← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ذكره من الجدار الظاهر، فهدموا جانبا من الصفحة الشرقية وجانبها مما يليها من الصفحة المنحرفة منها إلى جهة الزاوية الشمالية، وسعة ذلك خمسة أذرع بذراع اليد، وذلك من بعد نحو أربعة أذرع من الأرض إلى رأس الجدار المذكور، فظهر حينئذ هدم الحريق الذي في الفضاء الكائن بين جداري الحجرة الشريفة، ورأينا فيه كثيرا من الأخشاب المحترقة قد سلم من بعضها قدر الذراع ونحوه. ثم في خامس عشر الشهر المذكور حضروا لتنظيف ذلك، وتوجه متولي العمارة لشيخنا العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين الأبشيطي قدس الله روحه، وسأله في الحضور للتبرك به، فحضر من خارج الجدار، وامتنع من الدخول وقرأ الفاتحة، وقال: نظفوا على بركة الله، ثم انصرف وقال لي بعد ذلك: ذكروا لنا أن هدم ذلك ضروري، فقلنا لهم: الضروري يعمل، فلما دخلوا لإزالة ذلك شاهدت أمرا مهولا من ردم الحريق بحيث لم يتأت إزالته إلا بالعتل والمساحي، وتحققت بسبب ذلك عذر من أدرك زمن الحريق في عدم إزالة ما بالحجرة الشريفة منه كما قدمناه، وكان ارتفاعه في ذلك المحل نحو القامة، وهو ردم من السقف الأعلى وجص وآجر من الجدار الذي كان بأعلى سقف المسجد لتمييز الحجرة الشريفة عن غيرها، كما تقدم بيانه، ومما كان على رؤوس الأساطين ومما احترق من أخشاب ذلك، فاشتغلوا بتنظيفه وتزاحم الناس عليه فاستمروا في ذلك حتى بلغوا في تنظيفه الأرض القديمة، بحيث ظهر تحصيب ذلك المحل بحصباء تشبه ما في المسجد، غير أنها قد اسودّت من نداوة الأرض، واعتبرت التفاوت بين الأرض المرخمة خارج الجدار الظاهر والأرض المذكورة بداخله، فكانت الأرض المذكورة- أعني الداخلة بين الجدارين- أخفض من الخارجة بذراع وثلث بذراع اليد، وظهر من وصف البناء الداخل ما قدمناه في الفصل الثاني والعشرين من كونه مربعا بأحجار منحوتة عليها أبهة عظيمة، وأن الصفحة الغربية منه ملاصقة للصفحة الغربية من البناء الظاهر، وليس بينهما ولا مغرز إبرة، وأنه لا باب فيه ولا موضع باب، وفي الصفحة الشمالية لا صق بها الأسطوان التي قدمنا وصفه، وأن بعضه داخل في الصفحة المذكورة، وقد أثر فيه الحريق كما قدمناه حتى تشطب بعضه سيما في أعاليه وهو في صف مربعة القبر يليها من جهة المشرق. وتبين حينئذ ما في الجدار الداخل من الانشقاق المتقدم وصفه في شماليه مما يلي المشرق، فأدخلوا فيه شمعة، فشاهدوا فيما يقابله من الجدار القبلي مما يلي المشرق أيضا انشقاقا مثله، وتبين لي أن البناء المتقدم وصفه بين الجدارين القبليين في موازاة الأسطوانة الظاهرة في الجدار القبلي التي يقف عندها المسلّم على عمر ﵁ إنما جعل إدعاما للجدار المذكور لما حدث به ذلك الانشقاق، وظهر ما أدعموا به من الأخشاب بين الجدار

стр. 457

الداخل والخارج في جهة المشرق على ما قدمناه، فتردد متولي العمارة في نقب الجدار الشامي لإحكام ذلك الشق وترميم الشق المقابل له. ثم عزم على هدم الجدار المذكور- أعني: جدار الحجرة الداخل من جهة الشام- بأجمعه، فبدأ برفع السقف الذي وجد على الحجرة نفسها كما قدمناه، وحينئذ ظهر لهم ساحة الحجرة الشريفة، وستر الله تعالى القبور الشريفة عن الأعين بالردم، ثم علمت أن هذا الموطن يطلب فيه من التثبت والأدب التام ما لا يطلب في غيره، فانصرفت عازما على أن لا أحضر معهم ما داموا في تعاطي الهدم وأن أحضر معهم في البناء. ثم أفاضوا في عقد قبة سفلية على جدار الحجرة الداخل رعاية الإتقان والإحكام فكرهت ذلك لعلمي أنه يجر إلى هدم معظم الحجرة مع ما فيه من تغيير الهيبة الأولى. ثم في حادي عشر شعبان المذكور أجمعوا أمرهم على ذلك، فشرعوا في هدم الجدار الشامي والشرقي من البناء الداخل، فوجدوا في الجانب الذي يلي المغرب من الجدار الشامي، وكذا فيما يقابله من القبلي، وكذا في الغربي عندما هدموا أسفل السترة المبنية على السقف المحترق بين فصوص الأحجار وأعلاها مع رأس الجدر المذكورة لبنا غير مشوى طول اللبنة منه أرجح من ذراع وعرضه نصف ذراع، وسمكه ربع ذراع، وطول بعضه وعرضه وسمكه واحد وهو نصف ذراع، ولم يجدوا مثل ذلك في الجدار الشرقي، ولا فيما يليه من الشامي والقبلي، وقد عاب بعض الناس على الأقدمين في وضعهم ذلك في الجدار، ونسبهم به إلى التقصير، وربما قال: إن البنائين زمن الوليد لما أمر ببناء المسجد على يد عمر بن عبد العزيز كانوا كفارا، وإن ذلك من غشهم، وهذا جهل من قائله. وقد قدمنا من شرح حال بناء الحجرة ما فيه كفاية، وتقدم أن عمر بن الخطاب أو ابن الزبير هو الباني للحجرة على ما رواه ابن سعد، ولو سلّم أن تلك البناية في ولاية عمر بن عبد العزيز للعمارة المتقدمة فهو أتقى لله من أن يهمل قبر نبيه بيد الكفار حتى يغشوا في بنائه بمثل ذلك. وقد ظهر لي في ذلك أن السلف لما بنوا الحجرة الشريفة بالأحجار لقصد الإحكام والبقاء، وكان ما عدا الأساس منها مبنيا باللبن في عهده ﷺ كما يؤخذ مما قدمناه، فرأوا ألايخلو بناؤهم من بركة ذلك اللبن، فوضعوا منه ما رأوا فيه الصلابة بين الأحجار المبنية بالقصّة، ولولا إتقان ذلك البناء لما مكث هذه المدة المديدة، والعجب أن الخلل والانشقاق لم يحصل إلا في الناحية الخالية منه، وقد قدمنا أن الذي يظهر أن تلك الناحية سقطت وأعيدت، واختلاف البناءين شاهد بذلك، حتى إن الجدار الشرقي لم يكن مبنيا بالحجارة الموجّهة إلا من داخله دون خارجه، وعرض منقبته أقل من عرض بقية الجدر. ولما بلغوا في هدم الجدار الشامي أرض الحجرة الشريفة شرعوا في تنظيف الردم الساتر للقبور

стр. 458

الشريفة، وذلك في صبيحة الثالث والعشرين من شعبان المذكور، ومكثوا في ذلك إلى غروب الشمس مع كثرتهم حتى بلغني أن الحجرة الشريفة امتلأت بهم، ولم يخصوا مكانا دون مكان، فظنوا أن القبر الشريف النبوي قريبا من وسط الحجرة، وليس كذلك كما سنبينه، ووضعوا ما أخرجوه من الردم عند طرف المسقف الغربي في زاويته المتصلة بمسقف الدكاك، وبنى عليه متولي العمارة تلك الدكة البارزة هناك. ثم وفّى القضاي الزكوي بما وعد به متولي العمارة من كتابة المحضر، وكتب فيه أهل المدينة، ولم أكتب فيه، واعتذرت بأنه لم يسبق لي عادة بمثل ذلك، وبعثوا به إلى مصر المحروسة، فلما كان في صبيحة الخامس والعشرين من الشهر المذكور بعث إليّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها، وصار قائل يقول: ظهر القبر الشريف، وقائل يقول: لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا، فحثّني داعي الشوق وغلبة الوجد، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله لعائشة ﵂ أن تريه القبور الشريفة، وغير ذلك مما سبق ومما سيأتي في باب الزيارة، ووصف السلف للقبور الشريفة، وذكرهم ذرع الحجرة الشريفة وكيفيتهما كما تقدم، فعزمت على الإقدام، وتمثلت بقول بعضهم: ولو قيل للمجنون أرض أصابها ... غبار ثرى ليلى لجدّ وأسرعا لعلّ يرى شيئا له نسبة بها ... يعلّل قلبا كاد أن يتصدعا فتطهرت وتوجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه، وموقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما وعفوا، وذلك هو المعول عليه، واستحضرت بقول بعضهم: عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا ... ووجهي بأثواب المعاصي مبرقع ثم أنشدت الذي يليه: عسى الله من أجل الحبيب وقربه ... يداركني بالعفو فالعفو أوسع وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم، وأن يرزقني منه القبول والرضى، والتجاوز عما سلف ومضى، فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة، ولم أتجاوز ذلك المحل، فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها، ثم سلمت بوجل وحياء، على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء، ودعوت بما تيسر من الدعوات، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات، واستنزلت به في بيته من الأزمات، واغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات، ولله در القائل: تمتّع إن ظفرت بنيل قرب ... وحصّل ما استطعت من ادّخار فقد وسّعت أبواب التداني ... وقد قرّبت للزوار داري

стр. 459

وقد هبّت نسيمات لنجد ... فطب واشرب بكاسات كبار فما وقت يمرّ بمستعاد ... وما دار الأعزّة بالقرار فودّع أرض نجد قبل بعد ... فما نجد لمرتحل بدار أقول لمن يمرّ بأرض نجد ... ويظفر من رباها بالديار تزود من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار وقل أيضا لمغتنم صفاء ... على معنى يلوح لذي اعتبار إذا العشرون من شعبان ولّت ... فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار فلما قضيت من ذلك الوطر، متعت عيني من تلك الساحة بالنظر، لأتحف بوصفها المشتاقين، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية، وتناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة وحصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع، ولم أجد للقبور الشريفة أثرا، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا، توهموا أنه القبر الشريف النبوي، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا، ومنشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا، ولعله قبر عمر ﵁؛ لأن الشافعي ﵁ قد نص على أن النبي ﷺ إنما لحد له في جدار القبلة. قال الشافعي، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبي ﷺ أدخل لقبره معترضا: هذا من فحش الكلام في الأخبار؛ لأن قبر رسول الله ﷺ كان قريبا من الجدار، وكان اللحد تحت الجدار، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح، انتهى. وروى ابن عساكر عن جابر ﵁ قال: رشّ قبر النبي ﷺ وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط. وقال ابن سعد في طبقاته: أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال: أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سقط حائط قبر النبي ﷺ في زمن عمر بن عبد العزيز- وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد- فكنت في أول من نهض، فنظرت إلى قبر رسول الله ﷺ ، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشة ﵂ إلا نحو من شبر، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة، وعلى تقدير أن يكون ثمّ موضع بين

стр. 460

القبر الشريف وبين جدار القبلة بحيث يتأتى إدخاله ﷺ من ناحية القبلة فلا يكون ذلك الموضع محل القبر الشريف؛ لبعده من جدار القبلة جدا. وفيما رواه ابن زبالة ويحيى من خبر عبد الله بن محمد بن عقيل في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة المتقدم ذكره أن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل: يا مزاحم كيف ترى قبر النبي ﷺ ؟ قال: متطاطيا، قال: فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال: مرتفعين، قال: أشهد أنه رسول الله. وقد قدمنا من وصف داخل الحجرة وذكر ذرعها ما فيه كفاية. وقد تأملت التفاوت بين أرض الحجرة الشريفة وبين أرض الفضاء الخارج بين الجدار الشامي الداخل وزاوية الجدار الخارج فوجدت أرض الحجرة أنزل منه بنحو ذراع ونصف، وتقدم أن أرض الفضاء المذكور أخفض مما حول الحجرة من المسجد بذراع وثلث، فيكون التفاوت بين داخل أرض الحجرة وأرض المسجد نحو ثلاثة أذرع. وتأملت آثار ردم الحريق في الجدران فرأيته في بعضها نحو ثلاثة أذرع، وفي بعضها نحو ذراعين، وأخبرني المباشرون لإخراجه بذلك أيضا. ثم هدموا من الجدار القبلي مما يلي المشرق جانبا نحو أربعة أذرع وشيء، حتى بلغوا به أرض الحجرة. وهدموا أيضا جانبا من الجدار الغربي مما يلي الشام حتى بلغوا به الأرض أيضا، وذلك نحو خمسة أذرع منه، فعلوا ذلك ليتأتى لهم إحكام القبة التي أجمعوا أمرهم عليها، ولم يبق من أركان الحجرة الشريفة سوى مجمع جدار القبلة وجدار المغرب. ثم إنهم هدموا من علو ما بقي من الجدارين المذكورين نحو خمسة أذرع، ولم يبق من بناء الحجرة الأصلي إلا ما فضل منهما. ووجدوا عند هدم مبدأ الجدار القبلي من أعلاه ميزابا قد احترق بعضه من جهة ما كان في بناء الجدار، وبقي منه نحو الذراع، وهو من عرعر له رائحة ذكية، وسعة مجرى الماء فيه نحو أربعة أصابع أو خمسة، كأنه كان ميزابا للحجرة الشريفة قديما فحرص الأقدمون على ما بقي منه بعد الحريق ووضعوه بين السترة التي أحدثوها لأجل السقف وبين رأس الجدار، فجزاهم الله خيرا. ولما أعيد بناء الحجرة حرصت على أن يعاد فيها، فوعدني متولي العمارة بذلك، فلما كان عند ختم البناء سألته عنه، فذكر لي أنه جعله في البناء الآتي ذكره في أعلى الجدار الشامي بين ما بقي من لبن الحجرة وليّس عليه بطين ذلك اللبن. ثم عند الشروع في إعادة بناء الحجرة اقتضى رأيهم إدخال الأسطوان المتقدم وصفه خلف جدار الحجرة الشامي لتشققه فزادوا في عرض ذلك الجدار من الرحبة المثلاثة الشكل

