جابر. ولم يكن أسلم قبل، فعرفناه أمر الإسلام، فأسلم حينئذ وصار من النقباء «١» ، قال:
فنمنا تلك الليلة في قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ تسلل القطا مستخفين، فاجتمعنا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعين رجلا، ومعنا امرأتان: أم عمارة بنت كعب إحدى نساء بني مازن، وأسماء بنت عمر بن عدي إحدى نساء بني سلمة، قال: فجاء ومعه العباس، فتكلم فقال: إن محمدا منا من حيث علمتم، وقد منعناه، وهو في عز، وقد أبى إلا الانحياز إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وذاك، وإلا فمن الآن، قال: فقلنا:
قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم، فدعا إلى الله، وقرا القرآن، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، فقال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أصحاب الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال- يعني اليهود- حبالا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، قال: فتبسم النبي ﷺ ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم «٢» ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم، وقال رسول الله ﷺ : أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس:
فمن الخزرج أسعد بن زرارة نقيب بني النجار، وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبا بني الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق، والبراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام نقيبا بني سلمة، وعبادة بن الصامت نقيب القبائل وفي الطبراني أنه نقيب بني عدي من الخزرج، فكأنه نقيب الجميع، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو نقيبا بني ساعدة- ومن الأوس أسيد بن حضير نقيب بني عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر نقيبا بني عمرو بن عوف.
قال ابن إسحاق: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان، ولا يعدون رفاعة.
قلت: فيكون أبو الهيثم نقيبا ثانيا لبني عبد الأشهل فإنه منهم، وقد صرحوا به.
стр. 177
وجعل ﷺ النقباء على عدة الأسباط، وروى أنه نقب على النقباء أسعد بن زرارة، فتوفي بعد والمسجد النبوي يا بنى، قيل: فاجتمعت بنو النجار إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يجعل منهم شخصا بدله نقيبا عليهم، فقال لهم: أنتم أخوالي، وأنا فيكم، وأنا نقيبكم، وكره ﷺ أن يخص بها بعضهم دون بعض، فكان ذلك من فضل بني النجار الذي يعدون.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم كفالة الحواريين لعيسى بن مريم، قالوا: نعم.
وحدث عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت «١» أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على ما ذكرت لكم فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على ما قلت، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
قال عاصم: ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد في أعناقهم، وقال غيره: أراد التأخير تلك الليلة رجاء أن يحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى للأمر.
أول من بايع
قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان، وفي حديث كعب المتقدم أنه البراء ابن معرور، ثم بايع القوم.
وفي المستدرك عن ابن عباس: كان البراء بن معرور أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وعند أحمد عن جابر وعند الحاكم في الإكليل عن كعب بن مالك: قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١] الآية.
وفي حديث كعب المتقدم بعد ذكر صراخ الشيطان أن العباس بن نضلة قال للنبي
стр. 178
صلّى الله عليه وسلّم: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال ﷺ : لم أومر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، ولقد صدقوا لم يعلموه.
وفي حديث غير كعب أنهم أتوا عبد الله بن أبي، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا، وما علمته كان، وروي أن مشركي الأنصار الذين حجوا في ذلك العام كانوا خمسمائة نفر، وأن أهل العقبة كانوا سبعين نفرا.
عدة أهل البيعة
وفي لفظ عن ابن إسحاق: من الأوس أحد عشر رجلا: ومن القبائل أربعة نفر حلفاء الخزرج، وكان من بني الحارث بن الخزرج اثنان وستون رجلا، فكأنه أدخل في الخزرج حلفاءهم الأربعة، وإلا فتزيد العدة على ثلاثة وسبعين أربعة.
وروى رزين أن أهل العقبة كانوا سبعين رجلا وامرأتان؛ فإنه روى حديث العقبة هذه عن عبادة بن الصامت بنحو حديث كعب المتقدم، فقال: قال عبادة بن الصامت: فلما كان العام المقبل أتينا رسول الله ﷺ ونحن سبعون رجلا وامرأتان من قومنا، فواعدنا رسول الله ﷺ عند مسجد شعب العقبة، عن يسارك وأنت ذاهب إلى منى، فلما توافينا عنده جاء رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس، وقال: يا معشر الخزرج، وهذا الاسم يغلب على الأوس والخزرج جميعا إذ ذاك، إن محمدا منا حيث علمتم، وقد منعناه كما بلغكم، فإن كنتم تعلمون أنكم تقدرون على منعه، وإلا فذروه فهو مع قومه في عز ومنعة، فقام البراء بن معرور فقال: قد سمعنا ما قلت، وإنا ما ضربنا إليه أكباد الإبل إلا وقد علمنا أنه نبي، فبايعنا يا رسول الله، واشترط لنفسك ولربك ما شئت، فحمد الله رسول الله ﷺ ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، فأخذ البراء بيده، وقال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، ونحن أهل الحلقة والحصون والحروب، فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نصرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فقال رسول الله ﷺ : بل الدم الدم والهدم الهدم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، وأحارب من حاربكم، وأسالم من سالمكم، أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونوا نقباء على الناس، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من
стр. 179
الأوس، فبينما هم في ذلك إذ صرخ الشيطان يقول: يا أهل الجباجب، وهي المنازل، هل لكم في الصبأة «١» قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله ﷺ هذا أزب العقبة لأفرغن لك أي عدو الله، ارجعوا إلى رحالكم، نصركم الله، فقال له العباس بن عبادة بن نضلة:
والذي بعثك بالحق نبيا لئن شئت لنميلن بأسيافنا غدا علي مني، فقال له: لم أومر بذلك، ثم ذكر قصة كلام قريش في ذلك وحلف مشركي قومهم لهم عن ذلك، قال: ثم إنهم قالوا لرسول الله ﷺ : أتخرج معنا؟ قال: ما أمرت به.
قال رزين: وقد قيل إنه وقع بين قريش والأنصار كلام في سبب خروج النبي ﷺ معهم، ثم ألقي الرعب في قلوب قريش فقالوا: ليس يخرج معكم إلا في بعض أشهر السنة، ولا يتحدث العرب بأنكم غلبتمونا، فقالت الأنصار: الأمر في ذلك لرسول الله ﷺ ونحن سامعون لأمره، فأنزل الله على رسوله وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٢] أي: إن كان كفار قريش يريدون المكر بك فسيمكر الله بهم، فانصرفت الأنصار إلى المدينة.
وقيل: إن قريشا بدا لهم فخرجوا في آثارهم، فأدركوا منهم رجلين كانا تخلفا في أمر، فردوهما إلى مكة: المنذر، وعباس بن عبادة، فأدركهما جبير بن مطعم والحارث بن أمية، فخلصاهما ولحقا أصحابهما.
قلت: والذي ذكره غيره أن الرجلين هما المنذر وسعد بن عبادة، فأما المنذر فأعجز القوم ونجا، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير، ثم خلصه منهم جبير بن مطعم والحارث بن أمية؛ لأنه كان يجير لهما تجارهما ويمنعهم أن يظلموا ببلده.
إسلام عمرو بن الجموح
وذكر رزين عقب ما تقدم عنه إسلام عمرو بن الجموح كما ذكره أهل السير عقب ذلك أيضا، وكان عمرو شيخا كيرا من سادات بني سلمة، وشهد معاذ ابنه العقبة، وكان لعمرو في داره صنم من خشب يعبده يدعى مناة، فكان معاذ ابنه ومعاذ بن جبل وفتيان بني سلمة يدلجون بالليل على صنم عمرو فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح قال عمرو: من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه، حتى إذ وجده غسله وطيبه ثم يقول: والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزيته، فتكرر ذلك، فطهره يوما وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله لا أعلم من يصنع بك
стр. 180
ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما نام أخذوا السيف وقرنوا كلبا ميتا بالصنم بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر، فلم يجده عمرو في مكانه، فخرج حتى وجده كذلك، فلما أبصر ما به وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه، وقال في ذلك:
والله لو كنت إلاها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
أفّ لملقاك إلاها مستدن ... الآن فتّشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الرزاق ديّان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
الفصل التاسع في هجرة النبي ﷺ إليها
رؤيا النبي ﷺ دار هجرته
روينا في الصحيحين حديث «رأيت أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» ووقع للبيهقي من حديث صهيب «أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين، فإما أن يكون هجر أو يثرب» ولم يذكر اليمامة، وللترمذي من حديث جرير «أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك، المدينة أو البحرين أو قنسرين» واستغربه، وفيه نظر؛ لمخالفته لما في الصحيح من ذكر اليمامة، وأما هجر فيصح التعبير بها عنها لكونها من بلاد البحرين، وأما قنسرين فهي من أرض الشام، ويحتمل أن يكون أري ما في الصحيح وأوحى إليه بالتخيير قبل أو بعد، فاختار المدينة.
وقال ابن التين: أري النبي ﷺ أولا دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعينت.
