الدار التي بين زقاق عبد العزيز بن مروان الذي أدخل في دار مروان دار الإمارة وبين زقاق عاصم بن عمر بابها شارع قبالة دير أطم بني النجار الذي يدعى فويرعا، فتصدقت بها على ولد عمر؛ فهي بأيديهم صدقة منها.
قلت: وهذا الوصف منطبق اليوم على دار قاضي الشافعية أبي الفتح بن صالح وما لاصقها من جهة الشام؛ لأن زقاق عاصم هو الزقاق الشارع باب هذه الدار فيه الآخذ منها إلى جهة القبلة والميضأة، ولأن فويرعا كان فيما بينها وبين المدرسة الشهابية كما سيأتي بيانه، وعلى هذا فزقاق عاصم هو الذي في شاميها، دخل بعضه فيما حاذى دار مروان، وبقي منه ما يفرق بين دار آل عمر هذه والدار التي لها الخوخة، والله أعلم.
دار مروان بن الحكم
ثم يلي دار عبد الله بن عمر ذات الخوخة في قبلة المسجد من غربيها دار مروان بن الحكم، قال ابن زبالة: وكان بعضها للنحام- يعني نعيم بن عبد الله من بني عدي- وبعضها من دار العباس بن عبد المطلب، فابتاعها مروان فبناها وجعل فيها دارا لابنه عبد العزيز بن مروان، ثم ذكر خبر أبوابها المتقدم ذكره في أبواب المسجد.
وروى ابن زبالة في ذيل زيادة عثمان بن عفان ﵁ في المسجد، عن غير واحد منهم محمد بن إسماعيل عن أبيه أنه كانت فيها نخلات، فابتاع مروان من آل النحام كل نخلة وموضعها بألف درهم، وكن ثمانيا أو اثنتي عشرة، فرأى الناس أن مروان قد أغلى، فلما وجب له البيع عقرهن وبناها دارا فغبطه الناس.
ونقل ابن شبة عن بعضهم أن دار مروان بن الحكم التي ينزلها الولاة إلى جنب المسجد- يعني الدار المذكورة- كانت مربدا لدار العباس التي دخلت في المسجد، فابتاعها مروان، فسمعت من يقول: كانت القبة التي كانت في دار مروان وحجرتها التي تلي المسجد عن يسار من دخل الدار للنحام أخي بني عدي بن كعب، وكانت فيها نخلات، فابتاعها مروان من النحام بثلاثمائة ألف درهم، وأدخلها في داره، فذلك الموضع ليس من المربد الذي ابتاع من العباس.
وذكر ابن شبة في موضع آخر أن دار مروان صارت في الصّوافي، أي: لبيت المال.
قلت: وفي موضعها اليوم كما قدمناه الميضأة التي في قبلة المسجد عند باب السلام، وما في شرقيها إلى دور آل عمر، قال ابن زبالة وابن شبة: وإلى جنبها- يعني: دار مروان- في المغرب دار يزيد بن عبد الملك التي صارت لزبيدة، وكان في موضعها دار لآل أبي سفيان ابن حرب، كانت أشرف دار بالمدينة بناء وأذهبه في السماء. ودار كانت لآل أبي أمية بن المغيرة، فابتاعها يزيد، وأدخلها في داره، وهدمها، وكان بعض أهل المدينة وفد على
стр. 527
يزيد ابن عبد الملك وقد فرغوا من بناء داره، فسأله عنها، فقال: ما أعرف لك أصلحك الله بالمدينة دارا، فلما رأى ما في وجهه قال: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بدار، ولكنها مدينة، فأعجب ذلك يزيد.
دار رباح ودار المقداد
قلت: وفي موضع هذه الدار اليوم ما يقابل الميضأة في المغرب من دار الأشراف العباسا والدار الملاصقة لها في المغرب المشتراتين للسلطان، وقد أضافوا إليهما ما في قبلتهما من الدور.
وقد ذكر ابن شبة أن رباحا مولى رسول الله ﷺ اتخذ دارا على زاوية دار يزيد بن عبد الملك الغربية اليمانية، وأن المقداد بن الأسود حليف بني زهرة اتخذ دارا بين بيت رباح مولى رسول الله ﷺ وبين زقاق عاصم، فتكون هذه الدار على زاوية دار يزيد الشرقية اليمانية، فهما من جملة ما اشترى للسلطان اليوم. وبين الميضأة وبين هذه الدور زقاق لعله متصل بزقاق عاصم بن عمر، إلا أن ابن زبالة وابن شبة لم يذكراه، قالا: ثم وجاه دار يزيد دار أويس بن سعد بن أبي سرح العامري. قال ابن شبة في هذه الدار: أخبرت أنها كانت لمطيع بن الأسود فناقل بها العباس إلى الدار التي بالبلاط يقال لها دار مطيع، وزاده عشرة آلاف درهم، ثم باعها العباس من عبد الله بن سعد بن أبي سرح بثلاثين ألف درهم، فسكنها بنو أخيه؛ فهي الدار التي يقال لها دار أويس عند دار يزيد بن عبد الملك بالبلاط، وقد سمعنا من يذكر أن النبي ﷺ أقطع مطيعا داره تلك، فالله أعلم أي ذلك كان.
قلت: وموضع دار أويس اليوم المدرسة الباسطية التي أنشأها القاضي عبد الباسط سنة بضع وأربعين وثمانمائة، وما في شرقيها من مؤخر المدرسة المعروفة اليوم بالحصن العتيق المتقدم ذكرها، فذلك كله يواجه دار يزيد المذكورة، ويفصل بينهما بلاط باب السلام.
دار مطيع بن الأسود
قالا: ثم إلى جنب دار أويس- أي في المغرب- دار مطيع بن الأسود العدوي، أي المتقدم ذكر قصتها وأنها كانت للعباس رضي الله تعالى عنه، قال ابن شبة: أي: المتقدم ذكر قصتها وأنها كانت للعباس رضي الله تعالى عنه، قال ابن شبة: ويقال لها دار أبي مطيع، وعندها أصحاب الفاكهة، وزاد في قصتها أنه بلغه أيضا أن حكيم بن حزام ابتاعها هي وداره التي من ورائها بمائة ألف درهم، فشركه ابن مطيع، فقاومه حكيم، فأخذ ابن مطيع داره بالثمن كله وبقيت دار حكيم في يده ربحا، فقيل لحكيم: خدعك، فقال: دار بدار ومائة ألف درهم، وكان يقال لدار أبي مطيع العنقاء، قال لها الشاعر:
إلى العنقاء دار أبي مطيع
стр. 528
وبين يدي دار أبي مطيع أبيات ليزيد بن عبد الملك فيها الغسالون، يقال: إن يزيد كان ساوم آل مطيع بدارهم، فأبوا أن يبيعوها، فأحدث عليهم تلك البيوت، فسدّ وجه دارهم، فهي تدعى أبيات الضّرار، وهي مما صار للخيزران.
قلت: وموضع دار أبي مطيع اليوم الدار التي في غربي المدرسة الباسطية التي اشتراها وكيل الخواجا ابن الزمن، وفي غربيها سوق المدينة اليوم، وهو من البلاط، وموضعه عندها هو المراد بقول ابن شبة: وعندها أصحاب الفاكهة، فكأن الفاكهة كانت تباع فيه حينئذ.
دار حكيم بن حزام
وأما دار حكيم التي ذكر أنها من ورائها فمحلها اليوم الدار التي في شامي هذه الدور التي عندها درج العين بالسوق المذكور، قال ابن شبة في دور بني أسد: واتخذ حكيم بن حزام داره الشارعة على البلاط إلى جنب دار مطيع بن الأسود، بينها وبين دار معاوية بن أبي سفيان، يحجز بينها وبين دار معاوية الطريق، ومراده بالبلاط الموضع الذي به سوق المدينة اليوم أمام المدرسة الزمنية الممتد منها إلى الشام.
وقوله «يحجز بينها- أي: دار حكيم ودار مطيع- وبين دار معاوية الطريق» أي: البلاط المذكور؛ فالظاهر: أن دار معاوية هذه هي المقابلة لها بين الدارين في المغرب، وهناك في مقابلتها اليوم رباط جدد أنشأه الفخر ناظر الجيوش بمصر سنة تسع عشرة وسبعمائة بابه شارع في سوق المدينة اليوم ودار خربة.
وقال ابن شبة أيضا في دور بني عدي بن كعب: اتخذ النعمان بن عدي داره التي صارت لمحمد بن خالد بن برمك وبناها، وفي الشارعة عند الخياطين بالبلاط عند أصحاب الفاكهة ابتاعها من آل النحام وآل أبي جهم، وكانت صارت لهم مواريث، انتهى.
دار عبد الله بن مكمل
ومحل هذه الدار إما الدار الخربة التي إلى جانب الرباط الشارع في السوق، أو المدرسة الزمنية، والله أعلم.
ولنرجع إلى ذكر الدور المطيفة بالمسجد.
