← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عمر ثلاثين درهما، وذكر هو وابن زبالة ما كان فيه من الكتابات داخله وخارجه وعلى أبوابه فتركناه لزواله. وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه قال: ولما قدم الوليد بن عبد الملك المدينة حاجا بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد جعل يطوف في المسجد وينظر إلى بنيانه، فقال لعمر بن عبد العزيز حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف كله مثل هذا، قال: إذا يا أمير المؤمنين تعظم النفقة جدا، قال: وإن، قال: وكان نفقته في ذلك أربعين ألف دينار. وروى ابن النجار هذا الخبر عن أهل السير بهذا اللفظ، إلا أنه قال: فقال: يا أمير المؤمنين إذا تعظم النفقة جدا، قال: وإن، قال: أتدري كم أنفقت على عمل جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم، قال: خمسة وأربعون ألف دينار، وقال بعضهم: أربعون ألف دينار، قال: والله لكأنك أنفقتها من مالك، وقيل: كانت النفقة في ذلك أربعين ألف مثقال، انتهى. وذكر يحيى رواية ابن زبالة المتقدمة من غير طريقه، وقال عقب قوله: «وكانت النفقة في ذلك أربعين ألف دينار» قال: ثم انتهى إلى القبر فقال ابن الوليد لعمر بن عبد العزيز: من هذا في القبر؟ قال: رسول الله وأبو بكر وعمر، قال: فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال: فأعرض عنه، فألح عليه، فقال: دفن في حال تشاغل من الناس وقد أسيء أدبك. وروى ذلك ابن زبالة أيضا، وزاد فقال: وسمعت بعض أهل العلم يقول: السائل بكار بن عبد الملك، وكان ضعيفا. وقال ابن شبة: حدثنا أيوب بن عمر بن أبي عمرو، قال: أخبرني موسى بن عبد العزيز قال: قال عمر بن عبد العزيز لي: اتكأ الوليد على يدي حين قدم المدينة، فجعل يطوف المسجد ينظر إلى بنائه، ثم أتى بيت النبي ﷺ فوقف عليه، ثم أقبل علي فقال: أمعه أبو بكر وعمر؟ قلت: نعم، قال: فأين أمير المؤمنين عثمان؟ قال: فالله أعلم إني لظننت أنه لا يبرح حتى يخرجهما، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس كانوا حين قتل عثمان في فتنة وشغل فذاك الذي منعهم من أن يدفنوه معهم، فسكت. وروى يحيى أنه جعل المقصورة من ساج، قال: وكانت قبل من حجارة، وأن الواقدي قال: حدثني عبد الله بن يزيد قال: كان عمل القبط مقدم المسجد، وكانت الروم تعمل ما خرج من السقف جوانبه ومؤخره، فسمعت سعيد بن المسيب يقول: عمل هؤلاء أحكم، يعني القبط.

стр. 387

الفصل السابع عشر فيما اتخذه عمر في المسجد في زيادة الوليد من المحراب والشّرفات والمنائر، واتخاذ الحرس، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه أول من أحدث المحراب والشرفات أسند يحيى عن عبد المهيمن بن عباس عن أبيه قال: مات عثمان وليس في المسجد شرفات ولا محراب، فأول من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز، وعن القاسم وسالم أنهما نظرا إلى شرفات المسجد فقالا: إنها من زينة المسجد، وأسند أيضا من طريق ابن زبالة ورأيته فيه أن عمر بن عبد العزيز هو الذي عمل الرصاص على طنف «١» المسجد والميازيب التي من الرصاص، فلم يبق من الميازيب التي عمل عمر بن عبد العزيز غير ميزابين: أحدهما في موضع الجنائز، والآخر على الباب الذي يدخل منه أهل السوق الذي يقال له باب عاتكة، ولم يكن للمسجد شرفات حتى عملها عبد الواحد بن عبد الله النصري، وهو وال على المدينة، سنة أربع ومائة، انتهى. فهذا يقتضي أن عمر بن عبد العزيز لم يحدث الشرفات في زيادة الوليد، بل ولا في زمن خلافته بعده، لأن وفاته كانت في رجب سنة إحدى ومائة. وفي سنن البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ابنوا المساجد واتخذوها جماء» وعن ابن عمر: نهانا- أو نهينا- أن نصلي في مسجد مشرف. قال أبو عبيد: الجم التي لا شرف لها، حكاه في شرح المهذب. قال الزين المراغي: وليس للمسجد شرفات منذ حريقه، وقد جددت له شرفات سنة سبع وستين وسبعمائة في أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد صاحب مصر، انتهى. والمراد بالشرفات المذكورة ما على ما أحاط بجدرات صحن المسجد من جوانبه الأربعة، وبينها فرج شبه طاقات الشباك، وهي المرادة فيما حكاه البدر بن فرحون عن القاضي فخر الدين بن مسكين الفقيه الشافعي أنه كان يجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس فيصلي الضحى، وأنه رأى الناس يرتقبون بصلاتهم الشيخ أبا عبد الله بن فرحون ولد البدر، قال: وكان يقوم إذا وصلت الشمس في الحائط الغربي إلى تحت الشبابيك الصغار، قال: فاجتمعت به، وكنت به جاهلا، فقلت له: رأيتك تقوم للضحى قبل وقتها، وقد نهى النبي

стр. 388

صلّى الله عليه وسلّم عنها حتى ترتفع الشمس وتبيض، فالتفت إليّ وقال: بعد اليوم نؤخر كما قلت، وسكت عني. قلت: وإنما ذكرت ذلك لأن كثيرا من الناس اليوم يشرعون في الصلاة عند وقوع الشمس على رؤوس الشراريف، وذلك قبل ارتفاع الشمس كرمح، والله أعلم. المنارات التي عملها عمر بن عبد العزيز وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن محمد بن عمار عن جده، قال: جعل عمر بن عبد العزيز لمسجد رسول الله ﷺ حين بناه أربع منارات في كل زاوية منه منارة. قال كثير بن حفص: وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن، فأطل عليه، فأمر سليمان بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد، وبابها على باب المسجد، وفي نسخة يحيى «وبابها على المسجد مما يلي دار مروان من قبل المسجد» . قلت: فكان المسجد بعد ذلك له ثلاث منارات فقط، وهو المراد من قول ابن زبالة في موضع آخر: ولمسجد النبي ﷺ ثلاث منارات طول كل منارة ستون ذراعا، وقال في موضع آخر: وطول المنارة الشرقية اليمانية في السماء خمس وخمسون ذراعا، والمنارة الشرقية الشامية خمس وخمسون، والمنارة الغربية الشامية ثلاث وخمسون، وعرض المنارات ثمان أذرع في ثمان أذرع، اه. وذكر ابن جبير في رحلته ما يقتضي أن المنارتين الشاميتين كانتا صغيرتين، بخلاف الشرقية اليمانية، فإنه قال: وللمسجد المبارك ثلاث صوامع إحداها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة، والاثنتان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين، والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع. قلت: فكأن الشاميتين غيرتا بعد ابن جبير؛ فإنهما اليوم على هيئة الشرقية اليمانية المعروفة اليوم بالرئيسية؛ لاختصاص الرئيس بها، وكان طول المنارة الرئيسية في زماننا أولا من رأس هلالها إلى أسفلها خارج المسجد بالبلاط سبعة وسبعين ذراعا، بتقديم السين، ثم سقط منها نحو ثلثها بسبب الصاعقة التي نشأ عنها حريق المسجد الثاني كما سيأتي، فاقتضى الحال هدم جميعها، ثم أعيدت فكان طولها اليوم أزيد من مائة ذراع، فصارت أطول المنارات، ثم ظهر منها خلل بعد، فبعث السلطان الأشرف الشجاعي شاهين الجمالي وأمره بهدمها، فهدمها غير محكم، فحفر أساسها إلى الملك، وأعادها متقنة جدا في عرض جدارها الشرقي من موضع الجنائز شرقي المسجد، وزاد في ارتفاعها أيضا حتى بلغ زيادة عن مائة وعشرين ذراعا، وطول المنارة الشرقية الشامية وهي المعروفة بالسنجارية تسعة- بتقديم التاء

стр. 389

على السين- وسبعون ذراعا، وطول الشامية الغربية المعروفة بالخشبية اثنان وسبعون ذراعا- بتقديم السين فيهما- كل ذلك من أعلى الهلال إلى الأرض الخارجة عن المسجد، وبه يعلم أن المنارات التي كانت في زمن ابن زبالة ليست هي الموجودة اليوم. قال المطري: ولم يزل المسجد على ثلاث منارات إلى أن جددت المنارة الرابعة، وذكر في موضع آخر تجديدها، فقال بعد ذكر خوخة مروان المتقدم ذكرها في ركن المسجد الغربي: إنه شاهد الخوخة المذكورة عند بناء المنارة الكبيرة المتجددة في سنة ست وسبعمائة، أمر بإنشائها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون. قال المطري: وكان باب الخوخة عليها، وهو من ساج، فلم يبل إلى هذا التاريخ، كان مروان يدخل من داره إلى المسجد منها، وقد انسدت- يعني الخوخة- بحائط المنارة الغربي اه. قلت: وقد ذكر البدر بن فرحون بناء هذه المنارة فإنه أدرك ذلك، وذكر أنه لم يوجد عند الحفر أثر لما ذكر من وجود منارة قبلها، فقال ما ملخصه؛ إنه لما حج سلار وبيبرس كلمهما شيخ الخدام شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري في بناء المنارة التي بباب السلام اليوم، فأنعما «١» ، ثم خشي أنهما يشتغلان عن ذلك ويستثقلان النفقة، فقال: أنا لا أطلب منكم مالا، عندي من قناديل الذهب والفضة ما يقوم بها وزيادة، فأنعما له بإرسال الصناع، وأمر بالحفر لها في مكانها اليوم، فلم ينزلوا إلا قليلا إذ وجدوا باب مروان ابن الحكم أسفل من أرض المسجد بقدر قامة، ثم وجدوا تحصيب المسجد في أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع، ثم نزلوا في الأساس حتى بلغوا الماء، ثم أمر الحريري من كان بالمدينة يتعانى البناية كالشيخ إبراهيم البنا والشيخ علي الفراش الحجار وغيرهما ممن ليس له في البناية كبير قدم، فدكوا الأساس، فلما حضر الصناع في الموسم قال مقدمهم للشيخ: لا تبنى حتى تنقض ذلك، فإنّا لا نأمن عاقبته، فامتنع الشيخ، فرجع إلى مصر من حينه، فقال الشيخ لمن كان معه من المعلمين: اعملوا أنتم، فعملوها على ما هي عليه اليوم، وعمّ نفعها؛ لأنها متوسطة المدينة حتى إن رئيس المؤذنين محمد بن إبراهيم قال لي: لو تركت لي هذه المأذنة لكفيت المدينة، وهو حق؛ فإن امتداد المدينة وقوة عمارتها من جهة المغرب، يعني في محاذاة المنارة المذكورة. قال: وكان بعض المؤرخين يذكر أنه كان هناك مأذنة مشرفة على دار مروان، فهدمها

стр. 390

غيرة على أهله من مؤذنيها، فلم يوجد لذلك صحة ولا أثر البتة، انتهى ما ذكره ابن فرحون. قلت: وجواب ما ذكره أخيرا أن تلك المنارة تحتمل أن تكون على باب المسجد وسطحه مما يلي دار مروان، وليس لها في الأرض أساس، ويدل على ذلك قوله في الرواية المتقدمة: وبابها على المسجد، أو على باب المسجد؛ فلا يلزم من عدم وجود أثرها عند الحفر عدم وجودها أصلا ورأسا في تلك الجهة، ولم يتعرضوا لذرع هذه المنارة، وكانت أطول منارات المسجد. وقد ذرعتا من أعلى هلالها إلى الأرض، فكان ذلك خمسة وتسعين ذراعا- بتقديم التاء على السين- لكن صارت المنارة الرئيسية المجددة بعد الحريق أطول منها كما سبق، والله أعلم. ويظهر من سياق ما تقدم أن أول جعل المنارات في المسجد كان في زيادة الوليد، ويشهد لذلك ما رواه ابن إسحاق وأبو داود والبيهقي أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت لينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن. وروى خالد بن عمرو عن أبي برزة الأسلمي قال: من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد. وروى غيره أن الأذان في زمنه ﷺ كان على أسطوانة في دار عبد الله بن عمر التي في قبلة المسجد. قال ابن زبالة: حدثني محمد بن إسماعيل وغيره قال: كان في دار عبد الله بن عمر أسطوان في قبلة المسجد يؤذن عليها بلال يرقى إليها بأقتاب «١» ، والأسطوان مربعة قائمة إلى اليوم يقال لها المطمار، وهي في منزل عبيد الله بن عبد الله بن عمر. قلت: والظاهر أنها المرادة بقوله في الرواية المتقدمة في قصة الخوخة التي جعلت بدل طريق بيت حفصة: ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوان. وقال الأقشهري، ومن خطه نقلت: عن عبد العزيز بن عمران قال: كان في دار عبد الله ابن عمر أسطوان في قبلة المسجد يؤذن عليها، وهي مربعة قائمة إلى اليوم. قال الأقشهري: وهي باقية إلى يومنا هذا، قال، يعني عبد العزيز: وكان يقال لها المطمار. وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن قدامة العمري عن نافع عن ابن عمر، قال: كان بلال يؤذن على منارة في دارة حفصة ابنة عمر التي تلي المسجد، قال: وكان يرقى

