قلت: قد تقدم أن النبي ﷺ كان قد وادع اليهود، وكانوا يرجعون إلى ثلاث طوائف:
بني قينقاع، والنضير، وقريظة، فنقض الثلاثة العهد طائفة بعد طائفة، فأول من نقض منهم بنو قينقاع فحاربهم النبي ﷺ بعد بدر في شوال، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فنزلوا على حكمه، فأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، وفي الاكتفاء: وكان منشأ أمرهم، يعني في نقض العهد، أن امرأة من العرب قدمت بجلب «١» لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقلته، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فوقع الشر بينهم وبين المسلمين، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه.
وروي أن ابن أبيّ قال للنبي ﷺ : يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، وأنه قال: أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : هم لك، وقال مغلطاي في غزوة بني قينقاع، قال الحاكم: هذه وبني النضير واحد، وربما اشتبهتا على من لا يتأمل، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر أنهم أول من نقض العهد: فغزاهم النبي ﷺ ثم بني النضير، وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق، وذكر الواقدي أن إجلاء بني قينقاع كان في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال؛ فأنزل الله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى قوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: ١٢- ١٣] وأصاب ﷺ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف ودر عين أحدهما تسمى فضة والآخرى تسمى السغدية (بالسين المهملة والغين المعجمة) قال بعض الحفاظ: وكانت السغدية درع داود ﵇ التي لبسها حين قتل جالوت، والله أعلم.
غزوة السويق
قلت: سميت به لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون لأن أبا سفيان خرج
стр. 212
في مائتي راكب، وقيل: في أربعين، حتى أتوا العريض، فحرق نخلا، وقتل رجلا من الأنصار وأجيرا له، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون للهرب فيلقون جرب السويق، فأخذها المسلمون فرجعوا، وذلك بعد بدر، فإن أبا سفيان حلف بعدها ألايمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، ففعل ذلك، ورأى أن يمينه انحلت، والله أعلم.
ثم مات عثمان بن مظعون في ذي الحجة، فهول أول من مات من المهاجرين بالمدينة، ثم صلّى رسول الله ﷺ صلاة العيد، ثم ضحى بكبش، ثم بنى علي بفاطمة في ذي الحجة.
قلت: وقال النووي: وتوفيت في ذي الحجة منها رقية ابنته ﷺ لكن ذكر أهل السير ما يقتضي أن وفاتها كانت في رمضان منها، والله أعلم.
السنة الثالثة من الهجرة
السنة الثالثة: ثم قال رسول الله ﷺ : «من لكعب بن الأشرف» ؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له، ثم قتله.
قلت: ابن الأشرف كان أصله عربيا من نبهان على ما قاله ابن إسحاق، أتى أبوه المدينة فخالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان جسيما شاعرا، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة وأنشدهم الأشعار، وبكى أصحاب القليب «١» من قريش، ونزل فيهم على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص ابن أمية، فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة، فطردته، فرجع إلى المدينة وشبب بنساء المسلمين، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وقيل: صنع طعاما وواطأ يهود أن يدعو النبي ﷺ فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه، فأعلمه جبريل فقام منصرفا وقال: «من لكعب بن الأشرف» فانتدب له محمد بن مسلمة في نفر، واحتال عليه حتى نزل له ليلا فقتله، وقيل: أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه، والله أعلم.
غزوة الكدر
ثم غزا غزوة الكدر، وكان حامل لوائه علي بن أبي طالب، فرجع ولم يلق كيدا.
قلت: خرج فيها رسول الله ﷺ يريد بني سليم، واستخلف سباع بن عرفطة، وقيل:
стр. 213
ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة «قرقرة» ، ويقال نجران، فلم يلق أحدا، والله أعلم.
غزوة أنمار
ثم غزا غزوة أنمار، فجاءه دعثور فوجده نائما تحت الشجرة، فاستيقظ رسول الله ﷺ وهو قائم على رأسه بالسيف، فقال له دعثور: من يمنعك مني؟ قال: الله، فوقع السيف من يده، وأخذه رسول الله ﷺ وقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، قال: اذهب لشأنك، فولى وهو يقول: محمد خير مني، فقال رسول الله ﷺ : نعم، وأنا أحق بذلك منك، فنذرت غطفان برسول الله ﷺ فهربوا.
غزوة ذي أمر
قلت: هذه غزوة ذي أمر، وسماها الحاكم غزوة أنمار، وسمى بعضهم الأعرابي غورث، ويقال: كان ذلك في ذات الرقاع، ولا مانع من تعدد ذلك، وكأن أبا حاتم رأى اتحادهما فلم يذكر ذات الرقاع، وهي بنخل عند بعضهم؛ فلذلك لم يذكرها أيضا، والله أعلم.
ثم كانت سرية القردة ، وكان أميرها زيد بن حارثة، فلقي بها عير قريش، فأخذها، وأسر فرات بن حيان، وبلغ الخمس من تلك الغنيمة عشرين ألفا.
سرية القردة
قلت: والقردة ماء من مياه نجد، فإن قريشا بعد بدر خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام، فسلكوا طريق العراق، وكان في هذه العير أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة هي عظم تجارتهم، والله أعلم.
ثم كانت أحد.
غزوة أحد
قلت: كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشذ من قال: سنة أربع، وقال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمان؛ وقيل:
لتسع، وقيل: في نصفه، وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوز، لأن بدرا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر لم يكمل، ولهذا قال مرة أخرى: كانت بعد الهجرة بإحدى وثلاثين شهرا.
وكان السبب فيها أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع من بقي منهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيرهم، فكلموا أبا سفيان ومن له في العير مال في
стр. 214
الاستعانة بها على حرب النبي ﷺ ففعلوا، وقيل: كان المال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم، وعزلت الأرباح، وكانوا يربحون في تجارتهم الدينار دينارا، وجهزوا الجيش بذلك، وحركوا من أطاعهم من القبائل، وخرجوا بأحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن «١» لئلا يفروا، فخرج أبو سفيان- وكان قائدهم- بهند بنت عتبة، وكذلك سار أشرافهم خرجوا بنسائهم، وكان جبير بن مطعم أمر غلامه وحشيا الحبشي بالخروج مع الناس، وقال له: إن قتلت حمزة عم محمد ﷺ بعمي طعمة بن عدي فأنت عتيق، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، قاله ابن إسحاق، ووادي قناة خلف عينين بينه وبين أحد، فإن عينين في مقابلة أحد، فنزلوا هم أمام عينين مما يلي المدينة وفي غربيه لجهة بئر رومة؛ فلا يخالف ما سيأتي عن المطري، ونقل ابن عقبة أن أبا سفيان سار بجمعه حتى طلعوا من بئر الجماوين، ثم نزلوا ببطن الوادي الذي قبل أحد، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، وتمنوا لقاء العدو، وأرى رسول الله ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح، والله خير، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته «٢» ، أو قال به فلول، فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة، وأني مردف كبشا، قالوا: ما أولتها؟ قال: أولت البقر بقرا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة [٣] ، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت، ونقل ابن إسحاق أيضا أن عبد الله بن أبي قال: يا رسول الله، أقم بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم، فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج، فلما صلّى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم، فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا، فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل، فخرج بهم وهم ألف رجل، وكان المشركون ثلاثة آلاف. وقال المطري: إن نزول قريش يوم أحد بالمدينة كان يوم الجمعة، قال: وقال ابن إسحاق: يوم الأربعاء.
قال المطري: فنزلوا برومة من وادي العقيق، وصلّى النبي ﷺ الجمعة بالمدينة، ثم
стр. 215
خرج هو وأصحابه على الحرة الشرقية حرة واقم، وبات بالشيخين موضع بين المدينة وبين جبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد، وغدا صبح يوم السبت إلى أحد، انتهى. ونقل الأقشهري أنه ﷺ دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية؛ فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر بن الجموح، وقيل: إلى سعد بن عبادة، ولواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، وقيل: إلى مصعب بن عمير، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم ركب فرسه، وتقلد القوس، ثم أخذ قناته بيده، وفي المسلمين مائة دارع، وخرج السعدان أمامه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة والناس على يمينه وشماله، فمضى حتى إذا كان بالشيخين- وهما أطمان- التفت فنظر إلى كتيبة حسنة لها زجل «١» ، فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبي من يهود، فقال رسول الله ﷺ : لا نستنصر بأهل الشرك، فلما بلغوا الشوط انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس، انتهى.
وفي الاكتفاء أن مخيريقا كان من أحبار يهود، فقال لهم يومئذ، لقد علمتم إن نصر محمد عليكم لحق، فتعللوا بسبتهم، فقال لهم: لا سبت لكم، وأخذ سيفه وعدته فلحق برسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، وفيه قال رسول الله ﷺ : «مخيريق خير يهود» انتهى.
وروى الطبراني في الكبير والأوسط برجال ثقات عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع فإذا هو بكتيبة حسناء، فقال: من هؤلاء؟
قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود من بني قينقاع، فقال: وقد أسلموا؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: مروهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين.
قال الأقشهري عقب كلامه السابق: وعرض رسول الله ﷺ من عرض ورد من رد في ذلك الموضع، يعني بالشيخين، وأذن بلال المغرب فصلى النبي ﷺ بأصحابه، وبات بذلك الموضع ﷺ واستعمل على الحرس في تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين يطوفون بالعسكر، وأدلج رسول الله ﷺ في السحر وهو يرى المشركين ودليله أبو خيثمة الحارثي، فانتهى إلى موضع القنطرة، فحانت الصلاة فصلى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح، قال: وقال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوّم القدح، وقال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد حتى إذا كان بالشوط انخذل عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، وفي رواية بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، وقال ابن عقبة: فبقي ﷺ في سبعمائة،
стр. 216
فلما رجع عبد الله بن أبي سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين- وهما بنو حارثة وبنو سلمة- وقال الأقشهري: فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة، ومعه فرسه وفرس لأبي بردة بن نيار، وهذه رواية الواقدي، والذي رواه ابن عقبة- كما سيأتي- أنه لم يكن مع المسلمين فرس، وفي الاكتفاء بعد ذكر انخذال ابن أبي أن رسول الله ﷺ مضى حتى سلك في حرة بني حارثة، ثم قال: من رجل يخرج منا على القوم من كثب، أي من قرب، من طريق لا يمر بنا عليهم؟ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله ﷺ ومن معه قام فحثا في وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، وذكر أنه أخذ حفنة من تراب، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، فمضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد. وقال الأقشهري: وجعل أحدا خلف ظهره، واستقبل المدينة، وجعل عينين الجبل عن يساره، وقال ابن عقبة: وصفّ المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة، وتعبوا للقتال، وعلى خيل المشركين- وهي مائة فرس- خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس، وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأمّر رسول الله ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا، وعهد إليهم ألايتركوا منازلهم. ونقل الأقشهري أنه جعلهم على جبل عينين. وفي الاكتفاء أنه ﷺ قال لأميرهم: انضح الخيل عنا لا يأتونا من خلفنا، إن كان لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك، وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، وتعبأ قريش، وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائة فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وقد كان أبو عامر الراهب من الأوس خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ فكان يعد قريشا أن لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم هو في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق، وبذلك سماه رسول الله ﷺ وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فلما سمع ردهم عليه قال:
لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة، انتهى.
وروى البزار- ورجاله ثقات- عن الزبير بن العوام قال: عرض رسول الله ﷺ سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام أبو دجانة فقال: يا رسول الله أنا آخذه بحقه، فأعطاه إياه، فخرج، فأتبعته فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه «١» وهتكه، حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند وهي تقول:
стр. 217
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
والدر في المخانق ... والمسك في المفارق
«١»
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
«٢» يعني تحرضهم بذلك، قال: فحمل عليها، فنادت بالصحراء فلم يجبها أحد، فانصرف عنها، فقلت له: كل سيفك رأيته فأعجبني غير أنك لم تقتل المرأة، قال: فإنها نادت فلم يجبها أحد، فكرهت أن أضرب بسيف رسول الله ﷺ امرأة لا ناصر لها.
وفي الاكتفاء: ذكر الزبير ﵁ أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد، فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا، فعاد في يده سيفا قائمه منه، فقاتل به؛ فكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار.
وروى البزار برجال الصحيح عن بريدة أن رجلا قال يوم أحد: اللهم إن كان محمد على الحق فاخسف به، قال: فخسف به.
وقال ابن إسحاق: قتل أصحاب لواء المشركين وهم تسعة بأحد واحد بعد واحد.
وقال غيره: أحد عشر آخرهم غلام لبني طلحة.
وقال ابن عقبة: وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، فبارز طلحة بن عثمان من بني عبد الدار فقتله، وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم «٣» ، وحملت خيل المشركين فنضحهم الرماة بالنبل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوه، فرأى ذلك الرماة، فتركوا مكانهم، ودخلوا العسكر، فأبصر ذلك خالد ومن معه، فحملوا على المسلمين في الخيل، فمزقوهم، وصرخ صارخ: قتل محمد، أخراكم، فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل، وثبت نبي الله حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم، حتى رجع إليه بعضهم وهو عند المهراس في الشعب، وتوجه النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، فمر مصعدا «٤» في الشعب ومعه طلحة والزبير، وقيل: معه طائفة من الأنصار منهم سهل بن بيضاء والحارث بن الصمة، واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان
стр. 218
والأنوف والفروج ويبقرون البطون، وهم يظنون أنهم أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابه، فقال أبو سفيان يفتخر بإلهه: «اعل هبل» فناداه عمر: الله أعلى وأجل، ورجع المشركون إلى أثقالهم.
الرسول يقتل أبي بن خلف
قال ابن إسحاق: كان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة، وتحدث الناس بقتله، كعب بن مالك الأنصاري، قال: عرفت عينيه يزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول الله ﷺ فأشار إلي أن أنصت، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين، فلما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم:
يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم: فلما أخذها رسول الله ﷺ استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها «١» عن فرسه مرارا، وكان أبي بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود فرسا أعلفه كل يوم فرقا «٢» من ذرة أقتلك عليه، فيقول رسول الله ﷺ : أنا أقتلك إن شاء الله، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد، فقالوا: ذهب والله فؤادك، والله إن يك بأس، قال: إنه قد كان، قال بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني، فمات عدو الله بسرف وهم قافلون»
إلى مكة، وقد قال رسول الله ﷺ فيما قاله يومئذ: اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله ﷺ فسحقا لأصحاب السعير.
وفي الصحيح عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس: أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدت مع أخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه فنادى: أي عباد الله، أبي أبي، فقالت: فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم.
ونقل الأقشهري أن أبا سفيان بن حرب قال يومئذ لبني عبد الدار: إنكم ضيعتم اللواء يوم بدر، فأصابنا ما رأيتم، فادفعوا اللواء إلينا نكفكم، وإنما أراد تحريضهم على القتال
стр. 219
والثبات، فغضبوا وأغلظوا له، وأن رسول الله ﷺ سأل: من يحمل لواء المشركين؟ قيل:
عبد الدار، قال: نحن أحق بالوفاء منهم؟ أين مصعب بن عمير؟ فقال: ها أنا، قال: خذ اللواء، فأعطاه اللواء، وإن حمزة ﵁ حمل على عثمان بن طلحة حامل لواء المشركين فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره «١» ، ثم إن أصحاب اللواء قتلوا واحدا بعد واحد، فانكشف المشركون منهزمين، ونساؤهم يدعون بالويل والثبور، وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح، ووقفوا يأخذون الغنائم، فلما رأى الرماة ذلك أقبل جماعة منهم وخلوا الجبل، فكر خالد بالخيل، فتبعه عكرمة، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وقتلوا أميرهم عبد الله بن جبير، وانتقضت صفوف المسلمين، ونادى إبليس: قتل محمد، وثبت رسول الله ﷺ ما يزول، يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا، ويرمي بالحجارة، وثبت معه عصابة من الصحابة أربعة عشر من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر وسبعة من الأنصار، اه.
وروى النسائي عن جابر قال: لما ولّى الناس يوم أحد كان النبي ﷺ في اثني عشر رجلا من الأنصار فيهم طلحة.
ووقع عند الطبري من طريق السدي قال: تفرق الصحابة فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل، وثبت رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الله، فرماه ابن قميئة بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله، فتراجع إلى النبي ﷺ ثلاثون رجلا، فجعلوا يذبون عنه «٢» ، فحمله منهم طلحة وسهل بن حنيف، فرمي طلحة بسهم فيبست يده، وقال بعض من فر إلى الجبل: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يستأمن لنا من أبي سفيان، فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه، ثم ذكر قصة قتله، وقصد رسول الله ﷺ الجبل، فأراد رجل من أصحابه أن يرميه بسهم، فقال: أنا رسول الله، فلما سمعوا ذلك فرحوا به، واجتمعوا حوله، وتراجع الناس.
وروى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، وقد أخرجه الشيخان، وفي رواية لمسلم: يعني جبريل ومكائيل، وقول مجاهد: «لم تقاتل الملائكة يومئذ ولا قبله ولا بعده، إلا يوم بدر» . قال البيهقي: أراد به أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به.
стр. 220
وعن عروة بن الزبير: كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهده إليهم وأرادوا الدنيا رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] فصدق الله وعده، وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء.
وعند ابن سعد: ثبت معه ﷺ سبعة من الأنصار وسبعة من قريش.
وفي مسلم من حديث أنس: أفرد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش طلحة وسعد.
وقال ابن إسحاق: حدثني حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعية النبي ﷺ يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل يسيل الدم على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول:
كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨] الآية.
وروى بن إسحاق من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول الله ﷺ .
وذكر ابن هشام في حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص أخا سعد هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب هو الذي شجه في جبهته، وأن عبد الله بن قميئة جرحه في وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجهه، ثم ازدرده «١» ، فقال له: لن تمسك النار.
وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قميئة رسول الله ﷺ يوم أحد فشج وجهه، وكسر رباعيته، وقال: خذها وأنا بن قميئة، فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: ما لك أقمأك الله، فسلط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.
وقال السهيلي: الذي كسر رباعية رسول الله ﷺ عتبة بن أبي وقاص أخو سعد، لم يولد من نسله ولد فبلغ الحلم إلا وهو أبخر أو أهتم، يعرف بذلك في عقبه.
وروى ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي قال: لقد بلغنى أن الذين كسروا رباعية النبي ﷺ لم يولد لهم صبي فنبتت له رباعية.
وقيل: كان سبب الهزيمة أن ابن قميئة الليثي قتل مصعب بن عمير، وكان مصعب إذا
стр. 221
لبس لأمته يشبه النبي ﷺ فلما قتله ظن أنه رسول الله ﷺ فرجع إلى قريش وقال: قد قتلت محمدا، فازدادوا جرأة وصاح إبليس من العقبة: قتل محمد، فلما سمع المسلمون ذلك وهم متفرقون كانت الهزيمة، فلم يلو أحد على أحد «١» .
والصواب أن السبب مخالفة الرماة للأمر، وهذا مؤكد له ومتمم، مع أن الأصل في ذلك- مع إرادة الله تعالى- ما اتفق ببدر من أخذ الفداء، فقد أخرج الترمذي والنسائي عن علي أن جبريل هبط فقال: خيّرهم في أسارى بدر القتل أو الفداء على أن يقتل منهم من قابل مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا، وقال الترمذي: حسن، وذكر غيره له شواهد تقويه، ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، وقتلوا سبعين، وأسروا سبعين. وفيه أيضا أن المشركين أصابوا يوم أحد من المسلمين سبعين، ولفظه من حديث البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: لا تبرحوا، فإن رأيتمونا ظهرنا عليهم «٢» فلا تبرحوا «٣» ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا، فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلا خلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله: عهد إلي النبي ﷺ ألاتبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف الله وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا.
ووقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر في قصة بدر قال: فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون وفروا، وكسرت رباعية النبي ﷺ وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [آل عمران:
١٦٥] الآية، والمراد بكسر الرباعية- وهي السن التي تلي الثنية والناب- أنها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها، وقوله «وفروا» أي: بعضهم، أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم، والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق: فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انقضى القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران: ١٥٥] وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قتل، فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه، أو يستمر على نصرته في القتال إلى أن يقتل، وهم أكثرهم، وفرقة بقيت مع النبي ﷺ ثم تراجع إليهم القسم الثاني شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي، وما ورد من الاختلاف في العدد محمول على تعدد المواطن في القصة.
стр. 222
ووقع عند أبي يعلى في حديث عمر المتقدم: فلما كان عام أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون.
وفي الاكتفاء: أنه لما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب، فقاتل في رجال من المسلمين، ولما اشتد القتال جلس رسول الله ﷺ يومئذ تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي أن قدم الراية، فتقدم فقال: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة: هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم، فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين: فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه «١» ، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله.
وقد قيل: إن سعد بن أبي وقاص هو الذي قتل أبا سعد هذا.
وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس قال: دخل علي بن أبي طالب على فاطمة يوم أحد فقال: خذي هذا السيف غير ذميم، فقال النبي ﷺ : لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسنه سهل بن حنيف وأبو دجانة بن خرشة.
وذكر في الاكتفاء دخول الحلقتين من حلق المغفر في وجنته ﷺ وأنه وقع في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر الراهب ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بيده، ورفعه طلحة حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجهه، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنيته، ثم نزع الآخرى فسقطت ثنيته الآخرى، ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله ﷺ قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: «ارم فداك أبي وأمي» ، وأصيب ويمئذ عين قتادة بن النعمان فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه، وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج، فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، فبينا هم في الشعب إذ علت عالية من قريش: الجبل، فقال: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع، وقد كان بدّن «٢» وظاهر بين درعين «٣» ، فجلس تحته طلحة بن
стр. 223
عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ : «أوجب طلحة» «١» وصلى النبي ﷺ يومئذ الظهر قاعدا من الجراح التي أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا.
وفي الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان- حين أراد الانصراف- قال: «لنا العزى ولا عزى لكم» فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» .
وفيه أيضا أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فلما لم يجبه أحد قال: إن هؤلاء قتلوا، ولو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال:
كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك.
قال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلي يا عمر، فقال رسول الله ﷺ لعمر: ائته فانظر ما شأنه، فجاء، فقال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا عمر أقتلنا محمدا، فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر، ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت، ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد» ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم، فخرج علي فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة، وفزع الناس لقتلاهم، وانتشروا يبتغونهم، وسيأتي خبرهم وتعيينهم إن شاء الله تعالى في الفصل السادس من الباب الخامس، وبكى المسلمون يومئذ على قتلاهم، فسر المنافقون، وظهر غش اليهود، وفارت المدينة بالنفاق.
الحكم التي في قصة أحد
قال العلماء: وكان في قصة أحد من الحكم والفوائد أشياء عظيمة.
منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي؛ لما وقع من الرماة.
ومنها: أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة.
стр. 224
ومنها: إظهار أهل النفاق حتى عرف المسلمون أن لهم عدوا بين أظهرهم.
ومنها: أن في تأخير النصر هضما للنفس.
ومنها: أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فسبب لهم ذلك ليبلغوها.
ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها لهم بين يدي الرسول ليكون شهيدا عليهم.
قال ابن إسحاق: وفي شأن أحد أنزل الله ستين آية من آل عمران.
وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف:
أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلى قوله: أَمَنَةً نُعاساً [آل عمران: ١٢١- ١٥٤] .
أبو عزة الجمحي ومقتله
ثم خرج رسول الله ﷺ بعد الوقعة مرهبا لعدوه حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فأخذ في وجهه ذلك أبا عزّة الجمحي، وكان النبي ﷺ قد منّ عليه يوم بدر بغير فداء، وأخذ عليه ألايظاهر «١» عليه أحدا، وكان شاعرا، فقال له صفوان بن أمية: إنك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك، ولم يزل به حتى خرج معهم، فلما أخذه النبي ﷺ قال: يا رسول الله أقلني فقال رسول الله ﷺ : والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه.
تحريم الخمر السنة الرابعة من الهجرة غزوة الرجيع غزوة بني النضير.
وفي رواية أنه قال له: «إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت» فضرب عنقه.
تحريم الخمر
وفي هذه السنة أيضا حرمت الخمر، ويقال: في التي بعدها، وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، واستدل بشيء فيه نظر.
وتزوج النبي ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ في شعبان على الأصح، وقيل: في التي قبلها، وزينب بنت خزيمة أم المساكين في رمضان، فمكثت عنده شهرين أو ثلاثة، وقيل: ثمانية أشهر، وماتت، وولد الحسن بن علي في منتصف رمضان،
стр. 225
وعلقت أمه بالحسين بعد خمسين ليلة، وتزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ والله أعلم.
السنة الرابعة من الهجرة
السنة الرابعة: وكانت بئر معونة أولها في المحرّم.
قلت: في الصحيح من رواية أنس قال: إن النبي ﷺ أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان، فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدوه على قومهم، فأمدهم النبي ﷺ بسبعين من الأنصار، قال أنس: كنا نسميهم القراء، يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم، فقنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان، وفي بعض الروايات ما يقتضي أن الذين استمدوا لم يظهروا الإسلام، بل كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد، وأنهم غير الذين قتلوا القراء لكنهم من قومهم، وهو الذي في كتب السير وقد بين ابن إسحاق في المغازي وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب أسماء الطائفتين، وأن أصحاب العهد هم بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، المعروف بملاعب الأسنة، وأن الطائفة الآخرى من بني سليم، وأن عامر بن أخي ملاعب الأسنة أراد الغدر بأصحاب النبي ﷺ فدعا بني عامر إلى قتالهم، فامتنعوا وقالوا: لا نخفر «١» ذمة أبي براء، فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بني سليم، فأطاعوه وقتلوهم، قالوا: ومات أبو براء بعد ذلك آسفا على ما صنع به عامر بن الطفيل، وقيل: أسلم أبو براء عند ذلك، وقاتل حتى قتل، وعاش عامر بن الطفيل حتى مات كافرا بدعاء النبي ﷺ أصابته غدة كغدة البعير «٢» ، ولم يكن القراء المذكورون كلهم من الأنصار، بل كان بعضهم من المهاجرين مثل عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ونافع بن ورقاء الخزاعي وغيرهما، كما يؤخذ من الصحيح أيضا، والله أعلم.
ثم كانت غزوة الرجيع في صفر.
غزوة الرجيع
قلت: ذكرها ابن إسحاق في الثالثة قبل بئر معونة، والرجيع: موضع ببلاد هذيل، والله أعلم.
ثم كانت غزوة بني النضير.
стр. 226
غزوة بني النضير
قلت: ذكرها بعضهم في الثالثة قبل أحد، وقال الزهري: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد، وذكرها ابن إسحاق في الرابعة بعد بئر معونة وأن سببها أن النبي ﷺ جاءهم يستعينهم في دية، وجلس إلى جنب جدار لهم، فخلا بعضهم ببعض، وأمروا عمرو بن جحاش أن يرقى فيلقي عليه صخرة، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرا أن يقضي حاجة، وقال لأصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعا إلى المدينة، فأمر بحربهم والمسير إليهم، وأمر بقطع النخل والتحريق، قال: وحاصرهم ست ليال، فسألوا أن يجلوا من أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل، فصولحوا على ذلك، فاحتملوا إلى خيبر وإلى الشام؛ فكانت أموالهم له ﷺ خاصة، ووافق ابن إسحاق على ذلك جل أهل المغازي، وأصح منه ما رواه ابن مردويه بسند صحيح أنهم أجمعوا على الغدر، فبعثوا إلى النبي ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي ﷺ بأمر بني النضير قبل أن يصل إليهم، فرجع وصبّحهم بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم، فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل «١» إلا السلاح، فاحتملوا أبواب بيوتهم؛ فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام.
ورواه أيضا عبد بن حميد في تفسيره، وروى أيضا من طريق عكرمة أن غزوتهم كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، وروى أن قريشا كتبوا لبني النضير يحثونهم على حرب رسول الله ﷺ فأضمروا الغدر بالنبي ﷺ ولما حرق رسول الله ﷺ نخلهم قال حسان ﵁ يعير قريشا من أبيات:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ولم يكن أسلم حينئذ:
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نواحيها السعير
ستعلم أيّنا منها بنزه ... وتعلم أي أرضينا تضير
أي: ستعلم أينا منها ببعد، وأي الأرضين أرضنا أو أرضكم يحصل لها الضير: أي الضرر؛ لأن بني النضير إذا خربت أضرت بما جاورها وهو أرض الأنصار لا أرض
стр. 227
قريش، ونقل ابن سيد الناس عن أبي عمرو الشيباني أن الذي قال البيت المتقدم المنسوب لحسان هو أبو سفيان بن الحارث، وأنه لما قال:
وعزّ على سراة بني لؤي
بدل «هان» قال: ويروى «بالبويلة» بدل «بالبويرة» وأن المجيب له بالبيتين المتقدمين هو حسان، وما قدمناه هو رواية البخاري.
قال ابن سيد الناس: وما ذكره الشيباني أشبه.
قلت: كأنه استبعد أن يدعو أبو سفيان في حالة كفره على أرض بني النضير، وقد قدمنا وجهه، وكان أشراف بني النضير بنو الحقيق وحيي بن أخطب، فكانوا في من سار إلى خيبر، فدان «١» لهم أهلها، وأسلم منهم يامين بن عمير وأبو أسعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.
وروى ابن شبة عن الكلبي قال: لما ظهر النبي ﷺ على أموال بني النضير قال للأنصار: إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الأموال بينهم وبينكم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم فقسمت هذه فيهم، قالوا: بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] . وقال ابن إسحاق: قسمها ﷺ في المهاجرين إلا سهل بن حنيف وأبو دجانة، ذكرا فقرا فأعطاهما منها، والله أعلم.
ثم ولد الحسين بن علي.
قلت: المشهور في ولادته أنها في الثالثة كما قدمناه، والله أعلم.
ثم كانت بدر الموعود.
قلت: هي بدر الثالثة لما تقدم، والله أعلم.
ثم كان مقتل سلام بن مشكم أي أبي رافع، ويقال: عبد الله بن أبي الحقيق وهي سرية عبيد الله بن عتيك. ثم رجم رسول الله ﷺ اليهوديين اللذين كان يحني أحدهما على الآخر.
زواج أم سلمة هند بنت أبي أمية
قلت: وفيها في شوال تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة هند- وقيل: رملة- بنت أبي
стр. 228
أمية، وهي أول من هاجر مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة ثم هاجرت إلى المدينة، كذا ذكر بعض أهل السير، وقال أبو عمر: تزوجها ﷺ سنة اثنتين بعد بدر في شوال.
غزوة ذات الرقاع
وفيها غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير بشهرين عند ابن إسحاق، وقيل: في الخامسة، وذكرها البخاري بعد خيبر لما في الصحيح من حضور أبي موسى الأشعري فيها، وهو من أصحاب السفينة، ولا مانع من التعدد، والله أعلم.
السنة الخامسة من الهجرة
السنة الخامسة: ثم فك رسول الله ﷺ سلمان من الرق، ثم خرج إلى دومة الجندل، فرجع ولم يلق كيدا. ثم توفيت أم سعد بن عبادة.
ثم كسف القمر في جمادى الآخرة؛ فصلى بهم كصلاة كسوف الشمس.
قلت: وجعلت اليهود يضربون بالطساس، ويقولون: سحر القمر. وروى ابن حبان في صحيحه أنه ﷺ صلّى لكسوف القمر، والله أعلم.
ثم أصابت قريشا شدة، فبعث إليهم بفضة يتألفهم بها. ثم وفد بلال بن الحارث المزني، فكان أول وافد مسلم إلى المدينة. ثم قدم ضمام بن ثعلبة، ثم غزا المريسيع في شعبان، وفيها أنزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة ﵂.
قلت: وسيأتي أن الأشبه أن بني المصطلق هي هذه، والله أعلم.
ثم غزوة الخندق .
غزوة الخندق
قلت: هكذا ذكره ابن إسحاق، وهو المعتمد، وقال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع، وصححه النووي في الروضة، مع قوله بأن بني قريظة في الخامسة، وهو عجيب؛ لما سيأتي من أنها كانت عقيب الخندق، سميت بذلك لحفر النبي ﷺ الخندق بإشارة سلمان الفارسي، وتسمى بالأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين فيها على الحرب، وهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب، وأنزل الله في ذلك صدر سورة الأحزاب، وذلك أن حيي بن أخطب في نفر من بني النضير خرجوا من خيبر إلى مكة، فحرضوا قريشا على الحرب، وخرج كنانة بن أبي الحقيق يسعى في بني غطفان ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أن لهم نصف ثمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فنزلوا مر الظهران، فجاءهم من أجابهم من بني سليم، وكانوا قد استمدوهم فصاروا في جمع عظيم- ذكر ابن إسحاق بأسانيد أن عدتهم عشرة آلاف، قال:
стр. 229
وكان المسلمون ثلاثة آلاف- وقيل: كان المسلمون ألفا، والمشركون أربعة آلاف- وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوما، ونزلت قريش بمجتمع السيول من رومة بني الجرف وزغابة، وغطفان ومن تبعهم من أهل نجد بذنب نقمى إلى جانب أحد.
وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس: ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينه وبين القوم، وجعل النساء والذراري في الآطام.
وقال ابن إسحاق: نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة، ونزل عيينة في غطفان، وذكر ما تقدم من رواية ابن عباس المذكورة.
وروى الطبراني ورجاله ثقات عن رافع بن خديج قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه، وقال: إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف، فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له «نجدان» أحد بني جحاش على فرس حتى كان في أصل الحصن، ثم جعل يقول للنساء: أنزلن إلي خير لكن، فحركن السيف، فأبصره أصحاب رسول الله ﷺ فابتدر الحصن «١» قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظفر بن رافع، فقال: يا نجدان ابرز، فبرز إليه، فحمل عليه فقتله، وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ .
وروى البزار بإسناد ضعيف عن الزبير بن العوام ﵁ أن رسول الله ﷺ لما خرج للخندق جعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له «فارع» وجعل معهم حسان بن ثابت، فرقي يهودي حتى أشرف على نساء رسول الله ﷺ وعلى عمته، فقالت صفية: يا حسان قم إليه حتى تقتله، قال: لا، والله ما ذاك فيّ، ولو كان في لخرجت مع رسول الله ﷺ قالت صفية: فاربط السيف على ذراعي، ثم تقدمت إليه حتى قتلته، وقطعت رأسه، فقالت له: خذ الرأس فارم به على اليهود، قال: ما ذاك فيّ، فأخذت هي الرأس فرمت به على اليهود، فقالت اليهود: قد علمنا أن لم يك يترك أهله خلوفا ليس معهم أحد، فتفرقوا وذهبوا.
وروى أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق، أي: وهو المسمى بفارع، فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان: انزل فاسلبه «٢» ، فقال: ما لي بسلبه حاجة.
стр. 230
وروى الطبراني هذه القصة عن صفية ﵂ في غزوة أحد، وفي إسناده اثنان، قال الهيثمي: لم أعرفهما، وبقية إسناده ثقات، والمذكور في كتب السير أن هذه القصة في الخندق، وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع، وأن صفية ﵂ لما فرغت من قتل اليهودي ورجعت إلى الحصن قالت لحسان: انزل فاسلبه، فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.
قال السهيلي: محمل هذا الحديث عند الناس أن حسان كان جبانا شديد الجبن، وقد دفع بعض العلماء هذا وأنكره، وقال: لو صح هذا لهجي حسان به، فإنه كان يهاجي الشعراء، وكانوا يردون عليه فما عيّره أحد بجبن، وإن صح فلعل حسان كان معتلا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال، انتهى.
وروى الطبراني برجال الصحيح عن عروة مرسلا أن النبي ﷺ أدخل نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة، وكان حسان بن ثابت رجلا جبانا، فأدخله مع النساء، فأغلق الباب، وذكر القصة.
وممن ذكر القصة في الخندق ابن إسحاق، ويؤيده أن اليهود إنما غدروا في الخندق، وذلك أن حيي بن أخطب توجه إلى بني قريظة، فلم يزل بهم حتى غدروا، وبلغ المسلمين غدرهم، فاشتد بهم البلاء والحصار حتى تكلم معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف وأوس بن قيظي أخو بني حارثة وغيرهما من المنافقين بالنفاق، وأنزل الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ١٢] الآيات. قال ابن عباس: وكان الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان، وكان حيي بن أخطب أتى كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، فأغلق باب حصنه دونه، وقال: لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا، فقال له: إني جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش وغطفان على قادتهما وسادتهما قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذلّ الدهر، وبجهام قد هراق «١» ماءه فهو يرعد ويبرق وليس فيه شيء، فلم يزل حتى نقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين محمد ﷺ فاشتد الخوف بالمسلمين.
قال ابن إسحاق: ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل، ولكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر معهم خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق، فبارزه علي فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، فبارزه الزبير فقتله، ويقال: قتله علي،
стр. 231
ورجعت بقية الخيول منهزمة، وقيل: اقتتلوا ثلاثة أيامة قتالا شديدا حتى يحجز الليل بينهم، سيما في اليوم الثالث، حتى شغلهم القتال عن صلاة العصر والمغرب- وقيل:
والظهر- وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة: ٢٣٩] قال مالك: ولم يستشهد يوم الخندق إلا أربعة أو خمسة، وذكر غيره ستة، وهم: سعد بن معاذ كما سيأتي، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهيل، وهم من بني عبد الأشهل، وثعلبة بن غنمة، والطفيل بن النعمان، وهما من بني سلمة، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار.
وكان من المناوشات بين الفريقين أن مات بعض بني عمرو بن عوف من أهل قباء، فاستأذن أقرباؤه رسول الله ﷺ ليدفنوه، فأذن لهم، فلما خرجوا إلى الصحراء لدفن ميتهم وافقوا ضرار بن الخطاب وجماعة من المشركين بعثهم أبو سفيان ليمتاروا له من قريظة على إبل له، فحملوا على بعضها قمحا، وعلى بعضها شعيرا، وعلى بعضها تمرا وتبنا للعلف، فلما رجعوا وبلغوا ساحة قباء وافقوا الذين كانوا يدفنون ميتهم، فناهضهم المسلمون وغلبوهم، فجرح ضرار جراحات، فهرب هو وأصحابه، وساق المسلمون الإبل بما عليها إلى رسول الله ﷺ وكان للمسلمين في ذلك سعة من النفقة.
إسلام نعيم بن مسعود الأشجعي
ثم أتى نعيم بن مسعود الأشجعي إلى النبي ﷺ مسلما، ولم يعلم به قومه، فقال له:
خذل عنا «١» ، فمضى إلى بني قريظة، وكان نديما لهم، فقال: قد عرفتم محبتي، قالوا:
نعم، فقال: إن قريشا وغطفان ليست هذه بلادهم، وإنهم إن رأوا فرصة انتهزوها، وإلا رجعوا إلى بلادهم وتركوكم في البلاد مع محمد، ولا طاقة لكم به، قالوا: فما ترى؟
قال: لا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا، فقبلوا رأيه، فتوجه إلى قريش فقال لهم: إن اليهود ندموا على الغدر بمحمد، فراسلوه في الرجوع إليه، فراسلهم بأنا لا نرضى حتى تبعثوا إلى قريش فتأخذوا منهم رهنا فأقتلهم، ثم جاء غطفان بنحو ذلك، فلما أصبح أبو سفيان بعث عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة بأنا قد ضاق بنا المنزل، ولم نجد مرعى، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، فأجابوهم إن اليوم يوم السبت، ولا نعمل فيه شيئا، ولا بد لنا من الرهن منكم لئلا تغدروا بنا، فقالت قريش: هذا ما حذركم نعيم، فراسلوهم ثانيا: إنا لا نعطيكم رهنا، فإن شئتم أن تخرجوا فافعلوا، فقالت قريظة: هذا ما أخبرنا نعيم، ثم بعث الله عليهم الريح فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفته، لا تقر
стр. 232
لهم قرارا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، والله ما أصبحتم بدار مقام «١» ، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، فتحملت قريش وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا «٢» راجعين إلى بلادهم، وقال ﷺ : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا» .
وفي الذيل على أخبار المدينة لابن النجار لصاحبه العراقي عن الكلبي أنه قال: إن الملائكة اتبعوا الأحزاب حتى بلغوا الروحاء يكرون في أدبارهم، فهربوا لا يلوون على شيء «٣» ، والله أعلم.
ثم كانت غزوة بني قريظة .
غزوة بني قريظة
قلت: قال أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء: ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة ومعه المسلمون، فلما كانت الظهر أتاه جبريل- ويقولون فيما ذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ كان في المغتسل عندما جاءه جبريل، وهو يرجّل رأسه «٤» ، قد رجّل أحد شقيه، فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة وأثر الغبار، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك! قد وضعتم السلاح؟ قال: نعم، قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، اه.
وفي رواية أخرى أنه قال: انهض إليهم فلأضعضعنهم، فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار، وأصله في البخاري في باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب من رواية أنس، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في سكة بني غنم من موكب جبريل.
ورواه ابن سعد من طريق حميد بن هلال مطولا، لكن ليس فيه أنس، وأوله: كان بين النبي ﷺ وبين بني قريظة عهد، فلما جاءت الأحزاب نقضوه وظاهروهم، فلما هزم الله الأحزاب تحصنوا، فجاء جبريل فقال: يا رسول الله، انهض إلى بني قريظة، فقال: إن
стр. 233
في أصحابي جهدا، قال: انهض إليهم فلأضعضعنهم، قال: فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار.
قلت: زقاقهم هو عند موضع الجنائز في شرقي المسجد، كما علم من ذكر منازلهم.
وفي رواية: لما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق والمسلمون، ووضعوا السلاح، أتى جبريل رسول الله ﷺ معتجرا بعمامة «١» من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة، فأمر النبي ﷺ بلالا فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقدم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة في رواية، وفي أخرى خمس عشرة، وعند ابن سعد عشرة، حتى أجهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد وقال لهم: إما أن تؤمنوا بمحمد فو الله إنه نبي أو تقتلوا نساءكم وأبناءكم وتخرجوا مستقتلين ليس وراءكم ثقل «٢» وتبيتوا المسلمين ليلة السبت، فقالوا: لا نؤمن ولا نستحل السبت، وأي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ وأرسلوا إلى أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو بن عوف من الأوس، وكانوا حلفاءهم، فاستشاروه في النزول على حكم رسول الله ﷺ فأشار إلى حلقه، يعني الذيح، ثم ندم، فتوجه إلى المسجد النبوي، وارتبط بسارية تعرف به اليوم حتى تاب الله عليه، واستشهد من المسلمين خلاد بن سويد من بني الحارث بن الخزرج، طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته، وأمر ﷺ بقتلها بعد ذلك، ومات في الحصار أبو سنان بن محصن الأسدي أخو عكاشة بن محصن، فدفنه رسول الله ﷺ في مقبرة بني قريظة التي تدافن فيها المسلمون لما سكنوها، ولم يصب غير هذين، فلما اشتد بهم الحصار أذعنوا «٣» أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فقال الأوس: قد فعلت في موالي الخزرج- أي: بني قينقاع- ما علمت، فال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله «٤» يوم الخندق، فأتاه قومه، فحملوه على حمار، ثم أقبلوا معه يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا
стр. 234
قال: لقد آن لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم، فجاء سعد فرد رسول الله ﷺ الحكم إليه، فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله ﷺ : قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة:
سموات، ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ في المدينة، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق وفيهم عدو الله حيي بن أخطب؛ فإنه كان قد عاهد كعب بن أسد لئن رجعت قريش وغطفان لأدخلن معك في حصنك حتى يصيا بني ما أصابك، فلما رجعت الأحزاب دخل معه في حصنه، فكان ذلك، فأمر رسول الله ﷺ بقتل من أنبت منهم، ومن لم ينبت استحياه، ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد كما سبق.
وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال: أن سعد بن معاذ حكم أيضا أن يكون دارهم للمهاجرين دون الأنصار، فلامه الأنصار، فقال: أحببت أن يستغنوا عن دوركم.
واختلف في عدتهم؛ فعند ابن إسحاق كانوا ستمائة، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة كانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى السبعمائة، وفي النسائي وابن ماجه بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، وكان الزبير بن باطا القرظي قد مر على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث، فجاءه ثابت لما قتل بنو قريظة وهو شيخ كبير، وذكّره بذلك، ثم ذهب فاستوهبه من رسول الله ﷺ فوهبه إياه، فأتاه فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ فاستوهب له امرأته وولده، فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم؟ فاستوهب له ماله، فأتاه فأعلمه، فقال: أي ثابت ما فعل فلان وفلان، وصار يذكر قومه ويصفهم، فقال له: قتلوا، قال:
فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فقدمه ثابت فضرب عنقه.
ثم قسم رسول الله ﷺ أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأسهم للخيل، فكان أول فيء وقعت فيه السهمان «١» ، وأخرج منه الخمس، واصطفى رسول الله ﷺ لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عنده حتى توفي، وكان يحرص عليها أن يتزوجها، فقالت: تتركني في ملكك فهو أحق علي وعليك، فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام، فوجد رسول الله ﷺ بذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة، فكان كذلك، وقيل: إن النبي ﷺ أعتقها وتزوجها، وإنها ماتت
стр. 235
في حياته مرجعه من حجة الوداع، وهذا الأثبت عند الواقدي، وبعضهم يقول: هي من بني النضير.
ولما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ فمات شهيدا.
وفي البخاري ما يقتضي أن قريظة كانوا قد حاربوا قبل ذلك مع بني النضير، وأن النبي ﷺ منّ عليهم، ولم أر التصريح بذلك، ولم يتعرض له الحافظ ابن حجر في شرحه، وقد قدمنا في بني النضير من رواية ابن مروديه ما يشهد له، ولفظ البخاري: عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي بالمدينة، اه.
ورواه أبو داود بنحوه، إلا أنه قال: حتى حاربت قريظة بعد ذلك، يعني بعد محاربتهم الأولى وتقريرهم، ويؤخذ من ذلك أن إجلاء من بقي من طوائف اليهود بالمدينة كان بعد قتل قريظة.
وفي البخاري أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا حتى إذا جئنا بيت المدراس «١» قال:
أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ولرسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بما له شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله، وهو مقتض لأن ذلك كان بعد خيبر؛ لأن إسلام أبي هريرة بها في السنة السابعة، والله أعلم.
ثم كانت سرية عبيد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني بعرنة «٢» ، وفيها سقط رسول الله ﷺ عن فرسه «٣» فجحش، وفيها دفت دافة العرب»
، فنهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث.
قلت: وتزوج زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة، وقيل: في الثالثة، وبسبها نزلت آية الحجاب، وأسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، والله أعلم.
السنة السادسة من الهجرة
السنة السادسة: في أولها أتى رسول الله ﷺ بثمامة بن أثال أسيرا، ثم كسفت الشمس ثانية بعد الكسوف الذي كان يوم مات ابنه إبراهيم.
стр. 236
قلت: لعل في النسخة خللا لما سنذكره من ولادة إبراهيم في الثامنة ووفاته في العاشرة، فالكسوف في السادسة هو الكسوف الأول، وفيها نزل حكم الظهار، والله أعلم.
وفيها قتل المشركون سرية محمد بن مسلمة ولم يفلت منهم غيره، وكانوا عشرة، ثم كانت سرية علي بن أبي طالب إلى فدك في مائة رجل، ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فظهر عليهم، فزوجه رسول الله ﷺ تماضر بنت الإصبغ بن عمرو الكلبي وهو ملكهم، ثم أجدب الناس فاستسقى رسول الله ﷺ في رمضان في موضع المصلى فسقوا، ثم أرسل زيد بن حارثة في سرية، فسبى سلمة بن الأكوع في تلك السرية بنت مالك بن حذيفة، ثم كانت الحديبية، ثم أغار عيينة بن حصن الفزاري على لقاح رسول الله ﷺ فاستنقذها.
قلت: قد قدمنا في حدود الحرم أن لقاحه ﷺ كانت ترعى بالغابة وما حولها، فأغار عليها عيينة يوم ذي قرد، وهو الموضع الذي كان فيه القتال، سميت الغزوة به، وتسمى أيضا غزوة الغابة.
قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله ﷺ من غزوة بني لحيان وكان في شعبان سنة ست، لم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة في خيل من غطفان على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، وفيها رجل من بني غفار وامرأته، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة في اللقاح، وكان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سلع، ثم صرخ: واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم حتى لحقهم، فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضّع، فإذا وجهت الخيل نحوه هرب، ثم عارضهم، وهكذا، وبلغ رسول الله ﷺ صياحه، فصرخ بالمدينة: الفزع، الفزع، فترامت الخيل إليه، فلما اجتمعوا أمّر عليهم سعد بن زيد الأشهلي، وقال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس، فقتل أبو قتادة ﵁ حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده، وأقبل رسول الله ﷺ في المسلمين، فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة ولكنه قتيل، فظنوه هو، فقال رسول الله ﷺ : ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل له، وأدرك عكاشة بن محصن ﵁ أوبارا وابنه عمر بن أوبار، وهما على بعير واحد، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالخيل من ذي قرد، وتلاحق به الناس، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له سلمة: يا رسول الله لو سرّحتني في مائة رجل لاستنقذت
стр. 237
بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال له ﷺ : إنهم ليقرون في غطفان، فقسم ﷺ في أصحابه في كل مائة جزورا، وأقاموا عليها، ثم رجع، وأفلتت امرأة الغفاري على ناقة من اللقاح حتى قدمت على رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر، وقالت: إني نذرت لله أن أنحرها إن أنجاني الله عليها، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: بئس ما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، هذه رواية ابن إسحاق، وقد ذكر فيها قتل اثنين من المسلمين.
وخرّج مسلم القصة عن سلمة مطولة ومختصرة، وخالف ما ذكره ابن إسحاق في مواضع: منها أنها كانت بعد انصرافه ﷺ من الحديبية، وجعلها ابن إسحاق قبلها، ومنها:
أن فيه أن اللقاح كانت ترعى بذي قرد، وكذا هو في البخاري، وقال ابن إسحاق: بالغابة، وكذا هو في حديث سلمة الطويل، ولهذا قال عياض: إن الأول غلط، ويمكن الجمع بأنها كانت ترعى تارة هنا وتارة هناك، ومنها: أنه قال فيه: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا بذي قرد يسقون من الماء، وفي رواية لمسلم ما يقتضي أن سلمة كان مع السرح «١» لما أغير عليه، وأنه قام على أكمة «٢» وصاح: يا صباحاه، ثلاثا، وهذا يرجح أن السرح كان بالغابة، ويبعد كونه بذي قرد، ولو كان بذي قرد لما أمكنه لحوقهم، ومنها: أن فيه أنه استنقذ سرح رسول الله ﷺ بجملته، ومنها: أنه قال فيه: فرجعنا إلى المدينة، فو الله ما لبثنا بها إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ وقال القرطبي: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، انتهى.
وما في الصحيح من التاريخ لها أصح مما في السير، ويمكن الجمع بتكرر الواقعة، ويؤيده أن الحاكم ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر؛ ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها النبي ﷺ في ربيع الآخر سنة خمس، والتالية هي المختلف فيها، انتهى. والله أعلم.
ثم كانت قصة العرنيين .
قصة العرنيين
قلت: وذلك أن ثمانية منهم، وفي رواية من عكل، قدموا فأسلموا واجتووا «٣»
стр. 238
المدينة، وقالوا: إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، فبعثهم النبي ﷺ إلى لقاحه، وفي رواية «إبل الصدقة» وكأنهما كانا معا، فصح الإخبار بالبعث لكل منهما، ليشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طلبهم كرز بن خالد الفهري في عشرين، فأتى بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وطرحهم في الحرة يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا، هذا محصل ما في الصحيح، وذكر أهل السير أن اللقاح كانت ترعى ناحية الجماوات، وفي رواية بذي الجدر غربي جبل عير على ستة أميال من المدينة، وذكر ابن سعد عن ابن عقبة أن أمير الخيل يومئذ سعيد بن زيد أحد العشرة، فأدركوهم فربطوهم وأردفوهم على خيلهم، وردوا الإبل، ولم يفقدوا منها إلا لقحة واحدة من لقاحه ﷺ تدعى الحنا، فسأل عنها، فقيل: نحروها، فلما دخلوا بهم المدينة كان رسول الله ﷺ بالغابة.
غزوة بني المصطلق (المريسيع)
قال بعضهم: وذلك مرجعه من غزوة ذي قرد، فخرجوا بهم، نحوه، فلقوه بالزغابة، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وصلبوا هناك، والله أعلم.
ثم غزا بني المصطلق، ومر رسول الله ﷺ في انصرافه على المريسيع. وفيها كانت قصة الإفك.
قلت: قد قدم غزوة المريسيع في السنة الخامسة، وذكر أن فيها أنزلت آية التيمم، وقد اقتضى كلامه أن المريسيع وقعت مرتين: في الأولى التيمم، وفي الثانية الإفك، وفيه جمع بين ما ذكره كثير من أهل السير من أن المريسيع سنة خمس وبين ما نقله البخاري عن ابن إسحاق أنها سنة ست، لكن قد ثبت في الصحيح أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك؛ فلو كانت المريسيع التي هي غزاة بني المصطلق سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس، وقيل: أربع؛ فالأشبه أن بني المصطلق والمريسيع واحد، كلاهما في سنة خمس.
وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد أن التيمم كان في غزاة بني المصطلق، وجزم به في الاستذكار، وسبقه إليه ابن سعد وابن حبان.
وفي البخاري «غزوة بني المصطلق» ، وهي غزوة المريسيع» وفي الطبراني حديث: كنا مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق، وبنو المصطلق بطن من خزاعة، وكان رئيسهم الحارث بن أبي ضرار، وكان معه ﵊ بشر كثير، خرج بهم إليهم لما بلغه أنهم يجمعون له، وكان معه ثلاثون فرسا وأم سلمة وعائشة، فهزمهم وأسر
стр. 239
من الكفار جمعا عظيما، وتزوج جويرية بنت الحارث رئيسهم، فأعتق الناس ما بأيديهم من الأسرى لمكانها، وفي هذه الغزاة قال ابن أبي: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقين: ٨] وقال: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقين: ٧] وذلك أن ابن أبي خرج في عصابة من المنافقين مع رسول الله ﷺ فلما رأوا أن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا، واقتتل رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فظهر عليه المهاجري، فقال ذلك ابن أبي لقومه، فأخبر زيد بن أرقم بذلك النبي ﷺ فأجهد ابن أبي يمينه ما فعل، فحزن زيد بن أرقم لذلك، فأنزل الله تصديقه، واستأذن عبد الله بن عبد الله بن أبي النبي ﷺ في قتل أبيه فيما رواه عروة بن الزبير، فقال له رسول الله ﷺ : لا تقتل أباك، ولما كان بينهم وبين المدينة يوم تعجل عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة حتى جاء أبوه فلقال له ابنه: لا والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ وتعلم اليوم من الأعز ومن الأذل، فقال له: أنت من بين الناس؟ فقال: نعم، أنا من بين الناس، فانصرف عبد الله حتى لقي رسول الله ﷺ فاشتكى إليه ما صنع ابنه، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابنه «أن خلّ عنه» فدخل المدينة، رواه ابن شبة.
وفي هذه السنة فرض الحج على الصحيح، كما سيأتي، والله أعلم.
السنة السابعة من الهجرة
السنة السابعة: فيها قصة أبي سفيان مع هرقل في الشام، وفي أولها كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك وبعث إليهم رسله، ثم كانت خيبر.
قلت: واستصفى صفية بنت حيي بن أخطب من المغنم، فأعتقها وتزوجها، وجاءته مارية القبطية هدية وبغلته دلدل، وأسلم أبو هريرة، وسمته ﷺ زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم، ثم صار النبي ﷺ إلى وادي القرى، فحاصر أهله ليالي وأصاب غلامه مدعم سهم غرب «١» فقتله، وفي رجوعه إلى المدينة كان النوم عن صلاة الصبح، وروى بعضهم أنه كان في الرجوع من غزوة تبوك، وقال الواقدي: وفي المحرم منها جاء رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم- وكان حليفا في بني زريق، وكان ساحرا- فقالوا له: يا أبا الأعصم، أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدا فلم نصنع شيئا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، وذكر قصة سحره، وفي رواية عن
стр. 240
الزهري بإسناد صحيح أن المدة التي مكث النبي ﷺ فيها في السحر سنة، وفي رواية أربعين ليلة، والله أعلم.
وفيها جاءته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وتزوج بها، ثم كانت عمرة القضية وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية.
السنة الثامنة من الهجرة
السنة الثامنة: فيها كانت مؤتة، ثم كان الفتح، ثم غزوة هوازن، ثم غزوة الطائف، وأمر على مكة عتاب بن أسيد، وأسلم مالك بن عوف النضري، وتألف المؤلفة من غنائم هوازن، ثم انصرف إلى المدينة في آخر ذي القعدة.
قلت: وفي هذه السنة ولد ابنه إبراهيم من مارية القبطية، وحلق رأسه يوم سابعه، وتصدق بزنة شعره فضة، وعقّ عنه بكبشين «١» ، ومات في عاشر ربيع الأول من السنة العاشرة وسنه عام ونصف، وقيل: عام وثلث، وفي الثامنة أيضا توفيت ابنته زينب، وهي أكبر أولاده، وكانت زوج أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس الذي أثنى عليه النبي ﷺ في صهارته، تزوجها قبل البعثة، ولما قدم عليها مسلما ردها النبي ﷺ بالنكاح الأول على الصحيح لقدومه عقب تحريم المسلمات على المشركين، وذلك بعد صلح الحديبية، والله أعلم.
السنة التاسعة من الهجرة
السنة التاسعة: فيها هجر نساءه شهرا، ثم تتابعت الوفود، ثم فرض الحج.
قلت: قد اختلف في وقته، فقيل: قبل الهجرة، وهو غريب، والمشهور بعدها، فقيل: سنة خمس، وجزم به الرافعي في موضع، وقيل: ست، وصححه الرافعي في موضع آخر، وكذا النووي، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وصححه عياض، والله أعلم.
وأمّر رسول الله ﷺ على الحج أبا بكر ﵁، ثم نزلت براءة، فأرسل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁؛ لينبذ إلى الناس عهدهم.
قلت: وفيها في شهر رجب كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزواته ﷺ على ما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم.
السنة العاشرة من الهجرة
السنة العاشرة: في أولها قدم عدي بن حاتم بوفد طيء، ثم قدم وفد بني حنيفة، ثم
стр. 241
وفد غسان، ثم وفد نجران الذين كانت فيهم قصة المباهلة، ثم جاء جبريل يعلم الناس دينهم، ثم غزا رسول الله ﷺ تبوكا.
قلت: وهو مخالف لما قدمناه عن ابن إسحاق من كونها في التاسعة، والله أعلم.
ثم أذن رسول الله ﷺ للناس بالحج في حجة الوداع ورجع، ثم مرض في صفر لعشر بقين منه، وتوفي ﷺ لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الإثنين، انتهى ما ذكره رزين عن أبي حاتم.
قلت: وشهر ربيع هذا من الحادية عشرة، وكان ابتداء مرضه في بيت ميمونة، وقيل:
زينب بنت جحش، وقيل: ريحانة، وذكر الخطابي أن ابتداءه يوم الإثنين، وقيل: السبت، وقيل: الأربعاء، وحكى في الروضة قولين في مدته، فقيل: أربعة عشر، وهو الذي صدّر به، وقيل: ثلاثة عشر، وعليه الأكثر، وقيل: عشرة، وبه جزم سليمان التيمي، ومقتضى ما تقدم أن المدة تزيد على عشرين يوما، ولم أر من صرح به، ولا خلاف في أن الوفاة كانت يوم الإثنين، وكونه من ربيع الأول، كاد يكون إجماعا، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار: في حادي عشر رمضان، وكونها في ثاني عشر ربيع الأول هو ما عليه الجمهور، وذهب جماعة إلى أنها في أوله، ورواه يحيى عن ابن شهاب، وقال: حين زاغت الشمس، وعن أسماء بنت أبي بكر أنه توفي للنصف من ربيع الأول، وقيل: ثانيه، ورجحه السهيلي، واستشكل قول الجمهور بأنهم اتفقوا على أن الوقفة في حجة الوداع كانت الجمعة، فأول ذي الحجة الخميس، فمهما فرضت الشهور الثلاثة توامّ أو نواقص أو بعضها، لم يصح كون الوفاة يوم الإثنين مع كونه ثاني عشر ربيع الأول، وأجاب البارزي باحتمال وقوع الثلاثة كوامل، واختلاف أهل مكة والمدينة في هلال ذي الحجة: فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها، فكان أول ذي الحجة الجمعة، وهو وما بعده كوامل، فأول ربيع الأول الخميس، وثاني عشرة الإثنين، ولا يخفى بعد هذا الجواب، وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات بأن بدء مرضه ﷺ كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومنه يعلم أن صفر كان ناقصا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والحرم ناقصين؛ فيلزم عليه نقص ثلاثة أشهر متوالية، وأما على قول من قال: «أول ربيع الأول» ؛ فيكون اثنان ناقصين وواحد كاملا، وكذا على قول من قال: «للنصف منه» .
وقال البدر ابن جماعة: يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت: أي بأيامها، فيكون موته في اليوم الثالث عشر، وتفرض الشهور كوامل؛ فيصح قول الجمهور، ويعكر
стр. 242
عليه ما فيه من مخالفة أهل اللسان في قولهم «لاثنتي عشرة» فإنهم لا يفهمون منها إلا مضي الليالي، وأن ما أرخ بذلك يكون واقعا في الثاني عشر.
قال الحافظ ابن حجر: فالمعتمد قول أبي مخنف أنه في ثاني ربيع الأول، وكأن سبب غلط غيره تغيير ذلك إلى الثاني عشر، وتبع بعضهم بعضا في الوهم.
وغسله ﷺ علي بوصيته، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران يصبون الماء، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة- وسحول: بلدة باليمن- وعن جعفر بن محمد عن أبيه: كفن في ثوبين صحاريين مما يصنع بعمان من كرسف «١» وبرد حبرة، وفي الإكليل ورواه يحيى عن علي بن أبي طالب ﵁:
كفن في سبعة أثواب، وصلّي عليه في حجرته بغير إمام؛ ونقل الأقشهري عن الحسين بن محمد الصدفي أنه ﷺ صلّى عليه في وسط الروضة من مسجده، ثم حمل إلى بيته ودفن فيه.
قلت: هذا إنما هو معروف في أبي بكر وعمر ﵄، وفي مستدرك الحاكم ومسند البزار بسند ضعيف أنه ﷺ أوصى أن يصلوا عليه أرسالا بغير إمام، ودفن ﷺ ليلة الأربعاء، وقيل: يومها، وقيل: يوم الثلاثاء بعد أن عرف الموت في أظفاره، وقال قائلون: ندفنه بمسجده، وآخرون بالبقيع، ثم اتفقوا على دفنه ببيته، فحمل بالفراش، وحفر له في موضع الفراش، وروى يحيى عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ قال: ما هلك نبي إلا دفن حيث تقبض روحه، وأوصى رسول الله ﷺ في مرضه بإخراج المشركين من جزيرة العرب كما في الصحيح من حديث ابن عباس أنه ﷺ أمر بذلك، ولفظه: وأمرهم بثلاث، فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيرهم» والثالثة إما سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها. قال سفيان: هذا- أي قوله والثالثة إلى آخره- من قول سليمان: أي شيخ سفيان، قال الداودي: الثالثة هي الوصية بالقرآن، وقال المهلب: بل هي تجهيز جيش أسامة، وقواه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة، قال لهم أبو بكر: إن النبي ﷺ عهد بذلك عند موته.
وقال عياض: يحتمل أن يكون قوله: «لا تتخذوا قبري وثنا» فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله:
«الصلاة وما ملكت أيمانكم» .
стр. 243
والذي أجلى المشركين من جزيرة العرب هو عمر ﵁؛ ففي الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض لما ظهر عليها لله وللرسول وللمؤمنين، فسأل اليهود رسول الله ﷺ أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله ﷺ : «نقركم على ذلك ما شئنا» فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء.
وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر: لما فدع «١» أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال: نقركم على ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ ؟ وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا، فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ : «كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة» فقال:
كانت هذه هزيلة من أبي القاسم ﷺ فقال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك.
وظاهر هذا أن عمر ﵁ إنما استند في إجلائهم لهذه القصة.
وروى ابن زبالة عن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبقى دينان في جزيرة العرب» .
قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج «٢» واليقين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبقى دينان في جزيرة العرب» فأجلى يهود خيبر، قال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك.
وروى البيهقي من حديث عمر مرفوعا: «لئن عشت إلى قابل لآخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» وخرجه مسلم بدون «لئن عشت» وفي مسند أحمد والبيهقي عن أبي عبيدة قال: كان آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ : «أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» الحديث.
وروى أحمد بسند جيد عن عائشة قالت: آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» .
стр. 244
قال الجويني والقاضي حسين من أصحابنا: الجزيرة هي الحجاز، والمشهور أن الحجاز بعض الجزيرة.
ولما مات النبي ﷺ لم يتفرغ أبو بكر ﵁ لإخراجهم، فأجلاهم عمر ﵁ وهم زهاء أربعين ألفا، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها من الجزيرة؛ فدل على أن المراد الحجاز فقط.
وحكى أن بعض اليهود أظهر كتابا، وادعى أنه كتاب النبي ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة؛ فعرض على أبي بكر الخطيب البغدادي فقال: هذا مزور؛ لأن فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح، فلم يحضر ما جرى، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات في بني قريظة بسهم أصابه في الخندق، وذلك قبل خيبر بسنتين، وذلك من فوائد علم التاريخ، والله أعلم.
стр. 245
الباب الرابع فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم النبوي
، والحجرات المنيفات، وما كان مطيفا به من الدور والبلاط، وسوق المدينة، ومنازل المهاجرين، واتخاذ السور، وفيه سبعة وثلاثون فصلا.
الفصل الأول في أخذه ﷺ لموضع مسجده الشريف، وكيفية بنائه
تقدم أن ناقته ﷺ لما بركت عند باب المسجد قال ﷺ : «هذا المنزل إن شاء الله» وفي كتاب يحيى عن الزهري أنها بركت عند مسجد الرسول ﷺ وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا «١» لغلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، وقال: اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، قاله أربع مرات.
وروى رزين نحوه عن أنس، ولفظه: فقال رسول الله ﷺ : «هذا المنزل إن شاء الله» ثم أخذ في النزول فقال: «ربّ أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين» ولم يقل قاله أربعا.
وفي كتاب يحيى عن الزهري أيضا أن المربد كان لسهل وسهيل، وأنهما كانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، وأن النبي ﷺ قال حين بركت به راحلته: «هذا المنزل إن شاء الله» ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا.
قال يحيى تبعا لابن زبالة: وقال بعضهم: كان لغلامين يتيمين لأبي أيوب هما سهل وسهيل ابنا عمرو، فطلب المربد من أبي أيوب، فقال أبو أيوب: يا رسول الله المربد ليتيمين، وأنا أرضيهما، فأرضاهما، فأعطاه لرسول الله ﷺ فاتخذه مسجدا. وعند ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال: لمن هذا؟ يعني المربد، فقال له معاذ بن عفراء: هو لسهل وسهيل ابني عمرو يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، فأمر به أن يا بني. ويؤيده أنه وقع في مرسل ابن سيرين عند أبي عبيد في الغريب أنهما كانا في حجر معاذ بن عفراء.
والذي في صحيح البخاري أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة، كذا هو في رواية الجميع إلا أبا ذر، ففي روايته سعد بإسقاط الألف، ورواية الجماعة هي الوجه؛ إذ كان أسعد من السابقين إلى الإسلام، وهو المكنى بأبي أمامة، وأما أخوه سعد فتأخر إسلامه.
стр. 246
وقد يجمع باشتراك من ذكر في كونهما كانا في حجورهم، أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدا بعد واحد، سيما وقد روى ابن زبالة عن ابن أبي فديك قال: سمعت بعض أهل العلم يقولون: إن أسعدا توفي قبل أن يا بني المسجد، فابتاعه النبي ﷺ من ولي سهل وسهيل.
وروى ابن زبالة في خبر: كان مسجد النبي ﷺ لسهل وسهيل ابني أبي عمرو من بني غنم، فأعطياه رسول الله ﷺ فبناه مسجدا.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ أرسل إلى ملأ بني النجار بسبب موضع المسجد، فقال:
يا بني النجار، ثامنوني «١» بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
وعند الإسماعيلي «إلا من الله» وهو ظاهر في أنهم لم يأخذوا له ثمنا.
وفي رواية في باب الهجرة من الصحيح بعد ذكر تأسيس مسجد قباء: ثم ركب رسول الله ﷺ راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا.
ووقع في رواية ابن عيينة: فكلم عمهما- أي الذي كانا في حجره- أن يبتاعه منهما، فطلبه منهما فقالا: ما تصنع به؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول الله ﷺ أراده، فقالا: نحن نعطيه إياه، فأعطياه رسول الله ﷺ فبناه، أخرجه الجندي. وطريق الجمع بين ذلك- كما أشار إليه الحافظ ابن حجر- أنهم لما قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عن من يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما أن كانا غير بالغين. وحينئذ فيحتمل أن الذين قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» تحملوا عنه للغلامين بالثمن، فقد نقل ابن عقبة أن أسعد عوّض الغلامين عنه نخلا له في بني بياضة.
وتقدم أن أبا أيوب قال: هو ليتيمين لي، وأنا أرضيهما، فأرضاهما، وكذلك معاذ بن عفراء، فيكون ذلك بعد الشراء. ويحتمل أن كلا من أسعد وأبي أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء، فنسب ذلك لكل منهم. وقد روي أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض، فيحمل ذلك على بدء الأمر، لكن يشكل على هذا ما نقل عن التاريخ الكبير لابن سعد أن الواقدي قال: إنه ﷺ اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق، وقد يقال: إن الشراء وقع من ابني عفراء لأنهما كانا وليين لليتيمين، ورغب أبو بكر في
стр. 247
الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أمامة ومعاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة، ودفع كل من أولئك ما تقدم، ولم يقبله ﷺ بلا ثمن أولا لكونه لليتيمين، لكن ابن سيد الناس نقل عن البلاذري أنه قال عقب كلامه الآتي: فعرض- يعني أسعد- على النبي ﷺ أن يأخذها ويغرم لليتيمين ثمنها، فأبى رسول الله ﷺ ذلك، وابتاعها منه بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر، انتهى؛ فيحتمل أنه ﷺ أخذ أولا بعض المربد، ثم أخذ بعضا آخر؛ لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى؛ فليست القصة متحدة. ورأيت بخط الأقشهري في كلام نقله عن أبي جعفر الداودي عن عبد الله بن نافع صاحب مالك أن المسجد كان مربدا لابني عفراء.
قلت: يحتمل نسبته إليهما لولايتهما على اليتيمين، أو أن لليتيمين أما تسمى عفراء، وأما ابنا عفراء المشهوران فهما معاذ ومعوذ ابنا الحارث، والذي في الصحيح من تسمية الغلامين سهل وسهيل أصح، والله أعلم.
وفي كتاب يحيى ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا قبل مسجد الرسول ﷺ ؛ فإنه قال: حدثنا بكر ثنا محمد بن عمر ثنا معاذ بن محمد عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: سمعت أم سعد بنت سعد بن الربيع تقول:
أخبرتني النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، قالت: فأنظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلّى بهم في ذلك المسجد وبناه، فهو مسجده اليوم.
ونقل ابن سيد الناس عن ابن إسحاق أن الناقة بركت على باب مسجده ﷺ وهو يومئذ ليتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو، ثم قال: وذكر أحمد بن يحيى البلاذري، قال: فنزل رسول الله ﷺ عند أبي أيوب، ووهبت له الأنصار كل فضل كان في خططها، وقالوا: يا نبي الله إن شئت فخذ منازلنا، فقال لهم خيرا، قالوا: وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمّع بمن يليه في مسجد له، فكان رسول الله ﷺ يصلي فيه، ثم إنه سأل أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت في يديه ليتيمين في حجره يقال لهما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم، كذا نسبهما البلاذري، وهو يخالف ما سبق عن ابن إسحاق وغيره، والأول أشهر، انتهى، وتشهيره للأول- وهو كون الغلامين ابني عمرو- تقدم ما يقتضيه، لكن تقدم أيضا ما يقتضي الثاني، وهو الأرجح فقدم صرح ابن حزم في الجمهرة، ورواه ابن زبالة عن ابن شهاب، وكذا ذكره ابن عبد البر. وذكر السهيلي فيما نقله عنه الذهبي ما يحصل به الجمع
стр. 248
ويرفع الخلاف إلا أن فيه بعض مخالفة لما تقدم، فقال: سهل بن عمرو الأنصاري النجاري أخو سهيل صاحب المربد، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، ينسبان إلى جدهما، وهما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن النجار، انتهى. فعلى هذا يكون سقط من الرواية المتقدمة ابن عمرو بين رافع وأبي عمرو، وتصحف عبيد بعائذ، والله أعلم.
وقال المجد: ذكر البيهقي المسجد فقال: كان جدارا مجدرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى القدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، وكان يصلي بأصحابه فيه، ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ بالنخل التي في الحديقة وبالغرقد أن يقطع، وكان فيه قبور جاهلية، فامر بها فبنشت، وأمر بالعظام أن تغيّب، وكان في المربد ماء مسحل فسيره حتى ذهب- والمسحل: ممشى ماء المطر، انتهى. ولم أره في المعرفة للبيهقي، ولا في السنن الكبير، ولا في الدلائل، والمعروف أنه كان مربدا للتمر: أي يجفّف فيه التمر، وكأنه سماه حديقة لاشتماله على نخل؛ ففي الصحيحين أن النبي ﷺ «لما أخذه كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب، فأمر النبي ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة» وقد قدمنا الكلام على قطع هذا النخل في أحكام الحرم، وكأن معنى صف النخل قبلة له جعلها سواري في جهة القبلة ليسقف عليها كما في الصحيح «كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل» وسيأتي فيما أسند يحيى أنه كان في جوف الأرض- أي أرض المربد- قبور جاهلية، فامر رسول الله ﷺ بالقبور فنبشت، فرمى بعظامها، فأمر بها فغيبت، وكان في المربد ماء مستنجل «١» فسيره حتى ذهب» ووقع في رواية عطاف بن خالد عند ابن عائذ أنه ﷺ «صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما، ثم بناه وسقفه» وسيأتي ما يشهد له.
وأسند ابن زبالة عن أنس قال: بناه رسول الله ﷺ يعني المسجد- أول ما بناه بالجريد، قال: وإنما بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين.
قلت: وهو واه أو مؤول، والمعروف خلافه.
وأسند أيضا عن شهر بن حوشب قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يحجر بناء المسجد قيل له: عريش كعريش أخيك موسى سبع أذرع، وأسنده يحيى من غير طريقه عن شهر أيضا بلفظ: لما أراد رسول الله ﷺ أن يا بني المسجد، وأورده رزين بلفظ: لما أراد
стр. 249
رسول الله ﷺ بناء المسجد قال: قيل لي: عريش كعريش أخيك موسى سبعة أذرع، ثم الأمر أعجل من ذلك. وأسند يحيى عن الحسن قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة قال:
ابنوا لي مسجدا عريشا كعريش موسى، ابنوه لنا من لبن. وأورده رزين بلفظ: لما أخذ في بناء المسجد قال: ابنوا لي عريشا كعريش موسى، ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك، قيل: وما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام فيه أصاب رأسه السقف، وعمل فيه بنفسه ﷺ ترغيبا لهم؛ ففي الرواية المتقدمة في الصحيح عقب قوله: «حتى ابتاعه منهما» وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في ثيابه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر
ويقول:
اللهم إنّ الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره
قال ابن شهاب: فتمثل ﷺ بشعر رجل من المسلمين، ولم يبلغنا في الأحاديث أنه تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات، زاد ابن عائذ في آخره: التي كان يرتجزهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد.
والحمال مخفّف بمهملة مكسورة: أي هذا المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أي ذات التمر والزبيب. وقوله «ربّنا» أي يا ربنا. وأسند يحيى عن الزهري في معنى قوله «هذا الحمال لا حمال خيبر» قال: كانت يهود إذا صرمت نخلها جاءتهم الأعراب بركائبهم فيحملون لهم عروة بعروة إلى القرى، فيبيعون، يكون لهذا نصف الثمن ولهؤلاء نصفه، فقال النبي ﷺ ذلك. وفي الرواية المتقدمة في الصحيح عقب قوله: «وجعلوا عضادتيه حجارة» فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم، يقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره
ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة.
وعن الزهري: بلغني أن الصحابة كانوا يرتجزون به، وكان رسول الله ﷺ ينقل معهم ويقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فارحم المهاجرين والأنصار
وكان لا يقيم الشعر، قال الله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: ٦٩]
стр. 250
وفعل ذلك احتسابا وترغيبا في الخير؛ ليعمل الناس كلهم، ولا يرغب أحد بنفسه عن نفس رسول الله ﷺ ولهذا أسند ابن زبالة عن مجمع بن يزيد أنه قال عقب ذلك: وعملوا فيه ودأبوا، فقال قائل من المسلمين:
لئن قعدنا والنّبيّ يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلّل
وأسند أيضا أن علي بن أبي طالب كان يرتجز وهو يعمل فيه يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
وأسند هو أيضا ويحيى من طريقه والمجد، ولم يخرجه، عن أم سلمة ﵂ قالت: بنى رسول الله ﷺ مسجده، فقرب اللبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله ﷺ فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم، وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:
لئن قعدنا والنبيّ يعمل
البيت.
وكان عثمان بن عفان ﵁ رجلا نظيفا متنظفا، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، ونظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشأ يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا
الأبيات المتقدمة.
فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعني بها، فمر بعثمان فقال: يا ابن سمية، ما أعرفني بمن تعرض، ومعه جريدة فقال: لتكفن أو لأعترضن بها وجهك، فسمعه النبي ﷺ وهو جالس في ظل بيتي، يعني أم سلمة، وفي كتاب يحيى «في ظل بيته» - فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ، ووضع يده بين عينيه، فكف الناس عن ذلك، ثم قالوا لعمار: إن النبي ﷺ قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا القرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله مالي ولأصحابك؟ قال: مالك وما لهم؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة ويحملون علي اللبنتين والثلاث، فأخذ بيده فطاف به في المسجد، وجعل يمسح وفرته «١» بيده من التراب ويقول: يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية.