وأبرّهم برا وأع ... لمهم بهدي الصالحينا
القائد الخيل الصوا ... نع بالكماة المعلمينا
أبقت لنا الأيام والحر ... ب الملمة تعترينا
كبشا له در يغل متو ... نها الذكر السمينا
ومعاقلا شمّا وأسيا ... فا يقمن وينحنينا
ومحلة زوراء تج ... حف بالرجال الظالمينا
وفي بعض الروايات أن مالك بن العجلان لما قتل الفطيون قصد اليمن إلى تبّع الأصغر؛ فشكا إليه ما كان الفطيون يسير فيهم، فعاهد ألايقرب امرأة ولا يمس طيبا ولا يشرب خمرا حتى يسير إلى المدينة ويذل من بها من اليهود؛ ففعل ذلك.
وذكر ابن قتيبة في معارفه تبّع بن حسان، قال: وهو تبع الأصغر آخر التبابعة، وذكر أنه صار إلى الشام وملوكها غسان فأطاعته، قال: وصار إلى ابن أخيه الحارث وهو بالمستقر من ناحية هجر فأتاه قوم كانوا وقعوا إلى يثرب ممن خرج مع عمرو مزيقياء وحالفوا اليهود بيثرب- أي وهم الأنصار- فشكوا اليهود، وذكروا سوء مجاورتهم، ونقضهم الشرط الذي شرطوه لهم عند نزولهم، ومتّوا «١» إليه بالرحم، فأحفظه ذلك «٢» ، فصار إلى يثرب ونزل في سفح أحد، وبعث إلى اليهود، فقتل منهم ثلاث مائة وخمسين رجلا صبرا، وأراد خرابها، فقام إليه رجل من اليهود قد أتت عليه مائتان وخمسون سنة فقال: أيها الملك، مثلك لا يقتل على الغضب، وأمرك أعظم من أن يطير بك برق أو يسرع بك لجاج، فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من عند هذه البنية، يعني البيت الحرام، فكف تبع ومضى ومعه هذا اليهودي ورجل آخر من اليهود عالم، وهما الحبران، فأتى مكة، وكسا البيت ثم رجع إلى اليمن ومعه الحبران وقد دان بدينهما وآمن بموسى ﷺ اه.
فلعل مالك بن العجلان كان قد توجه إلى جهة ملك غسان وبها تبّع المذكور فوقع من كل منهما نصره، فأضافه قوم إلى تبع، وقوم إلى أبي جبيلة الغساني.
قالوا: ولعنت اليهود مالك بن العجلان في كنائسهم وبيوت عباداتهم، فبلغه ذلك، فقال:
تحامى اليهود بتلعانها ... تحامي الحمير بأبوالها «٣»
стр. 142
وماذا عليّ بأن يلعنوا ... وتأتي المنايا بإذلالها
وقالت سارة القرظية ترثي من قتل من قومها:
بأهلي رمّة لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفّيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهم ... سيوف الخزرجية والرماح
ولو أذنوا بأمرهم لحالت ... هنالك دونهم حرب رداح «١»
قال أهل السير: ثم انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام، وقد ذلّل الحجاز والمدينة، ومهّدها للأوس والخزرج.
ونقل المجد عن ياقوت أن تبّعا كان بالمدينة، فإنه قال: وعكس ياقوت قصة افتضاض الأبكار؛ فجعل أنها كانت باليمامة، وأن أهل المدينة مع تبّع هم الذين أزالوا هذه الفضيحة من اليمامة، ثم أورد كلام ياقوت، وليس مضمونه ما ذكره؛ بل مضمونه أن من كان يفعل فيهم هذه الفضيحة باليمامة احتالوا في دفعها وقتلوا من كان يفعل بهم ذلك وغلبوا عليهم، فهرب منهم شخص ولحق بتبع فنصره تبع مع أهل المدينة، وهو خبر ممتنع فلنورده تبعا للمجد، قال ياقوت: إن طسما وجديسا من ولد لاوذ بن إرم بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇ أقاموا باليمامة، وكثروا بها، حتى ملكوا عليهم عمليق الطّسمي- وكان جبارا غشوما، وكان قد قضى بقضاء جائر بين امرأة وزوجها من جديس، فأنشدت المرأة أبياتا بلغته، فأمر ألا تزوج بكر من جديس حتى تدخل عليه فيكون هو الذي يفترعها «٢» - ولقوا منه ذلا، حتى زوجت منهم أخت الأسود بن غفار سيد جديس، وكان جلدا، فلما كانت ليلة الإهداء خرجت والقيان «٣» حولها لتحمل إلى عمليق وهن يضربن بمعازفهن ويقلن:
أبدى بعمليق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح بأمر معجب
فسوق تلقين الذي لم تطلبي ... وما لبكر دونه من مهرب
ثم أدخلت على عمليق فافترعها، وقيل: كانت أيدة «٤» ، فامتنعت عليه، فخاف العار فوجأها «٥» بحديدة في قبلها فأدماها، فخرجت وقد تقاصرت إليها نفسها فشقّت ثوبها من خلفها ودماؤها تسيل، فمرت بأخيها في جمع من قومه وهي تبكي وتقول:
стр. 143
لا أحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
في أبيات، فأغضب ذلك أخاها، ووقفها على نادي قومه، وهي تقول:
أيجمل أن يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيجمل تمشي في الدما فتياتكم ... صبيحة زفّت في العشاء إلى بعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغب من الكحل
ودونكم ثوب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فلو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... وكونوا كنار شب بالحطب الجزل
وإلا فخلوا بطنه وتحمّلوا ... إلى بلد قفر وهزل من الهزل
فللموت خير من مقام على أذى ... وللفقر خير من مقام على ثكل
فدبّوا إليه بالصّوارم والقنا ... وكل حسام محدث العهد بالصّقل
ولا تجزعوا للحرب قومي فإنما ... يقوم رجال للرجال على رجل
فيهلك فيها كل وغل مواكل ... ويسلم فيها ذو الجلادة والفضل
فامتلأت جديس غيظا، ونكسوا رؤوسهم حياء، وتشاوروا في الأمر، فقال الأسود:
أطيعوني فإنه عز الدهر، وقد رأيت أن أصنع للملك طعاما ثم أدعوه وقومه، فإذا جاؤونا قتلت الملك، وقام كل منكم إلى رئيس منهم فقتله، فلا يبقى للباقين قوة، فنهتهم أخت الأسود عن الغدر، وقالت: ناجزوهم فلعل الله أن ينصركم عليهم لظلمهم؛ فعصوها فقالت:
لا تغدرنّ فإنّ الغدر منقصة ... وكل عيب يرى عيبا وإن صغرا
إني أخاف عليكم مثل تلك غدا ... وفي الأمور تدابير لمن نظرا
حشّوا سعيرا لهم فيها مناجزة ... فكلكم باسل أرجو له الظفرا
فأجابها أخوها:
شتان باغ علينا غير متئد ... يغشى الظلامة لا يبقى ولن يذرا
إنا لعمرك لا نبدي مناجزة ... نخاف منها صروف الدهر من ظفرا
إني زعيم بطسم حين تحضرنا ... عند الطعام بضرب يهتك الفقرا
стр. 144
وصنع الأسود الطعام، ودفن كل منهم سيفه تحته في الرمل مجردا، فلما جلس الملك وقومه للأكل وثبت عليهم جديس حتى أبادوهم، ثم قتلوا باقيهم، فهرب رجل من طسم حتى لحق بتبّع تبان أسعد بن كلكيكرب، وقيل: بحسان بن تبّع الحميري وكان بالمدينة، فاستغاثه، وذكر أبياتا فيها غدر جديس بهم، فوعده بنصره، ثم رأى منه تباطؤا فقال:
إني طلبت لأوتاري ومظلمتي ... بال حسّان آل العز والكرم
المنعمين إذا ما نعمة ذكرت ... والواصلين بلا قربى ولا رحم
قصة زرقاء اليمامة
في أبيات أخرى، فسار تبع من المدينة في جيوشه، حتى إذا كان عند جبل على ليلة من اليمامة قال له الطسمي: توقف أيها الملك فإن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها يمامة أبصر خلق الله على بعد، وإني أخاف أن ترانا فتنذرهم بنا، فأقام تبع، وأمر رجلا فصعد الجبل ليرى ما هناك، فدخل في رجله شوكة بالجبل، فأكب يستخرجها، فأبصرته اليمامة، وكانت زرقاء العين، فقالت لهم: إني أرى على الجبل الفلاني رجلا وما أظنه إلا عينا، فقالوا: ما يصنع؟ فقالت: إما يخصف «١» نعلا أو ينهش كتفا، فكذبوها، ثم قال الطسمي لتبع: إن بصرها بالليل أنفذ فمر أصحابك ليقطعوا من الشجر أغصانا ليستتروا بها فيشبهوا «٢» عليها الأمر، ففعلوا، حتى إذا دنوا من اليمامة ليلا؛ فنظرت اليمامة فقالت: يا جديس سارت إليكم الشجر، أو جاءتكم أوائل خيل حمير، فكذبوها، فصبّحتهم حمير، فهرب الأسود في نفر من قومه لجبلي طيىء وفتح أهل المدينة حصون اليمامة، وامتنع عليهم حصن زرقاء اليمامة؛ فصابره تبع حتى افتتحه، وقبض عليها، وسألها: كيف أبصرتهم؟ فأخبرته بخبر الذي صعد الجبل، فسأله تبع، فقال: صعدت فانقطع شراك نعلي وأصابتني شوكة؛ فعالجت إصلاحها وإصلاح قبالي بفمي، فقال لها: أنّى لك هذا؟ قالت:
كنت آخذ حجرا أسود فأدقه وأكتحل به: فكان يقوي بصري، فيقال: إنها أول من اكتحل بالإثمد، فأمر تبع بقلع عينيها ليرى ما فيهما، فوجد عروقها كلها محشوة بالإثمد، وخربت اليمامة يومئذ؛ لأن تبعا قتل أهلها، ولم يخلف بها أحدا، ورجع إلى المدينة.
هذا ما ذكره المجد عن ياقوت باختصار، وليس فيه عكس القضية؛ فيجوز أن يقع بكل من اليمامة والمدينة مثل هذا، والظاهر أن قصة اليمامة كانت بعد قصة المدينة.
стр. 145
ونقل رزين عن الشرقي أن أبا جبيلة لما فرغ من نصر أهل المدينة رجع إلى الشام؛ فأقبل تبع الأخير- وهو كرب بن حسان بن أسعد الحميري، والتبابعة كلهم من حمير- يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل؛ فمر بالمدينة، فخلف فيها ابنا له ومضى حتى قدم الشام، ثم سار حتى قدم العراق، فلما كان بالعراق قتل ابنه بالمدينة غيلة «١» فأقبل راجعا يريد تخريب المدينة، فنزل بسفح أحد، فاحتفر بئرا ثم أرسل إلى أشراف المدينة، فلما جاءهم الرسول قال بعضهم: إنما أراد أن يملكنا على قومنا، وقال أحيحة: والله ما دعاكم لخير، وكان لأحيحة رئيّ من الجن فخرجوا وخرج أحيحة معه بقينة وخمر وخباء، فضرب الخباء وجعل فيه القينة والخمر، ثم دخل على تبع أول الناس. فتحدث معه، ففطن بالشر، ثم قال: إن أصحابي يصلونك إلى الظهر، فاستأذن في الخروج إلى الخيمة، فأذن له، فشرب وجعلت القينة تغنيه بأبيات صنعها لها تقول:
لتبكني قينة ومزهرها ... وتبكني قهوة وشاربها
وتبكني عصبة إذا اجتمعت ... لا يعلم الناس ما عواقبها
وهو يقلّ من الشراب، وجاء أصحابه قريبا من الليل، فأمر لهم تبع بضيافة، فلما كان في جوف الليل أرسل إليهم ليقتلهم، ففطن أحيحة، فقال للقينة: أنا سائر إلى أهلي، فإذا طلبني الملك فقولي: هو نائم، فإذا ألحوا فقولي: يقول لك: أما أحيحة فقد ذهب فاغدر بقينته أو دع، وانطلق فتحصن في حصنه، فحاصروه ثلاثا يقاتلهم بالنهار، وإذا كان بالليل يرمي إليهم بتمر ويقول: هذا ضيافتكم. فأخبروا تبعا أنه في حصن حصين، فأمرهم أن يحرقوا نخله، واشتعلت الحرب بين تبع وأهل المدينة من اليهود والأوس والخزرج، وتحصنوا في الآطام، فخرج رجل من أصحاب تبع حتى جاء بني عدي بن النجار، فدخل لهم حديقة، فرقي على عذق منها. فأخذ يجده «٢» ، فنزل إليه صاحب العذق «٣» فقتله وجره إلى بئر وألقاه فيها، وهو يقول:
جانا يجدّ نخيلنا ... وكان الجداد لمن قد أبر «٤»
فزاد ذلك تبعا حنقا «٥» ، وجرد إلى بني النجار خيلا، فقاتلهم بنو النجار ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلحة أخو بني معاوية بن مالك بن النجار، ورمى عسكر تبع حصون
стр. 146
الأنصار بالنبل، فلقد جاء الإسلام والنبل فيها، وجزع في القتال فرس تبع فحلف لا يبرح حتى يخربها بزعمه، فسمع بذلك أحبار من اليهود فنزلوا إليه وقالوا: أيها الملك إن هذه البلدة محفوظة، فإنا نجد اسمها في الكتاب طيبة، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل من الحرم، وهي تكون قراره فلن تسلط عليها، فأعجب تبع بقولهم، فصرف تبع نبته عنها، وأمر أهل المدينة فتبايعوا مع العسكر، وكان تبع قد استوبأ بئره «١» التي حفر، فمرض، فجاءته امرأة من بني زريق اسمها فاكهة براوية «٢» من بئر رومة فأعجبه فاستلذه، فلما كان رحيله قال لها: يا فاكهة ما نترك في موضعنا من شيء إذا رحلنا فهو لك، فأخذت ذلك، فاستغنت منه، وخرج تبع يريد اليمن ومعه من الأحبار الذين نهوه عن خراب المدينة رجلان أو ثلاثة، فقال لهم: تسيرون معي أياما آنس بحديثكم، فكانوا يحدثونه عن الكتاب وعن قصة النبي ﷺ فلم يتركهم حتى وصلوا معه إلى اليمن؛ فهم كانوا أول يهودي دخل اليمن، واتفق في مسيرة قصة إكسائه الكعبة.