стр. 391

على أقتاب فيها، والأسطوان في البيت الذي كان بيد عبيد الله بن عمر الذي يقال له بيت عبد الله بن عمر، وقد كانت خارجة من مسجد رسول الله ﷺ لم تكن فيه، وليست فيه اليوم، والظاهر أنه تجوّز في تسمية الأسطوان منارة، وعبد العزيز بن عمران كان كثير الغلط؛ لأن كتبه احترقت؛ فكان يروي من حفظه، فتركوه، ثم الظاهر أن عمر وعثمان ﵄ لم يتخذا في المسجد منارة، وإلا لنقل. عثمان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين وروى يحيى عن جابر بن عبد الله قال: كان أول من خلّق المسجد، ورزق المؤذنين، وجلس على الدرجة الثالثة من المنبر بعد النبي ﷺ عثمان ﵁. اتخاذ حرس للمسجد وروى ابن زبالة عن موسى بن عبيدة أن عمر بن عبد العزيز استأجر حرسا للمسجد لا يحترف فيه أحد. وعن كثير بن زيد قال: نظرت إلى حرس عمر بن عبد العزيز يطردون الناس من المسجد أن يصلّى على الجنائز فيه. وعن عثمان بن أبي الوليد عن عروة بن الزبير أنه قال له: تضربون الناس في الصلاة في المسجد على الجنائز؟ قال: قلت: نعم، قال: أما إن أبا بكر قد صلي عليه في المسجد. قلت: وذكر يحيى ما يقتضي أن الحرس كانوا قبل زمن عمر بن عبد العزيز يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز في المسجد؛ فإنه روى عن ابن أبي ذئب عن المقبري أنه رأى حرس مروان بن الحكم يخرجون الناس من المسجد يمنعونهم أن يصلوا فيه على الجنائز. قلت: وأما ما كان من ذلك في زمنه ﷺ فقد روى ابن شبة عن صحابي سقط اسمه من النسخة التي وقفت عليها حديثا محصله أن النبي ﷺ لما قدم المدينة كان إذا احتضر الميت آذنوه فحضره واستغفر له، حتى إذا قبض انصرف النبي ﷺ ومن معه، وربما قعد ومن معه فربما طال حبس ذلك على رسول الله ﷺ ، قال: فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي ﷺ بأحد حتى يقبض، فإذا قبض آذناه، فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس، ففعلنا ذلك، وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه، فربما انصرف، وربما مكث حتى يدفن، فكنا على ذلك حينا، فقلنا: لو لم نشخص رسول الله ﷺ وحملنا جنائزنا إليه حتى يصلي عليها عند بيته كان ذلك أرفق به، ففعلنا، فكان ذلك الأمر إلى اليوم. الصلاة على الجنائز في المساجد وعن ابن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا هلك الهالك شهده يصلي عليه حيث

стр. 392

يدفن، فلما ثقل رسول الله ﷺ وبدّن نقل إليه المؤمنون موتاهم فصلى عليهم رسول الله ﷺ على الجنائز عند بيته في موضع الجنائز اليوم، ولم يزل ذلك جاريا. قال ابن شبة: وحدثني محمد بن يحيى قال: حدثني من أثق به أنه كان في موضع الجنائز نخلتان إذا أتى بالموتى وضعوا عندهما فصلى عليهم، فأراد عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد قطعهما، فاقتتلت فيهما بنو النجار، فابتاعهما عمر فقطعهما. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر في قصة اليهوديين «فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد» فدل ذلك على أن الموضع المذكور كان معروفا بذلك. وفي صحيح مسلم من حديث عائشة أنها أمرت أن يمر بجنازة ابن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد، وفي رواية لها: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه. قلت: ويفهم منه أن ذلك نادر، وأن الكثير من فعله ﷺ ما تقدمت الإشارة إليه. وروى يحيى بسند جيد عن عبد الله بن عمر أنه صلّى على عمر بن الخطاب في المسجد، وفي رواية أخرى له عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبا صلّى على عمر بن الخطاب في المسجد، وبين في رواية أخرى أن ذلك كان عند المنبر، وقد روى ذلك ابن أبي شيبة، وقال في رواية: وضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك، وقد تقررت المذاهب في ذلك. وقال ابن النجار عقب ذكر ما تقدم عن عمر بن عبد العزيز في ذلك: والسنة في الجنائز باقية إلى يومنا هذا، إلا في حق العلويين ومن أراد الأمراء من الأعيان وغيرهم، والباقون يصلّى عليهم خلف الحائط الشرقي من المسجد، إذا وقف الإمام على الجنائز هناك كان النبي ﷺ عن يمينه. انتهى. الشيعة غير الأشراف قلت: وقد انتسخ ما ذكره ابن النجار، وصار يصلي على الجنائز كلها في المسجد، ويخص الأعيان بالصلاة عليهم بالروضة الشريفة بين القبر والمنبر، وغيرهم يصلي عليه أمام الروضة بعد أن يوقف بالجنازة بين يدي النبي ﷺ أمام الوجه الشريف إلى عام اثنين وأربعين وثمانمائة في دولة السلطان الظاهر جقمق، فوردت مراسيمه على شيخ الحرم فارس بالأمر بمنع جنائز الشيعة من المسجد، فمنع المنسوبون للشيعة من إدخال جنائزهم إلى المسجد إلا

стр. 393

الأشراف العلويين، وجرى الأمر على ذلك إلى يومنا هذا، لا يدخل المسجد إلا جنائز الأشراف وأهل السنة، وحاول بعض أهل المدينة إدخال بعض الشيعة غير الأشراف فقام في ذلك بعض أمراء الترك ومنع منه، وكان صاحبنا العلامة أحد شيوخ المالكية الشيخ شهاب الدين أحمد بن يونس القسنطيني ينكر الصلاة على الموتى بالروضة الشريفة ومقدم المسجد؛ لكون رجلي الميت تصيران إلى جهة الرأس الشريف، حتى إنه أوصى أن يصلّى عليه خارج المسجد في موضع الجنائز، وأكثر قبل وفاته من الاستفتاء في ذلك، وأراني خطوط جماعة من علماء الشام وغيرها من الشافعية وغيرهم يتضمن موافقته على ذلك، وفي كلام بعض الشافعية: ينبغي أن تكون الصلاة بالمسجد خلف الحجرة الشريفة أو شرقيها، والتمس مني الكتابة في ذلك، فكتبت بما حاصله أن الله تعالى قد أوجب على هذه الأمة تعظيم نبيها ﷺ وتوقيره وسلوك الأدب التام معه، ولا شك أن الميت إذا وضع في مقدم الروضة أو المسجد كما يوضع اليوم وإن لم تكن رجلاه في محاذاة الرأس الشريف حقيقة؛ لأن الرأس الشريف في محاذاة صف أسطوان التوبة والمخلقة: أي حذاء الأسطوانات التي تكون خلف المصلى على الميت، لكن تكون رجلاه في محاذاة الجهة المذكورة، وقد تصدق المحاذاة مع البعد، ولو رأينا شخصا اضطجع بذلك المحل من الروضة وجعل رجليه لتلك الجهة الشريفة لأنكرنا ذلك عليه، وما ننكره على الأحياء لا ينبغي أن نفعله بالأموات، وقد تأملت كتب المذاهب الأربعة فلم أر فيها تعرضا لذكر السنة في جهة رجلي الميت، بل ذكر الشافعية فيما إذا حضرت جنائز وصلّى عليها الإمام دفعة وجهين: أصحهما وضع الجميع صفا بين يدي الإمام في جهة القبلة، زاد أبو زرعة العراقي في شرح البهجة: والأولى جعلها عن يمينه، والثاني يوضع الجميع صفا واحدا رأس كل إنسان عند رجل الآخر، ويجعل الإمام جميعهم عن يمينه، ويقف في محاذاة الأخير، هذا إذا اتحد النوع، فإن اختلف النوع تعين الوجه الأول، ذكره في أصل الروضة، ويؤخذ منه استحباب جعل رجلي كل ميت عن يمين الإمام على الوجه الثاني، وإلا فلا يكون الجميع صفا عن يمينه، وأما على الوجه الأول فيؤخذ ذلك أيضا مما تقدم عن أبي زرعة، ولعل مأخذه فيه ما ذكر في الثاني، وإذا ثبت ذلك في الجماعة فالواحد كذلك؛ فيكون الأولى جعل رجليه عن يمين الإمام، ولكن الذي عليه الناس جعلهما على يساره. ورأيت في كتب المالكية ما يقتضي أن ذلك هو الأولى، وأن الناس مضوا على ذلك. وقد ظهر لي أن السر في ذلك أن السلف- كما يؤخذ مما قدمناه- إنما كانوا يصلون على الجنائز خارج المسجد في شرقيه في الموضع المعروف بذلك، والواقف هناك يكون القبر الشريف عن يمينه، فرأوا- والله أعلم- أن الأدب جعل الرجلين عن يسار الإمام صرفا

стр. 394

لهما عن تلك الجهة الشريفة، ثم توارثوا ذلك، واستمر العمل عليه، فلما ترك ذلك وصلوا على الجنائز في المسجد مشوا على ما اعتادوه من جعل رجلي الميت عن يسار الإمام مع الغافلة عن ذلك، وإذا لم تثبت سنة في جعل رجلي الميت عن يسار الإمام فينبغي جعلهما عن يمينه في هذا المحل الشريف، استعمالا لكمال الأدب. وقد قال لي الشيخ فتح الدين بن تقي الدين الكازروني- وكان يعد من فضلاء الشافعية- وقد ذاكرته بذلك: إذا أنا مت فليجعل رجلاي عن يمين الإمام، ففعل به ذلك رحمة الله، على أن الموضع الذي يلي الأرجل الشريفة من المسجد هو من موضع الجنائز في زمنه ﷺ فيما يظهر، ويدل عليه ما اتفق لبني النجار لما أراد عمر بن عبد العزيز قطع النخلتين عند عمارته للمسجد؛ فلو صلّى فيه اليوم على من يدخل به المسجد من الجنائز لكان أولى؛ فإنه يتأتى فيه كون الرجلين عن يسار الإمام والرأس في جهة الأرجل الشريفة، ويكون أفضل لما جرت به العادة من الخروج بالميت من باب جبريل، وأوفق لفعل السلف في الصلاة على موتاهم هناك، ولم يوافق على شيء من ذلك المتمسكون بالعادات، وقد ذكرت نص ما أجبت به في ذلك مبسوطا استطرادا في كتابي «دفع التعرض والإنكار، لبسط روضة المختار» والله أعلم. الفصل الثامن عشر في زيادة المهدي نقل ابن زبالة ويحيى أن المسجد لم يزل على حالة ما زاد فيه الوليد إلى أن هم أبو جعفر المنصور بالزيادة فيه، ثم توفي ولم يزد فيه، حتى زاد فيه المهدي، لكن ذكر يحيى في حكاية ما كان مكتوبا في جدار القبلة ما لفظه: ثم إلى جنب هذا الكتاب- أي ما كتب في زمن المهدي- كتاب كتب في ولاية أبي العباس، يعني السفاح، وصل هذا الكتاب أي كتاب المهدي إليه، وهو: أمر عبد الله عبد الله أمير المؤمنين بزينة هذا المسجد وتزيينه وتوسعته مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ابتغاء رضوان الله وثواب الله، وإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة، وكان الله سميعا بصيرا، انتهى. وهو يقتضي أن أبا العباس السفاح- وهو أول خلفاء بني العباس- زاد في المسجد أول ولايته، وولايته سنة اثنتين وثلاثين، ووفاته سنة ست وثلاثين ومائة، وسنشير إلى محمل ذلك آخر الفصل. ولفظ ما نقله ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم- منهم عبد العزيز بن محمد ومحمد ابن إسماعيل- قالوا: لم يزل المسجد على حال ما زاد فيه الوليد بن عبد الملك حتى ولي أبو جعفر عبد الله- يعني المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس- فهمّ بالزيادة،

стр. 395

وأراده، وشاور فيه، وكتب إليه الحسن بن زيد يصف له ناحية موضع الجنائز، ويقول: إن زيد في المسجد من ناحيته الشرقية توسط قبر النبي ﷺ المسجد، فكتب إليه أبو جعفر: إني قد عرفت الذي أردت، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان ﵁، فتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئا، ثم حج المهدي- يعني ابن أبي جعفر- سنة ستين ومائة، فقدم المدينة منصرفه عن الحج، فاستعمل عليها جعفر بن سليمان سنة إحدى وستين ومائة، وأمر بالزيادة فيه، وولّى بناءه عبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز وعبد الملك ابن شبيب الغساني، فمات ابن عاصم، فولي مكانه عبد الله بن موسى الحمصي، وزاد فيه مائة ذراع من ناحية الشام، ولم يزد في القبلة ولا في المشرق والمغرب شيئا، وذلك عشر أساطين في صحن المسجد إلى سقائف النساء، وخمسا سقائف النساء الشامية. وروى يحيى ذلك من طريق ابن زبالة وغيره، وقال في رواية له عقب قوله واستعمل عليها جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: وأمره بالزيادة في مسجد النبي ﷺ ، وولاه بناءه هو وعبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان وعبد الملك بن شبيب الغساني من أهل الشام، فزيد في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، وكانت زيادته مائة ذراع، ولم يزد فيه من المشرق ولا المغرب ولا القبلة شيئا. قلت: ما روياه من أنه زاد في مؤخر المسجد مائة ذراع يخالفه ما تقدم في زيادة الوليد أنه جعل طوله مائتي ذراع؛ لأنه يقتضي أن يكون طول المسجد بعد زيادة المهدي ثلاثمائة ذراع، وطول المسجد اليوم على ما صرح به ابن زبالة مائتا ذراع وأربعون ذراعا، وقد اختبرته فزاد على ذلك ثلاثة عشر ذراعا كما سيأتي، ومع ذلك فهو مؤيد لما قدمناه من الاحتمال المتبادر إلى الفهم في الرواية المتقدمة في زيادة الوليد المقتضي لأن نهاية المسجد من جهة الشام في زمنه كانت بعد أربع عشر أسطوانة من مربعة القبر، ومنها إلى آخر المسجد أربع وعشرون أسطوانة فإذا أسقطنا من ذلك أربع عشرة للوليد بقي عشرة أساطين وقدرها نحو مائة ذراع، وهذا معنى قوله في الرواية المتقدمة «وذلك عشر أساطين في صحن المسجد إلى سقائف النساء» أي إلى آخر سقائف النساء، وهي المسقف الشامي، وقوله «وخمس في السقائف» أي من العشرة المذكورة، مع أنه يقتضي أن المهدي جعل المسقف المذكور خمس أساطين، وهذا كان في ذلك الزمان كما سنوضحه، وهو اليوم أربع فقط، وقد قدمنا ترجيح أن المراد مما ذكر في زيادة الوليد أنه جعل أربع فقط، وقد قدمنا ترجيح طأن المراد مما ذكر في زيادة الولدي أنه جعل أربع عشرة أسطوانة في الرحبة بما فيها من أربع أساطين في السقائف التي كانت أولا، وأنه جعل السقائف الشامية في زمنه بعد الأربع عشرة المذكورة؛ لموافقة ما ذكره في ذرع المسجد في زمنه ولما ذكر في زيادة عثمان ﵁ من أنه

стр. 396

جعل المسجد مائة وستين ذراعا، فإن ذلك يقتضي أن يكون نهايته في جهة الشام يقرب من أربعة عشر أسطوانة من المربعة المذكورة، فيتحصل من ذلك أن زيادة الوليد على ما ذكر في زيادة عثمان ﵁ أربعون ذراعا، وأن زيادة المهدي نحو خمسة وخمسين ذراعا فقط؛ فيكون للمهدي نحو ستة أساطين في مؤخر المسجد، لكن سيأتي في ذكر أبواب المسجد ما يقتضي أن الباب الذي كان يواجه دار خالد بن الوليد كان مكتوبا عليه: زيادة المهدي، وكذا الباب الذي بعده في الشام عليه ما يقتضي ذلك، وكذا البابان المقابلان لهما في جهة المغرب، دون ما قبل ذلك من الأبواب، وذلك يقتضي ترجيح رواية أنه زاد في المسجد مائة ذراع، وقد رأيت في المسقف الشرقي أسطوانة هي التاسعة من جدار المسجد الشامي مربع أسفلها مرتفع عن الأرض بقدر الجلسة، وهي محاذية لما وصفوه من الباب المقابل لدار خالد بن الوليد، فإن صحت هذه الرواية فهي علامة على ابتداء زيادة المهدي، والله أعلم. وقال ابن زبالة ويحيى في روايتهما المتقدمة أيضا: وكان- يعني المهدي- قبل بنيانه قد أمر به، فقدّروا ما حوله، فابتيع، وكان مما أدخل في المسجد من الور دار مليكة. قال ابن زبالة: وأخبرني إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه قال: كانت دار مليكة لعبد الرحمن بن عوف، وإنما سميت دار مليكة لأن عبد الرحمن أنزلها مليكة ابنة خارجة بن سنان، فغلب عليها اسمها، ثم باعها بنو عبد الرحمن بن عوف من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فباعها عبد الله حين بناء المسجد، فأدخل بعضها في المسجد، وبعضها في رحبة المسارب، وبعضها في الطريق، قالوا: وأدخل دار شرحبيل بن حسنة وكانت صدقة، فابتاعوا دورا ومنازل فأوقفوها صدقة وبقيت منها بقية، فابتاعها منهم يحيى بن خالد بن برمك فدخلت في الحش حش طلحة. قلت: وقد ذكر ابن شبة دار مليكة وقال: فباعها عبد الله من معاوية ﵁، فصارت في الصوافي؛ فأدخلها المهدي في المسجد، وذكر دار شرحبيل هذه في ترجمة علم دور أزواج النبي ﷺ بالمدينة: أي غير الحجر، فقال: قال أبو غسان: اتخذت أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ الدار التي يقال لها دار آل شرحبيل، فوهبتها لشرحبيل بن حسنة، فلم تزل لبنيه حتى باعوا صدرها من المهدي فزادها في مؤخر مسجد رسول الله ﷺ سنة إحدى وستين ومائة، ثم ذكر ما سنورده في ذكر الدور المطيفة بالمسجد. وقال ابن زبالة عقب ما تقدم: وأدخل بقية دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء، ودار المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة. قلت: ذكر ابن شبة هذه الدار في دور بني زهرة، فقال: واتخذ مخرمة بن أهيب بن نوفل دارا، وهي في زاوية المسجد عند المنارة الشرقية اليمانية، فاشترى المهدي بعضها

стр. 397

فأدخله في رحبة المسجد القصيا وفي الطريق، وبيعت بقيتها فصارت لرجل من آل مطرف ثم صارت لبعض بني برمك ثم صارت صافية اليوم، انتهى. وقوله «المنارة الشرقية اليمانية» تحريف والصواب الشامية. قال ابن زبالة ويحيى عقب ما تقدم: وفرغ من بنيان المسجد سنة خمس وستين ومائة، وقد كان هم بسد خوخة آل عمر، وأمر بالمقصورة فهدمت وخفضت إلى مستوى المسجد، وكانت مرتفعة ذراعين عن وجه المسجد، فأوطأها مع المسجد، فكلمه آل عمر في خوختهم حتيكثر الكلام بينهم، فأذن لهم ففتحوها وخفضوها في الأرض شبه السرب؛ فصارت في المسجد أي: خارج المقصورة عليها شباك حديد، وزاد في المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات؛ فهي على ذلك إلى اليوم. ويؤخذ مما ذكره ابن زبالة من الكتابة على أبواب المسجد في زمن المهدي أنه زخرفه بالفسيفساء كما فعل الوليد، ويشهد لذلك بقية من الفسيفساء كانت فيما زاده في مؤخر المسجد عند المنارة الغربية الشامية، وفيما يقرب منها من الحائط الغربي، ولم أر في كلام أحد من مؤرخي المدينة أن المسجد الشريف زيد فيه بعد المهدي، لكن قال الزين المراغي ما لفظه: وقيل: إن المأمون زاد فيه، وأتقن بنيانه أيضا في سنة اثنتين ومائتين. قال السهيلي: وهو على حاله، ورزين ينكر ذلك، ويمكن الجمع بأنه جدده ولم يزد، انتهى. قلت: ولم أر في كلام رزين تعرضا لحكاية ذلك حتى ينكره، وهذا بعيد جدّا؛ لأن من أدرك زمن المأمون من مؤرخي المدينة لم يتعرض لشيء من ذلك، نعم رأيت في المعارف لابن قتيبة بعد ذكر زيادة المهدي ما لفظه: وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسعه، وقرأت على موضع زيادة المأمون: أمر عبد الله بعمارة مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين ومائتين، وذكر أشياء من الأمر بالعدل وتقوى الله، وهذا لا دلالة فيه على زيادة المأمون في المسجد لاحتمال أنه وقع في زمنه عمارة من غير أن يزيد فيه، على أن في كلام يحيى وغيره في حكاية ما كان مكتوبا في المسجد ما يدل على كتابة مثل ذلك لمن تجددت ولايته من الخلفاء فقط، والله أعلم. الفصل التاسع عشر فيما كانت عليه الحجرة الشريفة الحاوية للقبور المنيفة في مبدأ الأمر قد قدمنا أن النبي ﷺ لما بنى المسجد بنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودة ﵄ على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل، قال ابن النجار: وكان لبيت عائشة ﵂ مصراع واحد من عرعر أو ساج، وتقدم أيضا في الفصل التاسع عن جماعة ممن أدرك

стр. 398

بيوت النبي ﷺ لما أدخلت في المسجد أنها كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر، وأن عمران بن أبي أنس قال: كان فيها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، الخبر المتقدم. أول من بنى جدارا على بيت عائشة قلت: وكان بيت عائشة ﵂ أحد الأربعة المذكورة. لكن سيأتي من رواية ابن سعد أنه لم يكن عليه حائط زمن النبي ﷺ ، وأن أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطاب، وليحمل على أن حجرة الجريد التي كانت مضافة له، أبدلها عمر بجدار، جمعا بين الروايات، وتقدم أيضا قول عبد الله بن يزيد الهذلي: ورأيت حجر أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز مبنية باللبن حولها حجر من جريد ممدودة، إلا حجرة أم سلمة، وقول الحسن البصري: كنت أدخل بيوت رسول الله ﷺ وأنا غلام مراهق، وأنال السقف بيدي، وكان لكل بيت حجرة، وكانت حجره من أكسية من شعر مربوطة في خشب عرعر. قلت: والظاهر أن ما يستر به الحجر المذكورة هو المراد في حديث كشفه ﷺ لسجف حجرته، كما في الصحيح، والسجف لغة: الستر. وفي التحفة لابن عساكر عن داود بن قيس أنه قال: أظن عرض البيت من الحجرة إلى باب البيت نحو من ست أو سبع أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والتسع نحو ذلك، ووقفت عند باب عائشة فإذا هو مستقبل المغرب، وهو صريح في أن الباب كان في جهة المغرب، وسيأتي ما يؤيده. وكذا ما روى في الصحيح من كشفه ﷺ سجف الباب في مرضه وأبو بكر ﵁ يؤم الناس، وترجيل عائشة ﵂ شعره وهو في معتكفه وهي في بيتها كما تقدم في حديث: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وفي رواية النسائي: يأتيني وهو معتكف في المسجد، فيتكئ على عتبة باب حجرتي، فأغسل رأسه وأنا في حجرتي وسائره في المسجد، لكن سبق أيضا ما يقتضي أن الباب كان مستقبل الشام، وهو ضعيف أو مؤول، أما ضعفه فلما تقدم من أن بيت فاطمة ﵂ كان ملاصقا له من جهة الشام وأن مربعة القبر كانت باب علي، ويحتمل أن بعضه من جهة الشام كان ملاصقا بيت فاطمة دون بعضه، فيتأتى ذلك، ويدل له ما قدمناه في بيت فاطمة ﵂ من أن الموضع المزور في بناء عمر بن عبد العزيز كان مخرجا للنبي ﷺ ، وأما تأويله فبأحد أمرين كما أشار إليه الزين المراغي: أحدهما حمله على أنه باب شرعته عائشة ﵂ لما ضربت حائطا بينها وبين القبور المقدسة بعد دفن عمر ﵁، لا أنه الباب

стр. 399

الذي كان في زمنه ﷺ ، وفيه بعد؛ لأنه سيأتي ما يؤخذ منه أن الحائط الذي ضربته كان في جهة المشرق، ثانيهما لأنه كان له بابان؛ إذ لا مانع من ذلك، وهذا محمل ما رواه ابن عساكر عن محمد بن أبي فديك عن محمد بن هلال أنه رأى حجر أزواج النبي ﷺ من جريد مستورة بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة، فقال: كان بابه من جهة الشام، قلت: مصراعا كان أو مصراعين؟ قال: كان باب واحد، قلت: من أي شيء كان؟ قال: من عرعر أو ساج، وهذا مستند ابن عساكر في قوله: وباب البيت شامي، ولم يكن على الباب غلق مدة حياة عائشة، اه. ثم ظفرت في طبقات ابن سعد بما يصرح بأن الحجرة الشريفة كان لها بابان؛ فإنه روي من طرق أنهم صلوا على النبي «بحجرته، وروى في أثناء ذلك عن أبي عسيم قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالوا: كيف نصلي عليه؟ قالوا: ادخلوا من ذا الباب أرسالا أرسالا فصلوا عليه، واخرجوا من الباب الآخر، والله أعلم. وكان بيت حفصة بنت عمر ﵂ ملاصقا لبيت عائشة ﵂ من جهة القبلة. ونقل ابن زبالة فيما رواه عن عبد الرحمن بن حميد وعبيد الله بن عمر بن حفص وأبي سبرة وغيرهم أنه كان بين بيت حفصة وبين منزل عائشة الذي فيه قبر النبي ﷺ طريق، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما، من قرب ما بينهما، وكان بيت حفصة عن يمين الخوخة. قلت: فهو موقف الزائرين اليوم داخل المقصورة وخارجها، كما ذكره المطري، وتقدم في حدود المسجد النبوي أن جدار الحجرة مما يلي المسجد كان في حد القناديل التي بين الأساطين اللاصقة بجدار القبر، وبين الأساطين المقابلة لها، وهي التي إليها المقصورة الدائرة على الحجرة من جهة المغرب، وأن المسجد زيد فيه من تلك الجهة شيء من الحجرة، وأن الظاهر أن ما ترك في المسجد من الحجرة كان من مرافقها كالدهليز للباب، وأن ما بني عليه من ذلك هو صفة بيت عائشة ﵂ التي وقع الدفن بها. هذا ما تحصل لي من كلام متقدمي المؤرخين، خلاف ما اقتضاه كلام متأخريهم، من أن جدار الحجرة الذي [في] جوف الحائز الدائر عليها اليوم هو جدارها الأول، وإليه ينتهي حد المسجد، وأن جدار الحائز الذي جعله عمر بن عبد العزيز إنما جعله فيما يلي الحجرة من المسجد، وقد قدمنا من كلام ابن زبالة والمحاسبي نقلا عن مالك ما يرد ذلك، والله أعلم.