стр. 461

المتقدم وصفها بين الجدارين، وكان الشروع في إعادة بناء الحجرة في سابع عشر شعبان المذكور، فابتدؤوا بالجدار المذكور، وأوصلوه بالجدار الغربي، وأعادوا ذلك بأحجار الحجرة التي نقضوها منها، ثم رأوا أن إحكام القبة التي عزموا عليها يقتضي تربيع محلها، بحيث لا يزيد طوله على عرضه. وقد قدمنا في ذرع الحجرة ما يقتضي عدم ذلك، فعقدوا قبوا على نحو ثلث الحجرة الذي يلي المشرق والأرجل الشريفة، وجعلوا الجدار الخارج من جهة المشرق متصلا بجدار الحجرة الداخل، فأدخلوا ما كان بينهما في جدار القبو المذكور إلى نهاية ارتفاعه، وكذا فعلوا فيما كان بين الجدار القبلي الداخل والخارج، سدّوه أيضا بالبناء حتى لم يبق حول البناء الداخل فضاء إلا ما بقي من الرحبة المثلاثة الشكل في جهة الشام وصار علو القبة المذكور فضاء أيضا بين القبة وبين الجدار الظاهر في جهة المشرق وعقدوا القبة المذكورة على ما بقي من الحجرة، وهو ما يلي المغرب منها في جهة الرؤوس الشريفة، وحاول بعض الناس أن يكون عقد القبة بالآجر، فكرهت ذلك لما لا يخفى، فاجتنبه متولي العمارة جزاه الله تعالى خيرا، وعقدها بالأحجار المنحوتة من الحجر الأسود، وكملها بالأبيض، وأخبروني أن ارتفاع القبة المذكورة من داخل أرض الحجرة الشريفة إلى محدّب القبة المذكورة- وهو أعلاها المغروز فيه هلالها- اثنا عشر ذراعا بذراع العمل؛ فيكون بالذراع المتقدم وصفه ثمانية عشر ذراعا وربع ذراع. ومن أرض الحجرة أيضا إلى نهاية القبو الذي بنى عليه أحد حوائط القبة المذكورة ثمانية أذرع وشيء بذراع العمل، وذلك نحو أحد عشر ذراعا بالذراع المتقدم وصفه، وارتفاع حائط القبة الشرقي- وهو الذي يلي القبو المتقدم وصفه- عن طرف القبور الذي بنى عليه الحائط المذكور ذراع وثلثان بذراع العمل، وذلك ذراعان ونصف راجح بالذراع المتقدم وصفه، وصار ما بين حائط القبة المذكور وبين حائط الحجرة الظاهر في جهة المشرق- أعني سطح القبو المذكور وما اتصل به- كما كان بين الجدارين، وأدخل في عرض الجدار رحبة واحدة تحيط بها من المغرب حائط القبة المتقدم وصفه، ومن المشرق حائط الحجرة الظاهر، ومن القبلة حائط الحجرة الظاهر أيضا، ومن الشام سترة بنيت له فيما بين جدار القبة الذي يليه وجدار الحجرة الظاهر في المشرق. وذرع هذه الرحبة المذكورة بسطح القبو المذكور طولا من القبلة إلى الشام سبعة أذرع ونصف سدس ذراع بذراع العمل، وذلك أحد عشر ذراعا بالذراع المتقدم وصفه. وذرعها عرضا مختلف: فمما يلي القبلة ذراعان ونصف بذراع العمل، ومما يلي الشام نحو الثلاثة. وأما جدار القبة الشامي فقد تقدم أنهم زادوا في عرضه من الرحبة خلفه وجعلوه أيضا

стр. 462

متفاوت العرض؛ فجعلوا ما يلي المشرق منه- وهو الموضع المحاذي للأسطوانة التي وقعت الزيادة في العرض لأجل إدخالها وإدعامها بذلك- أزيد من الجهة التي تلي المغرب منه بنحو نصف ذراع؛ فإنهم جعلوا عرض الجدار في هذه الجهة من أسفل عقد القبة نحو ثلاثة أذرع بذراع اليد، وعرضه في الجهة الآخرى دون ذلك بنحو نصف ذراع، بحيث صارت جهة الأسطوان المذكور بارزة عن بقية ذلك الجدار في الرحبة المذكورة كما سيأتي تصويره. وقد جعلوا على رأس هذا الجدار بناء يسيرا مما بقي من اللبن الذي أخرج من بعض جدار الحجرة كما تقدم وصفه، بعد أن تفرق اللبن المذكور، وأخذ الكثير منه. وتركوا في نحو وسط هذا الجدار خوخة، فلما لم يبق إلا هي أدخلوا منها شيئا كثيرا من الحصباء جاؤوا بها من عرصة العقيق من جنس حصباء المسجد بعد غسلها بالماء ليضعوها على القبور الشريفة، وكنت قد ذكرت لبعضهم أن موضع القبر الشريف النبوي مما يلي الجدار القبلي، وأنه يستنبط مما قدمناه في مسمار الفضة المحاذي للوجه الشريف أن أول القبر الشريف من جهة المغرب على نحو ذراعين بذراع اليد من الحائط الغربي؛ لأنا إذا أسقطنا عرض الجدارين الغربيين- وهما الجدار الداخل والخارج، وهو نحو ثلاثة أذرع مما بين المسمار وأول الجدار الظاهر الغربي وهو نحو خمسة أذرع كما تقدم- كان الباقي نحو الذراعين إلى الرأس الشريف، فاستحسن ذلك، فحضر معهم لما دخلوا من الخوخة المذكورة لوضع الحصباء على القبور الشريفة، فوضعوا ذلك على المحل الشريف المذكور كما وصفت، وأخذوا بالهيئة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من أن رأس أبي بكر ﵁ خلف منكب النبي ﷺ ، ورأس عمر ﵁ خلف منكب أبي بكر، فوضعوا الحصباء عليهما كذلك وكان بعض المباشرين لذلك حنفيا- وهو صهر متولي العمارة- فجعلها مسنّة، وذلك بعد أن أكثروا في الموضع المذكور من البخور بالعود والعنبر وغيرهما من أنواع الروائح، وعرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح، ولله در القائل: بطيب رسول الله طاب نسيمها ... فما المسك ما الكافور ما المندل الرّطب وألقى جماعة من الناس من تلك الخوخة أوراقا كتبوا فيها التشفع بالنبي ﷺ ومارب يسألونها بالحجرة الشريفة، ثم سدوا الخوخة المذكورة، وأحكموا بناءها كبقية الجدار، وبيضوا القبة المذكورة وجميع جدرانها من خارجها بالجص، وجاءت حسنة فاض عليها أنس المحل الشريف، ونصبوا بأعلاها هلالا من نحاس يظنه الرائي ذهبا، وهو قريب من سقف المسجد الأول؛ فإن القبة المذكورة تحته، ثم سدوا ما بقي من نقب الجدار الظاهر، وحضرت معهم في ذلك الوقت، وحضرت أيضا بعض بناء الحجرة الشريفة، وتبركت بالعمل فيه، ولم أحضر غير ذلك طلبا للسلامة، وأنشدت في ذلك المحل الشريف قصيدتي التي تطفلت بها على واسع كرم الجناب الرفيع الحبيب الشفيع الحالّ بذلك الحمى المنيع، التي أولها:

стр. 463

قف بالديار لحي في ذرى الحرم ... وحيّ هذا المحيّا من ذوي إضم وكان الفراغ من ذلك وختم بناء الجدار الظاهر في يوم الخميس المبارك سابع شوال من السنة المذكورة، وأصرفوا في ذلك وفي غيره من عمارات المسجد وإعادة منارة مسجد قباء وتجديد بعض سقفه وإحكام مصرف المياه التي كانت تجتمع حول المسجد عند كثرة الأمطار مالا جزيلا، ومن أعظم ذلك نفعا ما جعل لمصرف المياه المذكورة كما سيأتي وصفه فقد عم نفعه، وذلك كله في الصحائف الشريفة السلطانية الأشرفية، أعز الله أنصارها، وأعلى في سلوك العدل منارها، على يد متولي العمارة الجناب الشمسي المتقدم ذكره ضاعف الله تعالى حسناته. وهذا تصوير ما استقر عليه الأمر من هذه العمارة في صورة الحجرة المشرفة والقبور الشريفة بها: ثم حدث بعد الحريق الثاني عند إنشاء القبة الثانية التي جعلوها بدلا عن القبة الزرقاء المتقدم ذكرها تأسيس دعامة وعقد في جهة المغرب عند مقام جبريل ﵇ متصل بجدار الحجرة الظاهر من أعلاه وأسطوان وعقد في مقابلة ذلك في المشرق متصل بالجدار الظاهر أيضا في جهة المغرب.

стр. 464

الفصل التاسع والعشرون في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة وما ترتب عليه ألحقته هنا مع إلحاق ما تقدمت الإشارة إليه في الفصول السابقة، لحدوثه بعد الفراغ من مسودة كتابنا هذا لأني توجّهت إلى مكة المشرفة للاعتمار أول شهر رمضان عام ست وثمانين وثمانمائة، فورد علي بها عدة كتب من الصادقين في الخبر، وشافهني من شاهد الأمر والأثر، بما حصل من الخطب العظيم، والرزء الجسيم، باحتراق المسجد النبوي أول الثلث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان، وذلك أن رئيس المؤذنين وصدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلّل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية، وصعد المؤذنون بقية المنائر، وقد تراكم الغيم فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة، فسقطت في المسجد وله لهب كالنار، وانشق رأس المنارة، وتوفي الريس المذكور لحينه صعقا ففقد من كان على بقية المنائر صوته، فنادوه فلم يجب، فصعد إليه بعضهم فوجده ميتا، وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئيسية وقبة الحجرة النبوية فثقبه ثقبا كالترس، وعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل، ففتح الخدام أبواب المسجد قبل الوقت المعتاد وقبل إسراجه، ونودي بالحريق في المسجد، فاجتمع أمير المدينة وأهلها بالمسجد الشريف، وصعد أهل النجدة منهم بالمياه لإطفاء النار، وقد التهبت سريعا في السقفين، وأخذت لجهة الشمال والمغرب، فعجزوا عن إطفائها، وكلما حاولوه لم تزدد إلا التهابا واشتعالا، فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها من السقف، فسبقتهم لسرعتها، وتطبق المسجد بدخان عظيم، فخرج غالب من كان به، ولم يستطيعوا المكث؛ فكان ذلك سبب سلامتهم، وهرب من كان بسطح المسجد إلى شماليه، ونزلوا بما كان معهم من حبال الدلاء التي استقوا بها الماء بخارج المسجد على الميضأة والبيوت التي هناك وما حول ذلك، وسقط بعضهم فهلك، ونزل طائفة منهم إلى المسجد من الدرج فاحترق بعضهم ولجأ بقيتهم إلى صحن المسجد مع من حالت النار بينه وبين أبواب المسجد ممكن كان أسفل، ومنهم صاحبنا الشيخ العالم صدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن المسكين المعروف بالعوفي، فمات بعد أيام لضيق نفسه بسبب الدخان مع توعك سابق، رحمه الله تعالى! واحترق من الخدام الزيني شند نائب خازن دار الحرم، تغمده الله برحمته! ومات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء وسودان المدينة، وجملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا، وكانت سلامة من بقي بالمسجد على خلاف القياس؛ لأن النار عظمت جدّا حتى صارت كبحر لجي من نار، ولها زفير وشهيق وألسن تصعد في الجو، وصار لفحها يؤثر من البعد حتى أثرت في النخلات التي بصحن المسجد،

стр. 465

وعلق منها شيء بالمنارة الرئيسية فاحترقت، ووصلت النار لثياب الريس شمس الدين محمد رحمه الله تعالى فاحترقت بعد موته، وصارت النار ترمي بشرر كالقصر فتسقط بالبيوت المجاورة للمسجد، ومع ذلك فلا تؤثر فيها، حتى سقط بعض الشرر على سعف فلم يحترق، وحمل بعض خزائن الكتب من تحت سقف المسجد إلى صحنه فأصابها الشرر فأحرقها. ونقل عن جمع كثير أنهم شاهدوا حينئذ أشكال طيور بيض كالإوز يحومون حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران. وأخبر أمير المدينة الشريفة السيد الشريف زين الدين فيصل الجمازي أن شخصا من العرب صادق الكلام رأى في المنام ليلة ثاني عشر من شهر رمضان أن السماء فيها جراد منتشر، ثم عقبته نار عظيمة، فأخذ النبي ﷺ النار وقال: أمسكها عن أمتي، فجزاه الله عن أمته- خصوصا عن جيرانه- أفضل ما جزى نبيّا عن أمته. وحكى أيضا عن بواب رباط السبيل أنه ذكر مثل تلك الرؤيا عن غيره، كتب لي بذلك صاحبنا العلامة شيخ المحدثين بالحرم النبوي الشيخ شمس الدين بن شيخنا العلامة ناصر الدين العثماني أمتع الله به. هذا ما حصل لأهل المدينة الشريفة من الدهشة العظيمة والحيرة لما شاهدوا من هول هذه النار ومنظرها الفظيع، حتى أيقن بعضهم بالهلاك، وانتقل بعض أهل الدور منها لما وصل إليهم الشرر، وخرج بعضهم من باب المدينة الذي يلي البقيع، وبعضهم من بابها الذي يلي المصلى، وظنوا أن النار محيطة بهم. قال الشمس العثماني: وصار لجميع المدينة من جميع جهاتها بالبكاء ضجيج، وبالدعاء عجيج، قال: وأمر هذه النار عجيب، وليس الخبر كالمعاينة، وصار المسجد كالتنور، ولم يمض إلا أقل من عشر درج وقد استولى الحريق على جميع سقف المسجد وحواصله وأبوابه وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف، غير ما وقعت المبادرة لإخراجه أولا وهو يسير، وغير القبة التي بصحن المسجد، وسبق ذكر سلامتها في الحريق الأول، وكنت تركت كتبي بالخلوة التي كنت أقيم بها في مؤخر المسجد، فكتب إلّي باحتراقها، ومنها أصل هذا التأليف وغيره من التاليف والكتب النفيسة نحو ثلاث مائة مجلد، فمنّ الله تعالى عليّ ببرد الرضى والتسليم، وفراغ القلب عن ذلك، حتى ترجحت هذه النعمة عندي على نعمة تلك الكتب لما كنت أجده قبل من التعلق بها؛ فلله الحمد والشكر على ذلك. هذا، مع ما منّ الله به علي من غيبتي عن هذا الأمر المهول؛ فإن وقوعه كان في ليلة الوصول إلى الحرم المكي، ولم يتفق لي منذ سكنت المدينة الخروج منها في رمضان، بل كنت ألازم المسجد النبوي فيه من أوله إلى آخره ليلا ونهارا، فكان ذلك سبب النجاة من هذا الأمر.

стр. 466

ولما اشتعلت النار في السقف المحاذي للحجرة الشريفة ذاب الرصاص من القبة التي بسقف المسجد الأعلى، واحترقت أخشابها وما يحاذيها من السقف الأسفل والشباك الدائر على حائز عمر بن عبد العزيز الذي تعلق الكسوة بأعلاه، وسقط ما سقط من ذلك على القبة السفلى التي تقدم تجديدها، فلما أصبحوا بدأوا بطفي ما سقط على القبة المذكورة، واستمروا في ذلك إلى آخر النهار، فسلمت القبة المذكورة مع أن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار، وذلك من المعجزات النبوية؛ لأن كثيرا من أساطين المسجد الشريف سقطت لما ذاب بعض رصاصها وتهشمت وهي من الحجر الأسود، ومع ذلك تفتت كأنه أحجار النورة، وعدة ما سقط منها مائة وبضع وعشرون أسطوانا، وما بقي منها فقد أثرت فيه النار أثرا بينا، وسلمت الأساطين اللاصقة بجدار الحجرة أيضا؛ فالحمد لله على حماية الحجرة المنيفة، الحاوية للقبور الشريفة، واحترقت المقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة والمنبر الشريف وما كان أمام المصلى المنيف بالروضة الشريفة من الصندوق وما عليه من المحراب المتقدم وصفه، وسقطت أكثر عقود المسجد، وما بقي منها فهو آيل إلى السقوط، وسقط علو المنارة الرئيسية، ثم خشوا من سقوط بعض ما بقي منها فهدموا نحو ثلثها، وكتبوا إلى سلطان مصر مولانا الأشرف سلطان الحرمين الشريفين قايتباي أيد الله أنصاره بذلك سادس عشر رمضان، واقتضى رأي نائب الناظر سد أبواب حواصل المسجد حتى القبة التي بوسطه المرصد فيها زيت مصابيحه، وترك الردم على حاله حتى ترد الأوامر الشريفة فتضرر الناس بذلك، فاتفقت الآراء على تنظيف مقدم المسجد ما عدا ما جاور الحجرة الشريفة خوفا على ما سقط من حلية قناديلها، مع أنها يسيرة كما يؤخذ مما سبق، فجعلوا على ذلك حاجزا من الآجرّ، ونقلوا هدم مقدم المسجد إلى ما يلي باب الرحمة من مؤخره، وعمل في ذلك أمير البلد والقضاة والأشراف وعامة الناس حتى الكثير من النساء والأطفال تقربا إلى الله تعالى بغير أجرة، ولم يتأخر عن ذلك إلا المخدّرات من النساء. وبنوا في محل المنبر منبرا من آجر، وصلّوا بالمصلى النبوي من حينئذ، وعملوا لأبواب المسجد غير باب جبرائيل خوخا يدخل منها، وسدوا ما زاد على ذلك، ونصب الخدام خياما بالمسجد إذ لم يبق به ظل، وصار بعض أهل الخير يسرج قناديل متعددة من عنده في المسجد مع توفر الزيت بحاصله، لكن تعذر ذلك بسبب سدّه، واستمرت النار فيما لم ينقل هدمه من المسجد حتى فيما حول الحجرة الشريفة وموقف الزائرين تجاه الوجه الشريف، وأخبر بعضهم بمشاهدة الدخان يتصاعد من ذلك المحل الشريف بعد مدة، وفي أثناء شوال أخبر قاضي المالكية شمس الدين السخاوي حفظه الله تعالى أنه رأى في النوم من يقول له: أطفئوا النار من الحجرة الشريفة، يعني الموضع الذي تركوا تنظيفه حولها، فتفقدوا ذلك

стр. 467

فوجدوا النار في ثمانية مواضع، فأطفؤوا ذلك، ثم رأوا أن مادة هذه النار لا تنقطع إلا بتنظيف الردم، فاجتمعت الآراء على ذلك بعد توقّف تام من نائب الناظر، وعيّنوا لتعاطيه من يثقون به من الخدام والفقهاء والفقراء، وكان الصواب المبادرة لذلك أولا، ولكن على كل خير مانع، ولا يدري أحد أسرار ما الله في عباده صانع، ولما نظفوا ذلك وجدوا حلية الصندوق المجعول في جهة الرأس الشريف وجانبا من الكسوة وبعض البسط سالما لسقوط الردم عليه، ووجدوا القناديل التي كان التخوّف في تنظيف ذلك المحل لأجلها، وأداروا على الحجرة الشريفة جدارا من الآجر في موضع المقصورة المحترقة، وجعلوا فيها شبابيك وطاقات وأبوابا، وقام بمصروف ذلك بعض النساء المباركات وغيرها، وسامح البناؤون بنصف أجرهم مع توفر المصروف بحاصل المسجد الشريف، وأحضرت تلك المرأة أيضا وغيرها كسوة للحجرة الشريفة من القماش الأبيض فجعلت عليها. وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة عامة لأولي الأبصار، وهو منذر بأمر عظيم، ولهذا اختص به هذا المحل المنسوب إلى النذير ﷺ ، وقد ثبت أن أعمال الأمة تعرض عليه ﷺ ، فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازي بها في موضع عرضها، ولم أزل في وجل مما يعقب ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار، وقد قال تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [الإسراء: ٥٩] ، وقال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: ١٦] وكأن لسان القدرة ينادي: ألا تتعظون بما ترون وتسمعون؟ ألا تنتهون وتنزجرون؟ ألا ترون إلى هذا المحل الشريف مع عظيم نسبته وعلو رتبته ومكانته لما تلوّث باثاركم معشر المذنبين، وتدنّس بأقذاركم كافة الغافلين، أرسلت عليه بحرا من النار السماوية تطهره من تلك الآثار، وتزجركم عن التمادي على الإصرار، وموالاة اتباع الأوزار، وتشهد بصائركم عموم القدرة، فترسلون من الأبصار سوابق العبرة، تأسفا على ما اجترحتموه قبل هذه العبرة، فمن لم ينته بهذا الزاجر الفعلي عن إصراره، ولم يقتبس من هذه النار العظيمة قبسا يهتدي بأنواره، فلينظر فيما حدث عقيب حريق المسجد القديم، ويتفكر في ضعفه عن احتمال العذاب الأليم، حمانا الله من ذلك، وسلك بنا أجمعين أحسن المسالك. ومن العجائب أنه لم يتأتّ إخراج ردم هذا الحريق بعد نقله لمؤخر المسجد حتى حضر الحجّاج من سائر الآفاق للزيارة، وشاهدوا هذه العبرة العظيمة، ورأوا ما اجتمع من الردم كالآكام والتلول الجسيمة، ثم قبيل دخول الحاج مكة بالقعدة الحرام من العام الثاني أرسل الله سيلا عظيما بمكة المشرفة ملأ ما بين الجبلين وعلا جدار أبواب المعلى، ودخل جوف الكعبة الشريفة، وارتفع فيها أزيد من قامة وهدم دورا كثيرة يقال إنها تزيد على ألفي دار،

стр. 468

وذهب بسبب ذلك من الأموال والأنفس ما لا يحصيه إلا الله تعالى، حتى أنهم ضبطوا من وجد تحت الردم بالمسجد الحرام فقط عند تنظيفه فكانت عدتهم نحو الثمانين، وقيل أزيد من مائة، ولم أقف فيما نقل من سيول الجاهلية والإسلام على مثل ذلك، ولما نظفوا ذلك الردم- وهو أتربة ونقض هدم حملها السيل- لم يتأتّ إخراجه قبل وصول الحجاج وصار ذلك كالآرام والتلول العظيمة في المسجد الحرام، فحضر الحجاج كلهم وشاهدوا ذلك، فسبحان من بيده الخلق والأمر لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولما وصل خبر الحريق لرودس من بلاد النصارى أظهروا بذلك فرحا واستبشارا، وتظاهروا بالزينة وضرب النواقيس، فلم يمض ذلك اليوم إلا وقد أرسل الله عليهم زلازل عظيمة هدمت عليهم جانبا من سور البلد والكنيسة وكثيرا من دورهم، وهلك منهم بذلك خلائق لا يحصون، ودامت الزلازل عليهم، أياما، شاهدت ذلك في كتب وردت من ثغر إسكندرية بخط من يعتمد عليه، وذكروا أن المخبر لهم بذلك أهل المراكب الواردة من رودس المذكورة، وأنهم سافروا والزلازل مستمرة بها، وهم يخرجون الموتى من تحت الهدم بعد انتقال من بقي إلى خارج البلد، فتأمل هذه المعجزات النبوية، والآيات الربانية. ولما وصل القاصد إلى مصر المحروسة، واتصل علم الحريق المذكور بسلطانها، عظم ذلك عليه، وبرزت أوامره الشريفة بالمبادرة إلى تنظيف المسجد الشريف، ورأى أن في تأهيل الله تعالى له لعمارة ذلك مزيد التشريف، وكمال التعريف، وأنه كرامة من الله تعالى أكرمه بها، وذخيرة يرجو الفوز بسببها، فاستقبل أمر العمارة بهمة تعلو الهمم العلية، ورسم بإبطال عمائره المكية، وبتوجه شادها السيفي الأمير سنقر الجمالي صحبة الحاج الأول بزيادة على مائة صانع من البنائين والنجارين والنشارين والدهانين والحجارين والنحاتين والحدادين والمرخّمين وغيرهم، وكثير من الحمير والجمال، وصحبته وصحبة أخيه المقر الأشرفي الشجاعي شاهين والأمير قاسم الفقيه شيخ الحرم الشريف مبلغ عشرين ألف دينار، وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطّور والينبع والمدينة الشريفة. ثم جهّز متولي العمارة الأولى بالمدينة الشريفة- وهو الجناب العالي الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن- في أثناء ربيع الأول وصحبته أكثر من مائتي جمل ومن مائة حمار وأزيد من ثلثمائة من الصناع أهل الصنائع الأولى وغيرهم من الحمالين والمبيضين والسباكين والجباسين، وأصرفوا لهم شيئا من الأجرة قبل سفرهم، وقد صارت أحمال المؤن متواصلة قلّ أن تنقطع برا وبحرا، واستقبلوا أمر العمارة بجد واجتهاد، فهدموا المنارة الرئيسية التي أصابها الحريق إلى أساسها، وهدموا من سور المسجد من ركن المنارة التي بباب السلام إلى آخر جدار القبلة وما يليه من المشرق إلى باب جبريل، وما يلي المنارة من المغرب أيضا إلى

стр. 469

باب الرحمة، وأعادوا المنارة الرئيسية وسور المسجد المذكور، وزادوا في عرضه يسيرا، ووسعوا المحراب العثماني، وسقفوا مقدم المسجد سقفا واحدا، بعد أن قصروا أساطينه وجعلوا عليها عقودا من الآجر فوقها أخشاب السقف، وكانت الأساطين المذكورة قبل ذلك واصلة إلى سقف المسجد كهيئة ما بقي من أساطينه في بقية المشرق والمغرب والشام، وجعلوا على المحراب العثماني قبة على رؤوس الأساطين، بعد أن قرنوا إلى كل أسطوانة ثانية، وجمعوا في بعضها بين خمس أساطين؛ ليتأتى لهم عقد القبة المذكورة، وأزالوا الأسطوانة التي كانت في محاذاة الأسطوانة التي إليها المصلّى النبوي بينها وبين المحراب العثماني، وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد وعقودا من الآجر بدلا عن القبة الزرقاء التي كانت قبل الحريق، وكانت تلك على رؤوس السواري كما سبق في الفصل السابع والعشرين، وقدمنا هناك ما حصل من ضيق المسجد من جهة المشرق بسبب ابتناء بعض تلك الدعائم هناك، فخرجوا بجدار المسجد الشرقي- أعني ما حاذى ذلك منه- بنحو عرض الجدار في البلاط الشرقي، وأبقوا الباب المعروف بباب جبريل في محله. ثم أحدثوا أسطوانا في جانب مثلث الحجرة ليشتدّ به العقد الذي عليه القبة في تلك الناحية، وحفروا لذلك أساسا عظيما ظهر بسببه القبر المنسوب في أحد الأقوال لفاطمة الزهراء ﵂، وزادوا دعامتين وعقدا إلى جانب الأسطوانتين اللتين في جهة الوجه الشريف، ولم يبالوا بما حدث بسبب ذلك من الضيق في الموضع المواجه للوجه الشريف داخل المقصورة وغيره لخشيتهم من سقوط القبة المذكورة، وكانوا قد وجدوا في جدار المنارة الرئيسية عند هدمها خزانة وضع الأقدمون بها أوراق المصاحف المحترقة في الحريق الأول وسدوا عليها، فأخرجوا تلك الأوراق ووضعوها في أعلى القبة المذكورة عند ختمها، فبدأ في القبة تشقّق، فقيل لهم: إن ذلك بسبب وضع الأوراق المذكورة بها؛ لأن الله تعالى يقول: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١] فأخرجوا تلك الأوراق منها، فقضيت العجب من ذلك. ومن الغريب أني كنت قد عزمت على التوجه إلى أرض مصر لزيارة والدتي وأهلي قبل الشروع في العمارة المذكورة، فلم أحضر شيئا من ذلك، ومن الله تعالى بالوصول إلى الوالدة والأهل، فتوفيت الوالدة بعد قدومي بعشر ليال، وكانت مدة غيبتي عن أهلي ستة عشر سنة، ثم منّ الله تعالى بالعود إلى المدينة الشريفة بعد تعويض ما تدعو الحاجة إليه من الكتب المحترقة، فوجدتهم قد عمروا القبة المذكورة ومقدم المسجد وعقدوا العقود المتصلة بهذه القبة من المشرق والشام، وجعلوها قبوا بدل السقف، واتخذوا فيما بين الحجرة الشريفة