وقد قدمنا في بعض الروايات أن مالك بن العجلان لما قتل ملك اليهود قصد اليمن إلى تبع الأصغر، وأنه الذي نصرهم على يهود، ولعل هذا مراد ياقوت لقوله «إن يهود كانوا أهل المدينة حتى أتاهم تبع فأنزل معهم بني عمرو بن عوف» لكن نقل المجد وغيره عن المبتدأ لابن إسحاق أنه قال في بيت أبي أيوب الذي نزله النبي ﷺ مقدمه المدينة: إن تبعا الأول بناه لما مر بالمدينة، قال في المبتدأ: واسمه تبان أسعد بن كلكيكرب، وكان معه أربعمائة عالم، فتعاقدوا على ألايخرجوا منها، فسألهم تبع عن سر ذلك، فقالوا:
إنا نجد في كتبنا أن نبيا اسمه محمد هذه دار مهاجره؛ فنحن نقيم لعل أن نلقاه، فأراد تبع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا واشترى له جارية وزوجها منه وأعطاه مالا جزيلا، وكتب كتابا فيه إسلامه، ومنه:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النّسم «٣»
فلو مدّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى النبي ﷺ إن أدركه، وإلا فمن أدركه من ولده أو ولد ولده، وبنى للنبي ﷺ دارا لينزلها إذا قدم المدينة، فتداول
стр. 147
الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب وهو من ولد ذلك العالم، وأهل المدينة الذين نصروه كلهم من أولاد أولئك العلماء، انتهى.
زاد غير المجد: ويقال: إن الكتاب الذي فيه الشعر كان عند أبي أيوب حين نزل عليه النبي ﷺ فدفعه له، وهو غريب، وكتب التواريخ متظاهرة «١» على ما قدمناه في أمر الأنصار ونسبهم.
وقد ذكر السهيلي إيمان تبّع بالنبي ﷺ وذكر البيتين، وروى حديث «لا تسبوا تبّعا فإنه كان مؤمنا» .
وروى عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال: نهى النبي ﷺ عن سب أسعد وهو تبّع.
قال وهب: وكان على دين إبراهيم.
وروى أحمد من حديث سهل بن سعيد رفعه «لا تسبوا تبّعا فإنه كان قد أسلم» وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس مثله، وإسناده أصلح من إسناد سهل، وأما ما رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة مرفوعا «لا أدري تبع كان لعينا أم لا» فمحمول على أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم بحاله.
وقال المرجاني: إن أبا كرب بن أسعد الحميري آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال: «شهدت على أحمد- البيتين المقدمين» وإن أباه أسعد هو تبّع الذي كسا الكعبة، ونقله عن حكاية ابن قتيبة، والذي رأيته في المعارف لابن قتيبة أن أسعد أبا كرب الحميري هو الموصوف بما ذكره. وروى ابن زبالة أن تبعا لما قدم المدينة وأراد إخراجها جاءه حبران من قريظة يقال لهما سحيت ومنبه فقالا: أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج في آخر الزمان، فأعجبه ما سمع منهما، فصدقهما وكفّ «٢» عن أهل المدينة.
الفصل الخامس في منازل قبائل الأنصار بعد إذلال اليهود ،
وشيء من آطامهم، وما دخل بينهم من الحروب، وهو نافع في معرفة جهات المساجد التي لا تعرف اليوم، وغير ذلك.
اعلم أن ابن زبالة نقل ما حاصله أن الأوس والخزرج بعد انصراف أبي جبيلة ونصره
стр. 148
لهم تفرقوا في عالية المدينة وسافلتها، واتخذوا الأموال والآطام، فنزل بنو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر وبنو حارثة بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة فكلاهما من الأوس دار بني عبد الأشهل قبلي دار بني ظفر مع طرف الحرة الشرقية، قاله المطري، والذي يظهر لي أن منازلهم كانت قريبة من منازل بني ظفر في شاميها وتمتد إلى الحرة المعروفة اليوم بدشم وما حولها، بل سيأتي في ترجمة الخندق ما يقتضي أن منازلهم كانت بالقرب من الشيخين. وابتنى بنو عبد الأشهل أطما يقال له «واقم» وبه سميت الناحية واقما، وكان لحضير بن سماك، وله يقول شاعرهم:
نحن بنينا واقما بالحره ... بلازب الطين وبالأصره
وله يقول خفاف بن ندبة:
لو أنّ المنايا جزن عن ذي مهابة ... لهبن حضيرا يوم أغلق واقما «١»
يطيف به حتى إذا الليل جنّه ... تبوّأ منه مضجعا متناغما
وأطما يقال له: «الرعل» بالمال الذي يقال له واسط لصخرة أم بني عبد الأشهل، وله يقول شاعرهم يوم بعاث:
نحن بنو صخرة أرباب الرعل
وآطاما غير ذلك، وابتنى بنو حارثة أطما اسمه «المسيّر» صار لبني عبد الأشهل بعد خروج بني حارثة من دارهم؛ فإن بني حارثة تحولوا من دارهم هذه إلى غربي مشهد سيدنا حمزة ﵁ في الموضع المعروف اليوم بيثرب؛ فكانت بها منازلهم على ما قدمناه عن المطري في الباب الأول. والذي تحرر لي من مجموع كلام الواقدي وابن زبالة وغيرهما أن منازلهم التي استقروا بها وجاء الإسلام وهم فيها كانت في شامي بني عبد الأشهل بالحرة الشرقية. ويؤيد ذلك ما سيأتي في ترجمة الخندق من أن النبي ﷺ خطه من أجمة الشيخين طرف بني حارثة كما رواه الطبراني.
وقد قال المطري كما سيأتي عنه: الشيخان: موضع بين المدينة وبين جبل أحد، على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد. ويؤيده أيضا أن المطري قد ذكر أن النبي ﷺ غدا إلى أحد يوم وقعته على الطريق الشرقية المذكورة، وسيأتي أنه بات بالشيخين.
стр. 149
وفي المعارف لابن قتيبة عن ابن إسحاق: فلما سارت قريش لحرب رسول الله ﷺ خرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى نزلوا بيوت بني حارثة، فأقاموا بقية يومهم وليلتهم.
ثم خرج في غد، وذكر انخزال «١» عبد الله بن أبيّ؛ فتحرر أن بيوت بني حارثة عند الشيخين وفي ناحيتهما.
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ أجاز ذلك اليوم في حائط لمربع بن قيظ، واتفق له معه ما سيأتي ذكره: ومربع هذا من بني حارثة وأيضا فقد قدمنا في الفصل الرابع في تحريمها قول أبي هريرة في رواية الإسماعيلي: ثم جاء- يعني النبي ﷺ بني حارثة وهم في سند الحرة. اه. وليس الموضع الذي ذكره المطري في سند الحرة، بخلاف الموضع الذي قدمناه، مع أنه يحتمل أن بعض منازل بني حارثة كانت بالموضع الذي ذكره المطري أيضا.
قال ابن زبالة: وابتنوا بها- أي بدارهم الثانية- أطما يقال له «الريان» عند مسجد بني حارثة كان لبني مجذعة بن حارثة، وسبب خروج بني حارثة من دار بني عبد الأشهل حرب كانت بينهم وبين عبد الأشهل، ووالى بنو ظفر بني عبد الأشهل، ثم هزمهم بنو حارثة وقتلوا سماك بن رافع وكان باغيا، قتله مسعود أبو محيصة الحارثي، وظفرت بهم بنو حارثة فأجلوهم أولا؛ فلحقوا بأرض بني سليم، فسار حضير بن سماك ببني سليم حتى قاتل بني حارثة، فقتل منهم، واشتد عليهم الحصار بأطمهم المسير المتقدم ذكره في دار بني عبد الأشهل، فسارت بنو عمرو بن عوف وبنو خطمة إليهم، وقالوا: إما أن تخلّوا سبيلهم، وإما أن تأخذوا عقل «٢» صاحبكم، وإما أن تصالحوهم، فاختاروا أن يجلوهم، فخرج بنو حارثة إلى خيبر فكانوا بها قريبا من سنة، ثم رق لهم حضير وطلب صلحهم، فخرجت السفراء في ذلك حتى اصطلحوا، وأبت بنو حارثة أن ينزلوا دارهم مع بني عبد الأشهل، ونزلوا الدار المعروفة بهم اليوم، اه.
ونزل بنو ظفر وهو كعب بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس دارهم شرقي البقيع عند مسجدهم: أي المعروف بمسجد البغلة بجوار بني عبد الأشهل.
وذكر ابن حزم في الجمهرة أن بطون بني عمرو بن مالك بن الأوس [وهم]
стр. 150
النبيت: منهم ظفر، وحارثة، وبنو عبد الأشهل، وبنو زعورا بن جشم بن الحارث أخي عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
ولم يذكر ابن زبالة بني زعورا في هذه البطون، بل ولا في بطون الأنصار كلها.
وذكر ابن حزم أن منهم مالك بن التيهان وبني أوس بن عتيك وغيرهم، وقال في موضع آخر: فولد جشم عبد الأشهل، بطن ضخم، وزعورا بطن، وهم أهل راتج.
ونزل بنو عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس قباء؛ فابتنوا أطما يقال له «الشّنيف» عند دار أبي سفيان بن الحارث بين أحجار المراء وبين مجلس بني الموالي، كان لبني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف، وأطما في دار عبد الله بن أبي أحمد، كان لكلثوم بن الهدم من بني عبيد بن زيد بن أظلم أخي بني عبيد بن زيد بن مالك، وأطما يقال له واقم كان بقباء لأحيحة بن الجلاح الجحجبي ثم صار لبني عبد المنذر بن رفاعة في دية جدهم رفاعة بن زر بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، وله يقول كعب بن مالك:
فلا تتهدّد بالوعيد سفاهة ... وأوعد شنيفا إن عصيت وواقما
وكان في رحبة بني زيد بن مالك بن عوف أربعة عشر أطما يقال لها: الصّياصي، وكان لهم أطم بالمسكبة شرقي مسجد قباء، وأطم يقال له «المستظل» كان موضعه عند بئر غرس، كان لأحيحة ثم صار لبني عبد المنذر في دية جدهم رفاعة، ثم خرجت بنو جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف من قباء حين قتلوا رفاعة بن زر وغنما أخا بني عمرو بن عوف فسكنوا العصبة، وهي غربي مسجد قباء، قال سعد بن عمرو الجحجبي لبشر بن السائب: تدري لم سكنا العصبة؟ قال: لا، قال: لأنا قتلنا قتيلا منكم في الجاهلية، فقال بشر: والأمانة لوددت أنكم قتلتم منا آخر وأنكم وراء عير، يعني الجبل الذي غربي العصبة.