стр. 400

الفصل العشرون فيما حدث من عمارة الحجرة بعد ذلك، والحائز الذي أدير عليها روى ابن زبالة عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي «١» حتى دفن عمر؛ فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا. وعن المطلب قال: كانوا يأخذون من تراب القبر، فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم، وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوت فسدت. وقال ابن سعد في طبقاته: أخبرني موسى بن داود قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قسم بيت عائشة باثنين: قسم كان فيه القبر، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط؛ فكانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فضلا، فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها. وقال ابن سعد أيضا: أخبرنا يحيى بن عباد قال: حدثنا حماد بن زيد قال: سمعت عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي يزيد قالا: لم يكن على عهد النبي ﷺ على بيت النبي ﷺ حائط، وكان أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطاب ﵁. قال عبيد الله بن أبي يزيد: كان جداره قصيرا، ثم بناه عبد الله بن الزبير. وقال الأقشهري: قال أبو زيد بن شبة: قال أبو غسان بن يحيى بن علي بن عبد الحميد وكان عالما بأخبار المدينة ومن بيت كتابة وعلم-: لم يزل بيت النبي ﷺ الذي دفن فيه هو وأبو بكر وعمر ﵄ ظاهرا حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الحظار «٢» المزور الذي هو عليه اليوم حين بنى المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، وإنما جعله مزورا كراهة أن يشبه تربيعه تربيع الكعبة، وأن يتخذ قبلة فيصلي إليه. قال أبو زيد: قال أبو غسان: وقد سمعت غير واحد من أهل العلم يزعم أن عمر بنى البيت غير بنائه الذي كان عليه، وسمعت من يقول: بنى علي بيت النبي ﷺ ثلاثة أجدر، فدور القبر ثلاثة أجدر: جدار بناء بيت النبي ﷺ ، وجدار البيت الذي يزعم أنه بنى عليه يعني عمر بن عبد العزيز، وجدار الحظار الظاهر، انتهى ما نقله الأقشهري. قلت: ولم يوجد على الحجرة الشريفة عند انكشافها في العمارة التي أدركناها غير جدار واحد جوف الحظار الظاهر. وقال ابن سعد: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي قال: حدثنا مسلم بن

стр. 401

خالد قال: حدثني إبراهيم بن نوفل بن سعيد بن المغيرة الهاشمي عن أبيه قال: انهدم الجدار الذي على قبر النبي ﷺ في زمان عمر بن عبد العزيز، فأمر بعمارته، قال: فإنه لجالس وهو يا بني إذ قال لعلي بن حسين: قم يا علي فقمّ البيت «١» ، يعني بيت النبي ﷺ ، فقام إليه القاسم ابن محمد قال: وأنا أصلحك الله، قال: نعم وأنت فقم؛ ثم قال له سالم بن عبد الله: وأنا أصلحك الله، قال: اجلسوا جميعا، وقم يا مزاحم، فقمّه، فقام مزاحم فقمه، قال مسلم: وقد أثبت لي بالمدينة أن البيت الذي فيه قبر النبي ﷺ بيت عائشة، وأن بابه وباب حجرته تجاه الشام. وأن البيت كما هو سقفه على حاله، وأن في البيت جرة وخلق رخالة، انتهى. وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن غير واحد منهم إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه قال: جاف «٢» بيت النبي ﷺ من شرقيه، فجاء عمر بن عبد العزيز ومعه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، فأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فبينا هو يكشفه إلى أن رفع يده وتنحّى واجما، فقام عمر بن عبد العزيز فزعا، فقال عبد الله ابن عبيد الله: أيها الأمير لا يروعنّك فتانك قدما جدك عمر بن الخطاب ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس، فقال: يابن وردان غطّ ما رأيت، ففعل. وروى أيضا عن المطلب أنه لما سقط الجدار من شق الجنائز أمر عمر بقباطيّ فخيطت «٣» ، ثم ستر بها، وأمر أبا حفصة مولى عائشة وناسا معه فبنوا الجدار، فجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر فقمّ ما سقط على القبر من التراب والطين، ونزع القباطي، وكان عمر يقول: لأن أكون وليت ما ولي مزاحم من قمّ القبور أحب إلي من أن يكون لي من الدنيا كذا وكذا، وذكر مرغوبا من الدنيا. وروى يحيى من طريقه أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: كنت أخرج كل ليلة من آخر الليل حتى آتي المسجد، فأبدأ بالنبي ﷺ ، فأسلم عليه، ثم آتي مصلاي فأجلس به حتى أصلي الصبح، فخرجت في ليلة مطيرة حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط، فجئت المسجد فبدأت بقبر النبي ﷺ فإذا جداره قد انهدم، فدخلت فسلمت على النبي ﷺ ، ومكثت فيه مليا، وذكر صفة القبور كما سيأتي عنه، قال: فلم ألبث أن سمعت الحس، فإذا عمر بن عبد العزيز قد أخبر فجاء، فأمر به فستر بالقباطي، فلما أصبح دعا وردان البناء فقال له: ادخل فدخل فكشف فقال: لا بد لي

стр. 402

من رجل يناولني، فكشف عمر بن عبد العزيز ساقيه يريد يدخل، فكشف القاسم بن محمد، فكشف سالم بن عبد الله، فقال عمر: مالكم؟ فقالوا: ندخل والله معك، قال: فلبث عمر هنيهة ثم قال: والله لا نؤذيهم بكثرتنا اليوم، ادخل يا مزاحم فناوله، فقال عمر: يا مزاحم كيف ترى قبر النبي ﷺ ؟ قال: متطاطيا، قال: فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال: مرتفعين. قال: أشهد أنه رسول الله ﷺ ، ورواه رزين عن عبد الله المذكور باختصار، وخالف سياق يحيى في وصف القبور كما سيأتي التنبيه عليه، وقال فيه: فأخبرت بذلك عمر، فجاء فأمر به فستر بالقباطي، وذكره بنحوه. وفي العتبية: قال مالك: انهدم حائط بيت رسول الله ﷺ الذي فيه قبره، فخرج عمر بن عبد العزيز واجتمعت رجالات قريش، فأمر عمر بن عبد العزيز فستر بثوب، فلما رأى ذلك عمر بن عبد العزيز من اجتماعهم أمر مزاحما أن يدخل ليخرج ما كان فيه، فدخل فقمّ ما كان فيه من لبن أو طين، وأصلح في القبر شيئا كان أصابه حين انهدم الحائط، ثم خرج وستر القبر ثم بنى، انتهى. وروى البخاري في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه، قال: لما سقط عنهم الحائط زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ، وما هي إلا قدم عمر. ويستفاد مما تقدم أن السبب في هذا البناء سقوط الجدار المذكور بنفسه، ولعله بسبب المطر المشار إليه في الرواية المتقدمة. ويخالفه ما رواه أبو بكر الآجرى من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر ابن عبد العزيز فرفع حتى لا يصل إليه أحد، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: ساق عمر وركبته! فسرّي «١» عن عمر بن عبد العزيز. ومن طريق مالك بن مغول عن رجاء بن حيوة قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، وكان قد اشترى حجر أزواج النبي ﷺ ، أن اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية، ثم أمر بهدمها، فما رأيت باكيا أكثر من يومه، ثم بناها كما أراد، فلما أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي عليها قد انهار، ففزع عمر بن عبد العزيز، وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه، فقلت له:

стр. 403

أصلحك الله! إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلا أن يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم- يعني مولاه- قم فأصلحها. ونقل الأقشهري عن الرشيد أبي المظفر الكازروني شارح المصابيح أنه قال: سألت جمعا من العلماء عن سبب ستر القبور عن أعين الناس: أي باتخاذ جدار لا باب له، فذكر بعضهم أنه لما مات الحسن بن علي أوصى أن تحمل جنازته ويحضر بها قبر النبي ﷺ ، ثم يرفع ويقبر في البقيع، فلما أراد الحسين أن يجيز وصيته ظن طائفة أنه يدفن في الحضرة، فمنعوه وقاتلوه، فلما كان عبد الملك أو غيره سدوا وستروا. وقال أبو غسان فيما حكام الأقشهري: أخبرني الثقة عن عبد الرحمن بن مهدي عن منصور بن ربيعة عن عثمان بن عروة قال: قال عروة: نازلت عمر بن عبد العزيز في قبر النبي ﷺ ألايجعل في المسجد أشد المنازلة، فأبى، وقال: كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه، قال: فقلت: فإن كان لا بد فاجعل له حوجوا (أي: وهو الموضع المزور خلف الحجرة) . وروى ابن زبالة عن محمد بن هلال وعن غير واحد من أهل العلم أن بيت رسول الله ﷺ الذي فيه قبره ﷺ الذي فيه قبره، وهو بيت عائشة الذي كانت تسكن، وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة الذي يلي القبلة منه أطوله، والشرقي والغربي سواء، والشامي أنقصها، وباب البيت مما يلي الشام، وهو مسدود بحجارة سود وقصة، ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد العزيز زوّاه لأن يتخذه الناس قبلة تخص فيه الصلاة من بين مسجد رسول الله ﷺ ، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد- الحديث» قالوا: والبناء الذي حول البيت بيت رسول الله ﷺ بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان، ومما يلي المغرب ذراع، ومما يلي القبلة شبر، ومما يلي الشام فضاء كله، وفي الفضاء الذي يلي الشام مركن مكسور «١» ومكيل خشب، قال عبد العزيز بن محمد: يقال إن البنائين نسوه هناك، انتهى. وروى يحيى عن أبي غسان محمد بن يحيى قال: سمعت من يقول في الحظار الذي على قبر النبي ﷺ مركن وخشبة وحديدة مسندة، قال محمد بن يحيى: وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد: هو مركن تركه العمال هناك، وقال محمد بن يحيى- يعني أبا غسان- فأما أنا فإني أطلعت في الحظار فلم أر شيئا، فزعم لي زاعم أنه قد رأى ثم المركن وشيئا موضوعا مع

стр. 404

المركن، وأما أنا فلم أره، ولم أعلم أحدا يدري من أخذه، ولم أر للبيت الذي في الحظار بابا ولا موضع بابه، وقد أخبرني ابن أبي فديك أنه رأى باب بيت النبي ﷺ مما يلي الشام، انتهى. وقد حكى الأقشهري عن أبي غسان أيضا نحو ذلك. قلت: ولم نر للبيت عند انكشافه في العمارة التي أدركناها بابا ولا موضع باب، ولم يوجد في الفضاء الذي يلي الشام من الحظار المذكور مركن ولا غيره مما ذكر، وسيأتي في الفصل الثالث والعشرين أن ابن عاث ذكر أنهم وجدوا عند عمارة حائط سقط بالحجرة قعبا انكسر عند سقوط الحائط، وأنه حمل إلى بغداد، فإن صح فلعله المراد، وفيما قدمناه إشعار بأن موضع القبور الشريفة كان مسقفا تحت سقف المسجد كما سيأتي التصريح به، ولهذا لما انكشف سقف المسجد رأوا ما بين الحظار الظاهر والحجرة، ولم يروا جوف الحجرة، ويدل له ما سيأتي عن أبي الجزاء قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: فانظروا قبر النبي ﷺ ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا، الخبر الآتي، لكن سيأتي في الفصل الرابع والعشرين عن ابن رشد أنه قال في بيانه: إن الثقة أخبرني أنه لا سقف له في زمنه تحت سقف المسجد، وكنت أظن أن ذلك بعد حريق المسجد، فإن كلام المؤرخين الآتي متطابق على أنه لا سقف للحجرة بعد الحريق إلا سقف المسجد، ثم تبين أن زمن ابن رشد كان قبل الحريق بمدة مديدة؛ لأن وفاته سنة عشرين وخمسمائة، ثم اطلعنا في العمارة التي أدركناها على وجود سقف جعل بعد الحريق وعلى آثار السقف الذي كان قبله كما سيأتي بيانه، والله أعلم. الفصل الحادي والعشرون فيما روي من الاختلاف في صفة القبور الشريفة، بالحجرة المنيفة وما جاء من أنه بقي بها موضع قبر، وأن عيسى بن مريم ﵇ يدفن بها، وما جاء في تنزل الملائكة حافين بالقبر الشريف، وتعظيمه والاستسقاء به. اعلم أن ابن عساكر ذكر في تحفته الاختلاف في صفة القبور الشريفة، فذكر في ذلك سبع روايات، وسبقه إلى ذلك شيخه ابن النجار، لكنه ذكر ستا فقط. رواية نافع في وضع القبور الأولى: ما رواه عن نافع بن أبي نعيم أن صفة قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر، قبر النبي ﷺ أمامها إلى القبلة مقدما، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي «١» رسول الله ﷺ ، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر، وهذه صفته:

стр. 405

النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ قلت: وهذه الرواية هي التي عليها الأكثر ونقل الزين المراغي أن رزينا ويحيى جزما بها، وهو كذلك في كلام رزين، ورواها عن عبد الله بن محمد بن عقيل فقال عقب خبره المتقدم في قصة سقوط جدار الحجرة: ورأيت القبور، فإذا قبر رسول الله ﷺ من أمام، وقبر أبي بكر خلفه، وقبر عمر خلف قبر أبي بكر، ورأس أبي بكر عند منكبي رسول الله ﷺ ، ورأس عمر عند منكبي أبي بكر، وأما يحيى فلم أر في كلامه الجزم بذلك، بل رأيته حكى اختلاف الروايات كغيره، ولفظه في حكاية هذه الرواية: حدثنا هارون بن موسى قال: سمعت أبي يذكر عن نافع بن أبي نعيم وغيره من المشايخ ممن له سنّ وثقة أن صفة قبر النبي ﷺ ، وذكر ما تقدم، ورأيت في نسخة من كتاب يحيى تصوير القبور الشريفة على هذه الصفة، وقال: إنها صفة القبور الشريفة فيما وصف بعض أهل الحديث عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂، ثم ذكر ما سيأتي في الصفة السادسة. وروى ابن سعد في طبقاته في ذكر أبي بكر ﵁ من طريق الواقدي عن أبي بكر ابن عبد الله بن أبي سبرة عن عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم بن محمد يقولان: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله ﷺ ، فلما توفي حفر له، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ ، وألصق اللحد بقبر رسول الله ﷺ ، فقبر هناك. ثم روى من طريق الواقدي أيضا عن ربيعة بن عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله ﷺ ، ورأس عمر عند حقوي أبي بكر. قلت: وفي هذه مخالفة يسيرة لما تقدم بالنسبة إلى عمر ﵁. رواية القاسم بن محمد الثانية: روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت لها: يا أمة اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله ﷺ مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . قال ابن عساكر: وهذه صفته.

стр. 406

النبي ﷺ عمر ﵁ أبو بكر ﵁ قلت: وقد صحح الحاكم إسناد هذه الرواية، والله أعلم. رواية عثمان بن نسطاس الثالثة: ما رواه الزبير بن بكار عن ابن زبالة قال: حدثني إسحاق بن عيسى عن عثمان بن نسطاس قال: رأيت قبر النبي ﷺ لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعا نحوا من أربع أصابع عليه حصباء إلى الحمرة ما هي، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر النبي ﷺ ، ورأيت قبر عمر أسفل منه، وصوّره لنا كما صوره له عثمان. قلت: ولم يكن في النسخة التي وقفت عليها من ابن زبالة تصوير، وصوّر ذلك ابن عساكر هذا: النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ قلت: وابن زبالة ضعيف، وإسحاق بن عيسى هو ابن بنت داود بن أبي هند، صدوق يخطئ، وعثمان بن نسطاس عن عثيم مصغر بن نسطاس بكسر النون المدني أخو عبيد مولى آل كثير بن الصلت، مقبول حيث يتابع، وإلا فليّن الحديث. وقد ذكر الحافظ بن حجر أن أبا بكر الآجري روى هذا الخبر في كتاب صفة قبر النبي ﷺ من طريق إسحاق بن عيسى المذكور عن ابن نسطاس، وليس فيه ذكر تصوير، ولم يذكر الحافظ ابن حجر الواسطة بين الآجري وإسحاق بن عيسى، وهذه الرواية مع ما فيها من الضعف قابلة للتأويل بردها إلى الرواية التي قبلها، وإن كان التصوير يأباه؛ لجواز حمله على التقريب، والله أعلم. رواية المنكدر بن محمد الرابعة: روى ابن زبالة عن المنكدر بن محمد عن أبيه قال: قبر النبي ﷺ هكذا، وقبر أبي بكر خلفه، وقبر عمر خلفه عند رجلي النبي ﷺ ، وصوره ابن عساكر هكذا:

стр. 407

النبي ﷺ عمر ﵁ أبو بكر ﵁ قلت: ويمكن رد هذه الرواية مع ضعفها إلى الثانية؛ لأن قوله «وأبو بكر خلفه» صادق بأن يكون رأسه عند منكبي النبي ﷺ . رواية عمرة عن عائشة الخامسة: روى يحيى بإسناد فيه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن أبيه- وإسماعيل صدوق، لكن أخطأ في أحاديث من قبل حفظه، وأبوه صدوق يهم، وبقية رجاله ثقات- عن عمرة عن عائشة ﵂ وصفت لنا قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر، وهذه القبور في سهوة في بيت عائشة، رأس النبي ﷺ مما يلي المغرب، وقبر أبي بكر رأسه عند رجلي النبي ﷺ ، وقبر عمر خلف النبي ﷺ ، وبقي موضع قبر، وهذه صفة قبورهم على ما وصف ابن أبي أويس عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة، ولم يصور يحيى لذلك شيئا. وروى ابن زبالة نحو ذلك وقد ذكره من طريق ابن عساكر، ثم قال: وهذه صفته: النبي ﷺ عمر ﵁ أبو بكر ﵁ قلت: ويردها ما روى من أن رجلي عمر ﵁ ضاق عنها الحائط فحفر لهما في الأساس. وفي الصحيح كما سبق قول عروة «ما هي إلا قدم عمر» . رواية أخرى عن القاسم بن محمد السادسة: روى ابن زبالة عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه أريني قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن قبورهم، فإذا هي لا مرتفعة ولا لاطية، مبطوحة ببطحاء حمراء من بطحاء العرصة، فإذا قبر النبي ﷺ أمامهما، ورجلا أبي بكر عند رأس النبي ﷺ ، ورأس عمر عند رجليه.

стр. 408

قال ابن عساكر: وهذه صفتها: النبي ﷺ عمر ﵁ أبو بكر ﵁ قلت: وهذه الرواية مع ضعفها معارضة بما تقدم في الرواية الثانية عن القاسم بن محمد المذكور، وتلك أصح، وما سيأتي في صفة الحجرة الشريفة يأبى ذلك أيضا، وقد رأيتها في نسخة من كتاب يحيى رواه ابنه طاهر عنه على هذه الصورة: النبي ﷺ عمر ﵁ أبو بكر ﵁ وقال: إنها عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂، ثم قال ابن فراس أحد رواة النسخة المذكورة عن طاهر بن يحيى: سألت طاهر بن يحيى أن يصور لي بخطه صفة قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر ﵄، فصور لي بيده هذه الصورة، انتهى. رواية عبد الله بن محمد بن عقيل السابعة: ما روى يحيى من طريق ابن زبالة في الخبر المتقدم في الفصل قبله في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة في تلك الليلة المطيرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عقب قوله فيما تقدم: «فدخلت فسلمت على النبي ﷺ ومكثت فيه مليا، ورأيت القبور فإذا قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر عند رجليه، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر، وعليهما حصىّ من حصباء العرصة» قال ابن عساكر: وهذه صفته: النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر رضي الله عنه

стр. 409

قلت: وهذه الرواية نقلها رزين عن عبد الله بن عقيل، وساقها باللفظ السابق، إلا أنه قال: ورأيت القبور، فإذا قبر رسول الله ﷺ من أمام، وذكر ما قدمنا عنه في الرواية الأولى، وهو مخالف لما في هذه الرواية، وهو أولى بالاعتماد؛ لأن هذه الرواية ضعيفة مع بعدها مما سيأتي في وصف الحجرة الشريفة، سيما على ما سبق من قسم عائشة ﵂ الحجرة باثنين، ولها شاهد لكنه ضعيف أيضا، وهو ما في طبقات ابن سعد عن مالك بن إسماعيل- أظنه مولى لآل الزبير- قال: دخلت مع مصعب بن الزبير البيت الذي فيه يعني قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فرأيت قبورهم مستطيلة، انتهى. وفي رواية للآجري ما يوهم صفة ثامنة؛ فإنه ذكر عقب الخبر المتقدم عن رجاء بن حيوة في إدخال الحجرة في المسجد ما لفظه: قال رجاء: فكان قبر أبي بكر وسطه، ولم يذكر فيه عمر ﵁، فإن الضمير في قوله «وسطه» إن كان للبيت فواضح، وإن كان للنبي ﷺ فهذه صفة أخرى، لكن ينبغي تأويلها أيضا على التجوز في لفظ الوسط ليوافق رواية غيره. وأما ما أخرجه أبو يعلى عن عائشة: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره؛ فسنده ضعيف أيضا، ويمكن تأويله كما قاله الحافظ ابن حجر. وحينئذ فلم يبق إلا الروايتان الأوليان فهما اللتان يتردد بينهما في الترجيح، والأولى هي المشهورة، ومقتضى تصحيح الحاكم لإسناد الثانية ترجيحها، وهي أصح الروايات، وقد اشتملت على أن القبور لم تكن مسنّمة «١» وقد قال يحيى: حدثني هارون بن موسى- قلت: ولا بأس به- قال: حدثني غير واحد من مشايخ أهل المدينة أن صفات القبور الشريفة مسطوحة عليها بطحاء من بطحاء العرصة حمراء. وروى ابن زبالة من طريق عمرة عن عائشة قالت: ربّع قبر رسول الله ﷺ ، وجعل رأسه مما يلي المغرب. وأما ما في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما، زاد أبو نعيم في المستخرج: وقبر أبي بكر وعمر ﵄ كذلك، ورواه ابن سعد عنه بلفظ: رأيت قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر مسنّمة، فلا يعارض ما قدمناه؛ لأن سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر الشريف إلا في آخر الأمر، فيحتمل- كما قال البيهقي- أن القبر لم يكن في الأول مسنما، ثم سنم لما سقط عن الجدار؛ فقد روى يحيى عن عبد الله ابن الحسين قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنما في زمن الوليد بن هشام. وفي رواية أخرى

стр. 410

عنه أن القبر جثوة «١» مرتفعة مسنّمة غير شديدة الارتفاع، عليها قزع من حصىّ وتربة طيبها الله . وروى ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان نبيث «٢» قبر النبي ﷺ شبرا. ويؤيد التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. بقي بعدها موضع قبر وقد تقدم في الرواية الرابعة أنه بقي بعد القبور الشريفة موضع قبر، ويؤيده ما روي أن عائشة ﵂ أرسلت إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت: أن هلم إلى رسول الله ﷺ وإلى أخويك، فقال: ما كنت مضيقا عليك بيتك، الخبر الآتي في ذكر قبره، وكذلك ما سيأتي في إذنها للحسن أن يدفن عندها، ومنع بني أمية له. وكذلك ما في صحيح البخاري عن هشام بن عروة أن عائشة أوصت عبد الله بن الزبير: لا تدفنني معهم: أي النبي ﷺ وصاحبيه، وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدا. وقد أخرجه الإسماعيلي وزاد فيه: وكان في بيتها موضع قبر، ولكن في الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ لما أرسل إلى عائشة فسألها أن يدفن مع صاحبيه قالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي. قال الحافظ ابن حجر: فكأن اجتهادها في ذلك تغيّر، أو لما قالت ذلك لعمر كان قبل أن يقع لها قصة الجمل، فاستحيت بعد ذلك وإن كانت زوجته ﷺ في الدنيا والآخرة كما قاله عمار أحد من حاربها، انتهى. وقال ابن التين: كلامها في قصة عمر يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها «لا تدفنّني عندهم» فإنه يشعر بموضع للدفن، والجمع بينهما أنها كانت تظن أولا أنه لا يسع إلا قبرا واحدا، فلما دفن [عمر] ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر، أو أن الذي آثرته به المكان الذي دفن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النبي ﷺ ، وذلك لا ينفي وجود مكان آخر في الحجرة. وروى يحيى بسنده إلى عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: يدفن عيسى بن مريم مع النبي ﷺ وصاحبيه، ويكون قبره الرابع. وفي سنن الترمذي من طريق أبي مودود عن عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم

стр. 411

يدفن معه، قال: فقال أبو مودود: وقد بقي في البيت موضع قبر، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي بعض النسخ: حسن غريب، هكذا قال عثمان بن الضحاك، والمعروف الضحاك بن عثمان المدني، انتهى كلام الترمذي. وفي رواية للطبراني عن عبد الله بن سلام قال: يدفن عيسى بن مريم مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر؛ فيكون قبرا رابعا، وهو من رواية عثمان بن الضحاك، وقد وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود. وذكر الزين المراغي أن ابن الجوزي روى في المنتظم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ينزل عيسى بن مريم إلى الأرض، فيتزوج ويولد له، فيمكث خمسا وأربعين سنة، ثم يموت فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى بن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر. وقال ابن النجار: قال أهل السير: وفي البيت موضع قبر في السهوة الشرقية، قال سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى بن مريم. والسهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هو كالصفة يكون بين يدي البيت، وقيل: هو شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء، ولعل المراد بذلك الموضع الذي ضربت عليه عائشة جدارا وسكنت به كما سبق. الملائكة يحفون بالقبر وسنذكر فيما استقر عليه بناء الحجرة أنه عقد على نحو ثلثها الشرقي عقد، فصار ذلك المحل مميزا عن بقية البيت، وكان قبله في البناء ما يشهد لجدار آخر من الشام إلى القبلة في تلك الجهة، فلعله الموضع المذكور. وروى يحيى وابن النجار عن كعب الأحبار قال: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر، يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ ، حتى إذا أمسوا عرجوا، وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة، ﷺ . وفي صحيح الدارمي نحوه من رواية عائشة ﵂، وقال فيه: سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار، ذكره في باب ما أكرم الله به نبيه ﷺ بعد موته، رواه البيهقي في شعبه. لا ينبغي رفع الصوت في المسجد وقد تقدم قول عمر ﵁ «إن مسجدنا هذا لا ترتفع فيه الأصوات» وقال أبو بكر ﵁: لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيا ولا ميتا.

стр. 412

وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن غير واحد منهم عبد العزيز بن أبي حازم ونوفل بن عمارة قالوا: إن كانت عائشة تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبي ﷺ ، فترسل إليهم لا يؤذوا رسول الله ﷺ ، قالوا: وما عمل على مصراعي داره إلا بالمناصع، توقيا لذلك. وفي الوفاء لابن الجوزي من طريق أبي محمد الدارمي بسنده عن أبي الجوزاء. سنة أهل المدينة في أعوام الجدب قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة ﵂ فقالت: فانظروا قبر النبي ﷺ ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق. قال الزين المراغي: واعلم أن فتح الكوة عند الجدب سنة أهل المدينة حتى الآن، يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة: أي القبة الزرقاء المقدسة من جهة القبلة، وإن كان السقف حائلا بين القبر الشريف وبين السماء. قلت: وسنتهم اليوم فتح الباب المواجه للوجه الشريف من المقصورة المحيطة بالحجرة، والاجتماع هناك، والله أعلم. الفصل الثاني والعشرون فيما ذكروه من صفة الحجرة الشريفة، والحائز المخمس الدائر عليها، وبيان ما شاهدناه مما يخالف ذلك قال الأقشهري، فيما رواه من طريق ابن شبة: قال أبو غسان- يعني محمد بن يحيى-: وأما الحظار الظاهر والبيت الذي فيه فإني اطلعت فيه من بين سقفي المسجد حتى عاينت ذلك الحظار الذي على البيت وما فيه، وصورته وما فيه، وذرعته على ما فيه من الذرع، وذلك حين انكسر خشب سقف المسجد فكشف السقف من تلك الناحية لعمارته، وأبو البحتري بن وهب بن رشد يومئذ على المدينة، وذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقال أبو زيد- يعني ابن شبة- فهذه صورته، ثم صورها الأقشهري في كتابه المسمى «بمنسك القاصد الزائر» بهذه الصورة:

стр. 413

وفي هذا التصوير وما ذكر فيه من الذّرع مخالفة لما تقدم عن نقل ابن زبالة حيث قال. والبناء الذي حول البيت بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان، والتصوير المذكور قد اشتمل على أن الفرجة المذكورة ثلاثة أذرع، ويستفاد من التصوير أيضا أن الفرجة بينهما في جهة القبلة مختلفة، فبعضها دون الذراع وهو الشبر المشار إليه في كلام ابن زبالة، وبعضها ذراع. وسنذكر أن ما شاهدناه في صورة الحجرة الشريفة عند انكشافها أقرب إلى التصوير المذكور مما ذكره ابن زبالة، وأن الحال شاهد بأنه وقع في بنائها الداخل تغيير؛ فلم يبق على الصورة المذكورة. وقد أدرك ابن زبالة عمارة أبي البحتري التي كشف فيها سقف المسجد مما يلي الحجرة الشريفة، وذكرها في كتابه فقال: وكان أبو البحتري- إذ كان واليا على المدينة لهارون أمير المؤمنين- كشف سقف المسجد في سنة ثلاث وتسعين ومائة، فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة، فأدخل مكانها خشبا صحاحا اه. وكأنه لم يشاهد ذلك كما شاهده أبو غسان، وعبارة يحيى في ذكر هذه العمارة: وقد كان خشب من خشب المسجد فوق القبر مما يليه انكسر في ولاية أبي البحتري، فأمر بكشف السقف، وذكر ما تقدم عن ابن زبالة، على أن ابن زبالة ويحيى أشارا في كتابيهما إلى تصوير الحجرة والحائز الدائر عليها، لكن الصورة ساقطة من النسخة التي وقعت لنا. وقد صور ذلك ابن النجار في كتابه، وأظنه أخذه من نسخة وقعت له من ابن زبالة

стр. 414

مشتملة على تلك الصورة، وتبعه عليها ابن عساكر في «تحفة الزائر» والمرافي في تاريخه، وهي بعيدة مما وجدنا عليه صورة الحجرة الشريفة؛ فلنبدأ بتصويره، ثم تصوير الصورة التي شاهدناها، ثم الصورة التي استقر بناء الحجرة الشريفة عليها، وقد تبعت في حكاية تصوير ابن النجار ما صنعه المراغي؛ فإني نقلته من خطه، فقال: وجعل عمر بنيان الحجرة الشريفة على خمس زوايا لئلا يستقيم لأحد استقبالها بالصلاة؛ لتحذيره ﷺ من ذلك، وهذه صورتها وصورة الحائز حولها كما ضبطه ابن النجار، والله أعلم. وهذا التصوير ينافي ما تقدم من رواية ابن زبالة وغيره أن البيت مربع مبني بحجارة سود وقصّة. ثم بنى عليه عمر بن عبد العزيز هذا البناء الظاهر المخمس؛ لأنه صوّر فيه البيت مخمسا أيضا كما ترى، وهو خلاف الذي شاهدناه عند انكشافه في العمارة التي أدركناها، فرأيناه مربعا مبنيا بالأحجار السود المنحوتة لونها يقرب من لون أحجار الكعبة الشريفة، ولها من الهيبة والأنس ما لا يدرك إلا بالذوق، ولم نجد بين الجدار الخارج والداخل من جهة

стр. 415

المغرب فضاء أصلا، ولا مغرز إبرة، ولم نجد للبيت الداخل بابا أصلا، ولا موضع باب، لا في الجهة الشامية ولا في غيرها، ووجدنا الفضاء الذي خلف البيت الشريف من جهة الشام، بينه وبين البناء الظاهر، شكله مثلث، ومساحته نحو ثمانية أذرع بذراع اليد المتقدم تحريره، وذلك من جدار البيت الشامي إلى زاوية البناء الظاهر المقابلة له، وهي الزاوية الشمالية التي ينحرف عنها صفحتا الشكل المثلث المذكور، وهناك أسطوانة ملاصقة لجدار البيت الشامي في صف أسطوانة مربعة القبر وأسطوانة الوفود، وبعض الأسطوانة المذكورة داخل في الجدار المذكور، وقد طوق على أعاليها بأطواق من الحديد، وأدعمت بجذع من جذوع النخل رأسه في أعاليها ورأسه الآخر في زاوية البناء الظاهر الشمالية المتقدم ذكرها، والظاهر أن ذلك جعل بعد الحريق لتشقق الأسطوانة المذكورة وتأثير النار فيها، وهي الأسطوانة التي تقدم ذكرها في التصوير الأول المأخوذ من كلام ابن شبة عند نهاية جدار البيت الشامي، مما يلي المشرق، لكنا لم نجدها كذلك، بل قريبة من وسط الجدار الشامي، غير أن متولي العمارة ومن كان معه أخبروني أنهم وجدوا عند نقض جدار البيت الشامي من داخله رأس جدار في محاذاة الأسطوانة المذكورة يشهد الحال أنه كان آخذا من الشام إلى ما يحاذيه من القبلي، فكأنه كان نهاية الحجرة الشريفة من جهة المشرق، وكأنه لما انهدم زيد فيها ذلك القدر، قالوا: ولا يخفى على الناظر أن بقية الجدار الشامي مما يلي المشرق لم يبن مع الجانب الآخر منه، بل هي ملصقة إلى رأس الجدار المذكور بحيث لم يدخل أحجار أحدهما في الآخر، ولا هي مرتبطة كما هو عادة البناء الواحد، ورأيت أنا ما يقابل هذا الجانب من الجدار القبلي مما يلي المشرق؛ فرأيت ما يشهد بإحداث بنائه بحيث إنه مبني بالحجارة غير الوجوه كنسبة الجدار الشرقي، بخلاف بقية جدارات الحجرة الشريفة فإنها كلها من داخلها وخارجها مبنية بالحجارة الوجوه المنحوتة، وإنما لم أشاهد ما قدمته مما حكى لي في أمر الجدار الشامي لأني اجتنبت حضور الهدم احتياطا لنفسي، وظهر بذلك أن البيت الشريف كان من جهة المشرق على ما صوره ابن شبة، ثم حدث ذلك بعده، ولم ينبه عليه أحد من المؤرخين، ويحتمل أن ذلك الجدار هو الذي أحدثته عائشة ﵂ بينها وبين القبور الشريفة؛ فقد تقدم عن ابن سعد روايته عن مالك بن أنس قال: قسم بيت عائشة باثنين، قسم كان فيه القبر، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط. قلت: فهذا الاحتمال هو الذي يترجح عندي، والله أعلم. ووجد بين جدار البيت الشرقي وبين الجدار الظاهر الشرقي فضاء مختلف كالزقاق الرقيق، فعند ابتدائه من جهة الشام نحو ذراع اليد يمر فيه الرجل منحرفا، فإذا قرب من جهة القبلة تضاعف بحيث لا يمر فيه إلا الصغير منحرفا، وسعته هناك نحو ثلث الذراع.

стр. 416

وقد نقل ابن شبة أنه كان ثلاثة أذرع؛ فهذا مؤيد لما قدمناه من حدوث التغيير في الجدار الشرقي الداخل، ورؤيته تقضي بذلك دون بقية الجدران. ووجدنا بين جدار البيت القبلي والجدار الظاهر القبلي فضاء مختلفا أيضا كالزقاق الرقيق؛ فأوله من جهة الشرق نحو ذراع اليد، فإذا قرب من الوجه الشريف تضايق بحيث يصير نحو شبر ثم أقل من ذلك إلى ملتقى الحائطين في جهة المغرب، وهذا الفضاء لا يمكن المرور فيه؛ لأن الأسطوانة التي في البناء الظاهر عند مواجهة مواقف الزائر لسيدنا عمر ﵁ بعضها بارز في الفضاء المذكور، وفي محاذاتها بناء بنحو عرضها قد سدّ ما بين الجدارين من الفضاء، وكأنه جعل لإدعام الجدار من أجل الانشقاق الآتي ذكره، أو لمنع المرور هناك، جزى الله فاعله خيرا!

стр. 417

وأما طول جدران الحائز الظاهر من كل زاوية إلى الآخرى من خارجه فطول الجدار القبلي من زاويته التي تلي القبلة من المغرب إلى زاويته التي تلي المشرق سبعة عشر ذراعا، بتقديم السين، ينقص يسيرا، وذلك موافق لما تقدم في تصوير ابن النجار. وطول الجدار الغربي من القبلة إلى طرف مقام جبريل ستة عشر ذراعا ونحو نصف ذراع، ومنعطف مقام جبريل هناك الشام، وذرع منعطفه ذراعان ونصف ذراع، وجملة ذلك تسعة عشر ذراعا؛ فهو المراد مما تقدم في تصوير ابن النجار، لكنه يوهم أن وجه مقام جبريل غير داخل في التسعة عشر ذراعا التي ذكرها للجدار الغربي، وليس كذلك. وطول الجدار المنعطف من مقام جبريل إلى الزاوية الشمالية اثنا عشر ذراعا ونصف ذراع راجح. وطول الجدار الشرقي من القبلة إلى الزاوية التي ينحرف منه إلى جهة الشمال اثنا عشر ذراعا ونصف ذراع راجح. وطول الجدار المنعطف من الجدار المذكور عند الزاوية المذكورة إلى الزاوية الشمالية نحو أربعة عشر ذراعا، وفيما ذكرناه من الذرع في الثلاثة الجدر الأخيرة مخالفة لما تقدم في تصوير ابن النجار ومن تبعه. وأما طول الحائز الظاهر في السماء فثلاثة عشر ذراعا وثلث ذراع، ويرجح من بعض الجوانب يسيرا، وعرض منقبته ذراع وربع ثمن. ونقل الأقشهري أن ابن شبة نقل عن أبي غسان أن طول الحظار الذي على البيت- يعني الحائز المذكور- من جهة ارتفاعه ثلاثة عشر ذراعا غير سدس. قلت: وقد رأيت بأعلاه سترة من آجر قدر نصف ذراع يشهد الحال أنها محدثة لإحداث السقف الآتي ذكره للحجرة الشريفة بعد حريق المسجد الأول؛ فلا مخالفة بين ما وجدناه وبين ما ذكره أبو غسان. وأما ارتفاع الجدار الداخل في السماء فقسته من خارجه من جهة الشام فكان خمسة عشر ذراعا، وارتفاع تلك الأرض التي في شامي الحجرة بين الجدارين على أرض الحجرة ذراع ونحو ربع ذراع، ومع ذلك فالحائز الخارج أرجح من الداخل بيسير أو مساوله، وسبب ذلك علو الأرض الخارجة عن هذا الحائز على الأرض الداخلة بين الحائزين بأرجح من ذراع ونصف، مع أن الأرض الداخلة بين الحائزين من جهة الشام التي هي كهيئة المثلث وجدت مجدولة بالحجارة والقصة بحيث لم يتأت لهم حفر أساس فيها، ولله الحمد على ذلك. وأما ما تقدم فيما نقلناه من خط المراغي- وهو موجود في كلام ابن النجار وابن عساكر- من أن طول حيطان الحائز الخارج في السماء ثلاثة وعشرون ذراعا، فهذا مخالف لما شاهدناه ولما قدمناه عن أبي غسان، وكأنهم أرادوا بهذا ذرع ما بين الأرض المحيطة بالحجرة

стр. 418

وبين سقف المسجد، وهذا البناء لم يبلغ به عمر بن عبد العزيز سقف المسجد اتفاقا، بل فوقه شباك من خشب متصل ذلك الشباك بسقف المسجد كما يظهر عند رفع الكسوة، وكأن ابن النجار توهم أن الحائط المذكور متصل بالسقف؛ لأنه قال: وبنى عمر ابن عبد العزيز على حجرة النبي ﷺ حائزا من سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها. وينبغي حمل كلامه على أن المراد أنه بناه من سقف المسجد إلى الأرض بما جعل عليه من الشباك، وكذلك يحمل ما ذكره في ذرع؛ لأن الشباك المذكور له ذكر في كلامه، فإنه ذكر ما سيأتي من أن الجمال الأصفهاني جدد تأزير الحجرة بالرخام، ثم قال: وعمل لها مشبكا من خشب الصندل والآبنوس، وأداره حولها مما يلي السقف: أي على رأس الجدار المذكور. قلت: ولعله أول من أحدث هذا الشباك؛ لأنه ذكر له في كلام متقدمي المؤرخين، والله أعلم. وقال ابن النجار: واعلم أن على حجرة النبي ﷺ أي على سقفها ثوبا مشمعا مثل الخيمة، وفوقه سقف المسجد، وفيه- أي فيما تحت المشمع المذكور- خوخة عليها ممرق أي طابق مقفول، وفوق الخوخة في سقف السطح خوخة أخرى فوق تلك الخوخة، وعليها ممرق مقفول أيضا، وبين سقف المسجد وبين سقف السطح أي السقف الثاني لسطح المسجد فراغ نحو الذراعين. قلت: أما الممرق الذي ذكره في سقف المسجد الذي يلي الحجرة الشريفة فقد أدركناه موجودا عليه قفل من حديد ومشمع جدده متولي العمارة التي أدركناها إلى أن احترق المسجد في زماننا، وعملت القبة التي جعلت بدلا عن القبة الزرقاء. وأما الممرق الذي ذكره في سقف الحجرة تحت المشمع الذي أشار إليه فهذا كان قبل حريق المسجد الأول، ولم يوجد في السقف الذي عمل بدله بعد الحريق ممرق، نعم وجد عليه ستارة من المحابس اليمنية مبطنة، وسنذكر وصفه إن شاء الله تعالى عند ذكر العمارة المتجددة في زماننا، على أن الذي يقتضيه كلام المطري ومن بعده أنه ليس ثم غير طابق واحد في سقف المسجد، فإنه قال: وعلى سقف الحجرة بين السقفين- أي سقفي المسجد- ألواح، وقد سمّر بعضها على بعض، وسمر عليها ثوب مشمع، وفيها طابق مقفل، إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبي ﷺ وبين الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز. قلت: وليس ما ذكره في وصف هذا الطابق بصحيح؛ لأن النزول منه يكون على وسط الحجرة سواء كما شاهدناه، مع أن المطري ومن تبعه اتفق كلامهم كما سيأتي على أن

стр. 419

سقف الحجرة بعد الحريق إنما هو سقف المسجد، وهو خلاف ما وجدنا الأمر عليه أيضا، والله أعلم. الفصل الثالث والعشرون في عمارة اتفقت بالحجرة الشريفة على ما نقله الأقشهري عن ابن عاث، وما وقع من الدخول إليها عند الحاجة له وتأزيرها بالرخام قال الأقشهري، ومن خطة نقلت ما لفظه: أخبرنا الشيخ الراوية أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الشاطبي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله القضاعي الحافظ قال: حدثنا صاحبنا الرحال أبو عمر أحمد بن أبي محمد هارون بن عاث النفري قال: حدثت بالمدينة الشريفة، أو قال بمدينة السلام، بأنهم سمعوا منذ سنين قريبا من الأربعين هدة في الروضة الشريفة أي الحجرة فإنه يعبر عنها بذلك، فكتب في ذلك إلى الخليفة، فاستشار الفقهاء، فأفتوا أن يدخلها رجل فاضل من القومة على المسجد، فاختاروا لذلك بدرا الضعيف، وهو شيخ فاضل يقوم بالليل ويصوم النهار، وهو من فتيان بني العباس، فدلى حتى دخل الروضة أي الحجرة، فوجد الحائط الغربي قد سقط، وهو حائط دون الحائط الظاهر، فصنع له لبن من تراب المسجد، فبناه وأعاده على هيئته كما كان، ووجد هناك قعبا من خشب قد أصابه وقوع الحائط فكسره، فحمل إلى بغداد مع شيء من تراب الحائط، وكان يوم وصول ذلك بغداد يوما مشهودا تجمع لاستقباله الناس، وازدحموا على رؤيته، وعطلت الصناعات والبيع، وكانت رحلة ابن عاث سنة ثلاث عشرة وستمائة، وقد قال «قريبا من أربعين سنة» فيكون ذلك سنة سبعين وخمسمائة أو ما دون ذلك، وهكذا ذكره في رحلته ومنها نقلته، ويكون ذلك في دولة المستضيء بالله بن المستنجد بالله، انتهى كلام الأقشهري. ولعل هذا الحائط المنهدم في هذه العمارة إنما هو الشرقي من الجدار الداخل، وأطلق عليه اسم الغربي بالنظر إلى الجدار الخارج الذي يليه، فتكون هذه الواقعة هي التي اتفق فيها بناء الجدار المتقدم وصفه، ووقع فيها تقديمه عن محله الأول، وأبقوا رأسه كما تقدمت الإشارة إليه، وهو إنما بنى بالحجر، ولا يتأتى هناك بناء باللبن إلا في السترة التي جعلت على رأس الجدار، فلعله أراد باللبن المتخذ من تراب المسجد هذا، لكن في كلام ابن النجار ونقله من بعده وأقره، ما يقتضي أنه لم يقع دخول إلى الحجرة الشريفة من سنة أربع وخمسين وخمسمائة إلى زمانه، وقد توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة، فإنه قال في كتابه «الدرة الثمينة» ما لفظه: واعلم أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سمعوا صوت هدة في الحجرة، وكان الأمير قاسم بن مهني الحسيني، فأخبروه بالحال، فقال: ينبغي أن ينزل شخص إلى هناك ليبصر ما هذه الهدة، فافتكروا في شخص يصلح لذلك، فلم يجدوا لذلك إلا عمر

стр. 420

النسائي شيخ شيوخ الصوفي بالموصل، وكان مجاورا بالمدينة، فذكروا ذلك له، فذكر أن به فتقا والريح والبول يحوجه إلى دخول الغائط مرارا، فالزموه، فقال: أمهلوني حتى أروض نفسي، وقيل: إنه امتنع من الأكل والشرب وسأل النبي ﷺ إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج، ثم إنهم أنزلوه في الحبال من الخوخة إلى الحظير الذي بناه عمر، ودخل منه إلى الحجرة ومعه شمعة يستضيء بها فرأى شيئا من طين السقف قد وقع على القبور، فأزاله وكنس التراب بلحيته، وقيل: إنه كان مليح الشيبة، وأمسك الله تعالى ذلك الداء قدر ما خرج من الموضع وعاد إليه، وهذا ما سمعته من أفواه جماعة، والله أعلم بحقيقة الحال في ذلك. وعبارة المراغي تبعا للمطري في النقل عن ابن النجار: فأنزلوه بالحبال من بين السقفين من الطابق المذكور، ونزل بين حائط النبي ﷺ وبين الحائز ومعه شمعة يستضيء بها، ومشى إلى باب البيت، ودخل من الباب إلى القبور المقدسة، فرأى شيئا من الردم، إما من السقف أو من الحيطان إلى آخره. قلت: وهذا لا يطابق ما ذكره ابن النجار وعليه رتب المراغي إشكاله الآتي بيانه. ثم قال ابن النجار: وفي شهر ربيع الآخر من سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم أيضا وجدوا من الحجرة رائحة منكرة، وكثر ذلك حتى ذكروه للأمير، فأمرهم بالنزول إلى هناك، فنزل بيان الأسود الخصي أحد خدام الحجرة، ومعه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد، ونزل معهما هارون الشادي الصوفي بعد أن سأل الأمير في ذلك، وبذل له جملة من المال، فلما نزلوا وجدوا هرا قد هبط ومات وجيّف، فأخرجوه، وكان في الحائز بين الحجرة والمسجد. وقال المراغي وغيره في النقل عن ابن النجار: فوجدوا هرا قد سقط من الشباك الذي في أعلى الحائز، ووقع بين الحائز وبيت النبي ﷺ . وقال ابن النجار: وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر، ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم ينزل أحد إلى هناك، فاعلم ذلك، انتهى. فهذا يخالف ما نقله الأقشهري عن ابن عاث؛ لاقتضائه أن تلك الواقعة في سنة سبعين وخمسمائة أو ما قاربها، والظاهر أن القضية واحدة، ولم نجد من دونها فنقل كل منهما بحسب ما بلغه. وقال الزين المراغي عقب ذكره للواقعة الأولى التي حكاها ابن النجار المتضمنة للدخول إلى القبور الشريفة ما لفظه: وينبغي تأمل هذا النقل؛ لأن الوصول إلى القبور الشريفة متعذر، إن كان الجدار الذي أحدثته عائشة المتقدم ذكره باقيا، فإن جاء نقل بإزالته وبإمكان الاستطراق معه من باب أو نحوه فهو واضح، وإلا ففيه نظر.

стр. 421

قلت: نظره إنما يتوجه على ما قدمه من أن النزول كان إلى ما بين الحائطين وأنه مشى إلى باب البيت، وليس في كلام ابن النجار تعرض لشيء من ذلك، بل مقتضى ما قدمناه عنه- من أن الحجرة الشريفة بها ممرق، وبسقف المسجد مثله- أن النزول إنما هو من العلو إلى سقف الحجرة، ثم منه إليها؛ فلا نظر، على أن الجدار الذي أشار إليه وأن عائشة بنته ولم نجد له أثرا إلا ما تقدمت الإشارة إليه من رأس جدار الحائط الشامي مقتض لأنه كان هناك جدار من الشام إلى القبلة، وكذلك الباب لم نجد له أثرا كما قدمناه. وأما تأزير الحجرة بالرخام فليس له ذكر في كلام ابن زبالة، وله ذكر في كلام يحيى؛ فإنه روى ما حاصله أن بيت فاطمة الزهراء لما أخرجوا منه فاطمة بنت حسين وزوجها حسن بن حسن وهدموا البيت بعث حسن بن حسن ابنه جعفرا، وكان أسنّ ولده، فقال له: اذهب ولا تبرحن حتى يبنوا فتنظر الحجر الذي من صفته كذا وكذا هل يدخلونه في بنيانهم، فلم يزل يرصدهم حتى رفعوا الأساس وأخرجوا الحجر، فجاء جعفر إلى أبيه فأخبره، فخر ساجدا وقال: ذلك حجر كان النبي ﷺ يصلي إليه إذا دخل إلى فاطمة، أو كانت فاطمة تصلي إليه، الشك من يحيى. وقال علي بن موسى الرضي: ولدت فاطمة ﵍ الحسن والحسين على ذلك الحجر. قال يحيى: ورأيت الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين ولم أر فينا رجلا أفضل منه إذا اشتكى شيئا من جسده كشف الحصى عن الحجر فيمسح به ذلك الموضع، ولم يزل ذلك الحجر نراه حتى عمّر الصانع المسجد ففقدناه عندما أزر القبر بالرخام، وكان الحجر لاصقا بجدار القبر قريبا من المربعة. قال بعض رواة كتاب يحيى: الصانع هذا هو إسحاق بن سلمة، كان المتوكل وجه به على عمارة المدينة ومكة. قلت: وكانت خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وتوفي في شوال سنة سبع وأربعين، وكان هذا مأخذ بن النجار في قوله إن المتوكل في خلافته أمر إسحاق بن سلمة وكأن على عمارة الحرمين من قبله أن يؤزّر الحجرة بالرخام ففعل. ثم في خلافة المقتفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة جده جمال الدين وزير بني زنكي، وجعل الرخام حولها قامة وبسطة. قلت: ولم يذكر أحد من المؤرخين تجديدا لهذا الرخام بعد ذلك، وقد جدده في زماننا متولي العمارة الآتي ذكرها الجناب الشمس المحسني الخواجكي بن الزمن بأمر المقام الشريف السلطاني قايتباي عز نصره، ووجد في الصفحة القبلية عند ابتدائها من جهة المغرب في

стр. 422

اللوح السماقي اللون الثاني في تلك الجهة من الألواح الملونة التي يحيط بها الرخام الأبيض البارز قطعة أوسع من الدينار ملصقة في ظاهر اللوح المذكور بالجص، فأشيع أنها جوهرة نفيسة ذات لمعان، ثم إن متولي العمارة أرانيها فإذا هي حجر عسلي اللون يميل حمرته إلى الصفرة، قال: وأظنه حجر اليرقان، وقد خشي عليه متولي العمارة إن أعيد لصقا كهيئته الأولى، فأمر بنقر الرخامة المذكورة وتنزيله فيها، ففعلوا ذلك، وأعادوا تلك الرخامة إلى محلها. ولم أر من نبه على ابتداء حدوث الرخام الذي حول الحجرة الشريفة بالأرض والظاهر أنه حدث عند حدوث تأزيرها بالرخام؛ لما تقدم من كلام يحيى في أمر الحجر الذي كان يتبرك به من أن الحسين بن عبد الله كان يكشف عنه الحصى، وأنه لم يدخل في البناء، وأنه فقده عند تأزير الحجرة بالرخام، فدل ذلك على أنه رخم الأرض أيضا، وإلا لما استتر الحجر المذكور. وأما ترخيم المصلّى الشريف فلا أدري متى زمن حدوثه، وله ذكر في رحلة ابن جبير. وأما الرخام الذي بالمحراب العثماني وما حوله فالقديم منه- أعني بعد الحريق الأول- ترخيم المحراب وشيء يسير عن جنبتيه، وفي دولة السلطان الملك الظاهر جقمق في أول عشر الستين وثمانمائة أمر بعمل الوزرة التي في الجدار القبلي، فاتصل ذلك بترخيم المحراب المذكور، وقد جدد غالب ذلك في العمارة التي أدركناها أيضا، وأبدل الطراز الأول الذي كان بأعلى الوزرة وكان محمرا بماء الذهب الطراز الموجود اليوم، ثم زال ذلك كله في حريق المسجد الثاني، ثم أعيد مع زيادة فيه مما يلي المنارة الرئيسية، ومع ترخم ما حول الحجرة الشريفة وتأزيرها بالرخام، ومع ما سبق من عمل محراب المصلى الشريف وترخيمه، ورخموا أيضا الدعائم المواجهة للوجه الشريف التي أحدثوها عند عمارة القبة الثانية من داخل المقصورة وخارجها، وجميع ما يوجد من الرخام بالمسجد اليوم من عمل سلطان زماننا الأشرف قايتباي، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره! والله أعلم. الفصل الرابع والعشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، والمسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، ومقام جبريل من الحجرة الشريفة، وكسوتها، وتخليقها أما الصندوق فلم أعلم ابتداء حدوثه، وكذلك القائم المحلّى فوقه، إلا أنه قد ظهر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أنه كان موجودا قبل حريق المسجد الأول؛ لأن متولي العمارة كان قد قلعه لاقتضاء رأيه قلع حلية الفضة التي كانت على القائم الخشب الذي فوق الصندوق ليحكم صوغها، وزاد ذلك فضة وتمويها بالذهب، وأصلح حلية الصندوق أيضا،

стр. 423

وكان ذلك سببا لإصلاح أصل الأسطوانة التي كان بها، فلما قلعوا الصندوق المذكور ظهر فيه قوائم صندوق عتيق، وفي تلك القوائم أثر الحريق، وكأنهم جددوا عليه صندوقا، وجعلوا ذلك المحترق في جوفه، وقد أعيد كذلك. وقد ذكر المجد الشيرازي هذا الصندوق والقائم فقال: وفي الصفحة الغربية من الحجرة الشريفة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي ﷺ ، وفيه أسطوان، وفوق الصندوق قائم من خشب مجدد، وأما الصندوق فطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه في الهواء أربعة أشبار. قلت: وقد ظفرت بذلك كله في كلام ابن جبير في رحلته، غير ما يتعلق بالقائم المذكور، ومن ذلك أخذ المجد وصف القائم بكونه مجددا، وكانت رحلة ابن جبير عام ثمانين وخمسمائة، فاستفدنا بذلك وجود ذلك الصندوق قبل الحريق في ذلك الزمان، وما ذكره من أن الصندوق المذكور قبالة الرأس الشريف فيه تجوّز؛ لأنه قد ظهر لنا في هذه العمارة أنه في محاذاة الجدار الداخل القبلي، وسيأتي أن الوجه الشريف إلى الجدار؛ فالرأس الشريف متأخر عن الصندوق المذكور يسيرا. ومستند المجد وغيره في هذا الإطلاق ما روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵁ عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: ها هنا رأس رسول الله ﷺ ، والمراد به ما قدمناه، والله أعلم. وذرع الصندوق المذكور في الارتفاع ذراع ونصف وربع بذراع اليد، وأعلى القائم فوقه محاذ لرأس الوزرة الرخام، وطول القائم المذكور ثلاثة أذرع، وهو خمس صفحات ألصق بعضها على بعض وجعلت محيطة بما ظهر من الأسطوانة التي الصندوق بأصلها فوقه؛ فإن بعض الأسطوانة في البناء الملاصق لها من الحائز المذكور ولو أحاطت الصفحات بجميع الأسطوانة لكانت أكثر من خمس، ولكانت شكلها مثمنا، وهو مختم بالخشب الأسود الهندي، معصب بصفائح الفضة المموهة طولا وعرضا بأحسن صناعة، وصفائحه الطولية من الفضة أربع، والمقاطعة لها من جهة العرض خمس، وفي رأسه من أعلاه حلية رقيقة كالزيق، وزنة ما عليه من الفضة زيادة على ألفي قفلة، وأخذوا لأجل تمويهه من حاصل المسجد أربعين مثقالا من الذهب كما أخبرني به متولي العمارة. وأما الصندوق فلم يغير، كله مغشى بالفضة، وقد احترق في حريق المسجد الثاني، ووجدوا حليته من الفضة، فجددوا صندوقا في محله وجعلوا موضع القائم الذي كان فوقه رخاما كتوبا فيه البسملة والصلاة والتسليم على النبي ﷺ والترضي عن أصحابه وغير ذلك.

стр. 424

وأما المسمار المواجه للوجه الشريف فقد تقدم أن بينه وبين أول الصفحة الغربية من المغرب خمسة أذرع، وقد اعتبرت ذلك فنقص يسيرا نحو سدس ذراع، وكأنه لاختلاف الأذرعة، ولم أعلم ابتداء حدوث التعليم بهذا المسمار أيضا، والمذكور في كلام المتقدمين إنما هو التعريف بأن يجعل القنديل على رأسه، لكن قال المطري: إن ما ذكر من القيام تحت القنديل تجاه الحجرة الشريفة للسلام كان قبل احتراق المسجد الشريف؛ فإنه لم يكن يقابل وجه النبي ﷺ إلا قنديل واحد؛ ولما جدد جعل هناك عدة قناديل، وإنما علامة الوقوف تجاه الوجه الكريم اليوم مسمار فضة في رخامة حمراء، انتهى. وهو يوم حدوث التعليم به بعد الحريق، ولأن ابن جبير ذكره في رحلته وهو أقدم من ابن النجار فقال عند وصف الحجرة الشريفة: وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي ﷺ مسمار فضة هو أمام الوجه الكريم، فتقف الناس أمامه للسلام، انتهى. وأيضا فقد روى ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه، ثم قال ابن الجوزي: وثم ما هو أوضح علما من القنديل، وهو مسمار من صفر في حائط الحجرة، إذا حاذاه القائم كان القنديل فوق رأسه، انتهى. وقال يحيى في كتابه: كان بن أبي مليكة يقول: إذا جعلت القنديل على رأسك والمرمرة المدخولة في جدار القبر قبالة وجهك استقبلت وجه رسول الله ﷺ . قلت: وكأن هذا المسمار في موضع تلك المرمرة، ولهذا قال ابن النجار: إن اليوم هناك علامة واضحة، وهي مسمار من فضة في حائط حجرة النبي ﷺ ، إذا قابله الإنسان كان القنديل على رأسه، فيقابل وجه النبي ﷺ ، انتهى. ولم أر لهذا المسمار ذكرا في كلام من صنّف في المناسك قبل ابن جماعة، والذي في مناسك ابن الصلاح أخذا من الإحياء ذكر القنديل، وجعله حذار رأس الزائر، ونقله عن ابن أبي مليكة، واقتضى كلامه أن الواقف هناك يكون بينه وبين السارية التي عند رأس القبر عند زاويته الغربية وهي أسطوان الصندوق نحو أربعة أذرع؛ فهو قريب مما تقدم في التعليم بالمسمار المذكور، وإن لم يصرح به، لكن قال الأقشهري ومن خطه نقلت: أخبرنا الإمام العالم رضي الدين أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر إمام مقام إبراهيم الخليل بمكة توفي في تاسع شهر ربيع الأول من عام اثنين وعشرين وسبعمائة والشيخ الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي بكر محمد بن عيسى المومناني قالا: أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح السهروردي قال: ثم يأتي الزائر الصريح المقدس فيستدبر القبلة ويستقبل جداره نحو ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع من الجدار وجاه المسمار الذي في الجدار القبلي من

стр. 425

الحجرة المشرفة، هذا ما نقلته من خط الأقشهري بحروفه، ولم أره في كلام ابن الصلاح، والذي نقله ابن عساكر في تحفته عن ابن الصلاح وهو من تلامذته إنما هو ما قدمناه، وروايته عن إبراهيم الطبري عن ابن الصلاح تخليط؛ فإن وفاة ابن الصلاح في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، والذي أدركه إنما هو والد إبراهيم المذكور، وهو المعروف بالرضي الطبري، فإن مولد الوالد المذكور سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فإنما أدرك من زمن ابن الصلاح عشر سنين، فكيف يكون ولده راويا عن ابن الصلاح بلا واسطة؟ وقال الأقشهري عقب ما تقدم عنه: وقد سقط هذا المسمار سنة عشرين وسبعمائة، ولم يردّ إلى موضعه إلا في رجب عام أربع وعشرين وسبعمائة. قلت: وقد أخرج في هذه العمارة من موضعه عند ترخيم جدار الحجرة الشريفة، ثم أعيد في محله الأول بعينه في الرخامة الحمراء التي كان بها، ثم سقط من محله في الحريق الثاني، وجدد مسمار آخر في محله، ولا يختلف أحد ممن أدركناه بالمدينة الشريفة في أن ذلك الموضع تجاه الوجه الشريف، وهو الذي يقتضيه الحال عند مشاهدة الحجرة الشريفة من داخلها، غير أني رأيت في كلام يحيى ما يوهم خلاف ذلك، فإنه ذكر أن الموضع الذي يواجه الوجه الشريف هو ما بين الأسطوانة المتوسطة في قبلة جدار قبر النبي ﷺ ، بين هذا الموضع وبين الأسطوان شبران وثلاث أصابع متفرجة من الحفيرة إلى الوسطى، وإن كل من أدركه من أهل بيته كانوا إذا وقفوا للسلام على النبي ﷺ وقفوا قريبا من هذا الموضع، وكانت ثم علامة قد تعلموا بها حفيرة ولم تزل ثمّ منذ علمت إلى أن عمر الصانع المسجد في ولاية أمير المؤمنين المتوكل فإنه أزر القبر بالرخام فذهبت العلامة منذ ذلك. وقال: إن موسى بن جعفر قال: من وقف في هذا الموضع منحرفا واضعا شق وجهه الأيمن استقبل وجه رسول الله ﷺ ، وكان علي بن الحسين يقف ثم، انتهى. قلت: الأسطوانة الوسطى التي يشير إليها هي البارزة في الصفحة القبلية من جدار القبر، يقف قربها المسلم على عمر ﵁، وبينها وبين المسمار المذكور نحو ثلاث أذرع أو أزيد، وقد قال: إن الموضع الذي ذكره بينه وبين الأسطوانة المذكورة شبران وثلاثة أصابع، فيكون بعيدا من المسمار المذكور بنحو الذراعين وقد شاهدنا الأسطوانة المذكورة من داخل الحجرة فرأيناها قريبة من نهايتها، بحيث إن من دفن هناك ووجهه في محاذاة الموضع الذي ذكره يحيى كانت رجلاه في جدار الحجرة الشرقي كما نقل ذلك في دفن عمر ﵁، فيبعد كل البعد كون الوجه الشريف في محاذاة ذلك الموضع، على أن ما نقله عن موسى بن جعفر يقتضي أن استقبال الوجه الشريف للواقف في الموضع الذي ذكره إنما يكون مع الانحراف ووضع شق الوجه الأيمن يعني على جدار القبر، وعلى هذا فيستقبل
следующие страницы →