قلت: وقد سألت عن هذه الجزعة المتولى لأمر حاصل الحرم الشريف وخازن داره- وكان قديم الهجرة- وغيرهما فقالوا: إنه ليس عندهم بالحاصل شيء من ذلك، ولعل ذلك ذهب فيما أخذه الأمير جماز عند كسر حاصل الحرم الشريف، وقد وسع المحراب القبلي عما كان عليه وزيد في طوله بعد هدم الجدار القبلي بعد الحريق الثاني.
وقال ابن زبالة: إن ذرع ما بين المنبر ومقام النبي ﷺ الذي كان يصلي فيه حتى توفي ﷺ أربعة عشر ذراعا وشبرا.
قلت: وقد ذرعت ما بين المنبر الموجود قبل الحريق الثاني وأعلى الحفرة الذي ينزل منه إلى درجتها من ناحية مؤخر المصلى الشريف، فكان أربعة عشر ذراعا، وعرض الدرجة شبر راجح؛ فصح ذلك، وأما حده من جهة المشرق فسيأتي أن جعله على هذه الهيئة الموجودة اليوم أمر حادث.
وقد قال ابن زبالة: إن ذرع ما بين مصلى النبي ﷺ من مسجده الأول وبين أسطوان التوبة سبع عشرة ذراعا، وأسطوان التوبة في جهة المشرق، وقد ذرعت ما بينها وبين درجة الحفرة الشرقية فكانت ست عشرة ذراعا، فعلمنا بذلك أن المصلى الشريف في جانب الحفرة الغربي، وأن ما يلي المشرق منها ليس منه، ويشهد له ما سبق من كلام مالك والإحياء لذكرهما السارية التي عندها الصندوق، بل في خط الأقشهري في مصنفه في الزيادة ضبط قول ابن زبالة فيما بين المصلى الشريف وأسطوان التوبة تسع عشرة ذراعا- بتقديم التاء على السين- وقد ذرعت ما بين طرف أسطوان التوبة الشرقي وبين طرف الحفرة الغربي فكان كذلك.
ونقل الأقشهري أيضا عن أبي غسان أحد أصحاب مالك أن ما بين الحجرة الشريفة ومقام النبي ﷺ الذي كان يقوم فيه ثمانية وثلاثون ذراعا، وأنا ما بينه وبين المنبر الشريف مثل ما سبق عن ابن زبالة، وقد اختبرت ما بين طرف الحفرة الغربي ورخام جدار الحجرة الشريفة فكان ثمانية وثلاثين ذراعا، فعلمنا أن المحاف عليه في حد المصلى الشريف هو طرف الحفرة الغربي، ولم تكن هذه الحفرة في الزمن القديم، ولهذا قال المجد: حكى ابن النجار الإجماع على أن المصلى الشريف لم يغير بتقديم وتأخير، وإنما غيرت هيئته في هذا العصر الأخير بجعل المصلى شبه حفير أو حوض صغير منخفض عن موقف المأمومين نحو ذراع بسبب ترخيمه وتكاثر الرمل المفروش به الروضة.
قلت: وهو الآن شبه حوض مربع ينزل إليه بدرجة طوله ذراعان ونصف وثمن، وعرضه ذراعان ونصف ونصف ثمن، لكن زادوا في طوله في العمارة الحادثة بعد الحريق أرجح من نصف ثمن ذراع ونحوه في العرض.
стр. 282
قال البدر بن فرحون وغيره: وما زال العلماء الأئمة يتحرجون من ذلك، وفي أيام القاضي السراج- وهو أول قاض ولي لأهل السنة- فمن بعده كانت ترفع تلك الحفيرة بالرمل حتى تزول الكراهة، إلى أيام الشرف الأسيوطي، فأراد طمس الحفرة أو رفعها وإزالة الخشب المنقوش أمامها الآتي ذكره، فقام عليه بعض الناس من الخدام، واستعانوا عليه بالأشراف، فكف وانتقل عن المحراب، وصار يصلي إلى الأسطوانة التي تقابل أسطوانة الوفود- أي من مقدم الروضة- ولزمها إلى أن مات، وصار من الفقهاء من يرفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامه ﷺ وموضع قدمه، وهذه نزغة؛ فقد كان النبي ﷺ وأصحابه في الموقف سواء، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى.
قلت: وهذه الحفرة بعيدة من موقف النبي ﷺ لعلو الأرض؛ لما سيأتي عن البدر بن فرحون أنهم وجدوا عند تجديد المنارة التي بباب السلام باب مروان وتحصيب المسجد الشريف القديم بعد حفر قامة، ولما اتضح لنا في العمارة الآتي ذكرها؛ فقد اعتبرت أرض الحجرة الشريفة وأرض المسجد، فكان بينهما من التفاوت ذراعان ونصف وأزيد، لكن مقتضى ما ظهر من الرخام الذي وصفه ابن زبالة حول المنبر ومشاهدتنا لما انكشف منه فيما بين المنبر والأساطين التي خلفه عدم بعض أرض هذه الحفرة من محل الموقف الشريف في ذلك العصر؛ لأن نسبة ما بين هذه الحفرة والرخام المذكور أقل من نصف ذراع، وقد حققت مسألة انخفاض المصلى الشريف في كتابي الموسوم «بكشف الجلباب والحجاب عن القدوة في الشباك والرحاب» ولم يتحرر لي ابتداء ترخيم المصلى الشريف وجعله على هذه الهيئة، وسماه ابن جبير في رحلته بالروضة الصغيرة، وقال: إن الإمام يصلي بالروضة الصغيرة المذكورة إلى جانبها الصندوق، وقال قبل ذلك في وصفها:
وبإزائها لجهة القبلة عمود مطبق يقال: إنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبي ﷺ وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق، انتهى.
ولم يذكر فيها ترخيما ولا انخفاضا، مع ذكره لذلك في المحل الذي عليه المنبر كما سيأتي، والظاهر أن حدوث انخفاض المصلى الشريف بما حوله تجدد بعد الحريق الأول، وقد اقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد الحريق الثاني أن يخفض أرض المسجد حتى تكون مساوية للمصلى الشريف، فقطع من الأرض نحو ذراع؛ فكانوا يجدون طبقة من التراب، وتليها طبقة من الرمل، حتى وصلوا إلى الأرض المساوية للمصلى الشريف، وظهر لهم الرخام الذي كان عليه المنبر الشريف بعد حفر نحو نصف ذراع، وحصل بذلك إزالة هذه البدعة، ولله الحمد والمنة.
وكان في قبلة المصلى الشريف صندوق خشب بديع الصنعة يعلوه محراب قد أمتج
стр. 283
الصناع فيه نتائج مبدعة من صنعة النجارة، والمحراب المذكور شبه باب نقنطر لموضع لطيف على ظهر الصندوق المذكور مكتوب في داخله أمام مستقبله بعد البسملة آية الكرسي، وعلى ظاهر الباب المقنطر بعد البسملة قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة: ١٤٤] الآية، وفيه صنعة عجيبة وصبغ باللازورد وتذهيب عجيب يشغل الخاطر، ويفرق القلب الحاضر؛ إذ لا قلب أجمع وأعلى وأرفع من قلب سيد الأنام. عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد قال في شأن الخميصة من أجل تلك الأعلام «اذهبوا بخميصتي «١» هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» وسيأتي أنه لما قال عمر بن عبد العزيز بعد زخرفة المسجد لعمرو بن عثمان ﵁: بناؤنا أحسن أم بناؤكم؟ فقال له: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس.
وقال مالك فيما نقله عنه صاحب التبصرة: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، وأرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن الصلاة، وإن عظم ما كان أنفق فيه فالله تعالى يبعث لهذا المصلى الشريف من يزيل عنه هذه الزخارف ويسويه كما كان في زمن المصطفى ﷺ وقد أدعم هذا المحراب الخشبي من ورائه بدعامة شبه التاج العظيم حتى اتصل بالدرابزين الذي بين الأساطين في قبلة الروضة، وبرز عنها، وجعل في أعلاه وعن يمينه وشماله مع امتداد الروضة مغارز لفرخات القناديل المسماة بالبزاقات تسرج في ليالي الزيارات، وفي داخله كسوة جليلة من الحرير من جنس كسوة الحجرة الشريفة ذات طراز منسوج، وقد احترق ذلك كله في الحريق الثاني الآتي ذكره، وذلك بعد تمام هذا التأليف، فاقتضى رأي متولي العمارة الحادثة بعد ذلك إبداله بمحراب مرخّم في دعامة تبني في محل الصندوق المذكور، فحفروا هناك لأساسها نحو القامة، فوجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام، ووجدوا الأقدمين لما أسسوا الأسطوانة التي عنده حرفوا أساسها عنه قليلا، فتركوه على حاله، وأسسوا للمحراب المذكور، ورخموه بالرخام الملون ترخيما بديعا فيه صبغ ذهبي وغيره، وهو أبهى منظرا من الأول، وجعلوا أرض المحراب المذكور مرفعة قليلا على المصلى الشريف؛ لأنه إنما جعل في محل الصندوق الذي كان أمام المصلى الشريف، فليتنبه لذلك، والله أعلم.
تنبيهات- الأول: قال البخاري في صحيحه «باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة» ثم روى عن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر
стр. 284
المشاة، ثم روى عن سلمة- يعني: ابن الأكوع- قال: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة، تجوزها: أي المسافة، وهي ما بين المنبر والجدار، وقوله في الحديث الأول «كان بين مصلى رسول الله ﷺ » أي: مقامه في صلاته، وكذا هو في رواية أبي داود، وقوله: «وبين الجدار» أي: جدار المسجد مما يلي القبلة كما صرح به من طريق ابن غسان في الاعتصام، ومنه يعلم ما في قول النووي في شرح مسلم: يعني بالمصلى موضع السجود، والحديث الثاني رواه الإسماعيلي بلفظ: كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز. قال الكرماني في بيان مطابقته للتبويب: إن ذلك من حيث إنه ﷺ كان يقوم بجنب المنبر: أي ولم يكن لمسجده محراب، فيكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنه قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلى وسترته قدر ما كان بين منبره ﷺ وجدار القبلة.
قلت: وكأن الكرماني بنى ذلك على ما عهده في غالب المساجد من أن مصلى الإمام يكون إلى جانب المنبر، وقد تقدم بيان ما بينهما من المسافة وحكاية الإجماع على أنه لم يغير، وأيضا فلا يلزم من كونه ﷺ كان يصلي إلى جانب المنبر أن يكون بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار كما لا يخفى، وأوضح مما ذكره- كما قال الحافظ ابن حجر- ما ذكره ابن رشد من أن البخاري أشار إلى حديث سعد بن سهل الذي في باب الصلاة على المنبر فإن فيه أنه ﷺ «قام على المنبر حين عمل، وصلّى عليه» فاقتضى ذلك أن ما بين المنبر والجدار يؤخذ منه موضع قيام المصلى.
قلت: لكن يلزم من ذلك التأخر عند السجود؛ لأن ذلك المقدار لا يتأتى فيه السجود، وقد ثبت رجوعه ﷺ القهقرى «١» من أجل السجود لما صلّى على المنبر لعدم تأتّيه عليه.
وقال ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلى وسترته، يعني قدر ممر الشاة، وقيل:
أقل ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال أن النبي ﷺ «صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع» كما في الصحيح، وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة، وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم بأن الأول في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود، قاله الحافظ ابن حجر.
قلت: ويلزمه التأخر عن موقفه الأول عندهما كما قدمناه، وهو متعين؛ إذ لا يتأتى
стр. 285
السجود في أقل من ثلاثة أذرع، ولهذا كان حريم المصلّي الذي يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع عندنا.
وقال ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاث أذرع.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه.
قلت: الظاهر أن البخاري إنما أورد حديث سلمة المشتمل على بيان ما بين المنبر والجدار ليستدل به على مقدار ممر الشاة، فإن ما بينهما كان معلوما عندهم، وقد تقدم عن العتبية أنه كان بينهما قدر ما يمر الرجل منحرفا، والذي اقتضى حمل ابن الصلاح ممر الشاة على ما ذكره أن ذلك هو القدر الذي يتأتى فيه السجود مع الاستمرار في الموقف.
وقد قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنو من السترة مع بيان حكمة ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره مرفوعا: «إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته» ، قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث حسن، والله أعلم.
التنبيه الثاني: في العود الذي كان في المصلى الشريف.
