← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإلى هذا جنح ابن حبان، وقوى بعضهم ذلك بأن منزل أب بكر كان بالسّنح «١» من عوالي المدينة فلا يكون له خوخة إلى المسجد. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الإستناد ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسّنح ألايكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عميس، بالاتفاق، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ، وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم. قلت: وسيأتي بقية ما ذكره في إدخالها في المسجد في زيادة عمر ﵁. وقال ابن شبة أيضا في ذكر دور بني تيم: اتخذ أبو بكر ﵁ دارا في زقاق البقيع قبالة دار عثمان الصغرى، واتخذ منزلا آخر أيضا عند المسجد، وهو المنزل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من باب أبي بكر. قال أبو غسان: أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أن عمه أخبره أن الخوخة الشارعة في دار القضاء في غربي المسجد خوخة أبي بكر الصديق التي قال لها رسول الله ﷺ : سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من خوخة أبي بكر الصديق، واتخذ أبو بكر أيضا بيتا بالسنح، اه كلام ابن شبة. وقال الجمال المطري: وأما خوخة أبي بكر ﵁ فإن ابن النجار قال: قال أهل السير: إن باب أبي بكر كان عربي المسجد، ونقل أيضا أنه كان قريب المنبر، ولما زادوا في المسجد إلى حده في الغرب نقلوا الخوخة «٢» وجعلوها في مثل مكانها أولا، كما نقل باب عثمان إلى موضعه اليوم. قال المطري: وباب خوخة أبي بكر اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل الحرم، إذا دخلت من باب السلام كانت على يسارك قريبا من الباب. قلت: وهذه الخزانة جعل في جهتها عند عمارة المدرسة الأشرفية ثلاثة أبواب، ومحل الخوخة من ذلك الباب الثالث من على يسارك إذا دخلت من باب السلام، وتعرف قديما بخزانة النورة لوضعها فيها للعمارة.

стр. 352

وكلامه في ذلك يوافق ما ذكره ابن زبالة فإنه قال: وحدثني محمد بن إسماعيل عن إسحاق بن مسلم أن الخوخة التي إلى جنب باب زياد في غربي المسجد الشارعة في رحبة القضاء هي يمنى خوخة أبي بكر، لما زيد في المسجد نحّيت فجعلت يمناها: أي: في موازاتها من جهة اليمين، ورحبة القضاء خلف الخوخة المتقدم وصفها من جهة الحصن العتيق المتخذ مدرسة للسلطان الأشرف بعد الحريق الذي أدركناه. قال الحافظ ابن حجر: وقد جاء في سد الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها ما تقدم: منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقاة: فقالوا يا رسول الله سددت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها، وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم ناس في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : إني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات. قلت: لفظ رواية أحمد: عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ أبواب شارعة في المسجد، قال: فقال يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم أناس في ذلك، فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإني قد أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، الحديث. وعن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي، وفي رواية: وأمر بسد أبواب المسجد غير باب علي؛ فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، أخرجهما أحمد والنسائي، ورجالهما ثقات. وعن جابر بن سمرة قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي، فربما مر فيه وهو جنب، أخرجه الطبراني. وعن ابن عمر: كنا نقول في زمن رسول الله ﷺ : رسول الله «خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أعطى علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطى له الراية يوم «١» خيبر، أخرجه أحمد، وإسناده حسن. وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار- بمهملات- قال: قلت لابن عمر: أخبرني عن علي وعثمان، فذكر الحديث، وفيه: وأما علي فلا تسأل عنه أحدا، وانظر إلى منزله من

стр. 353

رسول الله ﷺ ، قد سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه، ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأحاديث تقوي بعضها بعضا، وكل طريق منها صالحة للاحتجاج، فضلا عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وأخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرا على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ في ذلك خطأ شنيعا؛ فإنه سلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن. وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري- يعني الذي أخرجه الترمذي- أن النبي ﷺ قال: لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك، والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره؛ فلذلك لم يؤمر بسده. ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب؛ لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليا لما ذكره من كون بابه كان إلى المسجد ولم يكن له غيره، وفي الآخرى استثنى أبا بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأمروا بعد ذلك بسدها. فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين المذكورين؛ وبها جمع بينهما الطحاوي في مشكل الآثار، والكلاباذي في معاني الأخبار، وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، انتهى ما أورده الحافظ بن حجر في ذلك. قلت: والعبارة تحتاج إلى تنقيح؛ لأن ما ذكره بقوله «ومحصل الجمع» طريقة أخرى في الجمع غير الطريقة المتقدمة؛ إذ محصل الطريقة المتقدمة أن البابين بقيا، وأن المأمورين بالسد

стр. 354

هم الذين كان لهم أبواب إلى غير المسجد مع أبواب من المسجد، وأما علي فلم يكن بابه إلا من المسجد، وأن الشارع ﷺ خصّه بذلك، وجعل طريقه إلى بيته المسجد لما سبق، فباب أبي بكر هو المحتاج إلى الاستثناء، ولذلك اقتصر الأكثر عليه، ومن ذكر باب علي فإنما أراد بيان أنه لم يسد، وأنه وقع التصريح بإبقائه أيضا، والطريقة الثانية تعدد الواقعة، وأن قصة علي كانت متقدمة على قصة أبي بكر ﵄. ويؤيد ذلك ما أسنده يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد الله بن مسلم الهلالي عن أبيه عن أخيه قال: لما أمر بسد أبوابهم التي في المسجد خرج حمزة بن عبد المطلب يجر قطيفة له حمراء، وعيناه تذرفان يبكي يقول: يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك، فقال: ما أنا أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه، فذكر حمزة ﵁ في القصة يدل على تقدمها. وروى البزار وفيه ضعفاء قد وثقوا عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم، فانطلقت فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة، فقلت: يا رسول الله قد فعلوا إلا حمزة، فقال رسول الله ﷺ : قل لحمزة فليحول بابه، فقلت: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تحول بابك، فحوله، فرجعت إليه وهو قائم يصلي، فقال: ارجع إلى بيتك. وروى البزار بإسناد قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه، عن علي ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجده بهارون، وإني سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك، ثم أرسل إلى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع ثم قال: سمع وطاعة، فسد بابه، ثم أرسل إلى عمر، ثم أرسل إلى العباس بمثل ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ «ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي، ولكن الله فتح باب علي وسد أبوابكم» . قلت: ذكر العباس بدل حمزة هنا وفيما سيأتي فيه نظر؛ لأنه يقتضي تأخر ذلك؛ لأنه إنما قدم المدينة عام الفتح. وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: بينما الناس جلوس في مسجد رسول الله ﷺ إذ خرج مناد فنادى: أيها الناس سدوا أبوابكم، فتحسحس «١» الناس لذلك ولم يقم أحد، ثم خرج الثانية فقال: أيها الناس سدوا أبوابكم، فلم يقم أحد، فقال الناس: ما أراد بهذا؟ فخرج فقال: أيها الناس سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب يجر كساءه حين نادى

стр. 355

سدوا أبوابكم، قال: ولكل رجل منهم باب إلى المسجد أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، قال: وجاء علي حتى قام على رأس رسول الله ﷺ فقال: ما يقيمك؟ ارجع إلى رحلك، ولم يأمره بالسد، فقالوا: سدّ أبوابنا وترك باب علي وهو أحدثنا، فقال بعضهم: تركه لقرابته، فقالوا: حمزة أقرب فيه، وأخوه من الرضاعة وعمه، وقال بعضهم تركه من أجل ابنته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم بعد ثالثة فحمد الله وأثنى عليه محمرا وجهه- وكان إذا غضب احمر عرق في وجهه- ثم قال: أما بعد ذلكم فإن الله أوحى إلى موسى أن اتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شبرا وشبيرا، وإن الله أوحى إلي أن أتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعلي وأبناء علي حسن وحسين، وقد قدمت المدينة، واتخذت بها مسجدا، وما أردت التحول إليه حتى أمرت، وما أعلم إلا ما علّمت، وما أصنع إلا ما أمرت، فخرجت على ناقتي، فلقيني الأنصار يقولون: يا رسول الله انزل علينا، فقلت: خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى نزلت حيث بركت، والله ما أنا سددت الأبواب وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنت عليا، ولكن الله أسكنه. وروى أحمد بإسناد حسن عن سعد بن مالك قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب علي ﵁، ورواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وزاد: قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، قال: ما أنا سددت أبوابكم، ولكن الله سدها. وأسنده يحيى عنه بلفظ: أن رسول الله ﷺ أمر بالأبواب فسدت إلا باب علي، فقال العباس: يا رسول الله سددت أبوابنا إلا باب علي، فقال رسول الله ﷺ : ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها. وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : سدوا أبواب المسجد إلا باب علي، فقال رجل: اترك لي قدر ما أخرج وأدخل، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، قال: اترك بقدر ما أخرج صدري يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، وانصرف، قال رجل: فبقدر رأسي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، وانصرف واجدا «١» باكيا حزينا، فقال رسول الله ﷺ : لم أومر بذلك، سدوا الأبواب إلا باب علي. ورواه الطبراني عن جابر مختصرا، وفي ناصح بن عبد الله، وهو متروك، ولفظ الطبراني: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب كلها غير باب علي ﵁، فقال

стр. 356

العباس: يا رسول الله اترك لي قدر ما أدخل أنا وحدي وأخرج، فقال: ما أمرت بشيء من ذلك، فسدها كلها غير باب علي، قال: وربما مر وهو جنب. وأسند ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عمرو بن سهل أن رسول الله ﷺ أمر بسد الأبواب الشوارع في المسجد، قال له رجل من أصحابه: يا رسول الله دع لي كوة أنظر إليك منها حين تغدو وحين تروح، فقال: لا والله ولا مثل ثقب الإبرة. قلت: وقد اقتضى ذلك المنع من الخوخة أيضا، بل ومما دونها، عند الأمر بسد الأبواب أولا، فإن صح ذلك فيحمل الإذن بعده في اتخاذ الخوخ، ثم كانت قصة أبي بكر بعد ذلك. وفي طبقات ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن الواقفي عن صالح ابن حسان عن أبي البداح بن عاصم بن عدي قال: قال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله ما بالك فتحت أبواب رجال في المسجد، وما بالك سددت أبواب رجال في المسجد؟ فقال رسول الله ﷺ : يا عباس ما فتحت عن أمري ولا سددت عن أمري، والله أعلم. الفصل الثاني عشر في زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد سيأتي في الفصل الرابع عشر من رواية البخاري وأبي داود عن ابن عمر أن أبا بكر ﵁ لم يزد في مسجد رسول الله ﷺ شيئا، وزاد فيه عمر، وسيأتي في رواية لأبي داود أن سواري المسجد نخرت في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع النخل، وهو لا ينافي رواية أنه لم يزد فيه، وقال أهل السير: لم يزد أبو بكر في المسجد شيئا لأنه اشتغل بالفتح، فلما ولي عمر قال: إني أريد أن أزيد في المسجد، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينبغي أن يزاد المسجد» ما زدت فيه شيئا. وفي تاريخ اليافعي أن زيادته فيه كانت في سنة سبع عشرة، وذكر غيره أنه زاد في هذه السنة في المسجد الحرام، ولم يتعرض لتاريخ زيادته في مسجد المدينة. وأسند ابن زبالة عن أنس قال: لما توفي رسول الله ﷺ وولي أبو بكر لم يحول المسجد، فلما ولي عمر جعل أساطينه من لبن، ونزع الخشب، ومده في القبلة، وكان حد جدار عمر من القبلة، على أول أساطين القبلة التي إليها المقصورة: أي التي كانت بين صف الأساطين التي تلي القبلة على الرواق القبلي. والذي في صحيح البخاري وسنن أبي داود كما سيأتي أن عمر ﵁ زاد في المسجد، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللّبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، وهذا

стр. 357

مخالف لما في رواية ابن زبالة من أن عمر جعل أساطينه من لبن، والمعوّل عليه رواية الصحيح. وروى أحمد عن نافع أن عمر ﵁ زاد في المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة، وقال عمر: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينبغي أن نزيد في مسجدنا» ما زدت. وأسند يحيى عن ابن عمر أن عمر ﵄ قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينبغي أن نزيد في المسجد» ما زدت في المسجد شيئا. وفي رواية له أن ابن عمر قال: إن الناس كثروا في عهد عمر، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين لو وسّعت في المسجد، فقال عمر: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أريد أن أزيد في قبلة مسجدنا» ما زدت فيه. وأسند ابن زبالة عن مسلم بن حباب أن النبي ﷺ قال يوما وهو في مصلاه في المسجد: «لو زدنا في مسجدنا» وأشار بيده نحو القبلة، فأدخلوا رجلا وأجلسوه في موضع مصلى النبي ﷺ ، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأى النبي ﷺ رفع يده، ثم مدوا مقاطا «١» فوضعوا طرفه بيد الرجل، ثم مدوه، فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك فيه بما أشار رسول الله ﷺ من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة. بين عمر والعباس وقال ابن سعد: أنا يزيد بن هارون، أنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر ﵁ وضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل، إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسّع بها في مسجدهم، فقال العباس: ما كنت لأفعل، قال: فقال له عمر: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، وإما أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدّق بها على المسلمين فتوسع في مسجدهم، فقال: لا، ولا واحدة

