليكم الشجر، أو جاءتكم أوائل خيل حمير، فكذبوها، فصبّحتهم حمير، فهرب الأسود في نفر من قومه لجبلي طيىء وفتح أهل المدينة حصون اليمامة، وامتنع عليهم حصن زرقاء اليمامة؛ فصابره تبع حتى افتتحه، وقبض عليها، وسألها: كيف أبصرتهم؟ فأخبرته بخبر الذي صعد الجبل، فسأله تبع، فقال: صعدت فانقطع شراك نعلي وأصابتني شوكة؛ فعالجت إصلاحها وإصلاح قبالي بفمي، فقال لها: أنّى لك هذا؟ قالت:
كنت آخذ حجرا أسود فأدقه وأكتحل به: فكان يقوي بصري، فيقال: إنها أول من اكتحل بالإثمد، فأمر تبع بقلع عينيها ليرى ما فيهما، فوجد عروقها كلها محشوة بالإثمد، وخربت اليمامة يومئذ؛ لأن تبعا قتل أهلها، ولم يخلف بها أحدا، ورجع إلى المدينة.
هذا ما ذكره المجد عن ياقوت باختصار، وليس فيه عكس القضية؛ فيجوز أن يقع بكل من اليمامة والمدينة مثل هذا، والظاهر أن قصة اليمامة كانت بعد قصة المدينة.
стр. 145
ونقل رزين عن الشرقي أن أبا جبيلة لما فرغ من نصر أهل المدينة رجع إلى الشام؛ فأقبل تبع الأخير- وهو كرب بن حسان بن أسعد الحميري، والتبابعة كلهم من حمير- يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل؛ فمر بالمدينة، فخلف فيها ابنا له ومضى حتى قدم الشام، ثم سار حتى قدم العراق، فلما كان بالعراق قتل ابنه بالمدينة غيلة «١» فأقبل راجعا يريد تخريب المدينة، فنزل بسفح أحد، فاحتفر بئرا ثم أرسل إلى أشراف المدينة، فلما جاءهم الرسول قال بعضهم: إنما أراد أن يملكنا على قومنا، وقال أحيحة: والله ما دعاكم لخير، وكان لأحيحة رئيّ من الجن فخرجوا وخرج أحيحة معه بقينة وخمر وخباء، فضرب الخباء وجعل فيه القينة والخمر، ثم دخل على تبع أول الناس. فتحدث معه، ففطن بالشر، ثم قال: إن أصحابي يصلونك إلى الظهر، فاستأذن في الخروج إلى الخيمة، فأذن له، فشرب وجعلت القينة تغنيه بأبيات صنعها لها تقول:
لتبكني قينة ومزهرها ... وتبكني قهوة وشاربها
وتبكني عصبة إذا اجتمعت ... لا يعلم الناس ما عواقبها
وهو يقلّ من الشراب، وجاء أصحابه قريبا من الليل، فأمر لهم تبع بضيافة، فلما كان في جوف الليل أرسل إليهم ليقتلهم، ففطن أحيحة، فقال للقينة: أنا سائر إلى أهلي، فإذا طلبني الملك فقولي: هو نائم، فإذا ألحوا فقولي: يقول لك: أما أحيحة فقد ذهب فاغدر بقينته أو دع، وانطلق فتحصن في حصنه، فحاصروه ثلاثا يقاتلهم بالنهار، وإذا كان بالليل يرمي إليهم بتمر ويقول: هذا ضيافتكم. فأخبروا تبعا أنه في حصن حصين، فأمرهم أن يحرقوا نخله، واشتعلت الحرب بين تبع وأهل المدينة من اليهود والأوس والخزرج، وتحصنوا في الآطام، فخرج رجل من أصحاب تبع حتى جاء بني عدي بن النجار، فدخل لهم حديقة، فرقي على عذق منها. فأخذ يجده «٢» ، فنزل إليه صاحب العذق «٣» فقتله وجره إلى بئر وألقاه فيها، وهو يقول:
جانا يجدّ نخيلنا ... وكان الجداد لمن قد أبر «٤»
فزاد ذلك تبعا حنقا «٥» ، وجرد إلى بني النجار خيلا، فقاتلهم بنو النجار ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلحة أخو بني معاوية بن مالك بن النجار، ورمى عسكر تبع حصون