стр. 470

والجدار القبلي قبة لطيفة، وحولها ثلاثة أخر تسمى مجاريد، وجعلوا بين عقود هذه القباب وبين المنارة الرئيسية التي أعادوها بادهنجا للضوء والهواء، وكان باب المنارة المذكورة من جهة المغرب، فنقلوه إلى جهة الشام، وأحدثوا أمامه أربع درجات بأرض المسجد، وإلى جانبها خزانة، وجعلوا موضع بابها الأول خلوة للخطيب يجلس بها إلى أن يخرج للخطبة يوم الجمعة، وكان جلوسه في الأعصار الخالية هناك مع وجود باب المنارة به، واتخذوا أيضا قبتين أمام باب السلام من داخله، وبنوا الباب المذكور بالرخام الأبيض والأسود وزخرفوه زخرفة عظيمة، وكذلك القباب المذكورة، وخفضوا أرض مقدم المسجد حتى ساوت أرض المصلى الشريف، واتخذوا له محرابا في محل الصندوق الذي كان هناك وزخرفوه بالرخام وكذا المحراب العثماني زخرفة عظيمة، وأعادوا ترخيم الحجرة الشريفة وما حولها وترخيم الجدار القبلي، وأزالوا البناء الذي عمله أهل المدينة في موضع المقصورة المستديرة بالحجرة الشريفة، وأبدلوا ما يلي القبلة من ذلك بشبابيك من النحاس، وبأعلاها شبكة من شريط النحاس كهيئة الزّرد، وجعلوا لبقيتها مما يلي الشام مشبكا مشاجرا من الحديد وفاصلا عن يمين مثلث الحجرة ويساره فيه بابان كما سبق بسط كل ذلك في محله، وعملوا المنبر ودكة المؤذنين من رخام، وجعلوا فيما يلي باب الرحمة وباب النساء إلى مؤخر المسجد دكتين إحداهما بالمسقف الغربي والآخرى بالمسقف الشرقي، وجعلوهما أخفض من الدكاك الشامية يسيرا، وردموهما من أتربة المسجد، واتخذوا فيما أعادوه من الجدار الشرقي خزائن للكتب وطاقات كبارا كالأبواب المقنطرة في أعالي الجدار وطاقات متسعة مستديرة أيضا تكثيرا للضوء، ولم يكن بأعالي الجدار المذكور أولا غير شباك واحد، وجعلوا نظير تلك الطاقات في الجدار القبلي أيضا، وبنو الجدار من ابتداء تلك الطاقات بالآجر، وسبب الاحتياج إلى ذلك أن أساطين مقدم المسجد الشريف كانت واصلة إلى سقفه كما سبق، ولم يكن بذلك قناطر من العقود سوى ما يلي الرحبة من الرواقين اللذين جدّدهما الناصر كما سبق، وكان الساقط من الأساطين بمقدم المسجد هو الأكثر لسقوط العقود التي كانت بين السقفين عليها وقت الحريق واشتعال النار المذيبة للرصاص الذي بين خرز الأساطين، فاقتضى رأيهم إعادة تلك الأساطين قصيرة وتكميلها إلى السقف بعقود القناطر، فأخذت القناطر حصة من الضوء، فعوّضوا ذلك بتلك الطاقات، وأكد عندهم فتحها أخذ متولي العمارة للدور التي في قبلة المسجد المعروفة بدور العشرة ليجعلها مدرسة للسلطان، وعرض الجدار القبلي يسيرا منها، وجعل فيها فتحات لشبابيك متعددة أيضا، ثم صرف الله تعالى عزمه عن ذلك وسد فتحات الشبابيك المذكورة كلها بفصوص الأحجار كنسبة بناء الجدار، وسدّ أيضا الطاقات التي بالجدار القبلي إلا ما يحاذي القبة التي على المحراب العثماني، فجعل لها ولما بقي من الطاقات قمريات من الزجاج وشبكات من شريط النحاس.

стр. 471

ثم استبدل متولي العمارة الرباط المعروف بالحصن العتيق وما في شاميه من المدرسة الجوبانية والدار التي كانت تعرف بدار الشباك- وذلك كله فيما بين باب الرحمة وباب السلام- عند هدم هذا الجانب من الجدار الغربي ليتخذ في ذلك مدرسة ورباطا لسلطان زماننا الأشرف أدام الله تعالى تأييده وتسديده، واتخذ في الجدار المذكور فتحات لشبابيك كثيرة في ثلاث طبقات عدتها ثلاثون فتحة، لأن الفتحة الثالثة من على يسار الداخل من باب السلام في موضع باب خوخة أبي بكر الصديق الآتي ذكرها في أبواب المسجد، جعلوه بابا ينفذ إلى المسجد، وكذا الفتحتان اللتان بينها وبين باب السلام جعلوا لهما بابين إلى المسجد فقط، وصارت هذه الأبواب الثلاثة في المسجد دون المدرسة من أصل حاصل المسجد الذي كان هناك، والفتحة الخامسة- وهي الثالثة من خوخة أبي بكر- جعلوها بابا ينفذ من المسجد إلى أسفل المدرسة، وجعلوا على الفتحات التي في الطبقة العليا شبكة من شريط النحاس شبه الزرد؛ لأنها جعلت لمجرد الضوء، وقد تكلم الناس مع متولي العمارة في أمر الشبابيك واتخاذها بجدار المسجد الشريف القبلي قبل انتقاله إلى هذه الجهة، وكثر الكلام في ذلك، فكاتب السلطان فاستفتى علماء مصر في ذلك فأفتاه جماعة منهم بذلك، فقلدهم فيه، وعوض ما فات من المصاحف والربعات، وبعث بعض ذلك على يدي بحيث اجتمع من ذلك أكثر مما فات، وكذلك الكتب بعث بجانب منها ووعد بإرسال ما يحتاج إليه، وكان من التوفيق بعثه للأمير الكبير الفخري قاسم الفقيه ناظرا على المسجد الشريف وشيخا لخدامه، وهو محب للعلم وأهله، مغرم بتلاوة القرآن الشريف، لم ير على طريقته مثله في هذا الباب؛ فصار يباشر أمر الرّبعات والمصاحف بنفسه ومماليكه، واتخذ لها كراسيّ صغارا يوضع عليها بالروضة الشريفة في أوقات الصلوات النهارية، فيقرأ هو والناس فيها؛ فعم نفعها. ولما قارب المسجد التمام أخذوا في عمارة الرباط والمدرسة المذكورين، وأسسوا لهما منارة في ناحيتهما التي تلي باب الرحمة، وشرعوا أيضا في عمارة رباط آخر بدل رباط الحصن العتيق، وفي حمام قبالة الرباط المذكور استأجروا أرض الحمام من الناظر على الميضأة التي بباب السلام فإنها منها، وشرعوا أيضا في عمارة سبيل وفرن وطاحون ومطبخ للدشيشة ووكالة ذات حواصل في الدور التي اشتروها قبل ذلك للسلطان من دور العباس وما يلي ذلك في جهة القبلة، وذلك أن السلطان أعز الله تعالى أنصاره بعد رجوعه من الحج شرع في شراء أماكن وجعلها وقفا ليحمل ريعها إلى المدينة الشريفة ليفرّق منه على أهلها ويعمل منه سماط كسماط الخليل ﵇، وأبرز لذلك ستين ألف دينار كما ذكرناه في الفصل الثالث والثلاثين، فاتخذوا هذه الأماكن لذلك، وهو أمر لم يسبق إليه، فسح الله تعالى في أجله، وبلغه من الخير غاية سؤاله وأمله، ولم يكن بالمدينة الشريفة حمام قبل ذلك من مدة مديدة، وكذا الطاحون، وإنما يستعملون الأرحاء التي تدار بالأيدي.

стр. 472

ثم كتب إلى بعض الثقات بتكامل تحصيل تلك الأماكن، وأن متحصلها سبعة آلاف إردب وخمسمائة إردب من الحبّ في كل سنة، وأن السلطان أدام الله نصره أنجز وقفها وشرع في عمارة أماكن بمصر تقوية للوقف، ورسم بإبطال المكوس بالمدينة وتعويض أميرها. وقد كملت سقف المسجد النبوي كلها في أواخر شهر رمضان عام ثمان وثمانين وثمانمائة، وتمت عمارة المسجد الشريف عقب ذلك، ولم يبق سوى اليسير من العمائر السابق ذكرها وإكمال ترخيم المدرسة الأشرفية. وفي عام تسع وثمانين حضر جماعة من الدهانين بعث بهم السلطان الأشرف أعز الله أنصاره من مصر لمحو ما بلغه أنه جعل في بعض سقف المسجد الشريف من الدهان بالنيلة وإبداله باللازورد، وجهّز معهم أساقيل لذلك، فعملوه على أحسن وجه، ثم جهز؟ الأشرف عين الأعيان ونخبة الزمان البهائي بهاء الدين أبا البقاء بن الجيعان عظم الله شأنه وأسبغ عليه نعمه وإحسانه في ركب مع جماعة من خواصه، فوصل إلى المدينة الشريفة سابع ذي القعدة الحرام من العام المذكور، ومعه أحمال من كتب العلوم الشرعية موقوفة بالمدرسة الأشرفية، وأحمال كثيرة من الحبّ والدقيق والقدور النحاس التي جعلت برسم السّماط المتقدم ذكره، وبقايا آلات العمارة مما جهز في المراكب الشريفة إلى الينبع، فقرر أمر السماط، فصرف لكل شخص من المقيمين من الحب ما يكفيه على حسب عدة عياله، لكل نفر سبع إردب مصري بتقديم السين على الموحدة، وسوّى في ذلك بين الصغير والكبير والحر والعبد، وجعل للآفاقيين ما يكفيهم من الخبز وطعام الجشيشة في كل يوم، وقرر أمر المدرسة، وصرف للمرخمين وغيرهم من أرباب الصنائع مصروف بقية عملهم، وأحسن النظر في ذلك حتى زاد جماعة منهم من ماله وتلطف بهم وأحسن، فانطلقت الألسن بالدعاء له، أحسن الله له الجزاء، وجعل نصيبه من خيري الدارين من أوفر الأجزاء. وقد قارن هذه العمارة من السعد وتسهيل الأمور ما لا يوصف، ويسر الله تعالى لهم من آلات العمارة ما لم نكن نظن حصوله بنواحي المدينة الشريفة، خصوصا أخشاب الدّوم، فقطعوا من الموضع المعروف بالشقرة ومن الصويدرة ومن الفرع وغير ذلك ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وكذلك أخشاب السّمر. وقد أخبرني بعض المباشرين لهذه العمارة الميمونة أن المصروف فيها وفيما شرعوا فيه من عمارة المدرسة وتوابعها نقدا وأثمان آلات وبهائم وغير ذلك مائة وعشرون ألف دينار، ومع ذلك فلم يتم بعد. ثم بعد أن منّ الله تعالى بإتمامها بلغ السلطان الأشرف أن متولي العمارة تسمح في

стр. 473

استعمال مؤن غير صالحة، وأن القبة التي سبق اتّخاذها على أعلى ما يحاذي الحجرة الشريفة قد تشققت ثم رمّت ثم تشققت، ولم يفد الترميم فيها، وأن المنارة الرئيسية قد مالت، مع أمور أخرى، فتغير خاطره على متولي العمارة، ثم انتخب لذلك المقر الشجاعي شاهين الجمالي لما اشتمل عليه من الفضل والنبل وإصابة الرأي، وفوض إليه أيضا مشيخة الحرم ونظره ونظر السماط، فورد المدينة الشريفة في موسع عام أحد وتسعين وثمانمائة، وجمع الناس للنظر في ذلك، وراجع فيه أهل الخبرة، فاقتضى الحال هدم المنارة الرئيسية وهدم أعالي القبة المذكورة، ولما هدم المنارة المذكورة ظهر أن الخلل من عدم المبالغة في حفر أساسها، فحفر أساسها حتى بلغ به الماء، واتخذ لها أحجارا من الحجر الأسود متقنة، وأحكم بناءها مع الحسن الفائق، بحيث لم ير قبلها بالمدينة الشريفة مثلها، وجعل بابها من المغرب في محله الأول، وأبطل تلك الدرج المحدثة بأرض المسجد على ما سبق، وأما القبة فاتخذ في الطاقات المحيطة بجوانبها سقفا يمنع من سقوط ما يهدم منها إلى أرض الحجرة الشريفة، ثم شرع في هدمها وإعادتها، بحيث لم يرفع كسوة الحجرة الشريفة ولم يتخذ المسجد طريقا للعمال في ذلك، بل اتخذ أساقيل يمشي عليها إلى سطح المسجد في ناحيته الشرقية، واتخذ حاجزا لمحل المنارة يحول بينها وبين المسجد بحيث يظن الظان أن المسجد لا عمارة به، وصانه أيضا من الامتهان بعمل أرباب الصنائع، فجزاه الله تعالى خير الجزاء، وجعل ثوابه على ذلك من أوفر الأجزاء. وقد جاءت القبة حسنة مع الإتقان، حتى إنه استصحب في هذه العمارة الجبس من مصر المحروسة، واستعمله في البناء، وحرص على إتقان الآجر، وزاد العمال فيه على عادتهم، ولم يوفق متولي العمارة قبله لشيء من ذلك، سامحه الله، وكل ميسّر لما خلق له. وقد ذكر ابن النجار ما كان عليه الخلفاء من الاهتمام بعمارة المسجد النبوي فقال: ولم يزل الخلفاء من بني العباس ينفذون الأمراء على المدينة الشريفة، ويمدونهم بالأموال لتجديد ما ينهدم من المسجد النبوي، فلم يزل ذلك متصلا إلى أيام الناصر لدين الله، أي الخليفة في زمنه، قال: فإنه ينفذ في كل سنة من الذهب العين الإمامي ألف دينار لعمارة المسجد، وينفذ عدة من النجارين والبنائين والنقاشين وأرباب الحرف، وتكون مادتهم مما يأخذونه من الديوان ببغداد من غير هذه الألف، وينفذ من الحديد والصناع والرصاص والحبال والآلات شيئا كثيرا، ولا تزال العمارة متّصلة في المسجد حتى إنه ليس به موضع أصبع إلا وهو عامر، انتهى. قلت: وعقب وفاة ابن النجار بيسير انتقل أمر المدينة الشريفة إلى ملوك مصر، ولم يزل ملوكها يهتمون بعمارة هذا المسجد الشريف، ومن أعظمهم همة في ذلك، وأحبهم في