وابتنى أحيحة بن الجلاح بالعصبة أطما يقال له «الضحيان» وهو الأطم الأسود الذي بالعصبة، وكان عرضه قريبا من طوله، بناه أولا من بثرة بيضاء»
فسقط، يعني من حجارة الحرار البيض. وكان يرى من المكان البعيد، وفيه يقول أحيحة:
وقد أعددت للحدثان حصنا ... لو أنّ المرء تنفعه العقول
طويل الرأس أبيض مشمخرّ ... يلوح كأنه سيف صقيل
وابتنوا هم وبنو مجدعة أطما يقال له «الهجيم» عند المسجد الذي صلّى فيه النبي ﷺ وقد تقدم أن بني أنيف كانوا مع اليهود بقباء، وأنهم حي من بلى؛ فلذلك لم يذكر ابن
стр. 151
زبالة منازلهم هنا، وسيأتي في المساجد عن المطري وتبعه المجد أن بني أنيف بطن من الأوس، وأن منازلهم كانت بين بني عمرو بن عوف وبين العصبة، ومأخذ المطري في نسبتهم إلى الأوس قول أهل السير في المغازي: شهد من الأوس كذا وكذا رجلا، ثم يذكرون فيهم بعض بني أنيف؛ وذلك لأنهم حلفاء الأوس، لا لأنهم منهم، نبه عليه ابن إسحاق حيث قال: شهد بدرا من الأوس بضع وستون رجلا، فذكر من بني جحجبا جماعة، ثم قال: ومن حلفائهم من بني أنيف أبو عقيل، ثم نسبه إلى بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، لكن استفدنا من كلام المطري أن منازلهم بين العصبة وقباء، ويستفاد مما قدمناه عن ابن زبالة أن من منازلهم بئر عذق وما حولها والمال الذي يقال له القائم، وذلك معروف بقباء.
وخرجت بنو معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف فسكنوا دارهم التي وراء بقيع الغرقد المعروفة بهم، ولا يشكل عليه ما سيأتي في دور بني النجار من الخزرج من أن حديلة لقب لمعاوية بن عمرو بن مالك بن النجار للاشتراك في الاسم، ولكن الشهرة ببني معاوية لهؤلاء، وأولئك يعرفون ببني حديلة، وقد اشتبه ذلك على المطري فقال في مسجد بني معاوية- وهو مسجد الإجابة- ما لفظه: هو مسجد بني معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، ثم قال في دور بني النجار: إن بني حديلة هم بنو معاويةبن عمرو بن مالك بن النجار، ودارهم عند بئر حاء، ثم قال: ودار بني دينار بين دار بني معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أهل مسجد الإجابة، ودار بني حديلة، فذكر أولا أنهم هم، ثم غاير بينهما، والصواب المغايرة، وأن بني حديلة من الخزرج، وبني معاوية من الأوس، وقد صرح بتغايرهما أهل السير، ونسبوهما كما ذكرنا، ومسجد الإجابة لبني معاوية من الأوص، والذي أوقع المطري في هذا ما سيأتي عن عياض في بني حديلة إن شاء الله تعالى.
ومن بني معاوية هؤلاء حاطب بن قيس، وفيه كانت حرب حاطب كما ذكره ابن حزم.
وخرجت بنو السميعة- وهم بنو لوذان بن عمرو بن عوف- فسكنوا عند زقاق ركيح، وابتنوا أطما يقال له «السعدان» وموضعه في الربع (حائط هناك) ذكره ابن زبالة، ولعل الربع هو الحديقة المعروفة اليوم بالربعي، وكان بنو السميعة يدعون في الجاهلية بنو الصماء، فسماهم النبي ﷺ بني السميعة.
ونزل بنو واقف والسلم ابنا امرئ القيس بن مالك بن الأوس عند مسجد الفضيخ، فكانا هنالك وولدهما.
стр. 152
وابتنى بنو واقف أطما يقال له «الزيدان» وله يقول قيس بن رفاعة:
وكيف أرجو لذيذ العيش بعدهم ... وبعد من قد مضى من أهل زيدان
كان لهم عامة موضعه في قبلة مسجد الفضيخ، وأطما كان موضعه عند بئر عائشة الواقفي، وغير ذلك، ثم كان بين السّلم وواقف كلام، فلطم واقف وهو الأكبر عين السلم- وكان شرسا- فحلف لا يساكنه، فنزل السلم على بني عمرو بن عوف، فلم يزل ولده فيهم، (ومن بقيتهم سعد بن خيثمة بن الحارث) ثم انقرضوا سنة تسع وتسعين ومائة.
وكان لبني السلم حصن شرقي مسجد قباء، ذكره ابن زبالة، وقد ذكر ابن حزم انقراض جميع بني السلم، قال: وكان قد بلغ عددهم في الجاهلية ألف مقاتل.
قلت: وفي قبلة مسجد الفضيخ عند الحديقة المعروفة بالأشرفية والسابور آثار آطام وقرية وحصن عظيم، فهي منازل بني واقف.
ونزل بنو وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس في دارهم المعروفة بهم، وابتنوا أطما يقال له: «الموجا» كان موضعه في مسجد بني وائل.
ونزل بنو أمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس في دارهم المعروفة بهم التي بها الكبا يمر فيها سيل مذينيب بين بيوتهم ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بفضاء بني خطمة، ويؤخذ مما ذكره ابن زبالة في منازل بني النضير بالنواعم قربه منزل بني أمية بن زيد منهم.
وفي صحيح البخاري عن عمر ﵁ قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، نتناوب النزول على رسول الله ﷺ .
قال ابن زبالة: وابتنوا أطما يقال له: «أطم العذق» كان عند الكبا المواجهة مسجد بني أمية، وأطما كان في دار آل رويفع التي في شرقي مسجد بني أمية.
ونزل بنو عطية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس بصفنة فوق بني الحبلى، وصفنة- كجفنة- بإهمال أوله سميت بذلك لارتفاعها عن السيول فلم تشرب بشيء منها، وابتنوا فيها أطما اسمه «شاس» كان لشاس بن قيس أخي بني عطية بن زيد، وهو الذي على يسارك في رحبة مسجد قباء مستقبل القبلة، ووائل وأمية وعطية بنو زيد هم الجعادرة، سموا به لأنهم كانوا إذا أجاروا جارا قالوا له: جعدر حيث شئت أي: اذهب حيث شئت، فلا بأس عليك، فقال الرمق بن زيد:
وإن لنا بين الجواري وليدة ... مقابلة بين الجعادر والكسر
متى تدع في الزيدين زيد بن مالك ... وزيد بن قيس تأتها عزة النصر
стр. 153
قالوا: والكسر أمية وعبيد وضبيعة بنو زيد بن مالك بن عوف، كان يقال لهم كسر الذهب وذلك أراد الرمق بقوله «والكسر» كذا قاله ابن زبالة، ونقل رزين أن الجعادرة الأوس كلهم فإنه قال فيما نقل عن الشرقي: فولد الأوس مالكا ومن مالك قبائل الأوس كلها، فولد لمالك عمرو وعوف ومرة، ويقال لهم: أوس الله، وهم الجعادرة، سموا بذلك لقصر فيهم، اه.
قلت: وسيأتي عن ابن إسحاق في آخر الفصل السابع ما يقتضي أن أوس الله هم بنو أمية بن زيد ووائل وواقف وخطمة، والله أعلم.
ونزل بنو خطمة- وخطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس- دارهم المعروفة بهم، وابتنوا بها الآطام، وغرسوا النخيل، فابتنوا بها أطما يقال له «صع ذرع» ليس فيه بيوت، جعلوه كالحصن الذي يتحصنون فيه للقتال، وكان لخطمة كلها، وكان موضعه عند مهراس بني خطمة، وإنما سمي «صع ذرع» لأنه كان عند بئر بني خطمة التي يقال لها ذرع، وابتنى أمية بن عامر بن خطمة أطما كان موضعه في مال الماجشون الذي يلي صدقة أبان بن أبي حدير.
قلت: والظاهر أنه المسمى اليوم «بالمجشونية» فإن اسمه الأصلي «الماجشونية» على ما تقدم في تربة صعيب.
وقال المطري: منازل بني خطمة لا يعرف مكانها اليوم، إلا أن الأظهر أنهم كانوا بالعوالي شرقي مسجد الشمس؛ لأن تلك النواحي كلها ديار الأوس، وما سفل من ذلك إلى المدينة ديار الخزرج، اه.
وفي قوله: «وما سفل إلخ» نظر، والذي يظهر أن أول منازل الخزرج في هذه الجهة منازل بني الحارث كما سيأتي، وفوقها بنو خطمة، وسيأتي في وادي بطحان ووادي مهزور ما يؤيد ذلك.
وكان بنو خطمة متفرقين في آطامهم، لم يكن في قصبة دارهم منهم أحد، فلما جاء الإسلام اتخذوا مسجدهم، وابتنى رجل منهم عند المسجد بيتا سكنه، فكانوا يسألون عنه كل غداة مخافة أن يكون السبع عدا عليه، ثم كثروا في الدار حتى كان يقال لهم غزة، تشبيها بغزة الشام من كثرة أهلها.
وقد انتهى الكلام في منازل الأوس وهذه منازل الخزرج.
قال ابن زبالة: ونزل بنو الحارث بن الخزرج الأكبر بن حارثة وهم بلحارث دارهم المعروفة بهم بالعوالي: أي: شرقي وادي بطحان وتربة صعيب، يعرف اليوم بالحارث بإسقاط بني، وابتنوا أطما كان لبني امرئ القيس بن مالك وخرج جشم وزيد ابنا الحارث بن
стр. 154
الخزرج وهما التوأمان فسكنا السنح، وهذا هو المراد بقول ابن حزم: كان سكنى بني الحارث بالسّنح على ميل من مسجد الرسول ﷺ انتهى.
قال ابن زبالة: وابتنوا أطما يقال له «السّنح» وبه سميت الناحية، ويقال بل اسمه «الريان» انتهى. وبالسّنح كان منزل أبي بكر الصديق ﵁ بزوجته بنت خارجة بن زيد، قاله عياض، قال: وهو منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة، وبينه وبين منزل النبي ﷺ ميل، انتهى. فكأن السنح- وهو كما قال عياض وغيره بالسين المهملة ثم النون- بالقرب من منازل بني الحارث بالعوالي. وخرج عتبة بن عمر بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج فسكن الشوط وكوم الكومة يقال لها «كومة أبي الحمراء» ثم رجع في السنح. وخرجت بنو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج حتى سكنوا الدار التي يقال لها «جرار سعد» مما يلي سوق المدينة، وخرجت بنو الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج وهم بنو خدرة أخوة بني خدارة فسكنوا دارهم المعروفة ببني خدرة، وابتنوا أطما يقال له «الأجرد» وهو الأطم الذي يقال لبئره البصة، كان لمالك بن سنان جد أبي سعيد الخدري، وذكر ابن حزم للحارث بن الخزرج الأكبر ابنا اسمه الخزرج ابن الحارث، وقال فيه: فولد الخزرج كعبا، فسار بعض بنيه إلى الشام مع غسان، فليس من الأنصار، ثم سمى من بقي منهم الأنصار.
ونزل سالم وغنم ابنا عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأكبر الدار التي يقال لها «دار بني سالم» على طرف الحرة الغربية غربي الوادي الذي به مسجد الجمعة ببطن رانونا، وابتنوا آطاما: منها «المزدلف» أطم عتبان بن مالك، قاله المطري، وقال: المزدلف هو الأطم الذي بناه عتبان بن مالك، كان لمالك بن العجلان السالمي، وله يقول مالك «إنّي بنيت للحروب المزدلف» ومنها «الشماخ» كان خارجا عن بيوت بني سالم من جهة القبلة، ومنها أطم «القواقل» وهو الذي في طرف بيوت بني سالم مما يلي ناحية العصبة، كان لبني سالم بن عوف، وتسميته بذلك يرجح ما ذكره ابن سيد الناس من أن القواقل «١» بنو غنم وبنو سالم ابني عوف، سموا بذلك لأنهم كانوا إذا أجاروا جارا قال له: قوقل حيث شئت، وأفهم سياق بعضهم أن القواقل بعض بني سالم بن غنم، وهم بنو الحبلى، وما
стр. 155
قدمناه هو الظاهر؛ لما سيأتي في خروجه ﷺ من قباء إلى المدينة. وقال ابن حزم: ولد عوف بن عمر وسالم بطن، وغنم بطن، وعنز بطن، وهو قوقل، وذكر من ولده عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن قوقل بن عوف بن عمرو.
ونزل بنو غصينة حي من بلى حلفاء لبني سالم عند مسجد بني غصينة.
ونزل بنو الحبلى- بلفظ المرأة الجبلى- واسمه مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأكبر الدار المعروفة بهم بين قباء وبين دار ابني الحارث بن الخزرج التي شرقي وادي بطحان وصعيب، كذا قاله المطري، وأظن مستنده ما تقدم في منازل الأوس من قول ابن زبالة: ونزل بنو عطية بن زيد بن قيس بصفنة فوق بني الحبلى إلى آخره، وقال ابن حزم: كانت دار بني الحبلى بين دار بني النجار وبين بني ساعدة.
قلت: وسيأتي في خروجه ﷺ من قباء إلى المدينة ما يؤيده، وكذلك مروره ﷺ بعبد الله بن أبي في ذهابه لعيادة سعد بن عبادة، وما ذكره من أن الحبلى اسمه مالك بن سالم ذكره ابن زبالة، وقال ابن هشام: الحبلى سام بن غنم بن عوف، وإنما سمي الحبلى لعظم بطنه، انتهى.
وذكر ابن حزم نحوه، والظاهر أن الحبلى كان يطلق على سالم والد مالك المذكور، ثم اشتهر به ابنه هذا من بني بنيه، وحينئذ فيحمل ما تقدم عن ابن زبالة في نزول بني عطية بن زيد بصفنة فوق بني الحبلى، على أن المراد
دار سالم بن غنم في دار بني سالم؛ لكونه ذكر في آطام بني الحبلى هؤلاء ما يوافق كلام ابن حزم في نزولهم قرب دار بني ساعدة، فقال: وابتنوا آطاما منها «مزاحم» بين ظهران بيوت بني الحبلى، وهو لعبد الله بن أبي بن سلول. ومنها أطم كان بين مال عمارة بن نعيم البياضي وبين مال ابن زمانة. ومنها أطم كان في جوف بيوتهم. انتهى.
وسيأتي في منازل بني ساعدة ذكر الحماضة، وهي مذكورة في منازل بني بياضة، وقد صرح ابن حزم وغيره من أهل السير وعلماء النسب بأن عبد الله بن أبي من بني الحبلى من الخزرج؛ فالظاهر أن ما وقع للحافظ ابن حجر في حديث زوجة ثابت بن قيس بن شماس في الخلع من أن عبد الله بن أبي من بني مغالة من بني النجار وهم. نعم داره غربي المسجد قريبة من دار بني مغالة فيما يظهر. والله أعلم.
ونزل بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن شاردة بن تزيد (بالمثناة من فوق) بن جشم بن الخزرج الأكبر ما بين مسجد القبلتين إلى المذاد أطم بني حرام في سند تلك الحرة، وكانت دارهم هذه تسمى خربى. قال ابن زبالة: فسماها رسول الله ﷺ «طلحة» كذا هو في نسخة ابن زبالة بالطاء، ونقله عنه الزين المراغي أيضا كذلك كما رأيته بخطه.
стр. 156
ولعل الصواب ما ذكره المجد في تاريخه أن النبي ﷺ سماها «صلحة» بضم الصاد المهملة وسكون اللام، وقال في قاموسه: خربا كحبلى: منزلة كانت لبني سلمة غيّرها ﷺ وسماها صالحة.
ونزل بنو سواد بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد القبلتين إلى أرض ابن عبيد الديناري، ولهم مسجد القبلتين، قاله ابن زبالة، وهو يرد ما سيأتي عن المطري وغيره من أن المسجد لبني حرام، وابتنوا أطما يقال له «الأغلب» كان على المهد الذي عليه الأحجار التي يستريح عليها السقاؤون حين يفيضون من زقاق رومة إلى بطحان، وأطمأ يقال له «خيط» في شرقي مسجد القبلتين على شرف الحرة وعند منقطع السهل من أرض بني سلمة، وأطما يقال له «منيع» في يماني مسجد القبلتين على ظهر الحرة يمين الحزن الذي في أرض ابن أبان أو دون ذلك قليلا.
ونزل بنو عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد الخربة إلى الجبل الذي يقال له الدويخل جبل بني عبيد، ولهم مسجد الخربة، وابتنوا «الأشنق» وهو المواجه لمسجد الخربة، كان للبراء بن معرور صخر بن حسان بن سنان بن عبيد، وابتنوا «الأطول» عند قبلة مسجد الخربة أو عن يسارها.
ونزل بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عند مسجد بني حرام الصغير الذي بالقاع بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك والأرض التي كانت لمعبد بن مالك، وكانوا بين مقبرة بني سلمة إلى المذاد، والمذاد: هو الذي يقول له كعب بن مالك:
فليأت مأسدة تسن سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق
وهو أطم لهم سميت به الناحية، وابتنوا أطما يقال له «جاعس» كان في السهل بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك وبين العين التي عملها معاوية بن أبي سفيان، كان لعمرو بن الجموح جد جابر بن عبد الله بن عمرو.
قلت: وهذه العين لعلها التي ذكر ابن النجار أنها تأتي إلى النخل الذي بأسفل المدينة حوالي مسجد الفتح، يعني في غربيه، ويعرف ذلك الموضع بالسّيح- بالسين المهملة والمثناة التحتية- كما قال المطري، والله أعلم.
وابتنى بنو مر بن كعب بن سلمة- وهم حلفاء بني حرام- أطما يقال له «أخنس» وهو الأسود القائم في بني سلمة في غربي الحائط الذي كان لجابر بن عتيك مما يلي جبل بني عبيد، ذكره ابن زبالة.
وقوله «عند مسجد بني حرام الصغير» يفهم أن لهم مسجدا آخر كبيرا، وهو الآتي في منزلهم الثاني بشعب سلع، وسيأتي في المساجد وصف مسجد بني حرام الذي صلّى فيه النبي ﷺ بأنه بالقاع، وأنه لم يصل في مسجدهم الأكبر.
стр. 157
وكل هؤلاء بنو سلمة، وكانوا بهذه الدور، وكلمتهم واحدة، وملكوا عليهم أمّة بن حرام، فلبث فيهم زمانا حتى هلك رجل من بني عبيد ذو أموال كثيرة، له ولد واحد اسمه صخر، فأراد أمة أن ينزع طائفة من أمواله فيقسمها في بني سلمة، فعظم ذلك على صخر، وشكا ذلك على بني عبيد وبني سواد، وقال: إن فعل أمة ذلك لأضربنه بالسيف، وسألهم أن يمنعوه إن هو فعل، فأطاعوا له، فلما فعل أمة ذلك ضربه صخر فقطع حبل عاتقه، وقامت دونه بنو عبيد وبنو سواد، فنذر أمة ألايؤويه ظل بيت ما عاش حتى يقتل بنو سلمة صخرا أو يأتوه به فيرى فيه رأيه، وجلس أمة عند الضرب الذي فوق مسجد الفتح مما يلي الجرف في الشمس، فمرت به وليدة حطابة فقالت: مالك يا سيدي هنا في الشمس؟ فقال:
إن قومي أجمعوا لي أمرهم ... ثم نادوا لي صخرا فضرب
إنني آليت لا يسترني ... سقف بيت من حرور ولهب
أبدا ما دام صخر آمنا ... بينهم يمشي ولا يخشى العطب
فذهبت الجارية، فأخبرتهم، فربطوا صخرا ثم أتوه به، فعفا عنهم وأخذ الذي كان يريد أن يأخذ من أمواله؛ فهذا خبر ما دخل بين بني سلمة.
وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله أن بني سلمة قالوا: يا رسول الله، نبيع دورنا ونتحول إليك، فإن بيننا وبينك واديا؟ فقال رسول الله ﷺ : «اثبتوا فإنكم أوتادها، وما من عبد يخطو إلى الصلاة خطوة إلا كتب الله له أجرا» .
وروى أيضا عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة قال: شكا أصحابنا- يعني بني سلمة وبني حرام- إلى رسول الله ﷺ أن السيل يحول بينهم وبين الجمعة، وكانت دورهم مما يلي نخيلهم ومزارعهم في مسجد القبلتين ومسجد الخربة، فقال لهم النبي ﷺ : «وما عليكم لو تحولتم إلى سفح الجبل» يعني سلعا، فتحولوا؛ فدخلت حرام الشّعب، وصارت سواد وعبيد إلى السفح.
قلت: وشعب بني حرام معروف بسلع، وهناك آثار منازلهم وآثار مسجدهم في غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية، وعلى يسار السالك إلى المدينة وعلى مقربة من محاذاته في جهة المغرب حصن خل.
وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن جابر بن عبد الله قال: كان السيل يحول بين بني حرام وبين مسجد رسول الله ﷺ فنقلهم عمر بن الخطاب إلى الشعب، وكلهم قوما
стр. 158
كانوا فيه من أهل اليمن يقال لهم بنو ناغضة، فانتقلوا إلى الشعب الذي تحت مسجد الفتح، فاثارهم هناك، واشترت بنو حرام غلاما روميّا من أعطياتهم، وكان ينقل الحجارة من الحرة وينقشها، فبنوا مسجدهم الذي في الشعب وسقفوه بخشب وجريد، وكان عمر بن عبد العزيز زاد فيه مدماكين من أعلاه، وطابق سقفه، وجعل فيه ذيت مسجد رسول الله ﷺ .
قلت: وآثار خرز أساطينه وما تكسر منها موجود اليوم فيه، يعرف محله بالشعب المذكور.
وقد روى المجد في فضل المساجد الخبر المتقدم، إلا أنه قال: وجعل فيه ذيت مسجد رسول الله ﷺ ثم قال: والذيت الساج الذي يظهر على الحائط، انتهى. ولم يضبطه غير أنه بالذال في كتابه، والذي في كتاب ابن زبالة ويحيى ما قدمناه، والله أعلم.
ونزل بنو بياضة وزريق ابنا عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأكبر، وبنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب، وبنو عذارة وهم بنو كعب بن مالك بن غضب، وبنو الليل وهم بنو عامر بن مالك بن غضب، وبنو أجدع وهم بنو معاوية بن مالك بن غضب دار بني بياضة. قال المطري: فيما بين دار بني سالم بن عوف بن الخزرج التي عند مسجد الجمعة إلى وادي بطحان قبلي دار بني مازن بن النجار.
قلت: الذي يترجح عندي أن دارهم كانت في شامي دار بني سالم بن عوف وقبلي دار بني مازن، ممتدة في الحرة الغربية، حتى إن في كلام ابن زبالة ما يقتضي أن بعض منازلهم تمتد إلى منازل بني ساعدة لما سنذكره.
وابتنوا بدارهم الآطام، وروى ابن زبالة أنه كان بدارهم تسعة عشر أطما، وأن الذي أحصاه لبني أمية بن عامر بن بياضة خاصة ثلاثة عشر أطما: منها أطم أسود في يماني أرض فراس بن ميسرة، كان في الحرة، ومنها «عقرب» كان في شامي المزرعة المسماة بالرحابة في الحرة على الفقارة، ومنها «سويد» كان في شامي الحائط الذي يقال له الحماضة، ولصاحبه كانت الحماضة، وسيأتي ذكر الحماضة في منازل بني ساعدة، لكن يبعد أن يكون هي المراد هنا، ومنها «اللواء» كان موضعه في حد السرارة بينه وبين زاوية الجدار الشامي الذي يحيط على الحماضة عشرون ذراعا، ومنها أطم كان في السرارة، والسرارة: ما بين أرض ابن أبي قليع إلى منتهى الحماضة، وما بين الأطم الذي يقال له
стр. 159
اللواء إلى الجدار الذي يقال له بيوت بني بياضة، والجدار الذي بناه زياد بن عبيد الله لبركة السوق وسط السرارة، قاله ابن زبالة، وهو يقتضي أن السرارة قرب سوق المدينة، ويؤيده ذكر الحماضة في منازل بني ساعدة، لكن الظاهر أن المراد ببركة السوق هنا بركة كانت مما يلي سيل بطحان ورانونا؛ لأن ابن شبة قال في سيل رانونا: إنه يقترن بذي صلب، يعني موضع مسجد الجمعة، ثم يستبطن السرارة حتى يمر على قعر البركة، ثم يفترق فرقتين، إلى آخر ما سيأتي عنه.
ونقل رزين أن السرارة بين بني بياضة والحماضة. ثم ذكر ابن زبالة بقية آطامهم، وذكر ما يقتضي أن ما حول السرارة هو أقصى بيوت بني بياضة. ثم قال: وابتنى بنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأطم الذي في أدنى بيوت بني بياضة الذي دونه الجسر الذي عند ذي ريش. ثم قال: فلبث بنو غضب بن جشم بن الخزرج- أي الفرق المذكورين كلهم- في دار بني بياضة، وأمرهم جميع، ثم إن زريق بن عامر هلك فأوصى ببنيه إلى عمه حبيب بن عبد حارثة، فكان حبيب يكلفهم النّضح بأيديهم، فلما اشتد عليهم عدوا عليه فقتلوه، فحالف بنو حبيب بني بياضة على نصرهم على بني زريق، فخافت بنو زريق أن يكثروهم. وكانت بنو بياضة حينئذ أثرى من بني زريق، فخرجوا من دار بني بياضة حتى حلوا دارهم المعروفة بهم قبليّ المصلى وسور المدينة الموجود اليوم وداخله بالموضع المعروف بذروان وما والاه، وابتنوا آطاما منها أطم في زاوية دار كبير بن الصلت بالمصلى، وأطما يقال له «الريان» عند سقيفة آل سراقة التي يقال لها «سقيفة الريان» وأقام بنو عمرو بن عامر بن زريق مع بني بياضة، ولهم الأطم الذي في شامي أرض فراس بن ميسرة في أدنى بيوت بني بياضة مما يلي السبخة، فلبثوا هناك حتى انتقل رافع بن مالك هو وولده قبيل الإسلام فسكنوا طرف السبخة ما بين الأساس إلى طرف السبخة إلى الدار التي فيها يسكن إسحاق بن عبيد بن رفاعة، وكان يقال لرافع بن مالك «الكامل» لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون لمن كان كاتبا شاعرا «الكامل» وانتقل سائر بني عمرو بن عامر بعد ذلك، فاشتروا من بني عوف بن زريق بعض دورهم وحقوقهم، وخرجت بنو عوف بن زريق قبيل الإسلام إلى الشام؛ فيزعمون أن هنالك ناسا منهم، ولبث بنو بياضة وبنو حبيب زمانا لا يقاتلون بني زريق، والرسل تجري بينهم، وبنو زريق يدعونهم إلى الصلح والدية، وعرضوا على بني حبيب أن يقطعوا لهم طائفة من ديارهم، فقبلوا ذلك، ووضعوا الحرب، وسمي الزقاق الذي دفعوه لهم «زقاق الدية» وانتقل بنو مالك بن زيد بن حبيب بن عبد حارثة من بني بياضة، ونزلوا الناحية التي ودت بنو زريق، وابتنوا أطما كان لبني المعلى بن لوذان، وتخلف بنو الصمة بن حارثة بن
стр. 160
الحارث بن زيد بن حبيب في بني بياضة، فلبثت بنو المعلى بن لوذان في بني زريق ما شاء الله.
ثم إن عبيد بن المعلى قتل حصن بن خالد الزرقي، فأراد بنو زريق أن يقتلوه، ثم بدا لهم أن يدوا حصن بن خالد من أموالهم عن عبيد على أن يحالفهم بنو المعلى، ويقطعون حلفهم مع بني بياضة، ففعلوا، وكان عامر بن زريق بن عبد حارثة والد زريق وبياضة لما حضرته الوفاة أوصى ابنه بياضة بالصبر في الحروب وشدة البأس، وأوصاه بأخيه زريق وكان أصغرهما، فقال بعض شعرائهم في ذلك:
بالصّبر أوصى عامر بياضه
ويقال للأوس والخزرج: أبطأهم فرة وأرعهم كرة بنو بياضة وبنو زريق وبنو ظفر، وإن الأوس والخزرج لم يلتقوا في موطن قط إلا كان لهذه القبائل فضل بيّن على غيرهم من بطون الأوس والخزرج.
وأما بنو عذارة بن مالك بن غضب بن جشم فكانوا أقل بطون بني مالك بن غضب عددا، وكانوا قوما ذوي شراسة وشدة أنفس، فقتلوا قتيلا من بعض بطون بني مالك بن غضب إما من بني اللين أو بني أجدع، وأبى أهل القتيل الدية، وذهبوا إلى بني بياضة ليعينوهم على بني عذارة حتى يعطوهم القاتل، فكلمات بنو بياضة بني عذارة في ذلك، فأبوا أن يخلوا بينهم وبينه، فأرادت بنو بياضة أن يأخذوه عنوة «١» ، فخرجوا من دار بني بياضة حتى نزلوا قباء على بني عمرو بن عوف فحالفوهم وصاهروهم، وامتنعوا من بني بياضة، ثم إنه دخل بين بني عذارة وبين بني عمرو بن عوف قبيل الإسلام أمر، فأجمعوا أن ينتقلوا من عندهم إلى بني زريق، وكرهوا أن يرجعوا إلى بني بياضة، فجاؤوهم وذكروا لهم ذلك، فلقوهم بما يحبون، وسددوا رأيهم «٢» ، وأتوا أبا عبيدة سعيد بن عثمان الزرقي فذكروا له ذلك، فرحب بهم وذكر شرفهم وفضلهم، ثم قال: إني أشير عليكم أن ترجعوا إلى أخوالكم- يعني: بني عمرو بن عوف- ولا تنتقلوا إلى بني زريق، فإن في أخلاقكم شراسة وفي أخلاق بني زريق مثلها، فتفرقوا عن رأيه، فلم يزالوا كذلك إلى أن فرض المهدي للأنصار سنة ستين ومائة، فانتقلوا بديوانهم إلى بني بياضة، وكان بطنان من بطون بني مالك بن غضب ممن كان بدار بني بياضة- لا ندري أهم من الليلن أم من أجدع- كان
стр. 161
بينهم ميراث في الجاهلية، فاشتجروا فيه، فلما رأوا أنهم لا يستقيمون فيه على أمر تداعوا إلى أن يدخلوا حديقة كانت في بني بياضة فيقتتلوا فيها، فدخلوا جميعا ثم أغلقوها، فاقتتلوا حتى لم يبق منهم عين تطرف، فسميت تلك الحديقة «حديقة الموت» وكان بنو مالك بن غضب سوى بني زريق ألف مقاتل في الجاهلية، وأما بنو أجدع فلم يبق منهم أحد، وأما بنو اللين فكان بقي منهم رجلان ثم انقرضا لا عقب لهما.
وذكر ابن حزم: أن زيد بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب المتقدم ذكر بنيه كان له أخ، وهو عبد الله بن حبيب، وأن عبد الله بن حبيب هذا ولد أبى جبيلة الغساني الذي جلبه مالك بن العجلان لقتل اليهود بالمدينة كما قدمنا الإشارة إليه، والله أعلم.
ونزل بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر مفترقين في أربع منازل: فنزل بنو عمرو وبنو ثعلبة ابنا الخزرج بن ساعدة دار بني ساعدة التي بين السوق- أي سوق المدينة- وبين بني ضمرة؛ فهي في شرقي سوق المدينة مما يلي الشام. وقال المطري: قرية بني ساعدة عند بئر بضاعة، والبئر وسط بيوتهم. قال ابن زبالة: فابتنوا أطما يقال له «معرض» في الدار المواجهة مسجد بني ساعدة، وهو آخر أطم بني بالمدينة، وقدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يبنونه، فاستأذنوه في إتمامه، فأذن لهم فيه، وله يقول شاعرهم:
ونحن حمينا عن بضاعة كلّها ... ونحن بنينا معرضا فهو مشرف
فأصبح معمورا طويلا فدى له ... وتخرب آطام بها وتصفصف
وأطما في دار أبي دجانة الصغرى التي عند بضاعة، ونزلت بنو قشبة- واسم قشبة عامر بن الخزرج بن ساعدة- قريبا من بني حديلة، وابتنوا أطما عند خوخة عمرو بن أمية الضّمري.
قلت: فمنزلهم في شرقي بني ضمرة، والمنزل المذكور قبل، والله أعلم.
ونزلت بنو أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة- وهم رهط سعد بن عبادة الدار التي يقال لها جرار سعد وهي جرار كان يسقي الناس فيها الماء بعد موت أمه.
قال ابن زبالة: عرض سوق المدينة ما بين المصلى إلى جرار سعد بن عبادة.
قلت: فهي مما يلي السوق، فإما أن يكون من جهة المشرق والمصلى حده من جهة المغرب، فيشهد ذلك لأنها الموضع المعروف اليوم بين أهل درب السويقة بسقيفة بني ساعدة، ويكون إطلاق السقيفة على ذلك المحل صحيحا، لا كما قال المطري: إنها بقرية ببني ساعدة عند بئر بضاعة؛ لأن سعد بن عبادة لم يكن هناك، وإنما كان مع رهطه في منزلهم، والسقيفة كانت عند منزله، وإما أن يكون جرار سعد مما يلي السوق من جهة
стр. 162
الشام، ويكون المصلى حده القبلي، وهذا هو الأرجح؛ لأن الجهة التي بالمشرق مما تقدم إنما هي من منازل بني زريق، والله أعلم.
قال ابن زبالة: فابتنوا أطما يقال له واسط، وقد تقدم أن بني خدارة نزلوا بجرار سعد أيضا، فكأنها كانت منزلها، وبنو خدارة من بني الحارث بن الخزرج كما تقدم، فدارهم المرادة في حديث عيادة سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، لا دار بني الحارث المعروفة بهم لبعدها جدا عن منازل بني ساعدة، وليسوا قوم سعد إلا من حيث إن الكل من الخزرج.
وفي حديث عائشة في الصحيح بعد قول عروة لها: ما كان يعيشكم؟ قالت:
الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كانت لهم منايح، الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في بيان ذلك: جيرانه ﷺ من الأنصار سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حزم وأبو أيوب وسعد بن زرارة؛ فيبعد كون سعد بن عبادة في دار بني الحارث لعده في الجيران، ومأخذ الحافظ ابن حجر في ذلك ما رواه ابن سعد عن أم سلمة قالت: كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله ﷺ : سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعمارة بن حزم، وأبو أيوب، وذلك لقرب جوارهم من رسول الله ﷺ انتهى، والله أعلم.
ونزلت بنو وقش وبنو عنان ابنا ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الدار التي يقال لها «بنو ساعدة» ويقال لها أيضا «بنو طريف» وهي بين الحماضة وجرار سعد، وسيأتي في ترجمة الشوط ما يقتضي أن لبني ساعدة منزلا في شامي مسجد الراية، والظاهر أنه هذا المنزل، والله أعلم.
ونزل بنو مالك بن النجار دارهم المعروفة بهم، فابتنى بنو غنم بن مالك أطما يقال له «فويرع» وفي موضعه دار حسن بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب، ﵁!
قلت: وهي الدار المقابلة لدار جعفر الصادق التي في قبلة المدرسة الشهابية، كما سيأتي نقله عن ابن شبة.
وابتنى بنو مغالة- وهم بنو عدي بن عمرو بن مالك، ومغالة أم عدي- أطما يقال له «فارع» وهو الأطم الذي واجه دور بني طلحة بن عبيد الله، ودخل في دار [جعفر] بن يحيى بن خالد بن برمك، وله يقول حسان بن ثابت:
أرقت لتوماض البروق اللوامع ... ونحن نشاوى بين سلع وفارع
قاله ابن زبالة.
стр. 163
وقال الزين المراغي: إن هذا الأطم كان لثابت والد حسان بن ثابت، وإنه دخل في الدار المواجهة لباب الرحمة التي كانت دار عاتكة، ومأخذه في ذلك أن دار عاتكة من جملة دار جعفر بن يحيى، لكن سيأتي من كلام ابن زبالة ويحيى عند ذكر أبواب المسجد أن دار جعفر بن يحيى، لكن سيأتي من كلام ابن زبالة ويحيى عند ذكر أبواب المسجد أن دار جعفر بن يحيى دخل فيها بيت عاتكة وفارع أطم حسان بن ثابت، وبيّنا محله هناك في شامي الدار المذكورة، أعني دار عاتكة، وفارع هذا هو الأطم الذي كانت به صفية عمة رسول الله ﷺ يوم الخندق وعندها حسان.
وفي مسلم في حديث ابن صياد «فوجده عند أطم بني مغالة» .
قال عياض: بنو مغالة كل ما كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل المسجد النبوي.
وابتنى بنو حديلة (بضم الحاء المهملة) وهو- كما قال ابن زبالة وغيره- لقب معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أطما يقال له «مشعط» كان في غربي مسجدهم الذي يقال له «مسجد أبي» يعني أبي بن كعب، وفي موضعه بيت يقال له «بيت أبي نبيه» وقد أسند ابن زبالة عقب ذكره الحديث المتقدم «إن كان الوباء في شيء فهو في ظل مشعط» وذكر ابن شبة قصر بني حديلة، وقال: بناه معاوية بن أبي سفيان ﵁ ليكون حصنا، قال: وله بابان: باب شارع على خط بني حديلة، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية عند دار محمد بن طلحة التّيمي، وفي وسطه بئر حاء، انتهى.
وقال عياض في المشارق: بئر حاء: موضع يعرف بقصر بني حديلة، وقد قال ابن إسحاق: بنو عمرو بن مالك بن النجار هم بنو حديلة، أي لأن حديلة بطن منهم؛ لما قدمناه من أنه لقب أبيهم معاوية بن عمرو بن مالك.
قلت: فليس بنو حديلة هؤلاء بني معاوية من الأوس أهل مسجد الإجابة كما قدمناه ولكن الاشتراك في الاسم أوجب الوهم، فقد وقع للقاضي عياض في المشارق ما يخالف كلام عامة الناس، فقال: قال الزبير: كل ما كان من المدينة عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبي ﷺ بنو مغالة، والجهة الآخرى أي التي على يسارك بنو حديلة، وهم بنو معاوية وهم من الأوس.
قال الجوهري: هي قرية من قرى الأنصار، قال القاضي: هم بطن من الأنصار سميت جهتهم بهم، وهم أيضا بنو حديلة (بحاء ودال مهملتين) وحديلة أمهم، انتهى.
والذي نقله غيره عن الزبير أن بني حديلة من بني النجار من الخزرج، وبنو معاوية من الأوس غيرهم، وقد قدمناه عن ابن زبالة شيخ الزبير، وقد ذكر ابن حزم في الجمهرة
стр. 164
معاوية من الأوس، وذكر بني حديلة من الخزرج، فقال وولد مالك بن النجار معاوية وأمه حديلة فنسب إليها، والظاهر أن قول القاضي «وهم من الأوس» ليس من كلام الزبير في هذا الموضع، ولكن القاضي لما رأى قوله «وهم بنو معاوية» ظن أنهم بنو معاوية من الأوس، وهذا موجب ما وقع للمطري من الخبط في هذا المحل، حيث غاير بينهما مرة وجعلهما متحدين أخرى، ولا يصح الجمع بما ذكره المراغي من احتمال أن يكون بنو معاوية بطنا أو فخذا من بني حديلة؛ لما قدمناه.
وابتنى بنو مبذول- واسمه عامر بن مالك بن النجار- أطما يقال له «السلج» وأطما كان في دار آل حييّ بن أخطب كان لبني مالك بن مبذول، وأطما كان في دار سرجس مولى الزبير التي إلى بقيع الزبير كان لآل عبيد بن النعمان أخي النعمان بن عمرو بن مبذول، وبقيع الزبير ذكر في أماكن يؤخذ منها أنه كان في شرقي الدور التي تلي قبة المسجد النبوي إلى بني زريق، وإلى بني غنم، وإلى البقال «١» كما سيأتي.
ونزل بنو عدي بن النجار دارهم المعروفة بهم غربي المسجد النبوي، على ما قاله المطري، وكان بها الأطم الذي في قبلة مسجدهم، وابتنوا أطما يقال له «أطم الزاهريرة» امرأة سكنته كان في دار النابغة عند المسجد الذي في الدار.
ونزل بنو مازن بن النجار دارهم المعروفة بهم قبلى بئر البصة، وتسمى الناحية اليوم أبو مازن، غيّرها أهل المدينة.
قال المطري: وابتنوا بها أطمين أحدهما يقال له «واسط» قلت: والذي يؤخذ من كلام ابن شبة الآتي في منازل القبائل أن منازل بني مازن كانت في قبلة المدينة شرقي منازل بني زريق قريبة منها، والله أعلم.
ونزل بنو دينار بن النجار دارهم التي خلف بطحان المعروفة بهم، وابتنوا أطما يقال له «المنيف» عند مسجدهم الذي يقال له مسجد بني دينار، قاله ابن زبالة، وقال المطري في بيان هذا المسجد: ودار بني دينار بن النجار بين دار بني حديلة ودار بني معاوية أهل مسجد الإجابة، ودار بني حديلة عند بئر حاء، اه.
ولا أدري من أين أخذ هذا، وما ذكره ابن زبالة أقرب وأولى بالاعتماد لأمور سنذكرها في بيان مسجدهم.
قال ابن زبالة: وزعم بنو دينار أنهم نزلوا أولا دار أبي جهم بن حذيفة العدوي، وكانت امرأة منهم هنالك، وكان لها سبعة إخوة، فوقفت على بئر لهم بدار أبي جهم ومعها مدرى لها من فضة فسقط منها في البئر، فصرخت بإخوتها، فدخل أولهم يخرجه
стр. 165
فأسر، فاستغاث ببعض إخوته حتى دخلوا جميعا فماتوا في تلك البئر، فهذه منازل بني النجار.
قال المطري وتبعه من بعده: إن دار النابغة المتقدمة في بني عدي كانت غربي مسجد الرسول، وهي دار بني عدي بن النجار، ومسجد الرسول ﷺ وما يليه من جهة الشرق دار بني غانم بن مالك بن النجار، ودور بني النجار بالمدينة وما حولها من الشمال إلى مسجد الإجابة، والنجار: هو تيم الله بن ثعلبة، وسمي بذلك لأنه ضرب رجلا فنجره، فقيل له: النجار، وفي دور بنيه هؤلاء قال النبي ﷺ : «خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل» وهم من الأوس كما سبق. وفي رواية أخرى: «ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى، قال: بنو عبد الأشهل، وهم رهط سعد بن معاذ، قالوا: ثم من يا رسول الله قال: ثم بنو النجار» وراويهما واحد، وقد صحتا، فاختلف عليه، وتقديم بني النجار روى عن أنس من غير اختلاف عليه، ولها مؤيدات أخرى، وهم أخوال عبد المطلب جد النبي ﷺ ، ولذلك نزل عليهم ﷺ كما سيأتي، ثم ذكر في الرواية المذكورة بعد بني عبد الأشهل بني الحارث بن الخزرج أي الأكبر «ثم بنو ساعدة» وقال في هذه الرواية أيضا «وفي كل دور الأنصار خير» وكأن المفاضلة وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلام كلمة الله.
قال ابن زبالة عقب ذكر جميع منازل الأنصار المتقدمة: ونزل بنو الشطبة حين قدموا من الشام ميطان، فلم يوافقهم، فتحولوا قريبا من جذمان، ثم تحولوا فنزلوا براتج، فهم أحد قبائل راتج الثلاث، وقد ذكر راتج في منازل يهود فقال: وكان براتج ناس من اليهود، وكان راتج أطما سميت به تلك الناحية، ثم صار لبني الجذماء، ثم صار بعد لأهل راتج الذين كانوا حلفاء بني عبد الأشهل، وهو الذي يقول له قيس بن الخطيم:
ألا إن بين الشّرعبى وراتج
البيت.
وقد قدمنا عن ابن حزم أن أهل راتج هم بنو زعورا بن جشم أخي عبد الأشهل بن جشم، وذكر أيضا أن من أهل راتج بني سعد بن مرة بن مالك بن الأوس.
وقال المطري: راتج جبيل صغير غربي وادي بطحان، وبجنبه جبيل آخر صغير يقال له: جبل بني عبيد، انتهى. وسيأتي ما ينازع فيه مع بيان أن راتجا في ناحية مسجد الراية.
стр. 166
الفصل السادس فيما كان بينهم من حرب بعاث
نقل رزين عن الشرقي أن الأوس والخزرج لبثوا بالمدينة ما شاء الله وكلمتهم واحدة، ثم وقعت بين الأوس والخزرج حروب كثيرة حتى لم يسمع قط في قوم أكثر منها ولا أطول.
الحروب قبل بعاث
أولها: حرب سمير، وسببه رجل من بني ثعلبة كان حليفا لمالك بن العجلان، قتله رجل من الأوس يقال له سمير بالمهملة مصغرا. ثم حرب كعب بن عمرو، ثم يوم السرارة، وهو موضع بين بني بياضة والحماضة، ثم يوم الديك، وهو موضع أيضا، ثم حرب بعاث، وهو كان آخرها، قتل فيه سراة الأوس والخزرج ورؤسائهم.
قلت: في كلام بعضهم أنه كان بين الأوس والخزرج وقائع من أشهرها يوم السرارة، ويوم فارع، ويوم الفجار الأول والثاني، وحرب حضير بن الأسلت، وحرب حاطب بن قيس، إلى أن كان آخر ذلك يوم بعاث، فقول الخطابي «يوم بعاث يوم مشهور كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام على ما ذكره ابن إسحاق وغيره» مؤول بأن حروب الأوس والخزرج كلها قبل بعاث وبعده مكثت هذه المدة، وإلا فهو مردود، وسيأتي تعيين تاريخ يوم بعاث.
سبب حرب بعاث
وكان سببه أن الحروب المتقدمة كلها كان الظفر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى ذهبت الأوس لتحالف قريظة، فأرسلت إليهم الخزرج: لئن فعلتم فأذنوا بحرب، فتفرقوا وأرسلوا إلى الخزرج: إنا لا نحالفهم، ولا ندخل بينكم، فقالت الخزرج لليهود: فأعطونا رهائن، وإلا فلا نأمنكم، فاعطوهم أربعين غلاما من بينهم، ففرقهم الخزرج في دورهم، فلما أيست الأوس من نصرة اليهود حالفت بطونا من الخزرج منهم بنو عمرو بن عوف، وقال سائرهم: والله لا نصالح حتى ندرك ثأرنا، فتقاتلوا، وكثر القتل في الأوس لما خذلهم قومهم، وخرج سعد بن معاذ الأشهلي، فأجاره عمرو بن الجموح الحرامي، فلما رأت الأوس أن أمرهم إلى قل عزموا على أن يكونوا حلفا للخزرج في المدينة، ثم اشتوروا في أن يحالفوا قريشا، فأظهروا أنهم يريدون العمرة، وكان بينهم أن من أراد حجا أو عمرة لم يعرض له، فأجار أموالهم بعدهم البراء بن معرور، فأتوا مكة فحالفوا قريشا، ثم جاء أبو جهل- وكان غائبا- فنقض حلف قريش بحيلة احتالها.
стр. 167
قلت: روى ابن شبة عن أفلح بن سعيد ما يخالفه في نسبة ذلك لأبي جهل مع بيان الحيلة، فقال: خرجت الأوس جالية من الخزرج حتى نزلت على قريش بمكة فحالفتها، فلما حالفتهم قال الوليد بن المغيرة: والله ما نزل قوم قط على قوم إلا أخذوا شرفهم وورثوا ديارهم، فاقطعوا حلف الأوس، فقالوا: بأي شيء؟ قال: إن في القوم حمية، قولوا لهم: إنا نسينا شيئا لم نذكره لكم، إنا قوم إذا كان النساء بالبيت فرأى الرجل امرأة تعجبه قتلها ولمسها بيده، فلما قالوا ذلك للأوس نفرت وقالوا: اقطعوا الحلف بيننا وبينكم، فقطعوه، انتهى.
فلما لم يتم لهم الحلف ذهبت النبيت إلى خيبر- قلت: أراد بالنبيت بعضهم، وهم بنو حارثة؛ لما قدمناه من أن النبيت يطلق عليهم وعلى بني عبد الأشهل وبني ظفر وبني زعورا، والذي انتقل من هؤلاء إلى خيبر هم بنو حارثة فقط كما سبق، إلا أن يريد غيره- فأقاموا بها سنة، وماتت منهم عجوز فقالوا «أهون حادث موت عجوز في سنة» فذهب مثلا، فلما رأت الخزرج أن قد ظفرت بالأوس افتخروا عليهم في أشعارهم، وقال عمرو بن النعمان البياضي: يا قوم إن بياضة بن عمرو أنزلكم منزل سوء، والله لا يمس رأسي غسلا حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير وأقتل رهنهم، وكان لهم غزار المياه وكرام النخل، وقال رجل منهم أيضا شعرا يتغنى به يذكر جلاء النبيت إلى خيبر وأخذهم الرهن من اليهود:
هلمّ إلى الأحلاف إذ رقّ عظمهم ... وإذ أصلحوا ما لا لجذمان ضائعا
إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة ... بعثنا عليهم من بني العير جادعا
فأما الصّريح منهم فتحمّلوا ... وأما اليهود فاتخذنا بضائعا
وذاك بأنا حين نلقى عدوّنا ... نصول بضرب يترك العز خاشعا
فبلغ قولهم قريظة والنضير وهم المعينون بالصريح لأنهم من بني الكاهن بن هارون، وبلغ ذلك أيضا من كان في المدينة من الأوس، فمشوا إلى كعب بن أسد القرظي، فدعوه إلى المحالفة على الخزرج، ففعل، ثم تحالفوا مع قريظة والنضير، ثم أرسلوا بذلك إلى النبيت فقدموا فأخذت الخزرج في قتل الرهن، فقال لهم كعب بن أسد القرظي: إنما هي ليلة ثم تسعة أشهر وقد جاء الخلف، وأرسلوا إلى الأوس وقالوا لههم: انهضوا إلينا، فنأتيهم بأجمعنا، فجاءت الخزرج إلى عبد الله بن أبي فقالوا: مالك لا تقتل الرهن؟ فقال:
لا أغدرهم أبدا، وأنتم البغاة، وقد بلغني أن الأوس تقول: منعونا الحياة فيمنعونا الموت، ووالله ما يموتون أو تهلكون عامتكم، فقال له عمرو بن النعمان: انتفخ والله سحرك، فقال: إني لا أحضركم، ولكأني أنظر إليك قتيلا يحملك أربعة في كساء.
стр. 168
فاجتمع الخزرج ورأسوا عليهم عمرو بن النعمان قلت: الذي ذكره ابن حزم أن رئيس الخزرج يومئذ هو والد النعمان، وهو رحيلة بن ثعلبة البياضي، والله أعلم. فاقتتلوا في بعاث، وهو موضع عند أعلى قوري، وكانت الدّبرة على الخزرج، وقتل عمرو بن النعمان، وجيء به تحمله أربعة كما قال له ابن أبي، وحلفت اليهود لتهدمن حصن عبد الله بن أبي، وكان أبو عمرو الراهب مع الأوس، وكانت تحته جميلة بنت أبي، وهي أم حنظلة الغسيل، فلما أحاطوا بالحصن قال لهم عبد الله: أما أنا فلم أحضر معهم، وهؤلاء أولادكم الذين عندي فإنني لم أقتل منهم أحدا، ونهبت الخزرج فعصوني، وكان جل من عنده من الرهن من أولاد بني النضير، ففرحوا حين سمعوا بذلك، فأجاروه من الأوس ومن قريظة، فأطلق أولادهم وحالفهم، ولم يزل حتى ردهم حلفاء الخزرج بحيل تحيّل بها، وكان رئيس الأوس في هذه الحرب حضير الذي قال له «حضير الكتائب» والد أيد بن حضير، وبها قتل، وقال خفاف بن ندبة يرثي حضيرا:
أتاني حديث فكذّبته ... وقالوا: خليلك في المرمس
فيا عين بكى حضير الندى ... حضير الكتائب والمجلس
وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي كما تقدم أيضا، قال بعضهم: وكان النصر فيها أولا للخزرج، ثم ثبّت حضير الأوس فرجعوا وانتصروا.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني أن سبب ذلك أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف، فقتل رجل من الأوس حليفا للخزرج، فأرادوا أن يقيدوه فامتنعوا، فوقعت بينهم الحرب لأجل ذلك.
وكان يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين على الأصح، وقيل: بأربعين سنة، وقيل:
بأكثر، وهو اليوم الذي تقول فيه عائشة ﵂ كما في الصحيح «كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام، فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم» يعني الأوس والخزرج، ومعناه أنه قتل فيه من أكابرهم من كان لا يؤمن أن يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام لتصلبه في أمر الجاهلية ولشدة شكيمته حتى لا يكون تحت حكم غيره، وقد كان بقي منهم من هذا النمط عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقصته في ذلك مشهورة، وكذلك أبو عامر الراهب الذي سماه النبي ﷺ بالفاسق، قال أهل السير: قدم رسول الله ﷺ المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول، كان من الخزرج ثم من بني عوف بن الخزرج ثم من بني الحبلى، لا يختلف في شرفه في قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين حتى جاء الإسلام غيره، ومعه في الأوس رجل هو في قومه من الأوس شريف مطاع أبو عامر بن
стр. 169
صيفي بن النعمان أحد بني ضبيعة بن زيد، وهو أبو حنظلة الغسيل، وكان قد ترهب ولبس المسوح، فشقيا بشرفهما: أما عبد الله بن أبي فلما انصرف عنه قومه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكا، فلما راى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق وضغن، فكان رأس المنافقين، وإليه يجتمعون، وهو القائل في غزوة بني المصطلق لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقين: ٨] وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام. وأتى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فقال: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها، فقال له رسول الله ﷺ : إنك لست عليها، قال: إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال:
الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا، فقال رسول الله ﷺ : أجل، فمن كذب ففعل الله ذلك به، فكان هو ذاك عدو الله: خرج إلى مكة مفارقا الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :
«لا تقولوا الراهب، ولكن قولوا الفاسق» فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، فمات بها طريدا غريبا وحيدا.
وروى بعضهم أنه لم يكن في الأوس والخزرج رجل أوصف لمحمد ﷺ من أبي عامر المذكور، وكان يألف اليهود ويسائلهم فيخبرونه بصفة رسول الله ﷺ ثم خرج إلى يهود تيماء وإلى الشام، فسأل النصارى فأخبروه بذلك، فرجع وهو يقول: أنا على دين الحنيفية، وترهب ولبس المسوح، وزعم أنه ينتظر خروج النبي ﷺ فلما ظهر بمكة لم يخرج إليه، فلما قدم المدينة حسد وبغى، وذكر إتيانه النبي ﷺ بنحو ما سبق، إلا أنه قال: فقال رسول الله ﷺ : «الكاذب أماته الله وحيدا طريدا» قال: آمين، ثم ذكر خروجه إلى مكة، وزاد: فكان مع قريش يتبع دينهم وترك ما كان عليه؛ فهذا مصداق ما ذكرت عائشة ﵂.
الفصل السابع في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي ﷺ وذكر العقبة الصغرى
اعلم أن تلك الحروب المتقدمة لم تزل بين الأوس والخزرج حتى أكرمهم الله باتباعه ﷺ وذلك أنه ﷺ كان يعرض نفسه في كل موسم من مواسم العرب على قبائلهم، ويقول: ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي، فيأبونه ويقولون: قوم الرجل أعلم به.
وذكر ابن إسحاق عرضه ﵊ نفسه على كندة وعلى كلب وعلى بني
стр. 170
حنيفة، قال: ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم، وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان في تلك السنين- أي التي قبل الهجرة- يعرض نفسه على القبائل، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحدا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي، فلا يقبله أحد.
وذكر الواقدي دعاءه ﷺ بني عبس إلى الإسلام، وأنه أتى غسان في منازلهم بعكاظ وبني محارب كذلك، ولم يزل ﷺ يدعو إلى دين الله، ويأمر به كل من لقيه ورآه من العرب، إلى أن قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف من الأوس، وكان يسمى «الكامل» لجلده وشعره، وهو القائل:
فرشني بخير طالما قد بريتي ... فخير الموالي من يريش ولا يبري
فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فلم يبعد ولم يجب، ثم انصرف إلى يثرب، فلم يلبث أن قتل يوم بعاث.
قال ابن إسحاق: فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا نراه قد قتل وهو مسلم، وقدم مكة أبو الحيسر أنس بن رافع وهو في فتية من قومه بني عبد الأشهل يطالبون الحلف، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال رجل منهم اسمه إياس بن معاذ وكان شابا: هذا والله خير مما قدمنا، فضربه أبو الحيسر وانتهره، فسكت، ثم لم يتم لهم الحلف، فانصرفوا إلى بلادهم، ومات إياس بن معاذ فقيل: إنه مات مسلما.
وقال رزين في ذكر هذه القصة: ثم جاءت الأوس تطلب أن تحالف قريشا، فجاءهم رسول الله ﷺ وعرض نفسه عليهم، وقال: اسمعوا مني، هل لكم في خير مما جئتم له؟
وتلا عليهم القرآن، ثم قال: بايعوني واتبعوني، فإلكم ستجمعون بي، فقال عمرو بن الجموح: هذا أي قوم والله خير لكم مما جئتم له، فانتهروه، وقالوا: ما جئنا لهذا، ولم يقبلوا عليه، ثم انصرفوا، فكانت وقعة بعاث.
وقال ابن زبالة: إنه ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل فيأبونه، حتى سمع بنفر من الأوس قدموا في المنافرة التي كانت بينهم، فأتاهم في رحالهم، فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم، وأخبرهم خبره، وقرأ عليهم القرآن، وذكر أنهم أخواله، وسألهم أن يؤووه ويمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله هذا صادق، وإنه للنبي الذي يذكر أهل الكتاب ويستفتحون به عليكم، فاغتنموه وآمنوا به، فقالوا: أنت رسول الله، قد عرفناك وآمنا بك وصدقناك، فمرنا بأمرك فإنا لن نعصيك، فسر بذلك رسول الله ﷺ وجعل يختلف إليهم، ويزدادون فيه بصيرة، ثم أمرهم ﷺ أن يدعوا قومهم إلى دينهم،
стр. 171
فسألوه أن يرتحل معهم، فقال: حتى يأذن لي ربي، فلحقوا بأهلهم المدينة، ثم شخصوا إليه في الموسم فكان من أمر العقبة ما كان، وهو مخالف لما تقدم من أن النفر من الأوس لم يقبلوا.
وقد أخرج الحاكم وغيره بإسناد حسن عن علي ﵁ قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب وخرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أبو بكر وكان نسابة، فقال: من القوم؟ قالوا: ربيعة، فذكر حديثا طويلا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرا عن الإجابة، ثم قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، وهم الذين سماهم رسول الله ﷺ الأنصار، لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ .
وقال ابن إسحاق في ذكر العقبة الأولى: لما أراد الله إظهار دينه خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج، قال: أمن موالي «١» يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وكان مما صنع الله لهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل علم وكتاب، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم في بلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: تعلموا إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، وقالوا له: إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم ليدعوا قومهم، فلما جاؤوهم لم يبق دار من دور قومهم إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ قال: وهم- يعني أصحاب العقبة الأولى- فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، كلاهما من بني غنم بن مالك بن النجار، ورافع بن مالك بن العجلان الزرقي، وقطبة بن عامر بن حديدة، وجابر بن عبد الله بن رئاب، وعقبة بن عامر بن نابي، وهؤلاء الثلاثة من بني سلمة.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود عن عروة: هم أسعد بن زرارة، ومعاذ بن عفراء وهي أمه، وهو ابن عمرو بن الجموح من بني غنم بن مالك بن النجار أيضا، ورافع بن مالك، ويزيد بن ثعلبة البلوي، ثم من بني غصينة حليفهم، وأبو الهيثم
стр. 172
مالك بن التيهان الأوسي، ثم من بني جشم أخي عبد الأشهل بن جشم، وعويم بن ساعدة الأوسي، ثم من بني أمية بن زيد، ويقال: كان فيهم عبادة بن الصامت الخزرجي ثم من بني غنم أخي سالم بن عوف، وذكوان الزرقي، فيكونون ثمانية، ومنهم من عدهم سبعة فأسقط جابر بن عبد الله أو عبد الله بن زيد، وقيل: إنما أسلم في العام الأول اثنان فقط، هما أسعد بن زرارة وذكوان.
قال ابن إسحاق في ذكر العقبة- يعني: الثانية لما قدمه، وبعضهم يسميها الأولى-:
فلما كان الموسم- يعني: من العام المقبل- وافاه منهم اثنا عشر رجلا، فذكر الستة الذين قدمهم غير جابر بن عبد الله، وزاد: ذكوان الزرقي، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة بن نضلة الغنمي السالمي الخزرجي، ومعاذ بن عفراء، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، قال: فبايعهم رسول الله ﷺ عند العقبة على بيعة النساء: أي على وفق بيعة النساء التي نزلت بعد الفتح، عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [الممتحنة: ١٢] إلى آخر الآية، ولم يكن أمر بالقتال بعد، بل كان جميع ذلك قبل نزول الفرائض ما عدا التوحيد والصلاة، وأرسل رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير ليفقههم في الدين ويعلمهم الإسلام، فكان يصلي بهم، وقيل: بعثه إليهم بعد ذلك بطلبهم ليعلمهم ويقرئهم القرآن، فكان يسمى «المقرئ» وهو أول من سمي به، فنزل على أسعد بن زرارة، وقيل:
بعث إليهم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم؛ فكان مصعب بن عمير يؤمهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض، فجمّع بهم أول جمعة في الإسلام، وفي الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير أن يجمّع بهم فجمّع بهم وكانوا اثني عشر.
قال الزهري: وعند ابن إسحاق أول من جمّع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة، وفي أبي داود من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان أبي إذا سمع الأذان للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسألته، فقال: كان أول من جمّع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون. قال البيهقي: ولا يخالف هذا ما روي عن الزهري من تجميع مصعب بن عمير بهم وأنهم كانوا اثني عشر؛ إذ مراد الزهري أنه أقام الجمعة بمعونة النفر الإثني عشر الذين بايعوا في العقبة وبعثه ﷺ في صحبتهم أو على أثرهم حين كثر المسلمون، ومنهم أسعد بن زرارة، فالزهري أضاف التجمع إلى مصعب لكونه الإمام، وكعب أضافه إلى أسعد لنزول مصعب أولا عليه ونصره له وخروجه به إلى دور الأنصار يدعوهم إلى الإسلام، وأراد الزهري بالاثني عشر عدد الذين خرجوا به، وكانوا له ظهرا، ومراد كعب جميع من صلّى معه، هذا وقول كعب متصل، وقول الزهري منقطع، اه.
стр. 173
وروى الطبراني مرسلا في خبر طويل قال فيه عن عروة: ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله؛ فإنه أدنى أن يتبع «١» ؛ فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس، ويفشو الإسلام، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا مرقا أو قريبا منها، فجلسا هنالك، وبعثا إلى رهط من أهل الأرض، فأتوهم مستخفين، فبينا مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ، فأتاهم في لأمته «٢» ومعه الرمح حتى وقف عليه فقال: غلام يأتينا في دارنا، هذا الوحيد الفريد الطريد الغريب ليسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبا منها فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فتوعدهم بوعيد دون الأول، فلما رأى أسعد منه اللين قال: يا ابن خالة، اسمع من قوله، فإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه، وإن سمعت خيرا فأجب إليه، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ١- ٣] فقال سعد: وما أسمع إلا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله، ولم يظهر أمر الإسلام حتى رجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه، وقال: من شك فيه من صغير أو كبير فليأتنا بأهدى منه، فو الله لقد جاء أمر لتحزّنّ فيه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلامه ودعائه إلا من لا يذكر فكانت أول دار من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إن بني النجار اشتدوا على أسعد بن زرارة، وأخرجوا مصعب بن عمير، فانتقل إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو ويهدي على يديه، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح، وكسرت أصنامهم، فكان المسلمون أمر أهلها، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله ﷺ اه.
وقد روى هذه القصة ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه بزيادة ونقص، فقال: إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فلما سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير- وهما يومئذ سيدا قومهما بني عبد الأشهل- وكلاهما مشرك، قال سعد لأسيد: لا أبالك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا؛ فإنه لولا أن أسعد
стр. 174
ابن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال: فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؛ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر، وتطهر ثيابك ثم تتشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام ففعل ذلك، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ، ثم انصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال:
كلمات الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك، فقام سعد مغضبا مبادرا متخوفا للذي ذكر له، فأخذ الحربة من يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما ثم قال: يا أبا أمامة، أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره، وقد قال أسعد لمصعب بن عمير أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم؟ فذكرا له ما تقدم، ففعله، ثم أقبل عامر إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، أفضلنا رأيا، وأيماننا نقبية «١» ، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام علي حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا
стр. 175
مسلما أو مسلمة، ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس ابن صيفي بن الأسلت، وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعون، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ ومضى بدر وأحد والخندق، ثم أسلموا كلهم.
وفي التأريخ الأوسط للبخاري أن أهل مكة سمعوا هاتفا يهتف قبل إسلام سعد بن معاذ:
فإن يسلم السّعدان يصبح محمد ... بمكّة لا يخشى خلاف المخالف
فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدي وتمنّيا ... على الله في الفردوس منية عارف
في أبيات أخرى.
وذكر لها رزين سببا آخر كما سيأتي، وهذا أصح، ولم يذكر ابن إسحاق في الخبر المتقدم إسلام عمرو بن الجموح، بل ذكره بعد ذكر العقبة الآتية كما سنذكره، نعم ابنه معاذ شهد العقبة.
الفصل الثامن في العقبة الكبرى
وبعضهم يسميها العقبة الثانية، ومقتضى ما قدمناه أن تسمى الثالثة.
قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين للقائهم النبي ﷺ ومبايعته في الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد: من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.
وروى ابن إسحاق وصححه ابن حبان من طريقه عن كعب بن مالك قال: خرجنا حجاجا مع مشركي قومنا، وقد صلينا وفقهنا «١» ، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا، فكذر شأن صلاته إلى الكعبة، قال: فلما وصلنا إلى مكة ولم نكن رأينا رسول الله ﷺ قبل ذلك، فسألنا عنه، فقيل: هو مع العباس في المسجد، فدخلنا فجلسنا إليه، فسأله البراء عن القبلة، ثم خرجنا إلى الحج وواعدناه العقبة، فلما كانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا ومعنا عبد الله بن عمرو والد
стр. 176
جابر. ولم يكن أسلم قبل، فعرفناه أمر الإسلام، فأسلم حينئذ وصار من النقباء «١» ، قال:
فنمنا تلك الليلة في قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ تسلل القطا مستخفين، فاجتمعنا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعين رجلا، ومعنا امرأتان: أم عمارة بنت كعب إحدى نساء بني مازن، وأسماء بنت عمر بن عدي إحدى نساء بني سلمة، قال: فجاء ومعه العباس، فتكلم فقال: إن محمدا منا من حيث علمتم، وقد منعناه، وهو في عز، وقد أبى إلا الانحياز إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وذاك، وإلا فمن الآن، قال: فقلنا:
قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم، فدعا إلى الله، وقرا القرآن، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، فقال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أصحاب الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال- يعني اليهود- حبالا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، قال: فتبسم النبي ﷺ ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم «٢» ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم، وقال رسول الله ﷺ : أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس:
فمن الخزرج أسعد بن زرارة نقيب بني النجار، وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبا بني الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق، والبراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام نقيبا بني سلمة، وعبادة بن الصامت نقيب القبائل وفي الطبراني أنه نقيب بني عدي من الخزرج، فكأنه نقيب الجميع، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو نقيبا بني ساعدة- ومن الأوس أسيد بن حضير نقيب بني عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر نقيبا بني عمرو بن عوف.
قال ابن إسحاق: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان، ولا يعدون رفاعة.
قلت: فيكون أبو الهيثم نقيبا ثانيا لبني عبد الأشهل فإنه منهم، وقد صرحوا به.
стр. 177
وجعل ﷺ النقباء على عدة الأسباط، وروى أنه نقب على النقباء أسعد بن زرارة، فتوفي بعد والمسجد النبوي يا بنى، قيل: فاجتمعت بنو النجار إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يجعل منهم شخصا بدله نقيبا عليهم، فقال لهم: أنتم أخوالي، وأنا فيكم، وأنا نقيبكم، وكره ﷺ أن يخص بها بعضهم دون بعض، فكان ذلك من فضل بني النجار الذي يعدون.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم كفالة الحواريين لعيسى بن مريم، قالوا: نعم.
وحدث عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت «١» أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على ما ذكرت لكم فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على ما قلت، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
قال عاصم: ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد في أعناقهم، وقال غيره: أراد التأخير تلك الليلة رجاء أن يحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى للأمر.
أول من بايع
قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان، وفي حديث كعب المتقدم أنه البراء ابن معرور، ثم بايع القوم.
وفي المستدرك عن ابن عباس: كان البراء بن معرور أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وعند أحمد عن جابر وعند الحاكم في الإكليل عن كعب بن مالك: قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١] الآية.
وفي حديث كعب المتقدم بعد ذكر صراخ الشيطان أن العباس بن نضلة قال للنبي
стр. 178
صلّى الله عليه وسلّم: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال ﷺ : لم أومر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، ولقد صدقوا لم يعلموه.
وفي حديث غير كعب أنهم أتوا عبد الله بن أبي، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا، وما علمته كان، وروي أن مشركي الأنصار الذين حجوا في ذلك العام كانوا خمسمائة نفر، وأن أهل العقبة كانوا سبعين نفرا.
عدة أهل البيعة
وفي لفظ عن ابن إسحاق: من الأوس أحد عشر رجلا: ومن القبائل أربعة نفر حلفاء الخزرج، وكان من بني الحارث بن الخزرج اثنان وستون رجلا، فكأنه أدخل في الخزرج حلفاءهم الأربعة، وإلا فتزيد العدة على ثلاثة وسبعين أربعة.
وروى رزين أن أهل العقبة كانوا سبعين رجلا وامرأتان؛ فإنه روى حديث العقبة هذه عن عبادة بن الصامت بنحو حديث كعب المتقدم، فقال: قال عبادة بن الصامت: فلما كان العام المقبل أتينا رسول الله ﷺ ونحن سبعون رجلا وامرأتان من قومنا، فواعدنا رسول الله ﷺ عند مسجد شعب العقبة، عن يسارك وأنت ذاهب إلى منى، فلما توافينا عنده جاء رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس، وقال: يا معشر الخزرج، وهذا الاسم يغلب على الأوس والخزرج جميعا إذ ذاك، إن محمدا منا حيث علمتم، وقد منعناه كما بلغكم، فإن كنتم تعلمون أنكم تقدرون على منعه، وإلا فذروه فهو مع قومه في عز ومنعة، فقام البراء بن معرور فقال: قد سمعنا ما قلت، وإنا ما ضربنا إليه أكباد الإبل إلا وقد علمنا أنه نبي، فبايعنا يا رسول الله، واشترط لنفسك ولربك ما شئت، فحمد الله رسول الله ﷺ ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، فأخذ البراء بيده، وقال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، ونحن أهل الحلقة والحصون والحروب، فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نصرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فقال رسول الله ﷺ : بل الدم الدم والهدم الهدم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، وأحارب من حاربكم، وأسالم من سالمكم، أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونوا نقباء على الناس، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من
стр. 179
الأوس، فبينما هم في ذلك إذ صرخ الشيطان يقول: يا أهل الجباجب، وهي المنازل، هل لكم في الصبأة «١» قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله ﷺ هذا أزب العقبة لأفرغن لك أي عدو الله، ارجعوا إلى رحالكم، نصركم الله، فقال له العباس بن عبادة بن نضلة:
والذي بعثك بالحق نبيا لئن شئت لنميلن بأسيافنا غدا علي مني، فقال له: لم أومر بذلك، ثم ذكر قصة كلام قريش في ذلك وحلف مشركي قومهم لهم عن ذلك، قال: ثم إنهم قالوا لرسول الله ﷺ : أتخرج معنا؟ قال: ما أمرت به.
قال رزين: وقد قيل إنه وقع بين قريش والأنصار كلام في سبب خروج النبي ﷺ معهم، ثم ألقي الرعب في قلوب قريش فقالوا: ليس يخرج معكم إلا في بعض أشهر السنة، ولا يتحدث العرب بأنكم غلبتمونا، فقالت الأنصار: الأمر في ذلك لرسول الله ﷺ ونحن سامعون لأمره، فأنزل الله على رسوله وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٢] أي: إن كان كفار قريش يريدون المكر بك فسيمكر الله بهم، فانصرفت الأنصار إلى المدينة.
وقيل: إن قريشا بدا لهم فخرجوا في آثارهم، فأدركوا منهم رجلين كانا تخلفا في أمر، فردوهما إلى مكة: المنذر، وعباس بن عبادة، فأدركهما جبير بن مطعم والحارث بن أمية، فخلصاهما ولحقا أصحابهما.
قلت: والذي ذكره غيره أن الرجلين هما المنذر وسعد بن عبادة، فأما المنذر فأعجز القوم ونجا، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير، ثم خلصه منهم جبير بن مطعم والحارث بن أمية؛ لأنه كان يجير لهما تجارهما ويمنعهم أن يظلموا ببلده.
إسلام عمرو بن الجموح
وذكر رزين عقب ما تقدم عنه إسلام عمرو بن الجموح كما ذكره أهل السير عقب ذلك أيضا، وكان عمرو شيخا كيرا من سادات بني سلمة، وشهد معاذ ابنه العقبة، وكان لعمرو في داره صنم من خشب يعبده يدعى مناة، فكان معاذ ابنه ومعاذ بن جبل وفتيان بني سلمة يدلجون بالليل على صنم عمرو فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح قال عمرو: من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه، حتى إذ وجده غسله وطيبه ثم يقول: والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزيته، فتكرر ذلك، فطهره يوما وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله لا أعلم من يصنع بك
стр. 180
ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما نام أخذوا السيف وقرنوا كلبا ميتا بالصنم بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر، فلم يجده عمرو في مكانه، فخرج حتى وجده كذلك، فلما أبصر ما به وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه، وقال في ذلك:
والله لو كنت إلاها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
أفّ لملقاك إلاها مستدن ... الآن فتّشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الرزاق ديّان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
الفصل التاسع في هجرة النبي ﷺ إليها
رؤيا النبي ﷺ دار هجرته
روينا في الصحيحين حديث «رأيت أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» ووقع للبيهقي من حديث صهيب «أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين، فإما أن يكون هجر أو يثرب» ولم يذكر اليمامة، وللترمذي من حديث جرير «أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك، المدينة أو البحرين أو قنسرين» واستغربه، وفيه نظر؛ لمخالفته لما في الصحيح من ذكر اليمامة، وأما هجر فيصح التعبير بها عنها لكونها من بلاد البحرين، وأما قنسرين فهي من أرض الشام، ويحتمل أن يكون أري ما في الصحيح وأوحى إليه بالتخيير قبل أو بعد، فاختار المدينة.
وقال ابن التين: أري النبي ﷺ أولا دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعينت.
إذن النبي ﷺ لأصحابه في الهجرة
ثم أذن النبي ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى المدينة، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج، فتوجه بين العقبتين جماعة منهم ابن أم مكتوم، ويقال: إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة، وذلك أنه أوذي لما رجع من الحبشة، فعزم على الرجوع إليهما، ثم بلغة قصة الاثني عشر من الأنصار فتوجه إلى المدينة، فقدمها بكرة، وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية، ثم توجه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الأنصار كما تقدم، ثم توالى خروجهم بعد العقبة الأخيرة، فخرجوا أرسالا: