Полный текст (1 046 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قلت: نظره إنما يتوجه على ما قدمه من أن النزول كان إلى ما بين الحائطين وأنه مشى إلى باب البيت، وليس في كلام ابن النجار تعرض لشيء من ذلك، بل مقتضى ما قدمناه عنه- من أن الحجرة الشريفة بها ممرق، وبسقف المسجد مثله- أن النزول إنما هو من العلو إلى سقف الحجرة، ثم منه إليها؛ فلا نظر، على أن الجدار الذي أشار إليه وأن عائشة بنته ولم نجد له أثرا إلا ما تقدمت الإشارة إليه من رأس جدار الحائط الشامي مقتض لأنه كان هناك جدار من الشام إلى القبلة، وكذلك الباب لم نجد له أثرا كما قدمناه.
وأما تأزير الحجرة بالرخام فليس له ذكر في كلام ابن زبالة، وله ذكر في كلام يحيى؛ فإنه روى ما حاصله أن بيت فاطمة الزهراء لما أخرجوا منه فاطمة بنت حسين وزوجها حسن بن حسن وهدموا البيت بعث حسن بن حسن ابنه جعفرا، وكان أسنّ ولده، فقال له: اذهب ولا تبرحن حتى يبنوا فتنظر الحجر الذي من صفته كذا وكذا هل يدخلونه في بنيانهم، فلم يزل يرصدهم حتى رفعوا الأساس وأخرجوا الحجر، فجاء جعفر إلى أبيه فأخبره، فخر ساجدا وقال: ذلك حجر كان النبي ﷺ يصلي إليه إذا دخل إلى فاطمة، أو كانت فاطمة تصلي إليه، الشك من يحيى.
وقال علي بن موسى الرضي: ولدت فاطمة ﵍ الحسن والحسين على ذلك الحجر.
قال يحيى: ورأيت الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين ولم أر فينا رجلا أفضل منه إذا اشتكى شيئا من جسده كشف الحصى عن الحجر فيمسح به ذلك الموضع، ولم يزل ذلك الحجر نراه حتى عمّر الصانع المسجد ففقدناه عندما أزر القبر بالرخام، وكان الحجر لاصقا بجدار القبر قريبا من المربعة.
قال بعض رواة كتاب يحيى: الصانع هذا هو إسحاق بن سلمة، كان المتوكل وجه به على عمارة المدينة ومكة.
قلت: وكانت خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وتوفي في شوال سنة سبع وأربعين، وكان هذا مأخذ بن النجار في قوله إن المتوكل في خلافته أمر إسحاق بن سلمة وكأن على عمارة الحرمين من قبله أن يؤزّر الحجرة بالرخام ففعل.
ثم في خلافة المقتفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة جده جمال الدين وزير بني زنكي، وجعل الرخام حولها قامة وبسطة.
قلت: ولم يذكر أحد من المؤرخين تجديدا لهذا الرخام بعد ذلك، وقد جدده في زماننا متولي العمارة الآتي ذكرها الجناب الشمس المحسني الخواجكي بن الزمن بأمر المقام الشريف السلطاني قايتباي عز نصره، ووجد في الصفحة القبلية عند ابتدائها من جهة المغرب في
стр. 422
اللوح السماقي اللون الثاني في تلك الجهة من الألواح الملونة التي يحيط بها الرخام الأبيض البارز قطعة أوسع من الدينار ملصقة في ظاهر اللوح المذكور بالجص، فأشيع أنها جوهرة نفيسة ذات لمعان، ثم إن متولي العمارة أرانيها فإذا هي حجر عسلي اللون يميل حمرته إلى الصفرة، قال: وأظنه حجر اليرقان، وقد خشي عليه متولي العمارة إن أعيد لصقا كهيئته الأولى، فأمر بنقر الرخامة المذكورة وتنزيله فيها، ففعلوا ذلك، وأعادوا تلك الرخامة إلى محلها.
ولم أر من نبه على ابتداء حدوث الرخام الذي حول الحجرة الشريفة بالأرض والظاهر أنه حدث عند حدوث تأزيرها بالرخام؛ لما تقدم من كلام يحيى في أمر الحجر الذي كان يتبرك به من أن الحسين بن عبد الله كان يكشف عنه الحصى، وأنه لم يدخل في البناء، وأنه فقده عند تأزير الحجرة بالرخام، فدل ذلك على أنه رخم الأرض أيضا، وإلا لما استتر الحجر المذكور.
وأما ترخيم المصلّى الشريف فلا أدري متى زمن حدوثه، وله ذكر في رحلة ابن جبير.
وأما الرخام الذي بالمحراب العثماني وما حوله فالقديم منه- أعني بعد الحريق الأول- ترخيم المحراب وشيء يسير عن جنبتيه، وفي دولة السلطان الملك الظاهر جقمق في أول عشر الستين وثمانمائة أمر بعمل الوزرة التي في الجدار القبلي، فاتصل ذلك بترخيم المحراب المذكور، وقد جدد غالب ذلك في العمارة التي أدركناها أيضا، وأبدل الطراز الأول الذي كان بأعلى الوزرة وكان محمرا بماء الذهب الطراز الموجود اليوم، ثم زال ذلك كله في حريق المسجد الثاني، ثم أعيد مع زيادة فيه مما يلي المنارة الرئيسية، ومع ترخم ما حول الحجرة الشريفة وتأزيرها بالرخام، ومع ما سبق من عمل محراب المصلى الشريف وترخيمه، ورخموا أيضا الدعائم المواجهة للوجه الشريف التي أحدثوها عند عمارة القبة الثانية من داخل المقصورة وخارجها، وجميع ما يوجد من الرخام بالمسجد اليوم من عمل سلطان زماننا الأشرف قايتباي، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره! والله أعلم.
الفصل الرابع والعشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، والمسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، ومقام جبريل من الحجرة الشريفة، وكسوتها، وتخليقها
أما الصندوق فلم أعلم ابتداء حدوثه، وكذلك القائم المحلّى فوقه، إلا أنه قد ظهر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أنه كان موجودا قبل حريق المسجد الأول؛ لأن متولي العمارة كان قد قلعه لاقتضاء رأيه قلع حلية الفضة التي كانت على القائم الخشب الذي فوق الصندوق ليحكم صوغها، وزاد ذلك فضة وتمويها بالذهب، وأصلح حلية الصندوق أيضا،
стр. 423
وكان ذلك سببا لإصلاح أصل الأسطوانة التي كان بها، فلما قلعوا الصندوق المذكور ظهر فيه قوائم صندوق عتيق، وفي تلك القوائم أثر الحريق، وكأنهم جددوا عليه صندوقا، وجعلوا ذلك المحترق في جوفه، وقد أعيد كذلك.
وقد ذكر المجد الشيرازي هذا الصندوق والقائم فقال: وفي الصفحة الغربية من الحجرة الشريفة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي ﷺ ، وفيه أسطوان، وفوق الصندوق قائم من خشب مجدد، وأما الصندوق فطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه في الهواء أربعة أشبار.
قلت: وقد ظفرت بذلك كله في كلام ابن جبير في رحلته، غير ما يتعلق بالقائم المذكور، ومن ذلك أخذ المجد وصف القائم بكونه مجددا، وكانت رحلة ابن جبير عام ثمانين وخمسمائة، فاستفدنا بذلك وجود ذلك الصندوق قبل الحريق في ذلك الزمان، وما ذكره من أن الصندوق المذكور قبالة الرأس الشريف فيه تجوّز؛ لأنه قد ظهر لنا في هذه العمارة أنه في محاذاة الجدار الداخل القبلي، وسيأتي أن الوجه الشريف إلى الجدار؛ فالرأس الشريف متأخر عن الصندوق المذكور يسيرا.
ومستند المجد وغيره في هذا الإطلاق ما روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵁ عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: ها هنا رأس رسول الله ﷺ ، والمراد به ما قدمناه، والله أعلم.
وذرع الصندوق المذكور في الارتفاع ذراع ونصف وربع بذراع اليد، وأعلى القائم فوقه محاذ لرأس الوزرة الرخام، وطول القائم المذكور ثلاثة أذرع، وهو خمس صفحات ألصق بعضها على بعض وجعلت محيطة بما ظهر من الأسطوانة التي الصندوق بأصلها فوقه؛ فإن بعض الأسطوانة في البناء الملاصق لها من الحائز المذكور ولو أحاطت الصفحات بجميع الأسطوانة لكانت أكثر من خمس، ولكانت شكلها مثمنا، وهو مختم بالخشب الأسود الهندي، معصب بصفائح الفضة المموهة طولا وعرضا بأحسن صناعة، وصفائحه الطولية من الفضة أربع، والمقاطعة لها من جهة العرض خمس، وفي رأسه من أعلاه حلية رقيقة كالزيق، وزنة ما عليه من الفضة زيادة على ألفي قفلة، وأخذوا لأجل تمويهه من حاصل المسجد أربعين مثقالا من الذهب كما أخبرني به متولي العمارة.
وأما الصندوق فلم يغير، كله مغشى بالفضة، وقد احترق في حريق المسجد الثاني، ووجدوا حليته من الفضة، فجددوا صندوقا في محله وجعلوا موضع القائم الذي كان فوقه رخاما كتوبا فيه البسملة والصلاة والتسليم على النبي ﷺ والترضي عن أصحابه وغير ذلك.
стр. 424
وأما المسمار المواجه للوجه الشريف فقد تقدم أن بينه وبين أول الصفحة الغربية من المغرب خمسة أذرع، وقد اعتبرت ذلك فنقص يسيرا نحو سدس ذراع، وكأنه لاختلاف الأذرعة، ولم أعلم ابتداء حدوث التعليم بهذا المسمار أيضا، والمذكور في كلام المتقدمين إنما هو التعريف بأن يجعل القنديل على رأسه، لكن قال المطري: إن ما ذكر من القيام تحت القنديل تجاه الحجرة الشريفة للسلام كان قبل احتراق المسجد الشريف؛ فإنه لم يكن يقابل وجه النبي ﷺ إلا قنديل واحد؛ ولما جدد جعل هناك عدة قناديل، وإنما علامة الوقوف تجاه الوجه الكريم اليوم مسمار فضة في رخامة حمراء، انتهى. وهو يوم حدوث التعليم به بعد الحريق، ولأن ابن جبير ذكره في رحلته وهو أقدم من ابن النجار فقال عند وصف الحجرة الشريفة: وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي ﷺ مسمار فضة هو أمام الوجه الكريم، فتقف الناس أمامه للسلام، انتهى. وأيضا فقد روى ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه، ثم قال ابن الجوزي: وثم ما هو أوضح علما من القنديل، وهو مسمار من صفر في حائط الحجرة، إذا حاذاه القائم كان القنديل فوق رأسه، انتهى.
وقال يحيى في كتابه: كان بن أبي مليكة يقول: إذا جعلت القنديل على رأسك والمرمرة المدخولة في جدار القبر قبالة وجهك استقبلت وجه رسول الله ﷺ .
قلت: وكأن هذا المسمار في موضع تلك المرمرة، ولهذا قال ابن النجار: إن اليوم هناك علامة واضحة، وهي مسمار من فضة في حائط حجرة النبي ﷺ ، إذا قابله الإنسان كان القنديل على رأسه، فيقابل وجه النبي ﷺ ، انتهى.
ولم أر لهذا المسمار ذكرا في كلام من صنّف في المناسك قبل ابن جماعة، والذي في مناسك ابن الصلاح أخذا من الإحياء ذكر القنديل، وجعله حذار رأس الزائر، ونقله عن ابن أبي مليكة، واقتضى كلامه أن الواقف هناك يكون بينه وبين السارية التي عند رأس القبر عند زاويته الغربية وهي أسطوان الصندوق نحو أربعة أذرع؛ فهو قريب مما تقدم في التعليم بالمسمار المذكور، وإن لم يصرح به، لكن قال الأقشهري ومن خطه نقلت: أخبرنا الإمام العالم رضي الدين أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر إمام مقام إبراهيم الخليل بمكة توفي في تاسع شهر ربيع الأول من عام اثنين وعشرين وسبعمائة والشيخ الوزير أبو عبد الله محمد بن أبي بكر محمد بن عيسى المومناني قالا: أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح السهروردي قال: ثم يأتي الزائر الصريح المقدس فيستدبر القبلة ويستقبل جداره نحو ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع من الجدار وجاه المسمار الذي في الجدار القبلي من
стр. 425
الحجرة المشرفة، هذا ما نقلته من خط الأقشهري بحروفه، ولم أره في كلام ابن الصلاح، والذي نقله ابن عساكر في تحفته عن ابن الصلاح وهو من تلامذته إنما هو ما قدمناه، وروايته عن إبراهيم الطبري عن ابن الصلاح تخليط؛ فإن وفاة ابن الصلاح في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، والذي أدركه إنما هو والد إبراهيم المذكور، وهو المعروف بالرضي الطبري، فإن مولد الوالد المذكور سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فإنما أدرك من زمن ابن الصلاح عشر سنين، فكيف يكون ولده راويا عن ابن الصلاح بلا واسطة؟
وقال الأقشهري عقب ما تقدم عنه: وقد سقط هذا المسمار سنة عشرين وسبعمائة، ولم يردّ إلى موضعه إلا في رجب عام أربع وعشرين وسبعمائة.
قلت: وقد أخرج في هذه العمارة من موضعه عند ترخيم جدار الحجرة الشريفة، ثم أعيد في محله الأول بعينه في الرخامة الحمراء التي كان بها، ثم سقط من محله في الحريق الثاني، وجدد مسمار آخر في محله، ولا يختلف أحد ممن أدركناه بالمدينة الشريفة في أن ذلك الموضع تجاه الوجه الشريف، وهو الذي يقتضيه الحال عند مشاهدة الحجرة الشريفة من داخلها، غير أني رأيت في كلام يحيى ما يوهم خلاف ذلك، فإنه ذكر أن الموضع الذي يواجه الوجه الشريف هو ما بين الأسطوانة المتوسطة في قبلة جدار قبر النبي ﷺ ، بين هذا الموضع وبين الأسطوان شبران وثلاث أصابع متفرجة من الحفيرة إلى الوسطى، وإن كل من أدركه من أهل بيته كانوا إذا وقفوا للسلام على النبي ﷺ وقفوا قريبا من هذا الموضع، وكانت ثم علامة قد تعلموا بها حفيرة ولم تزل ثمّ منذ علمت إلى أن عمر الصانع المسجد في ولاية أمير المؤمنين المتوكل فإنه أزر القبر بالرخام فذهبت العلامة منذ ذلك. وقال: إن موسى بن جعفر قال: من وقف في هذا الموضع منحرفا واضعا شق وجهه الأيمن استقبل وجه رسول الله ﷺ ، وكان علي بن الحسين يقف ثم، انتهى.
قلت: الأسطوانة الوسطى التي يشير إليها هي البارزة في الصفحة القبلية من جدار القبر، يقف قربها المسلم على عمر ﵁، وبينها وبين المسمار المذكور نحو ثلاث أذرع أو أزيد، وقد قال: إن الموضع الذي ذكره بينه وبين الأسطوانة المذكورة شبران وثلاثة أصابع، فيكون بعيدا من المسمار المذكور بنحو الذراعين وقد شاهدنا الأسطوانة المذكورة من داخل الحجرة فرأيناها قريبة من نهايتها، بحيث إن من دفن هناك ووجهه في محاذاة الموضع الذي ذكره يحيى كانت رجلاه في جدار الحجرة الشرقي كما نقل ذلك في دفن عمر ﵁، فيبعد كل البعد كون الوجه الشريف في محاذاة ذلك الموضع، على أن ما نقله عن موسى بن جعفر يقتضي أن استقبال الوجه الشريف للواقف في الموضع الذي ذكره إنما يكون مع الانحراف ووضع شق الوجه الأيمن يعني على جدار القبر، وعلى هذا فيستقبل
стр. 426
الزائر جهة المغرب حتى يحصل ذلك، وذلك لأن الحائط القبلي منحرف كما أشرنا إليه في التصوير المتقدم، فلا يقتضي ذلك أن المستقبل للمحل الذي عينه من غير وضع وجهه يكون مقابلا للوجه الشريف، وإنما يسامت الواقف الوجه الشريف إذا حاذى المسمار المتقدم وصفه، وكأن يحيى يرى أن الزائر يلصق خده بجدار القبر على الهيئة السابقة، فيصير محل المسمار المذكور أمامه، ولذلك أورد عقب ما تقدم عنه قصة أبي أيوب الأنصاري الآتي ذكرها في التزامه القبر.
واعلم أن تشبيك باب المقصورة التي حدثت إدارتها على ما حول الحجرة الشريفة قد يمنع من مشاهدة المسمار المذكور إلا لمن يتأمل ذلك من تشبيكه، وذلك يشغل قلب الزائر، وقد تحرر لنا أن ما يقابله من ذلك هو الصرعة الثانية من باب المقصورة القبلي الذي على يمين مستقبل القبر الشريف، فمن حاذى هذه الصرعة كان محاذيا لذلك، وهذا المسمار مموّه بالذهب رأسه مستدير، وقد أحدث متولي العمارة مسمارا آخر رأسه فضة، لكنه في أول هذه الصفحة القبلية مما يلي المغرب قريبا من جهة الصندوق المتقدم وصفه، ورأس هذا المسمار مكوكب كالقبة، فلا يشتبه بالمسمار المتقدم، وأحدث أيضا مسمارين آخرين في ابتداء الصفحة الغربية مما يلي القبلة قريبا من مسماره المتقدم، وما علمت السبب في إحداث ذلك، وقد زالت هذه المسامير الثلاثة المحدثة بالحريق الثاني.
وأما الموضع المعروف بمقام جبريل عند مربعة القبر فقد تقدم أنه كان هناك مسمار في منحرف المربعة إلى الزاوية الشمالية من الحجرة علامة عليه، فلم نجده هناك، وسألت عنه الخدام والمرخمين فقالوا: إنهم لم يجدوا هناك شيئا، وتسمية ذلك الموضع بمقام جبريل تقدم مستنده في الكلام على أسطول مربعة القبر، ولم أدر لم سمي بذلك، إلا أن ابن جبير ذكر هذا المحل من الحجرة الشريفة، وقال: وعليه ستر مسبل يقال: إنه كان مهبط جبريل ﵇، انتهى. لكن ترجم ابن شبة في كتابه لمقام جبريل ثم قال: قال أبو غسان: علامة مقام جبريل ﵇ التي يعرف بها اليوم أنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان، فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد، قال: فكان مالك بن أنس يقول، وسقط ما بعد ذلك من كتاب ابن شبة فلم أدر ما هو، لكن يستفاد من ذلك حكاية خلاف في مقام جبريل: هل هو داخل المسجد عند المربعة المذكورة أو خارجه عند باب آل عثمان وهو المعروف اليوم بباب جبريل؟ ولعل ذلك سبب تسمية الباب المذكور بذلك، كما ستأتي الإشارة إليه.
وقال ابن زبالة: أخاف المسجد من شرقيه في سلطان محمد بن عبد الله بن سليمان
стр. 427
الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب من ناحية موضع الجنائز، فأمر به فبنى، وتعلم مقام جبريل ﵇ بحجر ونقش فيه خاتم سليمان ومشق لأن يعرف به مقام جبريل، ومقام جبريل يمناه داخل في المسجد، فبلغ ذلك مالك بن أنس، فتكلم فيه وأنكره وعابه، فغير وجعل مكانه حجر طويل مصمت لا علم فيه مخالف لحجارة المسجد، انتهى؛ فيحتمل أن يريد بقوله «ومقام جبريل يمناه داخل المسجد» الموضع المتقدم ذكره من الحجرة الشريفة، ويحتمل أن يريد أن الباب قد قدم عن محله الأول في محاذاته، فصار مقام جبريل داخل المسجد في محاذاة ذلك، ويرجح هذا أن الظاهر أن الأصل في مقام جبريل ما قدمناه في غزة بني قريظة من رواية صاحب الاكتفاء أن جبريل ﵇ أتى في ذلك اليوم على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، وإن على وجه جبريل لأثر الغبار، اه؛ فلذلك سمي الباب المذكور بباب جبريل؛ إذ لم يكن حينئذ للمسجد باب في ناحية الجنائز غيره.
وفي رواية البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ عندنا، فسلم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله ﷺ فزعا، فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي، فقال: هذا جبريل ﵇ يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة، والله أعلم.
كسوة الحجرة النبوية
وأما كسوة الحجرة الشريفة فقد ذكر ابن النجار ما قدمناه في تأزير الحجرة الشريفة بالرخام وعمل الجواد الأصبهاني في الشباك المتخذ من خشب الصندل المتقدم وصفه على جدارها، ثم قال: ولم تزل الحجرة الشريفة على ذلك حتى عمل لها الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة من الديبقي الأبيض، وعليها الطروز والجامات المرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر، ونيطها وأدار عليها زنارا من الحرير الأحمر، والزنار مكتوب عليه سورة (يس) بأسرها، وقيل: إنه غرم على هذه الستارة مبلغا عظيما من المال، وأراد تعليقها على الحجرة، فمنعه قاسم بن مهنى أمير المدينة وقال: حتى تتأذن الإمام المستضيء بأمر الله.
فبعث إلى العراق يستأذن في تعليقها، فجاءه الإذن في ذلك، فعلقها نحو العامين، ثم جاءت من الخليفة ستارة من الإبريسم البنفسجي عليها الطرز والجامات البيض المرقومة وعلى دوران جاماتها مكتوب بالرقم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعلى طرازها اسم الإمام المستضيء بأمر الله، فشيلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب بالكوفة، وعلقت هذه عوضها، فلما ولي الإمام الناصر لدين الله نفذ ستارة أخرى من الإبريسم الأسود، وطرزها وجاماتها من الإبريسم الأبيض، فعلقت فوق تلك، فلما حجت الجهة أم الخليفة
стр. 428
وعادت إلى العراق عملت ستارة من الإبريسم الأسود أيضا على شكل المذكورة ونفذتها فعلقت على هذه، ففي يومنا هذا على الحجرة ثلاث ستائر بعضهن على بعض، انتهى.
وهو يقتضي أن ابن أبي الهيجاء أول من كسا الحجرة في خلافة المستضيء بأمر الله، وكانت خلافته في سنة ست وستين وخمسمائة، ومات سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وفي كلام رزين ما يقتضي مخالفته؛ فإنه قال في ضمن كلام نقله عن محمد بن إسماعيل ما لفظه:
فلما كانت ولاية هارون أمير المؤمنين وقدمت معه الخيزران أمرت بتخليق مسجد رسول الله ﷺ وتخليق القبر وكسته الزنانير وشبائك الحرير، انتهى.
وقد رأيت في العتبية ما يصلح أن يكون مستندا في أصل الكسوة، فإنه قال في أوائلها: قيل لمالك: قلت إنه ينبغي أن ينظر في قبر النبي ﷺ كيف يكسون سقفه، فقيل:
يجعل عليه خيش، فقال: وما يعجبني الخيش، وإنه ينبغي أن ينظر فيه، انتهى.
قال ابن رشد في بيانه: كره مالك كشف سقف قبر رسول الله ﷺ ، ورأى من صونه أن يكون مغطّى، ولم ير أن يكتفي من ذلك بالخيش، وكأنه ذهب إلى أن يغطي بتغطية البيوت المسكونة، ولقد أخبرني من أثق به أنه لا سقف له اليوم تحت سقف المسجد، انتهى.
وقد يضم إلى ذلك أنه إنما جاز كسوة الكعبة لما فيه من التعظيم، ونحن مأمورون بتعظيم النبي ﷺ ، وتعظيم قبره من تعظيمه، وهذا أولى بالجواز مما سيأتي عن السبكي في مسألة القناديل من الذهب حيث سلك بها هذا المسلك، وليس في كلام ابن زبالة ويحيى تعرض لأمر كسوة الحجرة، ولعله لأنها إنما حدثت بعدهما، مع أن ابن زبالة ذكر ما قدمناه في كسوة المنبر الشريف وجعل الستور على الأبواب، ونقل أن كسوة الكعبة كان يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة، فتنشر في مؤخر المسجد، ثم يخرج بها إلى مكة، ولم يذكر للحجرة كسوة.
ثم ذكر تخليق الحجرة والمسجد فقال: وقدمت الخيزران أم موسى أمير المؤمنين المدينة في سنة سبعين ومائة، فأمرت بمسجد النبي ﷺ فخلّق، وولي ذلك من تخليقه مؤنسة جاريتها، فقام إليها إبراهيم بن الفضل بن عبيد الله بن سليمان مولى هشام بن إسماعيل فقال: هل لكم أن تسبقوا من بعدكم وأن تفعلوا ما لم يفعل من كان قبلكم؟ قالت له مؤنسة: وما ذلك؟ قال: تخلّقون القبر كله، ففعلوا، وإنما كان يخلق منه ثلثاه أو أقل، وأشار عليهم فزادوا في خلوق أسطوان التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلّى النبي ﷺ فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما، وزادوا في الخلوق في أعلاهما، انتهى ولو كان لكسوة الحجرة وجود في زمانه لتعرض له.
واعلم أن في عشر الستين وسبعمائة في دولة السلطان الصالح إسماعيل بن الملك
стр. 429
الناصر محمد بن قلاون اشترى قرية من بيت مال المسلمين بمصر، ووقفها على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة، وعلى كسوة الحجرة المقدسة والمنبر الشريف في كل خمس سنين مرة، هكذا ذكره التقي الفاسي في شفاء الغرام.
وذكره الزين المراغي إلا أنه قال في الوقف على كسوة الحجرة: في كل ست سنين مرة، تعمل من الديباج الأسود المرقوم بالحرير الأبيض، ولها طراز منسوج بالفضة المذهبة دائر عليها، إلا كسوة المنبر فإنها بتقصيص أبيض.
قلت: وما ذكراه من المدة المذكورة بالنسبة إلى الحجرة كأنه كان معمولا به في زمانهما، وأما في زماننا فيمضي عشر سنين ونحوها ولا تعمل، نعم كلما ولي ملك بمصر فإنه يعتني بإرسال كسوة.
وذكر الحافظ ابن حجر في الكلام على كسوة الكعبة أن الصالح هذا اشترى حصة من بلد يقال لهل سندبيس، اشترى الثلثين منها من وكيل بيت المال، ووقفها على هذه الجهة، ولم يتعرض لكسوة الحجرة، فلعل الثلث الثالث الذي لم يذكره يتعلق بكسوة الحجرة لما قدمناه، ويحتمل أن ما يرد من الكسوة من جهة الملوك، لا من وقف، وعادتهم إذا وردت كسوة جديدة قسم شيخ الخدام الكسوة العتيقة على الخدام ومن يراه من غيرهم، ويحمل إلى السلطان بمصر منها جانبا، وحكم بيع كسوة الحجرة كحكم بيع كسوة الكعبة، وقد اختلف العلماء في ذلك قديما، وفي المسألة عندنا وجهان.
وقال الحافظ صلاح الدين خليل العلائي: إنه لا يتردد في جواز ذلك الآن؛ لأن وقف الإمام للضيعة المتقدمة على الكسوة كان بعد استقرار هذه العادة والعلم بها، فينزل لفظ الواقف عليها، انتهى، والله أعلم.
الفصل الخامس والعشرون في قناديل الذهب والفضة التي تعلق حول الحجرة الشريفة، وغيرها من معاليقها
القناديل
اعلم أني لم أر في كلام أحد ذكر ابتداء حدوث ذلك، إلا أن ابن النجار قال ما لفظه:
وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا معلّق نيف وأربعون قنديلا كبارا وصغارا من الفضة المنقوشة والساذجة، وفيه اثنان بللور، وواحد ذهب، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب، وهذه تنفذ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال، انتهى.
стр. 430
قلت: واستمر عمل الملوك وأرباب الحشمة إلى زماننا هذا على الإهداء إلى الحجرة الشريفة قناديل الذهب والفضة.
ورأيت بحط شيخنا العلامة ناصر الدين العثماني أشياء نقلها من خط قاضي طيبة الزين عبد الرحمن بن صالح يتضمن ما كان يرد في كل سنة من ذلك؛ فذكر في سنة خمسة عشر قنديلا، وفي أخرى ثلاثة عشر، وفي أخرى عشرة، وفي أخرى إحدى وعشرين.
قلت: وفي زماننا هذا يرد في غالب السنين ما يزيد على العشرين، ولا ضابط لذلك؛ فإنه يرد من نذور من ناس مختلفين، وكأن هذه القناديل كانت إذا كثرت رفعوا بعضها ووضعوه بالحاصل الذي في وسط المسجد، فاجتمع فيه شيء كثير فاتفق على ما ذكره الحافظ ابن حجر في سنة إحدى عشرة وثمانمائة أن فوض السلطان الناصر فرج لحسن بن عجلان سلطنة الحجاز، فاتفق موت ثابت بن نغير، وقرر حسن مكانه أخاه عجلان ابن نغير المنصوري، فثار عليهم جماز بن هبة بن جماز الجمازي الذي كان أمير المدينة، وأرسل إلى الخدام بالمدينة يستدعيهم، فامتنعوا من الحضور إليه، فدخل المسجد الشريف، وأخذ ستارتي باب الحجرة، وطلب من الخدام تسعة آلاف درهم على ألايتعرض لحاصل الحرم، فامتنعوا، فضرب شيخهم، وكسر قفل الحاصل، هكذا رأيته في «أنباء الغمر» للحافظ ابن حجر.
والذي رأيته في محضر عليه خطوط غالب أعيان المدينة الشريفة ما حاصله: أن جماز بن هبة المذكور كان أمير المدينة، فبرزت المراسيم الشريفة بتولية ثابت بن نغير إمرة المدينة وأن يكون النظر في جميع الحجاز لحسن بن عجلان، ولم يصل الخبر بذلك إلا بعد وفاة ثابت بن نغير، فأظهر جماز بن هبة الخلاف والعصيان وجمع جموعا من المفسدين وأباح نهب بعض بيوت المدينة، ثم حضر مع جماعة إلى المسجد الشريف، وأهان من حضر معه من القضاة والمشايخ وشيخ الخدام باليد واللسان، وشهر سيفه عليهم، وكسر باب القبة حاصل الحرم الشريف، وأخذ جميع ما فيها من قناديل الذهب والفضة التي تحمل على تعاقب السنين من سائر الآفاق تقربا إلى الله ورسوله وأشياء نفيسة وختمات شريفة وزيت المصابيح وشموع التراويح وأكفان ودراهم يواري بها البطحاء، وقطع مكاتيب الأوقاف وغسلها، وقصد الحجرة الشريفة، وأحضر السلم لإنزال كسوة الضريح الشريف والقناديل المعلقة حوله، فلم يقدّر له ذلك ومنعه الله منه، وأخذ ستر أبواب الحجرة الشريفة من خزانة الخدام، وتعطل في ذلك اليوم وليلته والذي يليها المسجد الشريف من الأذان والإقامة والجماعة، وأخذ جماعته وأقاربه في نهب بيوت الناس ومصادرتهم، وأخذ جمال السواني، وارتحل هاربا عقب ذلك، ولما اتصل بحسن بن عجلان ما فوض إليه من أمر الحجاز استدعى بعجلان بن نغير وأقامه في إمرة المدينة، وعرفه ما برزت به المراسيم أولا في ولاية أخيه، انتهى.
стр. 431
وذكر الحافظ ابن حجر أنه أخذ من الحاصل المذكور إحدى عشر خوشخانا وصندوقين كبيرين وصندوقا صغيرا بما في ذلك من المال وخمسة آلاف شقة من البطاين، وصادر بعض الخدام، ونزح عنها؛ فدخل عجلان بن نغير ومعه آل منصور فنودي بالأمان، ثم قدم عقبه أحمد بن حسن بن عجلان ومعه عسكر، يعني من مكة.
قلت: ورأيت بخط شيخنا العلامة ناصر الدين المراغي قائمة ذكر أنه نقلها من خط قاضي طيبة الزين عبد الرحمن بن صالح صورتها: الذي كان في القبة، وأخذه جماز بن هبة، هو من القناديل الفضة ثلاثة وعشرون قنطارا وثلث قنطار، غير الذي في الرفوف، والصندوقين الذهب، ثم ذكر تفصيل ذلك في ثمان عشرة وزنة، ثم كتب ما صورته:
خوشخانة مختومة لم تفتح، والظاهر أنها ذهب، وزنة القناديل التي في الرفوف أربع قناطير إلا ثلث، وتسع قناديل ذهب بالعدد في صندوق، وصندوق صغير مقفول، انتهى.
وبلغنا أنه دفن غالب ذلك، ثم أخذه الله أخذا وبيلا فقتل هو ومن اطلع معه على دفن ذلك، فلم يعلم مكانه إلى اليوم.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر قتله في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة فقال: وفيها قتل جماز بن هبة ابن جماز بن منصور الحسيني أمير المدينة، وقد كان أخذ حاصل المدينة ونزح عنها، فلم يمهل وقتل في حرب جرت بينه وبين أعدائه، انتهى.
قلت: إنما بيتته بعض عرب مطير فاغتاله وهو نائم.
ورأيت في القائمة المتقدم ذكرها التي نقلها شيخنا المتقدم ذكره ما صورته: وزن ما في الحجرة من قناديل الذهب تسع قناطير، وورد بعد ذلك من أم السلطان قنديل زنته ألف مثقال، وورد من أخت السلطان قنديل زنته ألف وخمسمائة، وأربع قناديل كبار في الواحد منهم أربعة صغار، وفي الثاني اثنان صغار، وفي الثالث عدة قناديل معفوسة، وفي الرابع قنديل، زنة الجميع ثلاثة آلاف وسبعمائة وعشرون مثقالا، وعلى يد الطواشي صندل قنديلين صغار، ومعلق بعد ذلك عدة قناديل لم تكتب، انتهى.
والظاهر أنه سقط بعد قوله «من قناديل الذهب» لفظ «والفضة» وفي هذه القائمة أيضا أن بالقبة- يعني قصة جماز المتقدمة- من قناديل الفضة مائة رطل وسبعة عشر رطلا وضعها بيسق بيده، انتهى.
ثم إن الأمير غرير بن هيازع بن هبة الحسيني الجمازي أخذ جانبا من الحاصل المذكور في سنة أربع وعشرين وثمانمائة، زاعما أنه على سبيل القرض، وامتحن بعض قضاة المدينة لسبب ذلك، ثم حمل غرير المذكور إلى القاهرة محتفظا به، ومات بها مسجونا.
ولم تزل هذه القناديل في زيادة حتى عدا عليها في ليلة السابع والعشرين من ذي الحجة
стр. 432
سنة ستين وثمانمائة برغوث بن بتير بن جريس الحسيني؛ فدخل الدار المعروفة بدار الشباك بجانب باب الرحمة ليلا، ولم يكن بها ساكن، وتسوّر جدار المسجد، ودخل بين سقفي المسجد الشريف من شباك هناك، ومشى حتى بلغ ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة، فأخذ من تلك القناديل شيئا كثيرا، وكأنه تردد لذلك المرة بعد الآخرى، ولم يشعر أهل المسجد ونظاره بشيء من ذلك، غير أن أمة لبعض جيران الدار المذكورة رأت من سطح دارهم شخصين في أعلى دار الشباك يتعاطيان شيئا له حجم كبير وصوت صليل، فلما أصبحت أخبرت بواب المسجد فلم يعبأ بذلك لخلو تلك الدار، وبعد ذلك الأمر عن الأفكار، ولكن الله أراد هتك المذكور وحلول النقمة به، فأنهى بعض الناس إلى أمير المدينة أن المذكور معه شيء كثير من المال غير معهود، فأمسكه الأمير وضيّق عليه بالسجن، فانخلس ليلا، ثم شاع بالمدينة بيع شبابيك من الفضة والذهب، فكثر القال والقيل، ثم في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستين استفاض أن برغوثا بالينبع ومعه قطع من ذهب القناديل، فافتقد النظار الحجرة الشريفة، فرأوا أكثر القناديل مأخوذا، فعلموا الحال، لكن لم يعلموا الكيفية، واتهمت ابنة السراج النفطي بممالأة برغوث على ذلك وأنه إنما تسور من بيت أبيها لكونه متصلا بالمسجد في قبلته، وأظهر الله براءتها بعد ذلك، وكان بالمدينة إذ ذاك زين الدين استدار الصحبة فعقد مجلسا لذلك، واجتمع أعيان أهل المدينة، وكتبوا إلى أمير الينبع بالقبض على برغوث وإرساله، فقبض عليه، فاعترف أنه فعل ذلك هو ودبوس بن سعد الحسيني الطفيلي، وجعل أن دخوله من بيت المرأة المتقدم ذكرها، وأن بعض الخدام واطأه على ذلك، ثم أظهر الله الحق، وأن دخوله إنما كان من دار الشباك، وأن شريكه المعين له على ذلك دبوس المذكور، ولم ير أمير ينبع إرساله إلى المدينة، بل تركه عنده منتظرا الأوامر السلطانية، ثم إن أمير المدينة أمسك دبوسا وبعض أقاربه، فأنكر هو، وأقر عليه بعض جماعته وأحضروا جانبا من الذهب والفضة، ثم هرب برغوث من الحبس بالينبع، ثم ساقه الله إلى المدينة، فلما وصل دلّ عليه أميرها، فأمسكه وحبسه مع دبوس وذويه، فهربوا، ثم أظفر الله بهم، ولم يغب منهم إلا دبوس، وبرزت المراسيم بقتل من تجرأ على هذه العظيمة، فقتل أمير المدينة برغوثا وآخر معه من أقاربه يسمى ركابا، وصلبهما، ثم ظفر بدبوس وقتله أيضا.
وأخبرت عن برغوث أنه قال: كنت كلما توجهت في حال هربي لغير جهة المدينة كأني أجد من يصدني عن ذلك، وإذا قصدت جهة المدينة تيسرت لي وكأن شخصا يقودني إليها حتى دخلتها.
وأما عدة القناديل الموجودة في زماننا هذا بالحجرة الشريفة فقد ضبطت في أول سنة
стр. 433
إحدى وثمانين وثمانمائة بأمر السلطان الأشرف لشيخ الحرم الأمير انيال والقضاي الزكوي؛ فكان عدة معاليق الذهب ثمانية عشر قنديلا وبعض قنديل، وأربع مشنات، ومغرافان، وسواران، وزنة ذلك سبعة آلاف قفلة وستمائة وخمسة وثلاثون، من ذلك قنديل كبير في جهة الوجه الشريف زنته أربعة آلاف وستمائة قفلة، أهداه سلطان الكلرجه شهاب الدين أحمد، وعدة معاليق الفظة ثلاثمائة قنديل وأربعة وأربعون قنديلا، وثرية كبيرة، زنة ذلك ستة وأربعون ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثون قفلة، وكانت ضبطت قبل ذلك في سنة اثنتين وستين وثمانمائة على يد الأمير بردبك التاجي فتحرر من النظر بين المقدارين أن الزائد على ما ضبط في التاريخ المتقدم من الذهب ألف قفلة ومائة وخمسة وخمسون، ومن الفضة ثلاثة عشر ألف قفلة وسبعمائة وخمسة وثمانون قفلة، فذلك القدر هو الوارد من عام ثلاث وستين إلى آخر عام تسع وسبعين، وهناك من المعاليق أيضا غير ما تقدم قنديل من بلور بتابوت من فضة، وقناديل نحاس أربعة، وفولاذ واحد مكفّت بالذهب مشبك مكتوب عليه أن الناصر محمد بن قلاوون علقه من يده إلى عام حجه، ثم ورد في سنة ثمانين في مشيخة الشيخ انيال ولم يدخل في الجملة المتقدمة قنديلان من الذهب زنتهما مائة وخمسة وعشرون قفلة، ومن الفضة اثنان وثلاثون قنديلا زنتها ألف ومائتان وخمسة وسبعون قفلة، وفي سنة إحدى وثمانين قنديل ذهب زنته مائة واثنان وأربعون قفلة، وأربعة وعشرون قنديلا من الفضة زنتها تسعمائة وخمسون قفلة، وفي سنة اثنين وثمانين من الفضة أحد وثلاثون قنديلا زنتها ألف وخمسمائة وخمسون قفلة، ولم يرد شيء من الذهب، وفي سنة ثلاث وثمانين من الذهب قنديل واحد زنته عشرون قفلة، ومن الفضة خمسة وعشرون قنديلا زنتها ألف ومائة وخمسة وثلاثون قفلة، وفي سنة أربع وثمانين من الفضة تسعة عشر قنديلا زنتها سبعمائة وخمسة وأربعون قفلة، ولم يرد شيء من الذهب؛ فجملة ما ورد في ولاية الأمير انيال في المدة المذكورة من الذهب أربعة قناديل جملة زنتها مائتان وسبعة وثمانون قفلة، ومن الفضة مائة قنديل وتسعة وعشرون قنديلا جملة زنتها خمسة آلاف وستمائة وخمسة وخمسون قفلة، ولما شرعوا في عمارة الحجرة الشريفة الآتي ذكرها في سنة إحدى وثمانين وثمانمائة رفعوا جمع المعاليق التي كانت حولها، ووضعت بالقبة التي بصحن المسجد بأمر متولي العمارة الجناب الشمسي، ولم يزل بها إلى تاريخه، ولم يكن اليوم حول الحجرة الشريفة من المعاليق إلا ما تجدد في آخر سنة إحدى وثمانين إلى آخر سنة أربع وثمانين، ثم حسّن متولي العمارة للسلطان صرف ذلك في مصالح المسجد والمدينة الشريفة، فحمل بعضه من الحاصل المذكور إلى مصر قبيل الحريق الثاني، ثم وجدوا ما سقط لسبب الحريق من القناديل التي كانت معلقة بحالها، ثم صرف متولي العمارة بعض ذلك في تذهيب السقف المعادة بعد الحريق، ثم
стр. 434
وضع بهذه القبة ما تجمد من مصاريف حب السماط المجدد، فاجتمع بها نحو ثلاثة عشر ألف دينار، فاتفق أن أمير المدينة حسن بن زبيري المنصوري حضر بجماعة مع الاستعداد بالأسلحة والسيوف المسلولة؛ فدخل المسجد الشريف على تلك الحالة وقت الظهر من سادس ربيع الأول عام أحد وتسعمائة، وأمر خازندار الحرم الشريف بإحضار مفاتيح الحاصل المذكور، فامتنع من ذلك، فضربه ضربا مبرحا، ثم عمد إلى باب الحاصل المذكور وأحضر فأسا وكسره وأخذ جميع ما فيه من النقد والقناديل والسبايك، فحمل منه ثلاثة أحمال على فرسين وبغل وغراير تسع على ظهور الحمالين، ثم ذهب إلى حصنه وأحضر الصياغ وسبك تلك القناديل، وذكر أنه صنع ذلك رغبة عن إمرة المدينة؛ لأن ولايته كانت بطريق النيابة عن السيد الشريف محمد بن بركات لتفويض السلطان الأشرف إليه أمر الحجاز وأن المشار إليه صار يأخذ حصته مما يحمل له من الإقطاع ومن الصدقات، وعطل عليه أهل مصر بعض إقطاعه، فحمله ذلك على ما سبق.
حكم معاليق المسجد النبوي
أما حكم هذه المعاليق ونحوها من تحلية الصندوق المتقدم ذكره والقائم الذي بأعلاه فحكم معاليق الكعبة الشريفة وتحليتها، وقد تكلم السبكي في حكم قناديل الكعبة وحليتها والقناديل التي حول الحجرة الشريفة، وألّف في ذلك كتابا سماه «تنزل السكينة، على قناديل المدينة» فأورد حديث البخاري وغيره في كنز الكعبة وما تضمنه من إقرار النبي ﷺ له بمحله، ثم أبي بكر بعده، ورجوع عمر ﵁ لذلك لما ذكره به ابن شبة، وقال:
هما المرآن يقتدي بهما، قال: فهذا الحديث عمدة في مال الكعبة، وهو ما يهدى إليها أو ما ينذر لها وما يوجد فيها من الأموال.
قال ابن بطال: أراد عمر إنفاقه في منافع المسلمين، ثم لما ذكر أن النبي ﷺ لم يتعرض له أمسك، وإنما ترك ذلك والله أعلم لأن ما جعل في الكعبة وسبّل لها يجري مجرى الأوقاف؛ فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم للإسلام وترهيب للعدو.
قلت: قد تعقب ذلك الحافظ ابن حجر باحتمال أن يكون النبي ﷺ إنما تركه رعاية لقلوب قريش، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة ﵁ ولفظه «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض» الحديث، فهذا التعليل هو المعتمد.
قلت: لكن قد يقال: حيث تركه النبي ﷺ لهذه العلة ثم تركه أبو بكر ثم عمر بعد الهم به ورجوعه عن ذلك ثم من بعده فهو إجماع على تركه؛ فلا نتعرض له؛ لما يترتب عليه من الشناعة والله أعلم.
стр. 435
قال السبكي: ولا يغلط في أن ذلك يصرف إلى فقراء الحرم، فإنما يكون ذلك إذا كان الإهداء إلى الحرم أو إلى مكة، أما إذا كان للكعبة نفسها فلا يصرف إلا إليها، كأن تعرض لها عمارة فحينئذ ينظر: فإن كانت تلك الأموال قد أرصدت لذلك صرفت فيه، وإلا فيختص بها الوجه الذي أرصد له، فالمرصد للبخور مثلا لا يصرف للسترة.
قال: وأما القناديل التي فيها والصفائح التي عليها فلا يصرف منها شيء، بل تبقى على حالها، وقول عمر «لقد هممت ألاأدع فيها صفرا ولا بيضا» محتمل للنوعين، ولم ينقل إلينا صفتها التي كانت ذلك الوقت، ومن قال أول من ذهّب البيت في الإسلام الوليد لا ينفي أن يكون البيت ذهّب في الجاهلية وبقي إلى عهد عمر.
قلت: قد نقل التقي الفاسي عن خط الحافظ رشيد الدين بن المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي ما لفظه: وفيها- أي سنة خمس وستين- استتم ابن الزبير بناء الكعبة، ويقال: إنه بناها بالرصاص المذوب المخلوط بالورس، وجعل على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب ومفاتحها ذهبا، اه. فإن صح فهو أولى ما يحتج به.
ثم نقل السبكي عن الرافعي أنه قال: لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة وتعليق قناديلها. ثم نقل أن في تحلية الكعبة والمساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلها وجهين مرويين في الحاوي وغيره: أحدهما: الجواز، تعظيما كما في المصحف، وكما يجوز ستر الكعبة بالديباج، وأظهرهما المنع؛ إذ لم ينقل ذلك عن فعل السلف، ثم استشكل كلام الرافعي فقال: وأما التسوية بين الكعبة والمساجد فلا ينبغي؛ لأن للكعبة من التعظيم ما ليس للمساجد، بدليل جواز سترها بالحرير إجماعا، وفي ستر المساجد به خلاف، فحكاية الخلاف فيها مشكل، وترجيح المنع أشكل، وكيف وقد فعل ذلك في صدر هذه الأمة، وقد تولى عمر بن عبد العزيز عمارة مسجد رسول الله ﷺ عن الوليد وذهّب سقفه بأمره من غير مراجعة، بل لما ولي الخلافة بعد ذلك أراد أن يزيل ما في جامع بني أمية من الذهب فقيل له: إنه لا يتحصل منه شيء يقوم بأجرة حكّه، فتركه. والصفائح التي على الكعبة يتحصّل منها شيء كثير، فلو كان فعلها حراما لأزالها في خلافته، فلما تركها ومعه جميع من يحج كل عام وجب القطع بجوازها، وهذا في تحلية الكعبة بالصفائح، ولا منع من جريان الخلاف في التمويه لإزالة المالية، ولا من إجراء الخلاف في سائر المساجد تمويها وتحلية، على أن القاضي حسين جزم بحل تحلية المسجد بالقناديل من الذهب ونحوها، وأن حكمها حكم الحلي المباح، وهذا أرجح مما قال الرافعي؛ لأنه ليس على تحريمهما دليل، والحرام من الذهب إنما هو استعمال الذكور له، والأكل والشرب ونحوهما، وليس في تحلية المسجد بالقناديل ونحوها شيء من ذلك، لكن لا أقول إنه ينتهي إلى حد القربة في سائر المساجد،
стр. 436
وتعليل الرافعي لما قاله بأن ذلك لم ينقل عن فعل السلف عجيب؛ إذ لا يقتضي ذلك التحريم، ومن حرّم اتخاذ الآنية وهو الأصح فإنما حرمه لأن النفس تدعو إلى الاستعمال المحرّم، وذلك إذا كانت له، وأما إذا جعلها للمسجد فلا تدعو النفس لذلك، فكيف يحرم وهي لا تسمى أواني؟
قال: ورأيت الحنابلة قالوا بتحريمها للمسجد، وجعلوها من الأواني أو مقيسة عليها، وليس بصحيح، ومن يقول بجواز التحلية والقناديل في سائر المساجد فلا شك أنه يقول بها في المساجد الثلاثة بطريق الأولى، ومن منع فلم يصرح في المساجد الثلاثة بشيء، لكن عموم كلامهم يشملها، وينبغي ترتيب الخلاف: ففي المساجد غير الثلاثة وجهان أصحهما الجواز، ومسجد بيت المقدس أولى بالجواز، والمسجدان مسجد مكة ومسجد المدينة أولى منه، ثم المسجدان على الخلاف في تفضيلهما، وقد يقال إن مسجد المدينة أولى لمجاورة النبي ﷺ وقصد تعظيمه بما في مسجده من ذلك، هذا كله بحث، والمنقول ما تقدم.
وهذا في الاتخاذ من غير وقف، فإن وقف المتخذ من ذلك فقد قطع القاضي حسين والرافعي بأنه لا زكاة فيه، وقد رجح الرافعي فيها التحريم، فكيف يرجح ذلك؟ إذ مقتضاه صحة وقفها، فلعل مراد الرافعي إذا وقفت على قصد صحيح وإذا فرعنا على صحة وقفها.
قال: وهذا حكم المساجد في ذلك، وأما الحجرة الشريفة فتعليق القناديل فيها أمر معتاد من زمان، ولا شك أنها أولى بذلك من غيرها، والذين ذكروا الخلاف في المساجد لم يذكروها، وكم من عالم وصالح قد أتى للزيارة ولم يحصل من أحد إنكار لذلك.
فهذا وحده كاف في جواز ذلك مع ما تقدم، واستقراء الأدلة فلم يوجد فيها ما يدل على المنع. قال: فنحن نقطع بالجواز، والحجرة الشريفة هي بيت عائشة وما حوله، وأشار إلى بيان أن ما حوله إما منه أو من بقية الحجر المدخلة في المسجد.
قال: والمدفن الشريف بالحجرة له شرف على جميع المساجد وعلى الكعبة؛ فلا يلزم من المنع في المساجد والكعبة المنع هنا.
قال: ولم نر أحدا قال بالمنع هنا، فما وقف من ذلك إكراما لذلك المكان صح وقفه، وإن اقتصر على إهدائه صح أيضا كالمهدى للكعبة، وكذلك المنذور له، وقد يزاد هنا فيقال:
إنه مستحق للنبي ﷺ والنبي ﷺ حي، وإنما يحكم بانقطاع ملكه بموته عما كان في ملكه وجعله صدقة بعده.
وأما هذا النوع فلا يمتنع ملكه له، وهو الذي في أذهان كثير من الناس حيث يقولون: هذا للنبي ﷺ .
ثم أورد ما رواه يحيى بن الحسين بسنده من الخبر الآتي في إجمار المسجد عن عبد الله بن
стр. 437
محمد بن عمار عن أبيه عن جده قال: أتى عمر بن الخطاب بمجمرة من فضة فيها تماثيل، فدفعها إلى سعد أحد المؤذنين، وقال: أجمر بها في الجمعة وفي شهر رمضان، فكان سعد يجمر بها بين يدي عمر بن الخطاب، الخبر الآتي.
ثم قال: عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد القرظ ضعفه ابن معين، وكذا الراوي عنه، ومحمد بن عمار حسن له الترمذي، فلو سلم ممن دونه كان جيدا، ومقتضى اشتراط الفقهاء الاحتواء في المجمرة عدم تحريم هذا الصنيع، لكن العرف دال على عد ذلك استعمالا، فإما أن يكون الحديث ضعيفا، وإما أن يكون احتمل ذلك لأجل المسجد تعظيما له، فتكون القناديل بطريق الأولى؛ إذ لا استعمال فيها.
قال: ولا يجوز صرف شيء من قناديل الحجرة في عمارتها، ولا في عمارة المسجد؛ لأنها إنما أعدت للبقاء، وليس قصد بها جهات إلا ذلك، سواء وقفها أو اقتصر على إهدائها.
قال: وقد سئلت عن جواز بيعها لعمارة المسجد النبوي، فأنكرته واستقبحته، وكيف يبلغ ملوك الأرض أنا بعنا قناديل نبينا لعمارة حرمه ونحن نفديه بأنفسنا فضلا عن أموالنا؟
وما برحت الملوك يفتخرون بعمارته.
قلت: وقد تعقبه جماعة، والمحل قابل للمناقشة، وليس ذلك من غرضنا، غير أنا نقول: ستر الكعبة بالديباج قام عليه الإجماع، وأما التحلية بما ذكر فلم يثبت عن من يحتج بفعله، وترك عمر بن عبد العزيز يحتمل أعذارا ليس هذا محل بيانها.
وقد نقل الشيخ الموفق الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب، والقناديل من الأواني بلا شك، واستعمال كل شيء بحسبه؛ فاستعمال ما ذكر بتعليقه للزينة، وقد سلم تحريم اتخاذ الأبنية منها أيضا.
وقد ذكر الجمال الكازروني المدني أشياء أيّد بها كلام السبكي: منها أن الله تعالى قال:
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور: ٣٦] قال: وهي بيوت النبي ﷺ ، قاله مجاهد، ومعنى ترفع تعظم ويرفع شأنها وتزين، وتزيينها تعليق قناديل الذهب فيها، وتطهر من الأنجاس والأقذار وتطيب.
قلت: قوله «ومن تعظيمها تعليق ذلك فيها» هو محل النزاع؛ لأن من حرم ذلك لا يسلمه، والله أعلم.
ومنها: أنه روي عن عثمان تعليق قناديل الذهب بالمسجد النبوي.
قلت: ولعله من اختلاف أعدائه عليه، ولم أره مسطورا في تأليف، ولو كان له أصل لذكره مؤرخو المدينة.
стр. 438
ومنها: أن عمر بن عبد العزيز فعله في بنيانه للوليد ولم ينكر عليه.
قلت: ولم أره في تأليف أيضا.
ومنها: أنه روي أن سليمان بن داود ﵇ بنى مسجد بيت المقدس، وبالغ في زينته وتعليق القناديل فيه، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ.
قلت: لم ينقل تعليق داود ﵇ لقناديل الذهب به، ولو صح ذلك فالناسخ في شرعنا تحريم الآنية، وهذا آنية، وما تقدم عن السبكي في كونه ليس بانية ممنوع.
ومنها: ما رواه الثعلبي في حديث إتيان المساجد يوم القيامة، وفيه «وأئمتها يسوقونها، وعمارها ومزينوها ومحلوها متعلقون بها» الحديث.
قلت: أخذ ذلك من رواية القرطبي عن الثعلبي، كما رأيته في بعض النسخ، وقد راجعت القرطبي أيضا في ذلك فرأيته روى الحديث المذكور من طريق الثعلبي، وليس فيه «ومزينوها ومحلوها» بل لفظه «وعمارها متعلقون بها» .
ومنها: ما رواه سعيد بن ربان- بالموحدة المشددة- قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند قال: حمل تميم يعني الداري من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا وقنديلا أو قنديلين من الذهب، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما يقال له أبو البراد، فقام فبسط المقط وعلق القناديل، وصب فيها الماء والزيت، وجعل فيها الفتل، فلما غربت الشمس أمر البراد فأسرجها، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فإذا هو بها تزهر، فقال: من فعل هذا؟ قالوا: تميم الداري يا رسول الله، فقال: نورت الإسلام، وحليت مسجده، نور الله عليك في الدنيا والآخرة! - الحديث.
قلت: قد أخذ ذلك من تفسير القرطبي، كما رأيته في بعض النسخ، وفي بعضها إسقاط عروة للقرطبي، وقد راجعت تفسير القرطبي فرأيته أورد الحديث المذكور بحروفه، وليس فيه قوله «وقنديلا أو قنديلين من الذهب» ولا قوله «وحليت مسجده» .
ومنها: ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل الشام تلقاه معاوية بعساكر وجنود كثيرة وخيول مسومة وأسلحة مخوصة بالذهب والفضة ولبوس الحرير والديباج وزينة حسنة كزينة فارس والروم، فقال عمر: ما هذا يا معاوية؟ وما هذه الزينة والفخار؟ لقد أتيت أمرا إمرا وارتقيت مرتقى صعبا، فقال: يا أمير المؤمنين هذا غيظ كفارنا، ومقهرة لأعدائنا، وإن فرائصهم لترتعد، وإن قوائمهم لتخور من ذلك، وإنا لنجد بذلك المظهر عليهم والذلة والصغار فيهم، وأشربوا في قلوبهم الرعب حين يرون مساجدنا محلاة بالذهب وسقوفها منقطة بقناديل الذهب- الخبر، وفيه أن عمر سكت عنه.
قلت: الخبر ذكره المؤرخون، ومثله لا تقوم الحجة به، ولم أر فيه الزيادة المتعلقة بتحلية
стр. 439
المساجد، وقد رأيت في بعض النسخ نسبة ذلك للذهبي في تاريخ الإسلام، وأسقط العزو في نسخة أخرى، فليراجع ذلك من تاريخ الإسلام، فإن لم يكن فيه هذه الزيادة فالذي يظهر لي أن بعض المتعصبين ألحق هذه الأشياء في الروايات المتقدمة ليتم بها الاستدلال، فإن المسألة وقع فيها تعصبات، وكأن الجمال الكازروني إنما أراد إفادة أصل وضع القناديل، وذكر ما يشعر بهذا الأمر، فلما رأى ذلك المتعصب أن الاستدلال لا يتم إلا بذلك ألحقه، ولم يشعر أنه لو كان ذلك موجودا لم يكن فيه حجة لعدم اتصال السند الصحيح في ذلك.
ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وأحواله لم يخف عليه أن كل ذلك لم يكن يعجبه في حياته، هذا الذي أعتقده، والله أعلم.
الفصل السادس والعشرون في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة بالحجرة الشريفة والمسجد وسقفهما، وما أعيد من ذلك، وما تجدد من توسعة المسقف القبلي بزيادة الرواقين فيه، وغير ذلك
سبب الحريق وتاريخه
قال المؤرخون: احترق المسجد النبوي ليلة الجمعة أول شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وستمائة في أول الليل، ونقل أبو شامة أن ابتداء حرقه كان من زاويته الغربية من الشمال، وسبب ذلك- كما ذكره أكثرهم- أن أبا بكر بن أوحد الفراش أحد القوّام بالمسجد الشريف دخل إلى حاصل المسجد هناك ومعه نار، فغافل عنها إلى أن علقت في بعض الآلات التي كانت في الحاصل، وأعجزه طفيها، ثم احترق الفراش المذكور والحاصل وجميع ما فيه.
وقد صنف القطب القسطلاني في ذلك وفي النار المتقدم ذكرها في الفصل الثالث من الباب الثاني وهي نار الحجاز التي ظهرت بالمدينة الشريفة في ذلك العام كتابا سماه «عروة التوثيق، في النار والحريق» ذكر فيه بدائع من حكم الله تعالى في حدوث ذلك، وقد كان القطب بمكة حين وقع ذلك، وقد نبه فيه على ما يوافق ما قدمناه عن المؤرخين.
فقال: كتب إلى الصادق في الخبر، وشافهني من شاهد الأثر، أن السبب في حريق المسجد الشريف دخول أحد قومة المسجد في المخزن الذي في الجانب الغربي من آخر باب المسجد لاستخراج قناديل لمنائر المسجد، فاستخرج منها ما احتاج إليه، ثم ترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل وفيه مشاق، فاشتعل فيه، وبادر لأن يطفأه فغلبه وعلق بحصر وبسط وأقفاص وقصب كان في المخزن، ثم تزايد الالتهاب وتضاعف إلى أن علا إلى سقف المسجد، انتهى.
стр. 440
وفي العبر للذهبي أن حرقه كان من مسرجة القوّام.
قال المؤرخون: ثم دبت النار في السقف بسرعة آخذة قبله، وأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة فاجتمع معه غالب أهل المدينة فلم يقدروا على قطعها، وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد الشريف واحترق جميعه حتى لم تبق خشبة واحدة.
قلت: لعل مرادهم لم تبق خشبة كاملة؛ لما قدمناه من مشاهدة بقايا خشب كثير عند إخراج الهدم الذي كان بالحجرة.
قال القطب القسطلاني: وتلف جميع ما احتوى عليه المسجد الشريف من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والشبابيك والمقصير والصناديق وما اشتملت عليه من كتب وكسوة الحجرة وكان عليها إحدى عشرة ستارة.
حكمة الله في الحريق
ثم ذكر القطب حكما لذلك وأسرارا، لكون تلك الزخارف لم ترضه ﷺ ، وككون القلوب لما لاحظت المساجد الثاثة بعين التعظيم ولا يجوز في ذلك أن تنزل فوق قدرها، بل لا بد أن يعتقد أن صفة قهره تعالى وعظمته مستولية على الجميع؛ فهو الواحد القهار، فوقع الحريق في الكعبة وبيت المقدس قديما، ثم وقع بهذا المسجد في هذا الزمان عقب ظهور المعجزة العظيمة في ظهور نار الحجاز التي أخبر بها النبي ﷺ وحماية جيرانه منها لما التجؤوا إليه وانطفائها عند الوصول إلى حرمه كما سبق، وربما خطر ببال العوام أن حبس النار عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة، فاقتضى الحال التبيين بذلك.
ونظم الأقشهري أبياتا مضمونها أن تسليط النار كان على تلك الزخارف المنهي عنها، وأن ما كان حقا فيبقى، وما كان زورا فبالنار يحرق، قال: وأنشدني الحافظ الصالح الشيخ إبراهيم بن محمد الكناني رئيس المؤذنين هو وأبوه قال: وجد بعد الحريق في بعض جدران المسجد بيتان وهما:
لم يحترق حرم النبيّ لريبة ... يخشى عليه وما به من عار
لكنه أيدي الروافض لامست ... تلك الرسوم فطهّرت بالنار
قلت: وأوردهما المجد بلفظ:
لم يحترق حرم النبي لحادث ... يخشى عليه ولا دهاه العار
لكنما أيدي الروافض لامست ... ذاك الجناب فطهرته النار
وأورد بعدهما بيتين آخرين هما:
قل للروافض بالمدينة ما بكم ... لقيادكم للذم كل سفيه
стр. 441
ما أصبح الحرم الشريف محرّقا ... إلا لسبكم الصحابة فيه
قلت: وهذا لأن الاستيلاء على المسجد والمدينة كان في ذلك الزمان للشيعة وكان القاضي والخطيب منهم، حتى ذكر ابن فرحون أن أهل السنة لم يكن أحد منهم يتظاهر بقراءة كتب أهل السنة.
قال المؤرخون: ولم يسلم سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم مثل المصحف الكريم العثماني وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ صنعت- يعني تلك الصناديق- بعد الثلاثمائة، وهي باقية إلى اليوم، يعني في زمانهم، وذلك لكون القبة المذكورة بوسط صحن المسجد وببركة المصحف الشريف العثماني.
وكانت عمارة القبة المذكورة- على ما ذكره ابن فرحون- سنة ست وسبعين وخمسمائة.
قالوا: وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل، وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت، ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبي ﷺ فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة. وعبارة الذهبي وتبعه التقي السبكي: فوقع بعض سقف الحجرة، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، وأصبحوا يوم الجمعة فعزلوا موضعا للصلاة، وكتب بذلك للخليفة المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن المستنصر بالله في شهر رمضان، فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم، وابتدئ بالعمارة أول سنة خمس وخمسين وستمائة.
الشروع في العمارة بعد الحريق
قال المطري: ولما شرعوا في العمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة فلم يجسروا على ذلك، واتفق رأي صاحب المدينة يومئذ- وهو الأمير منيف بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهني الحسيني- ورأى أكابر أهل الحرم الشريف من المجاورين والخدام أن يطالع الإمام المستعصم بذلك ليفعل ما يصل به أمره، فأرسلوا بذلك، وانتظروا الجواب، فلم يصل إليهم جواب لاشتغال الخليفة وأهل دولته بإزعاج التتار لهم، واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة، فتركوا الردم على ما كان عليه، ولم ينزل أحد هناك، ولم يتعرضوا له ولا حركوه.
وعبارة المجد الشيرازي: فتركوا الردم على ما كان عليه، ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام، ولا يتأتى من كل أحد بادئ بدئه الدخول فيه والإقدام.
قلت: وقد كنت في تعجب عظيم من أهل ذلك الزمان في تركهم لذلك، وألفت كتابا سميته «الوفا، بما يجب لحضرة المصطفى» بينت فيه أن الواجب في سلوك الأدب مع هذا
стр. 442
النبي العظيم والقيام بما وجب على الأمة من تعظيمه وتعظيم قبره الشريف هو إزالة ذلك عنه وقمّه من حجرته الشريفة، حتى اتفقت العمارة الآتي بيانها، ولم يكن تأليفي السابق سببا في شيء من ذلك كما سيأتي بيانه، حتى إني لم أطلع عليه متولي العمارة إلا بعد هدمه لشيء من جدار الحجرة، فلما نقبوا الجدار الظاهر شاهدت بين الجدارين في الفضاء الذي خلف الحجرة أمرا مهولا من الهدم الذي خص ذلك الموضع، فإنه كما سيأتي كان فيه نحو القامة، فعلمت أن أهل ذلك الزمان لم يتركوه إلا لعلمهم بأن إزالته لا تتأتى إلا بانتهاك الحرمة، فتوقفوا في ذلك، فجزاهم الله تعالى خيرا، وما كنت أعتقد إلا أنه أمر خفيف يتأتى قمّه مع رعاية الأدب، فوجدته أمرا مهولا معظمه ردم سقف المسجد الأعلى وما بين السقفين من البناء الذي على رؤوس السواري وغير ذلك، ولذلك استخرت الله تعالى في عدم حضور ذلك عند إخراجه، ووقفت بين يدي النبي ﷺ وسألت منه المدد في أن يوفقني الله تعالى لما يرضيه في ذلك، فحفظني الله من حضور ذلك.
وقال المطري عقب قوله ولم يتعرضوا له ولا حركوه: إنهم أعادوا سقفا فوقه على رؤوس السواري التي حول الحجرة الشريفة؛ فإن الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول بيت النبي ﷺ بين هذه السواري التي حول بيت النبي ﷺ لم يبلغ به السقف.
قلت: تبع المطري على ذلك من جاء بعده، فتوافقوا على أنهم لم يجعلوا للحجرة بعد الحريق سقفا؛ لأن السقف الذي على رؤوس السواري هو سقف المسجد، فاقتضى ذلك أنهم جعلوا سقف المسجد سقف الحجرة، وذكروا أنهم أداروا الشباك على رأس جدار عمر بن عبد العزيز حتى بلغوا به سقف المسجد؛ وأول شيء ابتدأوا به من سقف المسجد ما حاذى الحجرة الشريفة منه، وفيه مخالفة لما شاهدناه في العمارة الآتي بيانها، فإنهم وجدوا عليها سقفا مربعا على جدارها الداخل، ويتصل بالخارج من المشرق والمغرب، وهو دوين رأس الجدار الخارج بنحو شبر، ثم تبين عند كشفه آثار السقف المنهدم وأن أخشابه كانت في الجدار الداخل، ولم يعيدوا هذا السقف المجدد موضع الأول؛ لأنه لا يتأتى إلا بهدم سترته وإصلاح أماكن لرؤوس الخشب، فتركوا ذلك تأدبا واحتراما، ووضعوا ذلك السقف على أعلى سترة الجدار، وبنوا فوقه سترة لطيفة، وجعلوا على ذلك السقف ستارة من المحابس اليمنية المبطنة بقماش أزرق مربوطة بمقط في الشباك الذي بأعلى الحائز الظاهر، وليس ذلك السقف مطينا، وهو سقف محكم من ألواح ثخينة جدا من الساج الهندي، وسمروا بعضها إلى بعض على قوائم من خشب، وجعلوه أربع قطع كل قطعة كالباب العظيم، وجعلوا عند ملتقى كل قطعتين من تلك القطع مقصاة من حديد، وكلّبوا بعضها إلى بعض تكليبا محكما، وجعلوا تحت ثلاث جزم من الساج الهندي تحمله، وأوصلوا أطراف تلك الألواح بالجدار
стр. 443
الظاهر كما تقدم، ولم يجعلوا في تلك الألواح دهانا ولا نقوشا ولا كتابة، غير أن النجار الذي صنع السقف المذكور كتب اسمه على طرفه نقرا، وكذلك سقف المسجد المحاذي للحجرة الشريفة مما يلي هذا السقف جميعه من الساج النقي ليس عليه دهان ولا نقوش وفي وسطه طابق عليه قفل فوقه أنطاع ومشمع، ولم يزل موجودا إلى أن عملت القبة الثانية بعد الحريق الثاني، وجعلوا على جدار الحجرة الداخل من جهة الشام ألواحا من رأس الجدار إلى سقف المسجد.
والعجب أنهم عند رفع هذا السقف وجدوا جزمتين من الأخشاب التي تحته قد تاكلتا ولم يبق إلا جزمة واحدة، ومع ذلك كانت كافية في حمله، فجزى الله تعالى أهل ذلك الزمان خيرا، والظاهر أن ذلك فعل عند إعادة سقف المسجد الذي ذكره المطري.
ولنرجع إلى ما ذكره عقب ما تقدم عنه، قال: وسقفوا في هذه السنة- وهي سنة خمس وخمسين- الحجرة الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل ﵇ المعروف قديما بباب عثمان، ومن جهة المغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر الشريف.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فكان في المحرم منها واقعة بغداد واستيلاء التتاء عليها وقتلهم الخليفة المذكور مع أهلها.
قلت: وهي من أعظم الوقائع، وقد ذكرتها في كتابي «الوفا» وأشرت إليها في الفصل الثالث من الباب الثاني عند ذكر نار الحجاز، وذكرت ما أفاده الذهبي من استيلاء الحريق على بغداد أيضا حتى تربة الخلفاء، وكانوا في العام قبله قد أشرفوا على الغرق، فسبحان الملك العظيم.
قال المطري عقب ما تقدم: فوصلت الآلات من مصر، وكان المتولي عليها حينئذ الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين أيبك الصالحي، ووصل أيضا آلات وأخشاب من صاحب اليمن يومئذ وهو الملك المظفر شمس الدين يوسف بن منصور عمر ابن علي بن رسول، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان، ثم عزل صاحب مصر المذكور- يعني في آخر سنة سبع وخمسين في ذي القعدة منها- وتولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي، واسمه الحقيقي محمود بن ممدود، وأمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وأبوه ابن عمه أسر عند غلبة التتار، فبيع بدمشق، ثم انتقل بالبيع إلى مصر، وتملك في سنة ثمان وخمسين.
قلت: إنما ولي في يوم السبت ثامن عشر ذي القعدة من سنة سبع، وفي شهر رمضان من سنة ثمان كانت وقعت عين جالوت التي أعز الله فيها الإسلام وأهله على يديه، ولم
стр. 444
يستكمل في ملكه السنة بكمالها، بل قتل بعد الوقعة بشهر وهو داخل إلى مصر، فكان العمل بالمسجد الشريف تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة، ومن باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة ابنة أبي العباس السفاح، وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، ويعرف بالبند قداري، فعمل في أيامه باقي سقف المسجد الشريف من باب الرحمة إلى شمالي المسجد، ثم إلى باب النساء، وكمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف.
قلت: وذكر المؤرخون أن الظاهر ركن الدين المذكور لما ولي حصل منه الاهتمام بذلك؛ فجهز الأخشاب والحديد والرصاص، ومن الصناع ثلاثة وخمسين صانعا وما يمونهم، وأنفق عليهم قبل سفرهم، وأرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي وغيره، ثم صار يمدهم بما يحتاجون إليه من الآلات والنفقات، ثم لم يزل المسجد على ذلك حتى جددوا السقف الشرقي والسقف الغربي- أي الذي عن يمين صحن المسجد وشماله- في سنتي خمس وست وسبعمائة في أوائل دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، فجعلا سقفا واحدا نسبة السقف الشمالي أي سقف الدكاك فإنه جعل في عمارة الملك الظاهر كذلك.
ثم في سنة تسع وعشرين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد المذكور بزيادة رواقين في المسقف القبلي متصلين بمؤخره، فاتسع مسقفه بهما وعم نفعهما.
قلت: ثم حصل فيهما خلل فجددهما الملك الأشرف برسباي في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة على يد مقبل القديدي من مال جوالي قبرص، على ما أخبرني به بعض مشايخ الحرم، ورأيته مكتوبا كذلك باللوح التي كانت بظاهر العقود من المسقف القبلي مما يلي رحبة المسجد، وهو سقف واحد في موازاة سقف المسجد الأسفل، ولذلك صار سقف مقدم المسجد القديم مرتفعا من أعلاه على هذين الرواقين وغيرهما من بقية المسجد، وله باب يدخل إليه من بين السقفين شارع في مبدأ الرواقين المذكورين مما يلي المشرق، وجدد الأشرف المذكور أيضا شيئا من السقف الشامي مما يلي المنارة السنجارية، ثم حصل خلل في سقف الروضة الشريفة وغيرها من سقف المسجد في دولة الظاهر جقمق فجدد ذلك في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وما قبلها على يد الأمير بردبك الناصر المعمار وغيره.
ثم في دولة مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أدام الله تعالى تأييده ونصره أنهى إليه احتياج سقوف المسجد الشريف للعمارة فبرز أمره الشريف بذلك كما ستأتي الإشارة إليه للجناب الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن أعزه الله بعز طاعته، فحضر لذلك في أثناء سنة تسع وسبعين صحبة أمير جدة ورتب أمر العمارة وسافر صحبته أيضا، فهدموا
стр. 445
عقود المسجد التي تلي رحبته من جهة المشرق وسقف الرواق الذي كان عليها؛ لاقتضاء نظرهم ذلك، ونقضوا بعض أساطينه فوجد بعضها لا رصاص فيه، وبعضها فيه رصاص، ثم أعادوا ذلك في سنتهم، وهدموا أيضا جانبا من سور المسجد الشريف مما يلي المشرق من جهة المنارة الشرقية المعروفة بالسنجارية من باب سلّمها، وهو الباب الثاني جوف بابها الظاهر، إلى ما يوازي حرف الدكاك من القبلة، وذلك آخر المسقف الشامي، ومقدار ذلك سبعة وعشرون ذراعا بذراع اليد المتقدم وصفه، هدموا ذلك من أعلاه إلى أسفله، وبلغوا به دك الأس القديم، وظهر في أصل جدار المنارة المذكورة انشقاق وكانت تضطرب عند الهدم بحيث خشي سقوطها، فسكبوا في ذلك الشق كثيرا من الجص المذاب حتى امتلأ، وكان ما هدموه من سور المسجد وعقوده مبنيا بالجص السكب، فذكر مهندس العمارة أن الجدار إنما اختل لأن السباخ له تأثير في إذابة الجص، واقتضى رأيه أن يؤسسه بالطين والنورة المخلوطة بناعم الحصباء، ففعلوا ذلك في الجدار المذكور كله وفي العقود المذكورة أيضا، وكحلوا أطراف وجوه الأحجار بالجص من داخل المسجد وخارجه، ورفعوا السقف الكائن أمام المنارة المذكورة إلى جنب ما هدموه من الجدار المذكور، وأعادوا ذلك من سنتهم أيضا. ثم اتفقت أمور اقتضت تأخير العمارة، فتعطلت في سنة ثمانين. ثم ورد الخواجا الشمسي ابن الزمن إلى المدينة الشريفة صحبة أمير جدة في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وأقام لمباشرة العمارة بنفسه، فرفعوا سقف الروضة الأعلى وما اتصل به مما حول القبة الزرقاء الآتي ذكر عملها بأعلى الحجرة الشريفة في سقف المسجد الأعلى، ورفعوا أيضا شيئا مما يلي ذلك من جهة ما يوازي غربي المنبر الشريف لتكسر كثير من أخشابه، وكان ذلك السقف مع بقية سقف مقدم المسجد على عبّارات من خشب موضوعة على أبنية فوق رؤوس السواري بعرض تلك السواري، كما أن السقف الأسفل المشاهد مما يلي المسجد موضوع على عبارات كذلك فوق رؤوس السواري، فاقتضى رأي متولى العمارة إبدال تلك الأخشاب بعقود من آجر كهيئة القناطر التي حول رحبة المسجد، ورأى أن ذلك أبقى وأحكم من الأخشاب، مع أن عبارات السقف الأسفل كما قدمناه على رؤوس السواري بأصل تلك العقود، ولكنه رأى الإحكام في ذلك، ففعله في القطعة التي رفعها من السقف المذكور فقط، ووضع أخشاب ذلك السقف على تلك القناطر، فارتفع بسببه ذلك المكان من السقف الأعلى على بقية ما حوله منه، وصار الماشي بين السقفين في تلك الجهة يمشي منتصبا أو منحنيا قليلا، وكان لا يتأتى قبل ذلك المشي هناك إلا مع انحناء كثير، وتلك القناطر موضوعة على ما يحاذي صف الأساطين التي هي قبلة الروضة والمصلى الشريف من أولها ومن جهة المشرق إلى الأسطوانة التي تلي المنبر من جهة المغرب وعلى ما يحاذي الصف الثاني وهو صف أسطوان عائشة
стр. 446
رضي الله عنها في موازاة الصف المتقدم ذكره من المشرق إلى المغرب، وعلى ما يوازي الصف الثالث وهو صف أسطوان المحرس من المشرق إلى المغرب أيضا، وأما ما يوازي صف أسطوان الوفود فقد كان عليه بناء حائط حاجز لما بين السقف الأسفل والأعلى فيه باب يدخل منه إلى ما بين السقفين، فهدموا ذلك الحائط، وأحكموا بناءه، وجعلوا أطراف الخشب عليه أيضا، فهذه الثلاثة الأروقة هي التي ارتفع سقفها الأعلى على ما حوله من الأساطين اللاصقة بالمقصورة إلى الأساطين التي تلي المنبر وصار سقف الرواقين اللذين بين الروضة والجدار القبلي مع سقف ما يحاذي الحجرة الشريفة إلى الجدار الشرقي وسقف ما كان غربي المنبر من مقدم المسجد كله منخفض عن ذلك.
ووجدوا أخشابا كثيرة متفرقة نحو الأربعين من السقف الأعلى أيضا قد تكسرت، فزرقوا بدلها، ووضعوا إلى جانب بعضها أخشابا مزرقة، وسمروها من غير كشف للسقف، وقلعوا السقف الأسفل الذي بالرواق الشرقي مما يلي الأرجل الشريفة، وجانبا من سقف رواق باب جبريل إلى باب النساء، وسقف الرواق الأوسط الذي يلي الرواق الذي سبقت عمارتهم إياه في العام الماضي، وأعادوا ذلك، وقلعوا السقف الأسفل المحاذي لموقف الزائرين تجاه الوجه الشريف وكان من أقدم السقف، ومع ذلك تعبوا في قلعه أكثر من غيره لإتقانه وإحكامه فإنه من عمل الأقدمين، وأظنهم وجدوا اسم الظاهر بيبرس عليه، ثم أعادوه وأصلحوا شيئا في المسقف الشامي وغيره، وجددوا أيضا دهان بعض السقف التي حول الحجرة داخل المقصورة التي تعرف اليوم بالحجرة من غير قلع لتلك السقف. ثم احترق ذلك كله في جملة حريق المسجد الثاني الآتي ذكره في الفصل التاسع والعشرين، وجعلوا سقف المسجد عند إعادته سقفا واحدا جميعه كما سيأتي.
الفصل السابع والعشرون في اتخاذ القبة الزرقاء التي جعلت على ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة بأعلى سقف المسجد، تمييزا لها، وإبدالها بالقبة الخضراء والمقصورة الدائرة بالحجرة الشريفة
القبة الزرقاء
أما القبة المذكورة فاعلم أنه لم يكن قبل حريق المسجد الشريف الأول وما بعده على الحجرة الشريفة قبة، بل كان حول ما يوازي حجرة النبي ﷺ في سطح المسجد حظير مقدار نصف قامة مبنيا بالآجر تمييزا للحجرة الشريفة عن بقية سطح المسجد، كما ذكره ابن النجار وغيره، واتمر ذلك إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة في أيام الملك المنصور قلاوون الصالحى، فعملت تلك القبة، وهي مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها بأخشاب أقيمت على رؤوس
стр. 447
السواري، وسمر عليها ألواح من خشب، ومن فوقها ألواح الرصاص، وفيها طاقة إذا أبصر الشخص منها رأى سقف المسجد الأسفل الذي فيه الطابق، وعليه المشمع المتقدم ذكره، وحول هذه القبة على سقف المسجد ألواح رصاص مفروشة فيما قرب منها، ويحيط به وبالقبة درابزين من الخشب جعل مكان الحظير الآجر، وتحته أيضا بين السقفين شباك خشب يحكيه محيط بالسقف الذي فيه الطابق، وعليه المشمع المتقدم ذكره، ولم أر في كلام مؤرخي المدينة تعرض لمن تولى عمل هذه القبة.
ورأيت في «الطالع السعيد الجامع أسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد» في ترجمة الكمال أحمد بن البرهان عبد القوي الربعي ناظر قوص أنه بنى على الضريح النبوي هذه القبة المذكورة، قال: وقصد خيرا وتحصيل ثواب، وقال بعضهم: أساء الأدب بعلو النجارين ودق الحطب، قال: وفي تلك السنة وقع بينه وبين بعض الولاة كلام، فوصل مرسوم بضرب الكمال، فضرب، فكان من يقول إنه أساء الأدب [يقول:] إن هذا مجازاة له، وصادره الأمير علم الدين الشجاعي، وخرب داره، وأخذ رخامها وخزائنها، ويقال: إنهم بالمدرسة المنصورية اه.
ويؤيد ما نقله عن بعضهم ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ «خرج فرأى قبة مشرفة، فقال: ما هذه؟ قال له أصحابه: هذه لفلان، رجل من الأنصار، قال: فسكت وحملها في نفسه، حتى إذا جاء صاحبها رسول الله ﷺ سلم عليه في الناس فأعرض عنه، صنع ذلك مرارا، حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه، فقال: والله إني لأنكر رسول الله ﷺ ، قالوا: خرج فرأى قبتك، قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوّاها بالأرض، فخرج رسول الله ﷺ ذات يوم، فلم يرها، قال: ما فعلت القبة؟ قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، فقال: أما إنّ كلّ بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا» أي: إلا ما لا بد منه.
وجد جدّدت هذه القبة في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، فاختلت الألواح الرصاص عن وضعها، فخشوا من كثرة الأمطار، فجددت وأحكمت في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد في سنة خمس وستين وسبعمائة، قاله الزين المراغي.
وقد ظهر في بعض أخشابها خلل في سنة إحدى وثمانين وثمانمائة فعضّدها متولي العمارة الشمس بن الزمن بأخشاب سمرت معها، وقلع ما حولها من ألواح الرصاص التي على أعلى السطح بينها وبين الدرابزين المتقدم ذكره، فوجدوا تحت ذلك أخشابا قد تأكلت من طول الزمان ونداوة مياه الأمطار فأصلحوا ذلك وأعادوه بعد أن أضافوا إليه كثيرا من الرصاص من حاصل المسجد ومما أحضر من مصر، وجددوا الدرابزين المحيط بها أيضا،
стр. 448
وقد كانت مياه الأمطار تتسرّب من بين تلك الألواح وتصل إلى سقف الحجرة الشريفة، فإن آثار المياه قد وجدت هناك، وأثّرت في الشباك الذي بأعلى حائز عمر بن عبد العزيز بحيث تأكل بعضه، فأصلحه متولي العمارة أيضا، وأثّرت الأمطار أيضا في الستارة التي على سقف الحجرة الشريفة بحيث تأكل بعضها، ثم احترق ذلك كله في حريق المسجد الثاني، فاقتضى رأيهم تأسيس القبة البيضاء الموجودة اليوم على دعائم بأرض المسجد وعقود من الآجر، وجعلوا تلك الدعائم في موازاة الأساطين التي كان بينها درابزين المقصورة الآتي وصفها، وزادوا من جهة الشام دعائم بعضها عند المثلث الذي بالحجرة الشريفة من بناء عمر بن عبد العزيز، وزادوا هناك أسطوانا، وعند التأسيس لذلك وجدوا عند صفحة المثلث الشرقية قبرا بدا لحده وبعض عظامه، وإن صح القول بدفن فاطمة ﵂ في بيتها كما ستأتي الإشارة إليه فهو قبرها، وأبدلوا بعض الأساطين بدعائم، وأضافوا إلى بعضها أسطوانة أخرى، وقرنوا بينهما ليتأتى لهم العقد عليها، وحصل فيما بين جدار المسجد الشرقي وبين تلك الدعائم ضيق لاتحاد بعض تلك الدعائم هناك، فخرجوا بجدار المسجد الشرقي في البلاط الذي يلي الجدار المذكور نحو ذراع ونصف، فإنهم هدموا ذلك الجدار، وأعادوه إلى باب جبريل ﵇، ولم ينقلوا باب جبريل عن محله.
ثم إن القبة المذكورة تشققت من أعاليها ولم ينفع الترميم فيها، ففوّض السلطان للشجاعي شاهين الجمالي النظر في أمرها وأمر المنارة الرئيسية أيضا عند توليته شيخ الحرم الشريف، فاقتضى رأيه بعد مراجعة أهل الخبرة هدم أعالي المنارة المذكورة واختصار قليل منها، فاتخذ أخشابا في طاقاتها وجعل عليها سقفا يمنع ما يسقط عند الهدم للحجرة الشريفة، ثم هدم أعاليها وأعاد بناءها أحكم من البناء الأول، بحيث حمل لها الجبس الأبيض من مصر وجعله في بنائها، فجاءت محسنة محكمة، وأزيل ذلك السقف عند تمامها، وذلك في عام اثنتين وتسعين وثمانمائة.
المقصورة الدائرة على الحجرة
وأما المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة بين الأساطين حول جدار الحجرة الظاهر وحول بيت فاطمة ﵂ فقد أحدثها السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وذلك أنه لما حج سنة سبع وستين وستمائة أراد أن يجعل على الحجرة الشريفة درابزينا من خشب- وهو المقصورة المذكورة- فقاس ما حول الحجرة الشريفة بيده وقدره بحبال وحملها معه، وعمل الدرابزين، وأرسله في سنة ثمان وستين، وأداره عليها، وعمل له ثلاثة أبواب قبليا وشرقيا وغربيا، ونصبه بين الأساطين التي تلي الحجرة إلا من ناحية الشام فإنه زاد فيه إلى متهجّد النبي ﷺ .
стр. 449
ثم زيد لهذه المقصورة باب رابع أحدث عند زيادة الرواقين المتقدم ذكرهما في سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وهو من جهة الشمال في رحبة المسجد، وكان عليه قبل الحريق الأول سقف مرتفع يحيط به رفرف، ثم أحدث هذا الباب، وأمامه من جهة رحبة المسجد سقف لطيف أيضا نحو ستة أذرع دوين السقف المتقدم وجعل له رفرف أيضا يمنع الشمس، وبسط تحته الرخام الملون شبه الرخام الذي تقدم ذكره حول حائز عمر بن عبد العزيز بالأرض داخل هذه المقصورة، وذلك في دولة الظاهر جقمق سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
قال الزين المراغي: واعلم أن الذي عمله الملك الظاهر- أي ركن الدين- من الدرابزين نحو القامتين، فلما كان في سنة أربع وتسعين وستمائة زاد عليه الملك العادل زين الدين كتبغا شباكا دائرا عليه، ورفعه حتى وصله سقف المسجد، انتهى.
وقد جدد متولي العمارة المتقدم ذكره بعض هذه المقصورة أيضا مما يلي الروضة الشريفة في العمارة الأولى، ثم احترقت في الحريق الثاني، فجعلوا بدلها شبابيك من النحاس في جهة القبلة، وعلى أعلاها شبكة من شريط النحاس كالزرد، بين أخشاب متصلة بالعقود المحيطة بالحجرة الشريفة، وجعلوا لبقيتها من جهة الشام وما اتصل بها من المشرق والمغرب مشبكا من الحديد المشاجر، وبأعلاه شريط النحاس أيضا، وأحدثوا مشبكا من الحديد المشاجر أيضا لم يكن قبل ذلك، جعلوه فاصلا بين الرحبة التي خلف مثلث الحجرة الشريفة وبينها، وبها بعض المثلث المذكور، وبه بابان أحدهما عن يمين المثلث، والآخر عن يساره، وصار هذا المشبك متوسطا بين مشبك الحجرة الشامي وما يقابله. وقد صارت هذه المقصورة تعرف بالحجرة الشريفة، وأبوابها بأبواب الحجرة، وما يعلق بسقفها بقناديل الحجرة كما تقدم في عبارة السبكي.
وفي كلام البدر ابن فرحون ما يقتضي أنه كان ثمّ مقصورة متصلة بهذه المقصورة من جهة المغرب، ثم أزيلت، ولفظه: وقد تساهل من كان قبلنا فزادوا على الحجرة الشريفة مقصورة كبيرة عملت وقاية من الشمس إذا غربت، وكانت بدعة وضلالة تصلي فيها الشيعة؛ لأنها قطعت الصفوف، واتّسمت بمن ذكر من الصنوف، وندم على ذلك واضعها، ولقد كنت أسمع بعضهم يقف على بابها ويؤذن بأعلى صوته «حي على خير العمل» وكانت مواطن تدريسهم، وخلوة علمائهم حتى قيّض الله لها من سعى فيها فأصبحت ليلة منخلعة أبوابها، مقوسة أخشابها، متصلة صفوفها، وأدخل بعضها في الحجرة الشريفة- يعني ما اشتمل عليه الدرابزين المذكور- وجعل فيها الباب الشامي، وكان ذلك مع زيادة الرواقين اللذين زادهما الملك الناصر، انتهى.
وذكر لي بعض مشايخ المدينة نقلا عمن أدركه من المشايخ أن هذه المقصورة كانت في
стр. 450
شامي أسطوان الوفود إلى جهة باب الحجرة الشامي، والشيعة اليوم يصلون في ذلك الموضع، ومقتضى ما قدمناه عن ابن النجار في بيت فاطمة ﵂ حيث قال:
وبيتها اليوم حوله مقصورة، وفيه محراب، وهو خلف حجرة النبي ﷺ وجود مقصورة هناك قبل حريق المسجد، فلعل ذلك مستند الظاهر ركن الدين في إحداث ذلك.
وقد ذكر المطري ما صنعه الظاهر من هذه المقصورة، ثم قال: وظن الملك الظاهر أن ما فعله تعظيما للحجرة الشريفة، فحجر طائفة من الروضة المقدسة مما يلي بيت النبي ﷺ ، ومنع الصلاة فيها، مع ما ثبت من فضلها وفضل الصلاة فيها، فلو عكس ما حجره وجعله خلف بيت النبي ﷺ من الناحية الشرقية وألصق الدرابزين بالحجرة مما يلي الروضة لكان أخفّ؛ إذ الناحية الشرقية ليست من الروضة ولا من المسجد المشار إليه، بل مما زيد في المسجد أيام الوليد، قال: ولم يبلغني أن أحدا من أهل العلم والصلاح ممن حضر ولا ممن رآه بعد تحجيره أنكر ذلك، أو تفطن له وألقى له بالا، وهذا من أهم ما ينظر فيه.
قال الزين المراغي عقبه: ينبغي أن يعلم أن للظاهر سلفا في ذلك، وهو ما حجره عمر بن عبد العزيز على الحجرة الشريفة من جهة الروضة أيضا، لكنه قليل، انتهى.
قلت: وهذا بناء على ما تقرر عنده من أن جدار الحجرة الذي داخل الحائز هو نهاية المسجد في زمنه ﷺ ، وقد قدمنا في حدود المسجد ما يرد ذلك، ولو سلّم أن ذلك نهاية المسجد وأن عمر بن عبد العزيز اتخذ الجدار المذكور فيه فذلك لمصلحة حفظ القبر الشريف، ولجعل بنائه على هيئة لا يتأتى معها استقبال القبر الشريف كما قدمناه، وهذه المقصورة بضد ذلك، والله أعلم.
وقال البدر بن فرحون في ترجمة ولي الله سيدي الشيخ علي الواسطي ما لفظه: حكى لي جمال الدين- يعني المطري- أن الشيخ بعث إلى الملك الناصر يقول له: أنا أضمن لك على الله تعالى قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة، وهي إزالة هذا الشباك الذي على الحجرة الشريفة، يعني هذه المقصورة، فبلغه ذلك، فتوقف ولم يفعل.
قال البدر بن فرحون: وليته فعل؛ فإن الشباك الذي يدور على الحجرة قطع جانبا من المسجد، وحجر كثيرا من الروضة، وفي كل زمان يجدد ويعمر بما يتقوى به ويتأيد، وأدخل فيه قطعة كبيرة لما أزيلت المقصورة، يعني المتقدم ذكر إزالتها.
وقال المجد الشيرازي، عقب ذكره لما تقدم عن المطري: والذي ذكره موجّه، غير أن أحد الأبواب مفتوح دائما لمن قصد الدخول والزيارة، فيمكن من أراد الصلاة الدخول والوقوف مع الصف الأول في الروضة، ولا يخفى أن في تقريب الدرابزين من الحجرة إخراجا للبناء عن وضعه اللائق، وأيضا فيه تضييق عظيم على الزائرين، لا سيما عند زحام
стр. 451
المواسم؛ فإنه مع هذا الاتساع ينخنق المكان بالخلق، فكيف لو ضيق بحيث يتصل الدرابزين بجدار الحجرة؟ لا يقال: إنه كان يتسع من جهة المشرق للزائرين؛ لأن الناس إنما يقصدون هذه الجهة لكون الرأس الشريف هناك، وليكون الابتداء بالتسليم على النبي ﷺ دون أن يتخطوا الشيخين ﵄، فتأمل ذلك فإنه صحيح. قال: وهذه الكيفية لا مزيد عليها في الحسن، ولم يتعطل شيء من الروضة بسبب ذلك، بل بسبب كسل المصلين، وقد رأيت جماعة من الخدام يصلون داخل الدرابزين أيام الجمعة، انتهى.
قلت: وما ذكره صحيح بالنسبة إلى زمنه؛ فإن الباب المذكور كان مفتوحا في سائر الأوقات. وقد نبه على ذلك ابن جماعة في منسكه، محاولا غلقه في المواسم فقط، فقال: إن هذا الدرابزين حجر طائفة من الروضة الشريفة مما يلي بيت النبي ﷺ ، وصار ما بين الحجرة والدرابزين مأوى للنساء بأولادهن الصغار في أيام المواسم، وربما قذر الصغار فيه، وقد تحدثت مع الملك الناصر ﵀ لما حج وزار سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة في غلق الدرابزين أيام الموسم، فسكت لما ذكرته، ولم يجبني بشيء، وهذا من أهم ما ينظر فيه، انتهى. فحدث بعد ذلك غلق الأبواب كلها دائما، ولا يفتح منها شيء إلا في وقت إسراج القناديل ونحوه، ولا يدخل لذلك إلا بعض الخدام والفراشين أو بعض من له وجاهة بإذن شيخ الخدام، فيدخل للزيارة ليلا، وتحقق بسبب ذلك تعطيل تلك البقعة، وحرم الناس التبرك بأسطوان السرير؛ فإن محله في شرقي أسطوانه كما تقدم، وكذلك الوقوف للزيارة في موقف السلف بينها وبين الحجرة الشريفة أو على نحو أربع أذرع من جدار القبر على ما يأتي بيانه، وكذلك التبرك بمربّعة القبر ومقام جبريل كما قدمناه، وبيت فاطمة ﵂، فإن ذلك كله في جوف المقصورة، بل كانت هذه المقصورة سببا لما هو أعظم من ذلك وأطم، وهو ابتناء دعائم القبة المتقدم ذكرها بأرضها، فإنها صارت عند العوام بل وعند من لا إحاطة له بأحوال المسجد أنها ليست من المسجد، بل من الحجرة، فعاملوها معاملة غير المسجد، ولما وقعت المفاوضة في عملها صرّحت بتحريم ذلك، فأشار بعضهم بعمل القبة المذكورة على رؤوس الأساطين من غير بناء، ثم رجعوا عن ذلك وأنا غائب بمصر.
وسبب غلق الأبواب المذكورة أن النجم بن حجي قاضي الشام لما حج في الموسم الشامي رأى ازدحام الناس بذلك المحل وما أشار إليه ابن جماعة فيما تقدم عنه، فأفتى بغلقها،
وخالفه الولي العراقي عند قدومه مع الحاج المصري فأفتى بفتحها. وأخبرني بعض مشايخ الحرم أن ذلك كان في سنة اثنين وعشرين وثمانمائة وأن الحال استمر على ما أفتى به الولي العراقي، فلما ولي النجم بن حجي ديوان الإنشاء تسبب في بروز المراسيم السلطانية
стр. 452
بالأمر بالغلق سنة ثمان وعشرين، واستمر ذلك إلى اليوم، كذا أخبرني به بعض مشايخ الحرم. ورأيت حاشية على كلام المجد بخط الحافظ جمال الدين بن الخياط اليمني، ولفظها: ومما أحدث في دولة الملك الأشرف برسباي صاحب مصر والشام بعد الثلاثين وثمانمائة سمرت أبواب الدرابزين المذكور، وصار الناس يزورون من وراء الدرابزين من غير دخول أحد إلى الحجرة الشريفة، قصدوا بذلك زيادة الحرمة، وتنزيه المشهد الشريف عن كثرة اللامسين بالأيدي وغيره؛ فإن كثيرا من جهال العرب وغيرهم يلصقون ظهورهم بصندوق القبر الشريف وجداره، قاصدين بذلك التبرك، والخير كله في استعمال الأدب، انتهى.
قلت: والصواب المتعين وجوب فتح بعض تلك الأبواب، خصوصا في غير أيام الموسم، وليس الطريق في إزالة المفسدة المذكورة غلق تلك الأبواب وتعطيل تلك البقعة، بل وقوف الخدام عند ذلك المحل، ومنع من يتعاطى فيه ما لا يليق بالأدب، على أن ذلك لم يحسم المادة؛ لأن تلك الأمور- أعني لمس الجهال ووضعهم الظهور- يفعل اليوم بهذا الدرابزين، ولا شك أن الجدار الذي كان يفعل به ذلك ليس هو نفس القبر، بل ولا جدار الحجرة كما قدمناه، بل جدار آخر دائر به، كما أن هذه المقصورة دائرة به، فإن كان ذلك يقتضي تعطيل ذلك المحل، فليعطل من أجله المسجد بأجمعه، وتعطيل المسجد أو شيء منه حرام فلا يرتكب لدفع مكروه مع إمكان دفعه بغيره، وما يقال من أنه ربما وجد في بعض المواسم هناك قذر؛ فقد كان شيخنا شيخ الإسلام فقيه العصر شرف الدين المناوي يقول في جوابه: لا شك أن ذلك المحل من المسجد، فإن كان وجود القذر فيه مقتضيا لتعطيله وصيانته بالغلق فليغلق المسجد بأجمعه، فإن حكم الكل واحد من حيث وجوب صونه واختصاص ما تقرب من المحل الشريف بمزيد التعظيم حاصل بالجدار الكائن عليه، وطريق التعظيم المنع من ذلك كما قدمناه، على أن لمس جدار القبر وتقبيله ليس مما أجمع على كراهته كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في باب الزيارة.
ولما قدم مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره المدينة الشريفة للزيارة سنة أربع وثمانين وثمانمائة واجتمعت به بالروضة الشريفة أردت أن أتكلم معه في فتح بعض تلك الأبواب في غير أيام الموسم، فرأيته قد تعاظم دخول هذه المقصورة لما عرض عليه ذلك. وقال: لو أمكنني الوقوف للزيارة في أبعد من هذا الموضع فعلت، ورأى أن ذلك هو التعظيم، فعلمت أنه لا يوافق على ما أريده، والله أعلم.
стр. 453
الفصل الثامن والعشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، ومشاهدة وضعه المنيف، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
اعلم أن بعض سقف المسجد التي تقدم تجديدها كان قد ظهر تكسّر بعض أخشابه في هذه الدولة الأشرفية- أعز الله أنصارها، وأعلى في سلوك العدل منارها- فورد المدينة المقر الأشرف السيفي شاهين الجمالي منصرفه من جدة المعمورة، فأروه ذلك، وأروه الحائز المخمس الدائر على الحجرة الشريفة لانشقاق فيه قديم يظهر إذا رفعت الكسوة عند منتهى الصفحة الشرقية وانعطافها إلى الزاوية الشمالية، فرفعوا عنه الكسوة، وأحضروا بعض أرباب الخبرة بسبب ذلك، فاختلف النقل عمن حضر ذلك في كونه ضروريا أو غير ضروري، فاجتمعت بالمشار إليه بسبب ذلك، فذكر لي أن الذي تحرر أنه ليس بضروري؛ لأنه شق في طول الحائط لا في عرضه، وهو قديم مملوء بالجص، والحائط ليس عليه سقف يثقله فنخشى عليه، فأعجبني كلامه.
ثم أنهى في سنة ثمان وسبعين لمولانا السلطان الأشرف احتياج المسجد الشريف للعمارة، وسقوط منارة مسجد قباء، وكان الجناب الخواجكي الشمسي بن الزمن مغرما بمثل ذلك، وسبق له بالمدينة الشريفة عمارة لمدرسته المعروفة بالزمنية على يد بعض جماعته، ففوض إليه السلطان أمر عمارة المسجد النبوي، فكان ما تقدم من مجيئه إلى المدينة الشريفة في أثناء سنة تسع وسبعين، وتقريره أمر العمارة، ثم توجه إلى مصر المحروسة، فكان من أمر العمارة ما قدمناه.
ثم رغب في أمر العمارة المقر الشرقي شرف الدين الأنصاري تغمده الله برحمته ففوض له ذلك، وحضر صحبة الحاج إلى مكة المشرفة، وأقام بها مدة حتى يتكامل حصول آلات العمارة، فتوفى بها ليلة سابع عشر صفر عام أحد وثمانين وثمانمائة بعد شكوى خفيفة.
ثم وردت المراسيم الشريفة بتفويض أمر العمارة للجناب الشمسي بن الزمن وكان بجدة المعمورة فورد المدينة الشريفة صحبة شاد جدة في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين، وأحضر معه جماعة من أرباب الصنائع، وأقام لينظر في أمر العمارة بنفسه، فكان ما تقدم من إصلاح السقف الأعلى وعمارة غيره من السّقف المتقدم ذكرها، وإحكام القبة الزرقاء المحاذية للحجرة الشريفة بسقف المسجد، وإصلاح حلية الصندوق الكائن بأصل الأسطوان التي في جهة الرأس الشريف والقائم المجدد فوقه.
стр. 454
ولما نزعوا القائم العتيق وما تحته من الصندوق وجدوا ما تحت ذلك من أحجار الأسطوانة المذكورة متشطبا، وأحجارها قطع مجوفة كالخرز، وكذا كل أساطين المسجد العتيقة، وفي جوفها الرصاص وعمد الحديد، وأهل المدينة يسمون كل قطعة منها خرزة، ويسمونها أيضا فلكة، فاقتضى رأيهم تعميق ما على رأس الأسطوان المذكور من أخشاب السقف، فجعلوا مرمة من الأخشاب حول الأسطوان المذكور ليكسروا الخرز المشقق من ذلك الأسطوان، وهن ست، ثم يعلقون ما صح من الأسطوان إلى أن يدخلوا مكان ذلك بدله، ثم شرعوا في كسر تلك الخرز ونزعها، فتعسر ذلك عليهم، وحصل بسببه دق عنيف، حتى كانت جدران الحجرة تهتز له لاتصالها بالأسطوان المذكور، فحصل بسبب ذلك كلام من الناس، ولكن بعد كسر بعض الخرز وإخراجه، وكانوا يعالجون في إخراج الرصاص أيضا علاجا أعظم من العلاج في الحجر، فعقدوا مجلسا، وطلبني متولي العمارة للحضور فيه، فترددت لأنه بلغني أن بعض الناس أوغر صدره مني وقرر عنده أني حريص على ألاتكون هذه العمارة على يده، وكنت أرى منه محبة وميلا ثم تنكر بعض التنكر، وعلمت أن الرجوع عن إصلاح الأسطوانة المذكورة غير ممكن لكسر بعضها وإخراجه، فعلمت فوات وقت النظر، فأجبت الرسول بذلك، ولم أحضر معهم مع علمي بأن بعض أهل المجلس كان مغري بمخالفة ما أشير به، وإن كان في غاية الوضوح، سامحه الله، ثم افترقوا على إتمام ذلك، فمكثوا أياما يعالجونه حتى تم، وأعادوا مكان تلك الخرزات الست مثلها من خرز أسطوان نقضوه من أساطين مسجد قباء، فكان ذلك بقدر تلك الخرز سواء، وأحكموا إعادتها بالرصاص وعمد الحديد أحسن إحكام.
وقد كنت أستبعد قدرتهم على ذلك، وأتعجب من قيام بقية الأسطوان من أعلاه، مع رفع أسفله، وكونه كالجبل من الحجر والرصاص، ولكن ساعدهم المدد المحمدي في ذلك مع حسن معرفة المعلم المباشر لسبك الرصاص.
ثم كان ما تقدم من إعادة الصندوق المذكور والقائم فوقه إلى محلهما، ونقض الرخام المؤزّر به جدار الحجرة الظاهر وتجديده كما تقدم، وعند قلع رخام الصفحة الآخرة من الزاوية الشمالية إلى الصفحة الشرقية مع ما يليها من صفحة المشرق عند منعطفها ظهر الشق المتقدم ذكره وهو انشقاق قديم سدّ الأقدمون خلله بكسر الآجر وأفرغوا فيه الجص وبيضوه بالقصّة فانشق البياض من رأس وزرة الرخام إلى رأس الجدار المذكور، فأرادوا اختبار ما تحت البياض ليعلموا قدره، فقشروا البياض عنه، وأخرجوا ما في خلله من الجص والآجر، فظهر من خلله بناء الحجرة المربع الذي هو جوف البناء المخمس المذكور فظهر منه ملتقى حائطه الشامي وحائطه الشرقي، وظهر هناك شق أيضا في جدار الحجرة الداخل عند ملتقى
стр. 455
الجدارين المذكورين تدخل اليد فيه، وهو قديم أيضا، وقد سدّه المتقدمون، ثم اتّسع قليلا على دوام الأيام.
فلما كان عشية السبت ثالث عشر شعبان عقدوا مجلسا في جوف المقصورة عند الجدار المذكور، حضره القضاة والمشايخ والخدام وشيخهم الأمير إينال، وطلبوني لذلك المجلس، فترددت في الحضور لما قدمته، ثم توضأت وصليت صلاة الاستخارة وسألت الله أن يلهمني السداد والصواب، وحضرت فوجدت الأمر قد اتفق عليه، وشاهدت ما قدمته من وصف ذلك، ورأيت على ذلك البناء الداخل من الهيبة والأنس ما لا يوصف ولا يدرك إلا بالذوق، وتحرر لي أن سبب انشقاق الجدار الظاهر انشقاق الجدار الداخل وميلانه نحو الجدار الظاهر وكأن الأقدمين لما رأوا انشقاق الجدار الداخل- ولعل رؤيتهم لذلك والله أعلم عقب الحريق عندما أحدثوا السقف المتقدم وصفه على الحجرة الشريفة- أدعموا الجدار الداخل بأخشاب جعلوها بين الجدار الداخل والخارج عند رأسهما في شرقي الحجرة، فمال الجدار الظاهر من أعلاه بحيث صار أعلاه لا يوازي أسفله، وخرج بسبب ذلك عن الاستقامة، فحدث فيه الشق المذكور، ورأيت الحاضرين بين ساكت ومشير، فترجح عندي سلوك رأي ابن عباس ﵄ في أمر الكعبة، حيث أشار بترميمها فقط، ورأيت أن ما يطلب هنا من الأدب أوجب مما يطلب هناك، فحاولت إدعام البناء الظاهر ببناء، فلم أوافق عليه، فسألت مهندس العمارة- وكان أعرف الحاضرين بهذا الأمر- هل تحققت الآن إشراف هذا الجدار على السقوط وأنه لا يتأتى تأخيره، أم يحتمل التأخير مدة إذا رمّ بالجص والآجر كما كان أوّلا فيؤخر إلى أن يصير غير محتمل للتأخير؛ فإنه لا يفعل هنا إلا ما تدعو إليه الضرورة في الحال؟ فقال: الترميم شيء وقطع الفرط شيء آخر، ثم سأل متولي العمارة عن كيفية ما يكتب ليطالع به المسامع الشريفة، فقال له القاضي الزكوي قاضي الشافعية وأحد الناظرين سامحه الله تعالى: سرّح العمال غدا للهدم وكتابة المحضر علينا، وخافت متولي العمارة بالإنكار عليه في إحضاري، وحثّه على الإعراض عن كلامي.
ثم إن متولي العمارة ذكر لي أنه رأى رؤيا فهم منها الهدم، فصمّم عليه، ورأيت عنده من شجاعة الجنان وثبات الجأش في هذا الأمر ما لا يوصف، وبلغني أن بعض الناس ذكر له أن ما سبق من كلامي دليل على ما كان قد ألقاه إليه من حرصي على ألاتكون هذه العمارة على يده، وألايفوز بهذه المنقبة العظيمة التي لم يسبق إليها، ومن يسمع يخل، ولكني أشهد الله ورسوله على أني لم أرد سوى محض الوفاء بما أوجبه الله علينا من الأدب مع حبيبه ﷺ ومن بدل النصيحة.
ثم في صبيحة الرابع عشر من شعبان المذكور شرعوا في هدم المحل الشريف المتقدم
стр. 456
ذكره من الجدار الظاهر، فهدموا جانبا من الصفحة الشرقية وجانبها مما يليها من الصفحة المنحرفة منها إلى جهة الزاوية الشمالية، وسعة ذلك خمسة أذرع بذراع اليد، وذلك من بعد نحو أربعة أذرع من الأرض إلى رأس الجدار المذكور، فظهر حينئذ هدم الحريق الذي في الفضاء الكائن بين جداري الحجرة الشريفة، ورأينا فيه كثيرا من الأخشاب المحترقة قد سلم من بعضها قدر الذراع ونحوه.
ثم في خامس عشر الشهر المذكور حضروا لتنظيف ذلك، وتوجه متولي العمارة لشيخنا العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين الأبشيطي قدس الله روحه، وسأله في الحضور للتبرك به، فحضر من خارج الجدار، وامتنع من الدخول وقرأ الفاتحة، وقال: نظفوا على بركة الله، ثم انصرف وقال لي بعد ذلك: ذكروا لنا أن هدم ذلك ضروري، فقلنا لهم:
الضروري يعمل، فلما دخلوا لإزالة ذلك شاهدت أمرا مهولا من ردم الحريق بحيث لم يتأت إزالته إلا بالعتل والمساحي، وتحققت بسبب ذلك عذر من أدرك زمن الحريق في عدم إزالة ما بالحجرة الشريفة منه كما قدمناه، وكان ارتفاعه في ذلك المحل نحو القامة، وهو ردم من السقف الأعلى وجص وآجر من الجدار الذي كان بأعلى سقف المسجد لتمييز الحجرة الشريفة عن غيرها، كما تقدم بيانه، ومما كان على رؤوس الأساطين ومما احترق من أخشاب ذلك، فاشتغلوا بتنظيفه وتزاحم الناس عليه فاستمروا في ذلك حتى بلغوا في تنظيفه الأرض القديمة، بحيث ظهر تحصيب ذلك المحل بحصباء تشبه ما في المسجد، غير أنها قد اسودّت من نداوة الأرض، واعتبرت التفاوت بين الأرض المرخمة خارج الجدار الظاهر والأرض المذكورة بداخله، فكانت الأرض المذكورة- أعني الداخلة بين الجدارين- أخفض من الخارجة بذراع وثلث بذراع اليد، وظهر من وصف البناء الداخل ما قدمناه في الفصل الثاني والعشرين من كونه مربعا بأحجار منحوتة عليها أبهة عظيمة، وأن الصفحة الغربية منه ملاصقة للصفحة الغربية من البناء الظاهر، وليس بينهما ولا مغرز إبرة، وأنه لا باب فيه ولا موضع باب، وفي الصفحة الشمالية لا صق بها الأسطوان التي قدمنا وصفه، وأن بعضه داخل في الصفحة المذكورة، وقد أثر فيه الحريق كما قدمناه حتى تشطب بعضه سيما في أعاليه وهو في صف مربعة القبر يليها من جهة المشرق.
وتبين حينئذ ما في الجدار الداخل من الانشقاق المتقدم وصفه في شماليه مما يلي المشرق، فأدخلوا فيه شمعة، فشاهدوا فيما يقابله من الجدار القبلي مما يلي المشرق أيضا انشقاقا مثله، وتبين لي أن البناء المتقدم وصفه بين الجدارين القبليين في موازاة الأسطوانة الظاهرة في الجدار القبلي التي يقف عندها المسلّم على عمر ﵁ إنما جعل إدعاما للجدار المذكور لما حدث به ذلك الانشقاق، وظهر ما أدعموا به من الأخشاب بين الجدار
стр. 457
الداخل والخارج في جهة المشرق على ما قدمناه، فتردد متولي العمارة في نقب الجدار الشامي لإحكام ذلك الشق وترميم الشق المقابل له.
ثم عزم على هدم الجدار المذكور- أعني: جدار الحجرة الداخل من جهة الشام- بأجمعه، فبدأ برفع السقف الذي وجد على الحجرة نفسها كما قدمناه، وحينئذ ظهر لهم ساحة الحجرة الشريفة، وستر الله تعالى القبور الشريفة عن الأعين بالردم، ثم علمت أن هذا الموطن يطلب فيه من التثبت والأدب التام ما لا يطلب في غيره، فانصرفت عازما على أن لا أحضر معهم ما داموا في تعاطي الهدم وأن أحضر معهم في البناء. ثم أفاضوا في عقد قبة سفلية على جدار الحجرة الداخل رعاية الإتقان والإحكام فكرهت ذلك لعلمي أنه يجر إلى هدم معظم الحجرة مع ما فيه من تغيير الهيبة الأولى.
ثم في حادي عشر شعبان المذكور أجمعوا أمرهم على ذلك، فشرعوا في هدم الجدار الشامي والشرقي من البناء الداخل، فوجدوا في الجانب الذي يلي المغرب من الجدار الشامي، وكذا فيما يقابله من القبلي، وكذا في الغربي عندما هدموا أسفل السترة المبنية على السقف المحترق بين فصوص الأحجار وأعلاها مع رأس الجدر المذكورة لبنا غير مشوى طول اللبنة منه أرجح من ذراع وعرضه نصف ذراع، وسمكه ربع ذراع، وطول بعضه وعرضه وسمكه واحد وهو نصف ذراع، ولم يجدوا مثل ذلك في الجدار الشرقي، ولا فيما يليه من الشامي والقبلي، وقد عاب بعض الناس على الأقدمين في وضعهم ذلك في الجدار، ونسبهم به إلى التقصير، وربما قال: إن البنائين زمن الوليد لما أمر ببناء المسجد على يد عمر بن عبد العزيز كانوا كفارا، وإن ذلك من غشهم، وهذا جهل من قائله.
وقد قدمنا من شرح حال بناء الحجرة ما فيه كفاية، وتقدم أن عمر بن الخطاب أو ابن الزبير هو الباني للحجرة على ما رواه ابن سعد، ولو سلّم أن تلك البناية في ولاية عمر بن عبد العزيز للعمارة المتقدمة فهو أتقى لله من أن يهمل قبر نبيه بيد الكفار حتى يغشوا في بنائه بمثل ذلك. وقد ظهر لي في ذلك أن السلف لما بنوا الحجرة الشريفة بالأحجار لقصد الإحكام والبقاء، وكان ما عدا الأساس منها مبنيا باللبن في عهده ﷺ كما يؤخذ مما قدمناه، فرأوا ألايخلو بناؤهم من بركة ذلك اللبن، فوضعوا منه ما رأوا فيه الصلابة بين الأحجار المبنية بالقصّة، ولولا إتقان ذلك البناء لما مكث هذه المدة المديدة، والعجب أن الخلل والانشقاق لم يحصل إلا في الناحية الخالية منه، وقد قدمنا أن الذي يظهر أن تلك الناحية سقطت وأعيدت، واختلاف البناءين شاهد بذلك، حتى إن الجدار الشرقي لم يكن مبنيا بالحجارة الموجّهة إلا من داخله دون خارجه، وعرض منقبته أقل من عرض بقية الجدر. ولما بلغوا في هدم الجدار الشامي أرض الحجرة الشريفة شرعوا في تنظيف الردم الساتر للقبور
стр. 458
الشريفة، وذلك في صبيحة الثالث والعشرين من شعبان المذكور، ومكثوا في ذلك إلى غروب الشمس مع كثرتهم حتى بلغني أن الحجرة الشريفة امتلأت بهم، ولم يخصوا مكانا دون مكان، فظنوا أن القبر الشريف النبوي قريبا من وسط الحجرة، وليس كذلك كما سنبينه، ووضعوا ما أخرجوه من الردم عند طرف المسقف الغربي في زاويته المتصلة بمسقف الدكاك، وبنى عليه متولي العمارة تلك الدكة البارزة هناك. ثم وفّى القضاي الزكوي بما وعد به متولي العمارة من كتابة المحضر، وكتب فيه أهل المدينة، ولم أكتب فيه، واعتذرت بأنه لم يسبق لي عادة بمثل ذلك، وبعثوا به إلى مصر المحروسة، فلما كان في صبيحة الخامس والعشرين من الشهر المذكور بعث إليّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها، وصار قائل يقول: ظهر القبر الشريف، وقائل يقول: لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا، فحثّني داعي الشوق وغلبة الوجد، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله لعائشة ﵂ أن تريه القبور الشريفة، وغير ذلك مما سبق ومما سيأتي في باب الزيارة، ووصف السلف للقبور الشريفة، وذكرهم ذرع الحجرة الشريفة وكيفيتهما كما تقدم، فعزمت على الإقدام، وتمثلت بقول بعضهم:
ولو قيل للمجنون أرض أصابها ... غبار ثرى ليلى لجدّ وأسرعا
لعلّ يرى شيئا له نسبة بها ... يعلّل قلبا كاد أن يتصدعا
فتطهرت وتوجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه، وموقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما وعفوا، وذلك هو المعول عليه، واستحضرت بقول بعضهم:
عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا ... ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع
ثم أنشدت الذي يليه:
عسى الله من أجل الحبيب وقربه ... يداركني بالعفو فالعفو أوسع
وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم، وأن يرزقني منه القبول والرضى، والتجاوز عما سلف ومضى، فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة، ولم أتجاوز ذلك المحل، فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها، ثم سلمت بوجل وحياء، على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء، ودعوت بما تيسر من الدعوات، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات، واستنزلت به في بيته من الأزمات، واغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات، ولله در القائل:
تمتّع إن ظفرت بنيل قرب ... وحصّل ما استطعت من ادّخار
فقد وسّعت أبواب التداني ... وقد قرّبت للزوار داري
стр. 459
وقد هبّت نسيمات لنجد ... فطب واشرب بكاسات كبار
فما وقت يمرّ بمستعاد ... وما دار الأعزّة بالقرار
فودّع أرض نجد قبل بعد ... فما نجد لمرتحل بدار
أقول لمن يمرّ بأرض نجد ... ويظفر من رباها بالديار
تزود من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
وقل أيضا لمغتنم صفاء ... على معنى يلوح لذي اعتبار
إذا العشرون من شعبان ولّت ... فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار
فلما قضيت من ذلك الوطر، متعت عيني من تلك الساحة بالنظر، لأتحف بوصفها المشتاقين، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية، وتناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة وحصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع، ولم أجد للقبور الشريفة أثرا، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا، توهموا أنه القبر الشريف النبوي، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا، ومنشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا، ولعله قبر عمر ﵁؛ لأن الشافعي ﵁ قد نص على أن النبي ﷺ إنما لحد له في جدار القبلة.
قال الشافعي، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبي ﷺ أدخل لقبره معترضا: هذا من فحش الكلام في الأخبار؛ لأن قبر رسول الله ﷺ كان قريبا من الجدار، وكان اللحد تحت الجدار، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح، انتهى.
وروى ابن عساكر عن جابر ﵁ قال: رشّ قبر النبي ﷺ وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط.
وقال ابن سعد في طبقاته: أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال: أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سقط حائط قبر النبي ﷺ في زمن عمر بن عبد العزيز- وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد- فكنت في أول من نهض، فنظرت إلى قبر رسول الله ﷺ ، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشة ﵂ إلا نحو من شبر، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة، وعلى تقدير أن يكون ثمّ موضع بين
стр. 460
القبر الشريف وبين جدار القبلة بحيث يتأتى إدخاله ﷺ من ناحية القبلة فلا يكون ذلك الموضع محل القبر الشريف؛ لبعده من جدار القبلة جدا. وفيما رواه ابن زبالة ويحيى من خبر عبد الله بن محمد بن عقيل في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة المتقدم ذكره أن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل: يا مزاحم كيف ترى قبر النبي ﷺ ؟ قال: متطاطيا، قال:
فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال: مرتفعين، قال: أشهد أنه رسول الله.
وقد قدمنا من وصف داخل الحجرة وذكر ذرعها ما فيه كفاية.
وقد تأملت التفاوت بين أرض الحجرة الشريفة وبين أرض الفضاء الخارج بين الجدار الشامي الداخل وزاوية الجدار الخارج فوجدت أرض الحجرة أنزل منه بنحو ذراع ونصف، وتقدم أن أرض الفضاء المذكور أخفض مما حول الحجرة من المسجد بذراع وثلث، فيكون التفاوت بين داخل أرض الحجرة وأرض المسجد نحو ثلاثة أذرع.
وتأملت آثار ردم الحريق في الجدران فرأيته في بعضها نحو ثلاثة أذرع، وفي بعضها نحو ذراعين، وأخبرني المباشرون لإخراجه بذلك أيضا.
ثم هدموا من الجدار القبلي مما يلي المشرق جانبا نحو أربعة أذرع وشيء، حتى بلغوا به أرض الحجرة.
وهدموا أيضا جانبا من الجدار الغربي مما يلي الشام حتى بلغوا به الأرض أيضا، وذلك نحو خمسة أذرع منه، فعلوا ذلك ليتأتى لهم إحكام القبة التي أجمعوا أمرهم عليها، ولم يبق من أركان الحجرة الشريفة سوى مجمع جدار القبلة وجدار المغرب.
ثم إنهم هدموا من علو ما بقي من الجدارين المذكورين نحو خمسة أذرع، ولم يبق من بناء الحجرة الأصلي إلا ما فضل منهما.
ووجدوا عند هدم مبدأ الجدار القبلي من أعلاه ميزابا قد احترق بعضه من جهة ما كان في بناء الجدار، وبقي منه نحو الذراع، وهو من عرعر له رائحة ذكية، وسعة مجرى الماء فيه نحو أربعة أصابع أو خمسة، كأنه كان ميزابا للحجرة الشريفة قديما فحرص الأقدمون على ما بقي منه بعد الحريق ووضعوه بين السترة التي أحدثوها لأجل السقف وبين رأس الجدار، فجزاهم الله خيرا.
ولما أعيد بناء الحجرة حرصت على أن يعاد فيها، فوعدني متولي العمارة بذلك، فلما كان عند ختم البناء سألته عنه، فذكر لي أنه جعله في البناء الآتي ذكره في أعلى الجدار الشامي بين ما بقي من لبن الحجرة وليّس عليه بطين ذلك اللبن.
ثم عند الشروع في إعادة بناء الحجرة اقتضى رأيهم إدخال الأسطوان المتقدم وصفه خلف جدار الحجرة الشامي لتشققه فزادوا في عرض ذلك الجدار من الرحبة المثلاثة الشكل
следующие страницы →