وقد يجمع باشتراك من ذكر في كونهما كانا في حجورهم، أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدا بعد واحد، سيما وقد روى ابن زبالة عن ابن أبي فديك قال: سمعت بعض أهل العلم يقولون: إن أسعدا توفي قبل أن يا بني المسجد، فابتاعه النبي ﷺ من ولي سهل وسهيل.
وروى ابن زبالة في خبر: كان مسجد النبي ﷺ لسهل وسهيل ابني أبي عمرو من بني غنم، فأعطياه رسول الله ﷺ فبناه مسجدا.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ أرسل إلى ملأ بني النجار بسبب موضع المسجد، فقال:
يا بني النجار، ثامنوني «١» بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
وعند الإسماعيلي «إلا من الله» وهو ظاهر في أنهم لم يأخذوا له ثمنا.
وفي رواية في باب الهجرة من الصحيح بعد ذكر تأسيس مسجد قباء: ثم ركب رسول الله ﷺ راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا.
ووقع في رواية ابن عيينة: فكلم عمهما- أي الذي كانا في حجره- أن يبتاعه منهما، فطلبه منهما فقالا: ما تصنع به؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول الله ﷺ أراده، فقالا: نحن نعطيه إياه، فأعطياه رسول الله ﷺ فبناه، أخرجه الجندي. وطريق الجمع بين ذلك- كما أشار إليه الحافظ ابن حجر- أنهم لما قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عن من يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما أن كانا غير بالغين. وحينئذ فيحتمل أن الذين قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» تحملوا عنه للغلامين بالثمن، فقد نقل ابن عقبة أن أسعد عوّض الغلامين عنه نخلا له في بني بياضة.
وتقدم أن أبا أيوب قال: هو ليتيمين لي، وأنا أرضيهما، فأرضاهما، وكذلك معاذ بن عفراء، فيكون ذلك بعد الشراء. ويحتمل أن كلا من أسعد وأبي أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء، فنسب ذلك لكل منهم. وقد روي أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض، فيحمل ذلك على بدء الأمر، لكن يشكل على هذا ما نقل عن التاريخ الكبير لابن سعد أن الواقدي قال: إنه ﷺ اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق، وقد يقال: إن الشراء وقع من ابني عفراء لأنهما كانا وليين لليتيمين، ورغب أبو بكر في
стр. 247
الخير كما رغب فيه أسعد، وأبو أمامة ومعاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة، ودفع كل من أولئك ما تقدم، ولم يقبله ﷺ بلا ثمن أولا لكونه لليتيمين، لكن ابن سيد الناس نقل عن البلاذري أنه قال عقب كلامه الآتي: فعرض- يعني أسعد- على النبي ﷺ أن يأخذها ويغرم لليتيمين ثمنها، فأبى رسول الله ﷺ ذلك، وابتاعها منه بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر، انتهى؛ فيحتمل أنه ﷺ أخذ أولا بعض المربد، ثم أخذ بعضا آخر؛ لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى؛ فليست القصة متحدة. ورأيت بخط الأقشهري في كلام نقله عن أبي جعفر الداودي عن عبد الله بن نافع صاحب مالك أن المسجد كان مربدا لابني عفراء.
قلت: يحتمل نسبته إليهما لولايتهما على اليتيمين، أو أن لليتيمين أما تسمى عفراء، وأما ابنا عفراء المشهوران فهما معاذ ومعوذ ابنا الحارث، والذي في الصحيح من تسمية الغلامين سهل وسهيل أصح، والله أعلم.
وفي كتاب يحيى ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا قبل مسجد الرسول ﷺ ؛ فإنه قال: حدثنا بكر ثنا محمد بن عمر ثنا معاذ بن محمد عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: سمعت أم سعد بنت سعد بن الربيع تقول:
أخبرتني النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، قالت: فأنظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلّى بهم في ذلك المسجد وبناه، فهو مسجده اليوم.
ونقل ابن سيد الناس عن ابن إسحاق أن الناقة بركت على باب مسجده ﷺ وهو يومئذ ليتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو، ثم قال: وذكر أحمد بن يحيى البلاذري، قال: فنزل رسول الله ﷺ عند أبي أيوب، ووهبت له الأنصار كل فضل كان في خططها، وقالوا: يا نبي الله إن شئت فخذ منازلنا، فقال لهم خيرا، قالوا: وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمّع بمن يليه في مسجد له، فكان رسول الله ﷺ يصلي فيه، ثم إنه سأل أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت في يديه ليتيمين في حجره يقال لهما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم، كذا نسبهما البلاذري، وهو يخالف ما سبق عن ابن إسحاق وغيره، والأول أشهر، انتهى، وتشهيره للأول- وهو كون الغلامين ابني عمرو- تقدم ما يقتضيه، لكن تقدم أيضا ما يقتضي الثاني، وهو الأرجح فقدم صرح ابن حزم في الجمهرة، ورواه ابن زبالة عن ابن شهاب، وكذا ذكره ابن عبد البر. وذكر السهيلي فيما نقله عنه الذهبي ما يحصل به الجمع
стр. 248
ويرفع الخلاف إلا أن فيه بعض مخالفة لما تقدم، فقال: سهل بن عمرو الأنصاري النجاري أخو سهيل صاحب المربد، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، ينسبان إلى جدهما، وهما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن النجار، انتهى. فعلى هذا يكون سقط من الرواية المتقدمة ابن عمرو بين رافع وأبي عمرو، وتصحف عبيد بعائذ، والله أعلم.
وقال المجد: ذكر البيهقي المسجد فقال: كان جدارا مجدرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى القدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، وكان يصلي بأصحابه فيه، ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ بالنخل التي في الحديقة وبالغرقد أن يقطع، وكان فيه قبور جاهلية، فامر بها فبنشت، وأمر بالعظام أن تغيّب، وكان في المربد ماء مسحل فسيره حتى ذهب- والمسحل: ممشى ماء المطر، انتهى. ولم أره في المعرفة للبيهقي، ولا في السنن الكبير، ولا في الدلائل، والمعروف أنه كان مربدا للتمر: أي يجفّف فيه التمر، وكأنه سماه حديقة لاشتماله على نخل؛ ففي الصحيحين أن النبي ﷺ «لما أخذه كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب، فأمر النبي ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة» وقد قدمنا الكلام على قطع هذا النخل في أحكام الحرم، وكأن معنى صف النخل قبلة له جعلها سواري في جهة القبلة ليسقف عليها كما في الصحيح «كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل» وسيأتي فيما أسند يحيى أنه كان في جوف الأرض- أي أرض المربد- قبور جاهلية، فامر رسول الله ﷺ بالقبور فنبشت، فرمى بعظامها، فأمر بها فغيبت، وكان في المربد ماء مستنجل «١» فسيره حتى ذهب» ووقع في رواية عطاف بن خالد عند ابن عائذ أنه ﷺ «صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما، ثم بناه وسقفه» وسيأتي ما يشهد له.
وأسند ابن زبالة عن أنس قال: بناه رسول الله ﷺ يعني المسجد- أول ما بناه بالجريد، قال: وإنما بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين.
قلت: وهو واه أو مؤول، والمعروف خلافه.
وأسند أيضا عن شهر بن حوشب قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يحجر بناء المسجد قيل له: عريش كعريش أخيك موسى سبع أذرع، وأسنده يحيى من غير طريقه عن شهر أيضا بلفظ: لما أراد رسول الله ﷺ أن يا بني المسجد، وأورده رزين بلفظ: لما أراد
стр. 249
رسول الله ﷺ بناء المسجد قال: قيل لي: عريش كعريش أخيك موسى سبعة أذرع، ثم الأمر أعجل من ذلك. وأسند يحيى عن الحسن قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة قال:
ابنوا لي مسجدا عريشا كعريش موسى، ابنوه لنا من لبن. وأورده رزين بلفظ: لما أخذ في بناء المسجد قال: ابنوا لي عريشا كعريش موسى، ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك، قيل: وما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام فيه أصاب رأسه السقف، وعمل فيه بنفسه ﷺ ترغيبا لهم؛ ففي الرواية المتقدمة في الصحيح عقب قوله: «حتى ابتاعه منهما» وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في ثيابه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر
ويقول:
اللهم إنّ الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره
قال ابن شهاب: فتمثل ﷺ بشعر رجل من المسلمين، ولم يبلغنا في الأحاديث أنه تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات، زاد ابن عائذ في آخره: التي كان يرتجزهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد.
والحمال مخفّف بمهملة مكسورة: أي هذا المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أي ذات التمر والزبيب. وقوله «ربّنا» أي يا ربنا. وأسند يحيى عن الزهري في معنى قوله «هذا الحمال لا حمال خيبر» قال: كانت يهود إذا صرمت نخلها جاءتهم الأعراب بركائبهم فيحملون لهم عروة بعروة إلى القرى، فيبيعون، يكون لهذا نصف الثمن ولهؤلاء نصفه، فقال النبي ﷺ ذلك. وفي الرواية المتقدمة في الصحيح عقب قوله: «وجعلوا عضادتيه حجارة» فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم، يقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره
ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة.
وعن الزهري: بلغني أن الصحابة كانوا يرتجزون به، وكان رسول الله ﷺ ينقل معهم ويقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فارحم المهاجرين والأنصار
وكان لا يقيم الشعر، قال الله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: ٦٩]
стр. 250
وفعل ذلك احتسابا وترغيبا في الخير؛ ليعمل الناس كلهم، ولا يرغب أحد بنفسه عن نفس رسول الله ﷺ ولهذا أسند ابن زبالة عن مجمع بن يزيد أنه قال عقب ذلك: وعملوا فيه ودأبوا، فقال قائل من المسلمين:
لئن قعدنا والنّبيّ يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلّل
وأسند أيضا أن علي بن أبي طالب كان يرتجز وهو يعمل فيه يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
وأسند هو أيضا ويحيى من طريقه والمجد، ولم يخرجه، عن أم سلمة ﵂ قالت: بنى رسول الله ﷺ مسجده، فقرب اللبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله ﷺ فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم، وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:
لئن قعدنا والنبيّ يعمل
البيت.
وكان عثمان بن عفان ﵁ رجلا نظيفا متنظفا، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، ونظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشأ يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا
الأبيات المتقدمة.
فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعني بها، فمر بعثمان فقال: يا ابن سمية، ما أعرفني بمن تعرض، ومعه جريدة فقال: لتكفن أو لأعترضن بها وجهك، فسمعه النبي ﷺ وهو جالس في ظل بيتي، يعني أم سلمة، وفي كتاب يحيى «في ظل بيته» - فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ، ووضع يده بين عينيه، فكف الناس عن ذلك، ثم قالوا لعمار: إن النبي ﷺ قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا القرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله مالي ولأصحابك؟ قال: مالك وما لهم؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة ويحملون علي اللبنتين والثلاث، فأخذ بيده فطاف به في المسجد، وجعل يمسح وفرته «١» بيده من التراب ويقول: يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية.
стр. 251
وقد ذكر ابن إسحاق القصة بنحوه كما في تهذيب ابن هشام، قال: وسألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا: بلغنا أن علي بن أبي طالب ارتجز به، فلا ندري أهو قائله أم غيره، وإنما قال ذلك علي ﵁ مطايبة ومباسطة كما هو عادة الجماعة إذا اجتمعوا على عمل، وليس ذلك طعنا.
وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل أبي جعفر الخطمي قال: كان رسول الله ﷺ يا بني المسجد وعبد الله بن رواحة يقول:
أفلح من يعالج المساجدا
فيقولها رسول الله ﷺ فيقول ابن رواحة:
يتلو القرآن قائما وقاعدا
فيقولها رسول الله ﷺ .
وفي الصحيح في ذكر بناء المسجد: وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» وقال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
وأسند ابن زبالة ويحيى عن مجاهد قال: رآهم رسول الله ﷺ وهم يحملون الحجارة على عمار، وهو يا بني المسجد، فقال: «ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وذلك فعل الأشقياء الأشرار» .
وأسند الثاني أيضا عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، فجعل أصحاب النبي ﷺ يحمل كل رجل منهم لبنة لبنة وعمار بن ياسر لبنيتن لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ فقام إليه رسول الله ﷺ فمسح ظهره وقال: «يا ابن سمية لك أجران وللناس أجر، وآخر زادك من الدنيا شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية» .
وفي الروض للسهيلي: أن معمر بن راشد روى ذلك في جامعه بزيادة في آخره، وهي: فلما قتل يوم صفين دخل عمرو على معاوية ﵄ فزعا فقال: قتل عمار، فقال معاوية: فماذا؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية: دحضت «١» في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله من أخرجه.
وروى البيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن السلمي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه عمرو: قد قتلنا هذا الرجل، وقد قال رسول الله ﷺ فيه ما قال، قال:
أي رجل؟ قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسول الله ﷺ المسجد؛ فكنا نحمل
стр. 252
لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فمر على رسول الله ﷺ فقال: «تحمل لبنتين لبنتين وأنت ترحض «١» ، أما إنك ستقتلك الفئة الباغية، وأنت من أهل الجنة» فدخل عمرو على معاوية فقال: قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول الله ﷺ ما قال، فقال: اسكت، فوالله ما تزال تدحض في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بيننا.
قلت: وهو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد؛ لأن إسلام عمرو كان في الخامسة كما سبق.
وأسند ابن زبالة عن حسن بن محمد الثقفي قال: بينا رسول الله ﷺ يا بني في أساس مسجد المدينة ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فمر به رجل فقال: يا رسول الله ما معك إلا هؤلاء الرهط؟ فقال رسول الله ﷺ : هؤلاء ولاة الأمر من بعدي.
وروى أبو يعلى برجال الصحيح إلا أن التابعي لم يسم عن عائشة ﵂ قالت: لما أسس رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه، وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: هذا أمر الخلافة من بعدي.
وتقدم في تأسيس مسجد قباء نحو ذلك من غير ذكر أمر الخلافة.
وقال الأقشهري في روضته: روى صاحب السيرة ولم يسمه أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ وقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تبني له بيتا، وأن ترفع بنيانه بالرهص والحجارة- والرهص: الطين الذي يتخذ منه الجدار- فقال: كم أرفعه يا جبريل؟ قال:
سبعة أذرع، وقيل: خمسة أذرع، ولما ابتدأ في بنائه أمر بالحجارة وأخذ حجرا فوضعه بيده أولا، ثم أمر أبا بكر فجاء بحجر فوضعه إلى جنب حجر النبي ﷺ ثم عمر كذلك، ثم عثمان كذلك، ثم عليا، انتهى ما ذكره الأقشهري ومن خطه نقلته.
وروى البيهقي في الدلائل عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: لما بنى النبي ﷺ المسجد وضع حجرا، ثم قال: ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر، فقال رسول الله ﷺ : «هؤلاء الخلفاء من بعدي» .
وأسند يحيى عن أسامة بن زيد عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أعطنيه، فقال: اذهب فاحتمل غيره، فلست بأفقر إليه مني.
стр. 253
وعن مكحول قال: لما كثر أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: اجعل لنا مسجدا، فقال:
خشبات وثمامات، عريش كعريش أخي موسى صلوات الله عليه، الأمر أعجل من ذلك.
ورواه رزين وزاد فيه: فطفقوا ينقلون اللبن وما يحتاجون إليه ورسول الله ﷺ ينقل معهم، فلقيه رجل ومع رسول الله ﷺ لبنة فقال: أعطنيها يا رسول الله، فقال: اذهب فخذ غيرها، فلست بأفقر إلى الله مني.
ونقل المجد عن رواية محمد بن سعد نحوه، قال: وجاء رجل يحسن عجن الطين، وكان من حضرموت، فقال رسول الله ﷺ : رحم الله امرأ أحسن صنعته، وقال له: الزم أنت هذا الشغل فإني أراك تحسنه.
وفي كتاب يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهري: كان رجل من أهل اليمامة يقال له طلق من بني حنيفة يقول: قدمت على النبي ﷺ وهو يا بني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذت المسحاة أخلط الطين والنبي ﷺ ينظر إلي ويقول: إن هذا الحنفي لصاحب طين.
وروى أحمد عن طلق بن علي قال: بنيت المسجد مع النبي ﷺ فكان يقول: قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا.
وعنه أيضا قال: جئت إلى النبي ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، قال: فكأنه لم يعجبه عملهم، قال: فأخذت المسحاة فخلطت بها الطين، فكأنه أعجبه أخذي المسحاة وعملي فقال: دعوا الحنفي والطين فإنه من أصنعكم للطين.
وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه في أثناء كلام عن ابن شهاب في قصة أخذ المربد، قال: فبناه مسجدا، وضرب لبنه من بقيع الخبخبة ناحية بئر أبي أيوب بالمناصع والخبخبة:
شجرة كانت تنبت هناك.
وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمر عن يزيد بن السائب عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: بنى رسول الله ﷺ مسجده سبعين في ستين ذراعا أو يزيد، ولبّن لبنه من بقيع الخبخبة، وجعله جدارا، وجعل سواريه خشبا شقة شقة، وجعل وسطه رحبة، وبنى بيتين لزوجتيه.
قال عبد العزيز: فسألت زيدا: أين بقيع الخبخبة؟ قال: بين بئر أبي أيوب وتلك الناحية، وهذا بقيع الغرقد لبقيع المقبرة، وقال: سألت عبد العزيز عن بقيع الخبخبة فقال:
هي- أي الخبخبة- يسار بقيع الغرقد حين تقطع الطريق وتلقاها عند مسجد يحيى، فقلت: ومن يحيى صاحب المسجد الذي ذكرت؟ فقال: يحيى بن طلحة بن عبيد الله.
قلت: بقيع الخبخبة لا يعرف اليوم كما ذكره شيخ مشايخنا الزين المراغي، لكن
стр. 254
الخارج من درب البقيع إذا مشى في البقيع لجهة مشهد سيدنا عثمان بن عفان ﵁ وصار مشهد سيدنا إبراهيم بن رسول الله ﷺ على يمينه يكون على يساره طريق تمر بطرف الكومة، فإذا سلكها انتهى بعد رأس العطفة التي على يمينه إلى حديقة تعرف قديما بأولاد الصيفي بها بئر ينزل إليها بدرج تعرف ببئر أيوب قديما وحديثا، وعن يسار الخارج من درب البقيع أيضا إذا سلك طريق سيدنا حمزة في شامي الحديقة المعروفة بالرومية حديقة تعرف بالرباطية وقف رباط اليمنة بها بئر. قال المراغي: تعرف ببئر أيوب أيضا، يتبرك بها الناس، وهي بالقرب من الحديقة المعروفة بدار فحل، وهي عن يسار بقيع الغرقد أيضا، قال الزين المراغي: ولعلها أقرب إلى المراد.
قلت: والذي يظهر أن الأولى هي المراد، لما سنبينه في الآبار.
وفي كتاب رزين ما لفظه: عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله ﷺ بالسميط لبنة على لبنة، ثم بالسعيدة لبنة ونصف أخرى، ثم كثروا فقالوا:
يا رسول الله لو زيد فيه، فبنى بالذكر والأنثى، وهي لبنتان مختلفتان، وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وكذا في العرض، وكان مربعا، وفي رواية جعفر: ولم يسطح، فشكوا الحر فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا، وظللوا بالجريد ثم بالخصف، فلما وكف «١» عليهم طينوه بالطين، وجعلوا وسطه رحبة، وكان جداره قبل أن يظلل قامة وشيئا، انتهى. والظاهر أنه ليس جميعه من كلام جعفر؛ بدليل قوله في الأثناء «وفي رواية جعفر» .
وقد ذكر ابن زبالة ويحيى من غير طريقه كلام جعفر متمحضا فأسندا عنه أن النبي ﷺ كان بناء مسجده بالسميط لبنة لبنة، ثم إن المسلمين كثروا فبناه بالسعيدة، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت من يزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه، وبنى جداره بالأنثى والذكر، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: نعم، فأمر به فأقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليها العوارض «٢» والخصف والإذخر «٣» ، فعاشوا فيه، وأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف عليهم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطيّن، فقال: لا، عريش كعريش موسى، فلم يزل كذلك
стр. 255
حتى قبض رسول الله ﷺ وكان جداره قبل أن يظلل قامة، فكان إذا فاء الفيء ذراعا وهو قدمان يصلي الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلّى العصر، ثم نقلا عنه تفسير السميط والسعيدة والأنثى والذكر بما تقدم، ولم يذكرا ذرعا.
وفي الإحياء عن الحسن مرسلا: لما أراد ﷺ أن يا بني مسجد المدينة أتاه جبريل فقال: ابنه سبعة أذرع طولا في السماء، ولا تزخرفه، ولا تنقشه، انتهى.
وتقدم فيما نقله الأقشهري عن صاحب السيرة عن جبريل ﵇ في ارتفاعه سبعة أذرع، وقيل: خمسة.
وأسند يحيى عن أسامة بن زيد عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أسيد بن حضير، وذكر ما قدمناه، ثم قال: قال- يعني زيدا- ورفعوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، وكان في جوف الأرض قبور جاهلية، فأمر بالقبور فنبشت فرمى بعظامها، وأمر بها فغيبت، وكان في المربد ماء مستنجل فسربه حتى ذهب، وكان الذين أسسوا المسجد جعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: إنه كان أقل من مائة ذراع، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، أي وهو في جهة القبلة اليوم، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه رسول الله ﷺ وهو باب آل عثمان اليوم، وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة، ولما صرفت القبلة سد النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه وفتح هذا الباب، وحذاء هذ الباب- أي ومحاذيه- هذا الباب الذي سد. وعبر ابن النجار عن ذلك بقوله: ولما صرفت القبلة سد الباب الذي كان خلفه وفتح بابا حذاءه. قال المجد: أي تجاهه، انتهى.
وذكر الأقشهري في خبر عن ابن عمر ما يخالف هذا، فإنه قال: وعن عبد الله بن عمر قال: كان مسجد رسول الله ﷺ في زمانه من اللبن، وسقفه من غصن النخل، وله ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب عاتكة وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه وهو باب عثمان، وهو الذي يسمى اليوم باب جبريل، ولما صرفت القبلة سد الباب الذي خلفه وفتح الباب الآخر، وهو الذي يسمى باب النساء، انتهى. وهو غريب، ولعل قوله: «وهو الذي يسمى باب النساء» من تصرفه وفهمه في معنى الخبر، ولذلك أورد عقبه حديث أبي داود مرفوعا «لو تركنا هذا الباب للنساء» لكن أبو داود بيّن أن الأصح أنه من قول عمر كما سيأتي، وعلى ما ذكره فلم يجعل للمسجد بعد التحويل بابا خلفه، وباب عن يمين المصلى، وباب عن يسار المصلى، ثم انتهوا إلى البناء باللبن، فجعل رسول الله ﷺ يحمل معهم اللبن في ثيابه ويقول:
стр. 256
هذا الحمال لا حمال خيبر
الرجز المتقدم.
وروى أحمد عن أبي هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله ﷺ معهم، قال: قاستقبلت رسول الله ﷺ وهو عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها شقت عليه، فقلت: ناولنيها يا رسول الله، قال: خذ غيرها يا أبا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة.
زيادة النبي في مسجده
قلت: وهذا في البناء الثاني، أي لأن أبا هريرة لم يحضر البناء الأول؛ لأن قدومه عام فتح خيبر.
وأسند ابن زبالة من طريق ابن جريج عن جعفر بن عمرو قال: كان المربد لسهل وسهيل ابني عمرو فأعطياه رسول الله ﷺ فبناه، وأعان أصحابه أو بعضهم بنفسه في عمله، وكان علي بن أبي طالب يرتجز وهو يعمل فيه، قال: وبناه النبي ﷺ مرتين: بناه حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد عليه مثله في الدور.
وروى الطبراني بإسناد فيه ضعيف عن أبي المليح عن أبيه قال: قال النبي ﷺ لصاحب البقعة التي زيدت في مسجد المدينة- وكان صاحبها من الأنصار- فقال النبي ﷺ : «لك بها بيت في الجنة» قال: لا، فجاء عثمان فقال له: «لك بها عشرة آلاف درهم» فاشتراها منه، ثم جاء عثمان إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله اشتر مني البقعة التي اشتريتها من الأنصاري، فاشتراها منه ببيت في الجنة، فقال عثمان: إني اشتريتها بعشرة آلاف درهم، فوضع النبي ﷺ لبنة، ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة، ثم دعا عمر فوضع لبنة، ثم جاء عثمان فوضع لبنة، ثم قال للناس: «ضعوا» فوضعوا.
وروى الترمذي وحسّنه في حديث قصة إشراف عثمان على الناس يوم الدار عن ثمامة بن حزن القشيري أن عثمان ﵁ قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعونني أن أصلي فيها ركعتين، قالوا: اللهم نعم، الحديث، وأخرجه الدارقطني أيضا، وكذا أحمد بنحوه.
وأخرجا أيضا حديثا طويلا عن الأحنف بن قيس فيه: أن عثمان ﵁ قال:
أهاهنا علي؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله
стр. 257
إلا هو أتعلمون أن رسلو الله ﷺ قال: أمن يبتاع مربد بني فلان غفر الله له، فابتعته بعشرين ألفا أو خمسة وعشرين ألفا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: قد ابتعته، فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك، قالوا: اللهم نعم.
وأخرج خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان عن قتادة قال: كانت بقعة إلى جنب المسجد فقال النبي ﷺ : من يشتريها ويوسعها في المسجد له مثلها في الجنة، فاشتراها عثمان، فوسعها في المسجد.
وأسند ابن زبالة عن خالد بن معدان قال: خرج رسول الله ﷺ على عبد الله بن رواحة وأبي الدرداء ومعهما قصبة يذرعان بها المسجد، فقال: ما تصنعان؟ فقالا: أردنا أن نبني مسجد رسول الله ﷺ على بنيان الشام، فيقسم ذلك على الأنصار، فقال: هاتياها، فأخذ القصبة منهما، ثم مشى بها حتى أتى الباب، فدحا بها «١» ، وقال: كلا، ثمام وخشيبات وظلة كظلة موسى، والأمر أقرب من ذلك، قيل: وما ظلة موسى؟ قال: إذا قام أصاب رأسه السقف.
وروى البيهقي في الدلائل من طريق يعلى بن شداد عن عبادة أن الأنصار جمعوا مالا فأتوا به النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابن بهذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى.
وروى البيهقي أيضا عن الحسن في بيان عريش موسى قال: إذا رفع يده بلغ العريش، يعني السقف.
وعن ابن شهاب: كانت سواري المسجد في عهد رسول الله ﷺ جذوعا من جذوع النخل، وكان سقفه جريدا وخوصا ليس على السقف كثير طين، إذا كان المطر امتلأ المسجد طينا، إنما هو كهيئة العريش.
وفي الصحيح في ليلة القدر: وإني أريت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجع، فرجعنا وما نرى في السماء قزعة «٢» فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته.
الفصل الثاني في ذرعه وحدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم
اعلم أن الذراع حيث أطلق فالمراد به ذراع الآدمي، وقد قدمنا في تحديد الحرم
стр. 258
أنه ذراع غير ثمن من ذراع الحديد المستعمل بمصر وبمكة، وهو شبران تقريبا، وقد تحصلنا كما تقدم في ذرع المسجد على أربع روايات: الأولى: سبعون ذراعا في ستين أو يزيد، والثانية: مائة ذراع في مائة، وأنه مربع، والثالثة: أنه أقل من مائة ذراع، وهذا صادق بالأولى فليحمل عليها، الرابعة: أنه بناه أولا أقل من مائة في مائة، ثم بناه وزاد عليه مثله في الدور، ولا يصح أن يراد بذلك الأذرع قطعا؛ لأنها تقتضي أنه بعد البناء الثاني صار أحد امتداديه إما الطول أو العرض نحو مائتي ذراع، والامتداد الآخر نحوها، ولا شك أن حد مسجده ﷺ من جهة المشرق غايته الحجرة الشريفة، فعرضه من جدارها إلى جدار المسجد الغربي، وذرع هذا القدر اليوم بعد الزيادات المجمع عليها لا تبلغ مائة وخمسين ذراعا كما اختبرته، بل تنقص أزيد من ستة أذرع، وقد أجمع المؤرخون على أن عمر وعثمان ﵄ زادا في المسجد من هذه الجهة، ثم غيرهما من الخلفاء؛ فالظاهر أن المراد من هذه الرواية الأشبار لا الأذرع، فيقتضي أن المسجد النبوي بعد البناء الثاني صار أحد امتداديه مائتي شبر، والامتداد الآخر نحوها؛ فيوافق رواية مائة ذراع في مثلها، على أن ما ذكره المتأخرون من التحديد بالأمور الآتية يقتضي أنه لم يكن مائة ذراع؛ فهو مقتض لترجيحهم الرواية الأولى، وهي سبعون ذراعا في ستين، وتكون السبعون للطول والستون للعرض.
وقد نقل النووي ذلك في منسكه عن خارجة بن زيد أحد فقهاء المدينة السبعة، ولفظه: بنى رسول الله ﷺ مسجده سبعين ذراعا في ستين أو يزيد، وهو الذي جزم به ابن النجار فقال: بنى رسول الله ﷺ مسجده مربعا، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعين ذراعا في ستين ذراعا أو يزيد، انتهى.
هذا، وقد قال يحيى قبيل ما جاء في حجر أزواج النبي ﷺ : حدثني هارون قال:
حدثنا محمد بن يحيى- يعني صاحب مالك- قال: فيما كان انتهى إلينا من ذرع مسجد النبي ﷺ من القبلة إلى حده الشامي أربعة وخمسون ذراعا وثلثا ذراع، وحده من المشرق إلى المغرب ثلاث وستون ذراعا، يكون ذلك مكسرا ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين ذراعا، انتهى.
وقال ابن النجار: اعلم أن حدود مسجد رسول الله ﷺ أي: الذي كان في زمنه- من القبلة الدرابزينات التي بين الأساطين التي في قبلة الروضة، ومن الشام الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد، وأما من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبي ﷺ إلى الأسطوان الذي بعد المنبر، وهو آخر البلاط، انتهى.
стр. 259
وفيما ذكره ابن النجار مناقشة: أما ما ذكره من التحديد بالدرابزينات من جهة القبلة وبالخشبتين من جهة الشام، فالخشبتان اليوم غير معروفتين، وقد نبه على فقدهما الزين المراغي، وكلام المطري يفهمه، ولم أر لهما ذكرا في كلام المتقدمين، نعم ذكر ابن زبالة كلاما فيه غموض يقتضي تحديد بعض جهات المسجد بعودين علا الكبس على أحدهما، وأن الآخر كان موجودا في زمانه، فلعل ذلك مأخذ ابن النجار، وعبارة ابن زبالة تنبو «١» عن ذلك؛ إذ لم يذكرهما في حد جهة الشام، والحد من هذه الجهة اليوم- على ما يعرف في زماننا- الحجران الآتي ذكرهما في صحن المسجد، وسيأتي ما يقتضي رد ذلك.
وذكر ذلك ابن جماعة في منسكه فقال: قد عرّف المتأخرون مقدار المسجد الذي كان عليه أولا فقالوا: كان على التربيع من الحجرة المقدسة إلى مكان السارية السابعة من جهة المغرب، ومن موضع الدرابزين الذي هو بين الأساطين المتصل بالصندوق أمام المصلى الشريف إلى موضع الحجرين المغروزين في صحن المسجد الشريف، انتهى.
ومستنده في ذلك قول المطري في الحجرين المذكورين يذكر أنهما حد المسجد من جهة الشام والمغرب، قال: لكنهما ليسا على سمت المنبر الشريف، بل هما داخلان إلى جهة المشرق بمقدار أربعة أذرع أو أقل، وكذا متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك، قال: لأني اعتبرت ذلك بالذرع فوجدتهما ليسا على ذرع المسجد الأول.
قلت: كونهما داخلين عن سمت المنبر إلى جهة المشرق بما ذكر لا يقدح في كونهما الحد المذكور؛ لأن المراد أن جهة المغرب هناك في سمتهما، كما أن المراد أن جهة الشام في سمتهما، لا أنها ما يحاذي الحجرين فقط، ووقع الاستغناء عن تحرير ابتداء جهة المغرب بما تقدم له نقلا عن ابن النجار من الأسطوانة التي تلي المنبر من تلك الجهة، كما استغنى بكون الحجرة الشريفة حده من جهة المشرق؛ إذ لم يذكر حد لجهة المشرق مما يلي الحجرين في جهة الشام، وفي الحقيقة لم يقصد بهما سوى بيان جهة الشام، على أنه يحتمل أن مقدم المسجد كان أعرض من مؤخره كما هو موجود اليوم، فيكون الحجران حده من جهة المغرب حقيقة، وأما قوله إنهما متقدمان إلى القبلة بأربعة أذرع وإنهما ليسا على ذرع المسجد الأول يعني السبعين التي ذكرها ابن النجار فقد بناه على ما قاله أيضا من أن الدرابزينات التي ذكرها ابن النجار من جهة القبلة متقدمة على موضع الحائط القبلي؛ لأن الحائط القبلي كان محاذيا لمصلى رسول الله ﷺ وإنما جعل هذا الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف أي بين المصلى والدرابزينات سترة بين المقام الشريف وبين الأسطوانات، قال: وورد أيضا أنه كان بين الحائط القبلي وبين المنبر ممر الشاة، وبين
стр. 260
المنبر والدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع ذراع، والمنبر لم يغير من جهة القبلة، وكذا المصلى الشريف، انتهى. فلم يعتبر الذرع من الدرابزينات.
وقد اختبرت أنا ذلك بنفسي من الدرابزينات المذكورة إلى الحجرين المذكورين فكان سبعين ذراعا بذراع اليد المتقدم ذكره، وقد قال ابن جماعة: إنه اختبر ذلك بذراع العمل فكان ستة وأربعين ذراعا وثلثي ذراع؛ فهو موافق لذرعنا، بل يرجح قليلا؛ لأن ذراع العمل ذراع ونصف راجح من ذراع اليد.
وأما ما ذكره المراغي في كتابه من الذرع فغير موافق لذرعنا؛ لأنه اعتمد في ذلك كما صرح به على ذراع المدينة الشريفة اليوم، وقد اختبرته فوجدته يزيد على ذراع اليد الذي حررناه بأكثر من قيراط، وقول المطري: «إن بين المنبر والدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع» مخالف لما اختبرناه؛ فإن بينهما ثلاثة أذرع ونصف بالذراع الذي حررناه، لكن سيأتي أن المنبر اليوم ليس هو ذلك، وأنه قد اتضح لنا عند الحفر لتأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره صحة ما قاله المطري، وأن المنبر الذي أدركناه قدّم عن محل المنبر الأصلي لجهة القبلة أزيد من نصف ذراع، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن زبالة ويحيى من طريقه نقلا عن غير واحد من أهل العلم تحديد المسجد الشريف من هذه الجهة فقالا: وعلامته في القبلة حروف المرمر الذي المنبر وسطه، وعلامته من الشام أربعة طيقان من ناحية المشرق والمغرب، وعلامة الطيفان الأربع أنهن مخضرات الأجواف بالفسيفساء كلهن.
قلت: والمرمر اليوم لا يظهر منه شيء. لكن يؤخذ من كلام ابن زبالة في وصف هذا المرمر أنه كان دكة مرتفعة حول المنبر قدر الذراع، وأنه ممتد من المغرب قدر ثلاثة أذرع، ومن المشرق ثلاثة، ومن القبلة ثلاثة، فإنه قال: حدثني محمد بن إسماعيل قال:
رأيت طنفسة «١» كانت لعبد الله بن حسن بن حسن تطرح قبالة المنبر على مرمر كان هناك، قال: فحبس عبد الله بن حسن سنة أربعين ومائة، وبقيت الطنفسة بعده أياما، ثم رفعت، قال: ثم إن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵃ لما ولي المدينة سنة خمسين ومائة في خلافة أبي جعفر نقض المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري، فكلمه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان أن يدع له مصلاه فتركه ولم يلحق المرمر بالأساطين المقدمة؛ فالمرمر اليوم هو الذي عمل الحسن بن زيد، والمرمر الذي حول المنبر المرتفع عن المرمر الذي عمل الحسن بن زيد بين ستة أساطين ثلاثة أذرع من قبل القبلة وثلاثة أذرع من قبل المشرق وثلاثة أذرع من قبل المغرب، وهو مرتفع عن الأرض نحوا من ذراع، انتهى.
стр. 261
وقال في موضع آخر: عرض المرمر الذي حول المنبر ثمانية أذرع، وطوله ثماني عشرة ذراعا، وسماه في موضع آخر رخاما، وهو يطلق عليه لغة، وسيأتي ذكر هذه الدكة التي المنبر في وسطها عن ابن النجار حيث قال: وارتفاع الدكة التي المنبر عليها شبر وعقد، فكأن الكبس علا؛ فإنها كانت ذراعا في زمن ابن زبالة، وفي زمن ابن النجار شبرا وعقدا، ثم علا الكبس فلم يوجد اليوم، وقد ظهر أثرها وأثر الرخام المذكور عند حفر ما حول المنبر الشريف، وشاهدت الرخام الذي في قبلته كما سيأتي، وتلخص من هذا أن المرمر كان في جهة القبلة ثلاثة أذرع بعد المنبر، والظاهر أن عرض جدار المسجد الشريف أدخل في ذلك من جهة القبلة؛ فقد روى يحيى في ترجمة ما جاء في زيادة الوليد أن عمر بن عبد العزيز أحضر رجالا من قريش فأروه مسجد رسول الله ﷺ والذي زاد فيه عمر، والذي زاد فيه عثمان، فعلم عمر بن عبد العزيز المسجد الأول الذي كان على عهد رسول الله ﷺ فكان جدار القبلة من وراء المنبر ذراعا وأكثر من ذراع. وروى ابن زبالة أخبارا تتضمن أن جدار القبلة كان بينه وبين المنبر قدر ممر العنز، وفي العتبية ممر الرجل منحرفا، وفي الصحيح عن سهل: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة.
وفيه أيضا عن سلمة: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه؛ فتعين ما أشرنا إليه من إدخال جدار المسجد في ذلك الممر الذي جعل علامة في جهة القبلة، وأما الطاقات الأربع التي ذكرها علامة لنهاية المسجد من جهة الشام فغير معروفة اليوم، إلا أنه سيأتي فيما نقله المرجاني عن الحارث المحاسبي ما يبين محلها.
وأما الجواب على ما ذكر المطري من كون الدرابزينات متقدمة فالظاهر أن ابن النجار فهم أن المراد إدخال عرض الجدار الذي كان موجودا في زمنه ﷺ لما تقرر عندنا من أن جدار المسجد من جملة المسجد، ويؤيده ما تقدم من التحديد بالمرمر من تلك الجهة، وما سيأتي في الفصل الثاني عشر من رواية أحمد عن نافع أن عمر ﵁ زاد في المسجد من الأسطوانة- أي التي عند المصلى الشريف- إلى المقصورة؛ لأن ذلك هو الرواق الذي بين الأساطين التي في قبلة الروضة وبين الأساطين التي تليها في القبلة. وقد قال المراغي: إن الذي ظهر له أن الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف جعل في مكان الجدار القديم، ويشهد له ما سيأتي عن يحيى في ذرع ما بين المصلى الشريف وجدار القبلة اليوم، لكن عرض هذا الصندوق ذراعان، وبينه وبين الدرابزين أرجح من نصف ذراع، وذلك فيما يظهر أزيد من عرض الجدار القديم بنحو الذراع؛ لأني شاهدت لبنا أخرج من جدران الحجرة الشريفة في العمارة التي أدركناها أولا يزيد في الطول على الذراع، وعرضه نصف ذراع، وسمكه ربع ذراع، وفيه شيء مرتفع طوله وعرضه وسمكه واحد، وكل ثنتين منه طول لبنة مما قدمناه، والذي يظهر أنه كان من بقايا لبن الحجرة
стр. 262
الشريفة التي كانت مبنية به أولا جعل للتبرك لأنه أتى غير مستو، والجدار مبني بالحجارة الوجوه المحكمة وبالقصة؛ فلا يناسبه وضع ذلك فيه، ولهذا جعل بين الحجارة الوجوه في أعالي الجدار، وقد تقدم أن الذي استقر عليه عرض الجدار في زمنه ﷺ الأنثى والذكر، وهما لبنتان مختلفتان، واللبنتان المختلفتان من هذا اللبن الذي رأيناه أو اللبنة ونصف الآخرى وهو السعيدة يزيد على ذراع ونصف يسيرا، فيكون ذلك هو عرض الجدار في زمنه ﷺ ويشهد له ما شاهدناه أيضا في عرض جدار الحجرة الشريفة على ما سنذكره، ثم اتضح الحال بظهور المرمر الذي في قبلة المنبر؛ فإنا وجدنا بينه وبين الدرابزين المذكور أرجح من ذراع، وبينه وبين طرف محل المنبر الأصلي من جهة القبلة ثلاثة أذرع سواء، كما ذكر ابن زبالة، فذلك هو عرض الجدار مع ما كان بين المنبر وبينه.
وأما ما ذكره ابن النجار من التحديد بالأسطوانة التي تلي المنبر من جهة المغرب وأنها آخر البلاط وبالحجرة الشريفة من جهة المشرق؛ فالبلاط الذي ذكره لا يوجد اليوم، وكأنه يريد به الرخام الذي كان المنبر وسطه، وقد عبر عن ذلك ابن جماعة كما تقدم بقوله: من الحجرة إلى مكان السارية السابعة من جهة المغرب، فإن السابعة من صف الأساطين المذكورة هي التي تلي المنبر من المغرب إن عددنا الأسطوان الملاصق للحجرة، ولم أر لما ذكره ابن جماعة مستندا في كلام المؤرخين سوى ما ذكره ابن النجار؛ فيتعين الحمل على الأسطوانة المذكورة، وقد ذرعت ما بين الأسطوانة التي تلي المنبر عند ظهره من المغرب إلى حائز عمر بن عبد العزيز الذي داخله الحجرة الشريفة بمقط؛ فكانت مساحته سبعة وخمسين ذراعا ونصف ذراع راجح، وعرض الحائز المذكور ذراع وربع راجح، كما تحرر لي عند عمارة ما نقض منه، وليس بينه وبين جدار الحجرة من هذه الجهة فضاء أصلا، بل هو لاصق به ليس بينهما مغرز إبرة خلاف ما ذكره المؤرخون؛ فيكون ما بين الأسطوانة المذكورة والحجرة الشريفة تسعة وخمسون ذراعا ينقص يسيرا، وكأن ابن النجار جرى على قول من تقدمه من المؤرخين في أن بين الحائز وجدار الحجرة فضاء من هذه الجهة، وظن أن عرض الحائز أكثر مما ذكرناه؛ فجعل نهاية قولهم في عرض المسجد ستين ذراعا أو يزيد إلى الأسطوانة التي تلي المنبر أو أن ذلك القدر الناقص لتفاوت الأذرعة، على أن الظاهر أن ابن جماعة لم يعتبر الأسطوانة اللاصقة بالحجرة، وأنه جعل السارية السابعة هي التي تلي السارية التي تلي المنبر في جهة المغرب، وهي الثانية من المنبر في تلك الجهة، فإنه قال: إنه ذرع ما بين الأسطوانة السابعة إلى حائز الحجرة الشريفة فكان ذلك اثنين وأربعين ذراعا وثلثي ذراع بذراع العمل.
قلت: وقد اعتبرت ما ذكره من الذرع بذراع العمل فرأيته ينتهي إلى الأسطوانة الثانية
стр. 263
من المنبر في جهة المغرب، وذرعته بذراع اليد الذي حررناه فكان خمسا وستين ذراعا، وهو مطابق لما قاله ابن جماعة ولما اختبرناه بذراع العمل؛ لأن ذراع العمل ذراع وثلث من ذراع الحديد المستعمل بمصر، وذلك اثنان وثلاثون قيراطا، والذراع الذي حررناه أحد وعشرون قيراطا، فذراع العمل ذراع ونصف قيراط بالذراع الذي حررناه، وقد مال المراغي إلى اعتبار التحديد بهذه الأسطوانة- أعني الثانية من المنبر- فإنه ذكر عدم وجود البلاط اليوم، ثم قال: لكني اعتبرت ذرعه من المشرق إلى المغرب على رواية يحيى ثلاثة وستين، وهي من أقل الروايات؛ فكان من جدار الحجرة الشريفة يعني الحائز الظاهر إلى الأسطوانة الثانية من المنبر لا التي بعده ستون ذراعا تقريبا، قال: وعلى هذا يكون عرض جدار عمر بن عبد العزيز وما بينه وبين جدار الحجرة الشريفة الأصلي ثلاث أذرع تقريبا، انتهى. ولا يخفى ما فهم؛ لأنه جعل المسافة المذكورة ستين ذراعا تقريبا وهي خمسة وستون تحريرا، وتبع من تقدمه من المؤرخين في ثبات فضاء بين حائز عمر بن عبد العزيز وجدار الحجرة، فخمن أن ذلك مع عرض الحائز ثلاثة أذرع، وقد علمت أن عرض الحائز ذراع وربع يرجح يسيرا، وليس بينه وبين جدار الحجرة شيء.
وقد روى ابن زبالة ويحيى من طريقه أشياء في تحديد المسجد وذرعه يقتضي أن جدار المسجد الشريف في زمنه ﷺ من جهة المشرق لم ينته إلى حائز عمر بن عبد العزيز، بل الحائز وبعض ما يليه من المغرب في موضع حجرة عائشة ﵂، وأن جدار حجرة عائشة كان فيما بين الأساطين اللاصقة بجدار القبر وبين الأساطين التي بينها المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة، وأنه ﷺ كان قد بنى المسجد أولا وجعله ثلاث أساطين عن يمين المنبر في المغرب وثلاث أساطين عن يساره في المشرق، وأن نهايته من جهة المشرق كانت أولا أسطوان التوبة؛ لأنها تكون في موضع الجدار بعد الأساطين الثلاث، وأن مساحة ذلك من المشرق إلى المغرب ثلاث وستون ذراعا، وقيل:
خمس وخمسون، وأنه زاد فيه بعد ذلك من المشرق والمغرب، ومع ذلك لم ينته زيادته في المشرق إلى موضع حائز عمر بن عبد العزيز، وأنه لم يزد فيه من جهة القبلة ولا من جهة الشام.
قلت: وهو موافق لما روى أنه كان مائة ذراع كما سنبينه، ويرجحه عندي أن المنبر الشريف يكون حينئذ متوسطا للمسجد؛ إذ يبعد أنه ﷺ لا يتوسط أصحابه ويقف على منبر في طرفهم، وكون المسجد النبوي لا ينتهي إلى موضع حائز عمر بن عبد العزيز كما قدمناه خلاف ما عليه متأخرو المؤرخين، لكنه حسن؛ إذ يبعد أن يا بني عمر بن عبد العزيز حائزه في شيء من المسجد، وينتقص الروضة الشريفة به، حاشاه من ذلك، والذي صح
стр. 264
أن محل القبور الشريفة في صفة بيت عائشة، ولا بد للصفة من مرافق، فيظهر أن الحائط الذي في جوف الحائز هو حائط الصفة، والحائز فيما خرج عنها من بقية البيت.
ثم ظفرت في كلام المرجاني نقلا عن الحارث المحاسبي بما يصرح بذلك، لما سيأتي من أنه ذكر في تحديد المسجد ستة أساطين من جهة شرقي المنبر، ثم قال:
والروضة ما بين القبر والمنبر، فما كان منها في الأسطوانة السادسة التي حددت لك عن يمين المنبر فليس من المسجد الأول، وإنما كان من حجرة عائشة ﵂ فوسع به المسجد، وهو من الروضة، انتهى.
ولنورد عبارة ابن زبالة فإن يحيى روى ذلك عنه من غير زيادة ولا مخالفة مع ما فيها من أشياء لا تعرف اليوم، ولكن إفادة هذه الأمور الغريبة التي لم يذكرها متأخرو المؤرخين اقتضت إيرادنا لذلك فنقول: أسند ابن زبالة عن عبيد بن عمر بن حفص بن عاصم أن مسجد رسول الله ﷺ كان ثلاث أساطين مما يلي المشرق، وثلاث أساطين مما يلي المغرب، سوى ما خرج في الرحبة أي الأساطين المصفوفة من الرحبة إلى القبلة، ولولا ما سيأتي من التصريح بأن هذه الست كانت ثلاثة منها على يمين المنبر وثلاثة عن يساره- يعني في البناء الأول- لحملنا ذلك على أن ابتداء هذه الست من الأسطوانة التي تلي المنبر؛ فيكون نهايتها الأسطوان التي يلي أسطوان التوبة، ويكون جدار الحجرة بعدها، فيوافق التحديد المتقدم، لكنه قال عقبه: وقال جمهور الناس من أهل العلم وغيرهم: هو إلى الفرضتين اللتين في الأسطوانتين اللتين دون المربعيتن الغربية والتي في القبر.
قلت: لا تعرف اليوم في المسجد القديم مربعة غربية، غير أن الذي ظهر لي- من مقابلتها بمربعة القبر ومما سيأتي في بيان الحائز الذي عمل لمنع ماء المطر أن يغشى المسقف القبلي- أنها الأسطوانة العظيمة المثمنة اليوم في المسقف القبلي، فإنها كانت ركن رحبة المسجد في هذا المسقف من جهة المغرب، كما أن مربعة القبر كانت ركن الرحبة في جهة المشرق، قبل زيادة الرواقين اللذين ذكرهما في المسقف القبلي كما يؤخذ من مواضع في كلام ابن زبالة ويحيى، والذي يظهر أن تثمين الأسطوانة المذكورة حادث، وإنما كانت مربعة، كما ثمنوا ما ظهر من مربعة القبر وما يلي الحجرة منها باق على تربيعه، ومربعة القبر هي التي في نهاية الصفحة الغربية من الحائز الدائر على الحجرة من جهة الشام، وتعرف بأسطوان مقام جبريل ﵇ كما سيأتي إيضاحه، والأسطوان التي دونها هي الملاصقة بالشباك الدائر على الحجرة اليوم، وهي بين المربعة وبين أسطوان الوفود؛ فيكون جدار الحجرة على هذا كان فيما بين مربعة القبر والتي يليها.
قال ابن زبالة عقب ما قدمناه عنه: واحتجوا بأن رسول الله ﷺ كان يعتكف في
стр. 265
المسجد في موضع مجلس بني عبد الرحمن بن الحارث، وأن عائشة ﵂ كانت ترجل رأسه وهو معتكف في المسجد وهي في بيتها، وكان مالك بن أنس يقول: الجدار من المشرق في حد القناديل التي بين الأساطين التي في صفها أسطوان التوبة وبين الأساطين التي تلي القبر، وأرفه عمر بن عبد العزيز من ورائها في الأسطوانة التي تلي القبر.
قلت: ما نقله عن مالك صريح فيما قدمناه من أن جدار المسجد الشرقي كان فيما بين الأساطين اللاصقة بالقبر وبين الأساطين المقابلة لها؛ فيكون في محاذاة القناديل الآخرة من القبلة إلى الشام فيما بين هذه الأساطين، ويكون عمر بن عبد العزيز أخره إلى الأسطوان اللاصق بجدار القبر، وسيأتي ما يصرح بذلك من كلام المحاسبي أيضا وأما قوله: «واحتجوا إلى آخره» فوجه الاحتجاج أن معتكفه ﷺ كان لاصقا بحجرته، بحيث إن عائشة ﵂ كانت ترجل رأسه وهو في معتكفه وهي في بيتها، ولهذا أورد ابن زبالة عقبه حديث «كان يدنو مني وأنا حائض فأرجله وهو في المسجد» ومجلس بني عبد الرحمن بن الحارث الذي ذكره ابن زبالة لا يعرف اليوم، وروى ابن زبالة ويحيى في بيان معتكفه ﷺ أشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى، والمناسب لما نحن فيه منها: أنه كان للنبي ﷺ سرير من جريد فيه سعفه يوضع بين الأسطوان التي وجاه القبر وبين القناديل، كان يضطجع عليه ﷺ وقوله: «التي وجاه القبر» يريد به المواجهة له، وهي اللاصقة بشباك الدائر على الحجرة اليوم في صف أسطوان التوبة، بل قيل: إنها أسطوان التوبة كما سيأتي، وهذا مطابق لما ذكره مالك من أن الجدار كان في حد القناديل المذكورة.
وأسند ابن زبالة أيضا عن غير واحد من أهل العلم أن مسجد رسول الله ﷺ كان ثلاث أساطين عن يمين المنبر وأنت مستقبل القبلة في موضع معتكف حسن بن زيد الذي كان يعتكف فيه، ومن الشق الآخر إلى أسطوان التوبة، وكان ذرعه من المشرق إلى المغرب ثلاثة وستين ذراعا، وقال عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه: كان خمسين في خمسين.
قلت: فيكون الحجر التي في شرقي المسجد أدخلت بعد أو بعضها في الزيادة الآتية أو أنها لم تستقر في شرقيه إلا بعد ذلك.
ثم قال ابن زبالة: قالوا: وعلامة مسجد رسول الله ﷺ أي الذي بني عند مقدمه من مكة- وذكر علامات كانت في السقف المحترق والفسيفساء التي زالت فلا تعرف اليوم، ثم قال: وعلامة مسجد رسول الله ﷺ الذي بني عند مقدمه من خيبر قالوا: ترك رسول الله ﷺ المسجد من القبلة في تلك البنية في حده الأول، وزاد فيه من ناحية
стр. 266
المشرق إلى الأسطوان التي دون المربعة التي عند القبر، وعلامة تلك الأسطوان أن لها نجافا «١» طالعا في الرحبة من بين الأساطين، ومن المغرب إلى الأسطوان التي تلي المربعة التي لها نجاف أيضا من بين الأساطين، وظهر ذلك أي حد المسجد بحجارة، وعبارة يحيى: وقد صمد بحجارة تحت الحصباء، منها أرفة عند الأسطوان التي بين أسطوان التوبة وبين القبر في صف الأسطوان التي لها نجاف، ومن المغرب مثل ذلك بأرفة حجارة في الأرض مبنية، وترك مما يلي الشام لم يزد فيه، انتهى كلام ابن زبالة بحروفه.
وقوله: «ومن المغرب مثل ذلك» أي ظهر الحد بأرفة حجارة في الأرض، ولا أدري معنى قوله بأرفة «٢» .
وذكر ابن زبالة أيضا في موضع آخر ذرع مسجد النبي ﷺ الذي كان في زمنه، يعني ما استقر عليه في آخر الأمر، ثم قال: وحده من شرقي المنبر أربع أساطين، ومن غربيه أربع أساطين، انتهى.
والعجب من ابن النجار فمن بعده من المؤرخين حيث لم يتعرضوا لهذا، لكن ابن النجار اعتذر في أول كتابه بأنه كان مجاورا بالمدينة، ولم تكن كتبه حاضرة عنده، وذكر ما يقتضي أنه كتب ذلك مما علق بفكره، والمطري جرى على منواله، وابن زبالة ويحيى عمدة في ذلك؛ فإنهما أقدم من أرخ للمدينة لأن ابن زبالة هو محمد بن الحسن أحد أصحاب الإمام مالك بن أنس، ويؤخذ من كلامه أنه وضع كتابه في صفر سنة تسع وتسعين ومائة، وأما يحيى فهو من أصحاب أصحابه، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين ومائتين عن ثلاث وستين سنة، وأما ابن شبة فكان معاصرا ليحيى وقبله بيسير، ولم أظفر من كتابه بهذا المحل المشتمل على ذكر المسجد، ولو ظفرت به لكان الشفاء؛ فإنه يوضح الأمور إيضاحا تاما، وهو إمام ثقة، وابن زبالة وإن كان ضعيفا لكن اعتضد بموافقة يحيى له وروايته لكلامه من غير تعقيب.
ثم ظفرت في كلام المرجاني نقلا عن المحاسبي بما يوافق كلامه؛ فهو العمدة عندي.
قال المرجاني: قال الحارث بن أسد المحاسبي: حد المسجد الأول ستة أساطين في عرضه عن يمين المنبر إلى القناديل التي حذاء الخوجة، وثلاث سوار عن يساره من ناحية المنحرف منه، ومنتهى طوله من قبلته إلى مؤخره حذاء تمام الرابع من طيقان المسجد
стр. 267
اليوم: أي في زمنه، وما زاد على ذلك فهو خارج عن المسجد الأول، قال- يعني المحاسبي- وقد روى عن مالك أنه قال: مؤخر المسجد بحذاء عضادة الباب الثاني من الباب الذي يقال له باب عثمان، أعني العضادة الآخرة السفلى، وهو أربع طيقان من المسجد، ثم قال: والروضة ما بين القبر والمنبر، إلى آخر ما قدمناه عنه.
وقوله «عن يمين المنبر» أي في جهة المشرق، لما سبق عنه خلاف ما تقدم في كلام ابن زبالة، فإنه عنى يمين مستقبل المنبر، والطيقان التي ذكرها لها ذكر في كلام ابن زبالة ويحيى كما تقدم، وهي غير موجودة اليوم، والباب الثاني من باب عثمان هو المعروف اليوم بباب النساء؛ فهو صريح في رد ما تقدم من تحديد جهة الشام بالحجرين الموجودين اليوم في صحن المسجد، ومؤيد للرواية المتقدمة في الذرع، وهي رواية مائة ذراع في مائة ذراع؛ لأنه يقرب من ذلك.
وقد تحصلنا من هذا مع ما تقدم عن المتأخرين على خلاف في نهاية المسجد النبوي من جهة المغرب.
فأحد الأقوال:
أنه إلى الأسطوانة التي تلي المنبر من تلك الجهة، وهو الذي عوّل عليه ابن النجار ومن اتبعه.
والثاني:
أنه إلى التي تليها، وهي الثانية من المنبر من تلك الجهة أيضا، وهما بعيدان.
والثالث:
أنه إلى الأسطوانة الثالثة من المنبر في تلك الجهة، وقد اقتضى كلام ابن زبالة أن ذلك حد المسجد قبل زيادة النبي ﷺ فيه، خلاف ما يظهر من كلام المحاسبي.
والرابع:
أنه إلى الأسطوانة الرابعة من المنبر؛ لما تقدم من أنه كان على ثلاثة أساطين عن يمين المنبر؛ فيكون جداره الغربي في موضع الأسطوانة الرابعة في صفها من جهة القبلة أسطوان مربع من أسفله عن الأرض بقدر الجلسة، وفي صفه من جهة الشام أسطوان محراب الحنفية المحدث.
والخامس:
أنه إلى الأسطوانة الخامسة من المنبر؛ لما تقدم من أن النبي ﷺ زاد فيه بعد فتح خيبر من جهة المغرب بقدر أسطوان آخر، كما يؤخذ مما تقدم، ولما صرح به ابن زبالة كما قدمناه أيضا حيث قال في حده: وعن غربيه أربع أساطين؛ فينتهي حده إلى الأسطوانة الخامسة من المنبر، وهي التي تلي الأسطوانة المذكورة في جهة المغرب في صفها، وهي مربعة من أسفلها بقدر الجلسة أيضا، وفي صفها من جهة الشام الأسطوان التي تلي محراب الحنفية من جهة المغرب، فهاتان المربعتان هما اللتان يتردد فيما يكون منهما في موازاة حد المسجد النبوي من جهة المغرب، وقد ذهب تربيعهما في العمارة
стр. 268
المتجددة في زماننا بعد الحريق؛ والمربعة الثانية- أعني الخامسة من المنبر- هي التي يترجح عندي أيضا؛ لأن تجاهها في حائط القبلة طراز آخذ من السقف نازل إلى العصابة السفلى الظاهرية، لكنه انقشر بعضه عند إصلاح العصابة العليا وتبييض الجدار في العمارة التي أدركناها أولا، وذهب منه ما كان بين العصابتين، وبعض ما فوق العليا، وبقي منه ما بين العصابة العليا والسقف، ثم ذهب بقيته في الحريق الحادث في زماننا، وبقي موضعه أصباغ ملونة في الجدار من صناعة الأقدمين، وقد ذهب ذلك عند هدم الجدار القبلي؛ فالظاهر أنه علامة نهاية المسجد النبوي من هذه الجهة، خلاف ما سيأتي عن المطري في جعله علامة لنهاية زيادة عثمان ﵁؛ لوجوه:
الأول: أني ذرعت من الأسطوان التي المنبر إلى الأسطوان المحاذية لهذا الطراز؛ فكان ذلك سبعا وثلاثين ذراعا، فإذا أضفنا ذلك إلى الذرع المتقدم فيما بين الأسطوان التي تلي المنبر وبين الحجرة الشريفة، وهو نحو الستين ذراعا كما تقدم، قارب ذلك المائة التي تقدمت الرواية بها.
الثاني: أنه يبعد أن يجعل هذا الطراز لزيادة عثمان ﵁ كما زعمه المطري، ويترك التعليم للمسجد الأصلي والاعتناء به أشد. وقد قال ابن زبالة: إن له علامات في الفسيفساء، والظاهر أن الفسيفساء لما زالت جعل هذا بدلها.
الثالث: أنه سيأت أن عمر لما زاد في المسجد جعل عرضه مائة وعشرين ذراعا، وأنه لم يزد فيه من جهة المشرق شيئا؛ فيكون نهاية المسجد في زمنه من جهة المشرق الحجرة الشريفة، وقد علمت أن من الحجرة الشريفة إلى ما يحاذي الطراز المذكور ينقص عن المائة، فكيف يكون نهاية زيادة عثمان؟ وعثمان قد زاد أسطوانا من جهة المغرب على زيادة عمر، فلو كان ذلك الطراز نهاية زيادة عثمان لزم أن يكون عرض المسجد في زمن عمر نحو التسعين، ولا قائل به.
الرابع: أنه سيأتي أن عثمان ﵁ لم يزد في جهة المغرب غير أسطوانة واحدة، وأن زيادة الوليد من المغرب أسطوانتان، ولا شك أن من الأسطوانة التي تحاذي الطراز المذكور إلى جدار المسجد الغربي خمس أساطين، فإذا سقط منها ثلاث أساطين لعثمان ﵁ وللوليد بقي أسطوانتان لزيادة عمر ﵁، وهما يقربان من عشرين ذراعا التي زادها عمر ﵁ على المائة كما سيأتي.
الخامس: أن موضع المنبر لم يغير كما سيأتي، ويبعد كل البعد أن يجعل النبي ﷺ موضع منبره في طرف مسجده ولا يتوسط أصحابه في حال قيامه.
السادس: أنه سيأتي أن عمر ﵁ زاد في المسجد شيئا من دار العباس وأن
стр. 269
ما بقي منها زاد عثمان ﵁ بعضه، وما بقي دخل في دار مروان بن الحكم.
وروى يحيى في قصة زيادتها ما يصرح بأنها كانت ملاصقة بجدار المسجد النبوي، بل روي أنه كان لها ميزاب يصب فيه، وقد نقل يحيى أنها كانت فيما بين الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم، أي والباب الذي يلي دار مروان بن الحكم؛ لما تقدم من دخول بعضها في دار مروان؛ فوجب أن تكون المربعة المذكورة أول دار العباس وآخر المسجد النبوي.
السابع: ما قدمناه من أن المربعة الغربية إذا أطلقت، فالمراد بها الأسطوانة التي كانت ركن صحن المسجد في المغرب عند نهاية المسقف القبلي قبل زيادة الرواقين الآتيين فيه، وهي المثمنة اليوم؛ فهي المرادة بما تقدم عن الجمهور من أن المسجد النبوي كان إلى الفرضتين اللتين في الأسطوانتين اللتين دون المربعتين الغربية والتي في القبر كما نقله ابن زبالة، ولا شك أن الأسطوانة الخامسة من المنبر في جهة المغرب دون المربعة المذكورة؛ لأن المربعة المذكورة هي السادسة من المنبر، فوضح أنها المراد بذلك، فيكون الجمهور على رواية أن المسجد كان مائة في مائة، ومما يرجح هذه الرواية أيضا ما تقدم عن المحاسبي من تحديد مؤخر المسجد الأول نقلا عن مالك بعضادة الباب الثاني من باب جبريل- وهو باب النساء- وما سيأتي من أن باب الرحمة- ويعرف بباب عاتكة- لم يغيره عمر ﵁، يعني أنه نقله فأخره فقط وجعله في تجاه الباب الأول، لأنه زاد في المسجد من جهة المغرب، وبين باب الرحمة وبين الحجرين اللذين ذكر أنهما حد المسجد من جهة الشام تفاوت ظاهر؛ لتأخره عن موازاتهما كثيرا، وكأنهما إنما جعلا هناك تميزا لفوهتي بالوعة عندهما الحجران المذكوران هناك؛ فالذي يترجح في النقد رواية المائة وما ذكرناه من التحديد، ويحتمل أن ابن النجار لما رأى اختلاف الروايات أراد الأخذ بالأقل لأنه المحقق فذكر التحديد المتقدم، وتبعه من بعده، على أنه اعتذر في أول كتابه بغيبة كتبه، وأن الحفظ قد يزيد وينقص، ولما اتضح ذلك للمقر الشجاعي شاهين الجمالي ناظر الحرم الشريف النبوي وشاد عمائره وشيخ خدامه اتخذ لأعالي الأسطوانة الخامسة من المنبر من صف الأساطين التي في قبلة المنبر طرازا متصلا بالسقف منقوشا فيه أن ذلك هو الذي استقر عليه الأمر في نهاية المسجد النبوي وحده، فالله تعالى يوفقه للمداومة على حفظ الحدود، ويلحقه بالمقر بين الشهود.
ويتفرع على ذلك مسألة ذكرها النووي فقال في شرح مسلم والمناسك وغيرهما: إن الصلاة إنما تتضاعف في المسجد الذي كان في زمنه ﷺ دون بقية الزيادات، ولم يحك غيره، لكن الخطيب بن حملة نقل عن المحب الطبري أن المسجد المشار إليه في حديث
стр. 270
المضاعفة هو ما كان في زمنه ﷺ مع ما زيد فيه، لأخبار وآثار وردت في ذلك، واستحسنه ابن حملة على ما ذهب إليه النووي في كتبه من التخصيص، مع أن البرهان ابن فرحون نقل في شرحه لابن الحاجب الفرعي أنه لم يخالف في هذه المسألة غير النووي، وأن الشيخ محب الدين الطبري نقل في كتابه الإحكام أن النووي رجع عن ذلك، قال: ونقل أبو عبد الله بن فرحون في شرح مختصر الموطأ أنه وقف على كتاب من كتب المالكية فيه أن مالكا سئل عن ذلك فقال: ما أراه ﵇ أشار بقوله: «في مسجدي هذا» إلا لما سيكون من مسجده بعده، وأن الله أطلعه على ذلك، انتهى.
قلت: أما قوله «إنه لم يخالف في ذلك إلا النووي» فممنوع؛ فقد نقل ذلك ابن الجوزي في الوفاء عن ابن عقيل الحنبلي، وأما ما نقله عن الإحكام للطبري فقد راجعتها فرأيته ترجم لبيان أن مسجده ﷺ المشار إليه بالتفضيل هو الموجود في زمنه مع ما زيد فيه، وأورد بعض الأخبار الآتي ذكرها في آخر الفصل الثاني عشر، ثم قال: وقد يتوهم بعض من لم يبلغه ذلك قصر الفضيلة على الموجود في زمنه ﷺ لمكان الإشارة، وقد وقع ذلك لبعض أئمة العصر، فلما رويت له ما سبق جنح إليه وتلقاه بالقبول، انتهى.
فكأن ابن فرحون فهم أن المراد من قولهم «بعض أئمة العصر» النووي.
وأما ما حكاه عن مالك فقد نقله الأقشهري في روضته عن عبد الله بن نافع صاحب مالك عن مالك، ولفظه في أثناء كلام: قيل له- أي لمالك- فحد المسجد الذي جاء فيه الخبر هو على ما كان في عهد النبي ﷺ أو على ما هو الآن؟ قال: بل هو على ما هو الآن، قال: لأن النبي ﷺ أخبر بما يكون بعده، وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها، وتحدث بما يكون بعده، فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت، ونسي ذلك من نسيه، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر عليهم ذلك منكر، انتهى.
قلت: ومتمسك من ذهب إلى التخصيص الإشارة في قوله «مسجدي هذا» ولعله ﷺ إنما جاء بها ليدفع توهم دخول سائر المساجد المنسوبة إليه بالمدينة غير هذا المسجد، لا لإخراج ما سيزاد فيه، وقد سلّم النووي أن المضاعفة في المسجد الحرام تعم ما زيد فيه، فليكن مسجد المدينة كذلك، كما أشار إليه ابن تيمية، قال: وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، وكان الأمر عليه في عهد عمر وعثمان ﵄، فإن كلّا منهما زاد في قبلة المسجد، وكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه، ويمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، قال:
стр. 271
وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، إلا أن بعض المتأخرين ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له سلفا في ذلك.
وسيأتي في زيادة عمر بن الخطاب ما ورد من الأخبار والآثار المقوية لذلك وليست مسألة الحلف على ألايدخل هذا المسجد فزيد فيه من هذا القبيل، لأن الأيمان مبناها على العرف.
الفصل الثالث في مقامه الذي كان يقوم به ﷺ في الصلاة قبل تحويل القبلة، وبعدما جاء في تحويلها
روينا في البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: ١٤٤] فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ١٤٢] فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلّى مع رسول الله ﷺ وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.
وأسند يحيى عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا وقف يصلي انتظر أمر الله في القبلة، وكان يفعل أشياء مما لم يؤمر بها ولم ينه عنها من فعل أهل الكتاب، قال:
فبينما رسول الله ﷺ يصلّي، فأشار له جبريل: يا محمد صلّ إلى البيت، وصلّى جبريل ﵇ إلى البيت، قال: فدار النبي ﷺ إلى البيت، قال: فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها إلى وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة:
١٤٤] قال: فقال المنافقون: حن محمد إلى أرضه وقومه، وقال المشركون: أراد محمد أن يجعلنا له قبلة، وأن يجعلنا له وسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه، وقالت اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكة وتركتم قبلة موسى ويعقوب والأنبياء؟ والله ما أنتم إلا تعبثون، وقال المؤمنون: لقد ذهب منا قوم ماتوا ما ندري أكنا نحن وهم على قبلة أم لا؟
فأنزل الله تعالى في ذلك: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٤٢- ١٤٣] .
وروى ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله ﷺ إذا وقف يصلي انتظر أمر الله في القبلة، وكان يفعل أشياء مما لم يؤمر بها ولم ينه عنها من فعل أهل
стр. 272
الكتاب، فبينا رسول الله ﷺ يصلي الظهر في مسجده قد صلّى ركعتين إذ نزل عليه جبريل فأشار إليه أن صلّ إلى البيت، وصلّى جبريل إلى البيت، وذكر نحو ما تقدم.
وأسند يحيى عن رافع بن خديج قال: صلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، وأمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام، فاستدار، قال رافع: فأتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول الله ﷺ قد أمر أن يوجه إلى الكعبة، قال: فأدارنا إمامنا إلى الكعبة ودرنا معه.
وعن ابن عمر قال: بينما نحن في صلاة الصبح بقباء جاءهم رجل فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها، وكانت قبلة الناس إلى الشام، فاستداروا وتوجّهوا إلى الكعبة، وهو في الصحيحين بلفظ:
كانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة، وفي لفظ: كانوا ركوعا في صلاة الصبح.
وعن عثمان بن محمد بن الأخنس أنه ﷺ صلّى بأصحابه فيه- يعني في مسجد القبلتين- الظهر، فلما صلّى ركعتين أمر أن يوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة، واستقبل الميزاب.
وعنه أيضا نحوه، وأن الفريضة كانت الظهر، وأنها يومئذ كانت أربع ركعات.
وعن سعيد بن المسيب قال: صلى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وصرفت القبلة قبل بدر بشهرين، والثبت عندنا أنها صرفت في الظهر في مسجد القبلتين.
وفي رواية أخرى عنه: صلى رسول الله ﷺ بعد أن قدم المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين.
وعن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: صرفت القبلة يوم الإثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا.
وفي مسلم عن البراء بن عازب: صلّيت مع النبي ﷺ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا حتى نزلت الآية التي في البقرة: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] فنزلت بعدما صلّى النبي ﷺ فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم يصلون، فحدثهم بالحديث، فولّوا وجوههم قبل البيت.
تاريخ تحويل القبلة
وفي رواية له عنه أيضا: ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، على الشك.
وعند الزمخشري: صرفت القبلة ورسول الله ﷺ في مسجد بني سلمة- يعني مسجد
стр. 273
القبلتين- وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق تويلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر والعصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلت مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين: أي ركعتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة المرادة بقوله في الحديث المتقدم «فمر على قوم من الأنصار يصلون في صلاة العصر نحو بيت المقدس» فهؤلاء القوم هم بنو حارثة، والمار عباد بن بشر، ووصل الخبر وقت الصبح إلى أهل قباء، فلا منافاة بين الحديثين.
وسيأتي في مسجد القبلتين أن ابن زبالة نقل أن القبلة صرفت ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في مسجد القبلتين، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة، فبذلك سمي مسجد القبلتين.
قال المجد: فعلى هذا كان مسجد قباء أولى بهذه التسمية.
مدة الصلاة إلى بيت المقدس
وعند أبي القاسم القشيري في لطائف التفسير: صلى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة مهاجرا ستة عشر شهرا عن قتادة، وقيل: سبعة عشر شهرا عن ابن عباس، وقال أنس: كان تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وقال معاذ بن جبل: ثلاثة عشر شهرا استمالة لقلوب اليهود أن يصلي إلى قبلتهم ربما يرغبون في دينه، ثم إنه ﷺ كره موافقتهم في أمر القبلة لما قالوا: لولا أن ديننا حق لما صلّى إلى قبلتنا، ولما استن بسنتنا، فقال ﷺ لجبريل: وددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فقال جبريل: إنما أنا ملك عبد، لا أملك شيئا، فسل ربك، فصعد جبريل السماء، وخرج رسول الله ﷺ إلى الصحراء نحو أحد يصلي هاهنا ركعتين وهاهنا ركعتين، ويدعو الله أن يجيز له في ذلك، فلم يزل كذلك يديم النظر إلى السماء، حتى دخل ناحية أحد، فأنزل الله تعالى في رجب بعد زوال الشمس قبل الظهر: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: ١٤٤] الآية، وصرفت القبلة، وذلك قبل بدر بشهرين، وفي السير لابن حبان: حولت بعد سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام، وحديث البراء المتقدم رواه ابن خزيمة في صحيحه «ستة عشر شهرا» على الجزم كرواية مسلم الأولى، وقال الشيخ شرف الدين الدمياطي: حوّلت القبلة نصف رجب بعد خمسة عشر شهرا ونصف، ونقل النووي في سير الروضة عن محمد بن حبيب الهاشمي أن التحويل يوم الثلاثاء النصف من شعبان من السنة الثانية. ونقل المجد عن ابن
стр. 274
حبيب أنها حوّلت في النصف من شعبان في الركعة الثالثة، وقيل: في صلاة العصر. وعند النحاس بعد بضعة عشر شهرا. وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: صرفت في جمادى، قال: وهو أولى الأقوال بالصواب. وقال ابن جرير عن معاذ: بعد ثلاثة عشر شهرا من مقدمه المدينة، قال: وعن أنس عشرة أو تسعة أشهر، انتهى ما نقله المجد.
وقال ابن سعد: يقال: إنه ﷺ صلّى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي ﷺ أمّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة وصنعت له طعاما، وحانت الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا.
أول صلاة إلى الكعبة
وفي الصحيح أن أول صلاة صلاها- أي متوجها إلى الكعبة- صلاة العصر.
قال الحافظ ابن حجر: التحقيق أن أول صلاة صلاها في بني الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر. قال: وأسانيد الروايات المتقدمة- أعني رواية ثلاثة عشر شهرا وتسعة عشر شهرا ونحوها- شاذة. قال: وأما رواية الصحيح فطريق الجمع بين رواية سبعة عشر شهرا وستة عشر، ورواية الشك في ذلك: أن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا، وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر شهرا عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقول ابن حبان: «سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام» مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول.
وقال الربيع: كان النبي ﷺ في ابتداء الهجرة مخيرا في التوجه إلى بيت المقدس أو الكعبة، إلا أنه أمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، فكان التوجه إليه فرضا، وإن كان مخيرا فيه كالمخير في كفارة اليمين أي واحد اختار فهو فرض عليه، وقال ابن عباس: بل كان الفرض التوجه إلى بيت المقدس ثم نسخ.
وقال ابن العربي وغيره: نسخت القبلة مرتين.
إلى أيّ جهة كانت الصلاة بمكة قبل الهجرة ؟
وقال ابن رشد في البيان: ولم يختلف في أن صلاته ﷺ كانت بالمدينة إلى بيت المقدس حتى حولت القبلة، وإنما اختلف في صلاته بمكة قبل قدومه المدينة، فروى أنها كانت إلى الكعبة، وروى أنها كانت إلى بيت المقدس، وروى أنه كان يصلي إلى بيت
стр. 275
المقدس والكعبة بين يديه- أي بين الركنين اليمانيين- وجكى ابن عبد البر الاختلاف في صلاته ﷺ بمكة: هل كانت إلى الكعبة، أو بيت المقدس؟ ثم قال: وأحسن من ذلك قول من قال: كان يصلي بمكة مستقبل القبلتين يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.
وروى الطبري وغيره عن ابن عباس قال: لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء فنزلت، وهو ظاهر في أن استقبال بيت المقدس كان بوحي، لا باجتهاد من النبي ﷺ وأنه إنما وقع بعد الهجرة، لكن أخرج أحمد عن ابن عباس: «كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه» فيجمع بأنه لما هاجر أمر بأن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.
وروى الطبري أيضا من طريق ابن جريح قال: صلى النبي ﷺ أول ما صلّى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، وصلّى ثلاث حجج، وهاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجّهه الله إلى الكعبة.
كيف حرّرت قبلة مسجد النبي ﷺ ؟
وقال ابن النجار: وصلّى النبي ﷺ فيه- أي: في مسجده- إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة، فأقام رهطا على زوايا المسجد ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده هكذا، فأماط كل جبل بينه وبينها، فوضع القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ قال جبريل ﵇ هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب.
وأسند يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن الخليل بن عبد الله الأزدي عن رجل من الأنصار أن رسول الله ﷺ أقام رهطا على زوايا المسجد ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده هكذا، فأماط كل جبل بينه وبين القبلة، فوضع تربيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ قال جبريل ﵇ بيده هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب.
وعن نافع بن جبير من طرق مرفوعا: ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت إليّ الكعبة فوضعتها أؤمها.
وعن ابن عجلان قال: وضع رسول الله ﷺ قبلة مسجده وجبريل قائم ينظر إلى الكعبة، ثم كشف له ما بينه وبينها.
стр. 276
وعن ابن شهاب مرفوعا: ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى فرج لي ما بيني وبين الكعبة فوضعتها أؤمها.
وأسند العراقي في ذيله من طريق أبي علي بن شاذان بسنده عن إبراهيم بن دينار عن مالك بن أنس عن زيد بن أنس عن زيد بن أسلم قال: قال ابن عمر: وضع جبريل ﵇ القبلة لرسول ﷺ بالمدينة، تفرد به عن مالك ومحمد بن إبراهيم- قلت: وهو ثقة.
وفي العتبية: قال مالك: سمعت أن جبريل ﵇ هو الذي أقام لرسول الله ﷺ قبلة المسجد مسجد رسول الله ﷺ مسجد المدينة، انتهى.
وأسند ابن زبالة عن أبي هريرة قال: كانت قبلة النبي ﷺ الشام، وكان مصلاه الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام في مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلّق اليوم خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام، حتى إذا كنت بيمنى باب آل عثمان كانت قبلته ذلك الموضع.
قال الذهبي: هذه القبلة كانت في شمالي المسجد، فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة، انتهى. والأسطوانة المخلقة هي التي تدعى أسطوان عائشة ﵂ فيما قاله المطري، وسيأتي ما نقله ابن زبالة فيها من أن النبي ﷺ صلى إليها المكتوبة بضعة عشر يوما بعد أن حولت القبلة، ثم تقدم إلى مصلّاه الذي وجاه المحراب في الصف الأوسط، هذا لفظه بحروفه.
وقوله: «وجاه المحراب» يريد المحراب العثماني الكائن في جدار القبلة.
وقال المطري: إن الحائط القبلي- أي الأول- كان محاذيا لمصلى النبي (؛ لما ورد أن الواقف في مصلى رسول الله ﷺ تكون رمانة المنبر الشريف حذو منكبه الأيمن، قال:
فمقام النبي ﷺ لم يغير باتفاق، وكذلك المنبر لم يؤخر عن منصبه الأول: أي من جهة القبلة؛ لما سيأتي أنه زيد فيه من جهة الشام، قال: وإنما جعل هذا الصندوق الذي قبالة مصلى رسول الله ﷺ سترة بين المقام وبين الأسطوانات، انتهى.
وسيأتي في ذكر الجذع الذي كان يخطب النبي ﷺ إليه اختلاف في محله: هل هو عن يمين المصلى الشريف أو عن يساره لجهة القبر الشريف؟
وسيأتي ما عبر به ابن النجار في حكاية الرواية الأولى حيث قال: كان في موضع الأسطوانة المخلّقة التي عن يمين محراب النبي ﷺ عند الصندوق والرواية الثانية هي المرادة بما أسنده يحيى عن ابن أبي الزناد وغيره من علماء المدينة أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذع في المسجد كان موضعه عند الأسطوانة المخلقة التي تلي القبر: أي في جهة القبر التي عن يسار الأسطوانة المخلقة التي كان النبي ﷺ يصلي عندها التي هي عند الصندوق، هذا لفظه، والغرض من إيراده هنا قوله: «التي عن يسار الأسطوانة المخلقة..
стр. 277
إلى آخره» فهذه الأسطوانة المشار إليها- أعني التي كان النبي ﷺ يصلي إليها- هي التي عن يمين الواقف في المصلى الشريف من جهة القبلة، وعلم أن وضع الصندوق هناك كان من الزمن القديم، لكنه كان صندوق مصحف كما سيأتي، ووصفها بالمخلقة لا يشكل عليك بما اشتهر من وصف أسطوانة المهاجرين- وهي أسطوانة عائشة- بالمخلقة، فالوصف بالمخلقة يطلق على أساطين متعددة كما سنوضحه، ولهذا اشتمل هذا الكلام على وصف كل من هاتين الأسطوانتين بهذا الوصف.
ونقل المرجاني أن في العتبية ما لفظه: أحب مواضع التنفل في مسجد رسول الله مصلاه حيث العمود المخلق، انتهى.
وقال ابن القاسم: أحب مواضع الصلاة في مسجده ﷺ في النفل العمود المخلق، وفي الفرض في الصف الأول، قال ابن رشد: في كون العمود المخلق كان قبلة النبي ﷺ أو أقرب إلى قبلته ﷺ قول ابن القاسم وسماعه.
قلت: وهو دال على أن العمود المخلق هو الذي عند المصلى الشريف، ولهذا روى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن مسجد رسول الله ﷺ وقيل له: أي المواضع أحب إليك الصلاة فيه؟ قال: أما النافلة فموضع مصلاه، وأما المكتوبة فأول الصفوف، انتهى. فعبر هنا عن العمود المخلق بمصلاه. ورأيت في جامع العتبية من البيان لابن رشد ما لفظه:
قال مالك: ليس العمود المخلق قبلة النبي ﷺ وقبلة النبي ﷺ هو حذو قبلة الإمام، وإنما قدمت القبلة حذو قبلة النبي ﷺ سواء.
قال ابن رشد عقبه: وقد مر في كتاب الصلاة عن ابن القاسم أن مصلى النبي ﷺ هو العمود المخلق، خلاف قول مالك هنا، انتهى. وقول مالك: «وإنما قدمت القبلة» يشير به إلى المحراب الذي في جدار القبلة بزيادة عثمان ﵁، وهذا الذي ذكره يكاد أن يكون قطعيا، وليس مراد ابن القاسم إلا أن العمود المخلق أقرب شيء إلى قبلة النبي ﷺ فيعرف به، ولهذا نقل ابن النجار عن مالك ما يقتضى أن الأسطوانة المذكورة علم لمصلّى النبي ﷺ ؛ فإنه قال: قال مالك بن أنس: أرسل الحجاج بن يوسف إلى أمهات القرى بمصاحف، فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير، وكان في صندوق عن يمين الأسطوانة التي عملت علما لمقام النبي ﷺ .
وقال ابن زبالة فيما سيأتي عنه: إن الخيزران لما أمرت بأن تخلق المسجد أشار عليهم إبراهيم بن الفضل فزادوا في خلوق أسطوانة التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلى النبي ﷺ فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما، وزادوا في الخلوق في أعلاهما، انتهى. وقد توهم جماعة أن المراد من كلام ابن القاسم، وما نقل عن مالك، الأسطوانة
стр. 278
المعروفة اليوم بالمخلقة، وهي التي بأوسط الروضة، وهو مردود؛ لأن الأسطوانة المذكورة ليست علما على مصلى الرسول ﵇ اتفاقا، ومنشأ الوهم ظنهم اختصاصها بوصف المخلقة، وممن اعتقد ذلك الحافظ ابن حجر فقال في الكلام على قول يزيد بن عبيد: «كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف» ما لفظه: هذا دال على أنه كان للمصحف موضع خاص به، ووقع عند مسلم بلفظ:
يصلي وراء الصندوق، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه، قال: والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، وأسرت بها عائشة لابن الزبير، ثم وجدت ذلك في تاريخ المدينة لابن النجار، وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة، هذا كلام الحافظ ابن حجر، ومراده بمحمد بن الحسن ابن زبالة، وليس في كلامه ولا في كلام ابن النجار ما يقتضي أن الأسطوانة التي عند الصندوق هي أسطوانة المهاجرين، إلا من حيث وصف كل منهما بالمخلقة، فتوهم اتحادهما، وليس كذلك، والله أعلم.
محراب المسجد النبوي، ومتى صنع ؟
وسيأتي أن المسجد الشريف لم يكن له محراب في عهده ﷺ ولا في عهد الخلفاء بعده، وأن أول من أحدثه عمر بن عبد العزيز في عمارة الوليد، وزعم الأقشهري في روضته أن مصلى النبي ﷺ في موضع الصندوق، وفي موضعه اليوم المحراب المرخم المرتفع عن المصلى الشريف وبنائه، فإنه قال ومن خطه نقلت: إنه قيل: إن منبر النبي ﷺ لم يتغير تقديما ولا تأخيرا؛ فالزيادة وقعت في المنبر شماليا لا غير، وحد المنبر الأصلي اليوم مساوية مع مصلى الإمام، ومصلى رسول الله ﷺ أمامه في موضع الصندوق اليوم فهو خارج عن حد المنبر، انتهى. واستنتج من ذلك أن يكون ما حاذى الصندوق يمنة ويسرة، قال: وهو مما زاده عمر روضة من رياض الجنة، قال: لأن المصلى الشريف روضة بلا شك، أي فما حاذاه كذلك، وهو عجيب لم أر من سبقه إليه، وما زعمه من أن حد المنبر- يعني من القبلة- مساو لمصلى الإمام اليوم، يريد به أن نهاية مصلى الإمام اليوم مساوية لنهاية المنبر من جهة القبلة، فإنه صور ذلك بخطه كما ذكرناه، وكأنه توهم أن مصلاه ﷺ كان في محراب بارز عن سمت المسجد؛ لأنه جعل ما عن يمينه ويساره من زيادة عمر ﵁، ولم يقل به أحد، مع أن ما زعمه من الاستواء لا يشهد له عقل ولا نقل؛ لأن المنبر الذي كان في زمنه هو المنبر الذي كان في زمن المطري، فإنهما متعاصران، وقد سبق عن المطري في الفصل قبله أن بين المنبر والدرابزين الذي في القبلة مقدار أربع أذرع وربع، وأنه اتضح لنا صحة ما قاله، وذلك هو محل المنبر النبوي كما
стр. 279
سنوضحه، وعرض الصندوق المذكور وما بعده إلى الدرابزين المذكور ذراعان ونصف راجح، والمنبر الذي أدركناه أولا لم يكن بينه وبين الدرابزين القبلي سوى ثلاثة أذرع ونصف راجحة، ومع ذلك فحد المنبر متأخر عن حد مصلى الإمام من جهة القبلة بنحو الذراع، وعلى ما ذكره المطري- وهو الصواب- يكون متأخرا بأزيد من ذلك، وذلك فيما يظهر هو القدر الوارد فيما كان بين المنبر والجدار القبلي، وأوضح من ذلك في الرد عليه أن يحيى نقل في كتابه عن محمد بن يحيى صاحب مالك قال: وجدنا ذرع ما بين مسجد النبي ﷺ الذي كان بعهده إلى جدار القبلة اليوم الذي فيه المحراب عشرين ذراعا وربعا، وهذه هي الزيادة التي زيدت بعد النبي ﷺ انتهى.
قال المراغي: وقد اعتبرته من وجه سترة مصلى النبي ﷺ إلى جدار القبلة فكان كذلك، وبه يظهر أن المصلى الشريف لم يغير عن مكانه، وأن الصندوق إنما جعل في مكان الجدار الأول، انتهى.
وقد اعتبرت ما ذكره من جدار المسجد القبلي إلى طرف المصلى الشريف المحاذي لطرف صندوق السترة، فكان ذلك إحدى وعشرين ذراعا ونصف وربع يرجح قيراطا، فإذا أسقط من ذلك عرض الجدار- وهو ذراع ونصف راجح- كان الباقي عشرين ذراعا وربعا كما ذكره يحيى، وقد علمت أن الصندوق المذكور له أصل قديم هناك، فكيف يكون في موضع المصلى الشريف ولا ينبه عليه أحد؟ بل يذكرون ما يدل على خلافه، بل كيف يمكنون من ذلك، ويحرمون المسلمين التيمن بمكانه؟ هذا مما يكاد العقل يحيله.
وقال النووي في مناسكه ما لفظه: وفي إحياء علوم الدين أنه- أي: المصلى- يجعل عود المنبر حذاء منكبه الأيمن، ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق، وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف رسول الله ﷺ انتهى.
قلت: وكأن المراد من استقبال السارية المذكورة جعلها عن جهة اليمين كما عليه وضع المصلى اليوم. وقد ذكر ابن زبالة هذه الأسطوانة ثم قال: حدثني إبراهيم بن محمد عن غير واحد منهم خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: إذا عدلت عنها- أي عن الأسطوانة المذكورة- قليلا وجعلت الجزعة التي في المقام بين عينيك والرمانة التي في المنبر إلى شحمة أذنك قمت في مقام رسول الله ﷺ وكأن الرمانة المذكورة كانت في أعلى عمود المنبر النبوي، ولذا عبر به في الإحياء.
وسيأتي أنه لما حفر بعد الحريق الثاني لتأسيس المنبر الرخام وجدوا محل المنبر الأصلي شبه حوض من حجر، وفي جانبيه من المشرق والمغرب فرضتان منقورتان في الحجر بهما شيء من الرصاص بحيث لا يخفى على من أحاط علما بصفة المنبر النبوي
стр. 280
أنهما محل عموديه كانا محكمين بالرصاص فيهما، وقد وقعت في المصلى الشريف مما يلي مؤخره، وتأملت الفرضة التي مما تلي الروضة فوجدتها في محاذاة يميني، فظهر أنها المرادة.
وأما الجزعة فذكر المطري أن هذه الجزعة كانت في المحراب القبلي المقابل للمصلى الشريف، وأنها أزيلت منه، قال: وما حققه الغزالي عند ذكر المصلى الشريف بقوله: «إذا وقف المصلى في مقام النبي ﷺ تكون رمانة المنبر حذو منكبه الأيمن ويجعل الجزعة التي في القبلة بين عينيه فيكون واقفا في مصلى النبي ﷺ إنما كان قبل حريق المسجد، وقبل أن يجعل هذا اللوح القائم في قبلة مصلى النبي ﷺ : أي فإنه صار يحجب عن مشاهدة ما في المحراب القبلي، قال: وإنما جعل بعد حريق المسجد، قال: وكان يحصل بتلك الجزعة فتنة كبيرة وتشويش على من يكون بالروضة الشريفة من المجاورين وغيرهم.
وذلك أنه كان يجتمع إليها الرجال والنساء، ويقال: هذه خرزة فاطمة بنت رسول الله ﷺ وكانت عالية لا تنال بالأيدي، فتقف المرأة لصاحبتها حتى ترقى على ظهرها وكتفيها حتى تصل إليها، فربما وقعت المرأة وانكشفت عورتها، وربما وقعتا معا.
فلما كان سنة إحدى وسبعمائة جاور الصاحب زين الدين أحمد بن محمد المعروف بابن حنا المصري، فرأى ذلك، فاستعظمه وأمر بقلع الجزعة، فقلعت، قال: وهي الآن في حاصل الحرم، ثم توجه إلى مكة في أثناء السنة فرأى أيضا ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام، وتعلق الناس بعضهم ببعض، وحمل النساء على أعناق الرجال للاستمساك بالعروة الوثقى في زعمهم، فأمر بقلع ذلك المثال، وزالت تلك البدعة أيضا، ولله الحمد.
قلت: والظاهر أن هذه الجزعة هي التي ذكرها ابن جبير في رحلته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة لما قدم المدينة، قال: رأيت على المحراب مسمارا مثبتا في جداره فيه شبه حق صغير لا يعرف من أي شيء هو يزعمون أنه كأس كسرى، وشاهدت على رأس المحراب حجرا مربعا أصفر قدر شبر في شبر ظاهر البريق والبصيص، يقال: إنه مرآة كسرى، والله أعلم بحقيقة ذلك كله، انتهى.
ثم رأيت في العقد لابن عبد ربه- وهو أقدم من ابن جبير- أن على ترس يعني المحراب العثماني فضة ثابتة غليظة في وسطها مرآة مربعة ذكر أنها كانت لعائشة ﵂، ثم فوقه إزار رخام فيه نقوش صفائح ذهب مثمنة فيها جزعة مثل جمجممة الصبي الصغير مسمرة، ثم تحتها إلى الأرض إزار رخام مخلق بالخلوق فيه الوتد الذي كان ﷺ يتوكأ عليه في المحراب الأول، انتهى.
стр. 281
قلت: وقد سألت عن هذه الجزعة المتولى لأمر حاصل الحرم الشريف وخازن داره- وكان قديم الهجرة- وغيرهما فقالوا: إنه ليس عندهم بالحاصل شيء من ذلك، ولعل ذلك ذهب فيما أخذه الأمير جماز عند كسر حاصل الحرم الشريف، وقد وسع المحراب القبلي عما كان عليه وزيد في طوله بعد هدم الجدار القبلي بعد الحريق الثاني.
وقال ابن زبالة: إن ذرع ما بين المنبر ومقام النبي ﷺ الذي كان يصلي فيه حتى توفي ﷺ أربعة عشر ذراعا وشبرا.
قلت: وقد ذرعت ما بين المنبر الموجود قبل الحريق الثاني وأعلى الحفرة الذي ينزل منه إلى درجتها من ناحية مؤخر المصلى الشريف، فكان أربعة عشر ذراعا، وعرض الدرجة شبر راجح؛ فصح ذلك، وأما حده من جهة المشرق فسيأتي أن جعله على هذه الهيئة الموجودة اليوم أمر حادث.
وقد قال ابن زبالة: إن ذرع ما بين مصلى النبي ﷺ من مسجده الأول وبين أسطوان التوبة سبع عشرة ذراعا، وأسطوان التوبة في جهة المشرق، وقد ذرعت ما بينها وبين درجة الحفرة الشرقية فكانت ست عشرة ذراعا، فعلمنا بذلك أن المصلى الشريف في جانب الحفرة الغربي، وأن ما يلي المشرق منها ليس منه، ويشهد له ما سبق من كلام مالك والإحياء لذكرهما السارية التي عندها الصندوق، بل في خط الأقشهري في مصنفه في الزيادة ضبط قول ابن زبالة فيما بين المصلى الشريف وأسطوان التوبة تسع عشرة ذراعا- بتقديم التاء على السين- وقد ذرعت ما بين طرف أسطوان التوبة الشرقي وبين طرف الحفرة الغربي فكان كذلك.
ونقل الأقشهري أيضا عن أبي غسان أحد أصحاب مالك أن ما بين الحجرة الشريفة ومقام النبي ﷺ الذي كان يقوم فيه ثمانية وثلاثون ذراعا، وأنا ما بينه وبين المنبر الشريف مثل ما سبق عن ابن زبالة، وقد اختبرت ما بين طرف الحفرة الغربي ورخام جدار الحجرة الشريفة فكان ثمانية وثلاثين ذراعا، فعلمنا أن المحاف عليه في حد المصلى الشريف هو طرف الحفرة الغربي، ولم تكن هذه الحفرة في الزمن القديم، ولهذا قال المجد: حكى ابن النجار الإجماع على أن المصلى الشريف لم يغير بتقديم وتأخير، وإنما غيرت هيئته في هذا العصر الأخير بجعل المصلى شبه حفير أو حوض صغير منخفض عن موقف المأمومين نحو ذراع بسبب ترخيمه وتكاثر الرمل المفروش به الروضة.
قلت: وهو الآن شبه حوض مربع ينزل إليه بدرجة طوله ذراعان ونصف وثمن، وعرضه ذراعان ونصف ونصف ثمن، لكن زادوا في طوله في العمارة الحادثة بعد الحريق أرجح من نصف ثمن ذراع ونحوه في العرض.
стр. 282
قال البدر بن فرحون وغيره: وما زال العلماء الأئمة يتحرجون من ذلك، وفي أيام القاضي السراج- وهو أول قاض ولي لأهل السنة- فمن بعده كانت ترفع تلك الحفيرة بالرمل حتى تزول الكراهة، إلى أيام الشرف الأسيوطي، فأراد طمس الحفرة أو رفعها وإزالة الخشب المنقوش أمامها الآتي ذكره، فقام عليه بعض الناس من الخدام، واستعانوا عليه بالأشراف، فكف وانتقل عن المحراب، وصار يصلي إلى الأسطوانة التي تقابل أسطوانة الوفود- أي من مقدم الروضة- ولزمها إلى أن مات، وصار من الفقهاء من يرفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامه ﷺ وموضع قدمه، وهذه نزغة؛ فقد كان النبي ﷺ وأصحابه في الموقف سواء، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى.
قلت: وهذه الحفرة بعيدة من موقف النبي ﷺ لعلو الأرض؛ لما سيأتي عن البدر بن فرحون أنهم وجدوا عند تجديد المنارة التي بباب السلام باب مروان وتحصيب المسجد الشريف القديم بعد حفر قامة، ولما اتضح لنا في العمارة الآتي ذكرها؛ فقد اعتبرت أرض الحجرة الشريفة وأرض المسجد، فكان بينهما من التفاوت ذراعان ونصف وأزيد، لكن مقتضى ما ظهر من الرخام الذي وصفه ابن زبالة حول المنبر ومشاهدتنا لما انكشف منه فيما بين المنبر والأساطين التي خلفه عدم بعض أرض هذه الحفرة من محل الموقف الشريف في ذلك العصر؛ لأن نسبة ما بين هذه الحفرة والرخام المذكور أقل من نصف ذراع، وقد حققت مسألة انخفاض المصلى الشريف في كتابي الموسوم «بكشف الجلباب والحجاب عن القدوة في الشباك والرحاب» ولم يتحرر لي ابتداء ترخيم المصلى الشريف وجعله على هذه الهيئة، وسماه ابن جبير في رحلته بالروضة الصغيرة، وقال: إن الإمام يصلي بالروضة الصغيرة المذكورة إلى جانبها الصندوق، وقال قبل ذلك في وصفها:
وبإزائها لجهة القبلة عمود مطبق يقال: إنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبي ﷺ وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق، انتهى.
ولم يذكر فيها ترخيما ولا انخفاضا، مع ذكره لذلك في المحل الذي عليه المنبر كما سيأتي، والظاهر أن حدوث انخفاض المصلى الشريف بما حوله تجدد بعد الحريق الأول، وقد اقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد الحريق الثاني أن يخفض أرض المسجد حتى تكون مساوية للمصلى الشريف، فقطع من الأرض نحو ذراع؛ فكانوا يجدون طبقة من التراب، وتليها طبقة من الرمل، حتى وصلوا إلى الأرض المساوية للمصلى الشريف، وظهر لهم الرخام الذي كان عليه المنبر الشريف بعد حفر نحو نصف ذراع، وحصل بذلك إزالة هذه البدعة، ولله الحمد والمنة.
وكان في قبلة المصلى الشريف صندوق خشب بديع الصنعة يعلوه محراب قد أمتج
стр. 283
الصناع فيه نتائج مبدعة من صنعة النجارة، والمحراب المذكور شبه باب نقنطر لموضع لطيف على ظهر الصندوق المذكور مكتوب في داخله أمام مستقبله بعد البسملة آية الكرسي، وعلى ظاهر الباب المقنطر بعد البسملة قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة: ١٤٤] الآية، وفيه صنعة عجيبة وصبغ باللازورد وتذهيب عجيب يشغل الخاطر، ويفرق القلب الحاضر؛ إذ لا قلب أجمع وأعلى وأرفع من قلب سيد الأنام. عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد قال في شأن الخميصة من أجل تلك الأعلام «اذهبوا بخميصتي «١» هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» وسيأتي أنه لما قال عمر بن عبد العزيز بعد زخرفة المسجد لعمرو بن عثمان ﵁: بناؤنا أحسن أم بناؤكم؟ فقال له: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس.
وقال مالك فيما نقله عنه صاحب التبصرة: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، وأرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن الصلاة، وإن عظم ما كان أنفق فيه فالله تعالى يبعث لهذا المصلى الشريف من يزيل عنه هذه الزخارف ويسويه كما كان في زمن المصطفى ﷺ وقد أدعم هذا المحراب الخشبي من ورائه بدعامة شبه التاج العظيم حتى اتصل بالدرابزين الذي بين الأساطين في قبلة الروضة، وبرز عنها، وجعل في أعلاه وعن يمينه وشماله مع امتداد الروضة مغارز لفرخات القناديل المسماة بالبزاقات تسرج في ليالي الزيارات، وفي داخله كسوة جليلة من الحرير من جنس كسوة الحجرة الشريفة ذات طراز منسوج، وقد احترق ذلك كله في الحريق الثاني الآتي ذكره، وذلك بعد تمام هذا التأليف، فاقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد ذلك إبداله بمحراب مرخّم في دعامة تبني في محل الصندوق المذكور، فحفروا هناك لأساسها نحو القامة، فوجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام، ووجدوا الأقدمين لما أسسوا الأسطوانة التي عنده حرفوا أساسها عنه قليلا، فتركوه على حاله، وأسسوا للمحراب المذكور، ورخموه بالرخام الملون ترخيما بديعا فيه صبغ ذهبي وغيره، وهو أبهى منظرا من الأول، وجعلوا أرض المحراب المذكور مرفعة قليلا على المصلى الشريف؛ لأنه إنما جعل في محل الصندوق الذي كان أمام المصلى الشريف، فليتنبه لذلك، والله أعلم.
تنبيهات- الأول: قال البخاري في صحيحه «باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة» ثم روى عن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر
стр. 284
المشاة، ثم روى عن سلمة- يعني: ابن الأكوع- قال: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة، تجوزها: أي المسافة، وهي ما بين المنبر والجدار، وقوله في الحديث الأول «كان بين مصلى رسول الله ﷺ » أي: مقامه في صلاته، وكذا هو في رواية أبي داود، وقوله: «وبين الجدار» أي: جدار المسجد مما يلي القبلة كما صرح به من طريق ابن غسان في الاعتصام، ومنه يعلم ما في قول النووي في شرح مسلم: يعني بالمصلى موضع السجود، والحديث الثاني رواه الإسماعيلي بلفظ: كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز. قال الكرماني في بيان مطابقته للتبويب: إن ذلك من حيث إنه ﷺ كان يقوم بجنب المنبر: أي ولم يكن لمسجده محراب، فيكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنه قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلى وسترته قدر ما كان بين منبره ﷺ وجدار القبلة.
قلت: وكأن الكرماني بنى ذلك على ما عهده في غالب المساجد من أن مصلى الإمام يكون إلى جانب المنبر، وقد تقدم بيان ما بينهما من المسافة وحكاية الإجماع على أنه لم يغير، وأيضا فلا يلزم من كونه ﷺ كان يصلي إلى جانب المنبر أن يكون بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار كما لا يخفى، وأوضح مما ذكره- كما قال الحافظ ابن حجر- ما ذكره ابن رشد من أن البخاري أشار إلى حديث سعد بن سهل الذي في باب الصلاة على المنبر فإن فيه أنه ﷺ «قام على المنبر حين عمل، وصلّى عليه» فاقتضى ذلك أن ما بين المنبر والجدار يؤخذ منه موضع قيام المصلى.
قلت: لكن يلزم من ذلك التأخر عند السجود؛ لأن ذلك المقدار لا يتأتى فيه السجود، وقد ثبت رجوعه ﷺ القهقرى «١» من أجل السجود لما صلّى على المنبر لعدم تأتّيه عليه.
وقال ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلى وسترته، يعني قدر ممر الشاة، وقيل:
أقل ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال أن النبي ﷺ «صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع» كما في الصحيح، وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة، وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم بأن الأول في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود، قاله الحافظ ابن حجر.
قلت: ويلزمه التأخر عن موقفه الأول عندهما كما قدمناه، وهو متعين؛ إذ لا يتأتى
стр. 285
السجود في أقل من ثلاثة أذرع، ولهذا كان حريم المصلّي الذي يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع عندنا.
وقال ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاث أذرع.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه.
قلت: الظاهر أن البخاري إنما أورد حديث سلمة المشتمل على بيان ما بين المنبر والجدار ليستدل به على مقدار ممر الشاة، فإن ما بينهما كان معلوما عندهم، وقد تقدم عن العتبية أنه كان بينهما قدر ما يمر الرجل منحرفا، والذي اقتضى حمل ابن الصلاح ممر الشاة على ما ذكره أن ذلك هو القدر الذي يتأتى فيه السجود مع الاستمرار في الموقف.
وقد قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنو من السترة مع بيان حكمة ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره مرفوعا: «إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته» ، قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث حسن، والله أعلم.
التنبيه الثاني: في العود الذي كان في المصلى الشريف.
روينا في كتاب يحيى عن مصعب بن ثابت قال: طلبنا علم العود الذي كان في مقام النبي ﷺ فلم نقدر على أحد يذكر لنا فيه شيئا، قال مصعب: حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة قال: جلس إلى أنس بن مالك، فقال: تدري لم صنع هذا العود؟ وما أسأله عنه، فقلت: لا والله ما أدري لم صنع، فقال أنس: كان رسول الله ﷺ يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا فيقول: استووا، واعدلوا صفوفكم.
وعن أنس بن مالك قال: لما سرق العود الذي كان في المحراب فلم يجده أبو بكر حتى وجده عمر ﵄ عند رجل من الأنصار بقباء قد دفن في الأرض أكلته الأرضة، فأخذ له عودا، فشقه فأدخله فيه، ثم شعبه «١» ، فرده في الجدار، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز ﵀ في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باق فيه.
وعند أبي داود عن محمد بن أسلم صاحب المقصورة قال: صلّيت إلى جنب أنس بن مالك يوما فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده عليه فيقول: «استووا واعدلوا صفوفكم» .
قلت: سيأتي في الكلام على الجذع أن الأسطوانة المتقدم ذكرها التي هي علم