روينا في كتاب يحيى عن مصعب بن ثابت قال: طلبنا علم العود الذي كان في مقام النبي ﷺ فلم نقدر على أحد يذكر لنا فيه شيئا، قال مصعب: حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة قال: جلس إلى أنس بن مالك، فقال: تدري لم صنع هذا العود؟ وما أسأله عنه، فقلت: لا والله ما أدري لم صنع، فقال أنس: كان رسول الله ﷺ يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا فيقول: استووا، واعدلوا صفوفكم.
وعن أنس بن مالك قال: لما سرق العود الذي كان في المحراب فلم يجده أبو بكر حتى وجده عمر ﵄ عند رجل من الأنصار بقباء قد دفن في الأرض أكلته الأرضة، فأخذ له عودا، فشقه فأدخله فيه، ثم شعبه «١» ، فرده في الجدار، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز ﵀ في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باق فيه.
وعند أبي داود عن محمد بن أسلم صاحب المقصورة قال: صلّيت إلى جنب أنس بن مالك يوما فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده عليه فيقول: «استووا واعدلوا صفوفكم» .
قلت: سيأتي في الكلام على الجذع أن الأسطوانة المتقدم ذكرها التي هي علم
стр. 286
المصلّى الشريف كان بها خشبة ظاهرة محكمة بالرصاص، يقول الناس: إنها من الجذع الذي حن للنبي ﷺ وأن المطري قال: إن الأمر ليس كذلك، وإن العز ابن جماعة أمر بإزالتها، فأزيلت عام خمس وخمسين وسبعمائة.
قال المجد: ورأى بعض العلماء أن إزالتها كانت وهما منهما، وذلك أن إتقان هذه الخشبة، وترصيصها بين حجارة الأسطوان وإبرازها لم يكن سدى، وإنما شاهد الحال يشهد بأنه كان من عمل عمر بن عبد العزيز؛ فالظاهر أنه كان من الجذع.
قلت: بل الظاهر أنها ليست منه؛ إذ لم ينقل بقاء شيء منه، بل الظاهر أنها من هذا العود المذكور؛ لما قدمناه فيه، ولما سيأتي عن ابن النجار.
وقول الزيني المراغي: «إن احتمال ذلك كان يمكن تسليمه قبل حريق المسجد، أما بعده فمردود؛ لأنه بقي من حريق المسجد بقايا خشب كثيرة كما سنحققه» .
وقول المؤرخين: «إنه لم يبق ولا خشبة واحدة» مردود؛ فقد شاهدت عند إزالة هدم الحريق من الحجرة الشريفة ما لا يحصى من أطراف الخشب المحترق، حتى ميزاب الحجرة الشريفة رأيته من عرعر «١» فيما أظن احترق بعضه وبقي منه قدر الذراع، وأخذ الناس كثيرا من تلك الأخشاب، واتخذ متولي العمارة وغيره منها سبحا كثيرة، وعبارة ابن النجار صريحة فيما ذكرناه من كون العود المذكور كان بالأسطوانة المذكورة، فإنه ترجم عليه بقوله: «ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين القبلة» ، ثم روى عن أهل السير خبر مصعب بن ثابت المتقدم.
وشيوع أن تلك الخشبة من الجذع قديم، فقد قال ابن جبير في رحلته: إن بإزاء الروضة- يعني المصلى الشريف منها- لجهة القبلة عمودا مطبقا يقال: أنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبي ﷺ وقطعة منه وسط العمود ظاهرة يقبلها الناس ويبادرون للتبرك بلمسها ومسح خدودهم فيها، وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق، انتهى.
واستفيد منه أيضا أن وضع الصندوق هناك كان قبل حريق المسجد في زمنه، وسبب الشيوع المذكور في تلك الخشبة ما سيأتي من أن الجذع كان قريبا من محل الأسطوانة المذكورة؛ فالظاهر أن الخشبة المذكورة كانت قريبا منه في الجدار، فجعلت في تلك الأسطوانة لقربها من المحل الأول؛ فقد روى يحيى أيضا عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ «كان يستمسك بعود كان في القبلة، ثم يلتفت عن يمينه وعن شماله، فإذا استوت الصفوف كبر» .
стр. 287
وروى ابن زبالة عن عمرو بن مسلم قال: كان النبي ﷺ حين أسن قد جعل له العود الذي في المقام، إذا قام في الصلاة توكأ عليه، قال: ثم ألصق إليه عود معه، وروى أيضا هو ويحيى من طريقه عن مسلم بن خباب قال: لما قدم عمر ﵁ القبلة فقد العود الذي كان مغروسا في الجدار، فطلبوه، فذكر لهم أنه في مسجد بني عمرو بن عوف أخذوه فجعلوه في مسجدهم، فأخذه عمر فرده إلى المحراب، وكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة أمسكه بكفه يعتمد عليه، ثم يلتفت في شقه الأيمن فيقول: عدّلوا صفوفكم، ثم يلتفت إلى الأيسر فيقول مثل ذلك، ثم يكبر للصلاة، وذلك العود من طرفاء الغابة «١» .
هل مصلاه ﷺ على عين القبلة أو جهتها ؟
التنبيه الثالث: أسند يحيى عقب ما تقدم عن ابن عباس قال: كنت أرى صفحة خد رسول الله ﷺ اليمنى في مسجده يتيامن.
وعن عروة: كان الزبير بن العوام وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتيامنون ويقولون: إن البيت تهامي، قال يحيى: وسمعت غير واحد من مشايخنا ممن يقتدى به يقول: المنبر على القبلة.
قلت: لعل ما ذكره من التيامن في غير المصلى الشريف، والذي ذكره أصحابنا أنه لا يجتهد في محراب النبي ﷺ لأنه صواب قطعا؛ إذ لا يقر على خطأ؛ فلا مجال للاجتهاد فيه حتى لا يجتهد في اليمنة واليسرة، بخلاف محاريب المسلمين، سيما وقد تقدم أنه وضعه وجبريل يؤم به البيت، والمراد بمحرابه ﷺ مكان مصلاه، فإنه لم يكن في زمنه ﷺ محراب، نعم إن ثبت تيامنه ﷺ في مكان مصلاه فما نقله متجه، ويؤيده أن الدكة التي ظهرت في محل المنبر ووجد فيها آثار قوائم المنبر النبوي كما سيأتي متيامنة، ولذا حرّضت على بقائها على ما وجدت عليه فبقيت على حالها، إلا أنهم وضعوا المنبر عليها غير متيامن فصار محرفا عنها، وعبارة النووي في التحقيق: وكل موضع صلّى فيه رسول الله ﷺ وضبط موقفه تعين، ولا يجتهد فيه بتيامن ولا تياسر، انتهى.
وقال الشيخ محب الدين الطبري في شرح التنبيه، ومن خطه نقلت: إن قيل محرابه ﷺ على عين الكعبة؛ إذ لا يجوز فيه الخطأ، فيلزم مما قلتم أنه لا يصح صلاة من بينه وبينه من أحد جانبيه أكثر من سمت الكعبة إلا مع الانحراف.
قلنا: من أين لكم أنه على يمين الكعبة؟ فيجوز أن يكون ذلك ولا خطأ بناء على أن
стр. 288
الفرض الجهة، نعم إن روي في الصحيح أنه نصب على العين فنقول: مقتضى الدليل ما ذكرتموه على القولين، أما على العين فظاهر، وأما على الجهة فإنما ذلك عند عدم المشاهدة، وهذا المحراب منزل منزلة الكعبة فمشاهده كمشاهدها، إلا أن إجماع الصحابة ﵃ على بناء مسجد النبي ﷺ واسعا وصلاتهم في أقطاره من غير أن ينقل الانحراف عنهم دليل على طرد حكم البعد في كل مكان، سواء تحقق صوب عين الكعبة أم لا، توسعة وتعميما للحكم، وتحقيقا للقول بأن فرض البعيد هو الجهة مطلقا، ولا أعلم أحدا تكلم في هذه المسألة، والظاهر فيها ما ذكرته، انتهى.
وفيه نظر، بل صلاة من بينه وبين المصلى الشريف أكثر من سمت الكعبة صحيح، واعتبار العين من غير انحراف لما تقرر من أن المسامتة تصدق مع البعد، ألا ترى أن الدائرة إذا عظمت اتسعت الخطوط فيسامت الخط الخارج من جبين المصلى الكعبة ظنا، وهو المكلف به في البعد، نعم هذا يقتضي جواز الاجتهاد بالتيامن والتياسر لمن بينه وبين المصلى الشريف أكثر من سمت الكعبة إلا أن ينقل عدمه عن الصحابة في زمنه ﷺ مع إقراره ﷺ لهم على ذلك، والله أعلم.
قد تم- بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه- الجزء الأول من كتاب «وفاء الوفا، بأخبار دار المصطفى» تأليف العلامة المحقق، والمؤرخ المدقق، نور الدين علي السمهوري، أحد علماء القرن العاشر الهجري، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الثاني منه، وأوله «الفصل الرابع، في خبر الجذع الذي كان يخطب إليه النبي ﷺ إلخ» نسأل الله الذي بيده تتم الصالحات أن يعين على إكماله، بمنه وفضله؛ إنه لا معين سواه، ولا يوفق للخير غيره.
стр. 289
فهرس الجزء الأول
ترجمة مؤلف الكتاب/ ٥
خطبة المؤلف/ ٧
أبواب الكتاب/ ٨
الباب الأول: في أسماء هذه البلدة الشريفة/ ١٣
أثرب/ ١٣
أرض الله/ ١٤
ذات الحجر/ ١٩
الباب الثاني/ ٣١
الفصل الأول: في تفضيلها على غيرها من البلاد مكة أفضل أم المدينة/ ٣١
الفصل الثاني: وعد من صبر على شدها/ ٣٩
الفصل الثالث: في الحث على حفظ أهلها وإكرامهم/ ٤٥
الفصل الرابع: في بعض دعائه ﷺ لها ولأهلها، وما كان بها من الوباء، ونقله/ ٤٨
الفصل الخامس: في عصمتها من الدجال والطاعون/ ٥٥
الفصل السادس: في الاستشفاء بترابها، وبتمرها/ ٥٩
الفصل السابع: في سرد خصائصها/ ٦٤
الفصل الثامن: في الأحاديث الواردة في تحريمها، وهي كثيرة/ ٧٥
الفصل التاسع: في بيان عير وثور/ ٧٧
الفصل العاشر: في أحاديث تقتضي زيادة الحرم على ذلك التحديد، وأنه مقدر ببريد/ ٨٠
الفصل الحادي عشر: في بيان الألفاظ المتعلقة بالتحديد/ ٨٢
الفصل الثاني عشر: في حكمة تخصيص هذا المقدار المعين بالتحريم/ ٨٦
الفصل الثالث عشر: في أحكام هذا الحرم الشريف، وفيه مسائل/ ٨٧
الفصل الرابع عشر: في ذكر بدء شأنها، وما يؤول إليه أمرها/ ٩٦
الفصل الخامس عشر: فيما ذكر من وقوع ما أخبر به ﷺ من خروج أهلها وتركها، وذكر كائنة الحرة المقتضية لذلك/ ٩٩
الفصل السادس عشر: في ظهور نار الحجاز التي أنذر بها النبي ﷺ / ١١٣
الباب الثالث: في أخبار سكانها في سالف الزمان، ومقدمه ﷺ إليها، وما كان من أمره بها في سنين الهجرة، وفيه اثنا عشر فصلا/ ١٢٥
الفصل الأول: في سكانها بعد الطوفان، وما ذكر في سبب نزول اليهود بها، وبيان منازلهم/ ١٢٥
الفصل الثاني: في سبب سكنى الأنصار بها/ ١٣٢
الفصل الثالث: في نسبهم/ ١٣٨
стр. 290
الفصل الرابع: في تمكنهم بالمدينة، وظهورهم على يهود، وما اتفق لهم مع تبع/ ١٤٢
الفصل الخامس: في منازل قبائل الأنصار بعد إذلال اليهود/ ١٥١
الفصل السادس: فيما كان بينهم من حرب بعاث/ ١٧٠
الفصل السابع: في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي ﷺ وذكر العقبة الصغرى/ ١٧٣
الفصل الثامن: في العقبة الكبرى/ ١٧٩
الفصل التاسع: في هجرة النبي ﷺ إليها/ ١٨٤
الفصل العاشر: في دخوله ﷺ أرض المدينة، وتأسيس مسجد قباء/ ١٩١
الفصل الحادي عشر: في قدومه ﷺ باطن المدينة/ ١٩٨
الفصل الثاني عشر: فيما كان من أمره ﷺ بها في سني الهجرة إلى أن توفاه الله مختصرا/ ٢٠٩
الباب الرابع: فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم النبوي/ ٢٤٩
الفصل الأول: في أخذه ﷺ لموضع مسجده الشريف، وكيفية بنائه/ ٢٤٩
الفصل الثاني: في ذرعه وحدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم/ ٢٦١
الفصل الثالث: في مقامه الذي كان يقوم به ﷺ في الصلاة قبل تحويل القبلة/ ٢٧٥
стр. 291
الجزء الثاني
تأليف الشّيخ العلّامة نور الدّين علي بن أحمد السّمهودي المتوفى ٩١١ هـ اعتنى به ووضع حواشيه خالد عبد الغني محفوظ الجزء الثّاني
стр. 292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي اختار رسوله محمدا ﷺ من أطيب الأرومات، والصلاة والسلام الأتّمان الأكملان على أشرف الكائنات، وعلى آله وصحبه الذين فدوه بالأنفس والأموال وبالآباء والأمهات. وعلى من اتبعه واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[تتمة الباب الرابع: فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم النبوي]
الفصل الرابع: الروايات في حنين الجذع
في خبر الجذع الذي كان يخطب إليه ﷺ واتخاذه المنبر، وما اتفق فيه، وما جعل بدله بعد الحريق، واتخاذ الكسوة له.
