← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

جدران المسجد وحدث في زماننا قبيل ذلك عند طرف الدكاك القبلي مما يلي المغرب دكة بارزة هناك، وهي الدكة التي وضع بها ما أخرج من جوف الحجرة الشريفة من الهدم في العمارة التي أدركناها. وفي كلام ابن زبالة ما يؤخذ منه تسمية المسقف الشامي بسقائف النساء. قال ابن جبير: والجهة الشرقية ثلاثة أروقة آخذة من القبلة إلى الشام، والجهة الغربية أربعة كذلك، هذا ما ذكره ابن جبير إلا أنه عبر في الجميع بالبلاطات بدل الأروقة، وكذا صنع ابن عبد ربه في العقد، وهو مطابق لما عليه المسجد اليوم، إلا ما أشرنا إليه في المسقف القبلي والشامي. قال ابن جبير: ونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع إزارا على إزار، أي: وزرة فوق أخرى، مختلف الصنعة واللون، مجزع أبدع تجزيع، والنص الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء قد أنتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات مائلة الأغصان بثمرها، والمسجد كله على تلك الصنعة، لكن الصنعة في جدار القبلة أحفل، والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك، ومن جهة الشام أيضا، والغربي والشرقي الناظران إلى الصحن مجددان أيضا ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة، إلى ما يطول وصفه، انتهى. ووصف ابن عبد ربه في «العقد» ما في جدار القبلة من وزارت الرخام وطرر الذهب والفسيفساء، ثم قال: وحيطان المسجد كلها من داخله مزخرفة بالرخام والذهب والفسيفساء أولها وآخرها. وذكر أيضا أن رؤوس الأساطين مذهّبة عليها أكف منقشة مذهّبة، وكذلك أعتاب الأبواب مذهبة أيضا. قلت: وقد زال ذلك كله بسبب الحريق الأول، وبقي من آثاره شيء يسير في مؤخر المسقف الغربي بجدار المسجد مما يلي الدكاك، وشيء يسير بالمأذنة الغربية الشمالية مما يلي بابها فيه شيء من الفسيفساء. وأما جدار القبلة فليس به اليوم إلا لوح يتضمن صور أشجار عن يمين مستقبل المحراب الشريف، وهو من الآثار القديمة، وكان يقابله في جهة يسار المستقبل لوح مثله سقط قريبا، ثم زال ذلك كله في الحريق الثاني. وبالجدار المذكور اليوم وزرة رخام أول من أحدثها بعد الحريق الأول الظاهر جقمق كما قدمناه مع بيان أن المحراب العثماني وما حوله كان مرخما قبل ذلك، وبقية المسجد مبيض أحسن بياض. وفي جدار القبلة عصابتان من طراز تقدم ذكرهما أيضا، وكان قد انقشر من العليا

стр. 492

منهما شيء يسير، فقلع متولي العمارة التي أدركناها ذلك وما حوله، وجعله طرازا باسم سلطاننا الأشرف قايتباي أعز الله أنصاره، ووصله ببقية العصابة المذكورة. وتقدم أيضا ذكر الطراز الآخر من جهة السقف إلى قرب العصابة المذكورة، وبيان أن الذي ترجح عندي أنه جعل لتمييز المسجد النبوي عما زيد فيه، وقد زال ذلك كله بعد الحريق الثاني، وأعادوا منه ترخيم جدار القبلة كما سبق. عدد أساطين المسجد وأما عدد الأساطين فذكر ابن زبالة أنها مائتان وستة وتسعون أسطوانا، منها في جدار القبر الشريف ستة. وذكر ابن النجار أيضا ما يؤخذ منه ذلك. وقال ابن جبير: عدتها مائتان وتسعون أسطوانا، ولا مخالفة بينهما؛ لأن ابن جبير لم يعتبر الأساطين الست التي في جدار القبر الشريف، وليس فيه خلل إلا بأسطوان واحد؛ لأن الذي اقتضاه تحريرنا أن جملة الأساطين التي كانت في ذلك الزمان بما في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا؛ لأن المسقف الغربي أربعة صفوف، فإذا اعتبرتها من الجدار القبلي إلى الجدار الشامي كان كل صف ثمانية وعشرين أسطوانا، فجملة هذا المسقف مائة أسطوان واثنا عشر أسطوانا، والمسقف الشرقي ثلاثة صفوف كل صف منها ثمانية وعشرون أيضا إلا الصف الأوسط فإنه ينقص أسطوانا كما ظهر لنا عند انكشاف الحجرة؛ لأن الأسطوانة الملصقة إلى جدار الحجرة الشامي الذي في جوف الجدار الظاهر التي تقدم أن متولي العمارة أدخلها في عرض ذلك الجدار في الصف المذكور إنما يقابلها فيه الأسطوان الداخل بعضها في الجدار الظاهر من جهة القبلة، وكان مقتضى وضع الأساطين في مقابلة بعضها بعضا من كل جانب أن تكون بينها أسطوانة أخرى في موازاة الأسطوانة التي بين مربعة القبر وأسطوان الصندوق الداخلة في الجدار الظاهر، لكن لم يتأتّ ذلك؛ لكونها تكون حينئذ في جوف الحجرة الشريفة، فسقط بسبب ذلك في هذا الصف أسطوان، وخفي ذلك على من لم يشاهد الحجرة الشريفة. وحينئذ فجملة أساطين المسقف الشرقي من جدار القبلة إلى الجدار الشامي ثلاثة وثمانون أسطوانا، والباقي بعد ذلك في المسقف القبلي ما يوازي صحن المسجد فقط، وهو خمسة صفوف كل صف عشرة أساطين فجملة ذلك خمسون أسطوانا، والباقي أيضا في المسقف الشامي خمسة صفوف تقابل ذلك وجملتها خمسون أسطوانا، فجملة أساطين المسجد بما دخل في جدار القبر مائتان وخمسة وتسعون أسطوانا- بتقديم التاء- وفي مؤخر المسقف الغربي أسطوانتان ملتصقتان إلى الجدار الغربي لم تدخلا في هذه العدة. وأما عدد أساطين المسجد اليوم فقد تقدم أنه زيد في المسقف القبلي من ناحية صحن

стр. 493

المسجد رواقان ونقص من المسقف الشامي من ناحية الصحن رواق، فيزيد على ما تقدم عشرة أساطين، وذلك خارج عن الأساطين التي أحدثت لأجل السقف البارز في رحبة المسجد أمام الباب الشامي من المقصورة المستديرة على الحجرة الشريفة. وحدث في العمارة المتجددة بعد الحريق إسقاط أسطوان كانت بين الأسطوان التي إليها المصلّى النبوي وبين المحراب العثماني، وضم بعض أساطين أخرى إلى الأساطين التي هناك، وفيما حول الحجرة الشريفة، وإبدال بعضها بدعائم على ما سبقت الإشارة إليه في الفصل التاسع والعشرين مع ما حدث من التغيير في أساطين المسقف القبلي، وكانت أساطين المسجد كلها- كما قال ابن جبير في وصفها- أعمدة متصلة بالسمك دون قسي ينعطف عليها، فكأنها دعائم قوائم، وهي من حجر منحوت قطعا ململمة مثقبة، يوضع أنثى في ذكر، أي بأعمدة الحديد، ويفرغ بينها الرصاص إلى أن يتصل عمودا قائما، ويكسى بغلالة جيار، ويبالغ في صقلها ودلكها، فتظهر كأنها رخام أبيض. قلت: وأراد بالقسي ما نسميه اليوم بالقناطر المعقودة حول صحن المسجد، وأما الأساطين الداخلة في الأروقة فإنها متصلة بالسقف، سوى الرواقين اللذين يليان رحبة المسجد من المسقف القبلي، ثم جعل المسقف القبلي كنسبتهما بعد العمارة المتجددة بعد الحريق الثاني كما سبق. وقد عبر ابن النجار- تبعا لمن قبله- عن تلك العقود بالطاقات، فقال: وأما طاقاته أي المحيطة بالصحن ففي القبلة إحدى عشرة طاقة، وفي الشامي مثلها، وفي المشرق والمغرب- أي كل جانب منهما- تسع عشر طاقة، وبين كل طاق وطاق أسطوان، ورأس الطاقات مسدود بشبابيك من خشب. قلت: وهو موافق لكلام ابن زبالة فيما يلي المشرق والمغرب، مخالف له فيما يلي القبلة والشام؛ فإنه قال: وعدد طاقاته مما يلي القبلة اثنتا عشرة طاقة، ومما يلي الشام اثنتا عشرة، ومما يلي المشرق تسع عشرة، ومما يلي المغرب تسع عشرة، فذلك اثنتان وستون طاقة، انتهى. وهذا لا يتم إلا على تقدير أن يكون المسقف الغربي ثلاثة أروقة فقط كالمسقف الشرقي، فتكون العقود التي تلي القبلة والشام اثني عشر، وما تقدم في عدد الأساطين ينافيه؛ فالصواب ما ذكره ابن النجار. وعدد قناطره المحيطة برحبته اليوم من جهة القبلة والشام موافق لما ذكره ابن النجار؛ فإنها من كل جانب إحدى عشرة، غير أن باب المقصورة الشامي وما أحدث له من السقف أمامه سد واحدة من تلك القناطر القبلية. وأما عدد قناطره من المشرق والمغرب فقد نقصت واحدة من كل جهة؛ لما تقدم من

стр. 494

زيادة الرواقين بالمسقف القبلي، ونقص رواق من المسقف الشامي، فصار عدد القناطر في كل جانب منهما ثماني عشرة قنطرة. والمسدود اليوم بالشبابيك من رؤوس القناطر إنما هو رؤوس القناطر القبلية وبعض ما يليها من القناطر الشرقية، ثم زال ذلك في الحريق الثاني، وقد ذكر ابن زبالة عن محمد بن إسماعيل قال: أدركت المسجد كان يضيق عن الناس يوم الجمعة حتى يصلي بعضهم في دار القضاء، وهي يومئذ مبنية، وفي دار ابن مكمل، وفي دار النحامين، وفي دار عاتكة، قال: فلما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رؤوس كقريات الفساطيط، وجعلت في الطّيقان- أي القناطر المتقدم ذكرها- فكانت الريح تدخل فيها، فلا يزال العمود يسقط على الإ، سان، فغيّرها وأمر بستور هي أكثف من تلك الستور وبحبال، فأتى بها من جدة من حبال السفن القنبار، وجعلت على سبيك حبالها اليوم، فكانت تجعل على الناس كل جمعة، فلم يزل كذلك حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، فأمر بها فقطعت درارع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمان هرون أمير المؤمنين فأحدث هذه الأستار، ولم يكن يعني صحن المسجد يستر زمان بني أمية. قلت: وهذا شيء قد انقطع قديما لعدم الاحتياج إليه لما قلّ الناس بالمدينة، حتى إن كثيرا من الأروقة لا يمتلئ بالناس. وبالمسجد اليوم ستارة بالقرب من باب الحجرة الشامي ترخى على ما يليه من القناطر الشرقية لتقي من يجلس هناك من خدام المسجد حر الشمس. وقال ابن زبالة ويحيى: وكان ماء المطر إذا كثر في صحن المسجد يغشى السقائف التي في القبلة، وكانت حصباء تلك الناحية تسيل إلى صحن المسجد، فجعل بين القبلة والصحن لاصقا بالسواري حجاب من حجارة من المربعة التي في غربي المسجد إلى المربعة التي في شرقيه على القبر، فمنع الماء من الصحن أن يغشى القبلة ومن حصباء القبلة أن يصير إلى الصحن. وعبارة يحيى: فأمر أبو البحتري بحجارة فجعلت ردا لذلك الماء الذي كان يدخل والحصباء التي كانت تسيل فيما بين المربعة التي كانت عند القبر والمربعة التي في غربي المسجد، وجعل ذلك لاصقا بالسواري. قلت: والمراد أنه جعل أحجار الحجاب المذكور فيما بين السواري التي تلي رحبة المسجد من المشرق إلى المغرب، وقد كانت مربعة القبر أول السواري المذكورة من جهة المشرق؛ لأنها في صف أسطوان الوفود كما قدمناه، وذلك الصف كان آخر المسقف القبلي، وكانت المربعة الغربية في آخر السواري المذكورة مما يلي المغرب، وهي الأسطوان المثمنة اليوم

стр. 495

التي بينها وبين ركن صحن المسجد الغربي اليوم أسطوانتان بسبب زيادة الرواقين المتقدم ذكرهما في مؤخر المسقف المذكورة، وهذا الحجاب المذكور قد اندفن اليوم فلا يظهر منه شيء، والظاهر أنه كان بين السواري المطيفة بصحن المسجد من المشرق والمغرب حجاب مثل ذلك، وكانت بقاياه ظاهرة فيما يلي الدكاك من المسقفين المذكورين قبل حدوث ما سبق من الدكاك بهما، والمسقف القبلي اليوم أرضه عالية على ما يليه من الصحن يسيرا؛ فلا يغشاه مياه الأمطار، لكن وطأه متولي العمارة بعد الحريق الثاني حتى ساوى به أرض المصلى الشريف كما سبق، فاحتاج إلى عمل حجاب من الأحجار بين السواري التي تلي رحبة المسجد من جهة القبلة وما حولها. عدد بالوعات المسجد وأما عدد البالوعات بصحن المسجد فقد ذكر ابن زبالة ويحيى أن به أربعا وستين بالوعة لماء المطر عليها أرحاء لها صمائم من حجارة يدخل الماء من خلالها. قلت: ولا يظهر به اليوم غير بالوعة واحدة لها فوّهتان، وهي عند الحجرين المتقدم ذكرهما في تجديد المسجد، وإحدى الفوهتين إلى جانب الحجرين من القبلة، والثانية إلى جانبهما من جهة الشام، ويجتمعان في بئر واحدة هناك، وعليهما حجران كالأرحاء، وفي أسفل ما على فوهتيهما من ذلك مشبك يدخل الماء من خلاله ليمنع نزول الحصباء هناك، ومع ذلك فقد بحروها في العمارة المتقدم ذكرها أولا، فخرج منها شيء كثير من الحصباء. سقايات المسجد وأما السقايات التي كانت به فذكر ابن زبالة أنه كان في صحن المسجد في زمنه تسع عشرة سقاية، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين ومائة، منها ثلاث عشرة أحدثتها خالصة، وهي أول من أحدث ذلك، ومنها ثلاث سقايات لزيد البربري مولى أمير المؤمنين، ومنها سقاية لأبي البحتري وهب بن وهب، ومنها سقاية لشجن أم ولد هارون أمير المؤمنين، ومنها سقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر. وقد أورد ذلك ابن النجار مترجما عليه بذكر السقايات التي كانت في المسجد، ثم قال: وأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه. قال: وفيه بركة كبيرة مبنية بالآجر والجص والخشب ينزل إليها بدرج أربع في جوانبها، والماء ينبع من فوارة في وسطها تأتي من العين، ولا يكون الماء فيها إلا في أيام المواسم إذا جاء الحاج، وبقية السنة تكون فارغة. عملها بعض الأمراء بالشام، واسمه شامة. قال: وعملت الجهة أم الخليفة الناصر لدين الله في مؤخر المسجد سقاية كبيرة فيها عدة من البيوت، وحفرت لها بئرا، وفتحت لها بابا إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام، انتهى.

