مرجع مضاعفة فضل الصلاة
ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب بتلك الأعداد، لا إلى الإجزاء، باتفاق العلماء كما نقله النووي وغيره؛ فلو كانت صلوات فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، وقد أوهم كلام أبي بكر النقاش في تفسيره خلاف ذلك؛ فإنه قال: حسبت الصلاة في المسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمسة وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، اه. وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة والسواك ونحوه، لكن هل تجمع التضعيفات أولا؟ محل بحث.
هل يختص التضعيف بالصلاة ؟
قلت: وينبغي ألايختص هذا التضعيف بالصلاة، بل سائر أنواع الطاعات كذلك قياسا على ما ثبت في الصلاة، كما صرحوا به في مسجد مكة المشرفة، وصرح به فيما يتعلق بالمدينة صاحب الانتصار أبو سليمان داود من المالكية، ثم رأيته في كلام الغزالي في الإحياء كما قدمناه في فضل الخصائص، ويشهد له ما في الكبير للطبراني عن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ : «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان» ونقل المجد عن أبي الفرج الأموي أنه أخرجه بسنده عن ابن عمر.
قلت: ورواه ابن الجوزي في شرف المصطفى عن ابن عمر أيضا بلفظ: «صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها، وصلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها» .
وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام» ورواه أيضا عن ابن عمر بنحوه.
وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فإذا ضمت إلى ما قدمناه من القياس على الصلاة ثم الاستدلال، وقد قدمنا في حدود مسجده ﷺ الخلاف المذكور في المراد بقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا» ، وترجيح أن ذلك يتناول ما زيد فيه.
وروى أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات عن أنس بن مالك حديث: «من صلى
стр. 317
في مسجدي أربعين صلاة» زاد الطبراني: «لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبرئ من النفاق» . تقدم هذا الحديث بدون زيادة الطبراني، وهو عند الترمذي بغير هذا اللفظ.
وروى ابن المنذر وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي فرجل تكتب حسنة ورجل تحط عنه خطيئة» .
وقال البيهقي بعد ذكر حديث فضل مسجد قباء ما لفظه: ورواه يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي ﷺ ، وزاد: «ومن خرج على طهر لا يريد إلا مسجدي هذا- يريد مسجد المدينة- ليصلي فيه كانت بمنزلة حجة» وقد أسند ذلك ابن زبالة ومن طريقه ابن النجار عن سهل أيضا، وفي إسناده طهمان أيضا، وهو ضعيف عند البخاري وابن عدي، وذكره ابن حبان في الثقات، ولفظ ابن زبالة: «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» وأسند هو ويحيى عن سهل بن سعد حديث: «من دخل مسجدي هذا يتعلم فيه خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره» وفي رواية لهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: «من دخل مسجدي هذا لا يدخله إلا ليعمل خيرا أو يتعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان بمنزلة من يرى ما يعجبه وهو في يدي غيره» .
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» ورواه الطبراني من حديث سعد مرفوعا بمعناه، إلا أنه قال: «من دخل مسجدي ليتعلم خيرا أو ليعلمه» ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ الطبراني لكن من حديث أبي هريرة.
وأسند ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ «من دخل مسجدى هذا لصلاة أو لذكر الله أو يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله» ولم يجعل ذلك لمسجد غيره، وعند يحيى أيضا عن كعب أنه قال: «ما من مؤمن يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو أو لا يروح إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه أو يذكر الله أو يذكّر به إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الجهاد في سبيل الله، وما من رجل يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو ولا يروح إلا لأخبار الناس وأحاديثهم إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الرجل يرى الشيء يعجبه ويرى المصلين وليس منهم، ويرى الذاكرين وليس منهم» ، وعنده أيضا عن أبي سعيد المقبري عن الثقة أن النبي ﷺ قال: «لا إخال إلا أن لكل رجل منكم
стр. 318
مسجدا في بيته» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «فو الله لو صليتم في بيوتكم لتركتم مسجد نبيكم، ولو تركتم مسجد نبيكم لتركتم سننه، ولو تركتم سننه إذا لضللتم» .
وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: «من أكل من هذه الشجرة- يعني: الثوم- فلا يقربن مسجدنا» .
قال الكرماني: قال التيمي: قال بعضهم: النهي إنما هو عن مسجد الرسول ﷺ خاصة، من أجل ملائكة الوحي، والأكثر على أنه عام، انتهى. وقد حكى ابن بطال القول بالاختصاص عن بعض أهل العلم ووهّاه، والله أعلم.
الفصل السادس في فضل المنبر المنيف، والروضة الشريفة
روينا في الصحيحين حديث عبد الله بن زيد المازني ﵁: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» زاد البخاري من حديث أبي هريرة: «ومنبري على حوضي» .
وروى أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه علي بن زيد وقد وثق عن جابر بن عبد الله مرفوعا:
«ما بين بيتي إلى منبري روضة من رياض الجنة، وإن منبري على ترعة من ترع الجنة» .
وروى أحمد برجال الصحيح عن سهل بن سعد مرفوعا: «منبري على ترعة من ترع الجنة» وفيه تفسير الترعة بالباب، وقيل: الترعة الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، وقيل: الدرجة.
ورواه يحيى عن أبي هريرة وغيره بلفظ: «على رتعة من رتع الجنة» وكذا هو في رواية لرزين، وظنه بعضهم تصحيفا فكتب في هامشه «صوابه ترعة» وليس كذلك، بل معناه صحيح؛ إذ الرتع الاتساع في الخصب، والرّتعة- بسكون التاء وفتحها- الاتساع في الخصب، وكل مخصب مرتع.
وفي الحديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» ، وروى البزار عن معاذ بن الحارث نحوه.
وفي الكبير للطبراني من طريق يحيى الحماني وهو ضعيف عن أبي واقد الليثي مرفوعا:
«قوائم منبري رواتب في الجنة» ورواه ابن عساكر وابن النجار ويحيى عن أم سلمة، وقال المجد: أخرجه عنها النسائي، وفي رواية لابن عساكر: «وضعت منبري هذا على ترعة من ترع الجنة» .
وأسند يحيى عن أبي المعلى الأنصاري وكانت له صحبة أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: «إن قدمي على ترعة من ترع الجنة» .
стр. 319
وعن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو قائم على منبره: «أنا قائم الساعة على عقر حوضي» وفي رواية له: «إني على الحوض الآن» .
وأسند ابن زبالة عن نافع بن جبير عن أبيه حديث: «أحد شقي المنبر على عقر الحوض، فمن حلف عنده على يمين فاجرة يقتطع بها حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار» قال: وعقر الحوض من حيث يصب الماء في الحوض.
وفي سنن أبي داود من حديث جابر مرفوعا: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار» ، ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه.
وروى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا: «من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» .
وفي الأوسط للطبراني وفيه ابن لهيعة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «منبري على ترعة من ترع الجنة، وما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة» .
وفي الصحيحين حديث ابن عمر: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» .
وروى أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد حديث: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» .
وروى البزار برجال ثقات عن سعد بن أبي وقاص حديث: «ما بين بيتي ومنبري، أو قبري ومنبري، روضة من رياض الجنة» وفي الأوسط للطبراني وفيه متروك عن أنس بن مالك حديث: «ما بين حجرتي ومصلاي روضة من رياض الجنة» وفي رواية لابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها «ما بين منبري والمصلى» وفي رواية «ما بين مسجدي إلى المصلى روضة من رياض الجنة» ورواه أبو طاهر بن المخلص في انتقائه ويحيى في أخبار المدينة بلفظ: «ما بين بيتي ومصلاي روضة من رياض الجنة» قال جماعة: المراد به مصلى العيد، وقال آخرون: مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد، كذا قاله الخطابي.
قلت: ويؤيد الأول أن في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى عقب الحديث المذكور ما لفظه: قال أبي: سمعت غير واحد يقولون: إن سعدا لما سمع هذا الحديث من النبي ﷺ بنى داره فيما بين المسجد والمصلى، وكذا ما سيأتي في مصلى العيد من رواية ابن شبة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص.
قلت: وهو شاهد لما سيأتي من عموم الروضة لجميع مسجد النبي ﷺ ، ولما زيد فيه من جهة المغرب.
стр. 320
وروى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند برجال الصحيح إلا أن فيهم فليحا- وقد روى له الجماعة، وقال الحاكم: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، وقال الساجي: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: فليح يختلفون فيه، وقال بعضهم: إنه كثير الخطأ- عن عبد الله بن زيد المازني قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين هذه البيوت- يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة، والمنبر على ترعة من ترع الجنة» .
معنى كون المنبر على الحوض
وقد اختلف في معنى ذلك؛ فقال الخطابي: معنى قوله: «ومنبري على حوضي» أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض ويوجب الشرب منه، وهذا قول الباقي، والثاني: أن منبره الذي كان يقوم عليه ﷺ يعيده الله كما يعيد سائر الخلائق، ويكون على حوضه في ذلك اليوم، واعتمد ذلك ابن النجار، وحكى ابن عساكر القول بأن المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا، ثم قال: وهو أظهر، وعليه أكثر الناس، فتبع شيخه ابن النجار في ذلك، والثالث أن المراد منبر يخلقه الله تعالى له في ذلك اليوم، ويجعله على حوضه.
قلت: ويظهر لي معنى رابع، وهو أن البقعة التي عليها المنبر تعاد بعينها في الجنة، ويعاد منبره ذلك على هيئة تناسب ما في الجنة؛ فيجعل المنبر عليها عند عقر الحوض، وهو مؤخره، وعن ذلك عبر بترعة من ترع الجنة، وذكر النبي ﷺ ذلك لأمته للترغيب في العمل في هذا المحل الشريف ليفضي بصاحبه إلى ذلك، وهذا في الحقيقة جمع بين القولين الأولين، وسيأتي في الزيارة ما ذكره ابن عساكر من أن الزائر يأتي المنبر الشريف، ويقف عنده، ويدعو.
معنى أن الروضة من رياض الجنة
واختلفوا أيضا في معنى ما جاء في الروضة الشريفة، قال الحافظ ابن حجر: محصل ما أول به العلماء ذلك أن تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده ﷺ ؛ فيكون مجازا، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازا أيضا، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنها روضة حقيقة بأن ينقل ذلك الموضع إلى الجنة؛ ثم قال: وهذه الأقوال على ترتيبها هذا في القوة، وهو محتمل لتقوية الأول أو الأخير، والأخير أقواها عندي، وهو الذي ذهب إليه ابن النجار، ونقله البرهان ابن فرحون في منسكه عن ابن الجوزي وغيره عن مالك، فقال:
وقوله: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» حمله مالك ﵀ على ظاهره، فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إلى الجنة، وأنها ليست كسائر
стр. 321
الأرض تذهب وتفنى، ووافقه على ذلك جماعة من العلماء، انتهى ونقله الحطيب ابن حملة عن الداروردي، وصححه ابن الحاج في مدخله؛ لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحل.
ثم رأيت في كلام الحافظ ابن حجر ترجيحه في موضع آخر، فقال في الكلام على الحوض: والمراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها، أو أنها على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة، ثم قال:
وهذا فيه نظر؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة، والخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها، انتهى.
قلت: وأحسن من ذلك ما ذهب إليه ابن أبي جمرة من الجمع بين هذا وما قبله، ومنه استنبطنا ما قدمناه في أمر المنبر، فإنه لم يعول على ذكر المعنى الأول وقال بعد ذكر المعنيين الأخيرين: الأظهر- والله أعلم- الجمع بين الوجهين؛ لأن لكل منهما دليلا يعضده، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنة فلما جاء في فضل مسجدها من المضاعفة، ولهذه البقعة زيادة على باقي بقعه، وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة فلإخباره ﷺ بأن المنبر على الحوض، لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره؛ وأنه حق محسوس موجود على حوضه.
قلت: وفيه نظر؛ لما قدمناه.