стр. 358

منها، فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت، فقال: أبي بن كعب، فانطلقا إلى أبي فقصّا عليه القصة، فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فقالا: حدّثنا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتا أذكر فيه، فخط له هذه الخطة خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بزاوية بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياها، فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه: أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك ألاتبنيه، قال: يا رب فمن ولدي، قال: فمن ولدك، فأخذ عمر بمجامع أبي بن كعب فقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه، لتخرجن مما قلت، فجاء يقوده حتى دخل المسجد، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو ذر، فقال أبي: نشدت الله رجلا سمع رسول الله ﷺ يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره، فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ ، وقال آخر: أنا سمعته، يعني من رسول الله ﷺ ، قال: فأرسل أبيا، قال: فأقبل أبي على عمر فقال: يا عمر أتتهمني على حديث رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: والله يا أبا المنذر ما اتهمتك عليه، ولكن أردت أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ظاهرا، قال: وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، فقال العباس: أما إذا قلت ذلك فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا، قال: فخط له عمر داره التي هي اليوم، وبناها من بيت مال المسلمين. في سنن البيهقي قبل كتاب الرجعة عن أبي هريرة ﵁ قال: لما أراد عمر ﵁ أن يزيد في مسجد رسول الله ﷺ وقعت زيادته على دار العباس ﵁، فأراد عمر أن يدخلها في المسجد ويعوضه منها، فأبى، وقال: قطيعة «١» رسول الله ﷺ ، فاختلفا، فجعل بينهما أبيّ بن كعب ﵁، فأتياه في منزله، وكان يسمى سيد المسلمين، فأمر لهما بوسادة، فألقيت لهما فجلسا عليها بين يديه، فذكر عمر ما أراد، وذكر العباس قطيعة رسول الله ﷺ ، فقال أبيّ ﵁: إن الله أمر عبده ونبيه داود أن يا بني له بيتا، قال: أي رب، وأين هذا البيت؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا

стр. 359

سيفه، فرآه على الصخرة، وإذا ما هناك يومئذ أندر لغلام من بني إسرائيل، فأتاه داود ﵇. فقال: إني قد أمرت أن أبني هذا المكان بيتا لله تعالى، فقال له الفتى: الله أمرك أن تأخذ مني بغير رضاي؟ قال: لا، فأوحى الله إلى داود إني قد جعلت في يدك خزائن الأرض فأرضه، فأتاه داود ﵇ فقال: إني قد أمرت برضاك، فلك بها قنطار من ذهب، فقال: قد قبلت، فيا داود هي خير أم القنطار؟ فقال: بل هي، قال: فأرضني، قال: فلك بها ثلاث قناطير، فلم يزل يشدد على داود حتى رضي منه بتسع قناطير، قال العباس ﵁: اللهم لا آخذ لها ثوابا، وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين، فقبلها عمر، فأدخلها في مسجد رسول الله ﷺ . قلت: وهذا يفهم أن داود صلوات الله وسلامه عليه بنى بين المقدس، وأنه أول من بناه، والرواية المتقدمة تقتضي أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه هو الذي بناه، ويؤيده ما روى الطبراني من حديث رافع بن عميرة مرفوعا قال: قال الله لداود: ابن لي بيتا في الأرض، وإن داود- ﵇ بنى المسجد، فلما تم السور سقط ثلثاه، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فأوحى الله إليه إنه لا يصلح أن يا بني لي بيتا، وذكر قصة غير ما تقدم، فشق ذلك على داود، فأوحى الله تعالى إليه: إني سأقضي بناءه على يد ابنك سليمان. وروى النسائي من حديث عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا- الحديث. وسواء كان الباني له داود أو سليمان ﵉ يشكل عليه ما في الصحيحين عن أبي ذر: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع على الأرض، فقال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ووجه الإشكال كما ذكره ابن الجوزي أن إبراهيم ﵇ بنى الكعبة وبينه وبين سليمان أكثر من ألف سنة، وقد مشى ابن حبان على ظاهر الحديث المذكور، فقال: فيه رد على من زعم أن بين داود وإبراهيم ألف سنة، ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة، وهذا عين المحال؛ للاتفاق على طول الزمان بين إبراهيم وموسى ﵉، ثم إن نص القرآن أن قصة داود في قتل طالوت كانت بعد موسى بمدة. وأجاب ابن الجوزي بأن الإشارة في حديث الصحيحين إلى أول البناء، ووضع أساس المسجد، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس؛ فقد روى أن أول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس بعد ذلك بأربعين سنة، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن.

стр. 360

وذكر ابن هشام في كتاب التيجان أن آدم ﵇ لما بنى البيت أمره جبريل ﵇ بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه «١» . وأجاب بعضهم بأن داود وسليمان ﵉ إنما كان لهما من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق ﵉ بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر. ويشكل على ذلك ذكر القصة المتقدمة؛ لأنه حينئذ لا يحتاج إلى شراء أرضه، نعم قال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى وضع قبل داود وسليمان، ثم زادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه، فيحتمل حينئذ أن القصة المتقدمة وقعت فيما وقع الأمر بزيادته فيه، ويؤيد ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي يحيى الضرير زيد بن الحسن البصري حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب أنه قال للعباس ﵄: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزيد في المسجد، ودارك قريبة من المسجد، فأعطناها نزيدها فيه، وأقطع لك أوسع منها، قال: لا أفعل، قال: إذا أغلبك عليها، قال: ليس لك ذلك، قال: فأجعل بيني وبينك من يقضي بالحق، قال: ومن هو؟ قال: حذيفة بن اليمان، قال: فجاؤوا إلى حذيفة ﵁، فقصوا عليه، فقال حذيفة: عندي في هذا خبر، قالوا: وما ذاك؟ قال: إن داود النبي ﷺ أراد أن يزيد في بيت المقدس، وقد كان بيت قريب من المسجد ليتيم، فطلب إليه فأبى، فأراد أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه إن أنزه البيوت عن الظلم لبيتي، قال: فتركه، فقال له العباس: فبقي شيء؟ قال: لا، قال: فدخل عمر المسجد فإذا ميزاب للعباس شارع في مسجد رسول الله ﷺ يسيل ماء المطر منه، فقال عمر بيده فقلع الميزاب، فقال: هذا الميزاب لا يسيل في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال له العباس: والذي بعث محمدا بالحق إنه هو الذي وضع هذا الميزاب في هذا المكان ونزعته أنت يا عمر، فقال عمر ﵁: ضع رجليك على عنقي لترده إلى ما كان، ففعل ذلك العباس، ثم قال العباس ﵁ [قد أعطيتك الدار تزيدها] في مسجد رسول الله ﷺ ، فزادها عمر في المسجد، ثم قطع للعباس دارا أوسع منها بالزوراء، وقال الحاكم: هذا الحديث كتبناه [عن أبي جعفر وأبي علي الحافظ] » ولم يكتبه إلا بهذا الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم،

стр. 361

قال: وقد وجدت له شاهدا من حديث أهل الشام، ثم ساقه من طريق شعيب الخراساني عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ لما أراد أن يزيد في مسجد رسول الله ﷺ وقعت منازعة على دار العباس، فذكر نحوه. وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان للعباس بيت في قبلة المسجد، وكثر الناس، وضاق المسجد، فقال عمر للعباس: إنك في سعة فأعطني بيتك هذا أوسع به في المسجد، فأبى العباس ذلك عليه، فقال عمر: إني أثمنك وأرضيك، قال: لا أفعل، لقد ركب رسول الله ﷺ على عاتقي وأصلح ميزابه بيده فلا أفعل، قال عمر: لآخذنه منك، فقال أحدهما لصاحبه: فاجعل بيني وبينك حكما، فجعلا بينهما أبي بن كعب، فأتياه فاستأذنا على الباب، فحبسهما ساعة ثم أذن لهما وقال: إنما حبستكما أني كنت كما كانت الجارية تغسل رأسي، فقص عليه عمر قصته، ثم قص عباس قصته، فقال: إن عندي علما مما اختلفتما فيه، ولأقضين بينكما بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: إن داود لما أراد أن يا بني بيت المقدس وكان بيت ليتيمين من بني إسرائيل في قبلة المسجد فأراد منهما البيع فأبيا عليه، فقال: لآخذنه، فأوحى الله إلى داود: إن أغنى البيوت عن المظلمة بيتي، وقد حرمت عليك بنيان بيت المقدس، قال: فسليمان، فأعطاه سليمان، فقال عمر لأبي: ومن لي بأن رسول الله ﷺ قال هذا؟ فقال أبي لعمر: أتظن أني أكذب على رسول الله ﷺ ؟ لتخرجن من بيتي، فخرج إلى الأنصار فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ فقال هذا: أنا، وقال هذا: أنا، حتى قال ذلك رجال، فلما علم ذلك عمر قال: أما والله لو لم يكن غيرك لأجزت قولك، ولكني أردت أن أستثبت. وفي رواية ليحيى عن أبي الزناد أن عمر بن الخطاب لما زاد في المسجد دعا من كان له إلى جانبه منزل فقال: اختاروا مني بين ثلاث خصال: إما البيع فأثمن، وإما الهبة فأشكر، وإما الصدقة على مسجد رسول الله ﷺ فأجابه الناس، وكان للعباس دار عن يمين المسجد، فدعاه عمر، فقال: يا أبا الفضل اختر مني بين ثلاث خصال، وذكر نحو ما تقدم، فقال العباس: ما أجيبك إلى شيء مما دعوتني إليه، فقال عمر: إذا أهدمها، فقال العباس: مالك ذلك، وذكر التحاكم إلى أبي، وقصة بيت المقدس مع مخالفة في ذكر قصته لبعض ما تقدم. وفي رواية له عن ابن عمر أن عمر ﵁ كلّم العباس في داره، وكانت في ما بين موضع الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم، قطيعة كان قطع له النبي ﷺ ، فكلمه عمر ﵁ يدخلها في المسجد، وأعطاه بها ثمنا حسنا، وقال: يا أبا الفضل إن الناس قد شكوا ضيق مسجدهم، وأحبوا الاتساع، فأبى العباس أن يبيعه، فقال عمر:

стр. 362

أنا أعطيك خيرا منها في أي نواحي المدينة شئت، فأبى العباس ذلك، فقال عمر: فتصدق على الناس، فأبى فقال عمر: لآخذنه، فقال العباس: ليس ذلك لك، قال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فجعلا أبي بن كعب، فأتياه فحبسهما ساعة ثم أذن لهما ثم قال: إن جاريتي كانت تغسل رأسي، فأيكما يستعدي على صاحبه؟ فقال عمر: أنا، جعلناك حكما بيننا، وما رأيت من أمر لزمنا، فقال أبي: ما تقول يا أبا الفضل؟ قال: أقول ذلك، فذهب عمر يتكلم، فقال أبي: تكلم يا أبا الفضل، دعه يابن الخطاب يتكلم لمكانه من نبي الله ﷺ ، فتكلم العباس فقال: هذه خطة خطها لي رسول الله ﷺ وابتنيتها وبناها رسول الله ﷺ معي، وهو والله شد هذا الميزاب الذي يصب في المسجد، وذكر القصة أيضا، وأن العباس قال: أما إذ قضيت به لي فهو صدقة على المسلمين أما والله يا عمر لقد هدمت الميزاب وما شددته إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله ﷺ ، قال عمر: فو الله لا تشده إلا ورجلاك على عاتقي، قال: ثم هدم الدار ووسع في المسجد وغيّر جذوعا كانت على عهد رسول الله ﷺ كان أسفلها قد أكلته الأرضة. وقد أورد رزين في كتابه خبر ابن عمر المتقدم، ولفظه: عن نافع عن ابن عمر قال: إن الناس كثروا في عهد عمر ﵁، فقالوا له: يا أمير المؤمنين لو وسّعت لنا في المسجد، فزاد فيه عمر، فكلم عمر العباس في داره، وكانت لاصقة بالمسجد، وقال له: أعطيك خيرا منها وتصدق بها على الناس، فأبى العباس، وقال: خطها لي رسول الله ﷺ ووضع ميزابها بيده، فقال عمر: فإني آخذها، قال العباس: ليس لك ذلك، فجعلا بينهما أبيا، فحجبهما ساعة ثم أذن لهما فقصا عليه خبرهما، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لما أراد داود ﵇ أن يا بني بيت المقدس كان ليتيمين من بني إسرائيل بيت في الموضع الذي خط أن يا بني المسجد عليه، فقال لهما: بيعاه مني ورغبهما في الثمن، فباعاه ثم قالا له: الذي أخذت منا خير أم الذي أعطيتنا؟ قال الذي أخذت، قالا: فإنا لا نجيز البيع، فزادهما حتى كان ذلك منهما ومنه سبع مرات، فقال: أزيدكما كذا وكذا على أن لا تسألاني، فقالا له: نبيعك بحكمنا ولا نسألك، قال: افعلا، فطلبا منه مالا كثيرا، فتعاظم ذلك داود، فأوحى الله إلى داود: إن كنت إنما تعطيهما من مالك فأنت أعلم، وإن كنت إنما تعطيهما من رزقنا فأعطهما حتى يرضيا فإن أغنى البيوت عن مظلمة بيتي، وقد حرمت عليك بناءه، فقال داود: يا رب فأعطه سليمان، فقضى به أبي للعباس. فقال العباس: أما إذ قضيت لي به فهو صدقة على المسلمين، فذهب عمر فهدم الميزاب