стр. 496

قلت: الذي يظهر من كلام ابن زبالة أنه أراد بالسقايات ما يجعل لأجل الشرب، وظاهر ما ذكره ابن النجار أن المراد بذلك ما يجعل للوضوء. وذكره لما عملته أم الخليفة الناصر لدين الله صريح في ذلك، فإنه يعني بذلك الميضأة التي بابها في حائط المسجد الشامي، وكان لها باب آخر من خارج سد قديما، وهو ظاهر فيما يلي المسجد من المغرب. وقوله «فيها عدة بيوت» أي عدد الأخلية التي بها. وقوله أولا «فأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه» الظاهر أنه يريد السقاية التي كانت للشرب بوسط المسجد. وقد ذكرها البدر بن فرحون فقال: ولقد كان في وسط المسجد سقاية يحمل إليها الماء من العين بناها شيخ الخدام في ذلك الوقت، ووقف عليها أوقافا من ماله وكانت متقدمة على النخل تقديرها خمسة عشر ذراعا في مثلها، وجعل في وسطها مصرفا للماء مرخما، ونصب فيها مواجير للماء وأزيارا ودوارق وأكوازا، وحجّرها بالخشب والجريد، وجعل لها غلقا من حديد، واستمرت السنين العديدة، فكثر الشر فيها، والتزاحم عندها، وصار يدخلها من يتوضأ فيها فربما يزيل فيها الأذى، من استقرب المدى، ثم تعدى الحال وزاد شرها. وذكر فتنة اتفقت للخدام مع بعض الأشراف بسببها، قال: فلما غلبت مفسدتها على مصلحتها أزيلت عن اجتماع من القاضي شرف الدين الأميوطي والشيخ ظهير الدين، انتهى. وأما البركة التي ذكرها ابن النجار فإنها مذكورة في كلام المطري، واقتضى كلامه نسبتها لابن أبي الهيجاء، فإنه ذكر ما سيأتي عنه في الكلام على العين الزرقاء من أن ابن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمسمائة أمدّ منها شعبة وأوصلها إلى الرحبة التي عند المسجد من جهة باب السلام، يعني سوق المدينة اليوم. ثم قال: وكان قد جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد، وجعل لها منهلا بدرج عليه عقد يخرج الماء من فوارة يتوضأ منها من يحتاج إليه، فحصل بذلك انتهاك حرمة المسجد الشريف من كشف العورات والاستنجاء في المسجد، فسدّت لذلك، انتهى. قلت: وقد رأيت آثار درجها في غربي النخيل التي بصحن المسجد قريبا منها، وليس بالمسجد اليوم شيء من السقايات إلا ما يحمل إليه من الدوارق المسبّلة فيشربها الناس في أوقات مخصوصة، إلا أن خزانة الخدام الآتي ذكرها لا يزال بها ماء لأجل شربهم. ثم لما عمر سلطان زماننا الأشرف مدرسته التي بين باب الرحمة وباب السلام جعل فيها سبيلا مما يلي باب الرحمة له شباك إلى المسجد.

стр. 497

حواصل المسجد وأما الحواصل والخزائن التي بالمسجد الشريف ففيه القبة التي بصحنه، وقد مر ذكرها، وغالب ما يوضع فيها اليوم زيت وقود المسجد، وتقدم أن المصحف المنسوب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه موضوع بها. وبالمسجد أيضا أمام كل من المنارات الأربع خزانة، إلا أن ما أمام المنارتين القبليتين من ذلك أصلي، بخلاف المنارتين الشاميتين فإنه محدث، ولذلك قال البدر بن فرحون: وما أحق بالإزالة ما أحدث بالمنارتين الشاميتين؛ إذ قدم بابهما على بابيهما الأصليين، وجعل ما بين البابين في كل منارة خلوة اقتطع بها جانب من المسجد كبير لا شك في تحريمه، انتهى. وفي جهة المغرب أيضا إلى جانب باب المنارة الشمالية الغربية المعروفة بالخشبية- سميت بذلك لأن حد الخشبتين كان يؤذن بها- خزانة صغيرة يضع بعض الخدام فرشهم فيها، وربما أقام بها من يريد الاعتكاف بالمسجد ويليها في جهة المغرب أيضا حاصلان كبيران يوضع فيهما القناديل الزجاج وبعض آلات المسجد، وفي الأول منهما مما يلي الخزانة المذكورة وضعت كتبي، وكنت أجلس به للمطالعة والاعتكاف فإنه من المسجد، واتفق لي في سبب الإقامة به أمر ليس هذا محل ذكره. ويقابل ذلك في جهة المشرق مما يلي المنارة المعروفة بالسنجارية خلوة كبيرة فيها فرش الخدام أيضا، وإلى جانبها خزانتان إحداهما بيد من تكون له النوبة من الفراشين يضع فيها فوانيس المسجد ونحوها، والثانية بيد الخدام أيضا، وفي جهة المشرق قريبا من باب جبريل بينه وبين باب النساء خزانة يضع فيها الخدام الماء لشربهم وبعض فرشهم وأمتعتهم، وهي المذكورة في كلام ابن جبير حيث قال: وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السّدنة الحارسين للمسجد المبارك، قال: وسدنته فتيان أحابيش وصقالبة ظراف الهيئة نظاف الملابس والشارات، انتهى، وإلى جانب الخزانة المذكورة صندوق يوضع فيه ما يستخرج من القبة من الزيت للوقود في كل ليلة. وفي غربي المسجد بين باب الرحمة وباب السلام حاصل يوضع فيه النورة، يعرف بابه بخوخة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فإنها كانت في محاذاته كما تقدم، فلما زيد في المسجد جعلوا هناك خوخة في المسجد تحاذي الخوخة الأولى وقد جعل لذلك ثلاثة أبواب عند عمارة المدرسة الأشرفية، ومحل الخوخة من ذلك الباب الثالث من على يسارك إذا دخلت من باب السلام. قناديل المسجد وأما عدد قناديله فذكر ابن زبالة أنها مائتان وتسعون قنديلا في زمانه، وجملتها في

стр. 498

زماننا مائتا قنديل وستة وخمسون قنديلا، هذه الدائمة، ونحو المائة قنديل يسرجونها في بعض الأوقات، ويجعلون في كل قنطرة من القناطر التي تلي صحن المسجد من مقدمه وجنبتيه ثلاثة قناديل، ويقتصرون في بعض الأوقات على واحد في كل قنطرة كما في القناطر التي في مؤخر المسجد، سيما إذا قلّ عندهم الزيت، وحدث بعد الحريق الثاني زيادة سلاسل كثيرة معدة لتعليق القناديل بها، وبصحن المسجد أربعة مشاعيل اثنان في جهة القبلة واثنان في جهة الشام، وكل واحد كالأسطوانة، وبأعلاه مسرجة عظيمة تشعل في ليالي الزيارات المشهورة، ولا أدري ابتداء حدوث ذلك، ويزيدون تنانير وبزاقات في مقدم الروضة وما حولها، ويحتفلون بذلك سيما في ليلة سبع وعشرين من رمضان، ويسرجون في كل ليلة منه نحو أربعين شمعة، ويضعونها على شمعدانات كبار في قبلة الروضة والحجرة، وفي غربي المنبر، وبعضها في محراب الحنفية الآتي ذكره. وللمسجد فوانيس عدتها ستة، يطوف بها الخدام بعد صلاة العشاء الآخرة لإخراج الناس من المسجد عند غلق أبوابه، ولا يدعون به إلا الخدام ومن له نوبة من أرباب وظائفه. وذكر البدر بن فرحون في ترجمته شبل الدولة كافورا المظفري شيخ الخدام المعروف بالحريري أن من آثاره الحسنة تبطيل الطوف بالشعل من جريد النخل وتبديلها بالفوانيس التي يطوفون بها اليوم كل ليلة، وذلك أنهم كانوا قبل الحريري وصدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام وبعض الفراشين شعلا من سعف النخل فيطوفون بها عوض الفوانيس اليوم يجرون بها كأشد ما يكون من الجري، فإذا وصلوا باب النساء خرجوا بها وخبطوا ما بقي معهم منها، وكانت تسود المسجد وتسود بابه أيضا، وفيها من البشاعة ما لا يخفى، فأمر بالفوانيس عوضها رحمه الله تعالى. في صحن المسجد نخيل مغروسة وبصحن المسجد نخيل مغروسة، ولم أدر ابتداء حدوث ذلك، إلا أن ابن جبير قال في رحلته عند ذكر القبة التي بصحن المسجد ما لفظه: وبإزائها في الصحن خمس عشرة نخلة، انتهى. وقال البدر ابن فرحون: إن أول من أدرك من مشايخ الخدام الشيخ عزيز الدولة، قال: وفي أيامه غرس كثير من هذا النخل الذي بالمسجد اليوم، وكان منه شيء قبل العزيزي، ومات أكثره، انتهى. وذكر المجد عزيز الدولة وقال: إن غرس أكثر هذا النخل كان في زمانه، ثم قال: وكأنه لم يتعرض أحد لإنكار هذه البدعة إجلالا لشأنه، أو خوفا من لسانه، أو تمكينا له من

стр. 499

الاقتداء بمن غرسه قبله وخنق في عنقه من هذا المنكر حبله، وقد انجعفت تلك النخيل لهبوب عاصفة هبت في أواخر مشيخة ياقوت الرسولي، ثم أعيد الغراس، ووقع الإنكار من بعض الناس، لكن لم يصادف كلامه محلا من الإشارة والإفادة، ولعله سوغ حملا على احتمال أنه لم يغرس أولا إلا بنوع من الاستحقاق، لكن لا يخفى ما في اعتماد الاحتمال البعيد من قلة التقى. قلت: وقد أراد طوغان شيخ أن يزيد فيه سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، فأنكرت ذلك، وقام بعض أهل الخير في المنع منه، فبطل ذلك ولله الحمد. أئمة المسجد ولم يزل المسجد النبوي بإمام واحد يصلي بالناس في مقام النبي ﷺ ، ويتقدم أيام الموسم إلى المحراب العثماني، حتى سعى طوغان شيخ المذكور في إحداث محراب للحنفية في دولة الأشرف إينال، فقام أهل المدينة في منعه، وساعدهم على ذلك من أرباب الدولة المصرية صاحب الشيم المرضية جمال الدين يوسف ناظر الخواص الشريفة، تغمده الله برحمته، فلم يتم لطوغان المذكور ذلك، فلما توفي المشار إليه أعاد طوغان السعي في الدولة المذكورة، فبرزت المراسيم به بعد الستين وثمانمائة، واستمر إلى زماننا فيصلي إمامه الصلوات الخمس عقب انصراف إمام المحراب النبوي، وهو إمام الشافعية، إلا في التراويح فيصليان معا، وهذا الأمر دبّ إلى المدينة الشريفة من مكة المشرفة. وقد قال الزركشي: إن السبب في حدوث ذلك بها أن الإمام كان في ذلك الوقت مبتدعا، فعندما امتنع الناس من إقامة الجماعة مع إمامهم الذي أقاموه سمحوا للناس في اتخاذ أئمة لأنفسهم، واستمر الأمر عليه، وكذا جرى مثله في بيت المقدس وجامع مصر قديما، انتهى. وقد بينا حكم ذلك في كتابنا الموسوم «بدفع التعرض والإنكار، لبسط روضة المختار» . عرض جدار المسجد وقال ابن زبالة ويحيى: وعرض منقبة جدار المسجد مما يلي المغرب ذراعان ينقصان شيئا، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربعة أصابع، وإنما زيد فيه لأنها من ناحية السيل. قلت: وهذا لأن السيل كان يغشى المسجد من تلك الجهة، ولهذا سقط جدار الحجرة الشرقي كما قدمناه، وسقط أيضا جدار المسجد من الناحية المذكورة كما قدمناه من قول ابن

стр. 500

زبالة «أخاف المسجد من شرقيه في سلطان محمد بن عبد الله الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب من ناحية موضع الجنائز فأمر به فبنى» انتهى. وقد قدمنا في زيادة الوليد ما رواه يحيى من طريق ابن زبالة في ذرع عرض المسجد، وبينا فساده، والصواب ما ذكره ابن زبالة في أواخر الكلام على المسجد؛ فإنه ذكر ذرع مسجد النبي ﷺ الأول عرضا وطولا، ثم قال: وذرع مسجد رسول الله ﷺ اليوم ذرع عرضه من مقدمه في القبلة بين المشرق والمغرب مائة وخمسة وستون ذراعا، ينقص مؤخره عن مقدمه خمسة وثلاثين ذراعا، وطوله من اليمن إلى الشام مائتان وأربعون ذراعا. قلت: وقد حررت ذرعه فكان عرضه من مقدمه في القبلة مائة ذراع وسبعة وستين ذراعا ونصفا، فيزيد على ما ذكره ابن زبالة ذراعين ونصفا، وذلك لاختلاف الأذرعة أو لرخاوة الحبل الذي وقع القياس به، ونحو ذلك. وكان عرضه من مؤخره في الشام مائة وخمسة وثلاثين ذراعا فيزيد على ما ذكره خمسة أذرع. وكان طوله من القبلة إلى الشام مائتي ذراع وثلاثة وخمسون ذراعا، فيزيد على ما ذكره ابن زبالة ثلاثة عشر ذراعا. وقد ذكر ابن النجار ما يوافق ذرعنا هذا مع مخالفة يسيرة فقال: طول المسجد اليوم من قبلته إلى الشام مائتا ذراع وأربعة وخمسون ذراعا وأربعة أصابع، ومن شرقيه إلى غربيه- يعني في مقدمه- مائة ذراع وسبعون ذراعا صافية، انتهى. قال ابن زبالة: وطول رحبة المسجد- يعني صحنه- من اليمن إلى الشام مائة وخمسة وستون ذراعا، وعرضها بين المشرق والمغرب ثمان وتسعون ذراعا، انتهى. وذكر ابن النجار أن طولها مائة وتسعة وخمسون ذراعا وثلاثة أصابع، وعرضها سبع وتسعون ذراعا راجحة. قلت: وطول رحبة المسجد اليوم من القبلة إلى الشام مائة ذراع واثنان وخمسون ذراعا ونصف ذراع، فإذا أضفت لذلك عرض الرواق الذي زيد في الرحبة على ما قدمناه من أنه زيد فيها رواقان من ناحية ونقص رواق من ناحية والرواق نحو تسعة أذرع فيكون جملة ذلك مائة وأحدا وستين ذراعا ونصفا، وذلك نحو ما ذكره ابن النجار. وأما عرض الرحبة اليوم من مقدم المسجد فخمسة وتسعون ذراعا بتقديم التاء على السين، والله تعالى أعلم. وذكر ابن النجار أن طول المسجد في السماء خمسة وعشرون ذراعا، ومراده ارتفاعه من أرضه إلى أعلى شرفاته؛ لأنه ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن ارتفاعه من أرض المسجد إلى

стр. 501

سقفه أحد وعشرون ذراعا، فيكون سمك السقف والحائط الذي عليه الشراريف حول صحن المسجد أربعة أذرع، والذي بين أرض مقدم المسجد وسقفه بعد خفض أرضه عقب الحريق الثاني اثنان وعشرون ذراعا، وتقدم في زيادة عمر ﵁ ما يقتضي أنه كان بينهما في زمانه أحد عشر ذراعا، ولم أقف على ذكر ما جعله عثمان رضي الله تعالى عنه بينهما، وذرع ما بين الأرض المحيطة بالمسجد من خارجه وأعلى سترة جداره من جهة المغرب ثمانية وعشرون ذراعا؛ فهذا سمك المسجد من خارجه، والله أعلم. وقد تقدم ذكر منابر المسجد وذرعها في زيادة الوليد. الفصل الثاني والثلاثون في أبواب المسجد وما سد منها، وما بقي، وما يحاذيها من الدور قديما وحديثا أبواب المسجد تقدم أن النبي ﷺ جعل للمسجد الشريف ثلاثة أبواب: بابا في مؤخره، والباب الذي يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ وهو باب آل عثمان. وقد اقتضى كلام المؤرخين أن هذين البابين لم يحولا عن مكانهما، بل لما زيد في المسجد من جهتهما جعلا في محاذاة محلهما الأول. وقد قدمنا في زيادة عمر ﵁ أنه جعل الأبواب ستة: بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، وبابين خلف القبلة، وأنه لم يغير باب عاتكة ولا باب عثمان، بل زاد في جهة باب عاتكة الباب الذي عند دار مروان وهو باب السلام، وزاد بعد باب عثمان الباب المعروف بباب النساء، فهذان البابان هما المزيدان في المغرب والمشرق. وسبق أيضا أن عثمان رضي الله تعالى عنه أقر هذه الأبواب على حالها، ولم يزد فيها شيئا. ولم يذكر ابن زبالة ولا يحيى ولا رزين ما زاده الوليد من الأبواب، ولا ما زاده المهدي حين زاد في المسجد، إلا أن ابن النجار قال: وأما أبواب المسجد فكانت بعد زيادة المهدي فيه، وذكر تسعة عشر بابا غير باب خوخة أبي بكر ﵁، كما سيأتي، وبين أماكنها كما سنشير إليه. وقال المطري وتبعه المراغي والمجد: لما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد ووسعه جعل له عشرين بابا، وذكر الأبواب المذكورة بعينها مع الخوخة المذكورة، وهذا وهم؛ لأن المنقول في هذه الأبواب أنها إنما كانت في زيادة المهدي، وهي التي استقر عليها الحال في أمر

стр. 502

المسجد، وأيضا فما سيأتي في وصف الأبواب التي في جهة الشام وما يليها من جهة المشرق والمغرب لا يتصور أن يكون في زمن الوليد؛ لما تقدم من أن المهدي هو الذي زاد ذلك، والمطري موافق عليه، فكيف يذكر وصف تلك الأبواب فيما نسبه للوليد، وسيأتي أيضا أن أحد هذه الأبواب- وهو باب زياد- إنما فتحه زياد في ولاية أبي العباس المنصور. والحاصل من كلام من كان قبل المطري من المؤرخين أن الذي استقر عليه أمر المسجد بعد انتهاء زياداته كانت شارعة في رحبة دار القضاء ولا ينافي ذلك قول ابن زبالة. وفي المسجد- يعني في زمنه- أربعة وعشرون بابا لأنه قال في تفصيلها: منها ثمانية من ناحية المشرق، ومما يلي القبلة: باب يدخل منه الأمراء من ناحية باب مروان إلى المقصورة، وعن يسار القبلة الباب الذي تدخل منه المقصورة من موضع الجنائز، وعن يمين القبلة باب بحذائه سواء في الطرف الآخر أي في مقابلته يدعى باب زيت القناديل، ذكروا أن مروان عمله، وخوخة آل عمر تحت المقصورة، ومما يلي المغرب ثمانية أبواب منها الخوخة التي تقابل يمين خوخة أبي بكر الصديق ﵁، ومما يلي الشام أربعة، انتهى كلام ابن زبالة؛ فغيره لم يعد الباب الذي كان في القبلة شارعا في دار مروان؛ لأنه باب دار، وكذا خوخة آل عمر؛ لأنها للدار لا للمسجد، وكذا باب زيت القناديل؛ لأنه باب خزانة للمسجد لا يدخل منه عامة الناس، وكان موضعه عند زاوية الجدار الغربية مما يلي القبلة وجدوه عند عمارة المنارة التي بباب السلام وسد بجدارها. وأما الباب الذي ذكره عن يسار القبلة فيؤخذ من كلامه أنه كان في المشرق مقابلا لباب زيت القناديل وأنه خاص بالمقصورة، ولو كان بابا عاما لعده في الأبواب التي في جهة المشرق، وقد ظهر هذا الباب عند هدم المنارة الشرقية بعد الحريق الذي أدركناه، وهو باب صغير وجد مسدودا عند زاوية جدار المسجد الشرقية، وكأن الدخول كان منه إلى الخزانة التي تحت المنارة الشرقية اليمانية ثم منها إلى المقصورة، ولهذا لما بسط ابن زبالة الكلام على أبواب المسجد في موضع آخر لم يذكر هذه الأبواب الأربعة، بل اقتصر على العشرين. فلنذكر ما ذكره وغيره فيها وما زاده المطري في بيانها مما يعرف بمحلها ثم نفرد خوخة آل عمر بالكلام عليها، فنقول: باب النبي ﷺ الأول: وهو مبتدأ أبواب جهة المشرق مما يلي القبلة، باب النبي ﷺ ، سمي بذلك لكونه في مقابلة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها التي بها قبر النبي ﷺ ، لا لكونه دخل منه؛ إذ لا وجود له في زمنه ﷺ ، وقد سد عند تجديد الحائط الشرقي، وجعل مكانه شباك

стр. 503

يقف الإنسان عنده من خارج، فيرى الحجرة الشريفة، كذا قاله المطري ومن بعده، وسيأتي ما يخالفه. باب علي الثاني: باب علي ﵁، كان يقابل بيته الذي خلف بيت النبي ﷺ ، وقد سد أيضا عند تجديد الحائط، وما ذكرنا من أن باب النبي ﷺ مقدم على هذا الباب للقبلة صرح به المطري ومن تبعه، وهو الذي تقتضيه المناسبة التي ذكروها للتسمية بذلك، لكن صرح ابن النجار بخلافه، فقال في عدّ أبواب جهة المشرق: باب علي، ثم باب النبي ﷺ ، ثم باب عثمان، ثم باب مستقبل دار ريطة، إلى آخر الترتيب الآتي، ومأخذه في ذلك أن ابن زبالة ويحيى ذكرا ما كان مكتوبا على جدارات المسجد فقالا: وفي الزيادة الشرقية في جوف المسجد بين باب علي وباب النبي ﷺ مكتوب، وذكرا ما كان مكتوبا. ثم قالا: وبين باب النبي ﷺ وباب عثمان مكتوب، وذكرا ما كان مكتوبا. ثم ذكر أيضا في الكتابة من خارج الجدار على الأبواب نحو هذا، وقالا أيضا: إن في القبلة من خارج المسجد في موضع الجنائز حيث يصلي على الموتى عند باب علي بن أبي طالب مكتوب بعد البسملة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٩٠] الآية فاقتضى ذلك أن باب علي هو أول أبواب هذه الجهة، وأن باب النبي ﷺ هو الثاني منها، والذي حمل المطري ومن تبعه على مخالفة ذلك ما قدمناه عنه من رعاية تلك المناسبة، ويحتمل: أن بيت علي ﵁ كان ممتدّا في شرقي حجرة عائشة ﵂ إلى موضع الباب الأول فسمي باب علي بذلك، ويدل له ما تقدم عن ابن شبة في الكلام على بيت فاطمة ﵂ من أنه كان فيما بين دار عثمان التي في شرقي المسجد وبين الباب المواجه لدار أسماء، ويكون تسمية الباب الثاني بباب النبي ﷺ لقربه من بابه، والله أعلم. باب عثمان باب جبريل الثالث: باب عثمان، وهو الباب الذي وضع قبالة الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، فقد قدمنا عن ابن زبالة ويحيى أن الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ هو باب آل عثمان ولذا أطلق عليه في رواية ليحيى في زيادة عثمان أنه باب النبي ﷺ . وقد ظهر درج عند باب مقصورة الحجرة الشامي في مقابلة الباب المذكور بسبب الحفر للدعامة التي هناك، والظاهر أنه درج الباب المذكور قبل تحويله؛ لكونه في موازاة جدار المسجد الأول كما يؤخذ مما سبق من حدوده، وسمي بذلك لمقابلته لدار عثمان بن عفان، وسيأتي أنها كانت من الطريق التي تسلك إلى البقيع التي عن يسار الخارج من هذا الباب إلى الطريق التي في شامي

стр. 504

المدرسة الشهابية، والذي يقابل هذا الباب اليوم من دار عثمان رباط أنشأه جمال الدين محمد بن أبي المنصور الأصفهاني المعروف بالجواد وزير بني زنكي. قال المطري: وقفه على فقراء العجم، وجعل له فيه تربة لها شباك في جهة الشباك المتقدم ذكره في مقابلة القبر الشريف. ولما مرض وهو في السجن قال للشيخ أبي القاسم الصوفي: كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، يعني أنه فرح بأن يأتيه الموت وهو على تلك الحالة، وقال له: إن بيني وبين أسد الدين شركوه- يعني عم صلاح الدين بن أيوب- عهدا أن من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي إلى المدينة الشريفة فدفنه فيها في التربة التي عملها، فإن أنا مت فامض إليه فذكره، فلما توفي سار الشيخ إلى أسد الدين في هذا المعنى، فأعطاه مالا صالحا ليحمله به إلى مكة والمدينة الشريفتين، وأمر أن يحج معه جماعة من الصوفية، ومن يقرأ بين يدي تابوته عند النزول والرحيل وقدوم مدينة تكون في الطريق، وينادى بالصلاة عليه في البلاد، فلما كان في الحلة اجتمع الناس للصلاة عليه، فإذا شاب قد ارتفع على موضع عال ونادى بأعلى صوته: سرى نعشه فوق الرقاب، وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله يمرّ على الوادي فتثني رماله ... عليه، وبالنادي فتثنى أرامله فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم، ثم وصلوا به إلى مكة فطافوا به حول الكعبة، وصلوا عليه بالحرم، وحملوه إلى المدينة فصلوا عليه ودفنوه بتربته المذكورة. وكانت وفاته في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وكان له آثار حسنة سيما بالحرمين الشريفين، وعمل للمدينة الشريفة السور الآتي ذكره، وسنذكر هناك شيئا من ترجمته. وفي قبلة رباطه من دار عثمان أيضا تربة اشترى أرضها أسد الدين شيركوه بن شاذي عم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي، وحمل إليها هو وأخوه نجم الدين أيوب والد صلاح الدين بعد موتهما ودفنا فيها سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتوهم الذهبي أنهما دفنا بالبقيع فجزم به في العبر. وبقية دار عثمان من القبلة دار إلى جانب هذه التربة موقوفة على خدام الحرم الشريف يسكنها مشايخهم، وهذه دار عثمان الكبرى المقابلة لهذا الباب، وسيأتي ذكر داره الصغرى التي في موضعها رباط المغاربة. ويعرف هذا الباب أيضا بباب جبريل ﵇. قلت: ولم يبينوا سبب تسميته بذلك، ولعل سببها ما سبق في الفصل الرابع والعشرين من قول أبي غسان: إن علامة مقام جبريل التي يعرف بها اليوم أنك تخرج من الباب الذي يقال له باب آل عثمان فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاثة أذرع وشبر وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة التي بها جدار المسجد،

стр. 505

مع ما قدمناه أيضا من أن الأصل في ذلك أن جبريل ﵇ في غزوة بني قريظة أتى على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، ولم يكن ثم حينئذ غير الباب المذكور وروى ابن زبالة عن المطلب بن عبد الله أن حارثة بن النعمان مرّ والنبي ﷺ مع جبريل في موضع الجنائز، فمر ولم يسلم، فقال جبريل للنبي ﷺ : أهو ممن شهد بدرا؟ قال: نعم، قال: فكيف هو في أمتك؟ أيرون لهم به؟ قال: نعم، قال: ما زالت الملائكة الذين شهدوا بدرا معك يرى لهم، قال: فجاء حارثة إلى النبي ﷺ فقال: هل رأيت الرجل الذي كان معي؟ قال: نعم وشبهته بدحية الكلبي، قال النبي ﷺ : فإنه جبريل، وقد قال لو سلم لرددنا عليه، فقال: ما منعني من السلام إلا أني رأيتك تحدّث معه فكرهت أن أقطعه عنك، وروى البيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله ﷺ ومعه جبريل جالس في المقاعد، فسلمت عليه ومررت، فلما رجعنا وانصرف النبي ﷺ قال لي: هل رأيت الذي كان معي؟ قلت: نعم، قال: فإنه جبريل ﵇، وقد ردّ عليك السلام. وكان مكتوبا على هذا الباب من خارجه بعد البسملة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] الآيتين. باب ريطة (باب النساء) الرابع: باب ريطة بفتح الراء ابنة أبي العباس السفاح، كان يقابل دارها، ويعرف بباب النساء، وسبب تسميته بذلك ما رواه أبو داود من طريق عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لو تركنا هذا الباب للنساء، قال: نعم، فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. ثم قال أبو داود عقبه: وقال غير عبد الوارث، وهو أصح، ثم رواه من طريق إسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر «قال قال عمر» بمعناه، قال: وهو أصح. ثم رواه أيضا من طريق بكير عن نافع قال: إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء، وهذا هو المعتمد؛ لما تقدم من أنه لم يكن في زمنه ﷺ في شرقي المسجد غير باب آل عثمان. وقد روى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن ابن عمر قال: سمعت عمر حين بنى المسجد يقول: هذا باب النساء، فلم يدخل منه ابن عمر حتى لقي الله، وكان لا يمر بين أيدي النساء وهن يصلين. ودار ريطة التي كانت مقابلة لهذا الباب قال المطري: كانت دار أبي بكر الصديق، ونقل أنه توفي فيها، وهي الآن مدرسة للحنفية بناها يازكوح أحد أمراء الشام، وعمل له فيها مشهدا نقل إليه من الشام، والطريق إلى البقيع بينها وبين دار عثمان، نقل ذلك ابن زبالة.