روينا في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه. وفيه عن جابر أن النبي ﷺ «كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل رسول الله ﷺ ، فضمّه إليه وهو يئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.
وفيه أيضا عنه: كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت «١» العشار، الحديث.
وعند النسائي في الكبرى عن جابر: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج: أي التي انتزع ولدها منها. وعند ابن خزيمة عن أنس: فحنّت الخشبة حنين الواله «٢» . وفي روايته الآخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور.
وفي حديث أبي بن كعب عند أحمد والدارمي وابن ماجه: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق. وفي حديثه: فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد فلم يزل عنده حتى بلى وعاد رفاتا. وفي حديث أبي سعيد عند الدارمي: فأمر به أن يحفر له ويدفن، وسيأتي أحاديث بذلك، ولا تنافي بين ذلك؛ لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أبيّ بن كعب.
стр. 293
وقال أبو اليمن بن عساكر في تحفته: وفي رواية فلما جلس عليه أي المنبر حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليها، فلما كان من الغد رأيتها قد حوّلت، فقلنا: ما هذا؟ قال: جاء النبي ﷺ وأبو بكر وعمر فحولوها، انتهى.
وفي مسند الدارمي من حديث بريدة: كان النبي ﷺ إذا خطب قام فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتى بجذع نخلة، فحفر له وأقيم إلى جنبه قائما للنبي ﷺ ؛ فكان النبي ﷺ إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتكى عليه، فبصر به رجل كان ورد المدينة فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع، فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ائتوني به، فأتوه به، فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع، هي الآن في مسجد المدينة؛ فوجد النبي ﷺ في ذلك راحة، فلما فارق النبي ﷺ الجذع وعمد إلى هذه التي صنع له جزع الجذع فحنّ كما تحن الناقة، حين فارقه النبي ﷺ ، فزعم ابن بريدة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه، وقال: اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها وعيونها فتحسن زينتك، وتثمر، فتأكل كل أولياء الله من ثمرتك وتخلد؛ فعلت؛ فزعم أنه سمع من النبي ﷺ وهو يقول له: نعم قد فعلت، مرتين، فسئل النبي ﷺ فقال: اختار أن أغرسه في الجنة.
ولفظه عند عياض: إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك، ثم أصغى له النبي ﷺ يسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلي فيه فسمعه من يليه، قال ﷺ : قد فعلت، ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه، وهو في كتاب يحيى بنحوه، وفي حديث سهل بن سعد عند أبي نعيم: فقال النبي ﷺ : ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة، فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم.
وفي لفظ عند ابن عبد البر: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق، فرجع إليه رسول الله ﷺ فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، قال: فكان إذا صلّى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة وعاد رفاتا.
وهذا يبعد ما قدمناه من التأويل؛ إذا ظاهره أنه لم يدفن.
ويحتمل: أن ذلك كان بعد دفنه، ومشى يصلي إليه قريبا منه؛ لأنه كان عند مصلّاه كما سنحققه.
стр. 294
وفي كتاب يحيى عن أبي سعيد: كان ﷺ يخطب إلى جذع نخلة، فأتاه رجل رومي، فقال: أصنع لك منبرا تخطب عليه، فصنع له منبره الذي ترون، فلما قام عليه فخطب حنّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه النبي ﷺ فضمّه فسكن، وأمر به النبي ﷺ أن يدفن ويحفر له.
وعن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع يتساند إليه، فمر رومي فقال: لو دعاني محمد لعملت له ما هو أرفق له من هذا، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأرسل إليه، فدعاه، فجعل له المنبر، ثم ذكر حنين الجذع وتخيير النبي ﷺ له، قال:
فقالت: فسمعنا النبي ﷺ وهو يقول: فنعم، فغار الجذع فذهب.
وعن أنس أن النبي ﷺ كان يخطب إلى الجذع، فلما اتخذ المنبر وعدل إليه حن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن، وقال: لو لم أفعل هذا لحنّ إلى يوم القيامة.
وذكر الإسفراييني أن النبي ﷺ دعاه إلى نفسه، فجاء يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه.
صانع المنبر
وفي كتاب ابن زبالة عن خالد بن سعيد مرسلا أن تميما الداري كان يرى رسول الله ﷺ يشتد عليه وجع كان يجده في فخذيه يقال له الزجر، فقال له تميم: يا رسول الله ألا أصنع لك منبرا تقوم عليه، فإنه أهون عليك إذا قمت وإذا قعدت؟ قال: وكيف المنبر؟
قال: أنا يا رسول الله أصنعه لك، قال: فخرج إلى الغابة فقطع منها خشبات من أثل، فعمل له درجتين: أي غير المقعد، فتحول رسول الله ﷺ عن الخشبة التي كان يستند إليها إذا خطب، ثم ذكر حنينها، وقال: بلغنا أنها دفنت تحت المنبر.
وعن المطلب بن حنطب أنه ﷺ أمر بالجذع فحفر له تحت المنبر فدفن هنالك، قال:
والذي عمل المنبر غلام نصيبة المخزومي، وكان المنبر من أثلة كانت قريبا من المسجد.
وعن سهل بن سعد الساعدي نحو ما في الصحيح أن رجالا أتوا سهلا وقد امتروا في المنبر مم عوده، فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف ممّ هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار قد سماها سهل: مري غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادا أجلس عليها إذا كلمات الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلّى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، هذا لفظ الصحيح، وزاد فيه ابن زبالة: وقطعت خشب المنبر بيدي مع الذي بعثه رسول الله ﷺ ، وحملت إحدى الدرجات.
стр. 295
ورواه يحيى بلفظ: عمل من أثل، يعني المنبر، وكنت ممن حمل درجته هذه، ثم ذكر حنين الجذع، وفي رواية للبخاري في كتاب الهبة «فجاؤا به- يعني المنبر- فاحتمله النبي ﷺ ، فوضعه حيث ترون» .
وقال الحافظ ابن حجر: صحف بعض الرواة قوله إلى فلانة امرأة من الأنصار فقال إلى علاثة (بالعين المهملة والمثلاثة) وهو خطأ، والمرأة لا يعرف اسمها، ونقل ابن التين عن مالك أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة؛ فيحتمل أنه كان في الأصل مولى امرأته، ونسب إليه مجازا، واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم، وهي ابنة عمه؛ فيحتمل أن تكون هي المرأة، لكن رواه ابن راهواه عن ابن عيينة وقال: مولى لبني بياضة، ووقع عند الكرماني قيل:
اسمها عائشة، وأظنه صحّف المصحف، ثم وجدت في الأوسط للطبراني من حديث جابر أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى سارية في المسجد، ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فأمرت عائشة، فصنعت له منبره هذا، فذكر الحديث، وإسناده ضعيف، ولو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف، والله أعلم.
وأسند ابن سعد في الطبقات من حديث أبي هريرة، ورجاله ثقات إلا الواقدي أن النبي ﷺ «كان يخطب وهو مستند إلى جذع، فقال: إن القيام قد شق علي، فقال تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبي ﷺ المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس، فقال: مره أن يعمل» الحديث.
موضع الجذع
وأسند يحيى منقطعا عن ابن أبي الزناد وغيره أن رسول الله ﷺ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد كان موضعه عند الأسطوانة المخلّقة التي تلي القبر التي عن يسار الأسطوانة المخلّقة التي كان النبي ﷺ يصلي عندها التي هي عند الصندوق، فقال النبي ﷺ :
إن القيام قد شق علي، وشكا ﷺ ضعفا في رجليه، قالوا: فقال تميم الداري- وكان رجلا من لخم من أهل فلسطين- يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، قالوا: فلما أجمع رسول الله ﷺ وذو الرأي من أصحابه على اتخاذه قال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس، فقال النبي ﷺ : مره يعمل، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين ومجلسا، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضعه اليوم، ثم راح رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة، حتى ارتاع الناس، وقام بعضهم على رجليه، فأقبل رسول الله ﷺ حتى مسه بيده، فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المنبر فقام عليه،
стр. 296
فلم يزل كذلك في زمان النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما هدم عثمان المسجد اختلف في الجذع، فمنهم من قال: أخذه أبي بن كعب، فكان عنده حتى أكلته الأرضة، ومنهم من قال: دفن في موضعه.
شهرة حديث حنين الجذع
وقال عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر.
وقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف، وفيه دليل على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كأشرف الحيوان.
وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشافعي قال: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته؛ فهذا أكبر من ذلك.
الموضع الذي دفن فيه الجذع
ونقل ابن زبالة اختلافا في دفن خشبته؛ فعن عثمان بن محمد: دفنت دوين المنبر عن يساره، وقال بعضهم: دفنت شرقي المنبر إلى جنبه، وقال بعضهم: دفنت تحت المنبر، وتقدم في رواية أنه دفن في موضعه الذي كان فيه، ومحصل الرواية المتقدمة في كلام يحيى أنه كان في جهة المشرق يسار المصلّى الشريف.
ونقل ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان الملطّخ بالخلوق ثلثاها أو نحو ذلك محرابها موضع الجذع الذي كان النبي ﷺ يخطب إليه، بينها وبين القبلة أسطوان، وبينها وبين المنبر أسطوان.
بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع
قلت: وهذه الأسطوانة هي التي تقدم أنها علم المصلّى الشريف عن يمينه، ولهذا روى عقبة ما قدمناه من القيام بمقام رسول الله ﷺ في الصلاة لمن عدل عنها قليلا، وهذا مستند المطري في قوله: وكان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول الله ﷺ لاصقا بجدار المسجد القبلي في موضع كرسي الشمعة اليمنى التي توضع عن يمين الإمام المصلّي في مقام النبي ﷺ ، والأسطوانة التي قبلي الكرسي متقدمة عن موضع الجذع؛ فلا يعتمد على قول من جعلها في موضع الجذع، قال: وفيها خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص سدادة لموضع كان في حجر من حجارة الأسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض والخشبة ظاهرة، تقول العامة:
هذا الجذع الذي حن إلى النبي ﷺ ، وليس كذلك بل هو من جملة البدع التي يجب إزالتها
стр. 297
لئلا يفتن بها الناس، كما أزيلت الجزعة التي كانت في المحراب القبلي، وذكر قصة الجزعة التي قدمناها.
وقال المجد: إن الخشبة المذكورة كان يزدحم على زيارتها والتمسح بها، ويعتقد الناس عامة أنها الجذع، فظن بعض الفقهاء أن هذا من المنكر الذي يتعين إزالته، وصرح بهذا في كتبه، إلى أن وافق على ذلك شيخنا العز بن جماعة فأمر بإزالتها، إلى آخر ما قدمناه عنه.
قال: وكان موضع الخشبة من الأسطوان المذكور على مقدار ذراعين من الأرض ارتفاعا، وقد طلي عليه بالقصة، ولا عين منه ولا أثر.
قلت: الذي يظهر- كما قدمته- أن هذه الخشبة كانت من العود الذي كان النبي ﷺ يضع يده عليه ويقول: عدلوا صفوفكم، كما تقدم، والله أعلم.
عود إلى الاختلاف في صانع المنبر
ونقل ابن زبالة الاختلاف في الذي عمل المنبر، فقيل: غلام نصيبة المخزومي، وقيل:
غلام للعباس، وقيل: غلام لسعيد بن العاص يقال له باقول (بموحدة وقاف مضمومة) وقيل: غلام لامرأة من الأنصار من بني ساعدة، أو لامرأة لرجل منهم يقال له مينا، وقوله «يقال له مينا» يحتمل المولى وزوج المرأة، لكن عند يحيى قال إسماعيل بن عبد الله: الذي عمل المنبر غلام الأنصارية واسمه مينا، وعند ابن بشكوال عن أبي بن أويس: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا، وهذا محتمل كالأول، وقيل: عمله تميم الداري، هذا حاصل ما ذكره ابن زبالة، وفي رواية ليحيى: عمل المنبر صباح غلام العباس (بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة) وتقدم تسميته كلابا، ونقل المراغي عن بعض شيوخه أن الذي عمله باقوم (بالميم) باني الكعبة لقريش، وفي الاستيعاب عن باقوم الرومي قال: صنعت لرسول الله ﷺ منبرا من طرفاء له ثلاث درجات: المقعدة، ودرجتيه، قال ابن عبد البر: وإسناده ليس بالقائم.
وفي طبقات ابن سعد أن الصحابة قالوا: يا رسول الله إن الناس قد كثروا، فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت، قال ﷺ : ما شئتم، قال سهل ﵁: ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، فذهبت أنا وذاك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة، وفي لفظ: فحمل سهل منهن خشبة، قال المجد: إسنادهما صحيح، وعند قاسم بن أصبغ: وكان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون، فذكر الحديث، وعند الطبراني عن سهل: كنت جالسا مع خال لي من الأنصار، فقال النبي ﷺ : اخرج إلى الغابة وأتني من خشبها فاعمل لي
стр. 298
منبرا، الحديث. وأخرج الطبراني بإسناد فيه مترول أن اسم صانع المنبر إبراهيم، وفي أسماء الصحابة لابن شبة مرسلا: اسمه قبيصة أو قصيبة بتقديم الصاد، المخزومي، مولاهم، وعند أبي داود بإسناد جيد أن النبي ﷺ لما بدّن قال تميم الداري: يا رسول الله ألا تتخذ لك منبرا يحمل- أو يجمع- عظامك، قال ﷺ : بلى، فاتخذ له منبرا مرقاتين: أي غير المقعدة.
قال الحافظ ابن حجر: وليس في الروايات التي سمي فيها النجار قوي السند إلا هذا، وليس فيه تصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم، بل قد تبين من رواية ابن سعد المتقدمة أن تميما لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون؛ لكون الإسناد من طريق سهل، ولا اعتداد بالأقوال الآخرى لكونها واهية.
قلت: ولا ينافيه قوله في مقدمة الشرح «باقوم أشهر الأقوال» فقد يشتهر الواهي.
وفي التحفة لابن عساكر: روينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أتّخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم، صلى الله عليهما وسلم.
وأسند ابن النجار من حديث أنس: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا، فبنوا له منبرا له عتبتان، وهو يقتضي أن المنبر كان بناء، ويحتمل أنه أطلق على تأليفه من الأخشاب اسم البناء، لكن قال الحافظ ابن حجر: حكى بعض أهل السير أنه ﷺ «كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب» ويعكر عليه ما تقدم في الأحاديث الصحيحة من أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.
قلت: يحتمل أن ذلك المنبر المتخذ من الطين كان إلى جانب الجذع، وكأنه كان بناء مرتفعا فقط، وليس له درج ومقعدة بحيث يكمل الارتفاق به؛ فلا ينافي ما تقدم في سبب اتخاذ المنبر من خشب، ويؤيد ذلك ما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ على المنبر، الحديث، وهذه القصة متقدمة على اتخاذ المنبر من الخشب؛ فقد جزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان، وجزم ابن سعد بأنه كان في السنة السابعة، على أن ذكر تميم والعباس في عمله كما تقدم يقتضي تأخره عن ذلك أيضا؛ فقد كان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع، وفي بعض طرق الحديث: كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه، الحديث. وفي بعض طرقه أنه جاء والنبي ﷺ يخطب أي: على ذلك الدكان، والله أعلم.
стр. 299
وروى يحيى عن ابن أبي الزناد أن النبي ﷺ كان يجلس على المجلس، ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية، ووضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما ولي عمر قام على الدرجة السفلى، ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان فعل ذلك ست سنين من خلافته؛ ثم علا إلى موضع النبي ﷺ .
ثم قال: قالوا فلما استخلف معاوية زاد في المنبر، فجعل له ست درجات، وكان عثمان أول من كسا المنبر قبطية.
أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام
قالوا: فلما قدم معاوية عام حج حرك المنبر، وأراد أن يخرجه إلى الشام، فكسفت الشمس يومئذ، حتى بدت النجوم، فاعتذر معاوية إلى الناس، وقال: أردت أنظر إلى ما تحته، وخشيت عليه من الأرضة. قال بعضهم: وكساه يومئذ قبطية أو لينة. ثم أسند عن سعيد ابن عمرو قصة تحريك معاوية للمنبر، وأن الشمس كسفت، واعتذاره بأن خشي عليه الأرضة، وأنه كساه يومئذ قبطية يكون عليه أو لينة، فكان يقال: هو أول من كساه، قال يحيى: وأثبتهما عندنا أن عثمان هو أول من كساه، وقد نقل ذلك ابن النجار عن الواقدي عن ابن أبي الزناد، قال: فسرقت الكسوة امرأة، فأتى بها عثمان، فقال لها: هل سرقت؟
قولي لا، فاعترفت، فقطعها، واتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك.
وفي تاريخ الواقدي: أراد معاوية ﵁ سنة خمسين تحويل منبر رسول الله ﷺ إلى دمشق، فكسفت الشمس يومئذ، وكلمه أبو هريرة ﵁ فيه، فتركه، فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة فتركه؛ فلما كان الوليد أراد ذلك فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فكلمه فيه فتركه، فلما كان سليمان قيل له في تحويله قال: لا؛ ها الله، أخذنا الدنيا ونعمد إلى علم من أعلام الإسلام نريد تحويله؟ ذاك شيء لا أفعله؛ وما كنت أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد! ما لنا ولهذا؟
رفع المنبر ست درجات
وأسند ابن زبالة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: بعث معاوية ﵁ إلى مروان يأمره أن يحمل إليه منبر النبي ﷺ ، فأمر به أن يقلع، فأظلمت المدينة، وأصابتهم ريح شديدة، قال: فخرج عليهم مروان فخطبهم، وقال: يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إلى منبر رسول الله ﷺ ، وأمير المؤمنين أعلم بالله من أن يغير منبر رسول الله ﷺ عن ما وضعه عليه، إنما أمرني أن أكرمه وأرفعه، قال: فدعا نجارا فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم، ووضعه موضعه اليوم.
وفي رواية له عن ابن قطن: قلع مروان بن الحكم منبر رسول الله، وكان درجتين
стр. 300
والمجلس، وأراد أن يبعث به إلى معاوية، قال: فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، قال:
فزاد فيه ست درجات، وخطب الناس فقال: إني إنما رفعته حين كثر الناس.
وعند يحيى في رواية أخرى: كتب معاوية ﵁ إلى مروان وهو على المدينة أن أرسل لي بمنبر رسول الله ﷺ ، فخرج مروان فقلعه، فأصابتنا ريح مظلمة بدت فيها النجوم نهارا، ويلقى الرجل الرجل يصكه فلا يعرفه، وذكر اعتذار مروان المتقدم، وقال: إنما كتب إلي يأمرني أن أرفعه من الأرض، فدعا له النجاجرة، فعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها، وهي- أي الدرجات التي زادها- ست درجات، قال: ثم لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده.
وقال ابن زبالة عقب حديث رواه من طريق سفيان عن كثير بن زيد عن المطلب ما لفظه: والذي زاد في درج المنبر معاوية بن أبي سفيان.
قال سفيان: قال كثير: فأخبرني الوليد بن رباح قال: كسفت الشمس يوم زاد معاوية في المنبر حتى رؤيت النجوم.
وروى ابن النجار زيادة مروان فيه، وأنه صار تسع درجات بالمجلس، عن ابن أبي الزناد، ثم قال: ولما قدم المهدي المدينة سنة إحدى وستين ومائة، فقال لمالك بن أنس: إني أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ على حاله، فقال له مالك: إنما هو من طرفاء، وقد سمّر إلى هذه العيدان وشد، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك، فلا أرى أن تغيره، فانصرف المهدي عن تغييره.
وروى ابن شبة قصة المهدي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أبي فديك.
عدد درجات المنبر
قلت: وجميع ما قدمناه من كلام المؤرخين مقتض لاتفاقهم على أن منبره ﷺ كان درجتين غير المجلس ونقله ابن النجار عن الواقدي، لكن سبق في رواية الدارمي «هذه المراقي «١» الثلاث أو الأربع» على الشك، وفي صحيح مسلم «هذه الثلاث درجات» من غير شك، وقال الكمال الدميري في شرح المنهاج: وكان ﷺ منبره ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح، ولعل مأخذه ظاهر ذلك مع حديث أن النبي ﷺ رقي المنبر فلما رقي الدرجة الأولى قال: آمين، ثم رقي الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم رقي الدرجة الثالثة فقال:
آمين، فقالوا: يا رسول الله سمعناك قلت آمين ثلاث مرات، قال: لما رقيت الدرجة الأولى جاء جبريل ﵇ فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ عنه فلم يغفر له، قلت:
стр. 301
آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، قلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، رواه يحيى بن الحسن عن جابر، ورواه الحاكم عن كعب بن عجرة»
وقال: صحيح الإسناد، ولفظه: قال قال رسول الله ﷺ : احضروا المنبر، فحضرنا، فلما رقي درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال:
آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين؛ فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت:
آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين، ويمكن حمله على أنه ﷺ ارتقى حينئذ على المجلس وهي الدرجة الثالثة.
مساحة المنبر
قال ابن زبالة: وطول منبر النبي ﷺ خاصة ذراعان في السماء، وعرضه ذراع في ذراع، وتربيعه سواء، وفيه مما كان يلي ظهره إذا قعد ثلاثة أعواد تدور، ذهب إحداهن، وانقلعت إحداهن سنة ثمان وتسعين ومائة، وأمر به داود بن عيسى فأعيد، وفيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن، وطول منبر النبي ﷺ مرتفع في السماء مع الخشب الذي عمله مروان- أي الأعواد المتقدمة- ثلاث أذرع ونصف.
وقال عقب كلامه الآتي في ذرع ما عليه المنبر اليوم، يعني زمنه، ما لفظه: وطول المجلس- أي مجلسه ﷺ شبران وأربع أصابع في مثل ذلك. مربع؛ فقوله أولا: «وعرضه ذراع في ذراع» إنما أراد به مقعد المنبر؛ لما قاله هنا في وصف المقعد بدون درجتيه؛ ولأنه قال هنا عقب ما تقدم: وما بين أسفل قوائم منبر النبي ﷺ الأول إلى رمانته خمسة أشبار وشيء؛ وعرض درجه شبران، وطولها شبر، وطوله من ورائه- يعني محل الاستناد- شبران وشيء؛ فيؤخذ من ذلك أن امتداد المنبر النبوي من أوله- وهو ما يلي القبلة- إلى ما يلي آخره في الشام أربعة أشبار وشيء؛ لقوله: إن عرض درجه شبران، وإن المجلس شبران وأربع أصابع، وقوله: «وما بين أسفل قوائم منبر النبي ﷺ إلى آخره» معناه أن من طرف المنبر النبوي الذي يلي الأرض إلى طرف رمانته التي يضع عليها يده الكريمة خمسة أشبار وشيء؛ وذلك نحو ذراعين ونصف، وقد تقدم أن ارتفاع المنبر النبوي خاصة ذراعان؛ فيكون ارتفاع الرمانة نحو نصف ذراع.
وقال ابن النجار: طول منبر النبي ﷺ ذراعان وشبر وثلاث أصابع، وعرضه ذراع
стр. 302
راجح، وطول صدره- وهو مستند النبي ﷺ ذراع، وطول رمانتي المنبر اللتين كان يمسكهما بيده الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان، وعرضه ذراع في ذراع، يريد وتربيعه سواء، ولا يخفى ما فيه من المخالفة لكلام ابن زبالة.
وقال ابن زبالة في الكلام على فضل ما بين القبر والمنبر، بعد ذكر المرمر الذي حول المنبر، ما لفظه: وفي المنبر من أسفله إلى أعلاه سبع كوى «١» مستطيرة من جوانبه الثلاث، وفي جنبه الذي عمل مروان من قبل المشرق ثماني عشرة كوة «١» مستديرة شبه المربعة، ومن قبل المغرب ثماني عشرة كوة مثل ذلك، وكان فيه خمسة أعواد تدور، فذهب بعضها وبقي اثنان منها، فسقط أحدهما في سلطان داود بن عيسى على المدينة في سنة ثمان وتسعين ومائة، فأمر به فأعيد.
وقال في موضع آخر: وفيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن، ثم قال: وفي منبر رسول الله ﷺ خاصة خمسة أعواد من جوانبه الثلاث، فذهب بعضها.
وقال بعد ما تقدم عنه في ذرع منبره ﷺ ما لفظه: وذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع، وعرضه ذراع وشيء يسير، وما بين الرمانة المؤخرة والرمانة التي كانت في منبر رسول الله ﷺ القديم ذراع وشيء، وما بين رمانة منبر النبي ﷺ إلى الرمانة المحدثة في مقدم المنبر ذراعان وعظم الذراع، وما بين الرمانة والأرض ثلاث أذرع وشيء، وطول المنبر اليوم من أسفل عتبته إلى مؤخره سبع أذرع- أي بتقديم السين- وشبر، وطوله في الأرض إلى مؤخره ست أذرع، هذه عبارته بحروفها، ويتعين حمل كلامه على أن امتداد المنبر في الأرض من أسفل عتبته الرخام التي أمامه إلى مؤخر المنبر سبعة أذرع وشبر، وطول امتداده وهو في الأرض إلى مؤخره مع إسقاط العتبة ست أذرع، حتى يلتئم كلامه، وقد ذكر فيما قدمناه عنه أن حول المنبر مرمر مرتفع قدر الذراع، وفيه شيء محدث غير مرتفع زاده الحسن بن زيد.
وقال في موضع آخر: والمنبر مبني فوق رخام، وهو في وسط الرخام، فسمي المرمر رخاما، وقال: إن هذا الرخام حده من الأسطوانتين اللتين في قبلة المنبر- أي خلفه- إلى الأسطوانتين اللتين تليانهما مما يلي الشام- أي أمام المنبر- وقد سمى ابن النجار هذا الرخام الذي عليه المنبر دكة، وقال: إن طولها شبر وعقد، يعني في الارتفاع، وسمى ذلك أبو الحسين بن جبير في رحلته حوضا، وكأنه أخذ هذه التسمية مما ورد في أن المنبر على الحوض، وذكر في طول هذا الرخام وعرضه ما يقرب مما قدمناه في حدود المسجد النبوي، قال: وارتفاعه شبر ونصف.
стр. 303
قلت: ولما حفر متولي العمارة في زماننا أرض المسجد الشريف وسواها بأرض المصلى الشريف وجد هذا الرخام المذكور، وارتفاعه عن أرض المصلى الشريف نحو ما ذكره ابن النجار وابن جبير؛ ثم لما أرادوا تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا حول الدكة المذكورة فظهر أنها منخفضة عن أرض المصلّى الشريف التي استقر عليها الحال اليوم يسيرا، وخلفها من جهة القبلة إفريز نحو ثلث ذراع، وطولها سبع أذرع، بتقديم السين، وشبر، وهي مجوفة شبيهة بالحوض، فصح ما ذكره ابن جبير في تسميتها حوضا، وصح أيضا ما سيأتي عنه من أن سعة المنبر خمسة أشبار؛ لأن جوف هذا الحوض الذي وجدناه بما دخل من عمودي المنبر في أحجاره خمسة أشبار، وقول ابن زبالة أولا «وذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع» مراده ارتفاعه في الهواء مع الدرج الست التي زادها مروان؛ فيكون طول الدرج الست ذراعين؛ فتكون كل درجة ثلث ذراع، فيقرب مما قدمه ابن زبالة في طول درج منبر النبي ﷺ ، وهو الذي تقتضيه المناسبة.
ونقل الزين المراغي عن ابن زبالة أنه قال: طول منبر النبي ﷺ بما زيد فيه أربعة أذرع، ومن أسفل عتبته إلى أعلاه تسعة أذرع وشبر.
قلت: كذا رأيته بخط الزين، وضبط قوله: «تسعة أذرع» بتقديم التاء الفوقية، وهو غلط في النسخة التي وقعت له؛ لأن الذي قدمناه عن ابن زبالة إنما هو من أسفل عتبته إلى مؤخره، وقررناه بما تقدم، وإنما قضينا على ذلك بالغلط لأنه حينئذ لا يلتئم أطراف كلامه، ولأنه يقتضي أن يكون ارتفاع المنبر في الهواء تسعة أذرع، بتقديم التاء، وشبرا، فإذا قام عليه القائم يقرب من سقف المسجد، ويبعد كل البعد كون منبر في ذلك الزمان ارتفاعه هذا القدر، وأيضا فابن زبالة قد صرح بأن الذي زاده مروان ست درج، فيلزم أن يكون كل درجة ذراعا وشيئا، وهو في غاية البعد، وما نقلناه عن ابن زبالة يقرب مما ذكره ابن النجار؛ فإنه قال عقب ما قدمناه عنه في وصف منبر النبي ﷺ ما لفظه: وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر وثلاث أصابع، والدكة التي عليها من رخام طولها شبر وعقد، ومن رأسه- أي المنبر- دون دكته إلى عتبته خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع، وقد زيد فيه اليوم عتبتان وجعل عليه باب يفتح يوم الجمعة، انتهى؛ فهو قريب مما ذكره ابن زبالة من أن طول المنبر- يعني في الهواء- أربعة أذرع، وامتداده هو خاصة في الأرض من عتبته إلى مؤخره ستة أذرع، ويوافق أيضا ما ذكره الفقيه أبو الحسين محمد بن جبير من حديث القدر، فإنه قال: رأيت منبر المدينة الشريف في عام ثمان وسبعين وخمسمائة، وارتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وله باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة، وطوله- أي الباب- أربعة أشبار ونصف شبر، وهذا
стр. 304
المنبر هو الذي وصفه ابن النجار فيما يظهر؛ لأنه وضع تاريخه سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وتوفي قبل حريق المسجد سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكان احتراق المسجد كما سيأتي سنة أربع وخمسين وستمائة، وفيه احترق هذا المنبر، وفقد الناس بركته.
وقد زاد ابن جبير على ابن النجار في وصف هذا المنبر فقال: وهو مغشّى بعود الآبنوس، ومقعد رسول الله ﷺ من أعلاه ظاهر قد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه؛ فيدخل الناس أيديهم إليه ويمسحونه بها تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم، وعلى رأس رجل المنبر الأيمن حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في أصبعه إلا أنها أكبر منها، وهي لاعبة تستدير في موضعها، انتهى.
والظاهر: أن هذا المنبر غير الذي وصفه ابن زبالة لأنه لم يصفه بذلك، ويوضح ذلك ما ذكره في الطراز لسند من المالكية حيث قال: إن منبر النبي ﷺ جعل عليه منبر كالغلاف، وجعل في المنبر الأعلى طاق مما يلي الروضة، فيدخل الناس منها أيديهم يمسحون منبر النبي ﷺ ويتبركون بذلك، انتهى؛ فهذا شيء حدث بعد ابن زبالة.
وقد قال المطري: حدثني يعقوب بن أبي بكر من أولاد المجاورين، وكان أبوه أبو بكر فراشا من قوام المسجد، وهو الذي كان حريق المسجد على يده، أن المنبر الذي زاده معاوية ورفع منبر النبي ﷺ تهافت على طول الزمان، وأن بعض خلفاء بني العباس جدده، واتخذ من بقايا أعواد منبر النبي ﷺ أمشاطا للتبرك، وعمل المنبر الذي ذكره ابن النجار فيما تقدم.
قال يعقوب: سمعت ذلك من جماعة بالمدينة ممن يوثق بهم، وأن المنبر المحترق هو الذي جدده الخليفة المذكور، وهو الذي أدركه ابن النجار؛ لأن وفاته قبل الحريق.
قلت: وظاهر كلام ابن عساكر في تحفته أنه كان قد بقي من المنبر الشريف بقايا فقط إلى احتراق المسجد، وهو من أدرك حريقه، وأورد في كتابه ما ذكره شيخه ابن النجار، ولفظه: وقد احترقت بقايا منبر النبي ﷺ القديمة، وفات الزائرين لمس رمانة المنبر التي كان ﷺ يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه عليه، ولمس موضع جلوسه منه بين الخطبتين وقبلهما، ولمس موضع قدميه الشريفتين بركة عامة ونفع عائد، وفيه ﷺ عوض من كل ذاهب ودرك من كل فائت، انتهى. وهو صريح في بقاء ما ذكره إلى حين الحريق، ويؤيده ما تقدم عن رحلة ابن جبير وصاحب الطراز، بل ظفرنا بما يشهد لصحة ذلك؛ فإنه لما أراد متولي العمارة تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا على الدكة التي تقدم أن المنبر
стр. 305
كان عليها فوجدت مجوفة كالحوض، وبه عبر ابن جبير عنها، فوجدوا فيما يلي القبلة منها قطعا كثيرة من أخشاب المنبر المحترق- أعني الذي كان فيه بقايا منبر النبي ﷺ فوضعها الأقدمون في جوف ذلك المحل حرصا على البركة، وبنوا فوقها بالآجر بحيث سدوا جوف ذلك الحوض كله، فصار دكة مستوية، ووضعوا المنبر الآتي ذكره عليها، وشاهدت آثار قائمتي المنبر الشريف اللتين كان بأعلاهما رمانتاه قد نحت لهما في الحجر المحيط بالحوض المذكور على نحو ذراع وثلث من طرف باطن الحوض المذكور مما يلي القبلة، وسعة الحوض المذكور خمسة أشبار كما ذكره ابن جبير في سعة المنبر، وعرض جدار الحوض المذكور خلف المنبر نحو نصف ذراع، وقد حرصت على وضع ما وجد من تلك الأخشاب في محلها، فوضع ما بقي منها في محله من الحوض المذكور، وبنوا عليه كما سيأتي، والله أعلم.
ولما احترق المنبر المذكور في جملة الحريق أرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين منبرا له رمانتان من الصندل، فنصب في موضع منبر النبي ﷺ كما ذكره المطري فمن بعده، قال: ولم يزل يخطب عليه عشر سنين، فلما كان في سنة ست وستين وستمائة أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم أي: زمن المطري، فقلع منبر صاحب اليمن، وحمل إلى حاصل الحرم، ونصب هذا المنبر مكانه، وطوله أربع أذرع في السماء، ومن رأسه إلى عتبته سبع أذرع يزيد قليلا، وعدد درجاته تسع بالمقعد.
قال المجد: وله باب بمصراعين، في كل مصراع رمانة من فضة، ومكتوب على جانبه الأيسر اسم صانعه «أبو بكر بن يوسف النجار» وكان من أكابر الصالحين الأخيار، وهو الذي قدم بالمنبر إلى المدينة، فوضعه في موضعه، فأحسن وضعه، وأتقن نجارته وصنعته، ثم انقطع في المدينة.
قال الزين المراغي: وبقي منبر الظاهر بيبرس يخطب عليه من سنة ست وستين وستمائة إلى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، فكانت مدة الخطبة عليه مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة، فبدأ فيه أكل الأرضة؛ فأرسل الظاهر برقوق صاحب مصر هذا المنبر الموجود اليوم: أي زمن المراغي، أرسله في آخر سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وقلع منبر الظاهر بيبرس، انتهى.
قلت: ولم يزل هذا المنبر موجودا إلى ما بعد العشرين وثمان مائة، كما أخبرني به جماعة من مشايخ الحرم منهم الشيخ صالح المعمر الجمال عبد الله بن قاضي القضاة عبد الرحمن بن صالح، قال: فأرسل سلطان مصر الملك «المؤيد شيخ» هذا المنبر الموجود اليوم عام اثنين وعشرين وثمان مائة.
ثم رأيت في كلام الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر أن المنبر الموجود اليوم أرسله المؤيد
стр. 306
سنة عشرين وثمان مائة؛ فهذا هو المعتمد، لكن لم يطلع ابن حجر على ما ذكره المراغي من منبر الظاهر برقوق، وجعل إتيان منبر المؤيد هذا بدلا عن منبر الظاهر بيبرس، وكلام المراغي أولى بالاعتماد في ذلك؛ فإنه كان بالمدينة حينئذ، وعلى هذا فمدة الخطبة على منبر الظاهر برقوق ثلاث أو أربع وعشرون سنة، ثم وضع منبر المؤيد.
وأخبرني السراج النفطي أنه صنعه أهل الشام، وجاؤوا به المؤيد ليجعله بمدرسته المؤيدية، فوجدوا أهل مصر قد صنعوا لها منبرا، فجهز المؤيد منبر أهل الشام إلى المدينة الشريفة، وقال لي الجمال عبد الله بن صالح: شاهدت وضعه موضع المنبر الذي كان قبله.
قلت: ويدل على صحة ذلك ما قدمناه من اختبار ذرع ما بينه وبين المصلى الشريف؛ إذ المنقول أن بينهما أربعة عشر ذراعا وشبرا، وقد اختبرته من ناحية المصلى الشريف إلى ما حاذاه من المنبر في المغرب فكان كذلك؛ فوضعه من هذه الجهة صحيح لا شك فيه، وأما من جهة القبلة فقد قال المطري: إن المنبر الذي أدركه بينه وبين الدرابزين الذي في قبلة الروضة مقدار أربعة أذرع وربع ذراع، وقد ذكر الزين المراغي في كتابه ما ذكره المطري من الذرع، ولم يتعقبه؛ فاقتضى أن المنبر الذي تقدم وضعه في زمنه وضع موضع المنبر الذي كان في زمان المطري، وأقر أيضا قول المطري في حدود المسجد أن المنبر لم يغير عن منصبه الأول.
وقد ذكر ابن جماعة أيضا ذرع ما بين المنبر والدرابزين، وهو يعني المنبر الموجود زمن المطري، فقال: إن بينهما ثلاثة أذرع بذراع العمل، وهو أزيد مما ذكره المطري بربع ذراع راجح؛ لأن ذراع العمل كما تقدم ذراع ونصف، وكأن المطري يعني ذراع المدينة اليوم كما يؤخذ من كلام المراغي فيوافق كلام ابن جماعة، والذي بين هذا المنبر الموجود اليوم وبين الدرابزين المذكور ذراعان وثلث بذراع العمل، وذلك ثلاثة أذرع ونصف من الذراع الذي قدمنا أنه المراد عند الإطلاق؛ فيحتمل أن يكون هذا المنبر مقدم الوضع لجهة القبلة على المنبر الذي كان قبله، وهو مقتضى ما نقله الأثبات، لكني أستبعده للأخبار ممن لقيناه بوضعه موضع ذاك.
ثم تبين عند انكشاف الدكة التي تقدم ذكرها من آثار المنبر المحترق قديما ما علمنا به صواب ما ذكره المطري وغيره أن هذا المنبر مقدم الوضع على الذي قبله من جهة القبلة بما يقرب من ذراع، وكذا ظهر زيادته من جهة الشام أيضا على الدكة الأصلية المتقدم وصفها بقريب من ذراع، ووجد محرفا عنها من طرفه الشامي نحو المغرب قدر شبر لما فيها من التيامن الذي تقدمت الإشارة إليه في التنبيه الثالث من الفصل قبله، وكنت قد أيدت وضعه بكونه أقرب إلى ما ورد فيما كان بين المنبر والجدار القبلي كما سيأتي فانكشف الحق لذي
стр. 307
عينين، والذي لقيناه وأخبر بوضعه موضع المنبر الذي كان قبله هو الجمال بن صالح في آخر عمره، وكان غير تام الضبط حينئذ، وكنت قد أيدت خبره بأنا قد قدمنا إلى الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف في عرض الجدار، وأن المصلى الشريف لم يغير باتفاق، وأن منبر النبي ﷺ كان بينه وبين الجدار القبلي ممر الشاة أو ممر الرجل منحرفا، وأقصى ما قيل فيه ذراع وشيء كما قدمناه، فإذا أسقطت قدر ما بين طرف المصلى الشريف والدرابزين الذي أمامه مما بين المنبر اليوم والدرابزين المذكور وهو ثلاثة أذرع ونصف بقي ذراع، وهو نحو القدر المنقول فيما بين المنبر القديم وجدار المسجد الشريف، ثم تبين لنا مما سبق في حدود المسجد النبوي وبانكشاف المرمر الذي في قبلة المنبر تقدم الدرابزين المذكور عن ابتداء المسجد النبوي بأزيد من ذراع كما قدمناه في حدود المسجد النبوي؛ فالصواب ما ذكره المطري ومن تبعه.
وطول هذا المنبر في السماء سوى قبته وقوائمها، بل من الأرض إلى محل الجلوس، ستة أذرع وثلث، وارتفاع الخافقتين اللتين يمين المجلس وشماله ذراع وثلث، وامتداد المنبر في الأرض من جهة بابه إلى مؤخره ثمانية أذرع ونصف راجحة، وعدد درجه ثمانية، وبعدها مجلس ارتفاعه نحو ذراع ونصف، وقبته مرتفعة، ولها هلال قائم عليها مرتفع أيضا، وما أظن منبرا وضع قبله في موضعه أرفع منه، وله باب بصرعتين.
وقد احترق هذا المنبر في حريق المسجد الثاني الحادث في رمضان عام ستة وثمانين وثمان مائة، فكانت مدة الخطبة عليه نحو سبع وستين سنة.
ولما نظف أهل المدينة محله جعلوا في موضعه منبرا من آجر مطلي بالنورة، واستمر يخطب عليه إلى أثناء شهر رجب سنة ثمان وثمانين، فهدم رابع الشهر المذكور، وحفروا لتأسيس المنبر الرخام الموجود اليوم ظاهر الدكة المتقدم ذكرها، فوجدت على النحو المتقدم، ونقضوا من بعضها قريب القامة فلم يبلغوا نهايتها، ووجدوها محكمة التأسيس في الأرض، فأعادوها كما كانت، إلا ما كان فوقها من نحو أزيد من نصف ذراع من الآجر، وسوّوا ما وجد مجوفا منها كالحوض بالبناء بعد وضع ما تقدم ذكره مما وجد بمقدمها من بقايا المنبر القديم المحترق في الحريق الأول بمقدمها أيضا، وكانوا قد سألوني عن ابتداء حد المنبر القديم من جهة القبلة والروضة فأخبرتهم بذلك، وأن ذلك الحوض وما به من محل قوائم المنبر الأصلي إمام يقتدى به لموافقته ما ذكره المؤرخون قديما وحديثا، فشرعوا في وضع رخام المنبر عليها على سمت ما ظهر من الفرضة التي وجدوها في الحوض المذكور على الاستقامة من غير انحراف، وبينها وبين طرف الدكة الشرقي خمسة أصابع، لما ظهر من أن المنبر الأصلي كان بالحوض المذكور، ومشاهدة محل قوائمه نقرا في الحجر وبقايا الرصاص
стр. 308
الذي كانت القوائم مثبتة به، وما وصفه المؤرخون في أمر المنبر الأصلي شاهد لذلك، ومعلوم أن الحوض الموجود في باطن تلك الدكة لا يمكن وضع المنبر فيه إلا على الاستقامة، سيما وقد طابقت سعته ما ذكره ابن جبير في سعة المنبر الأصلي، وإحكام تلك الدكة بحيث إنهم حفروا منها قرب القامة، ولم يدركوا آخرها، وإتقان فرضتي الحوض المذكور بالرصاص، وترخيم تلك الدكة قديما، كله قاض بجعل السلف لها من أجل وضع المنبر فيها، كما صرح به المؤرخون، ولم يكن السلف مع عظيم إتقانهم يجعلونها لوضع المنبر ويحرفونها عن وضعه؛ لأن وضعها تابع لوضعه إذ جعلت من أجله، وقد كان وضعه مشاهدا لهم؛ لوجود المنبر النبوي بين أظهرهم وإتقانها وما سبق من المتقدمين في ذكر ترخيمها شاهد بعملها في عمارة عمر بن عبد العزيز للمسجد إن لم يكن من زمن معاوية ﵁ عند تحريكه المنبر كما سبق، ولم أرتب عند مشاهدتها في وضع المنبر بها كذلك، وتيامن حوضها الذي كان المنبر به يسير جدا لا يخرج صدر المستقبل عن القبلة، وقد أشار يحيى فيما قدمناه عنه في التنبيه الثالث إلى تصويب وضعه، وأيضا فقد يكون النبي ﷺ وضعه متيامنا لما أوضحناه في الرسالة الموسومة بالنصيحة، والمنبر جماد ليس بمصل حتى يحرر أمره في الاستقبال ويترك ما وجد من حدوده الأصلية المجمع عليها في الأعصر الماضية المترتب عليها حدود الروضة الشريفة، فشرعوا في وضع رخام المنبر المذكور على النحو الذي ذكرته، غير أنهم جعلوا جداره من جهة القبلة على الأحجار التي خلف الحوض من جهة القبلة؛ لاقتضاء نظرهم ذلك، ولو كان لي من الأمر شيء ما وافقت عليه.
ثم وقع من بعض ذوي النفوس ما أوضحناه في الرسالة الموسومة (بالنصيحة الواجبة القبول، في بيان وضع منبر الرسول) ﷺ .
والحاصل: أنهم نقضوا ما سبق، وزادوا خلف أحجار الحوض المذكور نحو ربع ذراع العمل حتى ساوى ذلك محل المنبر المحترق من جهة القبلة، وحرفوه على تلك الدكة لجهة المغرب أزيد من تحريف المنبر المحترق، وجعلوا هذا المنبر في محل المحترق من جهة القبلة ومساو لطرفها الشرقي مما يلي القبلة أيضا، وزعموا أنه لا يعول على كلام من قدمناه من الأئمة، ويتحرر مما سبق أنه مقدم على محل المنبر الأصلي لجهة القبلة بعشرين قيراطا من ذراع الحديد، وهو نحو ذراع اليد، وأن المنبر النبوي لم يقع في محله نغير إلا من تاريخ وضع المنبر المحترق في زماننا لأنه خفي على واضعه ما في جوف الدكة المذكورة، ولم يدركه أحد من مؤرخي المدينة، وكان مفرط الطول بحيث كان قاطعا للصف الباقي من الروضة، وقد اقتدى به واضع هذا المنبر لكونه من آبائه، ولم يبال ولي الأمر بتفويته المنقبة العظيمة في إعادة وضع منبر الرسول ﷺ على ما كان عليه، وهذا المنبر- أعني الرخام- أقصر من امتداد المنبر المحترق في الأرض بنحو ثلاثة أرباع ذراع، وعدد درجه مع مجلسه كالمحترق، ومحل عود
стр. 309
المنبر الأصلي منه مما يلي الروضة وهو الذي كان بأعلاه رمانة المنبر النبوي قبل عمود هذا المنبر بأزيد من قيراط، وذلك على نحو ذراعين وشيء من طرف المنبر المذكور من القبلة.
وقد اشتهر محله من أحجار الدكة المذكورة بسبب تحريف المنبر المذكور بحيث تغيرت حدود الروضة الشريفة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كسوة المنبر
وفي يوم الجمعة يجعل على باب المنبر ستر من حرير أسود مرقوم بحرير أبيض وقد قدمنا أول من كسا المنبر.
وأسند ابن زبالة عن هشام بن عروة أن ابن الزبير كان يلبس منبر النبي ﷺ القباطي فسرقت امرأة قبطية فقطعها، وقال ابن النجار: ولم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوبا من الحرير الأسود له علم ذهب يكسى به المنبر، قال: ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم.
ستور الأبواب كسوة الحجارة
قلت: قد استقر الأمر بعد قتل الخليفة المستعصم على حمل الكسوة من مصر كما قاله الزين المراغي قال: والأبواب مستقلة اليوم بستور، قال: وإنما يظهرونها في أوقات المهمات كقدوم أمير المدينة، وذكر ما سيأتي في كسوة الحجرة من وقف قرية بمصر على ذلك وعلى كسوة الكعبة الشريفة؛ فالكعبة تكسي كل عام مرة، والحجرة والمنبر في كل ست سنين مرة.
وقال المجد: والمنبر يحمل له في كل سبعة أعوام أو نحوها من الديار المصرية كسوة معظمة ملوكية يكساها من الجمعة إلى الجمعة، ورايتان سوداوان ينسجان أبدع نسج يرفعان أمام وجه الخطيب في جانبي المنبر قريبا من الباب.
قلت: في زماننا تمضي السبع سنين والعشر وأكثر من ذلك ولا تصل كسوة، والذي يجعل اليوم على المنبر إنما هو الستر المتقدم ذكره مع الرايتين اللتين ذكرهما المجد، والله أعلم.
الفصل الخامس في فضائل المسجد الشريف
قال الله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨] .
المسجد الذي أسس على التقوى
روينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال:
فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة.
стр. 310
ولأحمد والترمذي من وجه آخر عن أبي سعيد: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبي ﷺ ، فسألاه عن ذلك، فقال: هو هذا، وفي ذلك- يعني مسجد قباء- خير كثير، وأخرجه أحمد من وجه آخر مرفوعا، وفي العتبية عن مالك ما لفظه: وقال: المسجد الذي ذكر الله أنه أسس على التقوى من أول يوم الآية هو مسجد رسول الله ﷺ هذا، أي مسجد المدينة، ثم قال: أين كان يقوم رسول الله ﷺ ؟ أليس في هذا؟ ويأتونه أولئك من هنالك.
وقد قال الله : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] فإنما هو مسجد رسول الله ﷺ .
وقد قال عمر بن الخطاب: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ أو سمعته يريد أن يقدم القبلة، وقال عمر بيده هكذا، ما قدمتها، ثم قدمها عمر موضع المقصورة الآن، انتهى.
قال ابن رشد في بيانه: ما ذهب إليه مالك مروى عن النبي ﷺ ، وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء، فاستدلوا بما روي أن الآية لما نزلت قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم خيرا، الحديث، قال: ولا دليل فيه؛ لأن أولئك كانوا في مسجد رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم، قال: واستدلال مالك بقول عمر المتقدم ظاهر؛ لأن الله تعالى لما ذكر فيه أنه أسس على التقوى لم يستجز نقض بنائه وتبديل قبلته، إلا بما سمع من رسول الله ﷺ في ذلك ورآه قد أراد أن يفعله.
قلت: ما ذكره مالك من كون مسجد المدينة هو المراد هو ظاهر ما قدمناه، لكن قوله تعالى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يقضي أنه مسجد قباء؛ لأنه ليس المراد أول أيام الدنيا، بل أول أيام حلوله ﷺ بدار الهجرة، وذلك هو مسجد قباء إلا أن يدعى أن النبي ﷺ شرع في تأسيس مسجد المدينة أيضا من أول يوم قدومه لها، أو يقال: المراد من أول يوم تأسيسه، وسيأتي في مسجد قباء أشياء صريحة في أنه المراد؛ فتعين الجمع بأن كلا منهما يصدق عليه أنه أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه كما هو معلوم، وأنهما المراد من الآية، لكن يشكل عليه كون النبي ﷺ أجاب عند السؤال عن ذلك بتعيين مسجد المدينة، وجوابه أن السر في ذلك أنه ﷺ أراد به رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء كما هو ظاهر ما فهمه السائل، وتنويها بمزية مسجده الشريف لمزيد فضله، والله أعلم.
فضل مسجد رسول الله ﷺ
وفي الصحيحين حديث أبي هريرة «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» .
وعند مسلم: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء» .
стр. 311
وعند أبي داود بلفظ: «ومسجدي هذا» .
وفي الكبير والأوسط للطبراني برجال ثقات عن ابن عمر، وبرجال الصحيح عن أبي الجعد الضّمري «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، وذكر نحو رواية الصحيحين.
وفي صحيح ابن حبان ومسند أحمد والأوسط للطبراني وإسناده حسن من حديث جابر: «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق» .
وهو عند البزار بلفظ: «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم ومسجد محمد ﷺ » ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثقه غير واحد.
فضل الصلاة في مسجد الرسول ﷺ في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في ما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» هذا لفظ البخاري، زاد مسلم: «فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد» .
قلت: يريد آخر مساجد الأنبياء كما نقله المحب الطبري عن أبي حاتم، وإلا فهو من أول مساجد هذه الأمة، وإذا كانت الألف واللام هنا لمعهود- وهو مساجد الأنبياء- فالألف واللام أيضا في قوله «فيما سواه من المساجد» للعهد، والمراد مساجد الأنبياء؛ فيتحصل من معناه أن الصلاة في مسجده أفضل من الصلاة في سائر مساجد الأنبياء بألف صلاة إلا المسجد الحرام؛ فيقتضي ذلك أن تكون الصلاة بمسجده أفضل من ألف صلاة في بيت المقدس؛ لأنه من جملة مساجد الأنبياء، ولم يستثن، ويدل على ذلك ما رواه البزار عن أبي سعيد قال: ودّع رسول الله ﷺ رجل فقال له: أين تريد؟ قال: أريد بيت المقدس، فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وأسنده يحيى بزيادة تسمية الرجل فقال: عن الأرقم أنه تجهز يريد بيت المقدس، فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبي ﷺ يودعه، وقال فيه: فجلس الأرقم ولم يخرج، وأسنده ابن النجار عن الأرقم بلفظه: إنني أريد الخروج إلى بيت المقدس، قال ﷺ : ولم؟ قلت: للصلاة فيه، قال: هاهنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة، ورواه الطبراني برجال ثقات عن الأرقم بلفظ: صلاة هاهنا خير من ألف صلاة ثم.
وقد روى أبو يعلى برجال ثقات عن ميمونة قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، قال: أرض المحشر، وأرض المنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة- أي في غيره من مساجد الأنبياء قبله، ومساجد غير الأنبياء ما عدا المسجدين- لقيام الدليل على ذلك؛ فتكون الصلاة بمسجد المدينة خيرا من ألف ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فأما المسجد الأقصى فإنها أفضل من ألف صلاة فيه
стр. 312
فقط، ولا يعلم قدر زيادتها في الفضل على ذلك إلا الله تعالى، ولمثل هذا تضرب آباط الإبل، وتستحق الرحلة، ولا يعكر على ذلك ما رواه أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة وعائشة قالا: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الأقصى» لأن المحفوظ إنما هو استثناء المسجد الحرام، وحديث أبي هريرة في الصحيح خلا قوله: «إلا المسجد الأقصى» وهو معارض بما تقدم، ولأن الهيثمي أورده في مجمع الزوائد ثم قال: رواه أحمد، وأعاده بعد هذا بسنده فقال: إلا المسجد الحرام، فاتضح بذلك ما قلناه.
وأما المسجد الحرام فاختلف الناس في معنى استثنائه، فذهب مالك في رواية أشهب عنه- وقاله ابن نافع صاحبه وجماعة من أصحابه- إلى أن معنى الاستثناء أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، وذهب بعضهم إلى أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة، وحمل على ذلك الاستثناء في الحديث المتقدم، واحتجوا برواية سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر بن الخطاب ﵁: «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في ما سواه» فيأتي فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة، وعلى غيره بألف، وتعقّب بأن المحفوظ بالإسناد المتقدم «صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الرسول فإنما فضله عليه بمائة صلاة» .
قلت: وروى الطبراني في الأوسط عن عائشة مرفوعا: «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في غيره» لكن فيه سويد بن عبد العزيز، قال البخاري: في حديثه نظر لا يحتمل، وقد صح ما يقتضي رد ما ذهب إليه هؤلاء؛ فقد روى أحمد والبزار وابن خزيمة برجال الصحيح من طريق حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا» زاد ابن خزيمة: «يعني في مسجد المدينة» لكن لفظ البزار: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عيه بمائة» وهي محتملة لأن يكون الضمير في «فإنه يزيد» لمسجده أو للمسجد الحرام، وقد صحح ابن عبد البر حديث أحمد، وقال: هو الحجة عند التنازع، نص في موضع الخلاف، قاطع له عند من ألهم رشده، ولم تمل به العصبية، قال: ولا مطعن فيه إلا لمتعسف لا يعرج على قوله في حبيب، وقد كان الإمام أحمد يمدحه، ويوثقه، ويثنى عليه، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، ولم يرو عنه القطان، وروى عنه أئمة ثقات يقتدى بهم، ومنهم من أعله باختلاف على عطاء؛ لأن قوما يروونه عنه عن ابن
стр. 313
الزبير، وآخرين يروونه عنه عن ابن عمر، وآخرين عنه عن جابر، ومن العلماء من يجعل مثل هذا علة في الحديث، وليس كذلك؛ لأنه يمكن أن يكون عن عطاء عنهم، والواجب ألايدفع خبر نقله العدول إلا بحجة.
قال البزار: هذا الحديث قد روى عن عطاء، واختلف على عطاء فيه، ولا نعلم أحدا قال بأنه يزيد على مسجد المدينة مائة إلا ابن الزبير، وقد تابع حبيبا المعلم الربيع بن صبيح؛ فرواه عن عطاء عن ابن الزبير، ورواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن جريح عن عطاء بن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة، ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة، انتهى.
وقال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: إسناده صالح، ولم يخرجه أصحاب السنن.
قلت: هذا أمر آخر، وهو أن الحديث المذكور لما اختلف لفظه على وجهين أحدهما ليس نصا في الدلالة كما قدمناه احتمل أن تكون الرواية في الواقع به، ومن رواه بالوجه الآخر رواه بالمعنى بحسب فهمه، إلا أن وروده من الطرق الآخرى بذلك اللفظ توهن هذا الاحتمال، وعلى تقدير ثبوته فهو من ابن الزبير، وهو أعرف بفهم مرويه؛ لأن عبد الرزاق روى عن ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن عتيق وعطاء عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول: «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه» ويشير إلى مسجد المدينة، وقد قال ابن عبد البر: إن رجال إسناد حديث ابن عمر علماء أجلاء، ورواه ابن وضاح عن ابن الزبير من كلام عمر بن الخطاب بنفسه، قال ابن حزم: وسنده كالشمس في الصحة، وروى ابن أبي خيثمة عن أبيه حدثنا مسلم عن الحجاج عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال:
الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النبي ﷺ بمائة ضعف، قال: فنظرنا فإذا هي تفضل على سائر المساجد بمائة ألف صلاة، قال ابن عبد البر وابن حزم: فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي ﷺ ، ولا مخالف لهما من الصحابة؛ فصار كالإجماع منهم على ذلك.
وفي ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» وفي بعض النسخ: «من مائة صلاة فيما سواه» فعلى الأول معناه فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة لما تقدم عن جابر.
قلت: وقد روى يحيى حديث الصحيحين المتقدم عن جبير بن مطعم بلفظ: «إن صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد غير الكعبة» وفي رواية النسائي وغيره «إلا مسجد الكعبة» ولهذا ذهب بعضهم إلى أن المراد من المسجد الحرام
стр. 314
الكعبة، وبه قال العمراني من أصحابنا وغيره، وروى البزار عن عائشة حديث: «أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل المسجد الحرام ومسجدي، وصلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» .
وروى ابن ماجه مرفوعا برجال ثقات إلا أبا الخطاب الدمشقي فهو مجهول: «صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» وهو يقتضي أن الصلاة بمسجد المدينة مساوية لمسجد بيت المقدس، وأنهما معا على النصف من الصلاة بالمسجد الحرام، وهو مخالف لما في الصحيح، مع أن مفهوم العدد ليس بحجة؛ فلا ينفي ما ثبت من الزيادة لمسجد المدينة على مسجد بيت المقدس سيما بالطريقة التي قدمناها.
وفي الطبراني- وهو حسن، وفي بعض رجاله كلام- عن أبي الدرداء مرفوعا: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» ورواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه، والبزار وحسنه، وقال المجد: أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، قال: ولا نعلم حديثا يشتمل على فضيلة الصلاة بالمساجد الثلاثة خصوصا «١» سواه مما يصح عند الاعتبار معناه.
قلت: لم أره في الترمذي، وقد ساقه ابن عبد البر محتجا به، وهو غير مانع مما قدمناه من كون الصلاة بمسجد المدينة أفضل من ألف صلاة بمسجد بيت المقدس؛ لأن العدد لا ينفي الزائد، وكذا حديث الأوسط للطبراني برجال الصحيح عن أبي ذر: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيما أفضل مسجد رسول الله ﷺ أو بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ :
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو» وقد يقال في ذلك كما قيل في نظائره من احتمال أنه ﷺ أخبر أولا ببعض ذلك بحسب ما أوحى إليه، ثم أعلم بالزيادة، ويكون حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شيء، ومحصله ما قررناه من الأخذ بالزائد، ويحتمل أن ينزل تلك الأعداد على اختلاف الأحوال؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى غير نهاية.
стр. 315
هل فضل الصلاة في المساجد الثلاثة يختص بالفرض ؟
ونقل الزركشي في أعلام المساجد عن الكبير للطبراني بسند فيه مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بعشرة أمثالها مائة ألف صلاة، وصلاة الرجل في بيت المقدس بألف صلاة، وصلاة الرجل في بيته حيث لا يراه أحد أفضل من ذلك كله» .
قلت: وهو ضعيف، ولم يورده الهيثمي في مجمعه في فضل الصلاة في المساجد الثلاث.
وهذه المضاعفة المذكورة في هذه المساجد لا تختص بالفريضة، بل تعم الفرض والنفل، كما قال النووي في شرح مسلم إنه المذهب.
قال الزركشي: وهو لازم تعليل الأصحاب استثناء النفل بمكة في الأوقات المكروهة بمزيد الفضيلة.
وقال الطحاوي من الحنفية: هو مختص بالفرض، وفعل النوافل بالبيت أفضل، وإليه ذهب ابن أبي زيد من المالكية، وهو المرجح عندهم، وفرق بعضهم بين أن يكون المسجد خاليا أم لا.
فإن قيل: كيف تقولون إن المضاعفة تعم الفرض والنفل وقد تطابقت الأصحاب ونص الحديث الصحيح على أن فعل النافلة في بيت الإنسان أفضل؟
قلنا: لا يلزم من المضاعفة في المسجد أن يكون أفضل من البيت كما قاله الزركشي وغيره، وغاية الأمر أن يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل، ولا يلزم من ذلك جعله أفضل؛ فإن للأفضل مزايا إن كان للمفضول مزية، ولهذا بحث التاج السبكي مع أبيه في صلاة الظهر بمنى يوم النحر إذا جعلنا منى خارجة عن محل المضاعفة: هل يكون أفضل من صلاتها في المسجد لأنه ﷺ فعلها بمعنى يومئذ أو في المسجد للمضاعفة؟ فقال والده: بل في منى وإن لم يحصل بها المضاعفة؛ فإن في الاقتداء بأفعال النبي ﷺ ما يربو على المضاعفة، على أن الحافظ ابن حجر ذكر ما يقتضي إثبات المضاعفة للتنفل في البيوت بالمدينة ومكة، عملا بعموم قوله ﷺ : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» فقال: وقد تقدم النقل عن الطحاوي وغيره أن ذلك- يعني التضعيف- مختص بالفرائض؛ لحديث: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه؛ فتكون النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا.
стр. 316
مرجع مضاعفة فضل الصلاة
ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب بتلك الأعداد، لا إلى الإجزاء، باتفاق العلماء كما نقله النووي وغيره؛ فلو كانت صلوات فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، وقد أوهم كلام أبي بكر النقاش في تفسيره خلاف ذلك؛ فإنه قال: حسبت الصلاة في المسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمسة وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، اه. وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة والسواك ونحوه، لكن هل تجمع التضعيفات أولا؟ محل بحث.
هل يختص التضعيف بالصلاة ؟
قلت: وينبغي ألايختص هذا التضعيف بالصلاة، بل سائر أنواع الطاعات كذلك قياسا على ما ثبت في الصلاة، كما صرحوا به في مسجد مكة المشرفة، وصرح به فيما يتعلق بالمدينة صاحب الانتصار أبو سليمان داود من المالكية، ثم رأيته في كلام الغزالي في الإحياء كما قدمناه في فضل الخصائص، ويشهد له ما في الكبير للطبراني عن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ : «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان» ونقل المجد عن أبي الفرج الأموي أنه أخرجه بسنده عن ابن عمر.
قلت: ورواه ابن الجوزي في شرف المصطفى عن ابن عمر أيضا بلفظ: «صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها، وصلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها» .
وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام» ورواه أيضا عن ابن عمر بنحوه.
وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فإذا ضمت إلى ما قدمناه من القياس على الصلاة ثم الاستدلال، وقد قدمنا في حدود مسجده ﷺ الخلاف المذكور في المراد بقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا» ، وترجيح أن ذلك يتناول ما زيد فيه.
وروى أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات عن أنس بن مالك حديث: «من صلى
стр. 317
في مسجدي أربعين صلاة» زاد الطبراني: «لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبرئ من النفاق» . تقدم هذا الحديث بدون زيادة الطبراني، وهو عند الترمذي بغير هذا اللفظ.
وروى ابن المنذر وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي فرجل تكتب حسنة ورجل تحط عنه خطيئة» .
وقال البيهقي بعد ذكر حديث فضل مسجد قباء ما لفظه: ورواه يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي ﷺ ، وزاد: «ومن خرج على طهر لا يريد إلا مسجدي هذا- يريد مسجد المدينة- ليصلي فيه كانت بمنزلة حجة» وقد أسند ذلك ابن زبالة ومن طريقه ابن النجار عن سهل أيضا، وفي إسناده طهمان أيضا، وهو ضعيف عند البخاري وابن عدي، وذكره ابن حبان في الثقات، ولفظ ابن زبالة: «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» وأسند هو ويحيى عن سهل بن سعد حديث: «من دخل مسجدي هذا يتعلم فيه خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره» وفي رواية لهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: «من دخل مسجدي هذا لا يدخله إلا ليعمل خيرا أو يتعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان بمنزلة من يرى ما يعجبه وهو في يدي غيره» .
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» ورواه الطبراني من حديث سعد مرفوعا بمعناه، إلا أنه قال: «من دخل مسجدي ليتعلم خيرا أو ليعلمه» ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ الطبراني لكن من حديث أبي هريرة.
وأسند ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ «من دخل مسجدى هذا لصلاة أو لذكر الله أو يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله» ولم يجعل ذلك لمسجد غيره، وعند يحيى أيضا عن كعب أنه قال: «ما من مؤمن يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو أو لا يروح إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه أو يذكر الله أو يذكّر به إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الجهاد في سبيل الله، وما من رجل يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو ولا يروح إلا لأخبار الناس وأحاديثهم إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الرجل يرى الشيء يعجبه ويرى المصلين وليس منهم، ويرى الذاكرين وليس منهم» ، وعنده أيضا عن أبي سعيد المقبري عن الثقة أن النبي ﷺ قال: «لا إخال إلا أن لكل رجل منكم
стр. 318
مسجدا في بيته» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «فو الله لو صليتم في بيوتكم لتركتم مسجد نبيكم، ولو تركتم مسجد نبيكم لتركتم سننه، ولو تركتم سننه إذا لضللتم» .
وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: «من أكل من هذه الشجرة- يعني: الثوم- فلا يقربن مسجدنا» .
قال الكرماني: قال التيمي: قال بعضهم: النهي إنما هو عن مسجد الرسول ﷺ خاصة، من أجل ملائكة الوحي، والأكثر على أنه عام، انتهى. وقد حكى ابن بطال القول بالاختصاص عن بعض أهل العلم ووهّاه، والله أعلم.
الفصل السادس في فضل المنبر المنيف، والروضة الشريفة
روينا في الصحيحين حديث عبد الله بن زيد المازني ﵁: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» زاد البخاري من حديث أبي هريرة: «ومنبري على حوضي» .
وروى أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه علي بن زيد وقد وثق عن جابر بن عبد الله مرفوعا:
«ما بين بيتي إلى منبري روضة من رياض الجنة، وإن منبري على ترعة من ترع الجنة» .
وروى أحمد برجال الصحيح عن سهل بن سعد مرفوعا: «منبري على ترعة من ترع الجنة» وفيه تفسير الترعة بالباب، وقيل: الترعة الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، وقيل: الدرجة.
ورواه يحيى عن أبي هريرة وغيره بلفظ: «على رتعة من رتع الجنة» وكذا هو في رواية لرزين، وظنه بعضهم تصحيفا فكتب في هامشه «صوابه ترعة» وليس كذلك، بل معناه صحيح؛ إذ الرتع الاتساع في الخصب، والرّتعة- بسكون التاء وفتحها- الاتساع في الخصب، وكل مخصب مرتع.
وفي الحديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» ، وروى البزار عن معاذ بن الحارث نحوه.
وفي الكبير للطبراني من طريق يحيى الحماني وهو ضعيف عن أبي واقد الليثي مرفوعا:
«قوائم منبري رواتب في الجنة» ورواه ابن عساكر وابن النجار ويحيى عن أم سلمة، وقال المجد: أخرجه عنها النسائي، وفي رواية لابن عساكر: «وضعت منبري هذا على ترعة من ترع الجنة» .
وأسند يحيى عن أبي المعلى الأنصاري وكانت له صحبة أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: «إن قدمي على ترعة من ترع الجنة» .
стр. 319
وعن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو قائم على منبره: «أنا قائم الساعة على عقر حوضي» وفي رواية له: «إني على الحوض الآن» .
وأسند ابن زبالة عن نافع بن جبير عن أبيه حديث: «أحد شقي المنبر على عقر الحوض، فمن حلف عنده على يمين فاجرة يقتطع بها حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار» قال: وعقر الحوض من حيث يصب الماء في الحوض.
وفي سنن أبي داود من حديث جابر مرفوعا: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار» ، ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه.
وروى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا: «من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» .
وفي الأوسط للطبراني وفيه ابن لهيعة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «منبري على ترعة من ترع الجنة، وما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة» .
وفي الصحيحين حديث ابن عمر: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» .
وروى أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد حديث: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» .
وروى البزار برجال ثقات عن سعد بن أبي وقاص حديث: «ما بين بيتي ومنبري، أو قبري ومنبري، روضة من رياض الجنة» وفي الأوسط للطبراني وفيه متروك عن أنس بن مالك حديث: «ما بين حجرتي ومصلاي روضة من رياض الجنة» وفي رواية لابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها «ما بين منبري والمصلى» وفي رواية «ما بين مسجدي إلى المصلى روضة من رياض الجنة» ورواه أبو طاهر بن المخلص في انتقائه ويحيى في أخبار المدينة بلفظ: «ما بين بيتي ومصلاي روضة من رياض الجنة» قال جماعة: المراد به مصلى العيد، وقال آخرون: مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد، كذا قاله الخطابي.
قلت: ويؤيد الأول أن في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى عقب الحديث المذكور ما لفظه: قال أبي: سمعت غير واحد يقولون: إن سعدا لما سمع هذا الحديث من النبي ﷺ بنى داره فيما بين المسجد والمصلى، وكذا ما سيأتي في مصلى العيد من رواية ابن شبة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص.
قلت: وهو شاهد لما سيأتي من عموم الروضة لجميع مسجد النبي ﷺ ، ولما زيد فيه من جهة المغرب.
стр. 320
وروى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند برجال الصحيح إلا أن فيهم فليحا- وقد روى له الجماعة، وقال الحاكم: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، وقال الساجي: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: فليح يختلفون فيه، وقال بعضهم: إنه كثير الخطأ- عن عبد الله بن زيد المازني قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين هذه البيوت- يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة، والمنبر على ترعة من ترع الجنة» .
معنى كون المنبر على الحوض
وقد اختلف في معنى ذلك؛ فقال الخطابي: معنى قوله: «ومنبري على حوضي» أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض ويوجب الشرب منه، وهذا قول الباقي، والثاني: أن منبره الذي كان يقوم عليه ﷺ يعيده الله كما يعيد سائر الخلائق، ويكون على حوضه في ذلك اليوم، واعتمد ذلك ابن النجار، وحكى ابن عساكر القول بأن المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا، ثم قال: وهو أظهر، وعليه أكثر الناس، فتبع شيخه ابن النجار في ذلك، والثالث أن المراد منبر يخلقه الله تعالى له في ذلك اليوم، ويجعله على حوضه.
قلت: ويظهر لي معنى رابع، وهو أن البقعة التي عليها المنبر تعاد بعينها في الجنة، ويعاد منبره ذلك على هيئة تناسب ما في الجنة؛ فيجعل المنبر عليها عند عقر الحوض، وهو مؤخره، وعن ذلك عبر بترعة من ترع الجنة، وذكر النبي ﷺ ذلك لأمته للترغيب في العمل في هذا المحل الشريف ليفضي بصاحبه إلى ذلك، وهذا في الحقيقة جمع بين القولين الأولين، وسيأتي في الزيارة ما ذكره ابن عساكر من أن الزائر يأتي المنبر الشريف، ويقف عنده، ويدعو.
معنى أن الروضة من رياض الجنة
واختلفوا أيضا في معنى ما جاء في الروضة الشريفة، قال الحافظ ابن حجر: محصل ما أول به العلماء ذلك أن تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده ﷺ ؛ فيكون مجازا، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازا أيضا، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنها روضة حقيقة بأن ينقل ذلك الموضع إلى الجنة؛ ثم قال: وهذه الأقوال على ترتيبها هذا في القوة، وهو محتمل لتقوية الأول أو الأخير، والأخير أقواها عندي، وهو الذي ذهب إليه ابن النجار، ونقله البرهان ابن فرحون في منسكه عن ابن الجوزي وغيره عن مالك، فقال:
وقوله: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» حمله مالك ﵀ على ظاهره، فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إلى الجنة، وأنها ليست كسائر