قال: وقد تقرر في قواعد الشرع أن الشرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا والإخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات؛ قال: ويحتمل وجها ثالثا؛ وهو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة كما أن الحجر الأسود من الجنة؛ فيكون الموضع المذكور روضة من رياض الجنة الآن؛ ويعود روضة في الجنة كما كان؛ ويكون للعامل بالعمل فيه روضة في الجنة؛ قال:
وهو الأظهر؛ لعلو مكانته ﵇؛ وليكون بينه وبين الأبوة الإبراهيمية في هذا شبه، وهو أنه لما خص الخليل بالحجر من الجنة خص الحبيب بالروضة منها.
قلت: وهو من النّفاسة بمكان، وفيه حمل اللفظ على ظاهره، إذ لا مقتضى لصرفه عنه، ولا يقدح في ذلك كونها تشاهد على نسبة رياض الدنيا فإنه ما دام الإنسان في هذا العالم لا ينكشف له حقائق ذلك العالم لوجود الحجب الكثيفة والله أعلم.
وتخصيص ما أحاطت به البينية المذكورة بذلك إما تعبد وإما لكثرة تردده ﷺ بين بيته ومنبره وقرب ذلك من قبره الشريف الذي هو الروضة العظمى كما أشار إليه ابن أبي جمرة أيضا.
وقال الجمال محمد الراساني الريمي: اتفقوا على أن هذا اللفظ معقول المعنى، مفهوم
стр. 322
الحكمة، وإنما اختلفوا في ذلك المعنى ما هو، فقيل: اللفظ على حقيقته، وإن ذلك روضة من رياض الجنة بمعنى أنه بعينه نقل من الجنة، أو أنه سينقل إليها، وقيل: مجاز معناه أن العبادة فيه تؤدّي إلى الجنة، أو لما ينزل فيه من الرحمة وحصول المغفرة، كما سمي مجالس الذكر رياض الجنة في حديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» «١» وفي رواية لأبي هريرة:
«قلت: ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر» .
وقال ابن عبد البر: لما كان ﷺ يجلس في ذلك الموضع ويجلس الناس إليه للتعلم شبّهه بالروضة؛ لكريم ما يجتنى فيه، وأضافها إلى الجنة لأنها تؤول إلى الجنة، كقوله: «الجنة تحت ظلال السيوف» أي أنه عمل يدخل الجنة.
وقال الخطابي: روضة من رياض الجنة بالطاعة فيه، كقوله: «عائد المريض في مخرفة الجنة» «٢» أي يرجى له بذلك مخرفة الجنة؛ فأطلق اسم المسبب على سببه كقوله: «الجنة تحت أقدام الأمهات» .
هذا ما نقله الخطيب ابن حملة من المعاني، ثم تعقب الأخير بأنه لا يبقى حينئذ لهذه الروضة مزية، وقد فهم الناس من ذلك المزية العظيمة التي بسببها فضلها مالك على سائر البقاع.
وقد تعقب الجمال الريمي الخطيب في ذلك، وقال: أظهر المعاني تضعيف أجر الطاعات، وتعليم الناس وجوه الخير؛ لاتفاق الخطابي وابن عبد البر عليه، وهما عمدة الأمة في فقه الحديث، ولأن النظائر تؤيده، وأما المعنيان الآخران فلم يعزهما الخطيب إلى أحد، فدل على ضعفهما، ولم يذكر عياض القول بأن هذا الموضع بعينه نقل من الجنة، وذكر ما عداه، فدل على شذوذه؛ لأن مثل هذا طريقه التوقيف كما جاء في الركن والمقام، على أن القول به يؤدي إلى إنكار المحسوسات أو الضروريات، وجواب ما ذكره الخطيب أن المزية ظاهرة، وهو أن العمل في النظائر المتقدمة يؤدي إلى رياض الجنة، والعمل في هذا المحل يؤدي إلى روضة أعلى من تلك الرياض.
قلت: إنما حمله على هذا ذهابه إلى أن اسم الروضة يعم جميع مسجده ﷺ ، وأنه إذا
стр. 323
ثبت لما زيد فيه حكم المضاعفة تعدى ذلك إليه، فاختار كون التسمية بذلك مجازية، ووضع في ذلك كتابا سماه «دلالات المسترشد، على أن الروضة هي المسجد» وقد صنف الشيخ صفي الدين الكازروني المدني مصنفا في الرد عليه، وقد لخصتهما مع سلوك طريق الإنصاف بينهما في كتابي الموسوم: «بدفع التعرض والإنكار، لبسط روضة المختار» وسنذكر الصواب في ذلك، واستدلاله على ضعف القول بأن ذلك الموضع بعينه نقل من الجنة بأن عياضا لم يذكره عجيب لاحتمال أنه لم يطلع عليه، وقوله: «إن ذلك طريقه التوقيف كما جاء في الركن» فنقول: أي توقيف أعظم من إخبار الصادق المصدوق بذلك؟ وهو المخبر بأمر الركن والمقام، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فكيف سلمه في الركن والمقام ولم يسلمه هنا؟ والذي فهمه العلماء من الحديث أن هذا الموضع روضة، سواء كان به ذاكرون ومصلون أم لم يكن، بخلاف حلق الذكر مثلا، فإن ذلك يزول عنها بقيامهم، فالروضة ما هم فيه بخلاف هذه، ولهذا فسر الرتع هناك بالذكر، والمراد في حديث: «الجنة تحت أقدام الأمهات» أن لزوم خدمتهن تؤدي إليها، وقوله: «إن القول بذلك يؤدي إلى ما ذكره» عجيب، وقد قدمنا السبب المانع من شهود ذلك على حقيقته، وأي حسن أحسن من القول بأن ذلك روضة من الجنة أكرم الله به نبيه؟ ويؤيده أحاديث المنبر المتقدمة وما سيأتي في أحد وعير؛ إذ لم يقل أحد إن المراد أن المتعبد عند أحد يفضي به ذلك إلى الجنة، والمتعبد عند عير يفضي به ذلك إلى النار، وأما قوله في بيان المزية: «إن العمل في ذلك المحل يؤدي إلى روضة أعلى» فليس في الحديث وصفه بأنه أعلى الرياض، بل أطلق ذلك، فإذا ثبت ذلك لغيره فلا خصوصية، بل قد يقول الذاهب إلى تفضيل مكة: إن العمل فيها يؤدي إلى روضة أعلى وأفضل، ولظهور مزية تلك البقعة على غيرها بذلك استدل به بعض الأئمة على تفضيل المدينة على مكة بإضافة حديث «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» وتعقبه ابن حزم بأن جعلها من الجنة إنما هو على سبيل المجاز، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى [طه: ١١٨] قال: وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب: هذا يوم من أيام الجنة.
قلت: لا يلزم من ثبوت عدم الجوع والعري لمن حل في الجنة ثبوته لمن حل في شيء أخرج منها؛ إذ يلزمه أن ينفي بذلك عن حجر المقام كونه من الجنة حقيقة، ولا قائل به، ومسألة عموم الروضة لجميع مسجده ﷺ ذات خلاف؛ فقد قال الأقشهري: سئل أبو جعفر بن نصر الداودي المالكي عن قوله: «ما بين بيتي ومنبري روضة» فقال: هو روضة كله، ونقل الريمي عن الخطيب ابن حملة أنه قال: قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف قد يفيد العموم في بيوته، ثم ذكر بيان مكان بيوته، ثم قال: ولهذا قال السمعاني في أماليه: لما فضّل الله مسجد رسول الله ﷺ وشرفه وبارك في العمل فيه وضعفه سماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 324
روضة من رياض الجنة، فتراه جعل المسجد كله روضة، والمشهور أن المراد بيت خاص، وهو بيت عائشة ﵂؛ للرواية الآخرى «ما بين قبري ومنبري» قال ابن خزيمة:
أراد بقوله ما بين بيتي الذي أقبر فيه؛ إذ النبي ﷺ قبر في بيته الذي كانت تسكنه عائشة، قال الخطيب: فعلى هذا تسامت- يعني الروضة- حائط الحجرة من القبلة والشمال من جهة الحجرة، ولا تزال تقصر إلى جهة المنبر، أو توجد المسامتة مستوية فلينظر، هذا كله كلام الخطيب.
قلت: فتلخص من ذلك ثلاثة آراء: الأول: أنها المسجد الموجود في زمنه ﷺ ، الثاني:
أنها ما سامت المنبر والحجرة فقط، فتتسع من جهة الحجرة وتضيق من جهة المنبر لما تقدم في مقداره، وتكون منحرفة الأضلاع لتقدم المنبر في جهة القبلة وتأخر الحجرة في جهة الشام، فتكون كشكل مثلث ينطبق ضلعاه على قدر المنبر، الثالث: أنها ما سامت كلا من طرفي الحدين، فتشمل ما سامت المنبر من مقدم المسجد في جهة القبلة وإن لم يسامت الحجرة، ويشمل ما سامت الحجرة من جهة الشمال، وإن لم يسامت المنبر، فتكون مربعة، وهي الأروقة الثلاثة: رواق المصلى الشريف، والرواقان بعده، وذلك هو مسقف مقدم المسجد في زمنه ﷺ ، لأنه قد تحرر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أن صف أسطوان الوفود- وهي التي كانت إلى رحبة المسجد كما سيأتي- واقع خلف الحجرة سواء، حتى إن الأسطوانة التي تلي مربعة القبر في صفها الداخلة في الزور بعضها داخل في جدار الحجرة الشامي كما سيأتي بيانه.
وأما أدلة هذه الأقوال فقد استدل الريمي للأول بأشياء غالبها ضعيف مبناه على أن إطلاق الروضة من قبيل المجاز لما في ذلك من المضاعفة ونحوه، وأحسنها ما أشار إليه الخطيب ابن حملة وأيده الريمي بأشياء، فقال: قوله «بيتي» من قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف، فيفيد العموم في سائر بيوته ﷺ ، وقد كانت بيوته مطيفة بالمسجد من القبلة والمشرق- وفيه بيت عائشة- والشام كما سيأتي عن ابن النجار وغيره، ولم يكن منها في جهة المغرب شيء، فعرف الحد من تلك الجهة بالمنبر الشريف، فإنه كان في آخر جهة المغرب بينه وبين الجدار يسير؛ لأن آخره من تلك الجهة الأسطوانة التي تلي المنبر، والمنبر على ترعة من ترع الجنة، فقد حدد الروضة بحدود المسجد كلها.
قلت: وهو مفرع على ما ذكره ابن النجار في تحديد المسجد من جهة المغرب، وقد مشيت عليه في تواليفي قبل أن أقف على ما قدمته في حد المسجد، وقد مشى على ذلك الزين المراغي فقال: ينبغي اعتقاد كون الروضة لا تختص بما هو معروف الآن، بل تتسع إلى حد بيوته ﷺ من ناحية الشام، وهو آخر المسجد في زمنه ﷺ ؛ فيكون كله روضة، وهذا
стр. 325
إذا فرعنا على المفرد المضاف للعموم، وقد رجحه في كتب الأصول جماعة، ثم ذكر ما تقدم.
قلت: وفاتهم الجميع الاستدلال بحديث زوائد مسند أحمد المتقدم بلفظ «ما بين هذه البيوت» يعني بيوته «إلى منبري روضة من رياض الجنة» والعجب أن المعتنين بأمر الروضة لم يذكروه، مع أن فيه غنية عن التمسك بكون المفرد المضاف يفيد العموم، فقد ناقش الصفي الكازروني في ذلك بأشياء: منها أن رواية «ما بين قبري ومنبري» بينت المراد من البيت المضاف. قلت: ليته قال رواية: «ما بين المنبر وبيت عائشة» لأنه يلزم عليه أن يكون الروضة بعرض القبر فقط، والتخصيص بذلك بعيد، ومن قال: «إن المراد من البيت القبر» ليس مراده والله أعلم إلا أن رواية القبر لعدم إبهامها تعين البيت، ولعله مراد الصفي، ولهذا قال الطبري: وإذا كان قبره ﷺ في بيته اتفقت معاني الروايات، ولم يكن بينها خلاف، انتهى، ولك أن تقول: رواية «قبري» ورواية «حجرة عائشة» من قبيل إفراد فرد من العام، وذكره بحكم العام، وهو لا يقتضي التخصيص على الأصح، بل يقتضي الاهتمام بشأن ذلك الفرد، على أن القرطبي قال: الرواية الصحيحة «بيتي» ويروى «قبري» وكأنه بالمعنى، والله أعلم.
ومنها: أن القرافي حمل إطلاق عموم اسم الجنس على ما يقع منه على القليل والكثير كالماء والمال، بخلاف ما لا يصدق إلا على الواحد كالعبد والبيت والزوجة فلا يعم، ولهذا لو قال عبدي حر أو امرأتي طالق لا يعم سائر عبيده ونسائه، قال: ولم أره منقولا. قلت:
قال التاج السبكي: خالف بعض الأئمة في تعميم اسم الجنس المعرف «١» والمضاف، والصحيح خلافه، وفصل قوم بين أن يصدق على القليل والكثير فيعم، أو [لا] «٢» فلا، واختاره ابن دقيق العيد، انتهى.
فقد جعل ما بحثه القرافي وجها ثالثا مفصلا، وذلك يأبى حمل إطلاق المطلقين عليه، فما بحثه منقول، لكن الصحيح خلافه، وما استدل به من عدم عموم عبدي حر وامرأتي طالق جوابه من أوجه ذكرناها في دفع التعرض، وأحسنها ما أشار إليه الأسنوي من أن عدم العموم في ذلك لكونه من باب الأيمان، والأيمان يسلك فيها مسلك العرف، انتهى. ونقل
стр. 326
الأزرقي في نفائسه عن ابن عبد السلام أنه قال: الذي تبين لي طلاق الجميع وعتق الجميع، وفي كتب الحنابلة نص أحمد على أنه لو قال من له زوجتان أو عبيد «زوجتي طالق، أو عبدي حر» ولم ينو معيّنا، وقع الطلاق والعتق على الجميع، تمسكا بالقاعدة المذكورة، فقد جرى ابن عبد السلام والحنابلة على مقتضى ذلك؛ فهذه الطرق من أحسن الأدلة، ولكن على شمول الروضة لما بين المنبر والبيوت الشريفة فهو رأي آخر، وقد قدمنا من الحديث ما يصرح به، ويؤيده ما أشار إليه الريمي من أن المقتضى لكون ذلك روضة كثرة تردده ﷺ فيه، وكان يصلي قبل تحويل القبلة في طرفه الذي يلي الشام، ومتهجّده كما سيأتي في جهة المشرق إلى الشام أيضا، ومنبره الشريف في نهاية هذا الموضع المحدود من جهة المغرب، ومصلاه الشريف بمقدمه وبه الأساطين الآتية ذوات الفضل.
وأما الرأي الثاني فدليله التمسك بظاهر لفظ البينية الحقيقية، وحمل البيت على حجرة عائشة ﵂، ويضعفه أن مقدم المصلى الشريف يلزم خروجه عن اسم الروضة حينئذ؛ لخروجه عن موازاة طرفي المنبر والحجرة، مع أن الظاهر أن معظم السبب في كون ذلك روضة تشرفه بجبهته الشريفة، على أني لم أر هذا القول لأحد، وإنما أخذته من تردد الخطيب ابن حملة المتقدم.
وأما الرأي الثالث فهو ظاهر ما عليه غالب العلماء وعامة الناس، ووجهه حمل البيت على ما في الرواية الآخرى من ذكر حجرة عائشة، وجعل ما تقدم في أمر خروج مقدم المصلى الشريف دليلا على أن المراد من البينية ما حاذى واحدا من الطرفين، وأن المراد مقدم المسجد المنتهي من جهة مؤخر الحجرة الشريفة لصف أسطوان الوفود كما قدمناه، وفي كلام الأقشهري إشارة له، وهذا إنما علمناه في العمارة التي سنذكرها، ولم يكن معلوما قبل ذلك، ولهذا قال المجد في الباب الأول في فصل الزيارة من كتابه ما لفظه: ثم يأتي- يعني الزائر- إلى الروضة المقدسة، وهي ما بين القبر والمنبر طولا، ولم أر من تعرض له عرضا، والذي عليه غلبة الظنون أنه من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه، وأنا لا أوافق على ذلك، وقد بينته في موضعه من هذا الكتاب، وذكرت أن الظاهر من لفظ الحديث يقتضي أن يكون أكثر من ذلك؛ لأن بيت النبي ﷺ بجميع مرافق الدار كان أكثر من هذا المقدار، انتهى.
ولم يذكر في الموضع الذي أحال عليه شيئا، وقوله «من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه» كأنه يريد به الأسطوان المخلق وما حاذاها؛ فتكون الروضة على ذلك التقدير الرواق الأول منها فقط، وهو غلط؛ لأن الحجرة الشريفة متأخرة عن ذلك لجهة الشام؛ وصف
стр. 327
الأسطوان المذكور محاذ لطرف جدارها القبلي. وقال ابن جماعة: قد تحرر لي طول الروضة، ولم يتحرر لي عرضها، يريد أن طولها من المنبر إلى الحجرة، وهو كما قال ابن زبالة ثلاثة وخمسون ذراعا وشبرا، وقال في موضع آخر: أربعة وخمسون ذراعا وسدس.
قلت: وما ذكره أولا أقرب إلى الصواب كما اختبرناه، فإني ذرعت بحبل من صفحة المنبر القبلية إلى طرف الحجرة القبلية فكان ثلاثة وخمسين ذراعا.
وذكر ابن جماعة ذراعا أقل من هذا، وكأنه ذرع على الاستقامة، ولم يعتبر الذرع من الطرفين المذكورين، فقال: وذرعت ما بين الجدار الذي حول الحجرة الشريفة وبين المنبر فكان أربعا وثلاثين ذراعا وقيراطا بذراع العمل. قلت: وذلك نحو اثنين وخمسين ذراعا بذراع اليد الذي قدمنا تحريره، وأما قول من قال: «إن طول الروضة اليوم ينقص عن خمسين ذراعا بثلثي ذراع» فلا وجه له إلا أن يكون اعتبر بذراع اليد المفرط الطول، والله أعلم.
وأما نهاية الحجرة فلم تكن معلومة لابن جماعة وغيره، وعليها يتوقف بيان العرض، ولهذا قال الريمي: لا ندري الحجرة في وسط البناء المحيط بها أم لا؟ ولا ندري إلى أين ينتهي امتدادها؟ وغالب الناس يعتقدون أن نهايتها في محاذاة أسطوان علي ﵁، ولهذا جعلوا الدرابزين الذي بين الأساطين ينتهي إلى صفها، واتخذوا الفرش لذلك فقط، والصواب ما قدمناه؛ فقد انجلى الأمر ولله الحمد.
الفصل السابع في الأساطين المنيفة الأسطوان المخلق
منها الأسطوان الذي هو علم على المصلى الشريف، ويعرف بالمخلق، وقد قدمنا قول ابن زبالة «المخلق نحو من ثلثيها» وقول ابن القاسم «إن المصلى الشريف حيث الأسطوان المخلق» وبينا أن المراد أنها أقرب أسطوان إليه، وأن الجذع الذي كان يخطب إليه ﷺ ويتكئ عليه كان هناك، وأن الأسطوان الموجود اليوم متقدم على المحل الأول، وأن المحل الأصلي هو موضع كرسي الشمعة التي عن يمين الإمام الواقف في المصلى الشريف، فمن أراد التبرك بذلك فليصل هناك.
وروى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سبحة الضحى، فيعمد إلى الأسطوان دون المصحف فيصلي قريبا منهما، فأقول: ألا تصلي هاهنا؟
وأشير له إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى هذا المقام، وهذا الحديث في الصحيحين، ولفظ البخاري «كنت آتي مع سلمة بن الأكوع، فيصلي عند الأسطوان التي عند المصحف، فقلت: يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه
стр. 328
الأسطوانة، قال: فإني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى الصلاة عندها» ولفظ مسلم عن سلمة أنه كان يتحرى موضع المصحف يسبح «١» فيه، وذكر أن النبي ﷺ كان يتحرى ذلك، وقد قدمنا في الكلام على المصلى الشريف ما يبين أن المراد هذه الأسطوانة.
أسطوان القرعة
ومنها أسطوان القرعة، وتعرف بأسطوان عائشة ﵂، وبالأسطوان المخلق أيضا، وبأسطوان المهاجرين.
روينا في كتاب ابن زبالة عن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه أن عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وثالثا كان معهما دخلوا على عائشة ﵂ فتذاكروا المسجد، فقالت عائشة: إني لأعلم سارية من سواري المسجد لو يعلم الناس ما في الصلاة إليها لاضطربوا عليها بالسهمان «٢» ، فخرج الرجلان وبقي ابن الزبير عند عائشة، فقال الرجلان: ما تخلف إلا ليسألها عن السارية، ولئن سألها لتخبرنه، ولئن أخبرته لا يعلمنا، وإن أخبرته عمد لها إذا خرج فصلى إليها، فاجلس بنا مكانا نراه ولا يرانا، ففعلا، فلم ينشب أن خرج مسرعا فقام إلى هذه السارية فصلى إليها متيامنا إلى الشق الأيمن منها، فعلم أنها هي، وسميت أسطوانة عائشة بذلك، وبلغنا أن الدعاء عندها مستجاب، هذا لفظ ابن زبالة.
وفي الأوسط للطبراني عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: إن في مسجدي لبقعة قبل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلوا فيها إلا أن تطير لهم قرعة، وعند عائشة جماعة من أبناء الصحابة فقالوا: يا أم المؤمنين وأين هي؟ فاستعجمت عليهم، فمكثوا عندها ساعة ثم خرجوا وثبت عبد الله بن الزبير فقالوا: إنها ستخبره بذلك المكان، فارقبوه في المسجد حتى تنظروا حيث يصلي، فخرج بعد ساعة فصلى عند الأسطوانة التي صلى إليها عامر بن عبد الله بن الزبير، فقيل لها: أسطوانة القرعة.
قال عتيق: وهي الأسطوانة التي هي واسطة بين القبر والمنبر: عن يمينها إلى المنبر أسطوانتان، وبينها وبين القبر أسطوانتان، وبينها وبين الرحبة أسطوانتان، وهي واسطة بين ذلك، وهي تسمى أسطوانة القرعة، هذا لفظ الأوسط.
стр. 329
وقال ابن زبالة: حدثني غير واحد من أهل العلم منهم الزبير بن حبيب أن الأسطوان التي تدعى أسطوان عائشة هي الثالثة من المنبر، والثالثة من القبر، والثالثة من القبلة، والثالثة من الرحبة، أي قبل زيادة الرواقين الآتي ذكرهما المتوسطة للروضة أن النبي ﷺ صلى إليها بضع عشرة المكتوبة ثم تقدم إلى مصلاه الذي وجاه المحراب في الصف الأوسط، أي الرواق الأوسط، وأن أبا بكر وعمر والزبير بن العوام وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وكان يقال لذلك المجلس مجلس المهاجرين، انتهى.
وقد ذكر ابن النجار هذه الرواية عن الزبير بن حبيب، وزاد: وقالت عائشة فيها: لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان، فسألوها عنها فأبت أن تسميها، فأصغى إليها ابن الزبير فسارّته بشيء، ثم قام فصلى إلى التي يقال لها أسطوان عائشة، قال:
فظن من معه أن عائشة أخبرته أنها تلك الأسطوانة، فسميت أسطوان عائشة، قال: وأخبرني بعض أصحابنا عن زيد بن أسلم قال: رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبي ﷺ ، ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر، ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر، ويقال: الدعاء عندها مستجاب، هذا لفظ رواية ابن النجار عقب ما قدمناه من رواية ابن زبالة. وزاد فيما ذكره ابن زبالة عقب قوله: «إن النبي ﷺ صلّى إليها المكتوبة بضع عشرة، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم» ما لفظه: وكان يجعلها خلف ظهره، قلت: ولم أره في كلام غيره، والظاهر أن مراده أن النبي ﷺ كان يستند إليها إذا جلس هناك، لا أنه يجعلها خلف ظهره إذا صلى؛ لما ذكره عن زيد بن أسلم من أنه رأى موضع جبهة النبي ﷺ عندها، ووصف هذه الأسطوانة بالمخلقة يؤخذ مما تقدم عن ابن زبالة من قول أبي هريرة «وكان مصلاه ﷺ الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلقة خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام» إلى آخر ما تقدم قلت: وهذه الأسطوان بصف الأساطين التي خلف الإمام الواقف بالمصلى الشريف، وهي الثالثة من القبلة وكانت الثالثة أيضا من رحبة المسجد كما تقدم، وذلك قبل أن يزاد في مسقف مقدم المسجد الرواقان الآتي بيانهما في رحبته، وبهما صارت خامسة من الرحبة.
أسطوان التوبة
ومنها أسطوان التوبة، وتعرف بأسطوان أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو بن عوف الأوسي أحد النقباء، واسمه رفاعة، وقيل غير ذلك، سميت به لأنه ارتبط إليها حتى أنزل الله توبته كما قدمناه في غزوة بني قريظة.
وقال الأقشهري: اختلف أهل السير والتفسير في ذنب أبي لبابة، فقال قوم: كان من
стр. 330
الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقال ابن هشام تبعا لابن إسحاق: سببه قضية بني قريظة واستشارتهم إياه، وأسند يحيى عن عبد الرحمن بن يزيد قصته معهم، وأنهم قالوا له: أننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، وهو الذبح. وفي رواية أخرى أنه لما جاءهم قام إليه الرجال، وأجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، فكان منه ما تقدم، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله. قال يحيى في الرواية المتقدمة: فلم يرجع إلى النبي ﷺ ، ومضى إلى المسجد، وارتبط إلى جذع في موضع أسطوانة التوبة، وأنزل الله فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧] وفي رواية: فربط نفسه في السارية، وحلف لا يحل نفسه حتى يحله رسول الله ﷺ أو تنزل توبته، قال: فجاءت فاطمة ﵂ تحله، فقال: لا، حتى يحلني رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : إنما فاطمة بضعة مني، وفي رواية لابن النجار أن أبا لبابة عاهد الله تعالى ألايطأ بني قريظة أبدا، وقال:
لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، وأن النبي ﷺ قال لما بلغه خبره- وكان قد استبطأه- «أما لو جاءني لاستغفرت الله له، فاما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه» فأنزلت توبته ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة، قالت:
فسمعت رسول الله ﷺ من السحر يضحك، فقلت: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال:
تيب على أبي لبابة، قلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال: فثار الناس إليه ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
وروى البيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب قصة أبي لبابة في بني قريظة، وأنه تخلف في غزوة تبوك، فلما قفل رسول الله ﷺ جاءه يسلم عليه، فأعرض عنه، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ سبعا بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة.
وروى مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن أبا لبابة ارتبط إليها بسلسلة ربوض، والربوض: الثقيلة «١» ، بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع، وكاد بصره يذهب، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة وإذا أراد أن يذهب لحاجته حتى يفرغ ثم تأتي به فيرده في الرباط كما كان.
стр. 331
وأورد الزمخشري قصة أبي لبابة في تفسيره قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال: ٢٧] الآية، وقال فيها: قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت أي: الآية المتقدمة، فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، وذكر في القصة أن النبي ﷺ جاءه فحله فقال:
إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أخلع من مالي، فقال ﵇: «يجزئك الثلث أن تتصدق به» .
ونقل ابن النجار عن إبراهيم بن جعفر أن السارية التي ربط إليها ثمامة بن أثال الحنفي هي السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة، ونقل ذلك أيضا عن ابن شبة.
وروى البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [التوبة:
١٠٢] الآية، قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فلما رآهم النبي ﷺ قال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، الحديث، وفيه توبة الله عليهم وأنه ﷺ أرسل إليهم وأطلقهم.
وروى ابن زبالة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر عن محمد بن كعب أن النبي ﷺ كان يصلي نوافله إلى أسطوانة التوبة.
وفي رواية له عن عمر بن عبد الله، لم يذكر ابن كعب، أنه قال في أسطوان التوبة:
كان أكثر نافلة النبي ﷺ إليها، وكان إذا صلّى الصبح انصرف إليها، وقد سبق إليها الضعفاء والمساكين وأهل الضر وضيفان النبي ﷺ والمؤلفة قلوبهم ومن لا مبيت له إلا في المسجد، قال: وقد تحلقوا حولها حلقا بعضها دون بعض، فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطّول والشرف والغنى فلم يجدوا إليه مجلسا، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: ٢٨] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله اطردهم عنا، ونكون نحن جلساءك وإخوانك ولا نفارقك، فأنزل الله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢] إلى منتهى الآيتين.
وفي العتبية عن مالك وصف أسطوان التوبة بالمخلقة، وقد قدمنا في الكلام على المصلى الشريف ما ذكره ابن زبالة من خلوقها وخلوق غيرها من الأساطين.
وروى ابن زبالة خبر مالك بن أنس المتقدم عن عبد الله بن أبي بكر بنحو ما تقدم،
стр. 332
وقال فيه: وهي الأسطوان المخلق نحو من ثلثيها، تدعى أسطوان التوبة، منها حل رسول الله ﷺ أبا لبابة حين نزلت توبته، وبينها وبين القبر أسطوان.
وأسند أيضا عن ابن عمر أنه كان يقول في الأسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة: هي الثانية من القبر، وهي الثالثة من الرحبة.
قلت: كانت الثلاثة من الرحبة قبل تجدد الأسطوانتين المشار إليهما في أسطوانة القرعة بسبب تجدد الرواقين الآتي ذكرهما، وهذه الأسطوانة إلى جانب الأسطوانة المتقدم ذكرها من جهة المشرق؛ فهي الرابعة من المنبر، والثانية من القبر، والثالثة من القبلة، والخامسة في زماننا من رحبة المسجد، وفيها اليوم هيئة محراب من الجص تتميز به عن سائر الأساطين، لكنه أزيل في الحريق الثاني.
وفهم البدر بن فرحون من رواية ابن عمر المتقدمة أنها التي تلي هذه الأسطوانة في جهة المشرق، وهي اللاصقة بالشباك اليوم كما سيأتي، فقال: إن أسطوان التوبة هي اللاصقة بالشباك على ما قاله عبد الله بن عمر، وتبعه مالك بن أنس، وما قيل إنها غيرها فغلط أوجبه أشياء يطول ذكرها، انتهى كلامه.
قلت: بل الصواب ما قدمناه في بيانها، ومنشأ ما فهمه عدّه للأسطوانة اللاصقة بجدار القبر، فحمل قول ابن عمر أنها الثانية من القبر، وقول مالك بينها وبين القبر أسطوان على الأسطوانة اللاصقة بالشباك اليوم، وقد علم من كلامهم في أسطوان القرعة أنهم لا يعدون اللاصقة بجدار القبر لما تقدم من قولهم فيها: إنها الثالثة من المنبر والثالثة من القبر، ولو عدوا اللاصقة بجدار القبر لكانت الرابعة من القبر، وأيضا فاللاصقة بجدار القبر أحدثها عمر بن عبد العزيز، ولم يدرك ذلك ابن عمر، وأوضح من ذلك أن ابن زبالة قال: إن بين أسطوان التوبة وبين جدار القبر الشريف عشرين ذراعا، وقد اعتبرت ذلك من الأسطوانة التي ذكرناها فكان كذلك.
وقال أيضا فيما قدمناه عنه: «إن ذرع ما بين مصلى النبي ﷺ وبينها سبع عشرة ذراعا» وقد قدمنا في المصلى الشريف ما يقتضي صحة ذلك عند اختبارنا لما بينهما مع بيان أن المصلى الشريف في طرف الحفر الذي يلي المغرب، وإن جعل المصلى الشريف على تلك الهيئة حادث، وفي نسخة من ابن زبالة «تسع عشرة ذراعا» بتقديم التاء، فإن صحت فقد علمت أنه لم يكن المصلى الشريف في عهد ابن زبالة على هذه الهيئات، بل كانت الأرض مستوية، فكأنه اعتبر الذراع من ابتداء طرف المصلى الشريف الغربي، ومنه إلى الأسطوان
стр. 333
المذكور تسع عشرة ذراعا بتقديم التاء، وأما ذرع ما بين المصلى الشريف والأسطوانة التي يعنيها البدر فخمس وعشرون ذراعا، فلا يصح إرادتها بوجه.
وأسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف النبي ﷺ عن ابن عمر أن النبي ﷺ «كان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سرير وراء أسطوانة التوبة» .
وروى ابن ماجه عن نافع أن ابن عمر أراه المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ ، ثم روى عن نافع عن ابن عمر أنه ﷺ «كان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سرير وراء أسطوانة التوبة» . قال البدر بن فرحون: ونقل الطبراني في معجمه عن ابن عمر ﵄ أن ذلك مما يلي القبلة «يستند إليها» .
قلت: ورواه البيهقي بسند حسن، ولفظه أن رسول الله ﷺ «كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها» ونقل عياض عن ابن المنذر أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد، قال: وهو مكان عمر بن الخطاب ﵁، وهو المكان الذي كان يوضع فيه فراش رسول الله ﷺ إذا اعتكف، كذا قال الأويسي.
أسطوان السرير
ومنها: أسطوان السرير، أسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف النبي ﷺ عقب ذكر ما تقدم من وضع فراشه وسريره وراء أسطوان التوبة عن محمد بن أيوب أنه «كان للنبي ﷺ سرير من جريد فيه سعفه «١» يوضع بين الأسطوان التي تجاه القبر وبين القناديل، كان يضطجع عليه رسول الله ﷺ » .
قلت: وهذه الأسطوانة هي اللاصقة بالشباك اليوم في شرقي أسطوان التوبة وابن فرحون يجعلها إليها كما تقدم، ويؤيده ما تقدم في أسطوان التوبة من أن سريره ﷺ كان يوضع إليها، إلا أن يجاب بأنه كان يوضع مرة عند هذه ومرة عند تلك، بدليل أنه تقدم في أسطوان التوبة أن وضع ذلك كان مما يلي القبلة يستند إليها، وذكر في هذه أنه «كان يوضع بينها وبين القناديل» وذلك في جهة شرقيها.
وقال البدر بن فرحون: روينا بالسند الصحيح إلى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ «كان إذا اعتكف يطرح له وسادة، ويوضع له سرير من جريد فيه سعفه، يوضع له فيما بين الأسطوان التي وجاه القبر الشريف وبين القناديل، وكان رسول الله ﷺ يضطجع عليه»
стр. 334
قال أبو وحرة- بحاء مهملة- السعدي وهو يذكر السرير ويمدح آل الزبير لقرب مجلسهم منه:
وإذا غدا آل الزبير غدا النّدى ... وإذا انتدى فإليهم ما ينتدي
وإذا هم راحوا فإنهم هم ... أهل السرير وأهل صدر المسجد
أسطوان المحرس
ومنها: أسطوان المحرس «١» ، ويسمى أسطوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة قال: سألت جعفر بن عبد الله بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب، فقال: إن هذه المحرس، كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر مما يلي باب رسول الله ﷺ ، يحرس النبي ﷺ .
قال الجمال المطري وتبعه من بعده: وهو مقابل الخوخة التي كان النبي ﷺ يخرج منها إذا كان في بيت عائشة إلى الروضة للصلاة، وهي خلف أسطوان التوبة من جهة الشمال.
قلت: هي الأسطوان الذي يصلي عندها أمير المدينة يجعلها خلف ظهره، ولذا قال الأقشهري: إن أسطوان مصلى علي كرم الله وجهه اليوم أشهر من أن تخفى على أهل الحرم، ويقصد الأمراء الجلوس والصلاة عندها إلى اليوم، وذكر أنه كان يقال لها مجلس القلادة لشرف من كان يجلس فيه، وذلك إنما هو في أسطوان الوفود لما سيأتي.
أسطوان الوفود
ومنها: أسطوان الوفود، قال المطري: هي خلف أسطوان المحرس من جهة الشمال، كان رسول الله ﷺ يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، وكانت مما يلي رحبة المسجد قبل أن يزاد في السقف القبلي الرواقان، وكانت تعرف أيضا بمجلس القلادة، يجلس إليها سروات الصحابة وأفاضلهم رضوان الله عليهم.
وقال الأقشهري، ومن خطه نقلت: وأما الأسطوان الذي كان يجلس إليها ﷺ لوفود العرب إذا جاءته، فقال: إذا عددت الأسطوان التي فيها مقام جبريل ﵇ كانت هي الثالثة، انتهى، وكأنه سقط من خطه فاعدد فقال: وقد أخذه من تحفة ابن عساكر، وقد رأيت في نسخة معتمدة منها موضع بياض بعد «فقال» .
وهذا مطابق لما تقدم عن المطري؛ لأن الأسطوان التي فيها مقام جبريل هي مربعة القبر كما سيأتي، وبينها وبين أسطوان الوفود المذكور أسطوان.
стр. 335
وقال ابن زبالة: حدثنا غير واحد من أهل العلم منهم عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان التي إلى الرحبة التي في صف أسطوان التوبة بينها وبين أسطوان التوبة مصلى علي بن أبي طالب، وأنه المجلس الذي يقال له مجلس القلادة، كان يجلس فيه سراة الناس قديما.
وأورده المجد، وزاد في آخره: وإنما سمي القلادة لشرف من كان يجلس إليها من بني هاشم وغيرهم.
أسطوان مربعة القبر
ومنها أسطوان مربعة القبر، وسيأتي أنه يقال له أيضا أسطوان مقام جبريل ﵇، وقد تقدم فيما نقله الأقشهري في أسطوان الوفود ما يشهد له.
وأسند ابن زبالة ويحيى عن سليمان بن سالم عن مسلم بن أبي مريم وغيره: كان باب بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ في المربعة التي في القبر، قال سليمان: قال لي مسلم: لا تنس حظك من الصلاة إليها؛ فإنها باب فاطمة ﵂ الذي كان علي يدخل عليها منه.
قلت: وهي في حائز عمر بن عبد العزيز عند منحرف الصفة الغربية منه إلى جهة الشمال، في صف أسطوان الوفود، بينهما الأسطوانة اللاصقة بالشباك التي شرقي أسطوان الوفود، وسيأتي لها مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
ومن فضلها ما أسنده يحيى عن أبي الحمراء قال: شهدت رسول الله ﷺ أربعين صباحا يجيء إلى باب علي وفاطمة وحسن وحسين حتى يأخذ بعضادتي الباب ويقول: السلام عليكم أهل البيت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب:
٣٣] وفي رواية له: رابطت بالمدينة سبعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله ﷺ يأتي باب علي كل يوم فيقول: الصلاة، الصلاة، ثلاث مرات إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقد حرم الناس الصلاة إلى هذه الأسطوان لإدارة الشباك الدائر على الحجرة الشريفة وغلق أبوابه.
أسطوان التهجد
ومنها: أسطوان التهجد، أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج حصيرا كل ليلة إذا انكفت الناس فيطرح وراء بيت علي، ثم يصلي صلاة الليل، فرآه رجل فصلى بصلاته، ثم آخر فصلى بصلاته، حتى كثروا، فالتفت رسول الله ﷺ فإذا بهم، تأمر بالحصير فطوي ثم دخل، فلما أصبح جاؤه فقالوا: يا رسول الله، كنت فصلى الليل فنصلي بصلاتك، فقال: إني خشيت أن ينزل عليكم صلاة
стр. 336
الليل ثم لا تقوون عليها، قال عيسى بن عبد الله: وذلك موضع الأسطوان التي على طريق باب النبي ﷺ مما يلي الزوراء.
قلت: صحّف بعضهم هذه اللفظة فقال: مما يلي الدور، ورأيت بخط الأقشهري: لعله مما يلي دوره، انتهى. والظاهر أن الرواية مما يلي الزور- بالزاي- يعني الموضع المزور في بناء عمر بن عبد العزيز خلف الحجرة كما سيأتي والله أعلم.
قال عيسى: وحدثني سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: مر بي محمد بن الحنفية وأنا أصلي إليها، فقال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة، هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال:
فالزمها فإنها كانت مصلّى رسول الله ﷺ من الليل.
قلت: تقدم في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أن الموضع المذكور كان خارج المسجد تجاه باب جبريل قبل تحويله إلى محله اليوم، وهو موافق لما سيأتي عن المؤرخين في بيان موضع هذه الأسطوانة، والمعروف من حاله ﷺ أن قيامه في غير رمضان إنما كان في بيته، وهذا الموضع ليس منه، وفيما سبق مع أحاديث قيام رمضان ما يوهم أن القصة المذكورة كانت فيه، ففي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ «اتخذ حجرة، قال:
حسبت أنه قال: من حصير، في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس- الحديث» ورواه مسلم عنه بلفظ أن النبي ﷺ «اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليلا، حتى اجتمع إليه ناس، فذكره نحوه» وفي رواية لأبي عوانة عن زيد «اتخذ حجرة من حصير في المسجد في رمضان- الحديث» . ولعلها القبة التي كان يعتكف ﷺ فيها في رمضان، فقد روى الطبراني في الكبير عن أبي ليلى قال: رأيت رسول الله ﷺ اعتكف في قبة من خوص، وفي الكبير والأوسط عن معيقيب قال: «اعتكف رسول الله ﷺ في قبة من خوص بابها من حصير والناس في المسجد» وأسند يحيى عن أبي حازم مولى الأنصار قال: «اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد في رمضان في قبة على بابها حصير» ، وعن ابن عمر قال: بنى النبي ﷺ بيتا من سعف في المسجد في آخر شهر رمضان يصلي فيه.
وقال المطري في بيان موضع هذه الأسطوانة: هي خلف بيت فاطمة ﵂، والواقف إليها يكون باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان على يساره، وحولها الدرابزين: أي لاصقا بها يمينا ويسارا، وهو الشباك الدائر على الحجرة الشريفة وعلى بيت فاطمة ﵂، وقد كتب فيها بالرخام: هذا متهجّد النبي ﷺ .
وقال ابن النجار: هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة من جهة الشمال، وفيها محراب إذا توجه المصلى إليه كانت يساره إلى باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل.
قلت: وقد جدد محرابها في هذه العمارة التي أدركناها أولا، وزيد في رخامه فوق
стр. 337
المحراب الأول، وكتبوا في ذلك بالرخام بروز الأمر بتجديد عمارة الحجرة الشريفة من السلطان الأشرف قايتباي- أعز الله أنصاره! - وأن ذلك على يد الخواجا الجناب الشمسي ابن الزمن، وتاريخ العمارة المذكورة، كل ذلك مكتوب بالرخام في أعلى محراب الأسطوانة المذكورة، ثم لما جاء الحريق الحادث بعد تمام هذا التأليف أزال ذلك كله، ثم اقتضى رأيهم عند بناء الدعائم التي اتخذوها للقبة المحاذية لأعلى الحجرة والعقود التي خلفها إبدال هذه الأسطوانة بدعامة اتخذوا فيها محرابا.
وهذه الأسطوانة آخر الأساطين التي ذكر لها أهل التاريخ فضلا خاصا، وإلا فجميع سواري المسجد الشريف لها فضل؛ ففي البخاري من حديث أنس قال: لقد أدركت كبار أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب، قال ابن النجار: فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي ﷺ يستحب الصلاة عندها؛ لأنه لا يخلو أن كبار الصحابة صلوا إليها، والله أعلم.
الفصل الثامن في الصّفة وأهلها، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد
وصف الصفة وموضعها
قال عياض: الصفة- بضم الصاد وتشديد الفاء- ظلة في مؤخر مسجد النبي ﷺ ، يأوي إليها المساكين، وإليها ينسب أهل الصّفة على أشهر الأقاويل.
وقال الحافظ الذهبي: إن القبلة قبل أن تحوّل كانت في شمالي المسجد، فلما حوّلت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة.
وقال الحافظ ابن حجر: الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر.
وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المائة، وقد أخرج أبو نعيم في الحلية من مرسل الحسن قال: بنيت صفّة في المسجد لضعفاء المسلمين.
وقال المجد نقلا عن الدارقطني: الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها، ثم قال المجد: وذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال: وفي آخر القرية تلّ مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة، وكأن هذا وهم، والله أعلم.
قلت: يظهر من قول عياض فيما قدمناه عنه «على أشهر الأقوال» أن في ذلك خلافا؛ فيكون ما ذكره ابن جبير أحد الأقوال، لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد، فاشتهرت بذلك.
стр. 338
أهل الصفة
وقد روى ابن سعد في مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط: كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره.
وروى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: لما كثرت المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم دار ولا مأوى أنزلهم رسول الله ﷺ المسجد، وسماهم أصحاب الصفة، فكان يجالسهم ويأنس بهم.
وأسند يحيى عن فضالة بن عبيد قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ فيخر قوم من قامتهم من الخصاصة «١» ، حتى يقول الأعرابي: مجانين، وهم أهل الصفة، فإذا صلى رسول الله ﷺ أتاهم فوقف عليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا وحاجة.
وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء، وأن النبي ﷺ قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس- الحديث.
وفيه من حديث أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوه، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.
وفيه من حديث أبي هريرة أيضا أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما في طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا يستتبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: أباهر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، فمضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فوجدنا لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟
فقالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أباهر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها، فلما جاؤوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما
стр. 339
عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فاخذه فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، وقال: يا أباهر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة.
وقد وقع لأبي هريرة ﵁ قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة.
وأخرج ابن حبان من طريق مسلم بن حيان عن أبيه عنه قال: أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة، فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: خر أبو هريرة، حتى انتهيت إلى الصفة، فوافيت رسول الله ﷺ أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها، فجمعه ﷺ فصارت لقمة، فوضعها على أصابعه فقال لي: كل باسم الله، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منه حتى شبعت.
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث معاوية بن الحكم فقال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ في الصفة، فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار، والرجلين والثلاثة، حتى بقيت في أربعة ورسول الله ﷺ خامسنا، فقال: انطلقوا بنا، فقال: يا عائشة عشّينا- الحديث.
وروى أيضا من طريق نعيم المجمر عن أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله ﷺ ، فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر، فيؤتي النبي ﷺ بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد.
وروى ابن شبة عن طلحة البصري قال: كان من قدم المدينة فكان له بها عريف نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت فيمن نزل الصفة، فوافقت رجلين كان يجرى علينا في كل يوم مدّين من تمر من رسول الله ﷺ ، فانصرف رسول الله ﷺ ، فناداه رجل من أهل الصفة: يا رسول الله أحرق التمر بطوننا وتحرفت علينا الحرف، فمال النبي ﷺ إلى منبره فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما لقي من قومه حتى إن كان ليأتي علي وعلى صاحبي بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير، فقدمنا على إخواننا من الأنصار وجل
стр. 340
طعامهم التمر، فواسونا، ولو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكم، ولكن لعلكم ستدركون زمانا أو من أدركه منكم يلبسون فيه مثل أستار الكعبة ويغدى ويراح عليكم بالجفان.
مبدأ تعليق الأقناء
وقال ابن النجار: روى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: ألا نفرق هذه الأضياف في دور الأنصار، ونجعل لك في كل حائط قنوا ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام، فقال رسول الله ﷺ : بلى، فلما جدّ ماله جاء بقنو فجعله في المسجد بين ساريتين، فجعل الناس يفعلون ذلك، وكان معاذ بن جبل يقوم عليه، وكان يجعل حبلا بين الساريتين ثم تعلّق الأقناء على الحبل، وتجمع العشرين وأكثر فيهش عليهم بعصا من الأقناء فيأكلون حتى يشبعون، ثم ينصرفون ويأتي غيرهم فيفعل بهم مثل ذلك، فإذا كان الليل فعل لهم مثل ذلك.
قلت: بوّب البخاري للقسمة وتعليق القنو في المسجد، ولم يذكر في الباب تصريحا بتعليق القنو، فأشار بذلك إلى ما رواه النسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرج رسول الله ﷺ وبيده عصا، وقد علق رجل قنو حشف، فجعل يطعن في ذلك القنو، ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة، وليس على شرط البخاري، وإن كان إسناده قويا، فأشار إليه بالتبويب ولم يذكره كعادته.
وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن ناسا كانوا يقدمون على النبي ﷺ لا شيء لهم، فقالت الأنصار: يا رسول الله، لو عجلناك قنوا من كل حائط لهؤلاء، قال: أجل فافعلوا، ففعلوا، فجرى ذلك إلى اليوم، فهي الأقناء التي تعلق في المسجد عند جدار النخل فيعطاها المساكين، وكان عليها على عهد رسول الله ﷺ معاذ بن جبل.
وقال يحيى: حدثني هرون بن موسى عن غير واحد من أهل المدينة أن الناس أصابتهم في ثمارهم عاهة من العاهات في زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما على أحدكم لو بعث بقنو من نخله للمساكين، فبعث ذلك الناس، واستعمل رسول الله ﷺ على الأقناء معاذ بن جبل، فكان يمد حبلا بين جذعين ويعلق عليه الأقناء، فرفع الله تلك العاهة، فصارت سنة، ولم تزل الأئمة عليها إلى اليوم.
وروى يحيى أيضا عن عاصم بن سويد قال: سمعت أبي يقول: عويم بن ساعدة أتى بقنو إلى مسجد رسول الله ﷺ فأتسى الناس به أهل العالية وأهل السافلة.
وأخرج ثابت في الدلائل أن النبي ﷺ «أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد» يعني للمساكين.
стр. 341
وفي رواية له: وكان عليها معاذ بن جبل: أي على حفظها، أو على قسمتها، والله أعلم.
الفصل التاسع في الحجرة الشريفة، وبيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب
قد تقدم أنه ﷺ لما بنى مسجده الشريف بنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودة ﵄ على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل.
قال ابن النجار: وكان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر أو ساج «١» ، قال: ولما تزوج رسول الله ﷺ نساءه بنى لهن حجرا، وهي تسعة أبيات، وهي ما بين بيت عائشة ﵂ إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ ، انتهى. ومراده بالباب الذي يلي باب النبي ﷺ الباب الذي في الجهة المقابلة له من المغرب، وهو المعروف الآن بباب الرحمة، وإنما حملنا كلامه على ذلك لأنه وقع في كلامه استعمال الباب الذي يليه بمعنى الباب الذي يقابله، ولأنه قال عقبه: قال أهل السير: ضرب النبي ﷺ الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد، انتهى.
وكأن الخطيب ابن حملة فهم من هذا اختلافا في مواضع الحجر، فقال: قيل كانت كلها في جهة المشرق، وقيل: في جهات المسجد ما عدا المغرب.
قلت: ويرجح ما قررناه ما رواه ابن الجوزي في شرف المصطفى بسنده إلى محمد بن عمر قال: سألت مالك بن أبي الرجال: أين كانت منازل أزواج النبي ﷺ ؟ فأخبرني عن أبيه عن أمه أنها كانت كلها في الشق الأيسر إذا قمت إلى الصلاة إلى وجه الإمام في وجه المنبر هذا أبعدها، ولما توفيت زينب أدخل- أي النبي ﷺ أم سلمة بيتها، انتهى، ووجه المنبر ووجه الإمام يعني إذا قام على المنبر بجهة الشام في جهة الباب المعروف الآن بباب الرحمة قبل أن ينقل إلى محله اليوم، وهو يقتضي أنه لم يكن من الحجر شيء في جهة القبلة، إلا أن تكون الرواية إلى وجه الإمام وفي وجه المنبر فيوافق ما تقدم عن أهل السير.
وأسند ابن زبالة عن محمد بن هلال قال: أدركت بيوت أزواج النبي ﷺ كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر «٢» مستطيرة في القبلة وفي المشرق والشام، ليس في غربي
стр. 342
المسجد شيء منها، وكان باب عائشة مواجه الشام، وكان بمصراع واحد من عرعر أوساج.
وأسند يحيى من طريق الواقدي عن عبد الله بن يزيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت من لبن «١» ، ولها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ إلى منزل أسماء بنت حسن اليوم.
قلت: وقوله «إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ » قد تقدم ما يؤخذ منه أن المراد به باب الرحمة، وقوله «إلى منزل أسماء إلى آخره» يقتضي أن البيوت المذكورة كان بعضها خارجا عن سمت «٢» المسجد؛ لأن بيت أسماء المذكور كان في مقابلة الباب الذي كان يلي باب النساء من شاميه، ويبعد أن يكون المسجد النبوي ممتدا إلى تلك الجهة في زمنه ﷺ ، لكن سيأتي في بيت فاطمة ﵂ ما يصرح بأن بيتها كان ينتهي إلى الباب المذكور؛ فيحتمل أن المسجد كان ممتدا إليه، ويحتمل أن بعض البيت المذكور لم يكن في محاذاة المسجد، على أن البخاري روى في صحيحه حديث «كان رسول الله ﷺ في المسجد وعنده أزواجه فرجعن، فقال لصفية بنت حيي: لا تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج النبي ﷺ معها- الحديث» .
وفي رواية له عن صفية قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت، فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار- الحديث.
وفي رواية له أنها جاءت رسول الله ﷺ تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، ثم قامت تنقلب، فقام معها رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ قريبا من باب المسجد عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ مر بهما رجلان من الأنصار- الحديث، وهو يقتضي أن صفية لم يكن مسكنها في الحجر المحيطة بالمسجد.
ولم يتعرض ابن شبة لاتخاذ أسامة لدار، وذكر أن أباه اتخذ دارين إحداهما دخلت في المسجد لما زيد فيه، ولعلها المرادة والله أعلم.
ولنرجع إلى بقية ما أسنده يحيى عن عبد الله بن زيد، قال: ورأيت بيت أم سلمة زوج النبي ﷺ وحجرتها من اللبن، فسألت ابن ابنها، فقال: لما غزا رسول الله ﷺ دومة الجندل بنت حجرتها بلبن، فلما قدم النبي ﷺ نظر إلى اللبن ودخل عليها أول نسائه، فقال: ما هذا البناء؟ فقالت: أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة إن من شر ما
стр. 343
ذهب فيه مال المسلم البنيان، قال الواقدي: فحدثت بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري، فقال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو فيما بين القبر والمنبر: أدركت حجرات أزواج النبي ﷺ من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمرنا بهدم حجر أزواج النبي ﷺ فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول: والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من المدينة ويقدم قادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته، ويكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها، قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: كان فيها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الساتر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع وعظم الذراع، فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني في السمجد وفيه نفر من أبناء أصحاب النبي ﷺ أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو أمامة بن سهل وخارجة بن زيد وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع، وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت حتى ينقص الناس من البنيان ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
وروى رزين عن عبد الله بن يزيد الهلالي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز يدخلها في المسجد مبنية باللبن حولها حجر من جريد ممدودة إلا حجرة أم سلمة، وذكر نحو ما تقدم باختصار.
وقال ابن الجوزي في الوفاء: قال محمد بن عمر: كانت لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، وكلما أحدث رسول الله ﷺ أهلا «١» نزل له حارثة عن منزله حتى صارت منازله كلها لرسول الله ﷺ وأزواجه.
قلت: وظاهره يخالف ما تقدم من أنه ﷺ بنى أولا بيتين لزوجتيه، وأنه لما تزوج نساءه بنى لهن حجرا، وظاهره أنه كان كلما أحدث زوجة أحدث لها بناء حجرة، فيحمل ما هنا على أن حارثة كان ينزل له عن مواضع المساكن، وكان ﷺ يبنيها.
ونقل الزركشي عن الشمس الذهبي أنه قال: لم يبلغنا أنه ﷺ بنى له تسعة أبيات حين بنى المسجد، ولا أحسبه فعل ذلك، إنما كان يريد بيتا واحدا حينئذ لسودة أم المؤمنين، ثم لم يحتج إلى بيت آخر حتى بنى لعائشة ﵂، في شوال سنة اثنين، فكأنه ﷺ بناها في أوقات مختلفة، انتهى.
وهو مقتضى ما قدمناه، غير أنه مخالف لما قدمناه في بيت عائشة ﵂، لما
стр. 344
تقدم أنه بناه مع بناء المسجد، وهو الظاهر؛ لأنها كانت حينئذ زوجته، غير أنه لم يبن لها فتأهب لذلك بأن بنى لها حجرتها.
وذكر الأقشهري أن ابن عبد البر روى من طريق الزبير بن بكار عن عائشة ﵂ خبرا طويلا في قدومها المدينة قالت فيه: ثم إنا قدمنا المدينة، فنزلت مع آل أبي بكر، ونزل آل النبي ﷺ عليه، وكان رسول الله ﷺ يا بني مسجده وأبياتا حول المسجد، فأنزل فيها أهله، فمكثنا أياما، ثم قال أبو بكر: يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال:
الصداق، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشا «١» فبعث بها إلينا، وبنى لي رسول الله ﷺ في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه ودفن فيه.
المشربة
قلت: ولم أر في كلام المؤرخين من تعرض للمشربة التي اعتزل فيها رسول الله ﷺ لما آلى من نسائه شهرا، ومقتضى ذلك أنه لم يكن بابها من بيت واحدة منهن ليتأتى عدم الدخول عليهن، والذي في الصحيح قول حفصة: هو ذاقي المشربة، وفي رواية تسميتها علّبة، وفي رواية غرفة، وقد بوب عليه البخاري باب هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن، وفي رواية «هو في خزانته في المشربة» وفي رواية «فإذا رسول الله ﷺ في مشربة يرقى عليها بعجلة» وفي رواية «فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعد على أسكفة المشربة «٢» مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر» .
وقال السهيلي: قال الحسن البصري: كنت أدخل بيوت رسول الله ﷺ وأنا غلام مراهق وأنال السقف بيدي، وكان لكل بيت حجرة، وكانت حجرة من أكسية من خشب عرعر.
وورد أن بابه ﷺ كان يقرع بالأظافير: أي: لا حلق له.
وقال مالك: كان المسجد يضيق عن أهله، وحجر أزواج النبي ﷺ ليست من المسجد، ولكن أبوابها شارعة في المسجد.
وقال ابن سعد: أوصت سودة ببيتها لعائشة ﵂، وباع أولياء صفية بنت حيي بيتها من معاوية بمائة ألف وثمانين ألف درهم، واشترى معاوية من عائشة منزلها
стр. 345
بمائة ألف وثمانين ألف درهم، وقيل: بمائتي ألف، وشرط لها سكناها حياتها، وحمل إليها المال، فما قامت من مجلسها حتى قسمته، وقيل: بل اشتراه ابن الزبير من عائشة، وبعث إليها خمسة أجمال تحمل المال، وشرط لها سكناها حياتها، ففرقت المال.
وأسند ابن زبالة عن هشام بن عروة قال: إن ابن الزبير ليعتد بمكرمتين ما يعتد أحد بمثلهما: أن عائشة أوصته ببيتها وحجرتها، وأنه اشترى حجرة سودة.
قلت: وهذا يقتضي أن الحجر الشريفة كانت على ملك نسائه ﷺ ، ويؤيده ما تقدم من تصرف أم سلمة وبنائها لحجرتها في غيبته ﷺ ، ويعارضه ما تقدم من أن زينب بنت خزيمة لما توفيت أدخل النبي ﷺ أم سلمة بيتها، وقد أضيفت البيوت في القرآن العظيم مرة إليه ﷺ ومرة إليهن، والظاهر أن الإضافة الأولى هي الحقيقية؛ لما تقدم من أن النبي ﷺ بناها، ولأنه كان يجب عليه إسكانهن، غير أن لهن فيها بعده حق السكنى لحبسهن لحقه ﷺ .
وقال الزبير بن المنير: إن غرض البخاري حيث ترجم بقوله «باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ » وما نسب من البيوت إليهن وقول الله وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣] لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣] أن يبين أن بهذه النسبة تحقيق دوام استحقاقهن البيوت ما بقين؛ لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي ﷺ ، والسر فيه حبسهن عليه، انتهى. ويحتمل أنه ﷺ كان قد ملّك بعضهن بيتها، أو ملكهن كلهن كما ذهب إليه بعضهم.
قال الطبري: قيل: كان النبي ﷺ ملّك كلا من أزواجه البيت التي هي فيه فسكّن بعده فيهن بذلك التمليك، وقيل: إنما لم ينازعن في مساكنهن لأن ذلك من جملة مؤنتهن التي كان النبي ﷺ استثناه لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة، قال الطبري: وهذا أرجح، ويؤيده أن ورثتهن لم يرثوا عنهن منازلهن، ولو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن، وفي ترك ورثتهن حقوقهم منها دلالة على ذلك، ولهذا زيدت بعدهن في المسجد لعموم نفعه للمسلمين، انتهى.
وقد يناقش فيما ذكره من عدم إرث ورثتهن لمنازلهن؛ إذ لا يلزم من عدم نقله انتفاءه مع أن في قصة إدخال بيت حفصة في المسجد وما وقع من آل عمر في أمر طريق بيت حفصة ما يشهد لأن ورثتهن ورثوا ذلك، ويحتمل أن إدخال الحجر في المسجد كان بعد شرائها من الورثة، وقد تقدم عن ابن سعد ما يشهد لذلك، وقد قال في طبقاته أيضا:
أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: مات رسول الله ﷺ ولم يوص إلا بمسكن أزواجه وأرض، انتهى. وهذا يحتمل الوصية للأزواج بذلك، ويحتمل غيره، والله أعلم.
وادعى المهلب أن النبي ﷺ كان قد حبس عليهن بيوتهن، ثم استدل به على أن من
стр. 346
حبس دارا جاز له أن يسكن منها في موضع، وتعقّبه ابن المنير بمنع أصل الدعوى، وقد ترجم ابن شبة لعلم دور أزواج النبي ﷺ بالمدينة، وذكر عن جماعة منهن اتخاذ دور في أماكن متفرقة من المدينة، فتلك غير الحجر المذكورة، والظاهر أن اتخاذهن لذلك كان بعد وفاة النبي ﷺ ، والله أعلم.
الفصل العاشر في حجرة فاطمة بنت النبي ﷺ ورضي الله عنها
أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه أن بيت فاطمة ﵂ في الزور الذي في القبر، بينه وبين بيت النبي ﷺ خوخة.
وأسند عن عمر بن علي بن عمر بن علي بن الحسين قال: كان بيت فاطمة في موضع الزور مخرج النبي ﷺ ، وكانت فيه كوة إلى بيت عائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى المخرج اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم، وأن فاطمة ﵂ قالت لعلي: إن ابني أمسيا عليلين فلو نظرت لنا أدما «١» نستصبح به «٢» ، فخرج علي إلى السوق فاشترى لهم أدما، وجاء به إلى فاطمة فاستصبحت، فدخلت عائشة المخرج في جوف الليل فأبصرت المصباح عندهم، وذكر كلاما وقع بينهما، فلما أصبحوا سألت فاطمة النبي ﷺ أن يسد الكوة، فسدها رسول الله ﷺ .
وأسند يحيى عقب ذلك حديث عائشة «قلت: يا رسول الله ندخل كنيفك فلا نرى شيئا من الأذى، فقال: الأرض تبلع ما يخرج من الأنبياء من الأذى فلا يرى منه شيء» فأشعر صنيع يحيى أن المراد من المخرج موضع الكنيف، وأفهم ذلك أن المخرج المذكور كان خلف حجرة عائشة ﵂، بينها وبين بيت فاطمة ﵂، وذلك يقتضي أن يكون محله في الزور، أعني الموضع المزور شبه المثلث في بناء عمر بن عبد العزيز في جهة الشام.
ويشهد لذلك ما أسنده يحيى عن مسلم عن ابن أبي مريم أن عرض بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى الأسطوانة التي خلف الأسطوان المواجهة الزور، قال: وكان بابه في المربعة التي في القبر.
وقد أسند أبو غسان كما قاله ابن شبة عن مسلم بن سالم بن مسلم بن أبي مريم قال:
عرّس علي ﵁ بفاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى الأسطوان التي خلف الأسطوان
стр. 347
المواجهة الزور، وكانت داره في المربعة التي في القبر، قال سليمان: وقال مسلم: لا تنس حظك من الصلاة إليها؛ فإنه باب فاطمة التي كان علي يدخل إليها منه، وقد رأيت حسن بن زيد يصلي إليها.
وقد ذكرنا في فضل أسطوان مربعة القبر ما ورد من أنه ﷺ «كان يأتي باب علي كل يوم» وفي رواية «عند صلاة الصبح» وفي رواية يحيى «إلى باب علي وفاطمة وحسن وحسين حتى يأخذ بعضادتي الباب ويقول: السلام عليكم أهل البيت» وفي رواية فيقول «الصلاة الصلاة الصلاة، ثلاث مرات، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» وذكرنا أيضا أن أسطوان التهجد خلف بيت فاطمة ﵂.
وروى الطبراني من حديث أبي ثعلبة: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه، وفي لفظ: ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم يأتي بيوت نسائه.
وأسند يحيى عن محمد بن قيس قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر أتى فاطمة فدخل عليها وأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر وصنعت فاطمة مسكتين «١» من ورق وقلادة وقرطين، وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم رسول الله ﷺ ودخل عليها، ووقف أصحابه على الباب لا يدرون أيقيمون أم ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج رسول الله ﷺ وقد عرف الغضب في وجهه، حتى جلس على المنبر، ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رأى من المسكتين والقلادة والستر، فنزعت قرطيها وقلادتها ومسكتيها ونزعت الستر وبعثت به إلى رسول الله ﷺ وقالت للرسول: قل له تقرأ عليك ابنتك السلام، وتقول لك:
اجعل هذا في سبيل الله، فلما أتاه قال: قد فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، ثم قام فدخل عليها.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم عراة كانوا غزاة بالروم، فدخل على فاطمة وقد سترت سترا قال: أيسرك أن يسترك الله يوم القيامة؟
فأعطنيه، فأعطته، فخرج به فشقه لكل إنسان ذراعين في ذراع.
وعن علي ﵁ قال: زارنا النبي ﷺ ، فبات عندنا والحسن والحسين نائمان، واستسقى الحسن، فقام النبي ﷺ إلى قربة لنا فجعل يعصرها في القدح ثم جعل يصبه، فتناول الحسين فمنعه، وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة: يا رسول الله كأنه أحب إليك، قال:
стр. 348
إنما استسقى أول، ثم قال رسول الله ﷺ : إني وإياك وهذا وهذا الرقد يعني عليا يوم القيامة في مكان واحد، وعن أبي سعيد الخدري أيضا مثله.
وعن علي قال: زارنا رسول الله ﷺ ، فعملنا له خزيرة «١» ، وأهدت لنا أم أيمن قعبا من لبن وصحفة من تمر، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا معه، ثم وضّأت رسول الله ﷺ ، فمسح رأسه وجبهته بيده، ثم استقبل القبلة فدعا بما شاء، ثم أكبّ إلى الأرض بدموع غزيرة، يفعل ذلك ثلاث مرات، فتهيبنا رسول الله أن نسأله، فوثب الحسين على ظهر رسول الله ﷺ وبكى، فقال له: بأبي وأمي ما يبكيك؟ قال: يا أبت رأيتك تصنع شيئا ما رأيتك تصنع مثله، فقال رسول الله ﷺ : يا بني سررت بكم اليوم سرورا لم أسرّ بكم مثله قط، وإن حبيبي جبريل ﵇ أتاني وأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى، فأحزنني ذلك، ودعوت الله تعالى لكم بالخيرة.
وقال ابن النجار: وبيت فاطمة اليوم حوله مقصورة وفيه محراب، وهو خلف حجرة النبي ﷺ .
قلت: المقصورة اليوم دائرة عليه وعلى حجرة عائشة ﵂ كما سيأتي بيانه، والمحراب الذي ذكره خلف حجرة عائشة من جهة الزور بينه وبينه موضع تحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم، يذكر أنه موضع قبر فاطمة ﵂ كما هو أحد الأقوال الآتية فيه، وقد اقتضى ما قدمناه أن بيت فاطمة ﵂ كان فيما بين مربعة القبر وأسطوان التهجد، وأنه عرّس بها إلى الأسطوان الذي إليه المحراب الموجود اليوم في بيتها؛ لأن الأسطوان المواجه للزور هو الأسطوان الذي في صف المربعة اللاصق بالجدار الداخل من الحجرة الشريفة، كان بعضه في حائطها الشامي، وأدخل كله فيه في العمارة التي أدركناها، وخلفه الأسطوانة التي التقى عندها زاويتا الزور، وخلفها الأسطوانة التي إليها المحراب المذكور؛ فيصدق عليها ما تقدم في كلام ابن شبة نقلا عن رواية أبي غسان من أن عليا ﵁ عرّس بفاطمة إلى الأسطوان التي خلف الأسطوان المواجه الزور، لكن قال ابن شبة قبل ذلك ما لفظه: واتخذ علي بن أبي طالب بالمدينة دارين إحداهما دخلت في مسجد رسول الله ﷺ ، وهي منزل فاطمة بنت رسول الله ﷺ التي كان يسكن، وموضعها من المسجد بين دار عثمان بن عفان التي في شرقي المسجد وبين الباب المواجه دار أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس في شرقي المسجد، والآخرى دار علي التي بالبقيع، وهي بأيدي ولد علي على حوز الصدقة، اه.
وقوله «بين دار عثمان» أي ما يحاذيها، وقوله «وبين الباب المواجه دار أسماء» أي ما
стр. 349
يحاذيه أيضا، وسيأتي أن هذا الباب كان بعد باب النساء مقابلا لرباط النساء المعروف اليوم برباط السبيل، وهو بعيد من وجوه:
أحدها: ما تقدم في أسطوان التهجد من أنه كان خلف بيت فاطمة.
الثاني: أنهم متفقون على أن باب جبريل المقابل لدار عثمان كان موجودا في زمنه ﷺ ، فكيف يصح كون دار علي في ذلك الموضع.
الثالث: أن عمر بن الخطاب أول من زاد في المسجد وأحدث باب النساء، وهو فيما بين باب جبريل والباب الذي ذكره ابن شبة، وبيت فاطمة إنما أدخله في المسجد الوليد، وسنذكر ما اتفق عند إدخاله في زيادة الوليد.
وقد يقال: إن الشارع كان بين المسجد النبوي وبين بيت فاطمة من جهة مؤخره، فيتأتى مع ذلك اتخاذ عمر لباب النساء من غير تعرض لبيت فاطمة، وكذا يقال في باب جبريل: إنه كان في محاذاة موضعه اليوم، لكن كان الشارع بينه وبين بيت فاطمة من تلك الجهة. ويؤيد ذلك أنهم لما حفروا للدعامة الغربية التي إليها باب الحجرة الشامي عند بناء القبة والعقود التي حولها بالحجرة الشريفة بعد الحريق الذي أدركناه وجدوا في محاذاة باب جبريل أمام باب الحجرة المذكور درجا تحت الأرض آخذة لجهة الشام، وقد سبق في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أن جداره في المشرق كان هناك، فترجح عندي أن تلك الدرج كانت لباب جبريل ﵇، وأنه كان هناك قبل تحويله، والله أعلم.
الفصل الحادي عشر في الأمر بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد الشريف
وبيان ما استثنى من ذلك.
قال البخاري: باب قول النبي ﷺ سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، قاله ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقد وصله البخاري في الصلاة بلفظ سدوا عني كل خوخة، فكأنه ذكره هنا بالمعنى، ثم أسند البخاري في الباب حديث أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال: فبكى أبو بكر، فتعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ : إن أمنّ الناس علي في صحبته وما له أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر.
стр. 350
ورواه مسلم من طريق مالك بن أنس بنحوه، وقال: لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.
والخوخة: طاقة في الجدار تفتح لأجل الضوء، ولا يشترط علوها، وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى مكان مطلوب، وهو المقصود هنا، لهذا أطلق عليها باب، وقيل: لا يطلق عليها باب إلا إذا كانت تغلق.
وفي حديث ابن عباس المشار إليه في الصلاة أن ذلك في مرضه ﷺ الذي مات فيه، ولمسلم من حديث جندب: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس ليال، وذكر الحديث.
وروى عبد الله بن أحمد برجال ثقات عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر.
وروى الطبراني بإسناد حسن عن معاوية ﵁ نحوه، وفيه أن ذلك بعد أن صب عليه ﷺ من سبع قرب من آبار شتى، ولفظه: انظروا هذه الأبواب الشوارع في المسجد فسدوها إلا ما كان من باب أبي بكر.
وروى أبو يعلى- ورجاله ثقات- عن عائشة نحوه أيضا.
وفي طبقات ابن سعد: أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي ثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ قال: إن أعظم الناس علي منّا في صحبته وذات يده أبو بكر، فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة كلها في المسجد إلا باب أبي بكر.
وقال قتيبة بن سعيد: قال الليث بن سعد: قال معاوية بن صالح: فقال ناس: أغلق أبوابنا وترك باب خليله، فقال رسول الله ﷺ : قد بلغني الذي قلتم في باب أبي بكر، وإني أرى على باب أبي بكر نورا، وأرى على ابوابكم ظلمة.
وفيها أيضا: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالأبواب تسد إلا باب أبي بكر قال عمر: يا رسول الله دعني افتح كوة أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا.
قال الخطابي وابن بطال: في هذا الحديث إشارة قوية إلى استحقاق أبي بكر ﵁ للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي ﷺ في الوقت الذي أمرهم فيه ألايؤمهم إلا أبو بكر.
قال الحافظ ابن حجر: وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها،
стр. 351
وإلى هذا جنح ابن حبان، وقوى بعضهم ذلك بأن منزل أب بكر كان بالسّنح «١» من عوالي المدينة فلا يكون له خوخة إلى المسجد.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الإستناد ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسّنح ألايكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عميس، بالاتفاق، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ، وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم.
قلت: وسيأتي بقية ما ذكره في إدخالها في المسجد في زيادة عمر ﵁.
وقال ابن شبة أيضا في ذكر دور بني تيم: اتخذ أبو بكر ﵁ دارا في زقاق البقيع قبالة دار عثمان الصغرى، واتخذ منزلا آخر أيضا عند المسجد، وهو المنزل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من باب أبي بكر.
قال أبو غسان: أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أن عمه أخبره أن الخوخة الشارعة في دار القضاء في غربي المسجد خوخة أبي بكر الصديق التي قال لها رسول الله ﷺ : سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من خوخة أبي بكر الصديق، واتخذ أبو بكر أيضا بيتا بالسنح، اه كلام ابن شبة.
وقال الجمال المطري: وأما خوخة أبي بكر ﵁ فإن ابن النجار قال: قال أهل السير: إن باب أبي بكر كان عربي المسجد، ونقل أيضا أنه كان قريب المنبر، ولما زادوا في المسجد إلى حده في الغرب نقلوا الخوخة «٢» وجعلوها في مثل مكانها أولا، كما نقل باب عثمان إلى موضعه اليوم.
قال المطري: وباب خوخة أبي بكر اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل الحرم، إذا دخلت من باب السلام كانت على يسارك قريبا من الباب.
قلت: وهذه الخزانة جعل في جهتها عند عمارة المدرسة الأشرفية ثلاثة أبواب، ومحل الخوخة من ذلك الباب الثالث من على يسارك إذا دخلت من باب السلام، وتعرف قديما بخزانة النورة لوضعها فيها للعمارة.
стр. 352
وكلامه في ذلك يوافق ما ذكره ابن زبالة فإنه قال: وحدثني محمد بن إسماعيل عن إسحاق بن مسلم أن الخوخة التي إلى جنب باب زياد في غربي المسجد الشارعة في رحبة القضاء هي يمنى خوخة أبي بكر، لما زيد في المسجد نحّيت فجعلت يمناها: أي: في موازاتها من جهة اليمين، ورحبة القضاء خلف الخوخة المتقدم وصفها من جهة الحصن العتيق المتخذ مدرسة للسلطان الأشرف بعد الحريق الذي أدركناه.
قال الحافظ ابن حجر: وقد جاء في سد الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها ما تقدم: منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقاة: فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها، وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم ناس في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : إني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات.
قلت: لفظ رواية أحمد: عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ أبواب شارعة في المسجد، قال: فقال يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم أناس في ذلك، فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإني قد أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، الحديث.
وعن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي، وفي رواية: وأمر بسد أبواب المسجد غير باب علي؛ فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، أخرجهما أحمد والنسائي، ورجالهما ثقات.
وعن جابر بن سمرة قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي، فربما مر فيه وهو جنب، أخرجه الطبراني.
وعن ابن عمر: كنا نقول في زمن رسول الله ﷺ : رسول الله «خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أعطى علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطى له الراية يوم «١» خيبر، أخرجه أحمد، وإسناده حسن.
وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار- بمهملات- قال: قلت لابن عمر: أخبرني عن علي وعثمان، فذكر الحديث، وفيه: وأما علي فلا تسأل عنه أحدا، وانظر إلى منزله من
стр. 353
رسول الله ﷺ ، قد سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه، ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأحاديث تقوي بعضها بعضا، وكل طريق منها صالحة للاحتجاج، فضلا عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وأخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرا على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ في ذلك خطأ شنيعا؛ فإنه سلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن.
وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري- يعني الذي أخرجه الترمذي- أن النبي ﷺ قال: لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك، والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره؛ فلذلك لم يؤمر بسده.
ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب؛ لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليا لما ذكره من كون بابه كان إلى المسجد ولم يكن له غيره، وفي الآخرى استثنى أبا بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأمروا بعد ذلك بسدها.
فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين المذكورين؛ وبها جمع بينهما الطحاوي في مشكل الآثار، والكلاباذي في معاني الأخبار، وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، انتهى ما أورده الحافظ بن حجر في ذلك.
قلت: والعبارة تحتاج إلى تنقيح؛ لأن ما ذكره بقوله «ومحصل الجمع» طريقة أخرى في الجمع غير الطريقة المتقدمة؛ إذ محصل الطريقة المتقدمة أن البابين بقيا، وأن المأمورين بالسد
стр. 354
هم الذين كان لهم أبواب إلى غير المسجد مع أبواب من المسجد، وأما علي فلم يكن بابه إلا من المسجد، وأن الشارع ﷺ خصّه بذلك، وجعل طريقه إلى بيته المسجد لما سبق، فباب أبي بكر هو المحتاج إلى الاستثناء، ولذلك اقتصر الأكثر عليه، ومن ذكر باب علي فإنما أراد بيان أنه لم يسد، وأنه وقع التصريح بإبقائه أيضا، والطريقة الثانية تعدد الواقعة، وأن قصة علي كانت متقدمة على قصة أبي بكر ﵄.
ويؤيد ذلك ما أسنده يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد الله بن مسلم الهلالي عن أبيه عن أخيه قال: لما أمر بسد أبوابهم التي في المسجد خرج حمزة بن عبد المطلب يجر قطيفة له حمراء، وعيناه تذرفان يبكي يقول: يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك، فقال: ما أنا أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه، فذكر حمزة ﵁ في القصة يدل على تقدمها.
وروى البزار وفيه ضعفاء قد وثقوا عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم، فانطلقت فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة، فقلت: يا رسول الله قد فعلوا إلا حمزة، فقال رسول الله ﷺ : قل لحمزة فليحول بابه، فقلت: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تحول بابك، فحوله، فرجعت إليه وهو قائم يصلي، فقال: ارجع إلى بيتك.
وروى البزار بإسناد قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه، عن علي ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجده بهارون، وإني سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك، ثم أرسل إلى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع ثم قال:
سمع وطاعة، فسد بابه، ثم أرسل إلى عمر، ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي، ولكن الله فتح باب علي وسد أبوابكم» .
قلت: ذكر العباس بدل حمزة هنا وفيما سيأتي فيه نظر؛ لأنه يقتضي تأخر ذلك؛ لأنه إنما قدم المدينة عام الفتح.
وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: بينما الناس جلوس في مسجد رسول الله ﷺ إذ خرج مناد فنادى: أيها الناس سدوا أبوابكم، فتحسحس «١» الناس لذلك ولم يقم أحد، ثم خرج الثانية فقال: أيها الناس سدوا أبوابكم، فلم يقم أحد، فقال الناس: ما أراد بهذا؟ فخرج فقال: أيها الناس سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب يجر كساءه حين نادى
стр. 355
سدوا أبوابكم، قال: ولكل رجل منهم باب إلى المسجد أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، قال: وجاء علي حتى قام على رأس رسول الله ﷺ فقال: ما يقيمك؟ ارجع إلى رحلك، ولم يأمره بالسد، فقالوا: سدّ أبوابنا وترك باب علي وهو أحدثنا، فقال بعضهم: تركه لقرابته، فقالوا: حمزة أقرب فيه، وأخوه من الرضاعة وعمه، وقال بعضهم تركه من أجل ابنته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم بعد ثالثة فحمد الله وأثنى عليه محمرا وجهه- وكان إذا غضب احمر عرق في وجهه- ثم قال: أما بعد ذلكم فإن الله أوحى إلى موسى أن اتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شبرا وشبيرا، وإن الله أوحى إلي أن أتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعلي وأبناء علي حسن وحسين، وقد قدمت المدينة، واتخذت بها مسجدا، وما أردت التحول إليه حتى أمرت، وما أعلم إلا ما علّمت، وما أصنع إلا ما أمرت، فخرجت على ناقتي، فلقيني الأنصار يقولون: يا رسول الله انزل علينا، فقلت: خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى نزلت حيث بركت، والله ما أنا سددت الأبواب وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنت عليا، ولكن الله أسكنه.
وروى أحمد بإسناد حسن عن سعد بن مالك قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي ﵁، ورواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وزاد: قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، قال: ما أنا سددت أبوابكم، ولكن الله سدها.
وأسنده يحيى عنه بلفظ: أن رسول الله ﷺ أمر بالأبواب فسدت إلا باب علي، فقال العباس: يا رسول الله سددت أبوابنا إلا باب علي، فقال رسول الله ﷺ : ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها.
وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : سدوا أبواب المسجد إلا باب علي، فقال رجل: اترك لي قدر ما أخرج وأدخل، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، قال:
اترك بقدر ما أخرج صدري يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، وانصرف، قال رجل: فبقدر رأسي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، وانصرف واجدا «١» باكيا حزينا، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، سدوا الأبواب إلا باب علي.
ورواه الطبراني عن جابر مختصرا، وفي ناصح بن عبد الله، وهو متروك، ولفظ الطبراني: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي ﵁، فقال