стр. 506

قلت: وما ذكره من نسبة الدار المذكورة لأبي بكر الصديق سيأتي مستنده مع بيان ما فيه. وفي أعلى هذا الباب من خارجه لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آية الكرسي من بناء المسجد القديم، وقد زال عند الحريق الثاني. الخامس: باب كان يقابل دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب ﵃، كانت من جملة دار جبلة بن عمرو الساعدي، ثم صارت لسعد بن خالد بن عمر بن عثمان، ثم صارت لأسماء المذكورة، وهي اليوم رباط للنساء، وقد سدّ هذا الباب أيضا عند تجديد الحائط الشرقي من المنارة الشرقية الشمالية إلى هذا الباب المذكور في أيام الناصر لدين الله سنة تسع وثمانين وخمسمائة، كذا قاله المطري ومن تبعه، وظاهر كلام ابن جبير أن سد هذا الباب وغيره من الأبواب كان قبل الثمانين وخمسمائة؛ لأن رحلة ابن جبير كانت قبل الثمانين كما قدمناه، وقد قال فيها: وللمسجد المبارك تسعة عشر بابا أي غير خوخة أبي بكر لم يبق منها مفتوحا غير أربعة، في المغرب منها اثنان، وفي المشرق اثنان، انتهى. لكنه قال بعد ذلك: وفي القبلة باب واحد صغير مغلق، يعني باب دار الإمارة. ثم قال: وفي المغرب خمسة مغلقة أيضا، وفي المشرق خمسة أيضا مغلقة، وفي الشام أربعة مغلقة أيضا، انتهى. فتبين أنها كانت في زمنه غير مسدودة لكنها مغلقة، فيكون سدّها حدث في التاريخ الذي ذكره المطري، والله أعلم. باب سادس السادس: باب كان يقابل دار خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، وقد دخل في بناء الحائط المذكور، والدار المذكورة اليوم رباط الرجال، ومعها في جهة الشمال دار عمرو ابن العاص كما سيأتي بيانه، ويعرف الرباط المذكور اليوم برباط السبيل، وكذا رباط النساء المتقدم ذكره يعرف بذلك أيضا، والرباطان المذكوران بناهما القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري رحمه الله تعالى. وذكر ابن زبالة ويحيى أنه كتب على نجاف هذا الباب من داخل «مما أمر به المهدي محمد أمير المؤمنين مما عمل البصريون سنة اثنتين وستين ومائة ومبتدأ زيادة المهدي في المسجد. قلت: وكتابة ذلك عليه تقتضي أنه الذي أحدثه وما بعده، وأنه أول زيادته كما تقدم. باب سابع السابع: باب كان يقابل زقاق المناصع دخل أيضا في الحائط بعد تجديده، وزقاق المناصع كان بين دار عمرو بن العاص وأبيات الصوافي، وعبر عنها المطري بدار موسى بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي لأمر توهمه من كلام ابن زبالة

стр. 507

كما سنوضحه إن شاء الله تعالى، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري، وتعرف اليوم بحوش الحسن، وكان الزقاق المذكور ينفذ إلى المناصع خارج المدينة، وهو كان متبرزا للنساء بالليل على عهد النبي ﷺ ، وأبيات الصوافي هذه التي عبر عنها المطري بدار موسى بن إبراهيم سيأتي أن بعضها اليوم رباط للرجال أنشأه القاضي محيي الدين أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني، ودخل هذا الباب أيضا في الحائط عند تجديده. باب ثامن الثامن: باب كان يقابل أبيات الصوافي دخل في الحائط أيضا عند تجديده، وأبيات الصوافي تقدم أن بعضها الذي يلي دار عمرو بن العاص هو رباط الفاضل، وبعضها الآخر وهو الذي كان يقابل هذا الباب هو المعروف اليوم بدار الرسام التي وقفها الشيخ صفي الدين السلامي على أقاربه ثم على الفقراء، وفي شاميها الباب الذي يدخل منه إلى رباطي النخلة، وهما رباطا السلامى، وقد عبر المطري عن ذلك بقوله: «وهي- يعني أبيات الصوافي- في دور كانت بين موسى بن إبراهيم المخزومي وبين عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃» قال: وموضع هذه الدور اليوم دار اشتراها الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلامي ﵀ ووقفها على قرابته السلاميين، انتهى. وسيأتي أن أبيات الصوافي هي الدور التي كان فيها قهطم، وأنها كانت بين دار عمرو بن العاص ودار موسى بن إبراهيم المخزومي المشتركة بينه وبين عبيد الله بن الحسين، وأن هذه الدار المشتركة كانت أول الدور في جهة المشرق مما يلي الشام، فأبيات الصوافي هي دار قهطم، وفي موضعها ما قدمناه من رباط الفاضل ودار السلامي. وأما الدار المشتركة ففي موضعها اليوم الميضأة المعطلة وبيت الرئيس إبراهيم الذي بين الميضأة والزقاق الذي يلي دار المضيف كما سيأتي بيانه، ودار المضيف هي آخر الدور التي في جهة الشام، والدار المشتركة كانت ملاصقة لها، وسيأتي بيان منشأ ما وقع للمطري، وهذا الباب آخر الأبواب التي كانت في جهة المشرق. أبواب المسجد الشامية وقد طوى المطري الكلام على الأبواب الشامية، فقال: وفي شمالي المسجد أربعة أبواب سدت أيضا عند تجديد الحائط الشمالي، وليس في شمالي المسجد اليوم باب إلا باب سقاية عمرتها أم الإمام الناصر. وسبب عدم كلام المطري على الأبواب الشامية أن ابن زبالة لم يذكر ما يقابلها من

стр. 508

الدور، لكن ظهر لي أنه يؤخذ من كلامه وكلام ابن شبة في الدور المطيفة بالمسجد، فلنذكر ما استنفدنا منهما في ذلك، فنقول: باب تاسع التاسع: باب كان في دبر المسجد، وهو أول أبواب الشام مما يلي المشرق، وكان يقابل دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهي دار جده عبد الرحمن التي كان ينزل بها ضيفان رسول الله ﷺ كما سيأتي، وبقية دار ابن مسعود، وفي موضعهما الدار المعروفة بدار المضيف وما في غربيها من رباط الظاهرية. باب عاشر العاشر: باب كان يقابل دار أبي الغيث بن المغيرة، وفي موضعها اليوم الرباط المعروف برباط الظاهرية والشرشورة. الباب الحادي عشر الحادي عشر: باب كان يقابل ما يلي دار أبي الغيث من أبيات خالصة مولاة أمير المؤمنين، وموضع ذلك المارستان الذي أنشأه أبو جعفر المنتصر بالله سنة سبع وعشرين وستمائة. الباب الثاني عشر الثاني عشر: باب كان في مقابلة بقية أبيات خالصة وفي موضع ذلك اليوم بيت وزقاق يتوصل منه إلى الرباط الذي أنشأه الشيخ شمس الدين الشستري. وهذا الباب آخر الأبواب التي كانت في جهة الشام، وكلها اليوم مسدودة كما تقدم، وما يوجد اليوم من الدور والأبنية الملاصقة لجدار المسجد المذكور كلها حادثة كما يؤخذ من كلام متقدمي المؤرخين، ولم أقف على ابتداء حدوث ذلك. الباب الثالث عشر الثالث عشر: وهو أول أبواب المغرب مما يلي الشام باب كان يقابل دار منيرة وكانت من دور عبد الرحمن بن عوف، ثم صارت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ثم صارت لمنيرة مولاة أم موسى، وفي موضعها اليوم الدار التي صارت لشيخنا العارف بالله سيدي عبد المعطي المغربي نزيل مكة المشرفة، ثم انتقلت للسيد الشريف العلامة محيي الدين قاضي الحنابلة بالحرمين الشريفين، وما في قبلتها إلى الباب الذي يدخل منه إلى دور القياشين التي للخواجا قاوان، وهذا الباب مسدود كما هو مشاهد من خارج المسجد.

стр. 509

الباب الرابع عشر الرابع عشر: باب كان يقابل دار منيرة أيضا كما صرح به ابن زبالة ويحيى، ووهم المجد فجعله الذي بعده، وموضع ما يقابله اليوم من دار منيرة الدار الموقوفة على الخدام التي في قبلة الزقاق الذي يدخل منه إلى دور القياشين، وهذا الباب مسدود اليوم كما يظهر من خارج المسجد أيضا، وبذلك يعلم أن محلهما من ذلك الجدار لم يجدد. الباب الخامس عشر الخامس عشر: باب كان يقابل دار نصير صاحب المصلى وهو مولى المهدي وكانت هذه الدار منزلا لسكينة بنت الحسين بن علي ﵃، وفي موضعها اليوم الدار التي عن يسار الداخل من زقاق دور القياشين والدار التي تعرف اليوم بدار تميم الداري، وقد آلت إليّ ثم وقفتها، وهي الآن منزلي، ولم أقف على أصل في تسميتها بذلك، وهذا الباب في مقابلة الدار المعروفة بدار تميم من دار نصير، وهو مسدود اليوم، وبقيت منه قطعة تظهر من خارج المسجد، ودخل باقيه عند تجديد الحائط من باب عاتكة إليه. الباب السادس عشر والسادس عشر: باب كان يقابل دار جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، وقد دخل في داره هذه فارغ أطم حسان بن ثابت كما قاله ابن زبالة، وفي موضعها اليوم المدرسة الكلبرجية التي أنشأها السلطان شهاب الدين أحمد سلطان كلبرجة من بلاد الهند في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وهذا الباب دخل في الحائط عند تجديده، وأسقطه المطري مع أنه مذكور في كلام ابن زبالة ويحيى، ولما أسقطه زاد بدله بابا لا وجود له في كلام من قبله، على ما سيأتي التنبيه عليه. باب عاتكة (باب السوق) (وباب الرحمة) السابع عشر: باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، كان يقابل دار عاتكة المذكورة، ثم صارت هذه الدار ليحيى بن خالد البرمكي والد جعفر، ودخلت في دار جعفر المتقدم ذكرها، وتوهم الزين المراغي من نسبتها لجعفر بن يحيى ومن كون أطم حسان دخل في دار جعفر بن يحيى أنها محل أطمه، وليس كذلك لما قدمناه، وفي موضعها اليوم دار من أوقاف الخدام في قبلة المدرسة الكلبرجية تواجه يمين الخارج من باب المسجد المذكور، وقد استبدلها الشيخ الزيني بن مزهر بإزالة ديوان الإنشاآت وما غربيها من الدور، واتخذ ذلك مدرسة ورباطا وأروقة على يد صاحبنا العلامة الشيخ نور الدين المحلي نفع الله به، ويعرف هذا الباب قديما أيضا بباب السوق، كما يؤخذ مما سيأتي في باب زياد، لأن سوق المدينة كانت في المغرب في جهته. ويعرف قديما أيضا بباب الرحمة؛ فإن يحيى ذكر في بناء النبي

стр. 510

صلّى الله عليه وسلّم لمسجده أنه ﷺ جعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال باب الرحمة، هذا لفظه. وأطبق على وصفه بذلك من بعده من المؤرخين، حتى صار في زماننا هو الأغلب عليه، ومع ذلك فلم أر في كلام أحد بيان السبب في تسميته بذلك، وسألت عنه من لقيته من المشايخ فلم أجد عند أحد منهم علما من ذلك، ثم ظهر لي معناه بحمد الله تعالى، وذلك أن البخاري روى في صحيحه عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، ولما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبعا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة- يعني الثانية- ورسول الله ﷺ قائم يخطب- الحديث- بطوله، وسنبين في باب زياد- وهو الذي يلي هذا- أن دار القضاء كان محلها بين باب الرحمة وباب السلام، وقد تقرر أنه لم يكن للمسجد في زمنه ﷺ في هذه الجهة إلا الباب المعروف بباب الرحمة؛ فظهر أن هذا الرجل الطالب لإرسال المطر وهو رحمة إنما دخل منه، وقد أنتج سؤاله حصول الرحمة، وأنشأ الله السحاب الذي كان سببا فيها من قبله أيضا؛ لأن سلعا في غربي المسجد، فسمي والله أعلم بباب الرحمة لذلك، لكن في رواية البخاري عن أنس أيضا أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ومقتضاها أنه دخل من الباب الذي كان في شامي المسجد؛ لقرب إطلاق مواجهته للمنبر عليه، لكن ذلك الباب ليس نحو دار القضاء، فليجمع بين الروايتين بأن الواقعة متعددة كما اقتضاه كلام بعضهم، أو بأنه وقع التجوز في إطلاق كون ذلك الباب وجاه المنبر، أو بأن باب الرحمة كان كما قدمناه في آخر جهة المغرب مما يلي الشام، فجاء ذلك الداخل من جهته ودخل منه، ثم رأى أن قيامه بين يدي النبي ﷺ وهو على المنبر لا يتم له إلا بتخطي الصفوف، فعرج إلى الباب الآخر المواجه للمنبر، لغلب إطلاق باب الرحمة على الباب الذي في جهة مجيئه؛ لاعتضاده بما تقدم من مجيء السحاب من قبله، والله أعلم. باب زياد (باب القضاء) والثامن عشر: باب كان يعرف بباب زياد وقد سد أيضا عند تجديد الحائط الذي هو فيه وكان بين خوخة أبي بكر الآتي ذكرها وبين الباب الذي قبله وسمي بذلك لما رواه ابن شبة عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن عمه قال: كانت رحبة القضاء لعمر رضي الله

стр. 511

عنه- يعني دارا له- وأمر حفصة وعبد الله ابنيه ﵄ أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فإن بلغ ثمنها دينه وإلا فاسألوا فيه بني عدي بن كعب حتى تقضوه، فباعوها من معاوية بن أبي سفيان ﵄، وكانت تسمى دار القضاء، قال ابن أبي فديك: فسمعت عمي يقول: إن كانت لتسمى دار قضاء الدين. قال: وكان معاوية اشتراها عند ولايته، فلم تزل حتى قدم زياد بن عبد الله المدينة سنة ثمان وثلاثين ومائة، فهدمها وجعلها رحبة للمسجد، وفتح فيها الباب الذي إلى جنب الخوخة الصغيرة، وجعل هدمها على أهل السوق، قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك: فأخذ مني في هدمها أربعة دوانق، قال ابن أبي فديك: وأخبرني أيضا كما أخبرني عمي عبيد الله بن عمر ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: وأشار لي عبيد الله إلى صندوق في بيته وقال: في هذا الصندوق إبرا آت من ذلك الدين. وروى أيضا عن عبد العزيز بن مروان أن دار القضاء كانت لعبد الرحمن بن عوف، قال: وهي اليوم رحبة لمسجد رسول الله ﷺ في غربيه مما يلي دار مروان. وروي عن سهلة بنت عاصم أنها إنما سميت دار القضاء لأن عبد الرحمن اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية، فصارت بعد في الصوافي، وكانت الدواوين فيها وبيت المال، فهدمها أبو العباس أمير المؤمنين وصيّرها رحبة للمسجد، فهي اليوم كذلك. وروى ابن زبالة خبر ابن أبي فديك الأول مقتصرا عليه من طريق محمد بن إسماعيل- يعني ابن أبي فديك- عن ابن عمر أن عمر توفي وترك عليه ثمانية وعشرين ألفا، فدعا عبد الله وحفصة فقال: إني قد أصبت من مال الله شيئا، وأنا أحب أن ألقى الله وليس في عنقي منه شيء، فبيعا فيه حتى تقضياه، فإن عجز عنه مالي فسلا فيه بني عدي، فإن بلغ وإلا فلا تعدوا قريشا، فخرج عبد الله بن عمر إلى معاوية فباع منه دار عمر التي يقال لها دار القضاء، وباع ماله بالغابة، فقضى دينه؛ فكان يقال: «دار قضاء دين عمر» وهي رحبة القضاء. قال محمد بن إسماعيل: فهدم زياد بن عبيد الله إذ كان واليا لأبي العباس على المدينة في سنة ثمان وثلاثين ومائة دار القضاء، وكانت تكرى من تجار أهل المدينة، فهدمها زياد وجعلها رحبة للمسجد، وفتح الباب الذي إلى جنب الخوخة- الخبر المتقدم. قلت: وما تضمنه هذا الخبر من تاريخ هدم الدار وعمل الباب المذكور فيها ربما يخالف ما ذكره ابن زبالة ويحيى فيما كتبا على أبواب المسجد، فإنهما قالا: وعلى باب زياد في لوح من ساج مضروب بمسامير مكتوب من خارج، ثم ذكرا من جملة المكتوب: أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله بعمل مسجد رسول الله ﷺ وعمارة هذه الرحبة توسعة لمسجد

стр. 512

رسول الله ﷺ ولمن حضره من المسلمين في سنة إحدى وخمسين ومائة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، إلى آخر ما ذكراه. قلت: وزياد هذا هو زياد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي خال السفاح، وكانت ولايته على المدينة ومكة من قبل أبي العباس المنصور في سنة ثمان وثلاثين ومائة؛ فقول ابن أبي فديك في رواية ابن شبة «فلم يزل حتى قدم زياد بن عبيد الله سنة ثمان وثلاثين» مبيّن لتاريخ قدومه فقط، وقوله «فهدمها» يعني في مدة ولايته؛ فليس فيه تعرض لأن الهدم كان في ذلك التاريخ؛ فلا يخالف ما كتب على الباب المذكور، وليحمل أيضا قوله في رواية ابن زبالة «فهدم زياد بن عبيد الله إذ كان واليا في سنة ثمان وثلاثين ومائة» على أن المراد بيان ابتداء ولايته، لا تاريخ الهدم، جمعا بين الكلامين، والرواية الأولى أقرب إلى التأويل من هذه. وقد ذكر ابن زبالة في روايته المتقدمة عن محمد بن إسماعيل أنه قال: إن زياد بن عبيد الله جعل السّتور على الأبواب الأربعة: باب دار مروان أي المعروف بباب السلام، والخوخة أي المجعولة في محاذاة خوخة أبي بكر الصديق ﵁، وباب زياد أي المذكور، وباب السوق أي وهو باب الرحمة كما يؤخذ من كلام يحيى. وقال المجد في ترجمة دار القضاء: هي دار مروان بن الحكم، وكانت لعمر بن الخطاب فبيعت في قضاء دينه، وقد زعم بعضهم أنها دار الإمارة، وهو محتمل لأنها صارت لأمير المدينة. قلت: دار مروان هي الآتية في قبلة المسجد، وليست هذه بلا شك، ولعل المراد أن مروان ملك دار القضاء فنسبت إليه، وهو غير معروف، إلا أن الحافظ بن حجر نقل عن ابن شبة أنها صارت لمروان وهو أمير المدينة، قال: فلعل ذلك شبهة من قال «إنها دار الإمارة» فلا يكون غلطا، وقال في المشارق: وقد غلط فيها بعضهم فقال يعني دار الإمارة. قلت: والذي رأيته في ابن شبة إنما هو صيرورتها لمعاوية كما قدمناه، مع أن المشهور قديما بدار الإمارة إنما هي دار مروان التي في قبلة المسجد، وتقدم أن الأمراء كانوا يدخلون من باب منها إلى المقصورة، وتوهم البرهان ابن فرحون أنها رحبة دار القضاء، فقال: قال ابن حبيب: وما كان من مضى- يعني من القضاة- يجلسون في رحاب المسجد، بل إما عند موضع الجنائز، يريد خارج باب جبريل، وإما رحبة دار مروان التي تسمى رحبة القضاء، وقد جعل ذلك في هذا الوقت ميضأة، انتهى. وهو وهم؛ لأن الذي جعل ميضأة هو نفس دار مروان كما سيأتي، وبالجملة فلا خلاف في كون دار القضاء هي الرحبة التي كانت في غربي المسجد إلى باب مروان.

стр. 513

ويؤخذ مما تقدم أن هذه الرحبة كانت في محاذاة باب زياد وما بعد، إلى باب السلام. ويؤخذ مما سيأتي في الدور المطيفة بالمسجد أنها كانت ممتدة إلى باب الرحبة أيضا، وهو مقتضى ما أخبر به بعض مشايخ المدينة أنه لم يزل يسمع أنه لم يكن بين باب الرحمة وباب السلام دار تلاصق المسجد. قلت: فموضع هذه الرحبة اليوم دار الشباك الملاصقة لباب الرحمة، وما يليها من المدرسة الجوبانية والحصن العتيق. ودار الشباك أنشأها شيخ الخدام كافور المظفري، المعروف بالحريري، بعد السبعمائة، وجعل لها شباكا إلى المسجد، وليس حول المسجد دار لها شباك في جدار المسجد إلا هي، والذي يظهر أن باب زياد كان في موضع شباكها أو إلى جانبه القبلي. وأما المدرسة الجوبانية فابتناها جوبان أتابك العساكر المغلية في سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وجعل له فيها تربة ملاصقة لجدار المسجد بين دار الشباك والحصن العتيق، وهي- أعني التربة- من جملة رحبة القضاء، واتخذ فيها شباكا في جدار المسجد، وهو مسدود اليوم، ولم يدفن فيها بعد أن حمل إليها في تابوت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة من بغداد بأمر السلطان أبي سعيد فدخلوا به مكة وطافوا به حول البيت كما فعل بالجواد الأصفهاني، وذلك صحبة الحاج العراقي، فلما وصلوا به المدينة منعهم أميرها من ذلك حتى يشاور السلطان الناصر، كذا قاله بعضهم، وقال الصلاح الصفدي: لما بلغ الملك الناصر أمر تجهيزه ليدفن في المدينة جهز الهجن إلى المدينة، وأمرهم ألايمكن من الدفن في تربته، فدفن في البقيع. وذكر لي بعض الناس أن علة المنع من دفنه بتربته أنه إذا وضع فيها للقبلة كانت رجلاه إلى الجهة الشريفة؛ لأن تربته في غربي المسجد، بخلاف الجواد وغيره ممن دفن في شرقي المسجد، فإن رؤوسهم إلى جهة الأرجل الشريفة، والله أعلم. وأما الحصن العتيق فإنه كان منزلا لأمراء المدينة، ثم انتقل إلى السلطان غياث الدين سلطان بنجالة أبي المظفر أعظم ابن السلطان اسكندر، وابتناه مدرسة في سنة أربعة عشرة وثمانمائة، وتوفي في تلك السنة، ويقال: إن غيره سبقه إلى جعله رباطا قبل ذلك. ثم اقتضى رأي متولي العمارة بعد الحريق الحادث في زماننا استبدال دار الشباك المذكورة وما يليها من الجوبانية وجميع الحصن العتيق عند هدم ما يلي ذلك من جدار المسجد الغربي، وعمل ذلك مدرسة ورباطا للسلطان الأشرف فيما بين باب السلام وباب الرحمة كما سبق في الفصل التاسع والعشرين. واعلم أن المطري زاد هنا بابا بدل الباب الذي أسقطه قبل باب عاتكة فقال: إنه كان

стр. 514

بين باب عاتكة وخوخة أبي بكر الآتية بابان سدّا عند تجديد الحائط، وتبعه على ذلك من بعده، والذي اقتضاه كلام ابن زبالة ويحيى وابن النجار أنه ليس بين باب عاتكة وبين الخوخة سوى باب زياد، ولهذا لما أسقط ابن النجار ذكر الخوخة من الأبواب وجعل أبواب هذه الجهة سبعة قال: الخامس باب عاتكة، السادس باب زياد، السابع باب مروان، انتهى. وبه يعلم أن الصواب ما قدمناه، والله أعلم. خوخة تجاه خوخة أبي بكر التاسع عشر: الخوخة المجعولة تجاه خوخة أبي بكر ﵁ لما زيد في المسجد، وهو معنى ما تقدم عن ابن زبالة حيث قال في عدد الأبواب: ومما يلي المغرب ثمانية أبواب، ومنها الخوخة التي تقابل يمنى خوخة أبي بكر. قلت: وكانت شارعة في رحبة دار القضاء كما قدمناه من كلام ابن زبالة وقدمنا أيضا في زيادة عمر ﵁ عن أبي غسان قال: أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أن عمه أخبره أن الخوخة الشارعة في دار القضاء في غربي المسجد خوخة أبي بكر الصديق ﵁، أي: المجعولة في محاذاة خوخته. قال ابن زبالة في ذكر الكتابة على أبواب المسجد: وليس على الخوخة لا من داخل المسجد ولا من خارجه كتابة، وقد قدمنا أن لهذه الخوخة اليوم بابا مما يلي المسجد، وأنه باب حاصل يعرف بحاصل النورة، وهي معروفة بخوخة أبي بكر، ويؤخذ مما تقدم أن ذلك الحاصل من دار القضاء، وبابه اليوم هي الفتحة الثالثة من الفتحات التي على يسار الداخل من باب السلام، جعل باب في موضع الخوخة يدخل منه للمسجد، وبعده شباك، ثم باب يدخل منه للمدرسة الأشرفية. العشرون: باب مروان، سمي بذلك لملاصقته لداره التي كانت في قبلة المسجد مما يلي الباب المذكور، وبعضها ينعطف على المسجد من جهة المغرب، وفي موضعها اليوم الميضأة التي أنشأها المنصور قلاوون الصالحي عام ست وثمانين وستمائة، ويعرف الباب المذكور أيضا بباب السلام، وباب الخشوع، قاله المطري. وفي رحلة ابن جبير أنه يعرف بباب الخشية، اه. والزوار غالبا إنما يدخلون منه؛ لكونه أقصد إلى طريقهم من باب المدينة، فلا يخفى مناسبة تسميته بذلك كله. قال المطري: ولم يكن في القبلة حتى إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر، أو خوخة لمروان عند داره في ركن المسجد الغربي، شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة، كان يدخل من داره إلى المسجد منها، وقد انسدت بحائط المنارة الغربي. قال الزين المراغي: وينبغي الاعتراض على من أطلق أن مروان كان يدخل منها

стр. 515

للمسجد؛ لأن مروان قتلته زوجته أم خالد بن يزيد آمنة بنت علقمة، ويقال: فاختة بنت هاشم، وقيل: مات مطعونا، وقيل: مطعونا، في نصف رمضان سنة خمس وستين. وكانت مدة خلافته تسعة أشهر، وذلك قبل أن يزيد ولد ولده الوليد بن عبد الملك ابن مروان في المسجد بنحو من ثلاثين سنة، ولا شك أنها خوخة آل مروان؛ فالصواب أنه كان يدخل من مثلها، لا منها، وكأن هذا الباب هو المراد بقول ابن زبالة: وباب في قبلة المسجد يخرج منه السلطان إلى المقصورة. قلت: أما ما ذكره المطري من أنه لم يكن في قبلة المسجد باب- يعني فيما مضى إلى زمنه- إلا خوخة آل عمر؛ فمردود بما قدمناه عن ابن زبالة؛ فإنه فصل الأبواب الزائدة على العشرين فجعل منها الباب الذي كان في القبلة يدخل منه الأمراء من ناحية دار مروان، ثم ذكر البابين اللذين عن يمين القبلة وعن يسارها يدخل منهما إلى المقصورة، والباب الذي عن يمين القبلة هو هذا الذي أدركه المطري؛ فلا يصح ما ذكره الزين المراغي من حمل كلام ابن زبالة في الباب الذي ذكره في القبلة عليه؛ لأنه قد غاير بينهما، وأما استدراك المراغي على القول بأن مروان كان يدخل من الباب الذي ذكره المطري فصحيح، وقد تقدم عن ابن زبالة أنه يسمى باب بيت زيت القناديل. والذي يظهر كما قال المراغي أنه جعل في مقابلة باب اتخذه مروان هناك أيضا؛ لأن ابن زبالة روى أن مروان لما بنى داره جعل لها خوخة في القبلة، ثم قال: أخشى أن أمنعها، أي لكونها في القبلة، فجعل لها بابا على يمينك حين تدخل: أي وهو الباب المتقدم وصفه، ثم قال: أخشى أن أمنع المسجد، فجعل الباب الثالث الذي يلي باب المسجد، يعني الملاصق لباب السلام من خارجه، وفي موضعه اليوم السقاية المقابلة لباب مدرسة الحصن العتيق، وهذا سبب المناسبة في تسمية رحبة القضاء برحبة دار مروان؛ لمقابلتها لبابه هذا. وروى ابن زبالة عن إسحاق بن مسلم أن عمر بن عبد العزيز لما بنى المسجد أراد أن يجعل في الأبواب حلقا، ويجعلها في الدروب؛ لئلا يدخلها الدواب، فعمل الحلقة التي في باب المسجد مما يلي دار مروان، ثم بدا له فتركها. قلت: المراد بذلك السلسلة الحديد المجعولة بجنبتي عقد باب السلام تمنع الدواب من الدخول. وفي باب الرحمة اليوم آثار سلسلة كانت هناك، وسلسلة باب السلام ترفع في أيام الموسم؛ لأنه اتفق في سنة أربع وخمسين وثمانمائة ازدحام الناس عندها فهلك جماعة، وكان أمام باب السلام من داخله درابزين شبيه بالدرابزين الذي كان من داخل باب جبريل، وكان الناس لا ينزعون نعالهم إلا عنده، وكذلك كان مثله أمام باب الرحمة من داخله أيضا؛ فجعل الأمير بردبك المعمار أيام عمارته للظاهر جقمق هذه الأحجار المصفوفة إفريزا عند

стр. 516

طرف عقد باب السلام مما يلي باب الحصن العتيق، وجعل ما أمام الباب مما يحاذي العقد المذكور رحبة بالمسجد، وصار الناس ينزعون النعال عندها، وعمل عند عقد باب الرحمة مثل ذلك، ورفع ذلك الدرابزين، وكان ما بين الدرابزين وباب الرحمة منخفضا عن أرض المسجد فسواه بأرض المسجد كما هو اليوم، فاحتاج إلى رفع عتبته، فزاد العتبة المتخذة فوق العتبة الأصلية، وقصر شيئا من أسفل الباب، وذلك ظاهر فيه اليوم، وحصل بذلك صيانة للمسجد، واتخذ أيضا الرحبة التي أمام باب النساء، ورفع الدرابزين الذي كان من داخله، واتخذ لباب جبريل الرحبة التي أمامه، ولم يرفع الدرابزين؛ لأن الناس لم يكونوا يمشون بنعالهم إليه، ثم أزيل درابزينه أيضا عند عمارته بعد الحريق الثاني، والله أعلم. الفصل الثالث والثلاثون في خوخة آل عمر رضي الله تعالى عنه المتقدم ذكرها، وما يتعين من سدّها في زماننا تحديد موضع خوخة آل عمر اعلم أنها اليوم هي التي يتوصّل إليها من الطابق الذي بالرواق الثاني من أروقة القبلة، وهو الرواق الذي يقف الناس اليوم فيه للزيارة أمام الوجه الشريف بالقرب من الطابق المذكور. والذي يتلخص مما قدمناه في زيادة عثمان ﵁ والوليد والمهدي أن الأصل في ذلك أنه لما احتيج لدار حفصة- يعني حجرتها- قالت: كيف بطريقي إلى المسجد، فقيل لها: نعطيك أوسع من بيتك، ونجعل لك طريقا مثل طريقك، فأعطيت دار عبيد الله بن عمر، أي التي صارت إليه بعد حفصة، وكانت مربدا، هذا ما رواه ابن زبالة. وقد قدمنا في زيادة الوليد من رواية ابن زبالة أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى رجال من آل عمر، وأخبرهم أن أمير المؤمنين كتب إليه أن يبتاع بيت حفصة، وكان عن يمين الخوخة أي من داخل المسجد، فقالوا: ما نبيعه بشيء، قال: إذا أدخله في المسجد، قالوا: أنت وذاك، فأما طريقنا فإنا لا نقطعها، فهدم البيت، وأعطاهم الطريق ووسّعها لهم. وقدمنا أيضا ما رواه يحيى عن مالك بن أنس من أن الحجّاج الثقفي هو الذي ساوم عبيد الله بن عبد الله بن عمر في هذا البيت وهدمه. وفي رواية ليحيى أن عمر بن عبد العزيز لما وصل في العمارة إلى دار حفصة قال له عبيد الله: لست أبيع هذا هو حق حفصة، وقد كان النبي ﷺ يسكنها، فقال عمر: ما أنا بتارككم أو أدخلها المسجد، فلما كثر الكلام بينهما قال لهم عمر: أجعل لكم في المسجد بابا تدخلون منه، وأعطيكم دار الرقيق، وما بقي من الدار فهو لكم، ففعلوا.

стр. 517

وقال المطري: إن الوليد لما حج وطاف في المسجد رأى هذا الباب في القبلة فقال لعمر: ما هذا الباب؟ فذكر له ما جرى بينه وبين آل عمر في بيت حفصة، وكان جرى بينه وبينهم فيه كلام كثير، وجرى الصلح على ذلك، فقال له الوليد: أراك قد صانعت أخوالك. وقد قدمنا من رواية ابن زبالة الإشارة إلى هذا، وقدمنا من روايته أيضا عن عبد العزيز بن محمد أنه كان يسمع عبيد الله بن عمر يقول: لا أماتني الله حتى أراني سدها. وتقدم أن تلك الخوخة لم تزل طريق آل عمر إلى دارهم حتى عمل المهدي المقصورة على الرواق القبلي. قال المطري: فمنعوهم الدخول من بابهم، فجرى في ذلك أيضا كلام كثير تقدمت الإشارة إليه، اصطلحوا على سدّ الخوخة من أعلاها في جدار المسجد، وأن يخفضوها في الأرض ويجعلوا على أعلاها في موضع الباب الأول شباك حديد في القبلة، وحفروها كالسرب، فتخرج خارج المقصورة في الرواق الثاني من أروقة القبلة، ولها ثلاث درجات عند بابها في جوف السرب بالمسجد، وهو الطابق الموجود اليوم، وعليه قفل من حديد، ولا يفتح إلا أيام قدوم الحاج للزيارة، قال المطري: وهي طريق آل عمر إلى دارهم التي تسمى اليوم دار العشرة، وإنما هي دار آل عبد الله بن عمر، انتهى. قلت: وعلى هذا السرب من خارج المسجد باب في جدار المسجد أيضا، وأمامه دهليز يتوصل منه إلى شارع فيه دور كثيرة سنشير إلى بعضها في ذكر الدور المطيفة بالمسجد. اتخاذ بعض الناس بابا وسيلة للتدجيل وقد اختلقوا لتلك الدور أسماء، حتى قالوا في بعضها: هو بيت النبي ﷺ ، وبعضها نسبوه إلى فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها. ويتخذ بعض أهل تلك الدور على ما بلغني كحلا في نقرة من الجدار ويقولون للحجاج: هذه مكحلة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، ويشيرون أيضا إلى رحا عندهم فيقولون: هذه رحا فاطمة الزهراء، أخبرني بذلك من لبّسوا عليه الأمر وأخبروه بهذه الأكاذيب حتى أعطاهم شيئا. ويجلس عند ذلك الطابق بالمسجد شخص ليس هو اليوم من ذرية آل عمر؛ لأن من كان بيدهم مفتاح هذا الطابق من آل عمر قد انقرضوا، وبقيت منهم زوجة هذا الشخص الذي يجلس عند هذا الطابق، ثم توفيت وتركت أولادا منه، فاستمر المفتاح بيده، فيستنيب من يجلس عند هذا الطابق ويفتحه أيام الموسم، ويقف عنده جماعة يزوّرون الحجاج ويأخذون من الداخلين منه شيئا شبيها بالمكس؛ فإن الجالس عنده لا يمكن أحدا من الدخول منه إلا ببذل شيء يرضيه، وما حال

стр. 518

الحاج الغريب إذا رأى مثل هذا الباب بدرج تحت الأرض في المسجد وقيل له: إنه يصل إلى بيت النبي ﷺ وبيت ابنته؟ وقد اشتهر ذلك عند أهل المدينة حتى إن أحدا منهم لا يكره، فيود الغريب المسكين لو بذل روحه في الوصول لذلك، وربما لم يكن معه شيء، فيتجشم المشقة في الوصول لذلك، فقد أخبرني صاحبنا الشيخ المبارك أبو الجود بركات الجيعاني أنه قدم المدينة قديما قبل أن يجاور بها، قال: فلم أملك نفسي أن دخلت في هذا الطابق فطبقه الجالس عنده على ظهري حتى كاد يقصمه لأنه لم يعطه شيئا. وأخبرني هو وغيره ممن أثق به أنه يقع في أسفله من الإزدحام واختلاط النساء بالرجال ما لا يوصف مع ضيقه، حتى إن الماشي فيه يحتاج إلى الانحناء. وأخبرني بعضهم: أنه رأى فيه منكرا شينعا، وهو أن بعض الأحداث يمشي خلف النساء مع الازدحام، وكون المشي على تلك الهيئة؛ فيقع ما لا يرضي الله ولا رسوله بين يديه ﷺ . وكيف يتمادى الناس على إقرار ذلك الآن؟ وهو ليس إلا لمجرد ما ذكرناه، فإنه كان بابا لدار، ولأن من هو بيده لا يملك شيئا من تلك الدور، ولو كان مالكها فليس وضعه لسوى دخول أهل تلك الدور منه، فإنه لم يجعل إلا ليدخل منه آل عمر إلى المسجد، لا لأن يأخذوا فلوسا على من يخرج من المسجد مارا منه، فقد كانوا منزهين عن ذلك. ثم لو سلمنا أن تلك الدور مستحقة للزيارة فزيارتها متيسرة من خارج المسجد، وكيف يتخذ المسجد طريقا، ويخص منه ما يكون بين يدي النبي ﷺ على تلك الحالة المنكرة لأجل شيء خسيس من الدنيا؟ ونحن نفديه ﷺ بأنفسنا فضلا عن أموالنا، وقد أمر ﷺ بسد الأبواب التي كانت شارعة في المسجد إلا خوخة أبي بكر وإلا باب علي كما قدمناه، مع أن أهل تلك الأبواب إنما كان قصدهم بها التوصل إلى المسجد، فكيف يبقى باب بين يديه ﷺ لا نفع له إلا أخذ شيء من الحطام على المرور منه؟ هذا ما لا يرضاه مؤمن يرى تعظيم رسول الله ﷺ ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ثم إن هذا الطابق له قفل، وما حوله من الخشب فيه نوع نتوء، فقد رأيت من لا أحصيه من الخلق يتعثرون به، وربما سقط بعضهم لوجهه، ثم إنه إذا كثر الدوس عليه في ليالي الزيارات كليلة النصف من شعبان ونحوها يرتج تحت الأرجل حتى تزلزل الأرض زلزالها، وذلك يؤذي رسول الله ﷺ ، فقد قدمنا أن عائشة ﵂ كانت تسمع الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله ﷺ . قالوا: وما عمل عليّ مصراعي داره إلا بالمناصع- وهو متبرز النساء ليلا خارج سور المدينة- توقيا لذلك.

стр. 519

وروى يحيى في كتابه عن محمد بن يحيى بن زيد النوفلي عن أبيه عن الثقة عنده أن عائشة ﵂ ذكرت أن بعض نساء النبي ﷺ دعت نجارا فعلّق ضبة لها، وأن النجار ضرب المسمار في الضبة ضربا شديدا، وأن عائشة ﵂ صاحت بالنجار كلمته كلاما شديدا وقالت: ألم تعلم أن حرمة رسول الله ﷺ ميتا كحرمته حيّا؟ فقالت الآخرى: وماذا سمع من هذا؟ قالت: إنه ليؤذي رسول الله ﷺ صوت هذا الضرب اليوم ما يؤذيه لو كان حيا. حج السلطان قايتباي ولم أزل منذ قدمت المدينة أنكر هذا الأمر بالقلب واللسان وكتابة البنان، ولكن لم أجد على ذلك معينا، لرسوخ الطباع العامية في التمسك بالعوائد الماضية من غير روية، وقد نبهت على إنكار ذلك في كتابي «الوفا، بما يجب لحضرة المصطفى» ﷺ ، ثم شافهت في أمره مولانا الهمام، سلطان ممالك الإسلام، ذا الشجاعة التي شاعت عجائبها، والشهامة التي ذاعت غرائبها، سلطان الإسلام والمسلمين، ووجهة القاصدين والآملين، السلطان الملك الأشرف قايتباي، جعل الله الممالك منظومة في سلك ملكه، وأقطار الأرض جارية في حوزه وملكه، فإنه لما حج سنة أربع وثمانين وثمانمائة بدأ بالمدينة النبوية لزيارة التربة المصطفوية على الحال بها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، فقدمها طلوع الفجر من يوم الجمعة الميمون الثاني والعشرين من ذي القعدة الحرام، فلبس لدخولها حلل التواضع والخشوع، وتحلى بما يجب لتلك الحضرة النبوية من الهيبة والخضوع، فترجّل عن جواده عند باب سورها، ومشى على أقدامه بين رباعها ودورها، حتى وقف بين يدي الجناب الرفيع، الحبيب الشفيع، ﷺ ، وناجاه بالتسليم، وفاز من ذلك بالحظ الجسيم، ثم ثنى بضجيعيه رضي الله تعالى عنهما بعد أن صلّى بالروضة الشريفة التحية، وعفّر وجهه في ساحتها السنية، وعرض عليه الدخول إلى المقصورة المستديرة حول جدار القبور الشريفة، المعروفة اليوم بالحجرة المنيفة، فتعاظم ذلك، وقال: لو أمكنني أن أقف في أبعد من هذا الموقف وقفت، فالجناب عظيم، ومن ذا الذي يقوم بما يجب له من التعظيم؟ ثم صلّى صبح الجمعة في الصف الأول بين فقراء الروضة عند أسطوان المهاجرين بالقرب من مصلاي، كان بيني وبينه إمامه شيخ الشيوخ الإمام العلامة نادرة الزمان وعين الأعيان برهان الدين الكركي، فسح الله في أجله، وأدام النفع به، ولم يكن بيني وبينه سابق معرفة، حتى إني لم أبدأه بسلام ولا كلام، وكذلك السلطان أعزه الله أنصاره وضاعف اقتداره، لم أتعرف إليه، ولم يكن ذلك في خلدي ولا عزمت عليه، ثم توجه السلطان بجماعته لزيارة عم رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب ومن يليه من شهداء أحد رضوان الله عليهم، فمشى مترجلا

стр. 520

كعادته، حتى خرج من باب المدينة، ولم يزل ذلك دأبه، فلم يركب بالمدينة جوادا حتى خرج منها، فلما كان وقت صلاة الجمعة حضر في ذلك المصلى فكان بيني وبينه إمامه المشار إليه أيضا، ثم قرأ شخص على شيخ المحدثين العلامة شمس الدين ابن شيخنا أبي الفرج العثماني مجلس ختم البخاري، وكأن الإمام المشار إليه تفرّس فيّ الاتصاف بطلب العلم، ففاتحني الكلام في بعض المسائل العلمية المتعلقة بذلك، فجاريته فيها، فرأيت كماله واضح البرهان، وفضله ظاهر العنوان، مع كمال الإنصاف في البحث، فانتسجت المودة حينئذ، ثم قام الإمام المشار إليه، واستمر السلطان جالسا، ثم بدأنا بالملاطفة، وشرفنا بالمحادثة، وخاض في شيء من العلم، فرأيت من تواضعه وحلمه وثقوب فهمه ما فاق الوصف، فأنشدته قول بعضهم: كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر ثم التقينا، فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري وأنهيت إليه أمر الطابق المذكور، وقلت في نفسي: لعل الله تعالى أرسل هذا السلطان المسعود وجمعني به من غير قصد ليفوز بتنزيه الحضرة الشريفة من ذلك، ويكون ذلك في صحائفه، وقد قدمنا ما حاوله الملوك الماضون من سدّه مع أن المفاسد التي قدمناها لم تكن موجودة في زمنهم، وإنما تركوه كما قدمناه لمانع، ولا مانع من سده اليوم بحمد الله تعالى، فوعد بذلك. ثم وقع الاجتماع بالإمام المشار إليه فكلمته في ذلك، وقلت له: بلغني أن من بيده مفتاح الطابق المذكور يجتمع له في كل سنة نحو عشرة دنانير من هذا الطابق، ولي معلوم في جهة هذا قدره في كل سنة، فأنا أنزل عنه لمن بيده ذلك المفتاح تطييبا لخاطره، فذكر ذلك للسلطان، فقال: نحن نرضيه من عندنا، ثم إنه نصره الله تعالى حضر لصلاة المغرب، فتفضل بالبداءة بالكلام، ولم يكن إمامه حاضرا، ولكنه سبق منه التربية التامة عنده، فسألني عن الآية المنقوشة في المصلى الشريف، وهي قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: ١٤٤] الآية هل نزلت قبل المعراج وفرض الصلاة أم بعد ذلك؟ وكيف كان الاستقبال قبل نزولها؟ فشرعت في الجواب، فأقيمت الصلاة في أثناء ذلك، فلما قضى صلاته تنفل بست ركعات، ثم أقبل عليّ طالبا للجواب، فذكرت له تاريخ نزولها بالمدينة، وما فيه من الخلاف، وأن فرض الصلاة ليلة في المعراج كان بمكة، وما ذكروه في أمر استقبال بيت المقدس، وما حكي من الخلاف في تعدد نسخ القبلة، وصلاته ﷺ بمكة بين الركنين اليمانيين جاعلا الكعبة بينه وبين بيت المقدس، إلى غير ذلك من الفوائد التي قدمناها في محلها من كتابنا هذا، واستمريت معه كذلك حتى صلينا العشاء الآخرة، فحصل منه في ذلك المجلس من الإكرام ما أرجو له به كمال المجازاة من صاحب الحضرة الحبيب الشفيع صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 521