إذن النبي ﷺ لأصحابه في الهجرة
ثم أذن النبي ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى المدينة، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج، فتوجه بين العقبتين جماعة منهم ابن أم مكتوم، ويقال: إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة، وذلك أنه أوذي لما رجع من الحبشة، فعزم على الرجوع إليهما، ثم بلغة قصة الاثني عشر من الأنصار فتوجه إلى المدينة، فقدمها بكرة، وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية، ثم توجه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الأنصار كما تقدم، ثم توالى خروجهم بعد العقبة الأخيرة، فخرجوا أرسالا:
стр. 181
منهم عمر بن الخطاب، وأخوه زيد، وطلحة بن عبيد الله، وصهيب، وحمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان بن عفان، وغيرهم، حتى لم يبق معه ﷺ بمكة إلا علي بن أبي طالب والصديق ﵄، كذا قاله ابن إسحاق وغيره، والظاهر أن المراد لم يبق من أعيانهم؛ لما روي من أن من كان بمكة ممن يطيق الخروج من المسلمين خرجوا بعد خروجه ﷺ من مكة، فطلبهم أبو سفيان وغيره من المشركين، فردوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس؛ ففي هذا دلالة على بقاء جماعة غير الصديق وعلي ﵄ مع النبي ﷺ حينئذ، فلما رأت قريش ذلك علموا أن أصحابه قد أصابوا منعة، ونزلوا دارا، فحذروا «١» خروج رسول الله ﷺ إليهم، فاجتمعوا بدار الندوة ليأتمروا في أمر رسول الله ﷺ وفيهم أبو جهل، وزعم ابن دريد في الوشاح أنهم كانوا أنهم كانوا خمسة عشر رجلا، وفي المولد لابن دحية كانوا مائة رجل، وجاءهم إبليس في صورة شيخ نجدي فقال: أدخلوني معكم، فلن تعدموا مني رأيا، فأدخلوه، فقال بعضهم: نخرجه من بين أظهرنا، وقال آخرون: بل نحبسه ولا يطعم حتى يموت، فقال أبو جهل: قد رأيت أصلح من رأيكم: أن يعطى خمس رجال من خمس قبائل سيفا سيفا فيضربونه ضربة رجل، فيتفرق دمه في هذه البطون، فلا يقدر لكم بنو هاشم على شيء، فقال النجدي: لا أرى غير هذا، فأخبر جبريل النبي ﷺ فأنزل الله على نبيه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] فقال النبي ﷺ لعلي: نم على فراشي وتسجّ ببردي فلن يخلص إليك منهم أمر، فترد هذه الودائع إلى أهلها، لأن كفار قريش كانت تودع عنده لأمانته، وكان اسمه عندهم الأمين الصادق، وأتى النبي ﷺ أبا بكر الصديق فأعلمه، وقال: قد أذن لي، فقال: الصحبة يا رسول الله، وكان إنما حبس نفسه عليه لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما ذكر لأصحابه رؤياه المتقدمة هاجر من هاجر منهم قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له النبي ﷺ : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال له:
وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم، فحبس نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وكان عمر قد تقدم إلى المدينة، وعلف أبو بكر راحلتين كانت عنده الخبط «٢» أربعة أشهر، فعرض على النبي ﷺ إحداهما، فقال: بالثمن، وفي رواية ابن إسحاق قال: لا أركب بعيرا ليس هو لي، فقال: فهو لك، قال: لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به، قال: أخذتها
стр. 182
بكذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال: هي لك، والحكمة فيه- كما أفاده بعضهم- أنه ﷺ أحب ألاتكون هجرته إلا من مال نفسه، وذكر ابن إسحاق أن الناقة التي أخذها هي الجدعاء، وأنها كانت من إبل بني الحريش، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان، وأنها الجدعاء، وأفاد الواقدي أن الثمن كان ثمان مائة درهم، وأن المأخوذة هي القصوى، وأنها كانت من نعم بني قشير، وأنها عاشت حتى ماتت في خلافة الصديق، وكانت مرسلة ترعى في النقيع، وفي طبقات ابن سعد أن ثمنها ثمان مائة درهم، اشتراها أبو بكر من نعم بني قشير، وأخذ النبي ﷺ منه القصوى بثمنها، وسيأتي من رواية يحيى الحسيني أيضا أنها القصوى، وجاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ أذن له في الهجرة إلى المدينة بقوله تعالى:
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء:
٨٠] أخرجه الترمذي وصححه هو والحاكم، فذهب أبو بكر إلى عبد الله بن أريقط قاله ابن عقبة. وفي تهذيب ابن هشام «عبد الله بن أرقد» وفي رواية الأموي عن ابن إسحاق «ابن أريقد» وفي الغنية عن مالك اسمه «رقيط من بني الديل من كنانة» فاستأجره، وكان هاديا خرّيتا «١» : أي ماهرا بالهداية، وكان على دين الكفار. قال النووي: لا نعلم له إسلاما، فأمره أن يأتيهما بعد ثلاث في غار ثور، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله، فجاءه علي ﵁، واجتمعت قريش على باب الدار ليقتلوه بزعمهم، فقال لهم أبو جهل: لا تقتلوه حتى يجتمعوا، يعني الخمسة من القبائل الخمس، وجعل يقول لهم: هذا محمد كان يزعم لكم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم، ويكون لكم في الآخرة جنات تأكلون منها، وإن لم تتابعوه يكون له فيكم ذبح في الدنيا، ويوم القيامة نار تحرقون فيها، فقال رسول الله ﷺ : نعم والله كذا أقول، وكذا يكون، وأنت أحدهم، ثم أخذ حفنة من تراب فرماها في وجوههم، فأخذ على أبصارهم ولم على أصمختهم فجعل على رأس كل رجل منهم ترابا وهو يقرأ أول سورة يس يستتر بها منهم إلى «فهم لا يبصرون» وتلا: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [الإسراء:
٤٥] ثم أتى منزل أبي بكر، فخرجا من خوخة كانت له، وأتيا غار ثور، وأقام المشركون ساعة، فجعلوا يتحدثون، فجاءهم رجل كان إذ ذاك بعيدا منهم فقال لهم: وما تنتظرون؟
فقالوا: أن نصبح فنقتل محمدا، قال: قبحكم الله وخيبكم، أو ليس قد خرج عليكم وجعل على رؤوسكم التراب، قال أبو جهل: أو ليس هو ذاك مسجى ببرده؟ الآن كلمنا، فلما أصبحوا قام علي من الفراش، فقال أبو جهل: صدقنا ذلك المخبر، فاجتمعت قريش،
стр. 183
وأخذت الطرق، وجعلت الجعائل «١» لمن جاء به، فانصرفت أعينهم ولم يجدوا شيئا، فجاء الديلي بعد ثلاث بالراحلتين، ولا ينافي هذا ما وقع في رواية هشام بن عروة عند ابن حبان حيث قال: فركبا حتى أتيا الغار فتواريا؛ لاحتمال أنهما ركبا غير هاتين الراحلتين، أو هما ثم ذهب بهما عامر بن فهيرة إلى الديلي.
وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب في الحديث المتقدم أن عليا رقد على فراش رسول الله ﷺ يوري عنه، وباتت قريش تحلف وتأتمر، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى أصبحوا فإذا بعلي، فسألوه فقال: لا علم لي، فعلموا أنه فر منهم.
وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية فذكر تشاور قريش ثم قال: فبات علي على فراشه ﷺ وخرج هو حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه رسول الله ﷺ يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه، فلما أصبحوا ورأوا عليا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال:
لا أدري، فاقتصّوا أثره «٢» ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال، وذكر نحوه موسى بن عقبة عن الزهري، وكله مقتض لأن الخروج إلى الغار كان في بقية تلك الليلة، وكان ذلك بعد العقبة شهرين وليال، وقال الحاكم: بثلاثة أشهر أو قريبا منهم، ويرجح الأول ما جزم به ابن إسحاق من أنه خرج أول يوم من ربيع الأول؛ فيكون بعد العقبة بشهرين وبضعة عشر يوما، وكذا جزم به الأموي، فقال: خرج لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثني عشر خلت منه، وعلى هذا كان خروجه يوم الخميس، وهو الذي ذكره محمد بن موسى، لكن قال الحاكم: تواترت الأخبار بأن الخروج كان يوم الإثنين، وجمع الحافظ ابن حجر بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس: أي في أثناء ليلته لما قدمناه، وخروجه من الغار- يعني غار ثور- ليلة الإثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال، ومن روى ليلتين لعله لم يحسب أول ليلة، وأما حديث الحاكم «لبثت مع صاحبي» يعني: أبا بكر «في الغار بضعة عشر يوما، ما لنا طعام إلا ثمر البرير» أي الأراك، فقال الحاكم: معناه مكثنا مختفين من الكفار في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما، وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنها قصة أخرى، لما في الصحيح من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن، وكذا قصة نزولهما بخيمة أم معبد، وغير ذلك، وكان مدة مقامه ﷺ بمكة بعد النبوة بضع عشر سنة. وقال عروة:
стр. 184
عشرا، وقال ابن عباس: خمس عشر سنة، وفي رواية عنه: ثلاث عشرة، ولم يعلم بخروجه إلا علي وآل أبي بكر، وكان من قصة نسج العنكبوت وغيره من أمر الغار ما كان، وانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، ومعهما عامر بن فهيرة يخدمهما يردفه أبو بكر ويعقبه، والدليل، فأخذ بهم في أسفل مكة حتى أتى بهما طريق السواحل أسفل من عسفان، ثم عارض الطريق على أمج «١» ، ثم نزل من قديد خيام أم معبد الخزاعية من بني كعب، وبقية المنازل إلى قباء ذكرها ابن زبالة، وقد أوضحناه في الأصل، واتفق في مسيرهم قصة سراقة عارضهم يوم الثلاثاء بقديد على ما ذكره ابن سعد وغيرها من القصص المشتملة على الآيات البينات.
قال رزين: وأقامت قريش أياما لا يدرون أين أخذ محمد ﷺ فسمعوا صوتا على أبي قبيس وهو يقول:
فإن يسلم السّعدان يصبح محمد ... من الأمن لا يخشى خلاف المخالف
فقالت قريش: لو علمنا من السعدان، فقال:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتبوّآ ... من الله في الفردوس زلفة عارف
فعلموا إذ ذاك أنه أخذ طريق المدينة.
قلت: والأقرب ما تقدم من إنشاد هذه الأبيات قبل ذلك؛ لأن السعدين كانا قد أسلما قبل، ثم سمعوا قائلا بأسفل مكة لا يرى يقول:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا: خيمتي أم معبد
قصة أم معبد
قلت: وروى هذا مع الأبيات الآتية مما سمع حينئذ، وقيل: سمعوا هاتفا على أبي قبيس يقول:
جزى الله خيرا والجزاء بكفه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
هما رحلا بالحقّ وانتزلا به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذله ... وأعطى لرأس السانح المتجدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
وكان رسول الله ﷺ قد مرّ بأم معبد، فاستسقاها لبنا، فقالت: ما عندنا من لبن،
стр. 185
ونحن في سنة «١» ، فنظر إلى شاة قد نحلت عجفاء من الهزال، فقال: قرّبي لي هذه الشاة، فقربتها، فمسح ضرعها بيده المباركة وسمّى ودعا، ثم قال: هات قدحا، فجاءت بقدح، فحلب فيه حتى امتلأ، فأمر أبا بكر أن يشرب، فقال: بل أنت فاشرب يا رسول الله، قال: ساقي القوم آخرهم شربا، فشرب أبو بكر، ثم حلب فشرب رسول الله ﷺ ثم حلب فشربت أم معبد، ثم حلب فقال: ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك، ثم ركبوا وساروا، فلما أتى أبو معبد أخبرته بما رأت، وسقته اللبن، فعلم أنه رسول الله ﷺ فركب راحلته وخرج في أثره يطلب أن يسلم، فقيل: إنه قال في طريقه:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسودد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشّاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد
وقال الشرقي: بلغني أن أبا معبد أدركهما ببطن ريم، فبايع رسول الله ﷺ وانصرف.
قلت: وذكر غير رزين هذه الأبيات كلها فيما سمع بأسفل مكة من القائل الذي لا يدرون، فلما سمع حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ بذلك جعل يجاوب الهاتف ويقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدّس من يسري إليهم ويغتدي
ترحّل عن قوم فضلت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم ... وأرشدهم؛ من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلّال قوم تسكعوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتد «٢»
لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى رحلّت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد
ليهن أبا بكر سعادة جدّه ... بصحبته؛ من يسعد الله يسعد
стр. 186
خروج أبي بريدة لاستقبال الرسول ﷺ
قال أبو سليمان الخطابي: لما شارف النبي ﷺ المدينة لقيه بريدة الأسلمي في سبعين من قومه بني أسلم، فقال: من أنت؟ قال: بريدة فقال لأبي بكر: برد أمرنا وصلح، ثم قال: ممن؟ قال: من أسلم، قال: سلمنا، ثم قال: ممن؟ قال: من بني سهم، قال:
خرج سهمنا «١» .