стр. 363

فأسف العباس لما وضعه رسول الله ﷺ بيده، وقال: والله لقد وضعه رسول الله ﷺ وإن رجليه لعلى عاتقي، فقال عمر للعباس: والله لتردنه ورجلاك على عاتقي، فرده، ثم قال عمر للعباس: اهدم الآن بيدك. وقد روى أن نزع الميزاب كان قبل ذلك لأجل أنه كان يسكب الماء داخل المسجد للزوقه به «١» ، انتهى لفظ رواية رزين. وروى يحيى بسند جيد عن سفيان ابن عيينة عن موسى بن أبي عيسى قال: كان في دار العباس ميزاب يصب في المسجد، فجاء عمر فقلعه، فقال العباس: إن النبي ﷺ الذي وضعه بيده، فقال عمر للعباس: لا يكن لك سلّم إلا ظهري حتى ترده مكانه. وروى ابن إسحاق عن أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان، فلما وافى الميزاب صب فيه ماء من دم الفرخين، فأصاب عمر، فأمر عمر بقلعه، ثم رجع فطرح ثيابه، ثم لبس غيرها، ثم جاء فصلى بالناس، فأتاه العباس فقال: والله إنه الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ، فقال عمر للعباس: فأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ فيه، ففعل ذلك العباس. ورواه الإمام أحمد في مسنده من حديث هشام بن سعد عن عبيد الله بن عباس أخي عبد الله فذكره، وكذا رواه ابن سعد، وقال ابن أبي حاتم: إنه سأل أباه عنه، وقال: هو خطأ، وأخرجه ابن سعد من طريق موسى بن عبيدة عن يعقوب أن عمر خرج في يوم جمعة، فذكره بنحوه. وروى يحيى عن أبي مصعب الزهري الفقيه قال: حدثنا يوسف بن الماجشون عن الثقة أنه كان في دار مروان ميزاب يصب على الناس إذا خرجوا من المسجد في المطر، وكانت دار مروان للعباس بن عبد المطلب، فأمر عمر بن الخطاب بذلك الميزاب فنزع، فجاءه العباس ابن عبد المطلب فقال: أما والله لوضعه رسول الله ﷺ بيده، قال: فأعاده عمر حيث كان، وقال: والله لا تعيده إلا وأنت على رقبتي، فأعاده العباس يومئذ على رقبة عمر. قلت: وهذه الدار بقية من التي وقع النزاع المتقدم فيها، ونسبتها إلى مروان لما سيأتي أنها دخلت في داره، وروى أنها مربدها، فكأن هذا الميزاب كان في تلك البقية، فيجمع بين الروايات بأنه كان للدار المذكورة ميزابان: ميزاب يصب في المسجد، وميزاب يصب في الطريق، واتفق في كل منهما قصة، ويؤيد ذلك ما رواه يحيى في زيادة عثمان رضي الله

стр. 364

عنه عن الأعمش قال: بنى عباس بن عبد المطلب داره التي إلى جنب المسجد، فجعل يرتجز يقول: بنيتها باللبن والحجاره ... والخشبات فوقها مطاره يا ربنا بارك لأهل الداره فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك في هذه الداره، قال: وجعل العباس ميزابها لاصقا بباب المسجد يصب عليه، فطرحه عمر بن الخطاب، فقال عباس: أما والله ما شده إلا رسول الله ﷺ ، وإنه لعلى منكبي، فقال له عمر: لا جرم والله لا تشده إلا وأنت على منكبي، فشده عمر، وابتاع عثمان بن عفان تلك الدار فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعا أو أربعة عشر ذراعا، فقال: لا أدري كان ابتاع البقية أم لا؟ قلت: فالذي يظهر أن العباس أبقى لنفسه بقية الدار بعد أخذ ما احتيج إلى زيادته منها، وأنه كان في تلك البقية ميزاب، فلما أحدث عمر الباب الذي عند دار مروان كما سيأتي صار الميزاب يصب على الباب في طريق المسجد، ثم اشترى عثمان من تلك البقية ما احتاج إلى إدخاله في زيادته. وروى ابن أبي الدنيا قصة دار العباس هذه مطولة، وقال: إن العباس قال لعمر: أما والله ما شده إلا رسول الله ﷺ وأنا معه، حملني والله على عاتقه حين شده، قال: وبعض الناس يقول: بل العباس حمل رسول الله ﷺ . قال محمد بن عقبة- يعني روايه-: ما كان رسول الله ﷺ ليضع قدميه على رقبة أبيه أو عمه، ولكنه حمل العباس على عاتقه، وقول يحيى في رواية ابن عمر المتقدمة «وكانت- يعني دار العباس- فيما بين الأسطوان المربعة التي تلي دار مروان بن الحكم» أي والباب الذي يلي دار مروان لدخول بعضها في دار مروان. قال الزين المراغي: وسيأتي بيان المربعة، أي في زيادة عثمان ﵁، وقد ذكر هناك تبعا للمطري أنها الأسطوانة التي في وصف الأساطين التي تلي القبلة، وقد رفع أسفلها مربعا قدر الجلسة. قلت: والتي تليها مربعة أيضا، وهي التي تلي دار مروان؛ فهي المراد هنا كما قدمنا الإشارة إليه في تحديد المسجد النبوي، وهي الخامسة من المنبر في جهة المغرب، فيكون ابتداء زيادة عمر ﵁ من جهة المغرب من الأسطوانة المذكورة، خلاف قول المطري والمراغي إن المربعة التي ذكراها قبل هذه منتهى زيادة عمر ﵁، وكيف يكون منتهى زيادته مع كونها مبتدأ دار العباس التي هي أول الزيادة؟ وأيضا فذرع ما بين الأسطوان التي ذكراها والحجرة الشريفة نحو تسعين ذراعا، وقد قال يحيى في رواية ابن عمر أيضا «إن المسجد كان طوله أي من القبلة إلى الشام على عهد عمر ﵁ أربعين

стр. 365

ومائة ذراع وعرضه عشرون ومائة، وطول السقف أي ما بينه وبين الأرض أحد عشر ذراعا» انتهى. وكيف يصح أن يكون الأسطوان المذكور نهاية زيادته؟ بل ابتداء زيادته من الأسطوان التي تليها، فيكون زيادته بعد الأسطوان المذكورة في جهة المغرب عشرين ذراعا، لما قدمناه من رواية أن المسجد كان عرضه مائة ذراع فزيادته عشرون، وذلك نحو أسطوانين، فيكون نهاية المسجد في زمنه من تلك الجهة الأسطوانة السابعة من غربي المنبر، ومن المشرق الحجرة الشريفة، لأنه لم يزد في تلك الجهة شيئا، ومن القبلة صف الأساطين التي تلي القبلة، وكانت إليها المقصورة الآتي ذكرها، وقد احترقت، ومن بقاياها خشبة في سفل الأسطوان التي في هذا الصف عن يسار مستقبل المحراب العثماني، مثبتة تلك الخشبة في الأسطوان المذكور مما يلي الأرض، وقد زالت في الحريق الثاني؛ فزيادة عمر ﵁ من جهة القبلة الرواق المتوسط بين الروضة ورواق القبلة، وذلك نحو عشرة أذرع، وأما الشام فيستفاد من كون المسجد كان طوله في زمنه أربعين ومائة ذراع، وأن منها في جهة القبلة نحو عشرة أذرع أنه يمتد في زمنه بعد الحجرين المتقدم ذكرهما في حدود المسجد الأصلي اللذين في صحنه نحو ستين ذراعا؛ لأنا قدمنا أن من مقدم المسجد الأصلي إليها نحو السبعين فقط. وبقي أمر آخر لم أر من نبه عليه، وهو أن حجر أزواج النبي ﷺ كان بعضها في جهة الشام كما تقدم، ومقتضى ما قدمناه من رواية ابن سعد- وهو ظاهر ما سيأتي في زيادة الوليد- أن عمر ﵁ لم يدخل منها شيئا في المسجد، وإنما أدخلها الوليد، فكأن عمر ترك ما كان منها في جهة الشام قائما على حاله، وصار المسجد حواليها. وقال السيد القرافي في ذيله: واشترى عمر أيضا نصف موضع كان خطه النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة دارا بمائة ألف فزاده في المسجد. قلت: سيأتي من رواية يحيى أن الذي شرى ذلك عثمان ﵁، كذا في النسخة التي رواها ابن ابنه الحسن بن محمد عنه، ثم رأيت في النسخة التي رواها ابنه طاهر عنه ما ذكره القرافي، ولم يذكر ابن زبالة ويحيى وغيرهما إدخال عمر دار أبي بكر ﵁ في المسجد، ويتعين أن يكون عمر هو الذي أدخلها؛ لما سبق في الفصل قبله من أن باب خوختها كان غربي المسجد، وأن الخوخة المجعولة في محاذاتها عند إدخال الدار هي الخوخة الموجودة اليوم غربي المسجد، وهذا لا خلاف فيه عند المؤرخين، ولهذا قال ابن النجار نقلا عن أهل السير: كانت خوخة أبي بكر في غربي المسجد، فعلمنا بذلك أن دار أبي بكر كانت في غربي المسجد، وأن عمر ﵁ أدخلها، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن ابن شبة ذكر في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى

стр. 366

المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها، فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارا أوسع منها ونجعل لك طريقا مثلها، فسلّمت ورضيت. قلت: هذه القصة إنما ذكرها ابن شبة في دار حفصة التي في قبلة المسجد، وذكر معها شراءها لدار أبي بكر المذكورة بصيغة تقتضي التضعيف، واقتضى ذلك أن دار أبي بكر كانت في قبلة المسجد على تلك الرواية الضعيفة، وأن طريق آل عمر اليوم منها، فنسب إليه الحافظ ابن حجر الجزم به، وليس الأمر كذلك كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع عشر. وقال يحيى في روايته المتقدمة: وجعل أساطينه من جذوع نخل وسقفه بالجريد ذراعين فوق المسجد سترة حائطه ثلاثة أذرع، وعبر ابن النجار عن ذلك بقوله: وسقفه جريد ذراعان، وبنى فوق ظهره سترة ثلاثة أذرع، انتهى. والذي يظهر أن في عبارة يحيى خللا، وتبعه عليه ابن النجار، وأن المراد ما ذكره رزين في هذه الرواية بعينها، فإنه قال فيها: وجعل عمر سترة المسجد فوقه ذراعين أو ثلاثة، فكأن لفظ «أو» سقط قبل قوله ثلاثة أذرع. وقال يحيى ورزين عقب ذلك: وكان بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، زاد يحيى: وكان لبنه ضربه بالبقيع، وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، وبابين خلف القبلة، ولم يغير باب عاتكة- أي المعروف بباب الرحمة- ولا الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، وهو فتح الباب الذي عند القبر، فهذان البابان من الشق الأيسر: أي المشرق، وفتح الباب الذي عند دار مروان بن الحكم، وفتح بابين من مؤخر المسجد، انتهى. وقوله: «إنه لم يغير باب عاتكة، ولا الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ » مسلم في الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ . قال المراغي تبعا للمطري: وهو باب جبريل؛ لأنه لم يزد في جهة المشرق شيئا، وأما باب عاتكة ففيه نظر؛ لأنه زاد من جهة المغرب كما تقدم، فالمراد بكونه لم يغير أنه أخره في محاذاة الباب الأول، وهذه الرواية تقتضي أن الباب المعروف اليوم بباب النساء لم يكن موجودا في زمن عمر ﵁؛ لأن المستفاد مما ذكره أن الباب الذي زاده في جهة المشرق جعله عند القبر، ولعله تصحيف؛ لأنه إذا لم يزد من جهة المشرق شيئا كيف يحدث بابا عند القبر ويترك الجهة التي زادها من جهة الشام بغير باب؟ والمنقول كما سيأتي أن إحداث الباب الذي عند القبر إنما هو في زيادة الوليد، وسيأتي

стр. 367

في سبب تسميته باب النساء أن عمر ﵁ قال حين بنى المسجد: هذا باب النساء، كما رواه يحيى؛ فتبين أن باب النساء هو الباب الباقي في جهة المشرق على عهد عمر ﵁، وأنه الذي أحدثه، وسيأتي في زيادة عثمان عند ذكر اقتصاره على الأبواب التي جعلها عمر ما هو كالصريح في ذلك، والله أعلم. وفي البخاري تعليقا عن أبي سعيد قال: أمر عمر ببناء المسجد، وقال: أكنّ الناس «١» من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وروى ابن شبة ويحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن مليح بن سليمان عن ابن أبي عمرة قال: زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه، ثم قال: لو زدنا فيه حتى نبلغ به الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ ، زاد يحيى: وجاء الله بعامر، وعبد العزيز هو ابن أبي ثابت، تركوه، كانت كتبه قد احترقت فحدّث من حفظه فاشتد غلطه. وروى يحيى من طريق ابن زبالة وهو ضعيف: حدثني محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر بن الخطاب: لو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه، ورواه ابن شبة من طريق أبي غسان المدني بدل ابن زبالة، وعلى كل حال هو معضل. وروى ابن شبة ويحيى والديلمي في مسند الفردوس بسند فيه متروك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لو بنى هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي، وكان أبو هريرة يقول: لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه، ثم قال يحيى: وحدثنا هارون بن موسى نبأ عمر بن أبي بكر الموصلي عن ثقات من علمائه قالوا: قال رسول الله ﷺ : هذا مسجدي، وما زيد فيه فهو منه، ولو بلغ بمسجدي صنعاء كان مسجدي. قلت: وهو منقطع، لكن اجتماع هذه الروايات تقوي ما قدمناه في آخر الفصل الثاني عن مالك ﵀ من أن المضاعفة الواردة في المسجد النبوي تعم ما زيد فيه، والله أعلم. الفصل الثالث عشر في البطيحاء التي بناها عمر ﵁ بناحية المسجد، ومنعه من إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه، وما جاء في ذلك روى ابن شبة ويحيى بسند جيد عن سالم بن عبد الله أن عمر- يعني ابن الخطاب- اتخذ

стр. 368

مكانا إلى جانب المسجد يقال له «البطيحاء» وقال: من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إليه، ولفظ يحيى: أن عمر بن الخطاب بنى في ناحية المسجد رحبة تدعى البطيحاء، ثم قال: من أراد أن يلغظ أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة، زاد ابن شبة عقيب روايته من طريق محمد بن يحيى: قال محمد: وقد دخلت تلك البطيحاء في المسجد فيما زيد فيه بعد عمر ﵁. وذكر ابن شبة في موضع آخر ما يبين أن البطيحاء كانت في جهة شرقي المسجد مما يلي مؤخره زمن عمر ﵁، فإنه قال: اتخذ خالد بن الوليد داره التي كانت بالبطيحاء، إلى آخر ما سيأتي عنه، مع بيان أنها الرباط المعروف اليوم برباط السبيل في شرقي المسجد. وروى ابن شبة أيضا بسند جيد عن ابن عمر أن عمر ﵁ كان إذا خرج من الصلاة نادى في المسجد: إياكم واللغط، ويقول: ارتفعوا في أعلى المسجد. ورواه يحيى بلفظ: كان إذا خرج إلى الصلاة. وروى ابن شبة بسند جيد إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عمر ﵁ سمع ناسا من التجار يذكرون تجارتهم والدنيا في المسجد، فقال: إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله، فإذا ذكرتم تجاراتكم ودنياكم فاخرجوا إلى البقيع. وروى أيضا عن شيخه سليمان بن داود قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع صوت رجل في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟ كأنه كره الصوت. وعن عبد الرحمن بن حاطب قال: كان بين عثمان وطلحة تلاح في مسجد رسول الله ﷺ ، فبلغ عمر ﵁، فأتاهم وقد ذهب عثمان وبقي طلحة، فقال: أفي مسجد رسول الله ﷺ تقولان الهجر وما لا يصلح من القول؟ قال: فجثا طلحة على ركبتيه وقال: إني والله لأنا المظلوم المشتوم، فقال: أفي مسجد رسول الله ﷺ تقولان الهجر وما لا يصلح من القول؟ ما أنت مني بناج، فقال: الله الله يا أمير المؤمنين، فو الله إني أنا المظلوم المشتوم، فقالت أم سلمة من حجرتها: والله إن طلحة لهو المظلوم المشتوم، قال: فكف عمر ﵁. وعن السائب بن يزيد قال: كنت مضطجعا في المسجد، فحصبني رجل «١» ، فرفعت رأسي، فإذا عمر ﵁ فقال: اذهب فأتني بهذين الرجلين، فجئت بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد ما فارقتماني حتى أوجعكما جلدا، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟!

стр. 369

وعن طارق بن شهاب أن عمر ﵁ أتى برجل في المسجد وقد أخذ في شيء، فقال: أخرجاه من المسجد فاضرباه، أو اضربوه. وروى يحيى عن نافع أن عمر بينما هو في المسجد عشاء إذ سمع ضحك رجل، فأرسل إليه فقال: من أنت؟ فقال: أنا رجل من ثقيف، فقال: أمن أهل البلد أنت؟ فقال: بل من أهل الطائف، فتوعده فقال: لو كنت من أهل البلد لنكّلت بك، إن مسجدنا هذا لا ترفع فيه الأصوات. وعن ابن سيرين أن ابن مسعود سمع رجلا يرفع صوته في المسجد، فسبه، فقيل له: ما كنت فحّاشا، فقال: أمرنا بهذا. وروى ابن زبالة ويحيى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحسان بن ثابت وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال حسان: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم، وقد رواه البخاري في الصحيح بنحوه، وفي رواية ليحيى عقب قوله: «قد كنت أنشد فيه من هو خير منك» فانصرف عمر وقد عرف أنه يريد النبي ﷺ ، وفي رواية ذكرها الحافظ ابن حجر فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، وفي الترمذي من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار. وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي وحسنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد، قال الحافظ ابن حجر: صحيح إلى عمرو، فمن يصحح نسخته يصححه، وفي هذا المعنى عدة أحاديث، لكن في أسانيدها مقال، والجمع بينها وبين ما تقدم أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، وهو مراد عمر بقوله: من أراد أن ينشد شعرا فليخرج إلى هذه، يعني البطيحاء، والمأذون فيه ما سلّم من ذلك، وقيل: المنهي عنه ما إذا كان غالبا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد بعضهم فأعمل أحاديث النهي، وادعى نسخ الإذن، ولم يوافق على ذلك. وروى ابن زبالة عن علي بن زيد بن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله ﷺ في المسجد أبياتا: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول «١» والله أعلم.

стр. 370

الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان ﵁ روينا في صحيح البخاري وسنن أبي داود عن نافع أن عبد الله- يعني ابن عمر- أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة «١» ، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. وروى أبو داود أيضا- وسكت عليه- عن عطية عن ابن عمر ﵄ قال: إن مسجد النبي ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر ﵁ فبناها بجذوع النخل وبجريد النخل، ثم إنها نخرّت في خلافة عثمان ﵁ فبناها بالآجر، فلم تزل ثابتة حتى الآن، هكذا رأيته في أصول متعددة معتمدة من السنن، وأورده المجد بلفظ: ثم إنها نخرت في خلافة عمر- بدل أبي بكر- ولم أره في شيء من النسخ. وفي هذا الخبر ما يقتضي أن السبب في بناء عثمان للمسجد كون الجذوع التي هي السواري نخرت، وأن عثمان بناها بالآجر لا الحجر، فلعل البعض كان في زمنه مبنيا بالآجر وهو بعيد، وما تقدم من رواية الصحيح أصح. وفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك، وأحبوا أن يدعه على هيئته، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى «مسجدا لله» بنى الله له في الجنة مثله. وفيه وفي البخاري عن عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول: إنكم قد أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى مسجدا لله ، الحديث. وقوله في الرواية الأولى إن عثمان أراد بناء المسجد يبين أن المراد من قوله حين بناء المسجد حين أراد بناءه، إلا أن يكون ذلك قد تكرر من عثمان لتكرر كلامهم قبل البناء وبعده، وهو الأقرب، وقوله «وأحبوا أن يدعه على هيئته» أي بجذوع النخل واللبن كما فعل عمر ﵁ لموافقته لفعله ﷺ ، ولهذا قال البغوي في شرح السنة: لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه، اه. ويؤيده ما سيأتي من

стр. 371

أن الناس شكوا إليه ضيق المسجد؛ فقوله: «لما أراد عثمان بناء المسجد» أي: على الهيئة التي بناه عليها، ويؤخذ من هذا إطلاق البناء المرغّب فيه في حق من جدد ووسع؛ لأن عثمان لم يبن المسجد كله إنشاء، وقوله «إنكم أكثرتم» أي: الكلام بالإنكار ونحوه. وروى يحيى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما ولي عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين كلمه الناس أن يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة، حتى إنهم ليصلون في الرحاب، فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأجمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه، فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله ﷺ وأزيد فيه، وأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة، وقد كان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب، كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه، فحسّن الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه، وكان رجلا يصوم الدهر ويصلي الليل، وكان لا يخرج من المسجد، وأمر بالقصّة المنخولة تعمل ببطن نخل، وكان أول عمله في شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، فكان عمله عشرة أشهر. قلت: قوله أولا «لما ولي عثمان سنة أربع وعشرين» إلى قوله «فأصبح ودعا العمال» يفهم أنه في تلك السنة، وقوله أخيرا «وكان أول عمله إلى آخره» يأباه، وما ذكره أخيرا هو الصواب المذكور في كلام غيره؛ فيحمل ما ذكره أولا على أنه لم يشرع في المشاورة والعمارة عقب كلام الناس له، بل استمر تلك السنين، وربما تكرر الكلام فخطبهم في السنة التي وقعت فيها العمارة. وقد روى رزين الخبر المذكور عن المطلب المذكور بلفظ: لما ولي عثمان وكان سنة أربع من خلافته كلمه الناس أن يزيد في مسجد رسول الله ﷺ وشكوا إليه ضيقه، فشاور عثمان أهل الرأي، فأشاروا عليه بذلك، وذكر نحو ما تقدم، وينبغي حمله أيضا على أن الكلام وقع من الناس سنة أربع من خلافته وتأخرت العمارة إلى سنة تسع وعشرين- بتقديم المثناة الفوقية على السين- وإلا فهو مخالف لما تقدم؛ لأن عثمان ﵁ ولي غرة المحرم افتتاح سنة أربع وعشرين، فسنة أربع من خلافته هي سنة سبع وعشرين- بتقديم السين على الموحدة- والأول هو الأصح؛ فقد روى يحيى وابن زبالة أن عثمان زاد في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين، وعثمان قتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وقال الحافظ ابن حجر: كان بناء عثمان للمسجد سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في

стр. 372

آخر سنة من خلافته؛ ففي كتاب السير عن الحارث بن مسلم عن ابن وهب: أخبرني مالك أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد: لوددت أن هذا المسجد لا ينجز «١» ؛ فإنه إذا فرغ من بنيانه قتل عثمان، قال مالك: فكان كذلك. قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني تاريخ انتهائه. قلت: قد تقدم ما يردّ هذا الجمع، وأن الفراغ منه كان في سنة ثلاثين، لكن يمكن أن عثمان ﵁ أحدث فيه عمارة أخرى آخر سنة من خلافته وقد وصل ابن شبة ما نقله مالك عن كعب؛ فروى بسنده من طريق الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب ومسجد النبي ﷺ يا بنى: والله لوددت أنه لا يفرغ من برج إلا سقط برج، فقيل له: يا أبا إسحاق أما كنت تحدثنا أن صلاة فيه أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، قال: بلى، وأنا أقول ذلك الآن، ولكن فتنة نزلت من السماء ليس بينها وبين أن تقع إلا شبر، ولو فرغ من بناء هذا المسجد وقعت، وذلك عند قتل هذا الشيخ عثمان بن عفان، فقال رجل: وهل قاتله إلا كقاتل عمر، قال: بل مائة ألف أو يزيدون، ثم يحل القتل ما بين عدن أبين إلى دروب الروم «٢» . وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان أن يكلم الناس على المنبر ويشاورهم قال له مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، فقال: ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور، قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم، قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك. وعن عبد الرحمن بن سفينة قال: رأيت القصّة تحمل إلى عثمان وهو يا بني مسجد رسول الله ﷺ من بطن نخل، رأيته يقوم على رجليه والعمال يعملون فيه حتى تأتي الصلاة فيصلي بهم، وربما نام ثم رجع، وربما نام في المسجد. وعن خارجة بن زيد قال: هدم عثمان بن عفان المسجد وزاد في قبلته، ولم يزد في شرقيه، وزاد في غربيه قدر أسطوان، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وعسب النخل

стр. 373

والجريد، وبيضه بالقصة، وقدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل، وجعل فيه طيقان مما يلي المشرق والمغرب، وذلك قبل أن يقتل بأربع سنين، وزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعا. وعن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: زاد عثمان في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين فزاد من القبلة، فوضع جداره على حد المقصورة اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطوانا بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعا، ولم يزد من المشرق شيئا، وزعم المطري وتبعه المراغي أن المراد بهذه المربعة المربعة المتقدم وصفها في تحديد المسجد النبوي في زيادة عمر ﵁، وهي الأولى من المربعتين اللتين يليان القبلة في صف الأسطوان الرابع من المنبر في جهة المغرب، وجعلا نهاية زيادة عثمان إلى الأسطوانة التي تليها في المغرب المقابلة للطراز المتقدم وصفه، فقالا: أراد بالمربعة الأسطوانة التي تليها في المغرب التي في القبلة التي رفع أسفلها مربعا قدر الجلسة، وهي منتهى زيادة عثمان من المغرب، وقبالة الأسطوانة التي زادها عثمان في الحائط القبلي طرازا آخر من العصابة السفلى إلى سقف المسجد، وهو حد زيادة عثمان، انتهى. ومحصله أن زيادة عثمان هي الرواق الكائن بين الأسطوانتين المذكورتين، ولم أر من سبقهما لذلك، وقد قدمنا في تحديد المسجد النبوي ما يقتضي أن الطراز المذكور في موازاة حد المسجد النبوي على الراجح، وأن زيادة عمر وعثمان ﵄ من بعد ذلك في جهة المغرب، وأن عمر ﵁ جعل المشرق إلى المغرب مائة وعشرين ذراعا، وأن من المربعة التي ذكرا أنها نهاية زيادته إلى الحجرة الشريفة ينقص عن تسعين ذراعا، وإلى محاذاة الطراز نحو المائة؛ فيبقى لعمر في جهة المغرب بعد الطراز رواقان آخران؛ فيكون نهاية المسجد في زمنه الأسطوانة السابعة من المنبر، وفي صف السابعة من المنبر أسطوان أسفله مربع لكنه ليس مرتفعا عن الأرض بقدر الجلسة، بل تربيعه على وجه الأرض، وقد زال تربيعه في العمارة الحادثة بعد الحريق الثاني، وليس هو في صف الأساطين التي تلي القبلة، بل في صف الأساطين التي خلف محراب الحنفية؛ فالظاهر أن هذه المربعة هي المرادة هنا؛ فيكون لعثمان ﵁ في جهة المغرب الرواق الذي بعدها؛ فيكون نهاية المسجد في زمننه الأسطوانة الثامنة من المنبر في جهة المغرب، ويدل على صحة ذلك ما سيأتي أن الوليد زاد بعد عثمان ﵁ في جهة المغرب أسطوانين، ولم يزد أحد بعد الوليد في جهة المغرب شيئا، والباقي من الأسطوانة الثامنة من المنبر أسطوانتان فقط في جهة المغرب، فهما زيادة الوليد، وهناك أسطوان مربعة مرتفعة قدر الجلسة أيضا أمام الأسطوانة بوجاه الداخل من باب السلام، الظاهر أنها جعلت علامة لنهاية زيادة عثمان ﵁، وابتداء زيادة

стр. 374

الوليد، وإن قلنا بأن نهاية المسجد النبوي المربعة الأولى التي تلي القبلة كما سبقت الإشارة إليه فحينئذ يكون لعمر ﵁ منها إلى جهة المغرب أسطوانتان فيكون نهاية زيادة الأسطوانة السادسة من المنبر، وفي صفها أسطوان مربع قدر الجلسة أيضا أمام الأسطوانة المثمنة اليوم، وتكون زيادة عثمان ﵁ إلى الأسطوانة التي بعدها في جهة المغرب وهي السابعة، وتبقى للوليد منها إلى جدار المسجد ثلاثة أساطين، وسيأتي في عمارته رواية تقتضي ذلك، على أن الذي أفهمه من كلام متقدمي المؤرخين كما قدمناه في حدود المسجد أن المربعة حيث أطلقت في جهة المغرب فالمراد بها الأسطوانة المقابلة لمربعة القبر في جهة المغرب عند ركن صحن المسجد قبل زيادة الرواقين الآتي بيانهما، وهي المثمنة اليوم، وفي ركني الصحن الشاميين أسطوانتان على هيأتها أيضا، وتثمينها حادث كما تقدم بيانه، ويعبرون عنها بالمربعة الغربية، وهي السادسة من المنبر؛ فيترجح بذلك أنها نهاية زيادة عمر وابتداء زيادة عثمان ﵁، ولو كان كما زعم المطري ومن تبعه لكان بعد نهاية زيادة عثمان ﵁ في المغرب خمس أساطين، فيكون كلها للوليد، ولا قائل بذلك، وفيما قدمناه في تحديد المسجد النبوي كفاية في رد ما قالاه. وروى يحيى عن عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أنيس قال: بنى عثمان المسجد بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده حجارة منقوشة، وبها عمد الحديد فيها الرصاص، وسقفه ساجا، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ست أبواب على ما كان على عهد عمر ﵁: باب عاتكة، أي المعروف بباب الرحمة، والباب الذي يليه أي يقرب من محاذاته في المشرق، وهو باب النساء، وباب مروان: أي المعروف بباب السلام، والباب الذي يقال له باب النبي ﷺ : أي المعروف بباب جبريل، وبابين في مؤخر المسجد. قلت: قوله: «وجعل طوله ستين ومائة ذراع» مخالف لما تقدم من كونه زاد فيه من جهة الشام خمسين ذراعا؛ لأنه قد تقدم أن عمر ﵁ جعل طول المسجد أربعين ومائة ذراع، فلو زاد فيه عثمان خمسين ذراعا لكان طوله في زمنه تسعين ومائة ذراع، على أن الأقرب أن طوله في زمن عثمان كان ستين ومائة ذراع، لما سيأتي في الزيادة بعده. وقوله «وعرضه خمسين ومائة ذراع» مخالف لما تقدم من كونه لم يزد من جهة المغرب سوى أسطوانة واحدة، ولم يزد في جهة المشرق شيئا، بل هذه الرواية خطأ؛ للاتفاق على أن عثمان ﵁ لم يزد من جهة المشرق شيئا؛ فيكون نهايته في زمنه الحجرة الشريفة، وذرع المسجد اليوم من جداره الغربي إلى جدار الحجرة الشريفة لا يبلغ خمسين ومائة ذراع، بل ينقص عن ذلك أكثر من سبعة أذرع، ثم تبقى زيادة الوليد من جهة المغرب، وهي متفق

стр. 375

عليها أيضا؛ فالصواب أنه لم يزد من المغرب سوى أسطوانة، وأن عرض المسجد في زمنه نحو مائة وثلاثين ذراعا، والله أعلم. وروى يحيى كما في النسخة التي رواها ابنه عن أبي الحسن المدائني أنه قال في حديث ساقه: إن النبي ﷺ خط لجعفر بن أبي طالب دارا وهو بأرض الحبشة، فاشترى عثمان نصفها بمائة ألف، فزادها في المسجد. قلت: تقدم في زيادة عمر ﵁ نقل مثل ذلك عن فعل عمر ﵁؛ فيحتمل أن كلا منهما شرى نصف ذلك وأدخله مرتبا، والله أعلم. وروى ابن زبالة عن عبد الله بن عمر بن حفص قال: مدّ عمر بن الخطاب جدار القبلة إلى الأساطين التي إليها المقصورة اليوم، ثم زاد عثمان بن عفان حتى بلغ جداره اليوم، قال: فسمعت أبي يقول: لما احتيج إلى بيت حفصة قالت: فكيف بطريقي إلى المسجد؟ فقال لها: نعطيك أوسع من بيتك، ونجعل لك طريقا مثل طريقك، فأعطاها دار عبيد الله بن عمر، وكانت مربدا «١» . قلت: وهذه العبارة محتملة لأن القائل «نعطيك إلى آخره» عمر أو عثمان ﵄، ويرجح الثاني أنه أورده في سياق زيادة عثمان ﵁، وأنه روى عقبة عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن عمر قدم جدار القبلة إلى المقصورة، ثم قدمه عثمان إلى موضعه اليوم، وأخل بقية دار العباس بن عبد المطلب مما يلي القبلة والشام والمغرب، وأدخل بعض بيوت حفصة بنت عمر مما يلي القبلة، فقام المسجد على تلك الحال حتى زاد فيه الوليد. قلت: تقدم في زيادة عمر ﵁ أن الحافظ ابن حجر نقل عن ابن شبة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد اشترتها حفصة أم المؤمنين، فلم تزل في يدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسع بها في المسجد، فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارا أوسع منها ونجعل لك طريقا مثلها، فسلمت وضيت، والذي ذكره ابن شبة في علم دور أزواج رسول الله ﷺ ما سنذكره عنه في الدور التي كانت حول المسجد من أن حفصة اتخذت دارها التي في قبلة المسجد لها خوخة في المسجد، فورثها عبد الله بن عمرن وذكر ما سيأتي في أصل هذه الدار من كونها كانت مربدا كما سيأتي، ثم ذكر لحفصة دارا أخرى، ثم قال: وأخبرني مخبر قال: كان بيت أبي بكر الذي أذن له النبي ﷺ في إبقاء خوخته بيد عبد الله بن

стр. 376

عمر، وهو البيت الذي على يمينك إذا دخلت دار عبد الله من الخوخة التي في المسجد، فتلقاك هناك خوخة في جوف الخوخة التي هي الطريق المبوب، فتلك الخوخة خوخة أبي بكر، قال: وكانت حفصة ابتاعت ذلك المسكن من أبي بكر، والدار الذي ذكرت فوق هذه الشارعة على باب دار عبد الله إلى جنب دار هشام، فباع أبو بكر ﵁ ذلك المسكن وتلك الدار من حفصة بأربعة آلاف درهم، ونقدها عنها عثمان بن عفان، وإنما باع ذلك أبو بكر لناس قدموا عليه من بني تميم فسألوه. ثم قال ابن شبة: حدثنا محمد بن يحيى عن عبد الله بن عمر بن حفص قال: سمعت أبي يقول: لما احتيج إلى بيت حفصة قالت: وكيف طريقي في المسجد؟ فقيل لها: نعطيك أوسع من بيتك ونجعل لك طريقا مثل طريقك، فأعطاها دار عبد الله بن عمر، وكانت مربدا، انتهى. والذي يقتضيه قوله «وأخبرني مخبر» تضعيف هذه الرواية. وقد روى في ذكر دور بني تيم كما قدمناه أن دار أبي بكر المذكورة كانت شارعة في دار القضاء في غربي المسجد، وقد صدّر كلامه بأن أصل دار حفصة إنما هو المربد، وختم كلامه بذلك. وقوله «لما احتيج إلى بيت حفصة» المراد به سكنها، هو الذي كان شارعا في المسجد في زمنه ﷺ كما سيأتي بيانه، والله أعلم. وتقدم في زيادة عمر ﵁ ما رواه يحيى من أن عثمان ﵁ شرى دار العباس فزادها في المسجد إلا ثلاثة عشر ذراعا أو أربعة عشر ذراعا، فقال الراوي: لا أدري أكان ابتاع البقية أم لا، وحملناه على أن المراد بدار العباس ما بقي منها بعد ما زاده عثمان ﵁، والظاهر أن تلك البقية هي التي دخلت في دار مروان. وقد ذكر ابن زبالة ويحيى وابن النجار اتخاذ مروان لداره عقب ذكر زيادة عثمان ﵁؛ فيحتمل أنه اتخذها في حال زيادة عثمان ﵁ أو بعده، وهو الظاهر؛ لأنهم ذكروا أنه اتخذ لها خوخة في المسجد من جهة القبلة، ثم قال: أخشى أن أمنعها، فجعل لها بابا عن يمينك حين تدخل، ثم جعل الباب الثالث الذي على باب المسجد، كما سيأتي، والله أعلم. الفصل الخامس عشر في المقصورة التي اتخذها عثمان ﵁ في المسجد وما كان من أمرها بعده روى ابن زبالة وابن شبة عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن أول من عمل المقصورة بلبن عثمان بن عفان، وأنه كانت فيه كوى ينظر الناس منها إلى الإمام، وأن عمر بن عبد العزيز هو الذي جعلها من ساج حين بنى المسجد. وروى الأول أيضا عن عيسى بن محمد بن السائب ومحمد بن عمرو بن مسلم بن

стр. 377

السائب ابن خباب وعمر بن عثمان بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان أول من وضع المقصورة من لبن، واستعمل عليها السائب بن خباب، وكان رزقه دينارين في كل شهر، فتوفي عن ثلاثة رجال: مسلم، وبكير، وعبد الرحمن، فتواسوا في الدينارين، فجريا في الديوان على ثلاثة منهم إلى اليوم، قال ابن زبالة: وقال مالك بن أنس: لما استخلف عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب عمل عثمان مقصورة من لبن، فقام يصلي فيها للناس خوفا من الذي أصاب عمر بن الخطاب ﵁، وكانت صغيرة. وروى يحيى هذا كله في زيادة عثمان ﵁، ثم روى في زيادة الوليد عن عبد الحكم بن عبد الله بن حنطب قال: أول من أحدث المقصورة في المسجد مروان بن الحكم، بناها بالحجارة المنقوشة، وجعل لها كوى، وكان بعث ساعيا «١» إلى تهامة، فظلم رجلا يقال له دب، فجاء دب إلى مروان، فقام حيث يريد أن يقوم مروان، حتى إذا أراد أن يكبر ضربه بسكين فلم يصنع شيئا، فأخذه مروان فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بعثت عاملا فأخذ ذودي بمرة «٢» ، وتركني وعيالي لا يجد شيئا، فقلت: أذهب إلى الذي بعثك فاقتله؛ فهو أصل هذا، فجاء ما ترى، فحبسه مروان حينا في السجن، ثم أمر به فاغتيل سرا، فكانت المقصورة. ورواه ابن شبة بنحوه، إلا أنه سمى الرجل في موضع دبا، وفي آخر ذبابا، وقال: بعثت عاملك، فأخذ مني بقرة، فتركني وعيالي لا نجد شيئا، وأنا امرؤ خبيث النفس، فقلت: أذهب إلى الذي بعثه فأقتله فهو أصل هذا، فجاء ما ترى، فحبسه مروان في الحبس حينا، ثم أمر به فاغتيل سرا، وعمل المقصورة. قلت: وجزم بذلك في العتبية فيما حكاه ابن رشد في بيانه، فقال في كتاب الصلاة: مسألة قال مالك: أول من جعل المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، قال: فجعل مقصورة من طين، وجعل فيها تشبيكا، انتهى. قال ابن رشد في شرح ذلك: وجه قوله هذا الإعلام بأن المقصورة محدثة لم تكن على عهد النبي ﷺ ، ولا على عهد الخلفاء بعده، وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم، فاتخاذها في الجوامع مكروه انتهى. وفي شرح مسلم للنووي أن أول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية ﵁ حين ضربه الخارجي، انتهى.

стр. 378

وأفهم كلام ابن زبالة أنها كانت في زمن عمر بن عبد العزيز مرتفعة عن أرض المسجد؛ لأنه ذكر في زيادة المهدي أنه أمر بالمقصورة فهدمت وخفضت إلى مستوى المسجد، وكانت مرتفعة ذراعين عن وجه المسجد، فأوطأها مع المسجد، وكأن المراغي فهم أن المراد بذلك سقف المقصورة لا أرضها، فإنه قال في زيادة المهدي: وخفض سقف المقصورة، وكانت مرتفعة ذراعين عن وجه المسجد فأوطأوها المسجد، انتهى. ورأيت لفظة «سقف» ملحقة بخطه، والظاهر أن ذلك هو المراد، وذكر المطري ما يقتضي أن المهدي جعلها من خشب على الرواق القبلي بأجمعه، وهو مراد ابن جبير بقوله في رحلته- بعد أن ذكر أن في الجهة القبلية من المسجد خمس بلاطات- يعني أروقة، قال: والبلاط المتصل بالقبلة من الخمس المذكورة تحويه مقصورة تكنفه طولا من غرب إلى شرق، والمحراب فيها، انتهى. وقد احترقت هذه المقصورة في حريق المسجد الأول، والله أعلم. الفصل السادس عشر في زيادة الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز نقل رزين أن المسجد بعد أن زاد فيه عثمان ﵁ لم يزد فيه علي ولا معاوية ﵄، ولا يزيد ولا مروان، ولا ابنه عبد الملك شيئا، حتى كان الوليد بن عبد الملك- وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة ومكة- بعث الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بمال وقال له: من باعك فأعطه ثمنه، ومن أبي فاهدم عليه وأعطه المال، فإن أبى أن يأخذه فاصرفه إلى الفقراء، انتهى. وقال ابن زبالة: حدثني عبد العزيز بن محمد عن بعض أهل العلم قال: قدم الوليد بن عبد الملك حاجا، فبينا هو يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ حانت منه التفاتة فإذا بحسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في بيت فاطمة في يده مرآة ينظر فيها، فلما نزل أرسل إلى عمر بن عبد العزيز فقال: لا أرى هذا قد بقي بعد، اشتر هذه المواضع، وأدخل بيت النبي ﷺ في المسجد، واسدده. وروى يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد العزيز بن محمد بنحوه. وروى أيضا عن موسى بن جعفر بن أبي كثير قال: بينما الوليد يخطب على المنبر إذ انكشفت الكلة «١» عن بيت فاطمة ﵍، وإذا حسن بن حسن يسرّح لحيته، وهو يخطب على المنبر، فلما نزل أمر بهدم بيت فاطمة ﵂.

стр. 379

قال يحيى: وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ﵄ مثله، وزاد فيه أن حسن بن حسن وفاطمة بنت الحسين أبوا أن يخرجوا منه، فأرسل إليهم الوليد بن عبد الملك: إن لم تخرجوا منه هدمته عليكم، فأبوا أن يخرجوا، فأمر بهدمه عليهم وهما فيه وولدهما، فنزع أساس البيت وهم فيه، فلما نزع أساس البيت قالوا لهم: إن لم تخرجوا قوّضناه «١» عليكم، فخرجوا منه حتى أتوا دار علي نهارا. وروى ابن زبالة عن منصور مولى الحسن بن علي قال: كان الوليد بن عبد الملك يبعث كل عام رجلا إلى المدينة يأتيه بأخبار الناس وما يحدث بها، قال: فأتاه في عام من ذلك، فسأله، فقال: لقد رأيت أمرا لا والله ما لك معه سلطان ولا رأيت مثله قط، قال: وما هو؟ قال: كنت في مسجد النبي ﷺ ، فإذا منزل عليه كلة؛ فلما أقيمت الصلاة رفعت الكلة وصلى صاحبه فيه بصلاة الإمام هو ومن معه، ثم أرخيت الكلة، وأتى بالغداء فتغدى هو وأصحابه، فلما أقيمت الصلاة فعل مل ذلك، وإذا هو يأخذ المرآة والكحل وأنا أنظر، فسألت، فقيل: إن هذا حسن بن حسن، قال: ويحك! فما أصنع هو بيته وبيت أمه، فما الحيلة في ذلك؟ قال: تزيد في المسجد وتدخل هذا البيت فيه، قال: فكتب إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بالزيادة في المسجد ويشتري هذا المنزل، قال: فعرض عليهم أن يبتاع منهم فأبوا، وقال حسن: والله لا نأكل له ثمنا أبدا، قال: وأعطاهم به سبعة آلاف دينار أو ثمانية، فأبوا، فكتب إلى الوليد بن عبد الملك في ذلك، فأمره بهدمه وإدخاله، وطرح الثمن في بيت المال، ففعل، وانتقلت منه فاطمة بنت حسين بن علي إلى موضع دارها بالحرة فابتنتها. قلت: وسيأتي بقية هذا الخبر في ذكر بئرها، إن شاء الله تعالى. قال ابن زبالة: وحدثني غير واحد من أهل العلم منهم: إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن حميد، ومحمد بن إسماعيل عن محمد بن عمار عن جده، ومحمد بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر بن حفص وعبد العزيز بن محمد عن عبيد الله ابن عمر بن حفص، وسليمان بن محمد بن أبي سبرة ومحمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان، وبعضهم يزيد على بعض، أن عمر بن عبد العزيز لما جاءه كتاب الوليد بهدم المسجد والزيادة فيه بعث إلى رجال من آل عمر، فقال: إن أمير المؤمنين كتب إلى أن أبتاع بيت حفصة، وكان عن يمين الخوخة: أي خوخة آل عمر، وكان بينه وبين منزل عائشة الذي فيه قبر رسول الله ﷺ طريق، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما، فلما دعاهم قال: إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أبتاع هذا المنزل وأدخله في

стр. 380

المسجد، قالوا: ما نبيعه بشيء، قال: إذا أدخله في المسجد، قالوا: أنت وذاك، أنت وذاك، فأما طريقنا فإنا لا نقطعها، فهدم البيت وأعطاهم الطريق ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوان، وكانت قبل ذلك ضيقة قدر ما يمر الرجل منحرفا. قال عبد العزيز بن محمد: فكنت أسمع عبيد الله بن عمر يقول: لا أخرجني الله من الدنيا حتى أراها قد سدت، إن رسول الله ﷺ قال: لا يلقى الصور الصور. قلت: وسنورد بقية هذا الخبر. وروى يحيى في قصة هذه الدار عن مالك بن أنس في جملة خبر أن الحجاج قال لعبيد الله ابن عبد الله بن عمر: بعني منزل حفصة، قال: لا والله ما كنت لآخذ لبيت رسول الله ﷺ ثمنا أبدا، قال: إذا والله أهدمه، قال: والله لا تهدمه إلا على ظهري، فأمر الحجاج صائحا صاح الناس بالعتل «١» والمساحي والفوس، فقام عبد الله فدخل بيت حفصة، وجاء الغوغاء بالعتل والفوس، فأمرهم الحجاج بهدمه، فصعدوا ليهدموه وعبيد الله فيه، فجاءت بنو عدي إلى عبيد الله فقالوا له: ما أضعفك! هو يتأسف على قتل أبيك ويزع عن قتلك، فأخرجوه، فهدمه الحجاج، وكتب إلى الوليد يعلمه ما صنع، وامتناع عبيد الله من الثمن، فكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره يعرض على عبيد الله الثمن، فإن أبى جعل له مكرمة بدله في المسجد، فجعل له عمر الخوخة التي في قبلة المسجد التي إلى دار حفصة اليوم، وهو يقتضي أن الذي هدم دار حفصة هو الحجاج. وعن جعفر بن وردان عن أبيه قال: لما استعمل الوليد عمر بن عبد العزيز على المدينة أمره بالزيادة في المسجد وبنيانه واشتراء ما حوله من المشرق والمغرب والشام، فلما خلص إلى القبلة قال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر: لست أبيع هذا، هو من حق حفصة، وقد كان النبي ﷺ يسكنها، فقال له عمر: ما أنا بتارككم أو أدخلها المسجد، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر: أجعل لكم في المسجد بابا تدخلون منه، وأعطيكم دار الدقيق مكان هذا الطريق، وما بقي من الدار فهو لكم، ففعلوا، وأخرج بابهم في المسجد وهو الخوخة التي في المسجد تخرج في دار حفصة بنت عمر، وأعطاهم دار الدقيق، وقدّم الجدار في موضعه اليوم، وزاد في المشرق ما بين الأسطوان المربعة إلى جدار المسجد اليوم، ومعه عشرة أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام، ومده في المغرب أسطوانين، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي ﷺ ، وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي كان يقال لها القرائن اللاتي يقول فيهن أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط:

стр. 381

ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... بقيع المصلّى أو كعهدي القرائن وقد سمعنا من يقول: القرائن كانت جنابذ ثلاثا لعبد الرحمن بن عوف، انتهى. قلت: وأخبار المؤرخين متطابقة على أن حجر أزواج النبي ﷺ أدخلت في المسجد بأمر الوليد، وقد قدمنا في الفصل التاسع قول عطاء الخراساني: أدركت حجرات أزواج النبي ﷺ من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ ، فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم، قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول: والله لوددت أنهم تركوها على حالها، لكن نقل الزين المراغي عن السهيلي أنه نقل أن الحجر والبيوت خلطت بالمسجد في زمن عبد الملك بن مروان، قال: ويرده تصريح رزين وغيره بضد ذلك. قلت: ولعل مراد من نسب ذلك إلى عبد الملك أنه جعلها للمسلمين يصلون فيها لضيق المسجد من غير هدم لها، وقد كان الناس يصلون فيها قبل إدخالها في المسجد في يوم الجمعة، فقد نقل مالك ﵀ عن الثقة عنده أن الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبي ﷺ يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة النبي ﷺ ، وكان المسجد يضيق عن أهله، قال: وحجر أزواج النبي ﷺ ليست من المسجد، ولكن أبوابها شارعة في المسجد، انتهى. وأما بقية خبر ابن زبالة المتقدم فقد قال عقب ذلك: ثم سام «١» عمر بن عبد العزيز بني عبد الرحمن بن عوف بدارهم، فأبوا، فهدمها عليهم وأدخلها في المسجد، قال عبد الرحمن بن حميد: قذهب لنا متاع في هدمهم، وأدخل حجرات أزواج النبي ﷺ مما يلى المشرق ومن الشام، وأخل القرائن دور عبد الرحمن بن عوف وأدخل دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء، وأبيات هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأدخل فيه من المغرب دارا كانت لطلحة بن عبيد الله، ودارا كانت لأبي سبرة بن أبي رهم كانت في موضع المربعة التي في غربي المسجد، ودارا لعمار بن ياسر كانت إلى جنب دار أبي سبرة، وبعض دار العباس بن عبد المطلب، فأعلم ما دخل منها في المسجد، فجعل منابر سواريها التي تلي السقف أعظم من غيرها من سواري المسجد، وأدخل دارا كانت لمخارق مولى العباس بن عبد المطلب. قلت: قوله «وأدخل إلى آخره» وإن كان مبنيا لما لم يسم فاعله، لكن إيراده هنا يقتضي أن ذلك كله في زيادة الوليد المذكورة، وفيه نظر؛ لما تقدم من أن عثمان ﵁ زاد