وفرق بالمدينة الشريفة مالا جزيلا ستة آلاف دينار أو أكثر، ودفع إليّ على يد إمامه المشار إليه من ذلك جزآ وافرا، وتكلمات معه في رفع مكوس المدينة وتعويض أميرها عن ذلك شيئا، فأفهم الوعد به، وسألني عن أمر دار العباس التي اشتريت له، وكانت سببا في قتل القضائي الزكوي تغمده الله تعالى برحمته لعدم السياسة في أخذها، فأخبرته بحقيقة الحال، فقال: لم لم تكتب إلّي بهذا؟ فاعتذرت له بعذر قبله، وتبرأ من جميع ما فعلوا فيها، ووعد بما يكون فيه صلاح أمرها، ثم وفى بذلك بعد عوده، فزادهم مبلغا كثيرا رضوا به، وتفضل بالتشريف بطلب الكتابة إليه بما يكون فيه صلاح أحوال المدينة والتنبيه على من يردها من المحتاجين. ثم توجه في الرابع والعشرين من الشهر المذكور مصحوبا بالسلامة إلى مكة المشرفة ماشيا على أقدامه بين فقراء المدينة وفقهائها حتى خرج من باب المدينة، فوقف هناك، وقرأنا له الفاتحة، ثم ركب جواده، أدام الله تأييده وحرسه من الردى، وأنار له طرق الحق والهدى. ثم قدمت مكة صحبة الحاج الشامي فوجدته قد سلك بها مسلك التواضع أيضا، وتصدق فيها بمال جزيل أكثر مما تصدق بالمدينة الشريفة. ولما اجتمعت بإمامه المشار إليه بمكة المشرفة تذاكرنا الصدقة الشريفة بالمدينة الشريفة وعمومها، وما حصل بها من النفع، فذكرت له أن أربعة من فقراء المغاربة لم يأخذوا شيئا لملازمتهم لرباطهم، وعدم إتيانهم لمن كان يفرق، وأن شخصا آخر مستحقا كنت أود لو حصل له أكثر مما دفع له، فبلغ ذلك السلطان، فلما كان في أوسط أيام منى توجهت لوداع الإمام المشار إليه، فأشار بموادعة السلطان، فقلت له: أخشى أن يتوهم أن المجيء لقصد آخر، فقال: لا بد من موادعته، فتوجهنا إليه فحصل منه من الإكرام ما أطلب له الجزاء عليه من أكرم الأكرمين، ثم قال: أنتم ذكرتم للإمام كيت وكيت، فلم ينس ما تقدم ذكره من أمر جماعة الفقراء، فقلت له: نعم، فأمر لهم بمائة دينار أقسمها عليهم لكل واحد عشرون دينارا، ثم قال: هل بقي أحد؟ فقلت له: ما أستحضر أحدا، ورأيت له اهتماما تاما بتعميم جيران الحضرة الشريفة، ووادعني قائما وسأل عن أمر الطابق المذكور لما قدمنا مكة، وأمر بأن لا يفتح، وأن يسد بعد ذلك، فلما بلغ شيخ الخدام بالمدينة الشريفة منع من فتحه عند قدوم الحاج المصري في هذا العام، ولكن بقي سده، فإن الطريق في قطع الشر قلع أصوله، وقد وعد بسده. وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة ثم إن السلطان أيده الله تعالى رجع إلى مصر مصحوبا بتأييد الله ونصره، فبلغنا أنه

стр. 522

أبرز بعد وصوله ستين ألف دينار ليشتري بها أماكن تكون أوقافا يحمل ريعها إلى الحضرة الشريفة، ويعمل بها سماط كسماط الخليل ﵇، وهذا أمر لم يسبقه إليه أحد من ملوك الإسلام، والمسؤول من الله تعالى أن ييسر له ذلك. وقد ألحقنا في الفصل التاسع والعشرين ما برزت به المراسيم الشريفة من إبطال المكوس، وتعويض أمير المدينة الشريفة عنها، وأنه وقف أماكن كثيرة يتحصل منها نحو سبعة آلاف وخمسمائة إردب من الحب كل سنة لعمل السماط المذكور، وليصرف من ذلك كفاية أرباب البيوت بالمدينة الشريفة، ثم وصول البهائي أبي البقاء بن الجيعان عظم الله شأنه بجملة من ذلك والصرف والتقرير وعمل السماط على الوجه السابق، والمرجو من الله تعالى دوام ذلك له؛ فإن الله تعالى قد أجرى على يديه من الخيرات ما لم يجتمع لأحد من الملوك قبله فمن ذلك ما تقدم من العمارة بالمسجد النبوي والحجرة الشريفة، وإبطال هذا الطابق المتقدم وصفه، ومن العجب أن من كان بيده هذا الطابق توجه إليه بمصر وسأل أن يمكّن من فتحه، فلم يجبه لذلك، وقرر له في الذخيرة بضعة عشر دينارا كل سنة عوضا عما كان يحصل له منه، ثم وردت المراسيم الشريفة بالإخبار بذلك، والأمر بسده، ولكن شق على بعض أهل الحظوظ النفسية تمام هذا الأمر والمتسبب فيه الفقير الحقير، فتسبب في تأخيره، فمات شيخ الخدام إنال الإسحاقي ولم يسده، فلما قدمت مصر عام سبع وثمانين وثمانمائة أنهيت للسلطان أن الطابق لم يسد، وخشيت أن يغضب بسبب ذلك على بعض الناس، فاعتذرت بأن موجب التأخير وفاة شيخ الحرم، فبرزت مراسيمه الشريفة لشيخ الحرم ومتولي العمارة الشمس بن الزمن بسده بالبناء، بحيث لا يفتح أبدا، وكان المعاكس في هذا الغرض قد أمال متولي العمارة إليه مع ما سبق في الفصل الثامن والعشرين من إيغار صدره مني، وكان هذا الطابق قد احترق وارتدم بعد أمر السلطان بسده في حريق سنة ست وثمانين وثمانمائة، وأثرت النار في قبوه تأثيرا عظيما، فأعاده متولي العمارة وأحكمه، وجعل له بابا، فلما وردت عليه المراسيم الشريفة بما سبق على يديّ أجاب بأنه يراجع السلطان في ذلك لأن تلك الدور صارت له. ثم إن شيخ الحرم أنهى إلى السلطان ذلك، فبرزت المراسيم الشريفة بسده واللوم على تأخيره مع تكرر الأمر بذلك، فأمره متولي العمارة بتأخير ذلك ليراجع السلطان فيه، وقال: إنه يجعل تلك الدور مزارات ليتم له ما أراده من بقاء ذلك الطابق، وتعجب الناس من إقدامه عليه، ثم بلغ السلطان ذلك مع أمور يطول شرحها؛ فغضب غضبا شديدا وبرز مرسومه بسده والوعيد التام على تأخيره، فسده شيخ الحرم بالبناء المحكم من خارج المسجد، ونزع باب طابقه، وردمه بالأتربة حتى ساوى أرض المسجد، ولم يبق له أثر، وذلك في رابع

стр. 523

ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وسرّ أهل الخير بذلك، وتضاعفت أدعيتهم للسلطان نصره الله تعالى، وهذا من أعظم محاسنه. من آثار قايتباي بالحرمين الشريفين ومن ذلك إجراء عين خليص بعد انقطاعها مرة بعد أخرى، وهي من أحسن مناهل الحج وأعذبها، وكذلك بركة الروحاء. ومن ذلك عمارة مسجد الخيف بعد أن تهدم بأجمعه، وإنشاء المنارة والسبيل اللذين عند بابه، وإجراء المعلوم لمن يؤذّن بتلك المنارة ولمن يؤم بالمسجد المذكور. ومن ذلك إحداث الظل بمقدم مسجد نمرة المنسوب لإبراهيم الخليل، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وقد كان الحجاج يقاسون به شدة من حر الشمس في ذلك اليوم، فالله تعالى يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. ومن ذلك إجراء عين عرفة من بطن نعمان، بعد أن دثرت وانمحت معالمها واندرست، وعمارة بركها ومجاريها، حتى فاضت الأنهار بأقاصيها وأدانيها، وأوصلها إلى مسجد نمرة، وأنشأ به صهريجا يجتمع فيه الماء، فأذهب بذلك عن الحج الأعظم الظمأ، وقد كنت أرى الفقراء في كل سنة في ذلك اليوم لا يسألون غالبا إلا الماء، وكان من أعز الأشياء هناك، فلم يبق له طالب، ولله الحمد، سقاه الله بذلك من حوض الكوثر. ومن ذلك المدرسة والرباط اللذان عمر هما بمكة المشرفة، ولا نظير لهما فيها. ومن ذلك حجه في هذا العام، فإن ذلك لم يقع لأحد من ملوك مصر من نحو مائة وخمسين سنة، وكان آخر من حج منهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، حج ثلاث حجات: أولاها سنة عشر وسبعمائة، وثانيتها سنة عشرين، وثالثتها سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، ولم يحج أحد بعد ذلك من سلاطين مصر، وأرجو أن يفسح الله في أجل سلطاننا هذا حتى يدرك ذلك، ويتم له ما نواه من الخير بالحضرة النبوية. وقد أنشأ بثغر اسكندرية برجا عظيما لم يسبق إليه، وشحنه بالأسلحة والجند. ولما توجهت إلى زيادة بيت المقدس رأيت له فيه وفيما بين مصر وبينه من الآثار العظيمة ما لم أره من غيره من الملوك من المدارس والمساجد والقناطر، وهذا المحل لا يحتمل بسط ذلك، وإنما ذكرنا من آثاره الجميلة ما يتعلق بالحجاز لأنه محل الغرض. وهو ملك مطاع، محظوظ، صبور، غير عجل، كثير الحياء والوقار والمهابة، إذا حاول أمرا لا يسرع فيه، بل يتأنى كثيرا، ويعظم أهل العلم ويجلهم. وإنما أمتعنا بذكر ذلك هنا ليكون سببا في حث الواقف على ذلك على الدعاء لهذا الملك السعيد بإنجاح المطالب، ونيل المارب، ولتنبعث همة من جاء بعده من الملوك على أن

стр. 524

يقتدي به في الخير فيصنع مثل ما صنعه، ونسأل الله تعالى أن يفسح في أجله، فقلّ أن يأتي بعده مثله. الفصل الرابع والثلاثون فيما كان مطيفا بالمسجد الشريف من الدور، وما كان من خبرها، وجلّ ذلك من منازل المهاجرين رضي الله تعالى عنهم رسول الله يخط دور المدينة روى ابن سعد في طبقاته عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان رسول الله ﷺ خطّ الدور بالمدينة، فخط لبني زهرة في ناحية مؤخر المسجد، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحش، والحش: نخل صغار لا يسقى. وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ خط الدور؛ فخط لبني زهرة في ناحية مؤخر المسجد؛ فجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود هذه الخطة عند المسجد. وقال ياقوت: لما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة أقطع الناس الدور والرّباع؛ فخط لنبي زهرة في ناحية من مؤخر المسجد، وكان لعبد الرحمن بن عوف الحش المعروف به، وجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود الهذليّين الخطة المشهورة بهم عند المسجد، وأقطع الزبير ابن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة بن عبيد الله موضع دوره، ولأبي بكر الصديق موضع داره عند المسجد، وأقطع كل واحد من عثمان بن عفان وخالد بن الوليد والمقداد وغيرهم مواضع درهم، وكان رسول الله ﷺ يقطع أصحابه هذه القطائع، فما كان في عفائن الأرض فإنه أقطعهم إياه، وما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له فكان يقطع من ذلك ما شاء، وكان أول من وهب له خططه ومنازله حارثة بن النعمان وهب له ذلك وأقطعه ﷺ ، انتهى. دار آل عمر بن الخطاب فأول الدور الشوارع حول المسجد من القبلة دار عبد الله بن عمر بن الخطاب التي فيها الخوخة المتقدم وصفها، وليست الدار المذكورة اليوم بيد أحد من آل عمر كما قدمناه، وقدمنا أن موضع هذه الدار كان مربدا أعطيته حفصة رضي الله تعالى عنها بدل حجرتها لما احتيج إلى إدخالها في المسجد، وفي رواية أن آل عمر أعطوا بدلها دار الرقيق وما بقي منها. وقال ابن غسان، فيما نقله ابن شبة: وأخبرني مخبر أن تلك الدار- يعني دار آل عمر- كانت مربدا يتوضأ فيه أزواج النبي ﷺ ، فلما توفي استخلصته حفصة رضي الله عنها

стр. 525

بثلاثين ألف درهم، فورثها عنها عبد الله بن عمر؛ فهي التي قال فيها عبد الله في كتاب صدقته: وتصدق عبد الله بداره التي عند المسجد التي ورث من حفصة. بيت لأبي بكر الصديق صار لآل عمر قال: وأخبرني مخبر قال: كان بيت أبي بكر الذي قال فيه النبي ﷺ : «سدوا عني هذه الأبواب- الحديث» بيد عبد الله بن عمر، وهو البيت الذي على يمينك إذا دخلت دار عبد الله من الخوخة التي في المسجد، فتلقاك هناك خوخة في جوف الخوخة التي هي الطريق مبوّبة، فتلك الخوخة خوخة أبي بكر. قال: وكانت حفصة ابتاعت ذلك المسكن من أبي بكر مع الدار التي فوق هذه، أي التي في قبلتها كما سنبينه، قال: وتصدقت بتلك الدار على ولد عمر. قلت: هذه الرواية الأخيرة ضعيفة كما قدمناه؛ ولذلك لم يبين قائلها، ولأنه في دور بني تيم لما ذكر دار أبي بكر التي ورد فيها الحديث المذكور لم يذكر هذه الرواية، بل اقتصر على الرواية المشهورة في أنها في غربي المسجد؛ فإن الخوخة الواردة فيها الحديث هي الشارعة في رحبة دار القضاء، ولذلك لما زادوا في المسجد أرادوا محاكاتها، فجعلوها خوخة شارعة هناك، ولم يجعلوها كبقية أبواب المسجد، ولأنه جزم في دور أزواج النبي ﷺ بأن عائشة ﵂ اتخذت الدار التي يقال لها دار عائشة بين دار الرقيق وبين دار أسماء بنت أبي بكر فتصدقت بها. قلت: فإن كانت دار الرقيق هي بيت حفصة فبيت عائشة إلى جنبه، والمعروف عند الناس أن البيت الذي على يمين الخارج من خوخة آل عمر المذكورة هو بيت عائشة ﵂، فلعل الاشتباه في نسبته إلى أبي بكر ﵁ نشأ من ذلك، مع أن الذي اقتضاه كلام المؤرخين أن البيت المذكور عن يمين الخوخة هو بيت آل عمر، وأن دار عائشة ليست في هذا المحل، وهذه الدار المذكورة- أعني التي على يمين الداخل من الخوخة- وقف ناظره شيخ الخدام، وبلغني أن واقفها اشترط ألايسكنها متزوج، وبابها اليوم شارع في القبلة، ولها شباك عن يمين الخوخة لعله كان في موضع بابها الأول لما كانت الخوخة شارعة في الدار المذكورة، وأما البيت الذي عن يسار الخوخة فوقفة أيضا ناظره شيخ الخدام، وبابه ليس شارعا عند الخوخة، بل بعيد منها في المغرب، وهو آخر الدور الآتي ذكرها، ومقتضى ما سيأتي عن ابن شبة وابن زبالة أن الدار المعروفة اليوم بدار عائشة والدارين اللتين إلى جانبها الغربي في قبلة المسجد من جملة دار آل عمر؛ لأنهما قالا: في الدور الشوارع من القبلة دار عبد الله بن عمر، ثم دار مروان الآتي ذكرها، وأما الدار الثانية التي تقدمت الإشارة إليها في كلام أبي غسان من دور حفصة فوق هذه فقد ذكرها بقوله: وكانت لحفصة

стр. 526

الدار التي بين زقاق عبد العزيز بن مروان الذي أدخل في دار مروان دار الإمارة وبين زقاق عاصم بن عمر بابها شارع قبالة دير أطم بني النجار الذي يدعى فويرعا، فتصدقت بها على ولد عمر؛ فهي بأيديهم صدقة منها. قلت: وهذا الوصف منطبق اليوم على دار قاضي الشافعية أبي الفتح بن صالح وما لاصقها من جهة الشام؛ لأن زقاق عاصم هو الزقاق الشارع باب هذه الدار فيه الآخذ منها إلى جهة القبلة والميضأة، ولأن فويرعا كان فيما بينها وبين المدرسة الشهابية كما سيأتي بيانه، وعلى هذا فزقاق عاصم هو الذي في شاميها، دخل بعضه فيما حاذى دار مروان، وبقي منه ما يفرق بين دار آل عمر هذه والدار التي لها الخوخة، والله أعلم. دار مروان بن الحكم ثم يلي دار عبد الله بن عمر ذات الخوخة في قبلة المسجد من غربيها دار مروان بن الحكم، قال ابن زبالة: وكان بعضها للنحام- يعني نعيم بن عبد الله من بني عدي- وبعضها من دار العباس بن عبد المطلب، فابتاعها مروان فبناها وجعل فيها دارا لابنه عبد العزيز بن مروان، ثم ذكر خبر أبوابها المتقدم ذكره في أبواب المسجد. وروى ابن زبالة في ذيل زيادة عثمان بن عفان ﵁ في المسجد، عن غير واحد منهم محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه كانت فيها نخلات، فابتاع مروان من آل النحام كل نخلة وموضعها بألف درهم، وكن ثمانيا أو اثنتي عشرة، فرأى الناس أن مروان قد أغلى، فلما وجب له البيع عقرهن وبناها دارا فغبطه الناس. ونقل ابن شبة عن بعضهم أن دار مروان بن الحكم التي ينزلها الولاة إلى جنب المسجد- يعني الدار المذكورة- كانت مربدا لدار العباس التي دخلت في المسجد، فابتاعها مروان، فسمعت من يقول: كانت القبة التي كانت في دار مروان وحجرتها التي تلي المسجد عن يسار من دخل الدار للنحام أخي بني عدي بن كعب، وكانت فيها نخلات، فابتاعها مروان من النحام بثلاثمائة ألف درهم، وأدخلها في داره، فذلك الموضع ليس من المربد الذي ابتاع من العباس. وذكر ابن شبة في موضع آخر أن دار مروان صارت في الصّوافي، أي: لبيت المال. قلت: وفي موضعها اليوم كما قدمناه الميضأة التي في قبلة المسجد عند باب السلام، وما في شرقيها إلى دور آل عمر، قال ابن زبالة وابن شبة: وإلى جنبها- يعني: دار مروان- في المغرب دار يزيد بن عبد الملك التي صارت لزبيدة، وكان في موضعها دار لآل أبي سفيان ابن حرب، كانت أشرف دار بالمدينة بناء وأذهبه في السماء. ودار كانت لآل أبي أمية بن المغيرة، فابتاعها يزيد، وأدخلها في داره، وهدمها، وكان بعض أهل المدينة وفد على

стр. 527

يزيد ابن عبد الملك وقد فرغوا من بناء داره، فسأله عنها، فقال: ما أعرف لك أصلحك الله بالمدينة دارا، فلما رأى ما في وجهه قال: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بدار، ولكنها مدينة، فأعجب ذلك يزيد. دار رباح ودار المقداد قلت: وفي موضع هذه الدار اليوم ما يقابل الميضأة في المغرب من دار الأشراف العباسا والدار الملاصقة لها في المغرب المشتراتين للسلطان، وقد أضافوا إليهما ما في قبلتهما من الدور. وقد ذكر ابن شبة أن رباحا مولى رسول الله ﷺ اتخذ دارا على زاوية دار يزيد بن عبد الملك الغربية اليمانية، وأن المقداد بن الأسود حليف بني زهرة اتخذ دارا بين بيت رباح مولى رسول الله ﷺ وبين زقاق عاصم، فتكون هذه الدار على زاوية دار يزيد الشرقية اليمانية، فهما من جملة ما اشترى للسلطان اليوم. وبين الميضأة وبين هذه الدور زقاق لعله متصل بزقاق عاصم بن عمر، إلا أن ابن زبالة وابن شبة لم يذكراه، قالا: ثم وجاه دار يزيد دار أويس بن سعد بن أبي سرح العامري. قال ابن شبة في هذه الدار: أخبرت أنها كانت لمطيع بن الأسود فناقل بها العباس إلى الدار التي بالبلاط يقال لها دار مطيع، وزاده عشرة آلاف درهم، ثم باعها العباس من عبد الله بن سعد بن أبي سرح بثلاثين ألف درهم، فسكنها بنو أخيه؛ فهي الدار التي يقال لها دار أويس عند دار يزيد بن عبد الملك بالبلاط، وقد سمعنا من يذكر أن النبي ﷺ أقطع مطيعا داره تلك، فالله أعلم أي ذلك كان. قلت: وموضع دار أويس اليوم المدرسة الباسطية التي أنشأها القاضي عبد الباسط سنة بضع وأربعين وثمانمائة، وما في شرقيها من مؤخر المدرسة المعروفة اليوم بالحصن العتيق المتقدم ذكرها، فذلك كله يواجه دار يزيد المذكورة، ويفصل بينهما بلاط باب السلام. دار مطيع بن الأسود قالا: ثم إلى جنب دار أويس- أي في المغرب- دار مطيع بن الأسود العدوي، أي المتقدم ذكر قصتها وأنها كانت للعباس رضي الله تعالى عنه، قال ابن شبة: أي: المتقدم ذكر قصتها وأنها كانت للعباس رضي الله تعالى عنه، قال ابن شبة: ويقال لها دار أبي مطيع، وعندها أصحاب الفاكهة، وزاد في قصتها أنه بلغه أيضا أن حكيم بن حزام ابتاعها هي وداره التي من ورائها بمائة ألف درهم، فشركه ابن مطيع، فقاومه حكيم، فأخذ ابن مطيع داره بالثمن كله وبقيت دار حكيم في يده ربحا، فقيل لحكيم: خدعك، فقال: دار بدار ومائة ألف درهم، وكان يقال لدار أبي مطيع العنقاء، قال لها الشاعر: إلى العنقاء دار أبي مطيع

стр. 528

وبين يدي دار أبي مطيع أبيات ليزيد بن عبد الملك فيها الغسالون، يقال: إن يزيد كان ساوم آل مطيع بدارهم، فأبوا أن يبيعوها، فأحدث عليهم تلك البيوت، فسدّ وجه دارهم، فهي تدعى أبيات الضّرار، وهي مما صار للخيزران. قلت: وموضع دار أبي مطيع اليوم الدار التي في غربي المدرسة الباسطية التي اشتراها وكيل الخواجا ابن الزمن، وفي غربيها سوق المدينة اليوم، وهو من البلاط، وموضعه عندها هو المراد بقول ابن شبة: وعندها أصحاب الفاكهة، فكأن الفاكهة كانت تباع فيه حينئذ. دار حكيم بن حزام وأما دار حكيم التي ذكر أنها من ورائها فمحلها اليوم الدار التي في شامي هذه الدور التي عندها درج العين بالسوق المذكور، قال ابن شبة في دور بني أسد: واتخذ حكيم بن حزام داره الشارعة على البلاط إلى جنب دار مطيع بن الأسود، بينها وبين دار معاوية بن أبي سفيان، يحجز بينها وبين دار معاوية الطريق، ومراده بالبلاط الموضع الذي به سوق المدينة اليوم أمام المدرسة الزمنية الممتد منها إلى الشام. وقوله «يحجز بينها- أي: دار حكيم ودار مطيع- وبين دار معاوية الطريق» أي: البلاط المذكور؛ فالظاهر: أن دار معاوية هذه هي المقابلة لها بين الدارين في المغرب، وهناك في مقابلتها اليوم رباط جدد أنشأه الفخر ناظر الجيوش بمصر سنة تسع عشرة وسبعمائة بابه شارع في سوق المدينة اليوم ودار خربة. وقال ابن شبة أيضا في دور بني عدي بن كعب: اتخذ النعمان بن عدي داره التي صارت لمحمد بن خالد بن برمك وبناها، وفي الشارعة عند الخياطين بالبلاط عند أصحاب الفاكهة ابتاعها من آل النحام وآل أبي جهم، وكانت صارت لهم مواريث، انتهى. دار عبد الله بن مكمل ومحل هذه الدار إما الدار الخربة التي إلى جانب الرباط الشارع في السوق، أو المدرسة الزمنية، والله أعلم. ولنرجع إلى ذكر الدور المطيفة بالمسجد. قال ابن شبة: وفي غربي المسجد دار عبد الله بن مكمل الشارعة في رحبة القضاء، وهي مما يتشاءم به، وذلك مما نشأ عن بنائها. وقال في دور بني زهرة: كان عبد الرحمن بن عوف وهبها لابن مكمل، فباعها آله من المهدي؛ فهي بأيدي ولده اليوم خراب إلى جنب المسجد، أي قبل أن تبنى رحبة القضاء. قال: وهي التي يقولون: إن أهلها قالوا: يا رسول الله، اشتريناها ونحن جميع فتفرقنا، وأغنياء فافتقرنا، فقال النبي ﷺ : اتركوها فهي ذميمة.

стр. 529

وقال ابن زبالة: هي التي يجلس إلى ركحها «١» صاحب الشرط، وإليها أصحاب الفاكهة، وهم يهابون بناءها ويتشاءمون بها؛ فهي على حال ما اشتريت عليه. وقد ترجم في الموطأ لما يتقى من الشؤم، وروى فيه عن يحيى بن سعيد أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقلّ العدد وذهب المال، فقال رسول الله ﷺ : «دعوها ذميمة» ورواه البزار بنحوه عن ابن عمر، إلا أنه قال فيه: إن قوما جاؤوا إلى النبي ﷺ ، وزاد فيه: فقالوا: يا رسول الله كيف ندعها؟ قال: «بيعوها أو هبوها» . وقال البزار: أخطأ فيه صالح بن أبي الأخضر، والصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد، وروى الطبراني نحوه عن سهل بن حارثة الأنصاري، وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة. قلت: وفي موضع دار ابن مكمل اليوم المدرسة المعروفة بالجوبانية من بابها إلى آخر رباطها الذي في غربيها، بل يؤخذ مما سبق عن ابن زبالة من جلوس أصحاب الفاكهة إليها أنها كانت تمتد إلى سوق الصواغين اليوم؛ لما تقدم من بيان أصحاب الفاكهة، ولما سيأتي في الدار التي بعدها. دار النحام وفي المغرب أيضا دار النحام العدوي. وعبارة ابن زبالة وابن شبة: وفي غربي المسجد دار ابن مكمل ودار النحام، الطريق بينهما قدر ستة أذرع. وقال ابن شبة في دور بني عدي: واتخذ النحام نعيم بن عبد الله داره التي بابها وجاه زاوية رحبة دار القضاء، وشرقيها الدار التي قبضت عن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك التي كانت بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية فهي بيد ولده على حوز الصدقة. قال: وأخبرني مخبر أن النبي ﷺ حازها له قطيعة منه. قلت: ودار جعفر المذكورة هي المواجهة لباب الرحمة؛ فعلم بذلك أن دار النحام هذه كانت في مقابلة باب المدرسة الجوبانية المتقدم ذكرها في بيان رحبة القضاء عند ذكر باب زياد، وأن الطريق التي بين دار النحام ودار ابن مكمل هي البلاط الآخذ من باب الرحمة إلى السوق، وعلم بذلك أن رحبة القضاء كانت تمتد من جهة باب الرحمة إلى باب الجوبانية. دار جعفر بن يحيى ثم إلى جنب دار النحام دار جعفر بن يحيى التي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية. وأطم حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه المسمى بفارع.

стр. 530

قلت: وقد تقدم بيان محلها في باب الرحمة، وأنه اليوم هو البيت المواجه لباب الرحمة، وهو كان موضع بيت عاتكة، وما في شامية من المدرسة الكبرجية وهو موضع الأطم. دار نصير ثم إلى دار جعفر بن يحيى دار نصير صاحب المصلى، كانت بيتا لسكينة بنت الحسين بن علي ﵃، ثم إلى جنبها الطريق إلى دار طلحة بن عبيد الله ستة أذرع. قلت: وقد تقدم في أبواب جهة المغرب أن في محل دار نصير اليوم الدار المعروفة بتميم الداري، والتي في شاميها إلى الطريق التي تدخل منها إلى دور القياشين التي صارت للخواجا قاوان، وهذه الطريق هي المرادة هنا، وتلك الدور هي دور طلحة بن عبيد الله، وفي شرقيها دار منيرة الآتي ذكرها. قال ابن شبة في دور بني تيم: واتخذ طلحة بن عبيد الله داره بين دار عبد الله بن جعفر التي صارت لمنيرة وبين دار عمر بن الزبير بن العوام، ففرقها ولده من بعده ثلاثة أدور، فصارت الدار الشرقية اللاصقة بدار منيرة ليحيى بن طلحة، وصارت التي تليها لعيسى بن طلحة، وصارت الآخرى لإبراهيم بن محمد بن طلحة. قلت: ودار عمر بن الزبير التي في غربي دار طلحة ملاصقة لدار عروة بن الزبير، قال ابن شبة: اتخذهما الزبير وتصدق بهما عليهما وعلى أعقابهما، وهما متلازقتان عند خوخة القوارير، انتهى. وفي نهاية الطريق إلى دور القياشين خوخة كانت شارعة في المغرب عند سوق العطارين، الظاهر أنها المراد بخوخة القوارير. دار منيرة مولاة أم موسى ثم إلى جنب الطريق إلى دور طلحة دار منيرة مولاة أم موسى، كانت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب. قلت: وقد بينا محلها في أول أبواب المسجد من جهة المغرب، ويستفاد منه أنها كانت من طريق دور القياشين إلى ما يحاذي نهاية المسجد. ثم إلى جنبها خوخة آل يحيى بن طلحة. قلت: وهناك اليوم زقاق لطيف خلف الفرن المحاذي لقرب مؤخر المسجد من المغرب، يعرف بزقاق عانقيني، هو المراد بذلك؛ لأن بعض الدور التي فيه يسلك منها إلى دور القياشين التي هي دور طلحة. حش طلحة ثم إلى جنب خوخة آل يحيى بن طلحة بن أبي طلحة الأنصاري وهو اليوم خراب صوافي عن آل ابن برمك.
следующие страницы →