وقد روى ابن الجوزي في شرف المصطفى من طريق البيهقي موصولا إلى بريدة قال: كان النبي ﷺ لا يتطير، وكان يتفاءل، وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ نبي الله ﷺ فيرده إليهم حين توجه إلى المدينة، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فلقي نبي الله ﷺ فقال نبي الله ﷺ : من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت النبي ﷺ إلى أبي بكر الصديق ﵁ فقال: يا أبا بكر، برد أمرنا وصلح، ثم قال ﷺ : ممن أنت؟ قال: من أسلم، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: ممن؟
قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فقال بريدة للنبي ﷺ : من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة: أشهد ألاإله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا، فلما أصبح قال بريدة للنبي ﷺ :
لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، فحل عمامته ثم شدّها في رمح ثم مشى بين يديه ﷺ فقال: يا رسول الله تنزل على من؟ فقال النبي ﷺ : إن ناقتي هذه مأمورة، قال بريدة:
الحمد لله الذي أسلمت بنو سهم طائعين.
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض.
وروى أن طلحة كان قدم من الشام ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه، فلبس منها النبي ﷺ وأبو بكر.
قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل: أن كلا من طلحة والزبير أهدى لهما، والذي في السّير هو طلحة؛ فالأولى الجمع، وعند ابن أبي شيبة ما يؤيده، وإلا فما في الصحيح أصح.
стр. 187
الفصل العاشر في دخوله ﷺ أرض المدينة، وتأسيس مسجد قباء
كان المسلمون بالمدينة قد سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة أول النهار فينتظرونه، فما يردهم إلا حرّ الشمس، فبعد أن رجعوا يوما أو في رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا بني قيلة- يعني الأنصار- وفي رواية: يا معشر العرب، هذا جدكم، يعني حظكم- وفي رواية: صاحبكم الذي تنتظرونه- فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقّوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء على كلثوم بن الهدم، قيل: وكان يومئذ مشركا، وبه جزم ابن زبالة، وقال رزين: نزل في ظل نخلة، ثم انتقل منها إلى دار كلثوم أخي بني عمرو بن عوف، وفي «أخبار المدينة» ليحيى الحسيني جد أمراء المدينة اليوم في النسخة التي رواها ابنه طاهر بن يحيى عنه من طريق محمد بن معاذ، قال: حدثنا مجمّع بن يعقوب عن أبيه وعن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قالا: صلى رسول الله ﷺ بظهر حرّتنا، ثم ركب فأناخ إلى عذق عند بئر غرس قبل أن تبزغ الشمس وما يعرف رسول الله ﷺ من أبي بكر، عليهما ثياب متشابهة، فجعل الناس يقفون عليهم حتى بزغت الشمس من ناحية أطمهم الذي يقال له «شنيف» فأمهل أبو بكر ساعة حتى خيل إليه أنه يؤذي رسول الله ﷺ بحر الشمس، فقام فستر على رسول الله ﷺ بردائه، فعرف القوم رسول الله ﷺ فجعلوا يأتون فيسلمون على رسول الله ﷺ قلت لمجمّع بن يعقوب: إن الناس يرون أنه جاء بعدما ارتفع النهار وأحرقتهم الشمس، قال مجمع: هكذا أخبرني أبي وسعيد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ما بزغت الشمس إلا وهو جالس في منزله ﷺ .
قلت: ولم أر هذا الخبر في النسخة التي رواها ولد ابن يحيى عن جده، وقوله «عند بئر غرس» الظاهر أنه تصحيف، ولعله «بئر عذق» لبعد بئر غرس من منزله ﷺ بقباء، بخلاف بئر عذق، وإلا فهو قادح فيما يعرفه الناس اليوم من أن بئر غرس هي هي المعروفة بمحلها الآتي بيانه.
وفي كتاب يحيى أيضا عن محمد بن إسماعيل بن مجمّع قال: لما نزل رسول الله ﷺ على كلثوم بن الهدم هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة قال: يا نجيح، لمولى له، فقال رسول الله ﷺ والتفت إلى أبي بكر: أنجحت، أو أنجحنا، فقال: أطعمنا رطبا، قال:
стр. 188
فأتوا بقنو من أم جرذان فيه رطب منصف وفيه زهو «١» ، فقال ﷺ : ما هذا؟ قال: عذق أم جرذان، فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك في أم جرذان، وقد أخرجه أبو سعيد في شرف المصطفى من طريق الحاكم، وقال قوم بمنزله ﷺ على سعد بن خيثمة. وقد رواه يحيى أيضا، قال رزين: والأول أصح اه.
اختلاف العلماء في تاريخ مقدمة المدينة
وقال الحاكم: إنه الأرجح، قال: وقد قاله ابن شهاب وهو أعرف بذلك من غيره، وقال بعضهم: كان سعد عزبا، فكان ﷺ يجلس مع أصحابه في بيته، فلذلك قيل: إنه نزل عنده، ويشهد له ما نقله ابن الجوزي عن ابن حبيب الهاشمي قال: نزل النبي ﷺ على كلثوم، وكان يتحدث في منزل سعد بن خيثمة، ويسمى «منزل العزاب» وفي الصحيح:
فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم «٢» ذات اليمين حتى ينزل بهم في بني عمرو بن عوف، وفي رواية له: علو المدينة وقباء معدودة من العالية، وكأن حكمته التفاؤل له ولدينه بالعلو، وذلك يوم الإثنين نهارا عند الأكثر، قال الحافظ ابن حجر: وهو المعتمد، وشذ من قال يوم الجمعة. قلت: لعل مراد هذا القائل القدوم الآتي للمدينة نفسها بعد الخروج من قباء، وقيل: ليلة الإثنين؛ لقوله في مسلم «ليلا» قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل، فدخل نهارا. قلت: وفيه نظر، وكان ذلك أول ربيع الأول على ما رواه موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وقيل: لثمان خلون منه. وفي الإكليل عن الحاكم: تواترت الأخبار بذلك، وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق:
قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عن أبي معشر، ولكن قال: ليلة الإثنين، ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه حين اشتد الضحى، وهذا ما جزم به الكلبي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر. وحكاه ابن الجوزي في شرف المصطفى عن الزهري فقال: قال الزهري: قدم رسول الله ﷺ يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وبه جزم النووي في السّير من الروضة، وكذا ابن النجار، ونقل المراغي هذا عن النووي وابن النجار فقط، وتعجب من عدم موافقته لشيء من الأقوال، وكأنه فهم أن مرادهما المدينة نفسها بعد الخروج من قباء، وليس ذلك مرادهما؛ فإن ابن النجار عبر بقوله: فعدل بهم رسول الله ﷺ ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين لاثني عشر من شهر ربيع الأول، وأما النووي وإن عبر بالمدينة فليس مراده
стр. 189
سوى ذلك، والعلماء كلهم يطلقون على ذلك قدوم المدينة. وفي شرف المصطفى لابن الجوزي عن ابن عباس ﵄ قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ يوم الإثنين، ورفع الحجر يوم الإثنين، وخرج مهاجرا من مكة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وقبض يوم الإثنين. وفي روضة الأقشهري: قال ابن الكلبي: خرج من الغار ليلة الإثنين أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. قال أبو عمر: وهو قول ابن إسحاق إلا في تسمية اليوم. وعند أبي سعيد في شرف المصطفى من طريق أبي بكر بن حزم: قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول، وهذا الجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال. وعنده من حديث عمر: ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول، ولعل الرواية خلتا ليوافق ما تقدم. ونقل ابن زبالة عن ابن شهاب أن ذلك كان في النصف من ربيع الأول، وقيل:
كان قدومه في سابعه، وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي إنه خرج من الغار ليلة الإثنين أول يوم من ربيع الأول، فإن كان محفوظا فلعل قدومه قباء كان يوم الإثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضم ذلك إلى ما سيأتي عن أنس أنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة خرج منه أن دخوله المدينة نفسها كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه؛ فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان؛ فإنه قال: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني وخرج يوم الجمعة، فلم يعتد بيوم الخروج، وكذا قال موسى بن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليال؛ فكأنه لم يعد يوم الدخول ولا الخروج. وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يوما، حكاه ابن زبالة. وفي البخاري من حديث أنس «أقام فيهم أربع عشرة ليلة» وهو المراد في رواية عائشة بقولها «بضع عشرة ليلة» وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أقام فيهم ثلاثا، قال: وروى ابن شهاب عن مجمع بن حارثة أنه أقام اثنتين وعشرين ليلة. وقال ابن إسحاق: أقام فيهم خمسا، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك. قال الحافظ ابن حجر: أنس ليس من بني عمرو بن عوف؛ فإنه من الخزرج، وقد جزم بأربع عشرة ليلة، فهو أولى بالقبول، وأمر النبي ﷺ بالتاريخ فكتب من حين الهجرة في ربيع، رواه الحاكم في الإكليل، وهو معضل، والمشهور أن ذلك كان في خلافة عمر ﵁، وأن عمر قال: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخ بها، وابتدأ من المحرم بعد إشارة علي وعثمان ﵄ بذلك، وقد ذكرنا ما قيل في
стр. 190
سببه في الأصل، وأفاد السهيلي أن الصحابة ﵃ أخذوا التأريخ بالهجرة من قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ١٠٨] .
ابتداء التأريخ من الهجرة
وفي الصحيح أنهم لما قدموا قام أبو بكر للناس: أي يتلقاهم، وجلس رسول الله ﷺ فطفق من جاء من الأنصار يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ . وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وجلس رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رآه يحسبه أبا بكر، حتى إذا أصابته الشمس أقبل أبو بكر بشيء أظله به، وفي رواية ابن إسحاق: حتى رأينا أبا بكر ينحاز له عن الظل، فعرفناه بذلك.
ونزل أبو بكر ﵁ على حبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح، ويقال: على خارجة بن زيد منهم.
وأقام علي ﵁ بعد مخرجه ﷺ أياما، قال بعضهم: ثلاثة، حتى أدى للناس ودائهم التي كانت عند النبي ﷺ وخلفه لردها، ثم خرج فلحق رسول الله ﷺ بقباء، فنزل على كلثوم بن الهدم، قال فيما رواه رزين: فبينا أنا بائت عند رسول الله ﷺ إذا برجل يضرب باب امرأة، فخرجت فأعطاها شيئا وانصرف، ثم فعل ذلك ليلة ثانية أيضا، فذكرت ذلك لها فقالت: هذا سهل بن حنيف يغدو كل ليلة على أصنام قومه فيكسرها ثم يأتي بها لأوقدها حطبا، وقد علم أن ليس لي من الحطب شيء.
وروى يحيى عن عبد العزيز بن عبيد الله بن عثمان بن حنيف قال: لما نزل رسول الله ﷺ على بني عمرو بن عوف، وقد كان بين الأوس والخزرج ما كان من العداوة، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار الأوس، وكانت الأوس يخاف أن تدخل دار الخزرج، وكان أسعد بن زرارة قتل نبتل بن الحارث يوم بعاث، فقال رسول الله ﷺ : أين أسعد بن زرارة؟ فقال سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر ورفاعة بن عبد المنذر: كان يا رسول الله أصاب منا رجلا يوم بعاث، فلما كانت ليلة الأربعاء جاء أسعد إلى النبي ﷺ متقنّعا بين المغرب والعشاء، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: يا أبا أمامة، جئت من منزلك إى هاهنا وبينك وبين القوم ما بينك؟ قال أبو أمامة: لا والذي بعثك بالحق ما كنت لأسمع بك في مكان إلا جئت، ثم بات عند رسول الله ﷺ حتى أصبح، ثم غدا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 191
لسعد بن خيثمة ورفاعة ومبشر ابني عبد المنذر: أجيروه، قالوا: أنت يا رسول الله فأجره فجوارنا في جوارك، فقال رسول الله ﷺ : يجيره بعضكم، فقال سعد بن خيثمة: هو في جواري، ثم ذهب سعد بن خيثمة إلى أسعد بن زرارة في بيته فجاء بن مخاصرة يده في يده ظهرا حتى انتهى به إلى بني عمرو بن عوف، ثم قالت الأوس: يا رسول الله كلنا له جار، فكان أسعد بن زرارة بعد يغدو ويروح إلى رسول الله ﷺ انتهى.
وكان لكلثوم بن الهدم بقباء مربد، والمربد: الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس، فأخذه منه رسول الله ﷺ فأسسه وبناه مسجدا كما رواه ابن زبالة وغيره.
وفي الصحيح عن عروة: فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وفي رواية عبد الرزاق عنه قال: الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف، وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عايد، ولفظه: ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال، واتخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه، ثم بناه بنو عمرو بن عوف؛ فهو الذي أسس على التقوى.
وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة قال:
لما قدم النبي ﷺ فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله ﷺ بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء، فهو أول مسجد بني، يعني لعامة المسلمين أو للنبي ﷺ بالمدينة، وهو في التحقيق أول مسجد صلّى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا، وإن كان قد تقدم بناء غيره من المساجد، فقد روى ابن أبي شبة عن جابر قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله ﷺ سنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة، ولذا قيل: كان المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول الله ﷺ والأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه، يعني هذا المسجد، فلما هاجر رسول الله ﷺ وورد قباء صلى بهم فيه إلى بيت المقدس، ولم يحدث فيه شيئا: أي: في مبدأ الأمر؛ لأن ابن شبة روى ذلك، ثم روى أنه ﷺ بنى مسجد قباء وقدم القبلة إلى موضعها اليوم، وقال: جبريل يؤم بي البيت، وقد اختلف في المراد بقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ فالجمهور على أن المراد به: مسجد قباء، ولا ينافيه قوله ﷺ لمسجد المدينة «هو مسجدكم هذا» إذ كل منهما أسس على التقوى على ما سيأتي إيضاحه.
وفي الكبير للطبراني- وفيه ضعيف- عن جابر بن سمرة قال: لما سأل أهل قباء النبي ﷺ أن يا بني لهم مسجدا قال رسول الله ﷺ : «ليقم بعضكم فيركب الناقة» فقام أبو بكر ﵁ فركبها فحركها فلم تنبعث، فرجع فقعد، فقام عمر ﵁ فركبها
стр. 192
فلم تنبعث، فرجع فقعد، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ليقم بعضكم فيركب الناقة» فقام علي ﵁ فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به، فقال رسول الله ﷺ :
«أرخ زمامها، وابنوا على مدارها فإنها مأمورة» .
وروى الطبراني- وفيه من لم يعرف- عن جابر أيضا قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال لأصحابه: «انطلقوا بنا إلى أهل قباء نسلم عليهم، فأتاهم فسلم عليهم، فرحّبوا به، ثم قال: يا أهل قباء ائتوني بأحجار من هذه الحرة، فجمعت عنده أحجار كثيرة، ومعه عنزة له «١» ، فخط قبلتهم، فأخذ حجرا فوضعه رسول الله ﷺ ثم قال: يا أبا بكر، خذ حجرا فضعه إلى حجري، ثم قال: يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر، ثم التفت إلى الناس فقال: ليضع كل رجل حجره حيث أحب على ذلك الخط.
متى بني مسجد قباء
قلت: وهو يقتضي أن هذا البنيان لم يكن عند قدوم النبي ﷺ إلى قباء، بل بعد قدوم عثمان ﵁ من الحبشة؛ فإنه كان قد هاجر إلى أرض الحبشة فارا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ وكان أول خارج إليها، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة؛ فيمكن أن النبي ﷺ أسسه عند قدومه، ثم بناه بعد ذلك، وإلا فلم يكن عثمان ﵁ حاضرا، كذا نبه عليه بعضهم ولهذا قال السهيلي: أول من وضع حجرا رسول الله ﷺ ثم أبو بكر، ثم عمر، ولم يذكر عثمان، ثم قال: وصلّى فيه نحو بيت المقدس قبل أن يأتي المدينة، انتهى. وسيأتي عند ذكره في المساجد عن عمر ﵁ أنه قال: والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وأصحابه ننقل حجارته على بطوننا، ويؤسسه رسول الله ﷺ وجبريل يؤم به البيت، ولم أر من نبه على تعيين زمان قدوم عثمان من الحبشة، وسيأتي في بنائه ﷺ لمسجد المدينة أخبار تقتضي حضور عثمان له، وهو محتمل أيضا للبناء الأول والثاني، وسبق في الفصل قبله عد عثمان فيمن قدم المدينة قبل مقدم النبي ﷺ إليها، وهو كذلك في كلام ابن إسحاق.
وقال المحب الطبري: الظاهر أن قدوم عثمان من الحبشة كان قبل هجرة النبي ﷺ أو بعدها وقبل وقعة بدر؛ لأنه صح أنه كان في وقعة بدر متخلفا في المدينة على زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، ووقعة بدر في الثانية، وكان قدوم أكثر مهاجري الحبشة في السابعة كما سيأتي، والله أعلم.
стр. 193
وفي الكبير للطبراني ورجاله ثقات عن الشموس بنت النعمان قالت: نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء، فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجر، وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته، فيأتي الرجل من أصحابه ويقول: بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفك، فيقول: لا، خذ مثله، حتى أسسه، ويقول: إن جبريل ﵇ هو يؤم الكعبة، قالت: فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة.
قلت: قد صح أنه ﷺ كان يستقبل بيت المقدس حتى نسخ ذلك، وجاءت القبلة وهم في صلاة الصبح فأخبرهم، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة؛ فيحتمل:
أن جبريل ﵇ كان يؤم به البيت ليستدل به على جهة بيت المقدس لتقابل الجهتين، ولعلمه بما يؤول إليه الأمر من استقبال الكعبة، أو أنه ﷺ كان مخيّرا في ابتداء الهجرة في التوجه إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة كما قاله الربيع فأمّ به جبريل البيت لذلك، واختياره الصلاة لبيت المقدس أولا لاستمالة اليهود، أو أن استقبال الكعبة كان مشروعا في ذلك الوقت ثم نسخ ببيت المقدس ثم نسخ بالكعبة، لما قاله ابن العربي وغيره من أن القبلة نسخت مرتين، أو أن ذلك تأسيس آخر غير التأسيس الأول، ويدل لهذا الأخير ما قدمناه من راوية ابن شبة.
وقوله في حديث الشموس المتقدم «حتى يهصره الحجر» أي: يميله. وأورده المجد من رواية الخطابي بلفظ آخر، فقال: وروى الخطابي عن الشموس بنت النعمان قالت:
كان رسول الله ﷺ حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صهره «١» إلى بطنه فيضعه، فيأتي الرجل يريد أن يقله فلا يستطيع حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره، ثم قال: صهره وأصهره إذا ألصقه بالشيء، ومنه اشتقاق الصهر في القرابة.
وروى ابن شبة أيضا أن عبد الله بن رواحة كان يقول وهم يبنون في مسجد قباء:
أفلح من يعالج المساجدا
فقال رسول الله ﷺ «المساجدا» فقال عبد الله:
ويقرأ القرآن قائما وقاعدا
فقال رسول الله ﷺ «وقاعدا» فقال عبد الله:
ولا يبيت الليل عنه راقدا
فقال رسول الله ﷺ «راقدا» ، والله أعلم.
стр. 194
الفصل الحادي عشر في قدومه ﷺ باطن المدينة
، وسكناه بدار أبي أيوب الأنصاري، وأمر هذه الدار، وما آلت إليه، وما وقع من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
قال أهل السير: ثم إن رسول الله ﷺ أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا متقلدين بالسيوف، وكانوا أخواله، وذلك أن هاشم بن عبد مناف تزوج منهم امرأة، وهي سلمى بنت عمرو، فجاءه منها ولد، فلما مات هاشم وكبر الغلام مر به قوم من قريش فأبصروه وقد ترعرع وهو ينتضل «١» ويقول: أنا القرشي، فجاؤوا وأخبروا عمه المطلب بن عبد مناف، فذهب فجاء به، فدخل به مكة وهو ردفه وعليه ثياب السفر، فقالت قريش: هذا عبد المطلب، فغلب عليه هذا الاسم؛ فلذلك كان أخواله بني النجار، فقالوا لرسول الله ﷺ : اركبوا آمنين مطاعين.
وفي البخاري من حديث أنس: قدم رسول الله ﷺ فنزل في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا بالسيوف، ثم رواه البخاري بلفظ آخر، فقال: قدم النبي ﷺ فنزل جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا النبي ﷺ وأبا بكر فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب حتى نزل جانب دار أبي أيوب.
قال الحافظ ابن حجر: تقديره فنزل جانب الحرة فأقام بقباء المدة التي أقام بها وبنى بها مسجده، ثم بعث إلى آخره.
وفي التأريخ الصغير للبخاري عن أنس أيضا قال: إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا:
محمد جاء، فننطلق فلا نرى شيئا، حتى أقبل وصاحبه، فكمنا «٢» في بعض جوانب المدينة، وبعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما «٣» ، فاستقبله خمسمائة من الأنصار، فقالوا:
انطلقا آمنين مطاعين، الحديث، ففيه طي لذكر قصة قباء، إلا أن يريد أن ذلك وقع في مبدأ الأمر عند نزوله ﷺ بقباء، وهو ما اقتضاه رواية رزين، فإنه قال: عن أنس قال: كنت إذ قدم رسول الله ﷺ المدينة ابن تسع سنين، فأسمع الغلمان والولائد يقولون: جاء رسول الله ﷺ فنذهب فلا نرى شيئا، حتى جاء رسول الله ﷺ وأبو بكر، فكمنا في
стр. 195
خرب في طرف المدينة، وأرسلا رجلا يؤذن لهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما، قال: فما رأيت مثل ذلك اليوم قط، والله لقد أضاء منها كل شيء، ونزلا على كلثوم بن الهدم، ثم ذكر تأسيس مسجد قباء، ثم قال: ثم خرج منها رسول الله ﷺ يريد المدينة، فلا يمر بدار من دور الأنصار إلا عرضوا عليه، وذكر نحو ما سيأتي؛ فهو صريح في أن ذلك كان عند مقدمه ﷺ في بدء الأمر.
وكان خروجه ﷺ من قباء يوم الجمعة، وتعيينه من الشهر مرتب على ما تقدم في قدومها.
وروى يحيى أنه ﷺ لما شخص: أي: من قباء، اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا:
يا رسول الله أخرجت ملالا أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال: إني أمرت بقرية تأكل القرى، فخلوها- أي ناقته- فإنها مأمورة فخرج ﷺ من قباء، فعرض له قبائل الأنصار كلهم يدعوه ويعدوه النصرة والمنعة، فيقول: خلوها فإنها مأمورة، حتى أدركته الجمعة في بني سالم، فصلى في بطن الوادي الجمعة وادي ذي صلب.
قلت: قيل كانت هذه أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمدينة، وقيل: إنه كان يصلي الجمعة في مسجد قباء في إقامته هناك، والله أعلم.
وروى أيضا عن عمارة بن خزيمة قال: لما كان يوم الجمعة وارتفع النهار دعا رسول الله ﷺ براحلته، وحشد المسلمون، ولبسوا السلاح، وركب رسول الله ﷺ ناقته القصوى، والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه: منهم الماشي والراكب، فاعترضنا الأنصار فما بدار من دورهم إلا قالوا هلم يا رسول الله إلى العز والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرا، ويدعو، ويقول: إنها مأمورة، خلوا سبيلها، فمر ببني سالم، فقام إليه عتبان بن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان وهو آخذ بزمام راحلته يقول: يا رسول الله انزل فينا فإن فينا العدد والعدة والحلقة، ونحن أصحاب العصا والحدائق والدرك، يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فيلجأ إلينا فنقول له: قوقل حيث شئت، فجعل رسول الله ﷺ يتبسم ويقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فقام إليه عبادة بن الصامت وعباس بن الصامت بن نضلة بن العجلان فجعلا يقولان: يا رسول الله انزل فينا، فيقول النبي ﷺ : بارك الله عليكم، إنها مأمورة، فلما أتى مسجد بني سالم- وهو المسجد الذي في الوادي- فجمّع بهم فخطبهم، ثم أخذ رسول الله ﷺ عن يمين الطريق حتى جاء بني الحبلى، فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبي، فلما رآه ابن أبي وهو
стр. 196
عند مزاحم أي الأطم محتبيا قال: اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم، فقال سعد بن عبادة لا تجد «١» يا رسول الله في نفسك من قوله، فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه عليها، ولكن هذه داري، فمر ببني ساعدة فقال له سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة: هلم يا رسول الله إلى العز والثروة والقوة والجلد، وسعد يقول: يا رسول الله ليس من قومي أكثر عذقا «٢» ولا فم بئر مني مع الثروة والجلد والعدد والحلقة؛ فيقول رسول الله ﷺ : بارك الله عليكم، وجعل رسول الله ﷺ يقول: يا أبا ثابت خلّ سبيلها فإنها مأمورة، فمضى، واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وبشير بن سعد فقالوا: يا رسول الله لا تجاوزنا فإنا أهل عدد وثروة وحلقة، قال: بارك الله فيكم، خلوا سبيلها فإنها مأمورة، واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو- أي: من بني بياضة- يقولان: يا رسول الله هلم إلى المواساة والعز والثروة والعدد والقوة، نحن أهل الدرك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : خلوا سبيلها فإنها مأمورة، ثم مر ببني عدي بن النجار- وهم أخواله- فقام أبو سليط وصرمة بن أبي أنيس في قومهما فقالا: يا رسول الله نحن أخوالك هلم إلى العدد والمنعة مع القرابة، لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا بك، فقال رسول الله ﷺ : خلوا سبيلها فإنها مأمورة، ويقال: إن أول الأنصار اعترضه بنو بياضة، ثم بنو سالم، ثم مال إلى ابن أبي، ثم مر على بني عدي بن النجار، حتى انتهى إلى بني مالك بن النجار.
قلت: وقول بني عدي بن النجار «نحن أخوالك» لأنهم أقاربه من جهة الأمومة؛ لأن سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار كانت أم جده عبد المطلب، وقول البراء في حديث الصحيح «إن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله، من الأنصار» فيه تجوز من حيث إنه ﷺ إنما نزل على إخوتهم بني مالك بن النجار، أو أراد أنه نزل بخطة بني النجار لتقارب منازلهم الجميع ومنهم بنو عدي.
وقال الحافظ ابن حجر في المقدمة في الكلام على الحديث المذكور: هم من بني عمرو بن عوف من الخزرج، وكانت أم عبد المطلب جد النبي ﷺ منهم، واسمها سلمى؛ فهم أجداده حقيقة، وأخواله مجازا، والشك من راوي الخبر، انتهى.
وهو وهم، سببه اشتباه النزول الأول بقباء بهذا النزول الذي وقع فيه الاستقرار، وليس بنو عمرو بن عوف ممن يوصف بذلك، وقد تنبه له في الشرح؛ فذكره على الصواب كما قدمناه، والله أعلم.
стр. 197
وروى رزين أنه ﷺ سار من قباء ومعه جماعة من الأنصار في السلاح وجميع المهاجرين، وذكر صلاة الجمعة، قال: ثم ركب فجاء بني الحبلى فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبي بن سلول، وكان جالسا محتبيا عند أطم له، فقال: اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم، فقال سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ : لا تجد عليه، فإن أهل هذه البحرة كانوا قد أجمعوا على أن يعصّبوه»
ويتوّجوه، فلما رد الله عليه ذلك بالحق الذي أعطاك شرق لذلك «٢» .
قلت: الذي في الصحيح ذكر سعد لذلك في قصة عيادته ﷺ له من مرض بعد سكناه بالمدينة، والذي في كتب السير عن ابن إسحاق أن الجمعة أدركته في وادي رانونا فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وكانوا أربعين، وقيل: مائة، فأتاه عتبان بن مالك في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، لناقته، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، فأجابهم بمثل ما تقدم، فخلوا سبيلها، حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بلحارث، فأجابهم بما تقدم، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار- وهم أخواله دنيا- اعترضهم سليط بن قيس في رجال منهم، فأجابهم بمثل ما تقدم، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده ﷺ ثم وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تلحلحت وأرزمت «٣» ووضعت جرانها «٤» فنزل عنها رسول الله ﷺ وفي رواية أنها لما وثبت من مبركها الأول بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول، وفي رواية فقال رسول الله ﷺ : هذا المنزل إن شاء الله.
وذكر ابن سيد الناس بعد قصة بني سالم أن راحلته انطلقت حتى وازنت دار بني بياضة، فذكر قصتهم، ثم قال: فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة، وذكر قصتهم، ثم قال: فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع، وذكر قصتهم، ثم ذكر القصة كما قدمناه.
стр. 198
وذكر يحيى في رواية أخرى أنه ﷺ بعد أن سار من بني سالم تيامن، فأتى منزل ابن أبي، ثم مضى في الطريق والطريق يومئذ فضاء حتى انتهى إلى سعد بن عبادة، ثم اعترضت له بنو بياضة عن يساره، ثم مضى حتى أتي بني عدي بن النجار، ثم أتى إلى بني مازن بن النجار، فقامت إليه وجوههم، ثم مضى حتى انتهى إلى باب المسجد وقد حشدت «١» بنو مالك بن النجار فهم قيام ينتظرونه إلى أن طلع فهش إليه أسعد بن زرارة وأبو أيوب وعمارة بن حزم وحارثة بن النعمان يقول: يا رسول الله قد علمت الخزرج أنه ليس ربع أوسع من ربعي، قال: فبركت بين أظهرهم، فاستبشروا، ثم نهضت كأنها مذعورة ترجّع الحنين «٢» ، فساءهم ذلك، وجعلوا يعدون بجنبها حتى أتت إلى زقاق الحبشي ببئر جمل فبركت والنبي ﷺ عليها مرخ لها زمامها ثم قامت عودها على بدئها تزيد في المشي حتى بركت على باب المسجد وضربت بجرانها وعدلت ثفناتها «٣» ، وجاء أبو أيوب والقوم يكلمونه في النزول عليهم، فأخذ رحله فأدخله، فنظر رسول الله ﷺ إلى رحله وقد حط فقال: «المرء مع رحله» .
وذكر رزين اعتراض بني سالم له وقوله «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» ثم قال: فمر ببني بياضة فكذلك، ثم ببني ساعدة فكذلك، ثم بدار بني الحارث بن الخزرج فكذلك، ثم مر بدار عدي بن النجار فكذلك، فمضت حتى إذا أتت دار بني مالك بن المجار بركت على باب المسجد اليوم، ولم ينزل رسول الله ﷺ حين بركت، ثم وثبت فسارت غير بعيد ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها الأول، فنزل إذا ذاك رسول الله ﷺ فقال: أي الدور أقرب؟ فقال أبو أيوب: داري، هذا بابي، وقد حططنا رحلك فيها، فقال: «المرء مع رحله» فمضت مثلا.
وروى ابن زبالة أنها لما بركت بباب أبي أيوب جعل رسول الله ﷺ يريد أن ينزل فتحلحل فيطيف حولها أبو أيوب فيجد جبار بن صخر أخا بني سلمة ينخسها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار عن منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف، فنزل رسول الله ﷺ في منزل أبي أيوب، وقر قراره، واطمأنت داره، ونزل معه زيد بن حارثة.
وعند الحاكم عن أنس: جاءت الأنصار فقالوا: إلينا يا رسول الله، فقال: دعو الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب.
стр. 199
وروى الطبراني في الأوسط وفيه صديق بن موسى- قال الذهبي: ليس بالحجة- عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فاستناخت راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي ودار الحسن بن زيد، فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل، فانبعثت به راحلته، فاستناخت ثم تحلحلت، وللناس ثم عريش كانوا يرشونه ويعمرونه ويبردون فيه، حتى نزل رسول الله ﷺ عن راحلته فاوى إلى الظل فنزل فيه، فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه أفأنقل رحلك؟ قال: نعم، فذهب برحله إلى المنزل، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله انزل علي، فقال: إن الرجل مع رحله حيث كان، وثبت رسول الله ﷺ في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد.
قلت: دار جعفر بن محمد هي التي في قبلة دار أبي أيوب ملاصقة لها، ودار الحسن ابن زيد تقابلها من جهة المغرب، بينهما الشارع.
وعند ابن عائذ وسعيد بن منصور أن ناقته ﷺ استناخت به أولا، فجاءه ناس فقالوا:
المنزل يا رسول الله، فقال دعوها، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت، فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب فقال: منزلي أقرب المنازل فاذن لي أن أنقل رحلك، قال: نعم، وأناخ الناقة في منزله.
وقال الواقدي: أخذ أسعد بن زرارة بزمام راحلته فكانت عنده، ونقله الحافظ ابن حجر عن ابن سعد ونقل الأقشهري، في روضته عن ابن نافع صاحب مالك في أثناء كلام نقله عن مالك أن ناقته ﷺ لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها، وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي، ثم ثارت من غير أن تزجر وسارت غير بعيد، ثم التفتت، ثم عادت إلى المكان الذي بركت فيه أول مرة فبركت، فسرّي عنه، فأمر أن يحط رحله، في بعض الروايات أن القوم لما تنازعوا أيهم ينزل عليه قال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك.
وفي البخاري من حديث عائشة أنه ﷺ أقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فقال: أيّ بيوت أهلنا أقرب؟ أيّ أخوال جده، فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، قال: فانطلق فهيئ لنا مقيلا «١» .
وفي رواية لابن زبالة: اختار رسول الله ﷺ على عينه، فنزل منزله وتخيره، وأراد أن يتوسط الأنصار كلها.
قال المطري: وهو غير مناف لما تقدم من قوله: «دعوها فإنها مأمورة» ؛ لأن الله اختار له ما كان يختار لنفسه.
стр. 200
وفرح أهل المدينة بمقدمه ﷺ إليهم فرحا شديدا؛ ففي البخاري من حديث البراء:
«ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ » الحديث، وروى أبو داود أن الحبشة لعبت بحرابهم فرحا بقدومه ﷺ .
قال رزين: وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير «١» يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وفي رواية:
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
والغلمان والولائد يقولون: جاء رسول الله ﷺ فرحا به.
وفي شرف المصطفى: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله ﷺ : أتحببناني؟ قلن: نعم يا رسول الله، فقال: والله وأنا أحبكن، قالها ثلاثا، وفي رواية: «يعلم الله إني أحبكن» .
وأخرج الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن، وذكر البيت المتقدم.
وروى عن أنس قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة أظلم منها كل شيء، فلما دخل المدينة أضاء منها كل شيء، ورواه ابن ماجه بلفظ: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. ورواه أبو داود بلفظ: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه ﷺ وما رأيت يوما كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاء منها كل شيء، الحديث. ورواه ابن أبي خيثمة عنه بلفظ: شهدت يوم دخول رسول الله ﷺ المدينة، فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ.
وروى يحيى عن عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس «٢» إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ فجئت أنظر، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم قال: أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام، وهذا الحديث بنحوه في الترمذي وصححه.
стр. 201
وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة أعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم بنتيه وسودة زوجته وأم أيمن زوج زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة وأختها أسماء زوج الزبير وأمها أم رومان، فلما قدموا المدينة أنزلهم في بيت حارثة بن النعمان.
وقال رزين: إن أبا بكر أرسل عبد الله بن أريقط مع زيد بن حارثة ليأتيه بعائشة وأم رومان أمها وعبد الرحمن.
قال بعضهم: ووجدوا طلحة بن عبيد الله على خروج، فخرج معهم، فقدموا كلهم.
وروى ابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري قال: لما نزل عليّ رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت، قال:
فكان رسول الله ﷺ في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب لنا «١» فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رأس رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه.
قلت: وذكر بعضهم أن ذلك هو سبب سكناه في العلو بعد ذلك، والذي في صحيح مسلم عن أبي أيوب أن النبي ﷺ نزل عليه، فنزل ﷺ في السفل وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ليلة فقال: نمشي فوق رأس النبي ﷺ ؟! فتنحوا وباتوا في جانب، ثم قال للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : السفل أرفق، فقال: لا أعلو سقيفة وأنت تحتها، فتحول النبي ﷺ في العلو وأبو أيوب في السفل.
وقد قدمنا في آخر الفصل الرابع أن ابن إسحاق ذكر أن هذا البيت بناه تبّع الأول لما مرّ بالمدينة للنبي ﷺ ينزله إذا قدم المدينة، فتداول البيت الملاك إلى أن صار لأبي أيوب، وأن أبا أيوب من ذرية الحبر الذي أسلمه تبع كتابه.
وقد نقل الحافظ ابن حجر ذلك عن حكاية ابن هشام في التيجان، قال: وأورده ابن عساكر في ترجمة تبع، فما نزل ﷺ إلا في بيته، وقد ابتاع المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بيت أبي أيوب هذا من ابن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري بألف دينار، فتصدق به، وهو في شرقي المسجد المقدس كما سيأتي في الدور المطيفة بالمسجد.
وقد اشترى الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شادي عرصة دار أبي أيوب هذه، وبناها مدرسة للمذاهب الأربعة،
стр. 202
ووقف عليها أوقافا بميّا فارقين التي هي دار ملكه، وبدمشق لها وقف آخر أيضا، ولها بالمدينة الشريفة أيضا وقف من النخيل وغيرها، غير أنه شمل ذلك ما عم الأوقاف، وكان بها كتب كثيرة نفيسة فتفرقت أيدي سبا، وآل حال هذه المدرسة إلى التعطيل، فسكنها بعض نظارها، فتشاءمت على عياله، واتصل ذلك بسلطان مصر فخرج منها، والمدرسة قاعتان: كبرى، وصغرى، وفي إيوان الصغرى الغربي خزانة صغيرة جدا، فما يلي القبلة فيها محراب.
قال المطري: يقال إنها مبرك ناقة النبي ﷺ .
وكانت إقامته ﷺ بهذه الدار كما أفاده ابن سعد سبعة أشهر: أي: بتقديم السين على الباء، حتى بنى مساكنه. وقال رزين: أقام عند أبي أيوب من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الثانية، وقال الدولابي: شهرا، وفي كتاب يحيى عن زيد بن ثابت: لما نزل رسول الله ﷺ على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول الله ﷺ هدية أول من هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز بر وسمنا ولبنا فأضعها بين يديه، فقلت: يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيها، ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرم الباب «١» حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة على رأس غلام مغطاة، فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر، فرأيت ثريدا عليه عراق، فدخل بها على رسول الله ﷺ قال زيد: فقد كنا في بني مالك بن النجار ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﷺ منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ويتناوبون بينهم، حتى تحول رسول الله ﷺ من بيت أبي أيوب، وكان مقامه فيه سبعة أشهر، وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة.
وفيه أنه قيل لأم أبي أيوب: أيّ الطعام كان أحب إلى رسول الله ﷺ فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ قالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، ولا رأيناه أتى بطعام قط فعابه.
وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل «٢» فقال أبو أيوب: فرأيت رسول الله ﷺ ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها، فكنا نعملها له، وكنا نعمل له الهريس وكانت تعجبه، وكان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة والقلة.
стр. 203
وفيه عن أبي أيوب أنهم تكلفوا له طعاما فيه بعض هذه البقول، فلما أتوه به كرهه وقال لأصحابه: كلوا فإني لست كأحدكم، إني أخاف أن أوذي صاحبي «١» .
وفي كتاب رزين عنه بعد ذكر نزوله عليه قال: وما مرت ليلة من نحو السنة إلا وتأتيه جفنة سعد بن معاذ ثم سائر الناس، يتناوبون ذلك نوبا، قال أبو أيوب: فصنعت له ليلة طعاما، وجعلت فيه ثوما، فلم يأكل منه رسول الله ﷺ ففزعت فنزلت إليه فقلت له:
أحرام هو؟ فقال: إني أناجي، وأنا أكرهه لذلك، وأما أنتم فكلوه، قال: فقلت: فإني أكره ما تكره يا رسول الله.
المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود «٢» ، وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط لهم، وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا: تاخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي.
قلت: كانت هذه المؤاخاة بعد مقدمه ﷺ بخمسة أشهر، وقيل: ثمانية، وهو يا بني المسجد، وقيل: بعده، وقيل: قبله، وذكره أبو حاتم في السنة الأولى، والظاهر أن ابتداءها كان فيها، واستمرت على حسب من يدخل في الإسلام أو يحضر، كما يعلم من تفاصيلها، قيل: وكانوا تسعين رجلا من كل طائفة خمسة وأربعون، وقيل: مائة، آخى بينهم على الحق والمواساة والتوارث، وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ [الأنفال: ٧٥] الآية.
وقال الواقدي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار.
وقال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: الأولى قبل الهجرة بمكة بين المهاجرين، فاخى بين أبي بكر وعمر، وهكذا حتى بقي علي ﵁ فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة، والمواخاة الثانية ما تقدم من مواخاة المهاجرين والأنصار، وهي المرادة بقول الحسن: كان التوارث بالحلف؛ فنسخ باية المواريث.
стр. 204
ولأبي داود عن أنس بن مالك: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، وحديث «لا حلف في الإسلام» معناه: حلف التوارث، والحلف على ما منع الشرع منه، وعبر رزين عن المواخاة بين المهاجرين والأنصار فيما نقله عن أبي حاتم بقوله: ثم آخى بين أصحابه، ودعا لكل واحد منهم دعوة، وقال: أبشروا أنتم في أعلى غرف الجنة، وقال لعلي: ما أخرتك إلا لنفسي، أنت أخي ووارث علمي، وأنت معي في الجنة في قصري مع ابنتي، وقصة المؤاخاة الأولى أقر بها الحاكم؛ فذكر المؤاخاة بين أبي بكر وعمر، وذكر جماعة، ثم قال: فقال علي: يا رسول الله، إنك آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال: أنا أخوك.
وقد أنكر ابن تيمية في الرد على ابن المطهر الرافضي المؤاخاة بين المهاجرين خصوصا مؤاخاة النبي لعلي، قال: لأنها شرعت للإرفاق والتألف؛ فلا معنى لها بينهم، وهو رد للنص وغفلة عن حقيقة الحكمة في ذلك، مع أن بعضهم كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، والارتفاق ممكن، وقد كان النبي ﷺ يقوم بعلي من عهد الصبا، واستمر ذلك.
وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن أنه ﷺ «آخى بين الزبير وابن مسعود» وهما من المهاجرين.
اليهود تحاول الإفساد بين الأوس والخزرج
والتأم شمل الحيين الأوس والخزرج ببركته ﷺ فمر شاس بن قيس- وكان شيخا من اليهود شديد الضغن على المسلمين والحسد لهم- على نفر من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر شابا من يهود كان معه فقال: اجلس إليهم ثم اذكر يوم بعاث، وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل الشاب ذلك، فتنازع القوم وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، وهما أوس بن قيظي وجبار بن صخر، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة، وهي الحرة، فخرجوا إليها، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال:
يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الأوس
стр. 205
والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس، فأنزل الله في شأنه: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ٩٨- ٩٩] ، وأنزل الله في الذين صنعوا ما صنعوا من الحيين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٠- ١٠٣] .
وكان حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر من أشد يهود للعرب حسدا لما خصهم الله برسوله ﷺ ؛ فكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فأنزل الله تعالى فيهما:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ إلى قوله: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٩] .
وحدثت صفية بنت حيي ﵂ قالت: كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدا عليه أبي وعمي مغلّسين «١» ، فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع. فو الله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت، فشقيا بجسدهما، والله أعلم.
الفصل الثاني عشر فيما كان من أمره ﷺ بها في سني الهجرة إلى أن توفاه الله مختصرا
وقد لخصه رزين من تأريخ أبي حاتم، فزدت فيه نفائس ميزتها، فأقول في أولها «قلت» وفي آخرها «والله أعلم» وقد أقام ﷺ بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين بالإجماع كما حكاه النووي.
السنة الأولى من الهجرة:
وقد تقدم بعض ما فيها من بناء مسجد قباء وغيره.
وقال أبو حاتم: كان فيها بناء المسجد النبوي، ومات أسعد بن زرارة والمسجد يا بنى؛ فكان أول من دفن بالبقيع من المسلمين.