стр. 474

سلوك هذه المسالك، سلطان زماننا الملك المالك لصفوة الممالك الأشرف أبو النصر قايتباي، أعزّ الله أنصاره، وضاعف اقتداره؛ فلذلك أجرى الله على يديه هذه العمارة، وآثره بهذه الأثارة، ومن تأمل ما قدمناه في الفصل السادس والعشرين في الحريق الأول عن المؤرخين من عمل سقف المسجد على يد من سبق وطول مدته وصفته، وأحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا في عمارته، حكم يقينا بعلو همته، وفخار منقبته ومرتبته، واختصاصه بما لم يفز به من سبقه؛ فكان هو سابقا، وإن عد في الزمان لاحقا، وقد ذكرنا ما له بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة، وبعض مناقبه الجليلة، في الفصل الثالث والثلاثين في خوخة آل عمر ﵁ لما خصه الله به من حسم مادة المفاسد المترتبة عليها في زماننا، وأمره بسدّ طابقها، شكر الله صنيعه، وحصّنه من العداة بحصونه المنيعة. خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، وذكر السبب في ذلك، وما ناسبه اعلم أني قد وقفت على رسالة قد صنّفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى، وسماها بعضهم «بالانتصارات الإسلامية» ورأيت عليها بخط تلميذه شيخ مشايخنا زين الدين المراغي ما صورته «نصيحة أولي الألباب، في منع استخدام النصارى كتاب» لشيخنا العلامة جمال الدين الأسنوي، ولم يسمه، فسميته بحضرته، فأقرني عليه، انتهى. فرأيته ذكر فيها ما لفظه: وقد دعتهم أنفسهم- يعني النصارى- في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجّد يأتي به بالليل، وأوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده، فرأى النبي ﷺ في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنجدني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعا، ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال: لم يبق نوم، وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي، فأرسل خلفه ليلا، وحكى له جميع ما اتفق له، فقال له: وما قعودك؟ اخرج الآن إلى المدينة النبوية، واكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته، وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا، وصحبته الوزير المذكور، ومال كثير، فقدم المدينة في ستة عشر يوما، فاغتسل خارجها ودخل فصلى بالروضة، وزار، ثم جلس لا يدري ماذا يصنع، فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي ﷺ ، وأحضر معه أمولا للصدقة، فاكتبوا من عندكم، فكتبوا أهل المدينة كلهم، وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي ﷺ له فلا يجد تلك الصفة،

стр. 475

فيعطيه ويأمره بالانصراف، إلى أن انقضت الناس، فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة؟ قالوا: لا، فقال: تفكروا وتأملوا، فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئا، وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج، فانشرح صدره وقال: علّي بهما، فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي ﷺ إليهما بقوله: أنجدني، أنقذني من هذين، فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب، جئنا حاجّين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله ﷺ ، فقال: اصدقاني، فصمّما على ذلك، فقال: أين منزلهما؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة، فأمسكما وحضر إلى منزلهما، فرأى فيه مالا كثيرا وختمتين وكتبا في الرقائق، ولم ير فيه شيئا غير ذلك، فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبي ﷺ وزيارة البقيع كل يوم بكرة وزيارة قباء كل سبت، ولا يردان سائلا قط بحيث سدّا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله! ولم يظهر شيئا مما رآه، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه، فرفع حصيرا في البيت، فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة، فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك: اصدقاني حالكما وضربهما ضربا شديدا، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زيّ حجاج المغاربة، وأمالوهما بأموال عظيمة، وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيّلته لهم أنفسهم، وتوهموا أن يمكنهم الله منه، وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زيّنه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة، وفعلا ما تقدم، وصارا يحفران ليلا، ولكل منهما محفظه جلد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته، ويخرجان لإظهار زيارة البقيع، فيلقيانه بين القبور، وأقاما على ذلك مدة، فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت، وحصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة. واتفق إمساكهما واعترافهما، فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه، ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره بكى بكاء شديدا، وأمر بضرب رقابهما، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة، وهو مما يلي البقيع، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها، وأذيب ذلك الرصاص، وملأ به الخندق، فصار حول الحجرة الشريفة سورا رصاصا إلى الماء، ثم عاد إلى ملكه، وأمر بإضعاف النصارى، وأمر ألايستعمل كافر في عمل من الأعمال، وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعا، انتهى. وقد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار، ولم يذكر عمل الخندق حول الحجرة وسبك الرصاص به، لكن بيّن السنة التي وقع فيها ذلك مع مخالفة لبعض ما تقدم، فقال في الكلام على سور المدينة المحيط بها اليوم: وصل السلطان نور الدين محمود بن زنكي بن

стр. 476

اقسنقد في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها ذكرها بعض الناس وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عمن حدثه من أكابر من أدرك أن السلطان محمودا المذكور رأى النبي ﷺ ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول في كل واحدة: يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها والوزير معه، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع، فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم، فطلب الناس عامة للصدقة، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة، وقال: لا يبقيّن أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي ﷺ من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب التي تعرف اليوم بدار العشرة، فطلبهما للصدقة فامتنعا وقالا: نحن على كفاية ما نقبل شيئا، فجدّ في طلبهما، فجيء بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما، فقالا: لمجاورة النبي ﷺ ، فقال: اصدقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما فأقرّا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة باتفاق من ملوكهم، ووجدهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه، هكذا حدثني عمن حدثه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي ﷺ خارج المسجد، ثم أحرقا بالنار آخر النهار وركب متوجها إلى الشام، انتهى. وقد ساق المجد هذه الواقعة على الوجه الذي ذكره المطري فقال: ومن الحوادث في المسجد الشريف ما نقله جماعة من مشايخ المدينة وعلمائها، وذكر ما تقدم، وكذلك الزين المراغي ذكر ما تقدم عن المطري نقلا عنه، وزاد أن وزير السلطان نور الدين الذي استحضره وذكر له القصة هو الموفق خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر، قال: وكان موفقا، انتهى. ومأخذه في ذلك- كما رأيته في حاشية بخطه على كتابه- أن الذهبي قال في ترجمة الموفق هذا: موفق الدين، أبو البقاء، صاحب الخط المنسوب، وكان صدرا، نبيلا، وافر الحشمة، وزر للسلطان نور الدين، توفي بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، انتهى. وقد خالف الزين في ذلك ما قدمناه عن شيخه الأسنوي من تسمية الوزير المذكور بجمال الدين الموصلي، ولا يلزم من كون الموفق وزر للسلطان نور الدين أن يكون هو

стр. 477

الوزير عند وقوع الرؤيا المذكورة، لاحتمال أنه وزر له بعد ذلك أو قبله، وجمال الدين الموصلي هذا هو الجواد الأصفهاني، وقد تقدم ذكره في ترخيم الحجرة، ووصفه بأنه وزير بني زنكي؛ لأنه كان وزير والد نور الدين الشهيد الذي هو زنكي ثم وزر لولده غازي، وأدرك دولة نور الدين الشهيد وزمان هذه الواقعة؛ فالظاهر أنه وزر له، وأنه المراد في هذه الواقعة. والعجب أني لم أقف على هذه القصة في كلام من ترجم نور الدين الشهيد مع عظمها، وهي شاهدة لما ذكره الإمام اليافعي في ترجمته من أن بعض العارفين من الشيوخ ذكر أنه كان في الأولياء معدودا من الأربعين وصلاح الدين نائبه من الثلاثمائة، انتهى. وقال ابن الأثير: طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، انتهى. وقد اتفق بعد الأربعمائة من الهجرة ما يقرب من قصة رؤيا نور الدين الشهيد المتقدمة على ما نقله الزين المراغي عن تاريخ بغداد لابن النجار، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن المبارك المقري، عن أبي المعالي صالح بن شافع الجلي، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن محمد المعلم، ثنا أبو القاسم عبد الحليم بن محمد المغربي أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي ﷺ وصاحبيه من المدينة إلى مصر، وزيّن له ذلك، وقال: متى تم لك ذلك شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، وكانت منقبة لسكانها، فاجتهد الحاكم في مدة وبنى بمصر حائزا، وأنفق عليه مالا جزيلا. قال: وبعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف، فلما وصل إلى المدينة الشريفة وجلس بها حضر جماعة المدنيين وقد علموا ما جاء فيه، وحضر معهم قارئ يعرف بالزلباني، فقرأ في المجلس وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٢- ١٣] فماج الناس، وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه من الجند، وما منعهم من السرعة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم. ولما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم: الله أحق أن يخشى، والله لو كان علي من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع، وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه كيف نهض في مثل هذه المخزية، فما انصرف النهار ذلك اليوم حتى أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من قوتها حتى دحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك أكثرها وخلق من الناس، فانشرح صدر أبي الفتوح وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره من امتناع ما جاء فيه.

стр. 478

قلت: ونقل ابن عذرة في كتاب «تأسي أهل الإيمان، فيما جرى على مدينة القيروان» لابن سعدون القيرواني ما لفظه: ثم أرسل الحاكم بأمر الله إلى مدينة الرسول ﷺ من ينبش قبر النبي، فدخل الذي أراد نبشه دارا بقرب المسجد وحفر تحت الأرض ليصل إلى قبر النبي ﷺ ، فرأوا أثوارا، وسمع صائح: إن بنيكم ينبش، ففتش الناس فوجدوهم وقتلوهم، انتهى. ومما يناسب ذلك ما ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة في فضائل العشرة، قال: أخبرني هارون بن الشيخ عمر بن الزعب- وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاة والعبادة- عن أبيه، وكان من الرجال الكبار- قال: كنت مجاورا بالمدينة وشيخ خدام النبي ﷺ إذ ذاك شمس الدين صواب اللمطي، وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء والشفقة عليهم، وكان بيني وبينه أنس فقال لي يوما: أخبرك بعجيبة، كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمس حاجتي إليه، فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال: أمر عظيم حدث اليوم، قلت: وما هو؟ قال: جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير بذلا كثيرا، وسألوه أن يمكنهم من فتح الحجرة وإخراج أبي بكر وعمر ﵄ منها، فأجابهم إلى ذلك، قال صواب: فاهتمت لذلك هما عظيما، فلم أنشب أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه، فأجبته، فقال لي: يا صواب يدقّ عليك الليلة أقوام المسجد، فافتح لهم، ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم، ولا تعترض عليهم، قال: فقلت له: سمعا وطاعة، قال: وخرجت ولم أزل يومي أجمع خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لي دمعة ولا يشعر أحد ما بي، حتى إذا كان الليل وصلينا العشاء الآخرة وخرج الناس من المسجد وغلقنا الأبواب فلم ننشب أن دقّ الباب الذي حذاء باب الأمير، أي باب السلام، فإن الأمير كان سكنه حينئذ بالحصن العتيق. قال: ففتحت الباب، فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد، ومعهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر. قال: وقصدوا الحجرة الشريفة، فو الله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم من الآلات، ولم يبق لهم أثر. قال: فاستبطأ الأمير خبرهم، فدعاني، وقال: يا صواب ألم يأتك القوم؟ قلت: بلى، ولكن اتفق لهم ما هو كيت وكيت، قال: انظر ما تقول، قلت: هو ذلك، وقم فانظر هل ترى منهم باقية أو لهم أثرا، فقال: هذا موضع هذا الحديث، وإن ظهر منك كان يقطع رأسك، ثم خرجت عنه، قال المحب الطبري: فلما وعيت هذه الحكاية عن هارون حكيتها لجماعة من الأصحاب فيهم من أثق بحديثه فقال: وأنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبد الله القرطبي بالمدينة والشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها بأذني من فيه، انتهى ما ذكره الطبري.

стр. 479

قلت: وقد ذكر أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي محمد المرجاني هذه الواقعة باختصار في تاريخ المدينة له، وقال: سمعتها من والدي، يعني الإمام الجليل أبا عبد الله المرجاني، قال: وقال لي: سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها من خادم الحجرة، قال أبو عبد الله المرجاني: ثم سمعتها أنا من خادم الحجرة الشريفة، وذكر نحو ما تقدم، إلا أنه قال: فدخل خمسة عشر- أو قال عشرون- رجلا بالمساحي والفاف، فما مشوا غير خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض ولم يسم الخادم، والله أعلم. الفصل الثلاثون في تحصيب المسجد الشريف وذكر البزاق فيه، وتخليقه، وإجماره، وذكر شيء من أحكامه أول تحصيب المسجد النبوي روى أبو داود في سننه عن أبي الوليد قال: سألت ابن عمر عن الحصباء الذي في المسجد، فقال: مطرنا ذات ليلة، فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يأتي بالحصباء في ثوبه ويبسطه تحته، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: ما أحسن هذا؟ وهو صريح في جعل الحصباء في المسجد في زمنه ﷺ . ويؤيده ما رواه أصحاب السنن من حديث أبي ذر: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصباء، وكذا ما رواه أحمد من حديث حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء حتى عن مسح الحصى، فقال: واحدة أو دع، وكذا ما رواه أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة، قال أبو بدر: أراه رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد، لكن قد سئل الدارقطني عن هذا الحديث فذكر أنه روي موقوفا على أبي هريرة، وقال: رفعه وهم من أبي بدر. وروى يحيى عن بعض السلف أنه كان إذا خرج بالحصاة من المسجد في ثوبه أو نعله أمر بردّها إلى المسجد. وروى ابن شبة عن سليمان بن يسار قال: الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى ترد إلى موضعها. وذكر البرهان بن فرحون أن مالكا سئل عن الرجل يخرج من المسجد فيجد شيئا من حصى المسجد قد تعلّق بوجهه، أيلزمه ردّه إلى المسجد؟ فقال: لا يلزمه ذلك، وأرخص له في طرحه، فقال السائل: يا أبا عبد الله إنهم يقولون إذا أخرجت الحصاة من المسجد تصيح حتى ترد إلى المسجد، فقال له مالك: دعها تصيح حتى ينشق حلقها، فقال: أولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح؟

стр. 480

وروى ابن شبة عن ابن عباس أنه قال لنفيع في الحصاة: ردّها وإلا خاصمتك يوم القيامة. وحكى الأقشهري عن شيخ الخدام ظهير الدين بن عبد الله الأشرفي قال: أتاني عام خمسة عشر وسبعمائة رجل من الشام في موسم الحاج وقال: كنت حججت عام أول وحملت شيئا من تراب المسجد وحصبائه، فلم أزل أراه في المنام يقول لي: ردّني إلى موضعي، عذّبتني عذبك الله، فها أنا أتيت به، قال: فأخرج صرة فيها ما ذكره، فصببناها في المسجد، انتهى. والذي يقتضيه كلام المؤرخين أن تحصيب المسجد إنما حدث في زمان عمر بن الخطاب؛ فقد روى يحيى عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الأزهري قال: قال عمر بن الخطاب حين بنى مسجد رسول الله ﷺ : ما ندري ما نفرش في مسجدنا، فقيل له: افرش الخصف والحصر، قال: هذا الوادي المبارك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «العقيق واد مبارك» قال: فحصبه عمر بن الخطاب ﵁. وروى ابن زبالة عن عبيد الله بن عمر قال: قدم سفيان بن عبد الله الثقفي على عمر بن الخطاب ﵁ ومسجد النبي ﷺ غير محصوب، فقال: أما لكم واد؟ فقال عمر: بلى، قال: فاحصبوه منه، فقال عمر: احصبوه من هذا الوادي المبارك، يعني العقيق. قال المطري: رمل المسجد الشريف- أي الذي يحصب به- يحمل من وادي العقيق، من العرصة التي تسيل من الجماء الشمالية إلى الوادي، وليس بالوادي رمل أحمر غير ما يسيل من الجماء، وهو رمل أحمر يغربل ثم يفرش في المسجد، انتهى. وروى ابن زبالة من طريق الضحاك عن بشر بن سعيد أو سليمان بن يسار- شكّ الضحاك- أنه حدّث أن المسجد كان يرش في زمان النبي ﷺ وزمان أبي بكر وعامة زمان عمر، وكان الناس يتنخمون فيه ويبصقون حتى عاد زلقا، حتى قدم ابن مسعود الثقفي، فقال لعمر: أليس قربكم واد؟ قال: بلى، قال: فمر بحصباء تطرح فيه فهو أكف للمخاط والنخامة، فأمر عمر بها، وهذه الرواية مع ضعفها قد اشتملت على أنهم كانوا يبصقون في المسجد. حكم البزاق في المسجد وفي الصحيحين عن أنس مرفوعا «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» . وقد رواه ابن زبالة، وروى أيضا عن ابن عمر أن النبي ﷺ رأى نخامة في المسجد فقال: «من فعل هذا جاء يوم القيامة وهي في وجهه» . وعن عبد الله بن قسيط مرفوعا: «لا يبصق في مسجدي هذا» .

стр. 481

وحديث ابن عمر رواه البزار وابن خزيمة في صحيحه، وروى أحمد عن أبي أمامة أنه ﷺ قال: «البصاق في المسجد سيئة، ودفنه حسنة» . ورواه ابن شبة بمعناه. وروى أيضا عن أبي هريرة قال: «إن المسجد لينزوى من النخامة كما ينزوي الجلد من النار» ولهذا جزم النووي في التحقيق وشرح المهذب بتحريمه. ووقع في عبارة بعض أصحابنا التعبير بالكراهة، وحملها بعضهم على كراهة التحريم، وقال بعض العلماء: إنما يكون البزاق في المسجد خطيئة لمن لم يدفنه لأنه يقذر المسجد ويتأذى به. قال القرطبي: ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي ذر الذي رواه مسلم وغيره: «ووجدت في مساوي أعمالها- أي: الأمة- النخامة تكون في المسجد لا تدفن» فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك وببقائها غير مدفونة. قلت: الرواية الأولى بينت أن الفعل خطيئة، وأن الدفن يكفرها كما يكفر الجلد معصية الزنى، فلتحمل الرواية الآخرى عليها؛ لأن الإخبار فيها عما استقر عليه الأمر، لكن روى ابن شبة من طريق الفرج بن فضالة عن أبي سعيد قال: رأيت واثلة بن الأسقع دخل مسجد دمشق فصلى فيه، فبزق تحت رجله اليسرى ثم عركها، فلما انصرفت قلت له: أنت صاحب رسول الله ﷺ تبزق في المسجد؟ فقال: هكذا رأيت النبي ﷺ صنع. ورواه أبو داود من الطريق المذكورة بنحوه، وفرج بن فضالة ضعّفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد، واقتصر الحافظ ابن حجر في التقريب على تضعيفه. وروى ابن شبة أيضا بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من دخل مسجدي هذا فبزق أو تنخم فليحفر فليبعد وليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه حتى يخرج به» وهذا لو صح كان حجة لهذا المذهب. فإن قيل: يعضده حديث البخاري عن أنس أن النبي ﷺ «رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا؟ وكذا ما رواه ابن شبة بإسناد جيد عن أبي نضرة أن النبي ﷺ «رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب غضبا شديدا حتى كاد يدعو على صاحبها، ثم قال: لا يبزق أحدكم في قبلته؛ فإن ربه مستقبلة، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، فإن كان على يساره أحد فليبزق في ثوبه» وفي رواية: «فإن اكن عن يساره أحد يكره أن يبزق نحوه فليبزق في ثوبه، وبزق النبي ﷺ في ثوبه وحكّ بعضه ببعض» فاقتضى ذلك جواز البصاق في المسجد فيما عدا القبلة واليمين حالة الصلاة، وهو مقيد بالدفن لما سبق.

стр. 482

قلنا: مساق الحديث لبيان أدب المصلي في كيفية البصق، من غير تعرض لكونه في مسجد، والبصاق في المسجد قد بينه منطوق الحديث السابق؛ فلا يترك بهذا، وأفاد القفال في فتاويه- وقد ذكر حديث النخامة في المسجد- فائدة حسنة فقال: هذا الخبر محمول على ما إذا نزلت النخامة من الرأس، أما إذا كانت من الصدر فهي نجسة؛ فلا يجوز دفنها في المسجد» . وروى أبو داود من حديث ابن عمر قال: بينا رسول الله ﷺ يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكّها، وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطّخه به، وقال: إن الله قبل وجه أحدكم فلا يبزقن بين يديه. وروى ابن شبة عن شيخه خلاد بن يزيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلّى صلاة ذات يوم، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فلما قضى صلاته أخذ عودا فحكها، ثم دعا يخلوق فخلّق مكانها، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إذا صلى أحدكم فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه؛ فإنه يستقبل الرب بوجهه. مبدأ تخليق المسجد وروى ابن شبة أيضا بسند جيد إلى أبي الوليد قال: قلت لابن عمر: ما بدء الزعفران- يعني: في المسجد- فقال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في المسجد، فقال: ما أقبح هذا! من فعل هذا؟ فجاء صاحبها فحكها وطلاها بزعفران، فقال رسول الله ﷺ : هذا أحسن من ذلك. ورواه يحيى بلفظ: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن ألا تخبرني ما كان بدء هذه الصفرة التي في قبلة المسجد؟ قال: نعم، صلى بنا رسول الله ﷺ حتى إذا انصرف رأى نخامة في القبلة، وذكره، وقال: فسارع الناس إليه، فكان هذا بدأه. وروى النسائي وابن ماجه عن أنس قال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، فجعلت مكانها خلوقا، فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا! وروى ابن شبة أيضا بسند جيد عن أبي نضرة أن ذلك الذي بزق في قبلته جاء بشيء من زعفران فطلى ذلك المكان، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ . وروي أيضا بسند لا بأس به قال: أبصر رسول الله ﷺ في حائط المسجد بزاقا، فحكه على خرقة، وأخرجه من المسجد، فجعل مكانه شيئا من طيب أو زعفران أو ورس. وعن إبراهيم بن قدامة عن أبيه أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة، فأصبح مكتئبا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا؟ قال: لا شيء إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم عملت خلوقا فخلّقتها، فكانت أول من خلّق القبلة.

стр. 483

وروي أيضا برجال ثقات عن جابر عن عبد قال: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة مسجدنا نخامة فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله، قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق قبل يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل هكذا بثوبه، ثم طوى بعضه على بعض، أروني عبيرا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته، فأخذه النبي ﷺ على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر ﵁: فمن هنالك جعلتم الخلوق في مساجدكم. وقد رواه أبو داود بنحوه وجابر هو من بني حرام بطن من بني سلمة، ومسجدهم كان بمنازلهم التي في غربي بطحان ومساجد الفتح، وليس هو مسجد القبلتين كما وقع للمطري وجماعة حتى جعلوا أمر الخلوق له لما سنبينه. وسيأتي ما رواه ابن زبالة من حديث جابر أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني حرام بالقاع، وأنه رأى في قبلته نخامة، وكان لا يفارقه عرجون ابن طاب يتخصر به، وذكر الحديث الآتي، وفيه «فكان أول مسجد خلّق» . وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي سهلة السائب بن خلاد من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا أمّ قوما فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: لا يصلى لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: نعم، وحسبت أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله. وفي رواية أوردها المجد أن النبي ﷺ لما رأى النخامة في المحراب قال: من إمام هذا المسجد؟ قالوا: فلان، قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لم عزلك النبي ﷺ من الإمامة؟ فقال: رأى نخامة في المحراب، فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز رسول الله ﷺ فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: امرأة الإمام، قال: وهبت ذنبه لامرأته ورددته إلى إمامته. قلت: واختلاف هذه الروايات صريح في أنها وقائع متعددة؛ فلا تعارض فيها، نعم هي متضمنة للرد على ما رواه ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال: كان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين عثمان ﵁، وتقدم في الفصل الرابع من رواية يحيى عن جابر بنحوه، إلا أن يحمل على أن المراد أنه اتخذ له الخلوق من بيت المال. ونقل ابن زبالة عن ابن عجلان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على المدينة أن لا يخلق إلا القبلة، وأن يغسل الأساطين، قال: فلم تكن الأساطين تخلّق في سلطانه.

стр. 484

تخليق القبر وقدمت الخيزران أم موسى في سنة سبعين ومائة، فأمرت بالمسجد فخلّق وولي ذلك من تخليقه مؤنسة جاريتها، فقام إليها إبراهيم بن الفضل بن عبد الله مولى هشام بن إسماعيل فقال: هل لكم أن تسبقوا من بعدكم وأن تفعلوا ما لم يفعل من كان قبلكم؟ قالت له مؤنسة: وما ذلك؟ قال: تخلقون القبر كله، ففعلوا، وإنما كان يخلق منه ثلثاه أو أقل، وأشار عليهم فزادوا في خلوق أسطوان التوبة والأسطوان التي هي علم عند مصلى النبي ﷺ ، فخلقوهما حتى بلغوا بهما أسفلهما، وزادوا في الخلوق في أعلاهما. وروى بعضهم عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ [البقرة: ١٢٥] الآية، قال: طهرا بيتي نظفاه وبخراه وخلقاه. تجمير المساجد وروى يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن علي بن حسن بن حسن بن حسن- وكان من خيار الناس- أن رسول الله ﷺ أمر بإجمار المسجد، قال: ولا أعلمه إلا قال: يوم الجمعة. وروى ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمّروها في الجمع. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. وروى يحيى من طريق محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه قدم على عمر بن الخطاب بسفط من عود، فلم يسع الناس، فقال عمر: أجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون، فبقيت سنة في الخلفاء إلى اليوم، يؤتى كل عام بسفط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر من خلفه إذا كان الإمام يخطب. وعن سعد القرظ قال: قدم على عمر بعود، فقسمه بين المهاجرين، ثم قسم للمسجد حظا، فكان يجمره في الجمع، فجرى ذلك إلى اليوم، وولاه سعد القرظ؛ فكان الذي يجمر. وقد تقدم من رواية يحيى أيضا في الكلام على حكم قناديل الحجرة أن عمر أتى بمجمرة من فضة، وأنه دفعها إلى سعد جد المؤذنين وقال: أجمر بها في الجمعة وشهر رمضان، وكان سعد يجمر بها في الجمعة، وكانت توضع بين يدي عمر بن الخطاب. وروى ابن زبالة عن نعيم المجمر عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: تحسن تطوف على الناس بالمجمرة تجمرهم؟ فقال: نعم، فكان عمر يجمرهم يوم الجمعة.

стр. 485

وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة. فرش المساجد قال أصحابنا: ويستحب فرش المسجد، وقد ترجم البخاري للصلاة على الخمرة، وروي عن ميمونة أنها كانت تصلي عليها، وقال ابن زيد: الخمرة هي السجادة، وقال الطبري: هي مصلى صغير ينسج من سعف النخل ويرسل بالخيوط، وقال البخاري في صحيحه: وصلّى أنس على فراشه، وقال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيسجد أحدنا على ثوبه، وقال يحيى: حدثنا أبو مصعب قال: حدثنا مالك عن عمه أبي إسماعيل بن مالك عن أبيه أن طنفسة لعقيل بن أبي طالب كانت تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب ﵁، قال: ثم يرجع بعد صلاة الجمعة فقيّل قائلة الضحى، ورواه ابن زبالة أيضا، وروى يحيى عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله ﷺ قال: تفقدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم. وعن موسى بن يعقوب أن النبي ﷺ اتبع غبار المسجد بجريدة. ورواه ابن أبي شيبة عن يعقوب بن زيد، ولفظه: أن النبي ﷺ كان يتبع غبار المسجد بجريدة. وقد ذكرنا في آخر الكلام على فضل المسجد شيئا مما جاء في النهي عن قربان المسجد لمن أكل الثوم أو البصل، وذكرنا في زيادة عمر ﵁ في الكلام على البطيحاء ما جاء في النهي عن رفع الصوت فيه، وما يتعلق بإنشاد الشعر فيه، وذكرنا في زيادة الوليد ما يتعلق بالصلاة على الجنائز فيه، وروى ابن شبة عن شيبة بن قصاح مرسلا أن النبي ﷺ قال: إذا رأى أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد فليحفر لها فليدفنها، وليبصق عليها، فإن ذلك كفارتها. ورواه ابن زبالة ثم روى عن محمد بن المنكدر قال: أخبرني من رأى أبا هريرة يدفن قملة في المسجد، وروى يحيى عن يوسف بن ماهك قال: رأيت عبيد بن عمير أخذ من ثوب ابن عمر قملة فدفنها في المسجد، وعن أبي بكر بن المنكدر قال: رأيت عمي محمد بن المنكدر يأخذ القملة وهو في المسجد فيقتلها في المسجد فيبزق عليها، وعن جعفر بن محمد قال: لا بأس بأن يدفن القملة في المسجد. قلت: وهذه الأشياء لا تقوم الحجة بها. وقد روى أحمد في مسنده عن أيوب قال: وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ : «لا تفعل ردّها في ثوبك حتى تخرج من المسجد» وروى ابن شبة بسند جيد عن يحيى بن أبي كثير اليماني عن الحضرمي أن النبي ﷺ قال: إذا أبصر أحدكم القملة وهو يصلي في المسجد فليصرها في ثوبه ولا يقتلها في المسجد. وروى يحيى عن ابن عمر قال: إذا وجد أحدكم

стр. 486

القملة في ثوبه وهو في المسجد فليجعلها في ثوبه حتى يخرج بها. قال النووي: فإن قتلها لم يجز إلقاؤها في المسجد؛ لأنها ميتة، وكره مالك قتلها في المسجد، ونقل ابن العماد عن كتب المالكية أنه يحرم طرح القمل حيا، بخلاف البرغوث؛ لأن البرغوث يعيش بأكل التراب، بخلاف القمل ففي طرحه تعذيبه بالجوع، انتهى. وقد جاءت أحاديث في النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد، وروى ابن أبي عدي الحافظ من حديث علي بن أبي طالب قال: صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين، فرأى خياطا في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد، ويغلق الأبواب، ويرش أحيانا، فقال عثمان: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: جنبوا صناعكم من مساجدكم. قلت: ومن المنكرات في زماننا ما يتساهل فيه المتكلمون في أمر العمارة من استعمال النشارين والنجارين والحجارين بالمسجد النبوي للعمل في آلاته واكتساب أولئك العمال بذلك، مع ما يتولد من ذلك من الدق العنيف وتشعيث المسجد بما ينشر من النشارة والنجارة وغير ذلك، مع إمكان عمل ذلك خارج المسجد الشريف والإتيان به مهيأ. وقد قدمنا أن عائشة ﵂ كانت تسمع الوتد أو المسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله ﷺ ، وأن عليا ما صنع مصراعي داره إلا بالمناصع توقيا لذلك، وفي خبر رواه المقدسي في «مثير الغرام» عن كعب الأحبار أن سليمان ﵇ قال للعفريت الذي أحضره لقطع الرخام لعمارة بيت المقدس: هل عندك من حيلة أقطع بها الصخر؟ فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا، والذي أمرنا الله به من ذلك هو الوقار والسكينة، فقال: ابتغ لي وكر عقاب فإني لا أعلم في السماء طيرا أشد منه ولا أكثر حيلة، فوجدوا وكر عقاب، فغطى عليه ترسا غليظا من حديد، فجاءه العقاب فلم يقدر عليه، فحلق في السماء متطلعا فلبث يومه وليلته ثم أقبل ومعه قطعة من السامور، فتفرقت له الشياطين حتى أخذوه منه، فأتوا به سليمان ﵇، فكان يقطع به الصخر، انتهى. وكذلك إدخالهم البغال والحمير الحاملة لتلك الآلات مع إمكان حمل الرجال لها من باب المسجد، والله الموفق. وإذا سمع شخص من ينشد ضالة في المسجد فليقل له: أيها الناشد غيرك الواجد، وما أشبهه مما ورد، إلا أن يسأل الإنسان جلساءه فليس بذلك بأس، ولا يبلغ بذلك الصوت كما نقله ابن زبالة عن مالك، ومن باع فيه قيل له: لا أربح الله تجارته، كما ورد مرفوعا. قال الزين المراغي: والقياس أن يقال للسائل فيه: لا فتح الله عليه، كما قاله بعض

стр. 487

شيوخنا. وفي العتبية أن مالكا كره المراوح في المسجد، ويجوز النوم فيه من غير كراهة عندنا، وكره بعضهم لغير الغريب الذي لا موضع له غيره، وروي في ذلك أحاديث. وأسند أحمد بن يحيى البلاذري عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: كان عمر بن الخطاب يعس في المسجد بعد العشاء، فلا يرى أحدا إلا أخرجه إلا رجلا قائما يصلي، فمر بنفر من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبي بن كعب فقال: من هؤلاء؟ فقال أبي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلّفكم بعد الصلاة؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، فجلس معهم، ثم قال لأدناهم: خذ في الدعاء فدعا، فاستقرأهم رجلا رجلا حتى انتهى إلي وأنا بجنبه، فقال: هات، فحصرت وأخذني الخجل، فقال: قل ولو أن تقول: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، ثم أخذ عمر في الدعاء، فما كان أحد أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه، ثم قال: تفرقوا الآن، انتهى. الحدث في المسجد ولا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد، لكن الأولى اجتنابه، لقوله ﷺ : «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» قال الزركشي: وقال بعض المتكلمين على الحديث من القدماء: الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو بركته. وروى ابن عدي في الكامل من طريق حمزة بن أبي حمزة الضبي عن أبي الزبير عن جابر قال: إن النبي ﷺ نهى أن يمر باللحم في المسجد، قال ابن عدي: وهذا منكر بهذا الإسناد، لا يرويه عن أبي الزبير غير حمزة، وحمزة يضع الحديث. قلت: وقد روى ابن شبة نحوه، غير أنه منقطع الإسناد، ويغني عنه ما ورد من النهي عن اتخاذ المسجد طريقا، والله أعلم. القراءة في المصحف بالمسجد وقال مالك: لم تكن القراءة في المصحف بالمسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف. وقال أيضا: أكره أن يقرأ في المصحف في المسجد، وأرى أن يقاموا من المساجد إذا اجتمعوا للقراءة. قلت: الذي عليه السلف والخلف استحباب ذلك، وفي الصحيح «إنما بنيت- يعني المساجد- لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» وهو عام في المصاحف وغيرها، وقد روى ابن شبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: إن أول من جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمان بن عفان ﵁، ثم وضعه في المسجد، فأمر به يقرأ كل غداة. وعن محرز ابن ثابت مولى سلمة بن عبد الملك عن أبيه قال: كنت في حرس الحجاج بن يوسف، فكتب الحجاج المصاحف، ثم بعث بها إلى الأمصار، وبعث بمصحف إلى المدينة، فكره ذلك

стр. 488

آل عثمان، فقيل لهم: أخرجوا مصحف عثمان يقرأ، فقالوا: أصيب المصحف يوم مقتل عثمان. قال محرز: وبلغني أن مصحف عثمان صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان، قال: فلما استخلف المهديّ بعث بمصحف إلى المدينة؛ فهو الذي يقرأ فيه اليوم، وعزل مصحف الحجاج فهو في الصندوق الذي دون المنبر، انتهى. بعث المصاحف إلى المساجد وقال ابن زبالة: حدثني مالك بن أنس قال: أرسل الحجاج بن يوسف إلى أمهات القرى بمصاحف، فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير، وهو أول من أرسل بالمصاحف إلى القرى، وكان هذا المصحف في صندوق عن يمين الأسطوانة التي عملت علما لمقام النبي ﷺ ، وكان يفتح في يوم الجمعة والخميس، ويقرأ فيه إذا صليت الصبح، فبعث المهدي بمصاحف لها أثمان فجعلت في صندوق ونحى عنها مصحف الحجاج، فوضعت عن يسار السارية، ووضعت منابر لها كانت تقرأ عليها، وحمل مصحف الحجاج في صندوقه فجعل عند الأسطوانة التي عن يمين المنبر، انتهى. قلت: ولا ذكر لهذا المصحف الموجود اليوم بالقبة التي بوسط المسجد المنسوب لعثمان رضي الله تعالى عنه في كلام أحد من متقدمي المؤرخين، بل فيما قدمناه ما يقتضي أنه لم يكن بالمسجد حينئذ، بل ولا ذكر له في كلام ابن النجار، وهو أول من أرّخ من المتأخرين، وقد ترجم لذكر المصاحف التي كانت في المسجد، ثم ذكر ما قدمناه عن ابن زبالة ثم قال: وأكثر ذلك دثر على طول الزمان، وتفرقت أوراقه، قال: وهو مجموع في يومنا هذا في جلال في المقصورة أي المحترقة إلى جانب باب مروان. ثم ذكر أن بالمسجد عدة مصاحف بخطوط ملاح موقوفة مخزونة في خزائن ساج بين يدي المقصورة خلف مقام النبي ﷺ . قال: وهناك كرسي كبير فيه مصحف مقفل عليه نفذ به من مصر، وهو عند الأسطوانة التي في صف مقام النبي ﷺ ، وإلى جانبه مصحفان على كرسيين يقرأ الناس فيهما، وليس في المسجد ظاهر سواهما، انتهى. ولم أر نسبة المصحف الموجود اليوم لعثمان ﵁ إلا في كلام المطري ومن بعده عند ذكر سلامة القبة التي بوسط المسجد من الحريق كما قدمناه. نعم ذكر ابن جبير في رحلته ما حاصله أن أمام مقام النبي ﷺ وقد عبر عنه بالروضة الصغيرة- صندوقا، وأن بين المقام وبين الحجرة- أي بجانب المقام من جهة المشرق- محمل كبير عليه مصحف كبير في غشاء مقفل عليه هو أحد المصاحف الأربعة التي وجّه بها عثمان بن عفان ﵁ إلى البلاد، انتهى. وهذا المصحف الذي أشار إليه ينطبق في الوصف على المصحف الذي ذكر ابن النجار أنه نفذ به من مصر، ولم يصفه بما ذكره ابن جبير من نسبته لعثمان، مع أن ابن جبير

стр. 489

مصرّح بأنه من المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الآفاق، لا أنه الذي قتل وهو في حجره، وقد قال ابن قتيبة: كان مصحف عثمان الذي قتل وهو في حجره عند ابنه خالد، ثم صار مع أولاده وقد درجوا. قال: وقال لي بعض مشايخ أهل الشام: إنه بأرض طوس، انتهى. وقال الشاطبي ما حاصله: إن مالكا ﵀ قال: إنما يكتب المصحف على الكتابة الأولى، لا على ما استحدثه الناس. قال: وقال: إن مصحف عثمان ﵁ تغيب فلم يجد له خبرا بين الأشياخ. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في القراآت: رأيت المصحف الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁، استخرج لي من بعض خزائن الأمراء، وهو المصحف الذي كان في حجره حين أصيب، ورأيت آثار دمه في مواضع منه. ورده أبو جعفر النحاس بما تقدم من كلام مالك. قال الشاطبي: وأباه المنصفون لأنه ليس في قول مالك «تغيّب» ما يدل على عدم المصحف بالكلية بحيث لا يوجد؛ لأن ما تغيب يرجى ظهوره. قلت: فيحتمل أنه بعد ظهوره نقل إلى المدينة، وجعل بالمسجد النبوي. لكن يوهن هذا الاحتمال أن بالقاهرة مصحفا عليه أثر الدم عند قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧] الآية كما هو بالمصحف الشريف الموجود اليوم بالمدينة، ويذكرون أنه المصحف العثماني، وكذلك بمكة، والمصحف الإمام الذي قتل عثمان ﵁ وهو بين يديه لم يكن إلا واحد، والذي يظهر أن بعضهم وضع خلوقا على تلك الآية تشبيها بالمصحف الإمام، ولعل هذه المصاحف التي قدمنا ذكرها مما بعث به عثمان ﵁ إلى الآفاق، كما هو مقتضى كلام ابن جبير في المصحف الموجود بالمدينة، وفي الصحيح من حديث أنس في قصة كتابة عثمان ﵁ للقرآن من الصحف التي كانت عند حفصة «وأنه أمر بذلك زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وأنه أرسل إلى كل أفق بمصحف كما نسخوا» . مصاحف عثمان التي أرسلها إلى الآفاق واختلف في عدة المصاحف التي ارسل بها عثمان إلى الآفاق؛ فالمشهور كما قال الحافظ ابن حجر أنها خمسة. وأخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق حمزة الزيات قال: أرسل عثمان أربعة مصاحف، وبعث منها إلى الكوفة بمصحف، فوقع عند رجل من مراد فبقي حتى كتبت مصحفي عليه. قال ابن أبي داود: وسمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، وأرسلها إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا، انتهى. وليس معنا في أمر المصحف الموجود اليوم سوى مجرد احتمال، والله أعلم.

стр. 490

تعليق المصابيح في المسجد وصف عام ويستحب تعليق المصابيح في المسجد وقد قدمنا ما يقتضي أن تميما الداري أول من فعل ذلك في زمن النبي ﷺ . وقيل: أول من فعله عمر بن الخطاب، لما جمع الناس في التراويح على إمام واحد. وروى ابن زبالة عن يوسف بن مسلم قال: كان زيت قناديل المسجد يحمل من الشام، حتى انقطع ذلك في ولاية جعفر بن سليمان الأخيرة على المدينة، فجعله على سوق المدينة. قال: ثم لما طرح ما يؤخذ من العنب عن الناس في ولاية داود بن عيسى على المدينة سنة ثمان وتسعين ومائة أخرج من بيت المال. قال: ولم يزل رزق صاحب زيت المسجد ثلاثة دنانير تجرى عليه في كل شهر من بيت المال، وعليه فيها ما تكسر من القناديل، انتهى. وقال ابن النجار: وفي يومنا هذا يصل الزيت من مصر من وقوف هناك، ومقداره سبعة وعشرون قنطارا بالمصري، ويصل معه مائة وستون شمعة بين كبار وصغار، وعلبة فيها مائة مثقال ند لتجمير المسجد، انتهى. قلت: وفي زماننا يحمل له من الزيت من مصر والشام زيادة على مائة قنطار بعضها من أوقاف تحت نظر قاضي الشافعية بمصر وبعضها تحت نظر الإمام بمصر، والله أعلم. الفصل الحادي والثلاثون فيما احتوى عليه المسجد من الأروقة والأساطين والبالوعات والسقايات والدروع، وغير ذلك مما يتعلق به من الرسوم وصف عام قال ابن جبير: إن المسجد النبوي مستطيل يحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به، ووسطه كله صحن، فجهة القبلة منها- يعني المسقف القبلي- خمس بلاطات، يعني أروقة، وقد قدمنا أنه زيد فيه رواقان آخرون فصار سبعة أروقة آخذة من المشرق إلى المغرب، قال: والجهة الشامية خمسة أروقة أيضا. قلت: وهذا موافق لما قدمناه في زيادة المهدي عن ابن زبالة من أنه جعل خمس أساطين في السقائف الشامية، وقدمنا أن الموجود به اليوم أربع فقط، وذلك أربعة أروقة، فكأنه لما زيد بعد الحريق الأول الرواقان في مسقف القبلة اختصروا رواقا من المسقف الشامي فأدخلوه في صحن المسجد، ولم أر من نبه على ذلك من المؤرخين، وهذا المسقف هو المسمى اليوم بالدكاك؛ لارتفاعه على بقية أرض المسجد، ولم أعلم وقت حدوث ذلك، ولم يتعرض ابن جبير لذكر ارتفاعه مع ذكره لما دون ذلك، وقد كانت رحلته قبل حريق المسجد الأول فلعل ذلك مما حدث بعده، كما حدثت الدكتان اللتان بجنبتي المسجد في الحريق الثاني كما سبق.

стр. 491

جدران المسجد وحدث في زماننا قبيل ذلك عند طرف الدكاك القبلي مما يلي المغرب دكة بارزة هناك، وهي الدكة التي وضع بها ما أخرج من جوف الحجرة الشريفة من الهدم في العمارة التي أدركناها. وفي كلام ابن زبالة ما يؤخذ منه تسمية المسقف الشامي بسقائف النساء. قال ابن جبير: والجهة الشرقية ثلاثة أروقة آخذة من القبلة إلى الشام، والجهة الغربية أربعة كذلك، هذا ما ذكره ابن جبير إلا أنه عبر في الجميع بالبلاطات بدل الأروقة، وكذا صنع ابن عبد ربه في العقد، وهو مطابق لما عليه المسجد اليوم، إلا ما أشرنا إليه في المسقف القبلي والشامي. قال ابن جبير: ونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع إزارا على إزار، أي: وزرة فوق أخرى، مختلف الصنعة واللون، مجزع أبدع تجزيع، والنص الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء قد أنتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات مائلة الأغصان بثمرها، والمسجد كله على تلك الصنعة، لكن الصنعة في جدار القبلة أحفل، والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك، ومن جهة الشام أيضا، والغربي والشرقي الناظران إلى الصحن مجددان أيضا ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة، إلى ما يطول وصفه، انتهى. ووصف ابن عبد ربه في «العقد» ما في جدار القبلة من وزارت الرخام وطرر الذهب والفسيفساء، ثم قال: وحيطان المسجد كلها من داخله مزخرفة بالرخام والذهب والفسيفساء أولها وآخرها. وذكر أيضا أن رؤوس الأساطين مذهّبة عليها أكف منقشة مذهّبة، وكذلك أعتاب الأبواب مذهبة أيضا. قلت: وقد زال ذلك كله بسبب الحريق الأول، وبقي من آثاره شيء يسير في مؤخر المسقف الغربي بجدار المسجد مما يلي الدكاك، وشيء يسير بالمأذنة الغربية الشمالية مما يلي بابها فيه شيء من الفسيفساء. وأما جدار القبلة فليس به اليوم إلا لوح يتضمن صور أشجار عن يمين مستقبل المحراب الشريف، وهو من الآثار القديمة، وكان يقابله في جهة يسار المستقبل لوح مثله سقط قريبا، ثم زال ذلك كله في الحريق الثاني. وبالجدار المذكور اليوم وزرة رخام أول من أحدثها بعد الحريق الأول الظاهر جقمق كما قدمناه مع بيان أن المحراب العثماني وما حوله كان مرخما قبل ذلك، وبقية المسجد مبيض أحسن بياض. وفي جدار القبلة عصابتان من طراز تقدم ذكرهما أيضا، وكان قد انقشر من العليا

стр. 492

منهما شيء يسير، فقلع متولي العمارة التي أدركناها ذلك وما حوله، وجعله طرازا باسم سلطاننا الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره، ووصله ببقية العصابة المذكورة. وتقدم أيضا ذكر الطراز الآخر من جهة السقف إلى قرب العصابة المذكورة، وبيان أن الذي ترجح عندي أنه جعل لتمييز المسجد النبوي عما زيد فيه، وقد زال ذلك كله بعد الحريق الثاني، وأعادوا منه ترخيم جدار القبلة كما سبق. عدد أساطين المسجد وأما عدد الأساطين فذكر ابن زبالة أنها مائتان وستة وتسعون أسطوانا، منها في جدار القبر الشريف ستة. وذكر ابن النجار أيضا ما يؤخذ منه ذلك. وقال ابن جبير: عدتها مائتان وتسعون أسطوانا، ولا مخالفة بينهما؛ لأن ابن جبير لم يعتبر الأساطين الست التي في جدار القبر الشريف، وليس فيه خلل إلا بأسطوان واحد؛ لأن الذي اقتضاه تحريرنا أن جملة الأساطين التي كانت في ذلك الزمان بما في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا؛ لأن المسقف الغربي أربعة صفوف، فإذا اعتبرتها من الجدار القبلي إلى الجدار الشامي كان كل صف ثمانية وعشرين أسطوانا، فجملة هذا المسقف مائة أسطوان واثنا عشر أسطوانا، والمسقف الشرقي ثلاثة صفوف كل صف منها ثمانية وعشرون أيضا إلا الصف الأوسط فإنه ينقص أسطوانا كما ظهر لنا عند انكشاف الحجرة؛ لأن الأسطوانة الملصقة إلى جدار الحجرة الشامي الذي في جوف الجدار الظاهر التي تقدم أن متولي العمارة أدخلها في عرض ذلك الجدار في الصف المذكور إنما يقابلها فيه الأسطوان الداخل بعضها في الجدار الظاهر من جهة القبلة، وكان مقتضى وضع الأساطين في مقابلة بعضها بعضا من كل جانب أن تكون بينها أسطوانة أخرى في موازاة الأسطوانة التي بين مربعة القبر وأسطوان الصندوق الداخلة في الجدار الظاهر، لكن لم يتأتّ ذلك؛ لكونها تكون حينئذ في جوف الحجرة الشريفة، فسقط بسبب ذلك في هذا الصف أسطوان، وخفي ذلك على من لم يشاهد الحجرة الشريفة. وحينئذ فجملة أساطين المسقف الشرقي من جدار القبلة إلى الجدار الشامي ثلاثة وثمانون أسطوانا، والباقي بعد ذلك في المسقف القبلي ما يوازي صحن المسجد فقط، وهو خمسة صفوف كل صف عشرة أساطين فجملة ذلك خمسون أسطوانا، والباقي أيضا في المسقف الشامي خمسة صفوف تقابل ذلك وجملتها خمسون أسطوانا، فجملة أساطين المسجد بما دخل في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا- بتقديم التاء- وفي مؤخر المسقف الغربي أسطوانتان ملتصقتان إلى الجدار الغربي لم تدخلا في هذه العدة. وأما عدد أساطين المسجد اليوم فقد تقدم أنه زيد في المسقف القبلي من ناحية صحن

стр. 493

المسجد رواقان ونقص من المسقف الشامي من ناحية الصحن رواق، فيزيد على ما تقدم عشرة أساطين، وذلك خارج عن الأساطين التي أحدثت لأجل السقف البارز في رحبة المسجد أمام الباب الشامي من المقصورة المستديرة على الحجرة الشريفة. وحدث في العمارة المتجددة بعد الحريق إسقاط أسطوان كانت بين الأسطوان التي إليها المصلّى النبوي وبين المحراب العثماني، وضم بعض أساطين أخرى إلى الأساطين التي هناك، وفيما حول الحجرة الشريفة، وإبدال بعضها بدعائم على ما سبقت الإشارة إليه في الفصل التاسع والعشرين مع ما حدث من التغيير في أساطين المسقف القبلي، وكانت أساطين المسجد كلها- كما قال ابن جبير في وصفها- أعمدة متصلة بالسمك دون قسي ينعطف عليها، فكأنها دعائم قوائم، وهي من حجر منحوت قطعا ململمة مثقبة، يوضع أنثى في ذكر، أي بأعمدة الحديد، ويفرغ بينها الرصاص إلى أن يتصل عمودا قائما، ويكسى بغلالة جيار، ويبالغ في صقلها ودلكها، فتظهر كأنها رخام أبيض. قلت: وأراد بالقسي ما نسميه اليوم بالقناطر المعقودة حول صحن المسجد، وأما الأساطين الداخلة في الأروقة فإنها متصلة بالسقف، سوى الرواقين اللذين يليان رحبة المسجد من المسقف القبلي، ثم جعل المسقف القبلي كنسبتهما بعد العمارة المتجددة بعد الحريق الثاني كما سبق. وقد عبر ابن النجار- تبعا لمن قبله- عن تلك العقود بالطاقات، فقال: وأما طاقاته أي المحيطة بالصحن ففي القبلة إحدى عشرة طاقة، وفي الشامي مثلها، وفي المشرق والمغرب- أي كل جانب منهما- تسع عشر طاقة، وبين كل طاق وطاق أسطوان، ورأس الطاقات مسدود بشبابيك من خشب. قلت: وهو موافق لكلام ابن زبالة فيما يلي المشرق والمغرب، مخالف له فيما يلي القبلة والشام؛ فإنه قال: وعدد طاقاته مما يلي القبلة اثنتا عشرة طاقة، ومما يلي الشام اثنتا عشرة، ومما يلي المشرق تسع عشرة، ومما يلي المغرب تسع عشرة، فذلك اثنتان وستون طاقة، انتهى. وهذا لا يتم إلا على تقدير أن يكون المسقف الغربي ثلاثة أروقة فقط كالمسقف الشرقي، فتكون العقود التي تلي القبلة والشام اثني عشر، وما تقدم في عدد الأساطين ينافيه؛ فالصواب ما ذكره ابن النجار. وعدد قناطره المحيطة برحبته اليوم من جهة القبلة والشام موافق لما ذكره ابن النجار؛ فإنها من كل جانب إحدى عشرة، غير أن باب المقصورة الشامي وما أحدث له من السقف أمامه سد واحدة من تلك القناطر القبلية. وأما عدد قناطره من المشرق والمغرب فقد نقصت واحدة من كل جهة؛ لما تقدم من

стр. 494

زيادة الرواقين بالمسقف القبلي، ونقص رواق من المسقف الشامي، فصار عدد القناطر في كل جانب منهما ثماني عشرة قنطرة. والمسدود اليوم بالشبابيك من رؤوس القناطر إنما هو رؤوس القناطر القبلية وبعض ما يليها من القناطر الشرقية، ثم زال ذلك في الحريق الثاني، وقد ذكر ابن زبالة عن محمد بن إسماعيل قال: أدركت المسجد كان يضيق عن الناس يوم الجمعة حتى يصلي بعضهم في دار القضاء، وهي يومئذ مبنية، وفي دار ابن مكمل، وفي دار النحامين، وفي دار عاتكة، قال: فلما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رؤوس كقريات الفساطيط، وجعلت في الطّيقان- أي القناطر المتقدم ذكرها- فكانت الريح تدخل فيها، فلا يزال العمود يسقط على الإ، سان، فغيّرها وأمر بستور هي أكثف من تلك الستور وبحبال، فأتى بها من جدة من حبال السفن القنبار، وجعلت على سبيك حبالها اليوم، فكانت تجعل على الناس كل جمعة، فلم يزل كذلك حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، فأمر بها فقطعت درارع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمان هرون أمير المؤمنين فأحدث هذه الأستار، ولم يكن يعني صحن المسجد يستر زمان بني أمية. قلت: وهذا شيء قد انقطع قديما لعدم الاحتياج إليه لما قلّ الناس بالمدينة، حتى إن كثيرا من الأروقة لا يمتلئ بالناس. وبالمسجد اليوم ستارة بالقرب من باب الحجرة الشامي ترخى على ما يليه من القناطر الشرقية لتقي من يجلس هناك من خدام المسجد حر الشمس. وقال ابن زبالة ويحيى: وكان ماء المطر إذا كثر في صحن المسجد يغشى السقائف التي في القبلة، وكانت حصباء تلك الناحية تسيل إلى صحن المسجد، فجعل بين القبلة والصحن لاصقا بالسواري حجاب من حجارة من المربعة التي في غربي المسجد إلى المربعة التي في شرقيه على القبر، فمنع الماء من الصحن أن يغشى القبلة ومن حصباء القبلة أن يصير إلى الصحن. وعبارة يحيى: فأمر أبو البحتري بحجارة فجعلت ردا لذلك الماء الذي كان يدخل والحصباء التي كانت تسيل فيما بين المربعة التي كانت عند القبر والمربعة التي في غربي المسجد، وجعل ذلك لاصقا بالسواري. قلت: والمراد أنه جعل أحجار الحجاب المذكور فيما بين السواري التي تلي رحبة المسجد من المشرق إلى المغرب، وقد كانت مربعة القبر أول السواري المذكورة من جهة المشرق؛ لأنها في صف أسطوان الوفود كما قدمناه، وذلك الصف كان آخر المسقف القبلي، وكانت المربعة الغربية في آخر السواري المذكورة مما يلي المغرب، وهي الأسطوان المثمنة اليوم

стр. 495

التي بينها وبين ركن صحن المسجد الغربي اليوم أسطوانتان بسبب زيادة الرواقين المتقدم ذكرهما في مؤخر المسقف المذكورة، وهذا الحجاب المذكور قد اندفن اليوم فلا يظهر منه شيء، والظاهر أنه كان بين السواري المطيفة بصحن المسجد من المشرق والمغرب حجاب مثل ذلك، وكانت بقاياه ظاهرة فيما يلي الدكاك من المسقفين المذكورين قبل حدوث ما سبق من الدكاك بهما، والمسقف القبلي اليوم أرضه عالية على ما يليه من الصحن يسيرا؛ فلا يغشاه مياه الأمطار، لكن وطأه متولي العمارة بعد الحريق الثاني حتى ساوى به أرض المصلى الشريف كما سبق، فاحتاج إلى عمل حجاب من الأحجار بين السواري التي تلي رحبة المسجد من جهة القبلة وما حولها. عدد بالوعات المسجد وأما عدد البالوعات بصحن المسجد فقد ذكر ابن زبالة ويحيى أن به أربعا وستين بالوعة لماء المطر عليها أرحاء لها صمائم من حجارة يدخل الماء من خلالها. قلت: ولا يظهر به اليوم غير بالوعة واحدة لها فوّهتان، وهي عند الحجرين المتقدم ذكرهما في تجديد المسجد، وإحدى الفوهتين إلى جانب الحجرين من القبلة، والثانية إلى جانبهما من جهة الشام، ويجتمعان في بئر واحدة هناك، وعليهما حجران كالأرحاء، وفي أسفل ما على فوهتيهما من ذلك مشبك يدخل الماء من خلاله ليمنع نزول الحصباء هناك، ومع ذلك فقد بحروها في العمارة المتقدم ذكرها أولا، فخرج منها شيء كثير من الحصباء. سقايات المسجد وأما السقايات التي كانت به فذكر ابن زبالة أنه كان في صحن المسجد في زمنه تسع عشرة سقاية، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين ومائة، منها ثلاث عشرة أحدثتها خالصة، وهي أول من أحدث ذلك، ومنها ثلاث سقايات لزيد البربري مولى أمير المؤمنين، ومنها سقاية لأبي البحتري وهب بن وهب، ومنها سقاية لشجن أم ولد هارون أمير المؤمنين، ومنها سقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر. وقد أورد ذلك ابن النجار مترجما عليه بذكر السقايات التي كانت في المسجد، ثم قال: وأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه. قال: وفيه بركة كبيرة مبنية بالآجر والجص والخشب ينزل إليها بدرج أربع في جوانبها، والماء ينبع من فوارة في وسطها تأتي من العين، ولا يكون الماء فيها إلا في أيام المواسم إذا جاء الحاج، وبقية السنة تكون فارغة. عملها بعض الأمراء بالشام، واسمه شامة. قال: وعملت الجهة أم الخليفة الناصر لدين الله في مؤخر المسجد سقاية كبيرة فيها عدة من البيوت، وحفرت لها بئرا، وفتحت لها بابا إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام، انتهى.
следующие страницы →