стр. 382

في المسجد أسطوانا بعد المربعة، فيكون زيادة الوليد بعد ذلك في جهة المغرب، فلا يصح إدخاله لدار أبي سبرة؛ لقوله إنها كانت في موضع المربعة، إلا أن يريد بالمربعة هنا الأسطوانة التي عن يمينك إذا دخلت من الباب الذي يلي دار مروان، وهو باب السلام، وهي الثانية من الباب المذكور، فإنها أول زيادة الوليد؛ لقوله في رواية يحيى المتقدمة «ومده في المغرب أسطوانين» لكن قال ابن شبة نقلا عن ابن أبي يحيى: إنه كانت لأبي سبرة بن أبي رهم دار موضعها عند الأسطوان المربعة التي في المسجد اليمانية الغربية، وكانت جديدة، وكانت هناك دار لعمار بن ياسر، فأدخلتا في المسجد، انتهى. وهو ظاهر في أن المراد بالمربعة الأسطوان المثمنة اليوم التي قدمنا وصفها في زيادة عثمان ﵁، وقوله «وبعض دار العباس بن عبد المطلب» ظاهر أيضا في أن الوليد أدخل من دار العباس شيئا، ولعله مما كان بقي منها وأدخله مروان في داره، فيستفاد منه أن الوليد أدخل بعض دار مروان وهو ظاهر؛ لما قدمناه من أن دار مروان كانت ملاصقة للمسجد في جهة المغرب ولها خوخة فيه، ولا شك أنه اتخذها قبل زيادة الوليد، فإن وفاة مروان كانت في سنة خمس وستين بعد أن أقام في الخلافة عشرة أشهر. ولنرجع إلى تكميل خبر ابن زبالة المتقدم، قال: قالوا: وكتب الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم «إنا نريد أن نعمر مسجد نبينا الأعظم، فأعنّا فيه بعمال وفسيفساء» ، قالوا: فبعث إليه بأحمال من فسيفساء وبضعة وعشرين عاملا، وقال بعضهم: بعشرة عمال، وقال: قد بعثت إليك بعشرة يعدلون مائة، وبثمانين ألف دينار عونا له. قلت: روى ذلك يحيى أيضا، وذكر في رواية أخرى عن قدامة بن موسى أن ملك الروم، بعث إليه بأربعين. يعني عاملا سمن الروم، وبأربعين من القبط، وبأربعين ألف مثقال ذهب. وفي رواية لرزين: فبعث إليه ثلاثين عاملا، وأربعين من الروم، ومثلهم من القبط، وبثمانين ألف مثقال، وبأحمال من الفسيفساء، وبأحمال من سلاسل القناديل، انتهى. ولنرجع إلى تكميل خبر ابن زبالة له أيضا، قال عقب ما تقدم: وبعث بهذه السلاسل التي فيها القناديل، قالوا: وهدمه عمر بن عبد العزيز سنة إحدى وتسعين- أي بتقديم التاء الفوقية على السين- وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة وقصّة بطن نخل، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجر أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد، ونقل لبن المسجد ولبن الحجرات فبنى به داره التي بالحرة فهو فيها اليوم له بياض على اللبن، قال: فبينما أولئك العمال يعملون في المسجد إذ خلا لهم المسجد فقال بعض أولئك العمال من الروم: ألا أبول على قبر نبيهم، فتهيأ لذلك فنهاه أصحابه، فلما همّ أن

стр. 383

يفعل اقتلع فألقى على رأسه، فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، وعمل أحد أولئك الروم على رأس خمس طاقات في جدار القبلة في صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فامر به فضربت عنقه، وقال بعض أولئك العمال الذين عملوا الفسيفساء: إنا عملناه على ما وجدنا من صور شجر الجنة وقصورها، انتهى خبر ابن زبالة. وفي خبر يحيى المتقدم عن قدامة بن موسى أن عمر بن عبد العزيز أخمر النورة التي تعمل بها الفسيفساء سنة، وحملوا القصة من بطن نخل منخولة، وعمل الأساس بالحجارة والجدار بالحجارة المطابقة والقصة، وجعل عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وكان طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمته مائتين وفي مؤخره ثمانين ومائة، وهو من قبل كان مقدمه أعرض، انتهى. وما ذكره في ذرع عرض المسجد غير صحيح؛ لما سيأتي عن ابن زبالة في الفصل الحادي والثلاثين أنه ذكر في موضع آخر أن عرض المسجد من مقدمه في زمنه مائة وخمسة وستون ذراعا، وعرضه من مؤخره مائة وثلاثون ذراعا، وسيأتي أيضا أن الذي حررناه أن عرضه اليوم من مقدمه في جهة القبلة مائة ذراع وسبعة وستون ذراعا ونصف، وأن عرضه من مؤخره في جهة الشام مائة وخمسة وثلاثون ذراعا، ولا شك أن المسجد لم ينقص من عرضه شيء، فهذا الذرع المذكور في هذه الرواية غير صحيح، وقد نقله ابن النجار عن أهل السير، وتعقبه المطري بنحو ما ذكرناه. وروى ابن زبالة عن محمد بن عمار عن جده قال: لما صار عمر بن عبد العزيز إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال لهم: تعالوا أحضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا غير عمر قبلتنا، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع مكانه حجرا، فكانت زيادة الوليد بن عبد الملك من المشرق إلى المغرب ستة أساطين، وزاد إلى الشام من الأسطوان المربعة التي في القبر أربع عشر أسطوانا منها عشر في الرحبة وأربع في السقايف الأولى التي كانت قبل، وزاد من الأسطوان التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين في السقايف، فدخل بيت النبي ﷺ في المسجد، وبقي ثلاث أساطين في السقايف. قلت: فاستفدنا من ذلك أن الستة أساطين التي زادها في المشرق والمغرب ليس منها في جهة المغرب سوى اثنتين، وأن أربعة منها في جهة المشرق؛ فيكون ابتداء زيادته في

стр. 384

المشرق من الأسطوان الاصق اليوم بالشباك الدائر حول الحجرة الشريفة على ما قدمناه في تحديد المسجد النبوي، وذلك هو المراد بقوله «من الأسطوان التي دون المربعة إلى المشرق» وقوله «وبقي ثلاث أساطين» أي من الأربعة المذكورة «في السقايف» أي المسقف الشرقي كما هو اليوم، لكن في رواية يحيى المتقدمة أنه زاد في المشرق ما بين الأسطوان المربعة أي مربعة القبر إلى جدار المسجد يعني الشرقي؛ فعلى هذا يكون له في المشرق ثلاثة أساطين فقط؛ فيحتمل أن يكون له في المغرب ثلاث أيضا، وقوله «وزاد إلى الشام من الأسطوان المربعة التي في القبر- إلى آخره» معناه أنه لما أحدث المسقف الشرقي جعل ابتداءه مما يلي رحبة المسجد مربعة القبر، وجعل في صفها إلى جهة الشام أربع عشر أسطوانا منها عشر في الرحبة وأربع في السقايف التي كانت قبل: أي في المسقف الشامي، فيكون قد صيّر المسقف الشامي رحبة، وجعل المسقف الشامي بعد أربع عشر أسطوانا، فهذا معنى زيادته لهذا العدد. ويستفاد منه: أن جدار المسجد من جهة الشام في زمنه كان بعد ثمان عشرة أسطوانة، من مربعة القبر؛ لأنك إذا ضممت أربع أساطين للسقايف التي أحدثها بدل الأولى إلى الأربع عشرة المذكورة بلغ ذلك، فيكون محل الجدار المذكور قريبا مما يوازي الأسطوان التي قبل المسقف الشامي بأسطوان فيما يليه من الرحبة، وذلك موافق لما تقدم من أنه جعل طوله- يعني من القبلة إلى الشام- مائتي ذراع، فيتحرر من ذلك أن زيادته من جهة الشام على ما ذكر من الذرع في زمن عثمان ﵁ أربعون ذراعا، ويحتمل أن يكون معنى قوله «وزاد إلى الشام من الأسطوان المربعة التي في القبر أربع عشرة أسطوانة» أن المسجد ينتهي في جهة الشام في زمنه بعد أربع عشرة أسطوانا من المربعة إلى جهة الشام؛ فيكون الجدار الشامي في موازاة الأسطوانة الخامسة من طرف الدكاك التي هي المسقف الشامي، وهناك أسطوان في الصف الأوسط من المسقف الشرقي مربع أسفله قدر الجلسة؛ فعلى هذا يكون علامة لذلك، لكنه مخالف لما تقدم من أنه جعل طوله مائتي ذراع، بل يكون طوله على هذا التقدير نحو مائة وستين ذراعا، وذلك هو ما تقدم في طوله زمن عثمان ﵁، فيكون هذا الاحتمال مردودا، ولكن سيأتي في زيادة المهدي ما يقتضيه، والله أعلم. وروى يحيى عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عمن يثق به من مشايخ البلد أن عمر بن عبد العزيز أمر حين بنى المسجد بأسفل الأساطين فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها وقدر مجلس اثنين يتساندان إليها. وعن صالح بن كيسان قال: لما جاء كتاب الوليد من دمشق لهدم المسجد سار خمس عشرة، فجرد في ذلك عمر بن عبد العزيز، قال صالح: واستعملني على هدمه وبنائه،

стр. 385

فهدمناه بعمال المدينة فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبي ﷺ ، حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد، وقال ابن زبالة فيما رواه عن محمد بن عمار عن جده: وكان في موضع الجنائز- أي شرقي المسجد في زمان الوليد بن عبد الملك- نخلتان إذا أتى بالموتى وضعوا عندهما فيصلي عليهم، فأراد عمر بن عبد العزيز قطعهما حين ولي عمل المسجد للوليد بن عبد الملك، وذلك في سنة ثمان وثمانين، فاقتتلت فيهما بنو النجار من الأنصار، فابتاعهما عمر بن عبد العزيز فقطعهما. قلت: ولا ينافي ذلك ما تقدم من أن عمر هدم المسجد في سنة إحدى وتسعين، لجواز أن يكون ولايته لذلك سنة ثمان وثمانين، واستمر في تحصيل الأهبة وشراء الأماكن وتخمير النورة «١» إلى سنة إحدى وتسعين. وفيما رواه يحيى عن حفص بن مروان عن أبيه أن عمر مكث في بنائه ثلاث سنين. قلت: فعلى هذا يكون قد فرغ منه في آخر سنة ثلاث وتسعين، وهي السنة التي عزل فيها عمر عن المدينة، وفيه ردل لقول من زعم أن هدمه كان في سنة ثلاث وتسعين، لكن في رواية لابن زبالة ما يقتضي أن البداءة في هدم المسجد وعمارته كانت في سنة ثمان وثمانين؛ فإنه قال فيها: وابتدأ عمر بن عبد العزيز بناء المسجد سنة ثمان وثمانين، وفرغ سنة إحدى وتسعين، وفيها حج الوليد. قال: ولما فرغ عمر بن عبد العزيز من بنيان المسجد أرسل إلى أبان بن عثمان، فحمل في كساء خز حتى انتهى به إليه، فقال: أين هذا البناء من بنيانكم؟ فقال: بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس، قال: وقال الوليد حين رأى خوخة آل عمر: صانعتهم لمكان الخوخة، هكذا في النسخة التي وقعت لنا، ولعلها لمكان الخؤلة؛ لأن المطري قال: إن الوليد قال له: صانعت أخوالك، وقد كانت أم عمر بن عبد العزيز منهم. وروى يحيى عن جعفر بن وردان عن أبيه ما يقتضي أن المخاطب لأبان بن عثمان هو الوليد؛ فإنه قال: فلما قدم الويد حاجا جعل يطوف في المسجد وينظر إليه ويصيح بعمر: هاهنا، ومعه أبان بن عثمان، فلم استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان وقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس. قلت: وكان قد اعتنى عمر بتحسينه؛ فقد روى يحيى عن النضر بن أنس قال: كان عمر ابن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عملها نفّله «٢»

стр. 386

عمر ثلاثين درهما، وذكر هو وابن زبالة ما كان فيه من الكتابات داخله وخارجه وعلى أبوابه فتركناه لزواله. وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه قال: ولما قدم الوليد بن عبد الملك المدينة حاجا بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد جعل يطوف في المسجد وينظر إلى بنيانه، فقال لعمر بن عبد العزيز حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف كله مثل هذا، قال: إذا يا أمير المؤمنين تعظم النفقة جدا، قال: وإن، قال: وكان نفقته في ذلك أربعين ألف دينار. وروى ابن النجار هذا الخبر عن أهل السير بهذا اللفظ، إلا أنه قال: فقال: يا أمير المؤمنين إذا تعظم النفقة جدا، قال: وإن، قال: أتدري كم أنفقت على عمل جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم، قال: خمسة وأربعون ألف دينار، وقال بعضهم: أربعون ألف دينار، قال: والله لكأنك أنفقتها من مالك، وقيل: كانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال، انتهى. وذكر يحيى رواية ابن زبالة المتقدمة من غير طريقه، وقال عقب قوله: «وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف دينار» قال: ثم انتهى إلى القبر فقال ابن الوليد لعمر بن عبد العزيز: من هذا في القبر؟ قال: رسول الله وأبو بكر وعمر، قال: فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال: فأعرض عنه، فألح عليه، فقال: دفن في حال تشاغل من الناس وقد أسيء أدبك. وروى ذلك ابن زبالة أيضا، وزاد فقال: وسمعت بعض أهل العلم يقول: السائل بكار بن عبد الملك، وكان ضعيفا. وقال ابن شبة: حدثنا أيوب بن عمر بن أبي عمرو، قال: أخبرني موسى بن عبد العزيز قال: قال عمر بن عبد العزيز لي: اتكأ الوليد على يدي حين قدم المدينة، فجعل يطوف المسجد ينظر إلى بنائه، ثم أتى بيت النبي ﷺ فوقف عليه، ثم أقبل علي فقال: أمعه أبو بكر وعمر؟ قلت: نعم، قال: فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال: فالله أعلم إني لظننت أنه لا يبرح حتى يخرجهما، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس كانوا حين قتل عثمان في فتنة وشغل فذاك الذي منعهم من أن يدفنوه معهم، فسكت. وروى يحيى أنه جعل المقصورة من ساج، قال: وكانت قبل من حجارة، وأن الواقدي قال: حدثني عبد الله بن يزيد قال: كان عمل القبط مقدم المسجد، وكانت الروم تعمل ما خرج من السقف جوانبه ومؤخره، فسمعت سعيد بن المسيب يقول: عمل هؤلاء أحكم، يعني القبط.

стр. 387

الفصل السابع عشر فيما اتخذه عمر في المسجد في زيادة الوليد من المحراب والشّرفات والمنائر، واتخاذ الحرس، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه أول من أحدث المحراب والشرفات أسند يحيى عن عبد المهيمن بن عباس عن أبيه قال: مات عثمان وليس في المسجد شرفات ولا محراب، فأول من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز، وعن القاسم وسالم أنهما نظرا إلى شرفات المسجد فقالا: إنها من زينة المسجد، وأسند أيضا من طريق ابن زبالة ورأيته فيه أن عمر بن عبد العزيز هو الذي عمل الرصاص على طنف «١» المسجد والميازيب التي من الرصاص، فلم يبق من الميازيب التي عمل عمر بن عبد العزيز غير ميزابين: أحدهما في موضع الجنائز، والآخر على الباب الذي يدخل منه أهل السوق الذي يقال له باب عاتكة، ولم يكن للمسجد شرفات حتى عملها عبد الواحد بن عبد الله النصري، وهو وال على المدينة، سنة أربع ومائة، انتهى. فهذا يقتضي أن عمر بن عبد العزيز لم يحدث الشرفات في زيادة الوليد، بل ولا في زمن خلافته بعده، لأن وفاته كانت في رجب سنة إحدى ومائة. وفي سنن البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ابنوا المساجد واتخذوها جماء» وعن ابن عمر: نهانا- أو نهينا- أن نصلي في مسجد مشرف. قال أبو عبيد: الجم التي لا شرف لها، حكاه في شرح المهذب. قال الزين المراغي: وليس للمسجد شرفات منذ حريقه، وقد جددت له شرفات سنة سبع وستين وسبعمائة في أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد صاحب مصر، انتهى. والمراد بالشرفات المذكورة ما على ما أحاط بجدرات صحن المسجد من جوانبه الأربعة، وبينها فرج شبه طاقات الشباك، وهي المرادة فيما حكاه البدر بن فرحون عن القاضي فخر الدين بن مسكين الفقيه الشافعي أنه كان يجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس فيصلي الضحى، وأنه رأى الناس يرتقبون بصلاتهم الشيخ أبا عبد الله بن فرحون ولد البدر، قال: وكان يقوم إذا وصلت الشمس في الحائط الغربي إلى تحت الشبابيك الصغار، قال: فاجتمعت به، وكنت به جاهلا، فقلت له: رأيتك تقوم للضحى قبل وقتها، وقد نهى النبي

стр. 388

صلّى الله عليه وسلّم عنها حتى ترتفع الشمس وتبيض، فالتفت إليّ وقال: بعد اليوم نؤخر كما قلت، وسكت عني. قلت: وإنما ذكرت ذلك لأن كثيرا من الناس اليوم يشرعون في الصلاة عند وقوع الشمس على رؤوس الشراريف، وذلك قبل ارتفاع الشمس كرمح، والله أعلم. المنارات التي عملها عمر بن عبد العزيز وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن محمد بن عمار عن جده، قال: جعل عمر بن عبد العزيز لمسجد رسول الله ﷺ حين بناه أربع منارات في كل زاوية منه منارة. قال كثير بن حفص: وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن، فأطل عليه، فأمر سليمان بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد، وبابها على باب المسجد، وفي نسخة يحيى «وبابها على المسجد مما يلي دار مروان من قبل المسجد» . قلت: فكان المسجد بعد ذلك له ثلاث منارات فقط، وهو المراد من قول ابن زبالة في موضع آخر: ولمسجد النبي ﷺ ثلاث منارات طول كل منارة ستون ذراعا، وقال في موضع آخر: وطول المنارة الشرقية اليمانية في السماء خمس وخمسون ذراعا، والمنارة الشرقية الشامية خمس وخمسون، والمنارة الغربية الشامية ثلاث وخمسون، وعرض المنارات ثمان أذرع في ثمان أذرع، اه. وذكر ابن جبير في رحلته ما يقتضي أن المنارتين الشاميتين كانتا صغيرتين، بخلاف الشرقية اليمانية، فإنه قال: وللمسجد المبارك ثلاث صوامع إحداها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة، والاثنتان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين، والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع. قلت: فكأن الشاميتين غيرتا بعد ابن جبير؛ فإنهما اليوم على هيئة الشرقية اليمانية المعروفة اليوم بالرئيسية؛ لاختصاص الرئيس بها، وكان طول المنارة الرئيسية في زماننا أولا من رأس هلالها إلى أسفلها خارج المسجد بالبلاط سبعة وسبعين ذراعا، بتقديم السين، ثم سقط منها نحو ثلثها بسبب الصاعقة التي نشأ عنها حريق المسجد الثاني كما سيأتي، فاقتضى الحال هدم جميعها، ثم أعيدت فكان طولها اليوم أزيد من مائة ذراع، فصارت أطول المنارات، ثم ظهر منها خلل بعد، فبعث السلطان الأشرف الشجاعي شاهين الجمالي وأمره بهدمها، فهدمها غير محكم، فحفر أساسها إلى الملك، وأعادها متقنة جدا في عرض جدارها الشرقي من موضع الجنائز شرقي المسجد، وزاد في ارتفاعها أيضا حتى بلغ زيادة عن مائة وعشرين ذراعا، وطول المنارة الشرقية الشامية وهي المعروفة بالسنجارية تسعة- بتقديم التاء

стр. 389

على السين- وسبعون ذراعا، وطول الشامية الغربية المعروفة بالخشبية اثنان وسبعون ذراعا- بتقديم السين فيهما- كل ذلك من أعلى الهلال إلى الأرض الخارجة عن المسجد، وبه يعلم أن المنارات التي كانت في زمن ابن زبالة ليست هي الموجودة اليوم. قال المطري: ولم يزل المسجد على ثلاث منارات إلى أن جددت المنارة الرابعة، وذكر في موضع آخر تجديدها، فقال بعد ذكر خوخة مروان المتقدم ذكرها في ركن المسجد الغربي: إنه شاهد الخوخة المذكورة عند بناء المنارة الكبيرة المتجددة في سنة ست وسبعمائة، أمر بإنشائها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون. قال المطري: وكان باب الخوخة عليها، وهو من ساج، فلم يبل إلى هذا التاريخ، كان مروان يدخل من داره إلى المسجد منها، وقد انسدت- يعني الخوخة- بحائط المنارة الغربي اه. قلت: وقد ذكر البدر بن فرحون بناء هذه المنارة فإنه أدرك ذلك، وذكر أنه لم يوجد عند الحفر أثر لما ذكر من وجود منارة قبلها، فقال ما ملخصه؛ إنه لما حج سلار وبيبرس كلمهما شيخ الخدام شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري في بناء المنارة التي بباب السلام اليوم، فأنعما «١» ، ثم خشي أنهما يشتغلان عن ذلك ويستثقلان النفقة، فقال: أنا لا أطلب منكم مالا، عندي من قناديل الذهب والفضة ما يقوم بها وزيادة، فأنعما له بإرسال الصناع، وأمر بالحفر لها في مكانها اليوم، فلم ينزلوا إلا قليلا إذ وجدوا باب مروان ابن الحكم أسفل من أرض المسجد بقدر قامة، ثم وجدوا تحصيب المسجد في أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع، ثم نزلوا في الأساس حتى بلغوا الماء، ثم أمر الحريري من كان بالمدينة يتعانى البناية كالشيخ إبراهيم البنا والشيخ علي الفراش الحجار وغيرهما ممن ليس له في البناية كبير قدم، فدكوا الأساس، فلما حضر الصناع في الموسم قال مقدمهم للشيخ: لا تبنى حتى تنقض ذلك، فإنّا لا نأمن عاقبته، فامتنع الشيخ، فرجع إلى مصر من حينه، فقال الشيخ لمن كان معه من المعلمين: اعملوا أنتم، فعملوها على ما هي عليه اليوم، وعمّ نفعها؛ لأنها متوسطة المدينة حتى إن رئيس المؤذنين محمد بن إبراهيم قال لي: لو تركت لي هذه المأذنة لكفيت المدينة، وهو حق؛ فإن امتداد المدينة وقوة عمارتها من جهة المغرب، يعني في محاذاة المنارة المذكورة. قال: وكان بعض المؤرخين يذكر أنه كان هناك مأذنة مشرفة على دار مروان، فهدمها

стр. 390

غيرة على أهله من مؤذنيها، فلم يوجد لذلك صحة ولا أثر البتة، انتهى ما ذكره ابن فرحون. قلت: وجواب ما ذكره أخيرا أن تلك المنارة تحتمل أن تكون على باب المسجد وسطحه مما يلي دار مروان، وليس لها في الأرض أساس، ويدل على ذلك قوله في الرواية المتقدمة: وبابها على المسجد، أو على باب المسجد؛ فلا يلزم من عدم وجود أثرها عند الحفر عدم وجودها أصلا ورأسا في تلك الجهة، ولم يتعرضوا لذرع هذه المنارة، وكانت أطول منارات المسجد. وقد ذرعتا من أعلى هلالها إلى الأرض، فكان ذلك خمسة وتسعين ذراعا- بتقديم التاء على السين- لكن صارت المنارة الرئيسية المجددة بعد الحريق أطول منها كما سبق، والله أعلم. ويظهر من سياق ما تقدم أن أول جعل المنارات في المسجد كان في زيادة الوليد، ويشهد لذلك ما رواه ابن إسحاق وأبو داود والبيهقي أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت لينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن. وروى خالد بن عمرو عن أبي برزة الأسلمي قال: من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد. وروى غيره أن الأذان في زمنه ﷺ كان على أسطوانة في دار عبد الله بن عمر التي في قبلة المسجد. قال ابن زبالة: حدثني محمد بن إسماعيل وغيره قال: كان في دار عبد الله بن عمر أسطوان في قبلة المسجد يؤذن عليها بلال يرقى إليها بأقتاب «١» ، والأسطوان مربعة قائمة إلى اليوم يقال لها المطمار، وهي في منزل عبيد الله بن عبد الله بن عمر. قلت: والظاهر أنها المرادة بقوله في الرواية المتقدمة في قصة الخوخة التي جعلت بدل طريق بيت حفصة: ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوان. وقال الأقشهري، ومن خطه نقلت: عن عبد العزيز بن عمران قال: كان في دار عبد الله ابن عمر أسطوان في قبلة المسجد يؤذن عليها، وهي مربعة قائمة إلى اليوم. قال الأقشهري: وهي باقية إلى يومنا هذا، قال، يعني عبد العزيز: وكان يقال لها المطمار. وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن قدامة العمري عن نافع عن ابن عمر، قال: كان بلال يؤذن على منارة في دارة حفصة ابنة عمر التي تلي المسجد، قال: وكان يرقى
следующие страницы →