стр. 206
قلت: ومن هذا يعلم أن عثمان بن مظعون أول من دفن به من المهاجرين، جمعا بين النقلين، ومات كلثوم بن الهدم قبل أسعد بن زرارة؛ فهو أول من مات من الأنصار بعد مقدم النبي ﷺ وقيل: توفي أسعد بن زرارة في الثانية، والله أعلم.
ومات البراء بن معرور قبل قدوم رسول الله ﷺ وأوصى أن يوجّه إلى الكعبة، وصلى رسول الله ﷺ على قبره، وكانت الأنصار يتقربون إلى رسول الله ﷺ بالهدايا رجالهم ونساؤهم، وكانت أم سليم تتأسف على ذلك، وما كان لها شيء، فجاءت بابنها أنس، وقالت: يخدمك أنس يا رسول الله؟ قال: نعم.
قلت: الذي في الصحيح عن أنس «قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيّس «١» فليخدمك، قال: فخدمته، الحديث، وقد يجمع بأنها جاءت به أولا، وانطلق به أبو طلحة ثانيا؛ لأنه وليه وعصبته، وهذا غي مجيئه به لخدمته ﷺ في غزوة خيبر كما يفهمه لفظ الحديث، والله أعلم.
ثم زيد في صلاة الحضر ركعتين بعد مقدمه المدينة بشهر.
قلت: قال السهيلي: إن ذلك كان بعد الهجرة بعام أو نحوه، والذي عليه الأكثر أن الصلاة نزلت بتمامها من بدء الأمر، والله أعلم.
ووعك أصحابه فدعا بنقل وبائها إلى الجحفة، وقال: «اللهم حبب إلينا المدينة» ثم آخى بين أصحابه كما سبق، ثم مات الوليد بن المغيرة بمكة، وولد عبد الله بن الزبير، جاءت أمه أسماء بعد الهجرة فنفست به في قباء في شوال، فكان أول مولود ولد في الإسلام بها بعد الهجرة، وكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ تفل في فيه.
قلت: سيأتي في مسجد دار سعد بن خيثمة من المساجد التي لا تعلم عينها أن الذهبي قال: إن عبد الله ولد في الثانية، والله أعلم.
ثم عقد رسول الله ﷺ لواء لابن عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب على ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، وهي أول راية عقدت في الإسلام، ورمى فيها سعد بن أبي وقاص بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام، فالتقى مع أبي سفيان بن حرب، وقيل: عكرمة بن أبي جهل، وكان في مائة من المشركين ببطن رابغ ويعرف بودان فانحاز
стр. 207
إلى المسلمين من المشركين المقداد بن عمرو بن الأسود وعتبة بن غزوان، وكان حامل اللواء لعبيدة مصلح بن أثاثة.
أول راية عقدت في الإسلام
قلت: وذكر أبو الأسود في مغازيه عن عروة، ووصله ابن عائذ من حديث ابن عباس: «أن النبي ﷺ لما وصل إلى الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا» وذكر القصة، فيكون ذلك في السنة الثانية، وبه صرّح بعض السير، والله أعلم.
ثم عقد لواء لعمه حمزة على ثلاثين من المهاجرين- قيل: ومن الأنصار- ليتعرض عير قريش، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب، فحجب بينهم مجدي بن عمرو، وكان حليفا للفريقين، وانصرفوا من غير قتال، وكان حامل لواء حمزة يومئذ أبو مرثد.
قلت: قدم بعضهم هذه على سرية عبيدة، وقال: إن لواء حمزة أول لواء عقد في الإسلام، ورجح ابن إسحاق الأول، وقال: إنما أشكل أمرهما أن النبي ﷺ شيعهما جميعا، وذكر أبو عمر أن أول راية عقدت لعبد الله بن جحش. وقيل: إن سرية حمزة هذه كانت في السنة الثانية، والله أعلم.
زواج عائشة
ثم بنى رسول الله ﷺ بعائشة وهي بنت تسع، وكان عقد بها في مكة قبل الهجرة بثلاث وهي بنت ست.
زواج سودة بنت زمعة
قلت: وعقد على سودة بنت زمعة بعد عائشة- وقيل: قبلها، وبنى بها بمكة- وكان بناؤه بعائشة على رأس تسعة أشهر- وقيل: ثمانية، وقيل ثمانية عشر شهرا- من قدومه، والله أعلم.
ثم عقد لواء لسعد بن أبي وقاص في عشرين يريدون عير قريش في ذي القعدة، فخرجوا على أقدامهم يكمنون «١» بالنهار ويسيرون بالليل، وكان حامل اللواء لسعد المقداد بن عمرو، فلم يجدوا شيئا، ثم جاء أبو قيس بن الأسلت ليسلم، فلقيه ابن أبيّ ابن سلول، فقال: تربص «٢» حتى ترى، فرجع فمات كافرا.
стр. 208
إسلام عبد الله بن سلام
قلت: وأسلم عبد الله بن سلام في أول قدومه ﷺ ؛ ففي البخاري من حديث عائشة التصريح بأنه جاء قبل دخوله ﷺ دار أبي أيوب لما سمع بقدومه ﷺ ثم رجع إلى أهله، ثم قال ﷺ لأبي أيوب: اذهب فهيئ لنا مقيلا، فقال: قوما على بركة الله، أي هو وأبو بكر، قالت: فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك قد جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ، فأرسل رسول الله ﷺ فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود، ويلكم! اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا، قالوا: ما نعلمه، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، كرر عليهم ذلك ثلاثا فيقولون له ذلك، قال: يا ابن سلام اخرج عليهم، فخرج عليهم، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله ﷺ وأنه جاء بحق، فقالوا:
كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ . وفي رواية أن عبد الله بن سلام سأل رسول الله ﷺ عن أشياء، فلما أعلمه بها أسلم، وفي هذه الرواية ذكر قصة اليهود المتقدمة، وأن عبد الله بن سلام لما خرج إليهم وتشهد قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه؛ فقال: هذا كنت أخاف يا رسول الله، ونصبت أحبار اليهود العداوة للنبي ﷺ بغيا وحسدا: منهم حيي بن أخطب، وأبو رافع الأعور، وكعب بن الأشرف، وعبد الله بن صوريا، والزبير بن باطا، وشمويل، ولبيد بن الأعصم، وغيرهم، ودخل منهم جماعة في الإسلام نفاقا، وانضاف إليهم من الأوس والخزرج منافقون، وأرى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الأذان، وقيل: كان ذلك في السنة الثانية عندما شاور ﷺ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة؛ إذ كان اجتماعهم قبل بمناد «الصلاة جامعة» والله أعلم.
السنة الثانية من الهجرة
السنة الثانية: فلما جاء العاشر من المحرم أمر رسول الله ﷺ بصومه، وقال: «نحن أحق بموسى من اليهود» ثم زوج عليا بفاطمة.
قلت: وذلك قبل بدر، في رجب على الأصح، وبنى بها في ذي الحجة كما سيأتي، وكان لها خمس عشرة سنة، وقل: ثمان عشرة، وقيل: تزوجها بعد أحد، والله أعلم.
ثم غزا رسول الله ﷺ بنفسه إلى الأبواء وهي من ودان على ستة أميال مما يلي المدينة.
стр. 209
قلت: ولتقاربهما أطلق عليها «غزوة ودان» ، والله أعلم.
واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وكان حامل لوائه سعد بن أبي وقاص، ثم رجع، ولم يلق كيدا، فانصرف بعدما وادع مجدي بن عمرو الضمري، ثم غزا في مائتين من أصحابه إلى ناحية رضوى، وحامل لوائه سعد بن أبي وقاص، ثم رجع ولم يلق كيدا.
قلت: وهي غزوة «بواط» خرج رسول الله ﷺ يريد تجار قريش أيضا، حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، وقال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وفي نسخة السائب بن مظعون، وقال الواقدي: سعد بن معاذ، والله أعلم.
ثم أغار على سرح المدينة كرز بن جابر الفهري، فخرج رسول الله ﷺ في أثره في المهاجرين، وحامل لوائه علي بن أبي طالب، فانتهى إلى بدر، وفاته كرز، وهذه بدر الأولى.
قلت: ذكر ذلك ابن إسحاق بعد «العشيرة» بليال، والله أعلم.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش في سرية، وهم الذين قتلوا في الشهر الحرام في اثني عشر نفسا، فأضل عتبة بن غزوان وسعد بن أبي وقاص راحلتيهما، فتخلفا عنهم، ومضى العشرة حتى لقوا جماعة من قريش: منهم عثمان بن عبد الله بن المغيرة، وافتدى من رسول الله ﷺ والحكم ابن كيسان، أسلم، وقتلوا عمرو بن الحضرمي.
قلت: ذكرها بعضهم بعد العشيرة، ووصلوا نخلة على يوم وليلة من مكة، فمرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وأدما من الطائف معها الجماعة المذكورون في آخر يوم من رجب، فاستأسروا الأسيرين، وقتلوا عمرا، واستاقوا العير، وكانت أول غنيمة في الإسلام، والله أعلم.
ثم خرج رسول الله ﷺ إلى العشيرة، فوادع بني مدلج وحفاءهم، ثم رجع.
قلت: وكان خروجه فيها يعترض عيرا لقريش، ففاتته بأيام، واستخلف أبا سلمة بن عبد الأسد، والله أعلم.
التوجه إلى الكعبة
قال أبو حاتم: وبلغني أن رسول الله ﷺ كان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فدعا الله تعالى، فأنزل قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ إلى قوله: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] وقت صلاة الظهر يوم الثلاثاء النصف من شعبان ثانية سني الهجرة.
قلت: سيأتي ما فيه من الخلاف في الفصل الثالث من الباب بعده، والله أعلم.
ثم نزلت فريضة الصوم في شعبان، فصاموا رمضان، فلما فرض رمضان لم يأمرهم بصيام عاشوراء ولا نهاهم.
стр. 210
ثم كانت غزوة بدر في رمضان لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وقيل: يوم جمعة صبيحة سبع عشرة منه، وقيل: صبيحة أربع وعشرين منه، وكان المسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر.
قلت: الراجح القول الثاني، وخرجت الأنصار معه ﷺ فيها، ولم تكن قبل ذلك خرجت معه، ومعهم ثلاثة أفراس، وكان المشركون ألفا، ويقال، تسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس، وهذه بدر الثانية لما تقدم، والله أعلم.
ثم قتل عمير بن عدي الخطمي العصماء امرأة من الأنصار، وهي زوج يزيد الخطمي، كانت تؤذي رسول الله ﷺ في الشعر، فقتلها، ثم جاء رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «لا ينتطح فيها عنزان» .
قلت: قال في الاكتفاء: إن العصماء هذه نافقت لما قتل أبو عفك (بالفاء وإهمال أوله) وقالت شعرا تعيب الإسلام وأهله، وتؤنب الأنصار في اتباعهم رسول الله ﷺ وإن عميرا رجع إلى قومه بعد قتلها يومئذ كثير موجهم «١» في شأنها، ولها بنون خمسة رجال، فقال: يا بني خطمة، أنا قتلت بنت مروان، يعني العصماء، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فذلك اليوم أول ماء الإسلام في دار بني خطمة، وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم، ويومئذ أسلم رجال منهم لما رأوا من عز الإسلام، انتهى. والذي رواه ابن سيد الناس عن ابن سعد أنه قال بعد ذكر قتل عمير للعصماء: ثم في شوال كانت سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا قد بلغ عشرين ومائة، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ويقول الشعر، فقال سالم بن عمير وهو أحد البكائين وممن شهد بدرا: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، وذكر قتله إياه، وهو مخالف لما قدمناه عن الاكتفاء من تقديم قتل أبي عفك على قتل العصماء، وذكر ابن سعد أيضا أن قتل العصماء كان لخمس ليال بقين من شهر رمضان، وأن عميرا كان ضرير البصر، وسماه رسول الله ﷺ البصير، قيل: وكان أول من أسلم من بني خطمة، وكان إمام قومه وقارئهم، وكان يدعى «القارئ» ، والله أعلم.
ثم خطب رسول الله ﷺ قبل الفطر بيومين يعلّم الناس زكاة الفطر.
قلت: وقيل: في أول شوال، وصلّى صلاة الفطر، وفيها فرضت زكاة الأموال أيضا، وقيل: في الثالثة، وقيل: في الرابعة، وقيل: قبل الهجرة، وثبتت بعدها، والله أعلم.
ثم غزا بني قينقاع في شوال.
стр. 211
قلت: قد تقدم أن النبي ﷺ كان قد وادع اليهود، وكانوا يرجعون إلى ثلاث طوائف:
بني قينقاع، والنضير، وقريظة، فنقض الثلاثة العهد طائفة بعد طائفة، فأول من نقض منهم بنو قينقاع فحاربهم النبي ﷺ بعد بدر في شوال، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فنزلوا على حكمه، فأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، وفي الاكتفاء: وكان منشأ أمرهم، يعني في نقض العهد، أن امرأة من العرب قدمت بجلب «١» لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقلته، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فوقع الشر بينهم وبين المسلمين، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه.
وروي أن ابن أبيّ قال للنبي ﷺ : يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، وأنه قال: أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : هم لك، وقال مغلطاي في غزوة بني قينقاع، قال الحاكم: هذه وبني النضير واحد، وربما اشتبهتا على من لا يتأمل، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر أنهم أول من نقض العهد: فغزاهم النبي ﷺ ثم بني النضير، وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق، وذكر الواقدي أن إجلاء بني قينقاع كان في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال؛ فأنزل الله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى قوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: ١٢- ١٣] وأصاب ﷺ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف ودر عين أحدهما تسمى فضة والآخرى تسمى السغدية (بالسين المهملة والغين المعجمة) قال بعض الحفاظ: وكانت السغدية درع داود ﵇ التي لبسها حين قتل جالوت، والله أعلم.
غزوة السويق
قلت: سميت به لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون لأن أبا سفيان خرج
стр. 212
في مائتي راكب، وقيل: في أربعين، حتى أتوا العريض، فحرق نخلا، وقتل رجلا من الأنصار وأجيرا له، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون للهرب فيلقون جرب السويق، فأخذها المسلمون فرجعوا، وذلك بعد بدر، فإن أبا سفيان حلف بعدها ألايمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، ففعل ذلك، ورأى أن يمينه انحلت، والله أعلم.
ثم مات عثمان بن مظعون في ذي الحجة، فهول أول من مات من المهاجرين بالمدينة، ثم صلّى رسول الله ﷺ صلاة العيد، ثم ضحى بكبش، ثم بنى علي بفاطمة في ذي الحجة.
قلت: وقال النووي: وتوفيت في ذي الحجة منها رقية ابنته ﷺ لكن ذكر أهل السير ما يقتضي أن وفاتها كانت في رمضان منها، والله أعلم.
السنة الثالثة من الهجرة
السنة الثالثة: ثم قال رسول الله ﷺ : «من لكعب بن الأشرف» ؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له، ثم قتله.
قلت: ابن الأشرف كان أصله عربيا من نبهان على ما قاله ابن إسحاق، أتى أبوه المدينة فخالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان جسيما شاعرا، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة وأنشدهم الأشعار، وبكى أصحاب القليب «١» من قريش، ونزل فيهم على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص ابن أمية، فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة، فطردته، فرجع إلى المدينة وشبب بنساء المسلمين، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وقيل: صنع طعاما وواطأ يهود أن يدعو النبي ﷺ فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه، فأعلمه جبريل فقام منصرفا وقال: «من لكعب بن الأشرف» فانتدب له محمد بن مسلمة في نفر، واحتال عليه حتى نزل له ليلا فقتله، وقيل: أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه، والله أعلم.
غزوة الكدر
ثم غزا غزوة الكدر، وكان حامل لوائه علي بن أبي طالب، فرجع ولم يلق كيدا.
قلت: خرج فيها رسول الله ﷺ يريد بني سليم، واستخلف سباع بن عرفطة، وقيل:
стр. 213
ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة «قرقرة» ، ويقال نجران، فلم يلق أحدا، والله أعلم.
غزوة أنمار
ثم غزا غزوة أنمار، فجاءه دعثور فوجده نائما تحت الشجرة، فاستيقظ رسول الله ﷺ وهو قائم على رأسه بالسيف، فقال له دعثور: من يمنعك مني؟ قال: الله، فوقع السيف من يده، وأخذه رسول الله ﷺ وقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، قال: اذهب لشأنك، فولى وهو يقول: محمد خير مني، فقال رسول الله ﷺ : نعم، وأنا أحق بذلك منك، فنذرت غطفان برسول الله ﷺ فهربوا.
غزوة ذي أمر
قلت: هذه غزوة ذي أمر، وسماها الحاكم غزوة أنمار، وسمى بعضهم الأعرابي غورث، ويقال: كان ذلك في ذات الرقاع، ولا مانع من تعدد ذلك، وكأن أبا حاتم رأى اتحادهما فلم يذكر ذات الرقاع، وهي بنخل عند بعضهم؛ فلذلك لم يذكرها أيضا، والله أعلم.
ثم كانت سرية القردة ، وكان أميرها زيد بن حارثة، فلقي بها عير قريش، فأخذها، وأسر فرات بن حيان، وبلغ الخمس من تلك الغنيمة عشرين ألفا.
سرية القردة
قلت: والقردة ماء من مياه نجد، فإن قريشا بعد بدر خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام، فسلكوا طريق العراق، وكان في هذه العير أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة هي عظم تجارتهم، والله أعلم.
ثم كانت أحد.
غزوة أحد
قلت: كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشذ من قال: سنة أربع، وقال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمان؛ وقيل:
لتسع، وقيل: في نصفه، وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوز، لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر لم يكمل، ولهذا قال مرة أخرى: كانت بعد الهجرة بإحدى وثلاثين شهرا.
وكان السبب فيها أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع من بقي منهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيرهم، فكلموا أبا سفيان ومن له في العير مال في
стр. 214
الاستعانة بها على حرب النبي ﷺ ففعلوا، وقيل: كان المال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم، وعزلت الأرباح، وكانوا يربحون في تجارتهم الدينار دينارا، وجهزوا الجيش بذلك، وحركوا من أطاعهم من القبائل، وخرجوا بأحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن «١» لئلا يفروا، فخرج أبو سفيان- وكان قائدهم- بهند بنت عتبة، وكذلك سار أشرافهم خرجوا بنسائهم، وكان جبير بن مطعم أمر غلامه وحشيا الحبشي بالخروج مع الناس، وقال له: إن قتلت حمزة عم محمد ﷺ بعمي طعمة بن عدي فأنت عتيق، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، قاله ابن إسحاق، ووادي قناة خلف عينين بينه وبين أحد، فإن عينين في مقابلة أحد، فنزلوا هم أمام عينين مما يلي المدينة وفي غربيه لجهة بئر رومة؛ فلا يخالف ما سيأتي عن المطري، ونقل ابن عقبة أن أبا سفيان سار بجمعه حتى طلعوا من بئر الجماوين، ثم نزلوا ببطن الوادي الذي قبل أحد، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، وتمنوا لقاء العدو، وأرى رسول الله ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح، والله خير، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته «٢» ، أو قال به فلول، فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة، وأني مردف كبشا، قالوا: ما أولتها؟ قال: أولت البقر بقرا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة [٣] ، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت، ونقل ابن إسحاق أيضا أن عبد الله بن أبي قال: يا رسول الله، أقم بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم، فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج، فلما صلّى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم، فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا، فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل، فخرج بهم وهم ألف رجل، وكان المشركون ثلاثة آلاف. وقال المطري: إن نزول قريش يوم أحد بالمدينة كان يوم الجمعة، قال: وقال ابن إسحاق: يوم الأربعاء.
قال المطري: فنزلوا برومة من وادي العقيق، وصلّى النبي ﷺ الجمعة بالمدينة، ثم
стр. 215
خرج هو وأصحابه على الحرة الشرقية حرة واقم، وبات بالشيخين موضع بين المدينة وبين جبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد، وغدا صبح يوم السبت إلى أحد، انتهى. ونقل الأقشهري أنه ﷺ دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية؛ فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر بن الجموح، وقيل: إلى سعد بن عبادة، ولواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، وقيل: إلى مصعب بن عمير، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم ركب فرسه، وتقلد القوس، ثم أخذ قناته بيده، وفي المسلمين مائة دارع، وخرج السعدان أمامه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة والناس على يمينه وشماله، فمضى حتى إذا كان بالشيخين- وهما أطمان- التفت فنظر إلى كتيبة حسنة لها زجل «١» ، فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبي من يهود، فقال رسول الله ﷺ : لا نستنصر بأهل الشرك، فلما بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس، انتهى.
وفي الاكتفاء أن مخيريقا كان من أحبار يهود، فقال لهم يومئذ، لقد علمتم إن نصر محمد عليكم لحق، فتعللوا بسبتهم، فقال لهم: لا سبت لكم، وأخذ سيفه وعدته فلحق برسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، وفيه قال رسول الله ﷺ : «مخيريق خير يهود» انتهى.
وروى الطبراني في الكبير والأوسط برجال ثقات عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع فإذا هو بكتيبة حسناء، فقال: من هؤلاء؟
قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود من بني قينقاع، فقال: وقد أسلموا؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: مروهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين.
قال الأقشهري عقب كلامه السابق: وعرض رسول الله ﷺ من عرض ورد من رد في ذلك الموضع، يعني بالشيخين، وأذن بلال المغرب فصلى النبي ﷺ بأصحابه، وبات بذلك الموضع ﷺ واستعمل على الحرس في تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين يطوفون بالعسكر، وأدلج رسول الله ﷺ في السحر وهو يرى المشركين ودليله أبو خيثمة الحارثي، فانتهى إلى موضع القنطرة، فحانت الصلاة فصلى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح، قال: وقال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوّم القدح، وقال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد حتى إذا كان بالشوط انخذل عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، وفي رواية بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، وقال ابن عقبة: فبقي ﷺ في سبعمائة،