قال ابن شبة: وفي غربي المسجد دار عبد الله بن مكمل الشارعة في رحبة القضاء، وهي مما يتشاءم به، وذلك مما نشأ عن بنائها.
وقال في دور بني زهرة: كان عبد الرحمن بن عوف وهبها لابن مكمل، فباعها آله من المهدي؛ فهي بأيدي ولده اليوم خراب إلى جنب المسجد، أي قبل أن تبنى رحبة القضاء.
قال: وهي التي يقولون: إن أهلها قالوا: يا رسول الله، اشتريناها ونحن جميع فتفرقنا، وأغنياء فافتقرنا، فقال النبي ﷺ : اتركوها فهي ذميمة.
стр. 529
وقال ابن زبالة: هي التي يجلس إلى ركحها «١» صاحب الشرط، وإليها أصحاب الفاكهة، وهم يهابون بناءها ويتشاءمون بها؛ فهي على حال ما اشتريت عليه.
وقد ترجم في الموطأ لما يتقى من الشؤم، وروى فيه عن يحيى بن سعيد أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقلّ العدد وذهب المال، فقال رسول الله ﷺ : «دعوها ذميمة» ورواه البزار بنحوه عن ابن عمر، إلا أنه قال فيه: إن قوما جاؤوا إلى النبي ﷺ ، وزاد فيه: فقالوا: يا رسول الله كيف ندعها؟ قال:
«بيعوها أو هبوها» .
وقال البزار: أخطأ فيه صالح بن أبي الأخضر، والصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد، وروى الطبراني نحوه عن سهل بن حارثة الأنصاري، وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة.
قلت: وفي موضع دار ابن مكمل اليوم المدرسة المعروفة بالجوبانية من بابها إلى آخر رباطها الذي في غربيها، بل يؤخذ مما سبق عن ابن زبالة من جلوس أصحاب الفاكهة إليها أنها كانت تمتد إلى سوق الصواغين اليوم؛ لما تقدم من بيان أصحاب الفاكهة، ولما سيأتي في الدار التي بعدها.
دار النحام
وفي المغرب أيضا دار النحام العدوي. وعبارة ابن زبالة وابن شبة: وفي غربي المسجد دار ابن مكمل ودار النحام، الطريق بينهما قدر ستة أذرع.
وقال ابن شبة في دور بني عدي: واتخذ النحام نعيم بن عبد الله داره التي بابها وجاه زاوية رحبة دار القضاء، وشرقيها الدار التي قبضت عن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك التي كانت بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية فهي بيد ولده على حوز الصدقة.
قال: وأخبرني مخبر أن النبي ﷺ حازها له قطيعة منه.
قلت: ودار جعفر المذكورة هي المواجهة لباب الرحمة؛ فعلم بذلك أن دار النحام هذه كانت في مقابلة باب المدرسة الجوبانية المتقدم ذكرها في بيان رحبة القضاء عند ذكر باب زياد، وأن الطريق التي بين دار النحام ودار ابن مكمل هي البلاط الآخذ من باب الرحمة إلى السوق، وعلم بذلك أن رحبة القضاء كانت تمتد من جهة باب الرحمة إلى باب الجوبانية.
دار جعفر بن يحيى
ثم إلى جنب دار النحام دار جعفر بن يحيى التي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية. وأطم حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه المسمى بفارع.
стр. 530
قلت: وقد تقدم بيان محلها في باب الرحمة، وأنه اليوم هو البيت المواجه لباب الرحمة، وهو كان موضع بيت عاتكة، وما في شامية من المدرسة الكبرجية وهو موضع الأطم.
دار نصير
ثم إلى دار جعفر بن يحيى دار نصير صاحب المصلى، كانت بيتا لسكينة بنت الحسين بن علي ﵃، ثم إلى جنبها الطريق إلى دار طلحة بن عبيد الله ستة أذرع.
قلت: وقد تقدم في أبواب جهة المغرب أن في محل دار نصير اليوم الدار المعروفة بتميم الداري، والتي في شاميها إلى الطريق التي تدخل منها إلى دور القياشين التي صارت للخواجا قاوان، وهذه الطريق هي المرادة هنا، وتلك الدور هي دور طلحة بن عبيد الله، وفي شرقيها دار منيرة الآتي ذكرها.
قال ابن شبة في دور بني تيم: واتخذ طلحة بن عبيد الله داره بين دار عبد الله بن جعفر التي صارت لمنيرة وبين دار عمر بن الزبير بن العوام، ففرقها ولده من بعده ثلاثة أدور، فصارت الدار الشرقية اللاصقة بدار منيرة ليحيى بن طلحة، وصارت التي تليها لعيسى بن طلحة، وصارت الآخرى لإبراهيم بن محمد بن طلحة.
قلت: ودار عمر بن الزبير التي في غربي دار طلحة ملاصقة لدار عروة بن الزبير، قال ابن شبة: اتخذهما الزبير وتصدق بهما عليهما وعلى أعقابهما، وهما متلازقتان عند خوخة القوارير، انتهى.
وفي نهاية الطريق إلى دور القياشين خوخة كانت شارعة في المغرب عند سوق العطارين، الظاهر أنها المراد بخوخة القوارير.
دار منيرة مولاة أم موسى
ثم إلى جنب الطريق إلى دور طلحة دار منيرة مولاة أم موسى، كانت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
قلت: وقد بينا محلها في أول أبواب المسجد من جهة المغرب، ويستفاد منه أنها كانت من طريق دور القياشين إلى ما يحاذي نهاية المسجد.
ثم إلى جنبها خوخة آل يحيى بن طلحة.
قلت: وهناك اليوم زقاق لطيف خلف الفرن المحاذي لقرب مؤخر المسجد من المغرب، يعرف بزقاق عانقيني، هو المراد بذلك؛ لأن بعض الدور التي فيه يسلك منها إلى دور القياشين التي هي دور طلحة.
حش طلحة
ثم إلى جنب خوخة آل يحيى بن طلحة بن أبي طلحة الأنصاري وهو اليوم خراب صوافي عن آل ابن برمك.
стр. 531
قلت: والظاهر أن في محله اليوم الفرن المتقدم ذكره وما حوله.
وقد قدمنا في زيادة المهدي ما ذكره ابن شبة في إدخاله صدر دار آل شرحبيل بن حسنة التي كانت لأم حبيبة رضي الله تعالى عنها في مؤخر المسجد.
قال ابن شبة عقب ذلك: ثم باعوا بقيتها من يحيى بن خالد بن برمك فهدمها حين هدم حش طلحة، ثم صارت براحا في الصوافي، ثم بنى في موضعها الناس بأكثر من أصحاب الصوافي؛ فعلم بذلك أن حش طلحة كان ينعطف على المسجد من جهة الشام، وسيأتي في ذكر البلاط ما يصرح بذلك، والظاهر أن بقية دار شرحبيل من الحش المذكور هو ما حاذى الميضأة التي في شامي المسجد من المغرب، بدليل ما سيأتي، والله أعلم.
ثم إلى جنب حش طلحة الطريق خمسة أذرع.
قلت: وهذه الطريق هي التي في شامي الميضأة المتقدم ذكرها، يتوصل منها إلى رباط الشيخ شمس الدين الششتري.
أبيات خالصة
ثم إلى جنب الطريق أبيات خالصة مولاة أمير المؤمنين، وهي دار حباب مولى عتبة بن غزوان.
قلت: وفي موضعها اليوم دار أحد رئيسي مؤذني المسجد، وما يليها من المارستان الذي أنشأه المنتصر بالله، وما يليه من رباط الظاهرية، كما تقدم في ذكر أبواب المسجد.
دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف
ثم إلى جنب أبيات خالصة دار أبي الغيث بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهي صدقة.
وذكر ابن شبة في دور بني زهرة أن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها الدار التي يقال لها الدار الكبرى دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف بحش طلحة.
قال: وإنما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيفان رسول الله ﷺ ، فكانت أيضا تسمى دار الضيفان، فسرق فيها بعض الضيفان، فشكا ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ ، وقد بنى فيها النبي ﷺ بيده فيما زعم الأعرج، وهي بيد بعض ولد عبد الرحمن بن عوف.
قلت: وهي غير دار عبد الرحمن بن عوف المعروفة بدار مليكة التي تقدم أنها دخلت في المسجد.
وفي شامي المسجد اليوم مما يلي الشرق دار تعرف بدار المضيف، فلعل تسميتها بذلك لكونها في موضع دار الضيفان المذكورة، لكن ذكر الدار الآتية بعدها قبل جهة المشرق يبعد
стр. 532
ذلك، فكأن الجانب الغربي من دار المضيف وما حوله في المغرب من الساباط وبعض رباط الظاهرية في موضع الدار المذكورة.
ثم إلى جنب دار أبي الغيث بقية دار عبد الله بن مسعود، كانت لجعفر بن يحيى، وقد قبضت صافية عنه.
قلت: قد قدمنا أنها كانت تدعى دار القراء، وأن بعضها دخل في زيادة الوليد، وبقيتها في زيادة المهدي، فكأن المراد بعض بقيتها، بدليل ما هنا، ومع ذلك فأنا أستبعد أن يبقى منها بقية في جهة الشام، سيما إذا كان المهدي قد زاد مائة ذراع.
ثم يضاف لذلك ما زاده الوليد منها، وعرض الرحبة التي في شامي المسجد، وأيّ دار يكون طولها هذا المقدار فضلا عن أن يبقى بعد ذلك منها بقية؟ وموضع ما وصفوه اليوم هو ما يلي المشرق من الدار المعروفة بدار المضيف المتقدم ذكرها، والله أعلم.
دار موسى المخزومي
قال ابن زبالة وابن شبة: ثم من المشرق دار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، كان ابتاعها هو وعبيد الله بن حسين بن علي بن حسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، فتقاوماها، فظن عبيد الله أن موسى لا يريد إلا الربح، فأسلمها عبيد الله فصارت لموسى.
قلت: وظاهر ذلك أن الدار المذكورة أول جهة المشرق مما يلي الشام، وفي موضعها اليوم- كما قدمناه في ذكر أبواب المسجد- بيت بعض رئيسي المؤذنين الذي يلي دار المضيف، وما يليه من الميضأة المعطلة اليوم، وبين ذلك وبين دار المضيف زقاق يعرف بخرق الجمل يتصل إلى الدور الملاصقة لسور المدينة، ولعله المعروف قديما بزقاق جمل؛ فإن ابن شبة ذكر أن فاطمة بنت قيس اتخذت دارا بين دار أنس بن مالك وبين زقاق جمل، ودار أنس بن مالك ذكر أنها في بني جديلة، وهي في شامي سور المدينة.
ثم إلى جنب دار موسى أبيات قهطم دار موسى ودار عمرو بن العاص، وهي- يعني دار عمرو- صدقة من عمرو، وهي اليوم صوافي: أي أبيات قهطم، هذه عبارة ابن شبة.
وعبارة ابن زبالة «وإلى جنبها أبيات فيها قهطم، وهو صوافي» .
والطريق بين دار موسى بن إبراهيم وبين دار عمرو بن العاص السهمي، وهي اليوم لهم صدقة.
أبيات الصوافي
قلت: وأبيات قهطم هي التي سماها ابن زبالة في ذكر الكتابة على أبواب المسجد أبيات الصوافي، وسمى الطريق التي ذكرها هنا بزقاق المناصع، لكن كلام ابن شبة يقتضي
стр. 533
كون أبيات قهطم المذكورة بين دار موسى وبين دار عمرو بن العاص؛ فتكون الطريق المذكورة بين أبيات قهطم وبين دار عمرو بن العاص، فلنحمل كلام ابن زبالة على ذلك، ويكون قوله «والطريق بين دار موسى» يعني وما يليها من أبيات قهطم وبين دار عمرو بن العاص.
دار خالد بن الوليد
وقد قدمنا أن في محل أبيات الصوافي رباط الفاضل والدار المعروفة بدار الرسام وقف السلامي والباب الذي يدخل منه إلى رباط السلامي، وموضع دار عمرو بن العاص اليوم مؤخر رباط السبيل الذي يسكنه الرجال، وهو مما يلي الشام منه، والطريق التي بينه وبين رباط الفاضل هي زقاق المناصع، وليست اليوم نافذة كما تقدم؛ ويؤخذ مما قدمناه في زيادة المهدي أنه كان عندها رحبة تسمى برحبة المشارب، والله أعلم.
ثم إلى جنب دار عمر ودار خالد بن الوليد. قال ابن شبة وابن زبالة: وهي بيد بني أتوب بن سلمة- يعني ابن عبد الله بن الوليد بن المغيرة- زاد ابن زبالة: أن أيوب بن سلمة اختصم فيها هو وإسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة، يقول أيوب: هي ميراث وأنا أرثها دونكم بالقعد، أي لأنه أقرب عصوبة، ويقول إسماعيل: هي صدقة، أي فيدخل فيها القريب وإن بعد، فأعطيها أيوب ميراثا بالقعد، انتهى.
وهذا لأن أيوب المذكور كما ذكر ابن حزم وارث آخر من بقي من ولد خالد بن الوليد، قال: لانقراض ولد عمه خالد بن الوليد كلهم. قال: وكان قد كثر ولد خالد بن الوليد حتى بلغوا نحو أربعين رجلا، وكانوا كلهم بالشام، ثم انقرضوا كلهم في طاعون وقع فلم يبق لأحد منهم عقب، انتهى. وروى ابن زبالة عن يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: شكا خالد بن الوليد ضيق منزله إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: «ارفع البناء في السماء وسل الله السّعة» ورواه ابن شبة، إلا أنه قال: فقال له النبي ﷺ : «اتسع في السماء» وذكر من رواية الواقدي أن خالد بن الوليد حبس داره بالمدينة لا تباع ولا توهب.
قلت: وفي موضعها اليوم مقدم رباط السبيل المتقدم ذكره، وذلك يدل على صغرها، بخلاف غيرها من الدور، ولذلك شكا ضيقها، والله أعلم.
دار أسماء بنت حسين
ثم إلى جنبها دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكانت من دار جبلة بن عمر الساعدي.
قلت: وقد قدمنا ذكر حالها، وبيان محلها، في خامس أبواب المسجد.
стр. 534
دار ريطة
ثم إلى جنبها دار ريطة بنت أبي العباس، وكانت من دار جبلة ودار أبي بكر الصديق، قاله ابن زبالة.
قلت: مراده أنه أدخل في دار ريطة من شرقيها ما يليها من دار أبي بكر الصديق [لا] أن دار أبي بكر كانت على سمتها في محاذاة المسجد، كما توهمه المطري فجعل دار ريطة هي دار أبي بكر، وأنها المدرسة المقابلة لباب النساء كما قدمناه عنه، والصواب أن دار أبي بكر كانت خلف المدرسة المذكورة في جهة المشرق؛ لأن ابن شبة قال في دور بني تيم: اتخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه دارا في زقاق البقيع قبالة دار عثمان ﵁ الصغرى، وذكر أن دار عثمان الصغرى هي التي بنحو زقاق البقيع إلى جنب دار آل حزم الأنصاريين.
وذكر في خبر مقتل عثمان ﵁ ما يقتضي أن هذه الدار الصغرى كانت متصلة بداره الكبرى الآتي ذكرها، وأن قتلته تسوّروا ودخلوا عليه منها. وفي موضعها اليوم الرباط المعروف برباط المغاربة، ويعرف برباط سيدنا عثمان؛ فعلم بذلك أن دار أبي بكر كانت في مقابلة ذلك من جهة الشام؛ فتكون في محل الدور التي في شرقي المدرسة المذكورة إلى ما يحاذي الرباط المذكور، ولا يبعد أن يكون بعضها دخل في المدرسة المذكور، ودار أبي بكر هذه هي المرادة بما رواه ابن سعد في طبقاته عن عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ مرض مرضه الذي مات فيه وهو نازل يومئذ في داره التي قطع له النبي ﷺ وجاه دار عثمان بن عفان ، أي الصغرى، والله أعلم.
دار عثمان بن عفان
ثم الطريق بين دار ريطة وبين دار عثمان- يعني العظمى- خمسة أذرع، قاله ابن زبالة وابن شبة. ونقل المطري عن ابن زبالة أن الطريق بينهما سبعة أذرع، والذي ذكره ابن زبالة ما قدمناه، وهي اليوم نحو ذلك، ويعرف بطريق البقيع.
ثم دار عثمان ﵁. وروى ابن سعد في طبقاته عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما أقطع رسول الله ﷺ الدور بالمدينة خطّ لعثمان بن عفان داره اليوم، ويقال:
إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي ﷺ التي كان رسول الله ﷺ يخرج منها إذا دخل بيت عثمان، هذا لفظ ابن سعد.
قلت: وهذه الدار هي التي عبر عنها ابن شبة بقوله «واتخذ عثمان ﵁ داره العظمى التي عند موضع الجنائز فتصدق بها على ولده فهي بأيديهم صدقة» وقد قدمنا أن في محلها اليوم رباط الأصفهاني وتربة أسد الدين شير كوه عم السلطان صلاح الدين بن أيوب ومعه فيها والد صلاح الدين أيضا، والدار التي يسكنها مشايخ الخدام.
стр. 535
دار أبي أيوب الأنصاري
ثم بعد دار عثمان في القبلة الطريق خمسة أذرع، أو نحو ذلك، ثم منزل أبي أيوب الأنصاري الذي نزله النبي ﷺ ، وابتاعه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وجعل فيه ماءه الذي يسقى في المسجد.
قلت: قد قدمنا في الفصل الرابع عشر من الباب الثالث شرح حال هذه الدار، وأن الملك المظفر شهاب الدين غازي اشترى عرصتها وبناها مدرسة ووقفها على المذاهب الأربعة.
دار جعفر الصادق
ثم إلى جنب منزل أبي أيوب دار جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم التي يسقى فيها الماء، التي تصدق بها جعفر، وكانت لحارثة بن النعمان الأنصاري.
قلت: في موضعها اليوم العرصة الكبيرة التي في قبلة المدرسة الشهابية، وفيها محراب قبلة مسجد جعفر الصادق وأثر محاريب، وهي الآن ملك الأشراف المنايفة، ثم انتقلت منهم للشجاعي شاهين الجمالي شيخ الحرم، ابتناها مسكنا له.
دار حسن بن زيد
وقبالتها- أي: في المغرب- دار حسن بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وهو أطم كان حسن ابتاعه فخاصمه فيه أبو عوف النجاري، فهدمه حسن، فجعله دارا.
قلت: وهو الأطم الذي يدعى بفويرع، وفي موضع هذه الدار اليوم بيت الأشراف المنايفة الذي عليه ساباط متصل بالمدرسة الشهابية، والبيت الذي في قبلته وما في غربيها إلى دار القضاة بني صالح.
دار فرج الخصي
والطريق خمسة أذرع بينها- أي: بين دار حسن المذكورة- وبين دار فرج الخصي أبي مسلم مولى أمير المؤمنين، وكانت دار فرج من دور إبراهيم بن هشام، وهي قبلة الجنائز، كان فيها سرب تحت الأرض يسلكه إبراهيم إلى داره دار التماثيل التي كان ينزل بها يحيى بن حسين بن زيد بن علي.
قلت: أما الطريق المذكورة فهي الآخذة من باب المدرسة الشهابية إلى بيت بني صالح، ودار فرج المذكورة هي الرباط المعروف برباط مراغة، والطريق المذكورة بينه وبين دار المنايفة، وأما دار التماثيل التي كان يتوصل إليها ابن هشام بالسرب المذكور فلم يبينها ابن
стр. 536
زبالة ولا ابن شبة، غير أنه كان شخص شرع في عمارة الميضأة التي بباب السلام المتقدم ذكرها في دار مروان فوجد سربا تحت الأرض مقبوا عند ركنها القبلي مما يلي المغرب، وعنده باب الخربة المعروفة بدار الخرازين، وشرعوا في عمارتها- أي دار الخرازين- بدلا من رباط الحصن العتيق. وقد دخلتها قبل هدمها، فرأيت فيها صناعات غريبة في البناء من صناعات الأقدمين، فترجّح عندي بقرينة وجود السرب عندها ووجود ذلك بها أنها المرادة بدار التماثيل، والله أعلم.
دار عامر بن الزبير بن العوام
ثم إلى جنب دار فرج الخصي دار عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وكان ابن هشام- حين بنى داره- أخذ بعض حق عامر، فقال له عامر: فأين طريقي؟ قال: في النار، قال عامر: تلك طريق الظالمين.
قلت: وموضعها اليوم البيت الموقوف الذي بيد الخدام، وهو عن يسار الخارج من خوخة آل عمر، ويسمونه اليوم بيت النبي ﷺ .
ثم ترجع إلى دار عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه من حيث ابتدأت.
قلت: وذكر ابن شبة في دور بني هاشم أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه اتخذ الدار التي صارت لآل فرافصة الحنفيين ولآل وردان دبر زقاق عاصم بن عمر، اه.
وقد تقدم في ذكر سدّ الأبواب إلا ما استثنى ما يقتضي أن حمزة رضي الله تعالى عنه كان له طريق إلى المسجد، وتقدم بيان زقاق عاصم؛ فتحصل من ذلك أن دار حمزة رضي الله تعالى عنه كانت في قبلة المسجد، وهي غير معلومة المحل، والله أعلم.
الفصل الخامس والثلاثون في البلاط، وبيان ما ظهر لنا مما كان حوله من منازل المهاجرين
تحديد مكان البلاط
وقد بوّب البخاري في صحيحه لمن عقل بعيره على البلاط أو باب المسجد، وأورد فيه حديث جابر قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، فدخلت إليه، وعقلت الجمل في ناحية البلاط، وبوب أيضا للرجم بالبلاط، وأورد فيه حديث اليهوديين اللذين زنيا، قال ابن عمر: فرجما عند البلاط. وفي رواية لابن عمر: فرجما قريبا من موضع الجنائز.
وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أمر رسول الله ﷺ برجم اليهوديين عند باب المسجد.
وفي الحديث أن عثمان رضي الله تعالى عنه أتى بماء فتوضأ بالبلاط.
وهذا كله مقتض لأن البلاط كان قديما قبل ولاية معاوية ﵁.
стр. 537
وفيما قدمناه ما يبين أنه كان في شرقي المسجد في ناحية موضع الجنائز، وظاهر كلام ابن زبالة وابن شبة أن أول حدوثه في زمن معاوية ﵁؛ فإنهما رويا عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله قال: بلّط مروان بن الحكم البلاط بأمر معاوية ﵁، وكان مروان بلط ممر أبيه الحكم إلى المسجد، وكان قد أسن وأصابته ريح، فكان يجر رجليه فتمتلئان ترابا، فبلطه مروان بذلك السبب، فأمره معاوية بتبليط ما سوى ذلك مما قارب المسجد ففعل، وأراد أن يبلط بقيع الزبير فحال ابن الزبير بينه وبين ذلك، وقال:
تريد أن تنسخ اسم الزبير، ويقال: بلاط معاوية؟ قال: فأمضى مروان البلاط، فلما حاذى دار عثمان بن عبيد الله ترك الرحبة التي بين يدي داره فقال له عبد الرحمن بن عثمان: لئن لم تبلّطها لأدخيلنها في داري، فبلطها مروان.
واقتصر عياض في بيان البلاط على ما في غربي المسجد منه، فقال: البلاط موضع مبلط بالحجارة بين المسجد والسوق بالمدينة، انتهى.
وقد تبع في ذلك أبا عبيد البكري، وفيه نظر؛ لأن مقتضى الأحاديث المتقدمة إرادة ما في شرقي المسجد منه، ومع ذلك فهو في شرقي المسجد وغربيه والشام.
وقال ابن شبة: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا من يوثق به من أهل العلم أن الذي بلط حوالي مسجد رسول الله ﷺ بالحجارة معاوية بن أبي سفيان ﵄، أمر بذلك مروان بن الحكم، وولي عمله عبد الملك بن مروان، وبلط ما حول دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز.
حدود البلاط
وحدّ ذلك البلاط الغربي: ما بين المسجد إلى خاتم الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب بالسوق. وحده الشرقي إلى دار المغيرة بن شعبة ﵁ التي في طريق البقيع من المسجد. وحده اليماني إلى حد زاوية دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز.
وحده الشامي وجه حش طلحة خلف المسجد، وهو في المغرب أيضا إلى حد دار إبراهيم ابن هشام الشارعة على المصلي.
وللبلاط أسراب ثلاثة تصب فيها مياه المطر؛ فواحد بالمصلى عند دار إبراهيم بن هشام، وآخر على باب الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب بالسوق، ثم يخرج ذلك الماء إلى ربيع في الجبانة عند الحطابين، وآخر عند دار أنس بن مالك في بني جديلة عند دار بنت الحارث، اه.
ويؤخذ من ذلك أن البلاط كان من المغرب فيما بين المسجد وبين الدور المطيفة به.
ويمتد البلاط الآخر من باب الرحمة إلى أن يصل إلى الصواغ وسوق العطارين اليوم،
стр. 538
ويستمر كذلك إلى حد سوق المدينة الأول عند أحجار الزيت ومشهد مالك بن سنان؛ فهناك خاتم الزوراء عند دار العباس، وهو خاتم البلاط، وذلك ما بين مشهد مالك بن سنان والدور المواجهة له كما سنبينه في ذكر سوق المدينة، وهو موجود اليوم في تلك الجهة.
ويمتد أيضا البلاط الآخذ من باب السلام إلى أن يصل إلى المدرسة الزمنية، وينعطف لجهة الشام حتى يتصل بالبلاط الممتد من باب الرحمة لجهة سوق الصواغ والعطارين، وهذا الجانب منه هو الذي تقدمت الإشارة إليه بأن عنده أصحاب الفاكهة.
وفي طبقات ابن سعد عن محمد بن عمرو في دار حكيم بن حزام المتقدم ذكرها فيه أنها عند بلاط الفاكهة عند زقاق الصواغين، انتهى.
ثم يمتد البلاط الآخذ من باب السلام في الاستقامة من المدرسة الزمنية فيمر بالموضع المعروف اليوم بسويقة، فيجاوز باب المدينة المعروف بباب سويقة حتى يصل إلى المصلى، وهذا معنى قوله «وهو في المغرب أيضا إلى حد دار إبراهيم بن هشام الشارعة على المصلى» .
وهذه الناحية من البلاط الغربي هي المسماة بخط البلاط الأعظم، وما كان عن يمين الماشي في هذا البلاط قاصدا باب السلام فهو الذي يعبر عنه بميمنة البلاط الأعظم، وما كان عن يساره فهو الذي يعبر عنه بميسرة البلاط الأعظم.
وأما البلاط الشرقي فحده من القبلة ظاهر عند زاوية الدار التي يسكنها مشايخ الخدام من دار عثمان وزاوية رباط مراغة.
ومن المشرق يمتد في زقاق البقيع إلى خارج باب رباط المغاربة عند ما يعطف من آخر الدور التي قدمنا أنها في محل دار أبي بكر ﵁ المقابلة لرباط المغاربة، ولعل دار المغيرة بن شعبة هي التي تواجهك حين تعطف هناك، ثم تكون على يسارك وأنت ذاهب إلى البقيع في مقابلة الرباط المعروف برباط الصادر والوارد، ولعل البلاط كان متصلا بها.
وقد قال ابن شبة في دور بني عبد شمس: إن عثمان رضي الله تعالى عنه اتخذ أيضا دار المغيرة بن شعبة التي بالبقيع فعارض المغيرة إلى دار عثمان بن عفان التي يقال لها دار عمرو ابن عثمان التي بين دار المغيرة بن شعبة اليوم وبين دار زيد بن ثابت من الأنصار، انتهى.
فدار المغيرة التي ناقل بها عثمان ليست المرادة؛ لأنه قال فيها «إنها بالبقيع» وذكر في هذه التي حدد بها البلاط أنها بزقاق البقيع.
وأيضا قد قدمنا قول محمد بن عقيل في خبره في سقوط جدار الحجرة «حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط» فإنه يدل على قرب دار المغيرة من المسجد.
стр. 539
وأيضا فمن الشائع بين الناس اليوم نسبتهم إلى عثمان رضي الله تعالى عنه الدار التي في شرقي الدار التي قلنا لعلها دار المغيرة بينها وبينها ساباط، ولعلها التي كانت لعثمان وناقل بها المغيرة إلى داره التي بالبقيع، وقد قال في وصفها «إنها بين دار المغيرة اليوم ودار زيد بن ثابت» فتكون دار زيد بن ثابت هي التي تلي ذلك في المشرق أيضا على يسار الذاهب إلى البقيع، وما عن يمينه مما يلي رباط المغاربة دور آل حزم من الأنصار.
وقد قال ابن شبة: إن عتبة بن غزوان حليف بني نوفل بن عبد مناف اتخذ داره التي بالبقيع إلى شرقي دور آل حزم الأنصار؛ فتكون على يمين الذاهب إلى البقيع بعد دور آل حزم.
فأما البلاط الشامي فمحله ظاهر بين المسجد والدور التي قدمناها في شاميه، لكن حدث فيه دور لاصقة بالمسجد بعد سد الأبواب التي في تلك الجهة كما قدمناه.
وأما ما ذكره ابن شبة من أن الماء الذي يصب في السرب الذي بالمصلى والسرب الذي عند دار العباس يخرج إلى ربيع في الجبانة عند الحطابين فالمراد أنه يخرج إلى الربيع المذكور في شامي سوق المدينة عند سوق الحطابين قرب ثنية الوداع، لما سيأتي في ترجمة الجبانة.
وقوله «إن السرب الآخر عند دار أنس بن مالك في بني جديلة عند دار بنت الحارث» فأما دار أنس فلم يتحرر لي معرفتها، غير أنه سيأتي في بئره- وكانت في داره- ما ترجح عندنا في محلها؛ فيؤخذ منه أن داره كانت عند البئر المعروفة اليوم بالرباطين خلف الحديقة المعروفة بالرومية في شامي سور المدينة.
وأما دار بنت الحارث فلم أعلم محلها، وعلى ما ذكرناه في دار أنس تكون في محل الحديقة المعروفة بالرومية أو ما حولها. ودار بنت الحارث هذه لها ذكر في أماكن كثيرة، وكان النبي ﷺ ينزل بها الوفود، وجعل بها أسرى بني قريظة حتى خندق لهم الخنادق بالسوق وقتلوا.
وروى ابن زبالة عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: جاء النبي ﷺ إلى نفر من أصحابه من قريش والأنصار وهم في دار بنت الحارث، فلما رأوه أوسعوا له- الحديث.
وبنت الحارث: اسمها رملة. وهذه الأسراب الثلاثة لا يعرف منها شيء اليوم.
وقد علا الكبس على كثير من البلاط، ولم يبق ظاهرا منه إلا ما حول المسجد النبوي وشيء من جهة بيوت الأشراف ولاة المدينة. وله بلاليع يجتمع الماء فيها، فإذا كثرت الأمطار تجتمع حول المسجد لامتلاء تلك البلاليع، فيصير أمام أبواب المسجد كالغدران الكبار، خصوصا في شرقي المسجد، فحفر الشمس بن الزمن متولي العمارة الشريفة البلّاعة التي في
стр. 540
شرقي المسجد وتتبع ما حولها، فوجد سربا تحت الأرض آخذا من شرقي المسجد إلى جهة زقاق المناصع، وتتبعه حتى وصل إلى الحوش المعروف اليوم بحوش الحسن، فوجد الناس قد بنوا هناك، ولم يتمكنوا من تتبعه إلا بهدم الأبنية فتركوه، وهذا هو السرب الذي تقدم أنه كان يخرج عند دار أنس بن مالك في بني جديلة.
ثم إن متولي العمارة حفر سربا لتلك البلاليع التي عند أبواب المسجد، وأوصلها بالسرب الذي يسير فيه وسخ العين؛ فحصل بذلك غاية النفع، وصار الماء لا يقف بعد ذلك بأبواب المسجد، ووجد البلاط الأول على أكثر من نصف قامة من الأرض فيما يلي الصاغة وسوق العطارين، وكذا في شامي المسجد.
وأما الدور المطيفة بالبلاط الأعظم- وهو الآخذ من باب السلام إلى المصلى- ففي قبلة منازل بني زريق، وسيأتي من كلام ابن شبة نقلا عن أبي غسان أن ذرع ما بين مسجد النبي ﷺ الذي عنده دار مروان وبين المسجد الذي يصلي فيه العيد بالمصلى ألف ذراع، وقد ذرعناه فكان كذلك، لكن الذي يظهر أن البلاط لم يكن متصلا بمسجد المصلى؛ لأنه ذكر أن نهايته دار ابن هشام، ولم تكن الدور متصلة بنفس المسجد.
بيان الدور المطيفة بالبلاط
فأول الدور المطيفة بهذا البلاط مما يلي المصلى في ميسرته دار إبراهيم بن هشام المخزومي.
وفي ميمنته في قبلتها جانحا إلى المغرب دار سعد بن أبي وقاص، والطريق بينهما.
ودار سعد هذه قال ابن شبة: إنها هي التي في دبر دار جبى، ولها فيها طريق مسلمة.
قال: وسمعت من يقول: كانتا دارا واحدة لسعد، وإن عمر بن الخطاب كان قاسمه إياها، وكانت دار جبى قسيمة هذه الدار حين قاسمه ماله مقدم سعد من العراق، فاشترى دار جبى عثمان بن عفان، ثم صارت لعمرو بن عثمان، وكانت جبى أرضعت عمرا فوهبها لها، فكانت بيدها، حتى سمعت نقيضا في سقف بيتها فقالت لجاريتها: ما هذا؟ قالت:
السقف يسبح، قالت: ما سبح شيء قط إلا سجد! فخرجت، فاضطربت خباء بالمصلى، ثم باعت الدار من بعض ولد عمر بن الخطاب. قال: وسمعت من يقول: إن عثمان نفسه أقطعها إياها.
ثم يليها في ميمنة البلاط المذكور دار لسعد بن أبي وقاص أيضا، وكانت لأبي رافع مولى رسول الله ﷺ فناقله أبو رافع إلى داريه بالبقال، وكانتا دارا لسعد.
وفي ميسرة البلاط في مقابلة هذه الدار دار لسعد أيضا، والطريق بينهما عشرة أذرع، ودور سعد صدقة.
стр. 541
وقد ذكر ابن شبة كتاب وقفها. وبقي من دوره دار أخرى قال ابن شبة: واتخذ سعد أيضا دارا بالمصلى، بين دار عبد الحميد بن عبيد الكناني وبين الزقاق الذي يسلك في بني كعب عند الحمارين، وفتح في طائفة من أدنى داره بابا في الزقاق، حتى صارت كأنها داران.
قلت: وسيأتي ذكر منازل بني كعب، وذكر الحمارين، ويعلم من مجموع ذلك أن زقاق الحمارين كان في قبلة البيوت التي بالمصلى والبيوت التي في قبلة البلاط ببين زريق.
ثم يلي دار سعد التي كانت لأبي رافع في ميمنة البلاط المذكور دار آل خراش من بني عامر ابن لؤي، وتعرف بدار نوفل بن مساحق بن عمرو العامري وفي دبرها من جهة القبلة كتّاب عروة رجل من اليمن، كان يعلم. وفي كتاب عروة مسجد بني زريق، وعنده دار رفاعة بن رافع. ودار آل خراش هذه هي التي عناها ابن شبة بقوله: وقال- يعني أبا غسان-: وحدثني عبد العزيز أن رافع بن مالك الزرقي قتل بأحد فدفن في بني زريق، قال: وقيل: إن موضع قبره اليوم في دار آل نوفل بن مساحق التي في بني زريق في كتاب عروة، وصارت للعباس بن محمد. ثم يلي دار آل خراش في الميمنة أيضا دار الربيع التي يقال لها دار حفصة، وهي مولاة لمعاوية بن أبي سفيان، كانت تسكنها فنسبت إليها قبل، وكانت هذه الدار قطيعة من رسول الله ﷺ لعثمان بن أبي العاص الثقفي، فابتاعها من ولده معاوية بن أبي سفيان وكانت معها لعثمان أيضا دار آل خراش المتقدمة إلى جنبها، ويقال: إنه ابتناها في قطيعة النبي ﷺ إياه أيضا. وفي الميسرة في شامي الدارين المذكورين مقابلا لهما دار نافع بن عتبة بن أبي وقاص التي ابتاعها الربيع مولى أمير المؤمنين من ولد نافع، وتعرف أيضا بدار الربيع. وفي دبر الدار المتقدمة التي يقال لها دار حفصة من القبلة دار عبد بن زمعة، قال ابن شبة: واتخذ عبد بن زمعة داره التي في كتاب عروة إلى حدها الشامي، فتكون دار حفصة بينها وبين البلاط بابها لازق في كتاب عروة، أي في غربيها. وفي قبلة دار عبد بن زمعة دار ابن مشنو، قال ابن شبة أيضا: واتخذ عبد الرحمن بن مشنو داره التي في كتاب عروة حدها من الشام دار عبد بن زمعة، وحدّها من المشرق كتاب إسحاق الأعرج بابها لاصق في كتاب عروة أي في غربيها أيضا، وهي صدقة منه. وفي قبلة دار ابن مشنو دار عمار بن ياسر فإنها حد دار ابن مشنو من القبلة، قال ابن شبة: واتخذ عمار ابن ياسر داره التي في بني زريق، وكانت من دور أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وبابها وجاه دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أي الذي في شرقيها، وكانت أم سلمة أعطته إياها، ولها خوخة شارعة في كتاب عروة أي في المغرب وهي خوخة عمار نفسه، انتهى؛ فهذه الدور الثلاثة مصطفة في القبلة خلف دار حفصة المذكورة، وخلف الدار الآتية بعدها، وبينهن من
стр. 542
المغرب كتاب عروة ومسجد بني زريق، ومن المشرق زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث الآتي ذكره.
وذكر ابن شبة ما حاصله أن دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي في بني زريق، فيما بين دار ابن أم كلاب الشارعة على المصلى إلى دار رفاعة بن رافع الأنصاري قبالة مسجد بني زريق.
ثم يلي دار الربيع التي يقال لها دار حفصة في ميمنة البلاط دار أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ثم يليها في الميمنة أيضا زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وداره هي التي تقدم أنها تقابل دار عمار بن ياسر في الشرق، وبينها وبين البلاط الداران الآتي ذكرهما، وهذا الزقاق سيأتي له ذكر في رجوعه ﷺ من صلاة العيد.
وكذا دار أبي هريرة هذه، قال ابن شبة: اتخذ أبو هريرة الدوسي دارا بالبلاط بين الزقاق الذي فيه دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وبين خط البلاط الأعظم، فباعها ولده من عمر بن بزيع.
والذي ظهر لي بعد التأمل فيما ذكره ابن شبة في هذه الدور- بقرينة ما سنذكره إن شاء الله تعالى- أن زقاق عبد الرحمن بن الحارث هو أول زقاق يلقاك عن يمينك إذا دخلت من باب المدينة اليوم تريد المسجد، وظهر لي أيضا أن دار هشام والدار الثانية التي تليها في الميسرة وبعض الثالثة كنّ من خارج سور المدينة، وكذلك ما يقابل ذلك في الميمنة من داري سعد وبعض دار آل خراش.
ثم يلي زقاق عبد الرحمن بن الحارث في ميمنة البلاط دار عبد الله بن عوف. ثم يليها في الميمنة زقاق أبي أمية بن المغيرة، قال ابن شبة في دور بني زهرة: واتخذ عبد الله بن عوف ابن عبد عوف دارا بالبلاط بين زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وبين زقاق دار أبي أمية بن المغيرة، ويقال لها: دار طلحة بن عبد الله بن عوف؛ فهي صدقة بأيدي ولده إلا شيئا خرج منها صار لبكار بن عبد الله بن مصعب الزبيري. ويلي دار أبي أمية التي نسب إليها الزقاق المذكور في قبلتها دار الحويطب بن عبد العزى بينها وبين دار سعيد بن عمرو بن نفيل، وهما شارعتان في خط الحمارين الشارع إلى دار ابن عتبة ببني زريق شرقي دار أبي أمية، وفي شرقيها أيضا دار صهيب بن سنان، وكانت لأم سلمة رضي الله تعالى عنها، وكل هذه الدور في بني زريق.
ولنرجع إلى جهة الميسرة فنقول: وفي الميسرة في مقابلة دار أبي هريرة وبعض التي قبلها دار حويطب بن عبد العزى، وهي غير داره السابقة، وتلك ليست في البلاط كما قدمناه، قال ابن شبة في دور بني عامر بن لؤي: واتخذ حويطب بن عبد العزى داره التي بين دار
стр. 543
عامر ابن أبي وقاص وعتبة بن أبي وقاص، بالبلاط منها البيت الشارع على خاتمة البلاط بين الزقاق الذي إلى دار آمنة بنت سعد وبين دار الربيع مولى أمير المؤمنين، وهي صدقة منه على ولده، انتهى. ولم يذكر لعتبة بن أبي وقاص دارا بالمدينة. والذي انتقل إلى المدينة واتخذ بها الدار إنما هو ابنه نافع، وداره هي المتقدم ذكرها التي صارت للربيع؛ فهي المرادة.
وقال في بيان دار عامر بن أبي وقاص الزهري: واتخذ عامر بن أبي وقاص داره التي في زقاق حلوة بين دار حويطب بن عبد العزى وبين خط الزقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد بن أبي سرح، انتهى.
فيتلخص من ذلك أن دار حويطب المذكورة في شرقي دار الربيع المتقدمة في الميسرة وإلى جانبها خاتمة البلاط، وهو اليوم الزقاق الذي بين سور المدينة وبين البيوت المقابلة له ولمشهد سيدنا مالك بن سنان على يسارك عند ما تدخل من باب المدينة، وأن من دار حويطب بيتا خلفها من جهة جانبها الغربي شارعا على خاتمة البلاط المذكورة، وخلفه من جهة الشام الزقاق الذي فيه دار آمنة، وتكون دار عامر بن أبي وقاص خلف دار حويطب من جهة جانبها الشرقي، ويكون زقاق حلوة في شرقيهما، ولعله المعروف اليوم بزقاق الطول؛ لانطباق الوصف المذكور عليه، وسيأتي لزقاق حلوة ذكر في الآبار.
ثم في الميسرة أيضا دار عبد الله بن مخرمة قال ابن شبة في دور بني عامر بن لؤي:
اتخذ عبد الله بن مخرمة داره التي في البلاط الشارع بابها قبالة دار عبد الله بن عوف التي فيها بنو نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة، وخرج عنهم بعضها فهو في يد ورثة عمر بن بزيع مولى أمير المؤمنين.
ولنرجع إلى جهة الميمنة فنقول: ثم إلى زقاق دار أبي أمية في الميمنة من شرقيه دار خالد بن سعيد الأكبر بن العاص التي يقال لها دار سعيد بن العاص الأصغر بن سعيد بن العاص، ويقال لها دار ابن عتبة، وإنما ورثها عبد الله بن عتبة عن عمه خالد بن سعيد.
ويقابلها في الميسرة دار أم خالد التي لآل خالد بن الزبير بن العوام، ورثوها عن أمهم أم خالد بن سعيد بن العاص، وقيل: إنهما قطيعة من النبي ﷺ . ثم يلي دار خالد بن سعيد في الميمنة دار أبي الجهم، ثم دار نوفل بن عدي، ثم دار آل المنكدر التّيمي. قال ابن شبة في دور بني عدي: واتخذ أبو الجهم داره التي بين دار سعيد بن العاص التي يقال لها دار ابن عتبة وبين دار نوفل بن عدي بابها شارع في البلاط.
قلت: وهذه الدار هي المرادة بما رواه مالك في الموطأ عن عمه أبي سهل بن مالك بن أبي عامر عن أبيه: كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب ونحن عند دار أبي جهم بالبلاط، وكذا بما رواه البيهقي عن موسى بن عقبة أن رجال بني قريظة قتلوا عند دار أبي جهم التي
стр. 544
بالبلاط، ولم يكن يومئذ بلاط، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت التي كانت بالسوق.
وقال ابن شبة في دور بني أسد: واتخذ نوفل بن عدي بن أبي حبيش دارين: إحداهما التي بالبلاط عند أصحاب الرباع بين دار المنكدر التيمي وبين دار آل أبي جهم العدويين، والدار الآخرى في بني زريق وجاه الكتاب الذي يقال له كتاب آل زيان بين منزل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي صار لبني عبيد بن عبد الله بن الزبير وبين حد الزقاق الذي عند الحمارين، دبرهما دار هانئ التي بأيدي آل جبر، انتهى.
وهذه الأمور التي ذكرها في الدار الثانية حول ما خلف دار سعيد بن العاص المسماة دار ابن عتبة من جهة القبلة، والزقاق الذي ذكره هناك عند الحمارين يمتد في المغرب إلى المصلّى في قبلة دور سعد بن أبي وقاص.
وقد ذكر ابن شبة أيضا أن دار رويشد الثقفي التي يقال لها القمقم في كتاب ابن زيان هي التي حرّقها عليه عمر بن الخطاب في الشراب، وكان رويشد حمارا، وفي غربي هذه الدار أدنى دار علي بن عبد الله بن أبي فروة، وشرقيها الطريق بينها وبين بيوت آل مصبح، ويمانيها دار الأويسيين التي لسكن خالد بن عبد الله الأويسي، وشاميها قبلة بيوت آل مصبح التي بينها وبين دار موسى بن عيسى، وبيوت آل مصبح ذكرها في دور بني عامر ابن لؤي فقال: واتخذ ابن أم مكتوم دارا هي البيوت التي للمصبحين بين دار آل زمعة بن الأسود وبين شرقي القمقم، انتهى. وهذه الأمور أيضا حول الدور المتقدمة في بني زريق.
وقوله في دار نوفل الأولى وهي المقصودة لأنها التي في ميمنة البلاط وأنها عند أصحاب الرباع، لم أعلم المراد به، غير أن في طبقات ابن سعد أن دار حويطب بن عبد العزى المتقدم ذكرها في الميسرة عند أصحاب المصاحف، فإنه قال في ترجمته: وله دار بالبلاط عند أصحاب المصاحف، فلعل المراد بالرباع المصاحف؛ لأن المصحف يسمى ربعة؛ فيستفاد منه أن هذه الناحية من البلاط ميمنة وميسرة تسمى بذلك، لكن قال ابن شبة في دور العباس بن عبد المطلب ما لفظه: وقد سمعت من يذكر أن دار فضالة بن الحكم بن أبي العاص التي بالبلاط الخربة التي عند أصحاب الرباع على يمين من سلك إلى بني جديلة كانت مربدا للعباس ﵁، ويقال: إنها كانت مربدا لنعم الصدقة، انتهى.
وهو يقتضي أن أصحاب الرباع ليسوا في البلاط الأعظم، لأنه ليس فيه مسلك إلى بني جديلة، وإنما يتوصل منه إلى بني جديلة بعد إتيان البلاط الآخر الذي هو موضع سوق المدينة اليوم عند درج العين، وقد تقدم أن ذلك يسمى بموضع الفاكهة، والله أعلم.
هذا ما علمته من الدور التي بهذا البلاط، وفي الاقتصار عليها كفاية؛ لأن المقصود
стр. 545
المهم لنا من ذلك ما يتعلق ببيان مسجد بني زريق، وبطريق النبي ﷺ في ذهابه إلى المصلى ورجوعه منها كما سيظهر لك.
وأما البلاط الممتد في المغرب إلى سوق المدينة القديم فكان عند خاتمة دار العباس بن عبد المطلب ﵁ كما تقدم.
وقال ابن شبة في دور العباس: ومنها الدار التي بالزوراء سوق المدينة عند أحجار الزيت، أقطعها له عمر بن الخطاب، قال: وقد بلغني أن دار طلحة بن عمر بالبلاط كانت مربدا لدار العباس هذه، فابتاعها عمر من بعض بنيه. ويقوي ذلك أن المنصور أبا جعفر ابتاع تلك الدار من ولد طلحة بن عمر بأربعين ألف دينار.
ثم ذكر للعباس دارا أخرى ليست في البلاط، لكنها في شامي هذه الدار، فقال:
ومنها الدار التي إلى جنب دار آل قارط حلفاء بني زهرة، بينها وبين خطة بني ضمرة، وهي التي كان عبد الله بن عباس يسكن وجعلت المحررة هناك لطعام كان ابن عباس يطعمه.
قلت: وإنما ذكرنا هاتين الدارين لما سيأتي من ذكرهما في الدار التي أخذ بها هشام بن عبد الملك سوق المدينة.
ويستفاد مما سيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن دار العباس التي عند خاتمة البلاط المذكور كانت بقرب مشهد سيدنا مالك بن سنان في شرقيه، وسيأتي أنه دفن عند مسجد أصحاب العباء، أي: الذين يبيعون العبي، وهنا لك كانت أحجار الزيت.
الفصل السادس والثلاثون فيما جاء في سوق المدينة التي تصدق به النبي ﷺ على المسلمين، وذكر دار هشام بن عبد الملك التي أخذ بها السوق
الرسول ينشئ السوق
روى عمر بن شبة عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال: هذا سوقكم؛ فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج.
وروى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط أن السوق كانت في بني قينقاع حتى حول السوق بعد ذلك.
أسواق المدينة في الجاهلية
وقال ابن شبة: قال أبو غسان: وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب، وسوق بالجسر في بني قينقاع، وبالصفاصف بالعصبة سوق، وسوق يقوم في
стр. 546
موضع زقاق ابن حيين كانت تقوم في الجاهلية وأول الإسلام، وكان يقال لذلك الموضع:
مزاحم.
وروى ابن شبة أيضا عن صالح بن كيسان قال: ضرب رسول الله ﷺ قبة في موضع بقيع الزبير فقال: هذا سوقكم. فأقبل كعب بن الأشرف فدخلها وقطع أطنابها، فقال رسول الله ﷺ : لا جرم لأنقلنّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا، فنقلها إلى موضع سوق المدينة، ثم قال: هذا سوقكم، لا تتحجروا، ولا يضرب عليه الخراج.
وعن أبي أسيد أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد رأيت موضعا للسوق، أفلا تنظر إليه؟ قال: فجاء به إلى موضع سوق المدينة اليوم- أي في زمنهم- قال:
فضرب النبي ﷺ برجله وقال: هذا سوقكم؛ فلا ينقص منه، ولا يضربن عليه خراج.
وروى ابن زبالة عن عباس بن سهل عن أبيه أن النبي ﷺ أتى بني ساعدة فقال: إني قد جئتكم في حاجة تعطوني مكان مقابركم فأجعلها سوقا، وكانت مقابرهم ما حازت دار ابن أبي ذئب إلى دار زيد بن ثابت، فأعطاه بعض القوم، ومنعه بعضهم، وقالوا: مقابرنا ومخرج نسائنا، ثم تلاوموا فلحقوه وأعطوه إياه، فجعله سوقا.
قلت: وسيأتي ما يبين أن دار ابن أبي ذئب ودار زيد بن ثابت كانتا في شرقي السوق، الأولى عند أثنائه مما يلي الشام، والثانية عند أثنائه مما يلي القبلة؛ فليست المقابر المذكورة سوق المدينة كله، بل بعضه. وقد قدمنا في منازل بني ساعدة أن ابن زبالة نقل أن عرض سوق المدينة ما بين المصلى إلى جرار سعد، وهي جرار كان يسقي الناس فيها الماء بعد موت أمه، وقدمنا أن الذي يترجح أن المصلى حده من جهة القبلة، وأن جرار سعد حده من جهة الشام؛ فتكون جرار سعد قرب ثنية الوداع، وقد قوى الآن ذلك عندي جدّا، لما سيأتي في ذكر دار هشام.
وروى ابن شبة أيضا وابن زبالة عن محمد بن عبد الله بن حسن أن رسول الله ﷺ تصدق على المسلمين بأسواقهم.
وروى ابن زبالة عن خالد بن الياس العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز بالمدينة: إنما السوق صدقة فلا يضربن على أحد فيه كراء.
وعن ابن أبي ذئب أن رسول الله ﷺ مرّ على خيمة عند موضع دار المنبعث فقال: ما هذه الخيمة؟ فقالوا: خيمة لرجل من بني حارثة كان يبيع فيها التمر، فقال: حرقوها، فحرقت. قال ابن أبي ذئب: وبلغني أن الرجل محمد بن مسلمة.
وروى ابن شبة عن أبي مردود عبد العزيز بن سليمان أن عمر بن الخطاب رأى كير حداد في السوق، فضربه برجله حتى هدمه، وقال: أتنتقص سوق رسول الله ﷺ ؟
стр. 547
وروى ابن زبالة عن حاتم بن إسماعيل عن حبيب قال: مر عمر بن الخطاب على باب معمر بالسوق، وقد وضع على بابه جرة، فأمر بها أن تقلع، فخرج إليه معمر فقال: إنما هذه جرة يسقي فيها الغلام الناس، قال: فنهاه عمر أن يحجر عليها أو يحوزها. قال: فلم يلبث أن مر عليها وقد ظلل عليها، فأمر عمر بالجرة والظل فنزعهما.
وعن عبد الله بن محمد قال: كان الراكب ينزل بسوق المدينة فيضع رحله، ثم يطوف بالسوق ورحله بعينه يبصره، لا يغيبه عنه شيء.
وروى أيضا قصة أخذ معاوية رضي الله تعالى عنه لدار النقصان من صحن سوق المدينة.
وروى أيضا عن محمد بن طلحة وغيره قال: أحدث إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة في سلطان هشام بن عبد الملك، وهو يومئذ وال له على المدينة، دارا أخذ بها سوق المدينة، وسدّ بها وجوه الدور الشوارع في السوق، وكتب إلى هشام يذكر له عليها وعظيم قدرها، فكتب إليه هشام يأمره بإمضائها وإمضاء عين السوق، وكان أحدثها في سكك أهل المدينة، ودخلت في بعض منازلهم، فكتب إليه أن أمضها وإن كانت في بطونهم.
قلت: ونقل ابن شبة عن أبي غسان أنه قال: كان الذي هاج هشام بن عبد الملك على بناء داره التي كانت بالسوق أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل كان خال هشام بن عبد الملك، وكان ولاه المدينة، فكتب إليه إبراهيم، فذكر أن معاوية بن أبي سفيان بنى دارين بسوق المدينة يقال لإحداهما دار القطران والآخرى دار النقصان، وضرب عليهما الخراج، وأشار عليه أن يا بني دارا يدخل فيها سوق المدينة، فقبل ذلك هشام، وبناها، وأخذ بها السوق كله، انتهى.
وقال ابن زبالة عقب ما تقدم: فابتدأ الدار من خاتمة البلاط أي الذي عند دار العباس بالزوراء بقرب مشهد مالك بن سنان ﵁، فيكون هذا الجدار في شرقي السوق، وهذا أول الجدار المذكور مما يلي القبلة، وما سيأتي فيه دال على أنه استمر يمده إلى جهة الشام، وليس ابتداء هذا الجدار من القبلة أول السوق لما سيأتي، بل بقي منه بقية في جهة القبلة إلى المصلى سيأتي ذكرها.
قال ابن زبالة عقب ذكره لابتداء الدار من خاتمة البلاط: فمضى بها حتى سد بها وجه دار العباس بن عبد المطلب، أي التي عند خاتمة البلاط ودار نخلة، وكانت لآل شيبة بن ربيعة، وإنما سميت دار نخلة لنخلة كانت فيها. ثم دار معمر العدوي التي كان يجلس صاحب السوق بفنائها. ثم دار خالد بن عقبة التي بفنائها أصحاب الرقيق.
стр. 548
وجعل لبني ساعدة طريقا مبوبة، ثم أخذ وجه دار ابن جحش. ثم وجه دار ابن أبي فروة التي كانت لعمر بن طلحة بن عبيد الله، ثم وجد دار ابن مسعود، ثم وجه دار زيد بن ثابت، وجعل للطريق منفذا مبوبا. ثم وجه دار جبير بن مطعم التي فيها أصحاب العباء.
ثم وجه دار القارظيين. ثم وجه دار العباس بن عبد المطلب، أي الثانية التي كان عبد الله بن عباس يسكنها، وجعل لبني ضمرة طريقا مبوبا. ثم وجه دار ابن أبي ذئب. ثم دار آل شويفع. ثم صدقة الزبير، وجعل لبني الديل طريقا مبوبا.
قلت: وهذا الطريق عند نهاية هذا الجدار الشرقي مما يلي الشام قرب ثنية الوداع، والطرق المذكورة قبله كلها في الجدار المذكور خططها في المشرق.
ثم بين ابن زبالة ما يقابل هذا الجدار في المغرب مبتدئا بما يقابله من جهة القبلة، ثم إلى الشام فقال عقب ما تقدم:
ثم أخذ بها من الشق الآخر، فأخذ وجه الزوراء ووجه دار ابن نصلة الكناني. ثم على الطاقات حتى ورد بها خيام بني غفار، وجعل لمخرج بني سلمة من زقاق ابن جبير بابا مبوبا عظيما يغلق. ثم مضى بها على دار النقصان ودار نويرة، وجعل لسكة أسلم بابا مبوبا. ثم مضى بها على دار ابن أزهر ودار ابن شهاب ودار نوفل بن الحارث حتى جاوز بها دار حجارة، وكانت لعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، حتى إذا جاوز بها دار حجارة جعل لها بابا عظيما يقابل الثنية.
قلت: يعني ثنية الوداع، وهذا الباب في جهة الشام كما صرح به ابن شبة فقال، عقب ما تقدم: وجعل لها بابا شاميا خلف شامي زاوية دار عمر بن عبد العزيز بالثنية. ثم جعل بينها وبين دار عمر بن عبد العزيز عرضا ثلاثة أذرع، ثم وضع جدارا آخر وجاه هذا الجدار. ثم قاد الأساس بينه وبين الدور كلها ثلاثة أذرع حتى الزقاق الذي يقال له زقاق ابن جبير، جعل عليه بابا، وجعل على الزقاق الذي يقال له زقاق بني ضمرة عند دار آل أبي ذئب بابا. ثم جعل على الزوراء خاتم البلاط أي بابا؛ فيستفاد منه جعل باب هناك، وليس في كلام ابن زبالة تعرض له.
ثم إن ابن زبالة ذكر ما بقي من شقي الدار الغربي والشرقي مما يلي القبلة إلى المصلى، فقال عقب كلامه السابق: ثم ساقها من الشقين جميعا الغربي والشرقي فسد بها وجوه الدور، وأخذ بها السوق فسد بها من الشق الشرقي وجه دار قطران، وكانت من دور معاوية. ثم وجه دار ابن جودان وتلك الدور.
ومن الشق الغربي دار حجارة لكثير بن الصلت، وكانت قبله لربيعة بن دراج الجمحي.
ثم وجه الربعة التي فيها دار آل أبي عثمان حلفاء أزهر بن عبد عوف. ثم جعل للسكة
стр. 549
منفذا. ثم وجه دار التمارين، وكانت لمعاوية بن أبي سفيان، وقبله لسعيد بن عبد الرحمن بن يربوع.
فلما بلغ ابن هشام بالدار التمارين وقف، وجعل لها هنالك بابا عظيما يقابل المصلى.
وقال ابن شبة عقب قوله فيما تقدم «وجعل على الزوراء خاتم البلاط» ما لفظه: ثم مد الجدار حتى جاء به على طيقان دار القطران الآخرى الغربي، حتى جاء بها إلى دار ابن سباع بالمصلى التي هي اليوم لخالصة، فوضع ثم بابا أي بالمصلى.
قال: ثم بنى ذلك بيوتا؛ فجعل فيه الأسواق كلها، فكان الذي ولى ابن هشام أي على بنائها سعد بن عبد الرحمن الزرقي من الأنصار، فتم بناؤها إلا شيئا من بابها الذي بالمصلى.
ونقلت أبوابها إليها معمولة من الشام، وأكثرها من البلقاء، انتتهى.
وقال ابن زبالة عقب كلامه السابق: وفعل ذلك في بقيع الزبير، وضرب عليه طاقات، وأكراها، وسد بها وجوه دورهم، وجعل للسكك منفذا يغلق.
قلت: ومراده أنه جعل في فضاء بقيع الزبير دارا كدار السوق، ولا يتوهم من ذلك أن بقيع الزبير من جملة السوق؛ لما سيأتي في ترجمته.
قال ابن زبالة: وجعل لدار السوق حوانيت في أسفلها، وعلالي تكرى للسكن، وحملت أبوابها من البلقاء، فمنها بقية بالمدينة مكتوب فيها البلقاء.
هدم الدار التي وضعت مكان السوق
قال: فبينا الناس لا يدرون بموت هشام إلى أن جاء ابن المكرم الثقفي من الشام بريدا بموته رسولا للوليد بن يزيد، ويبشرهم بالعطاء، فصاح حين دخل الثنية: ألا إن هشاما الأحول قد مات، فوثب الناس على الدار فهدموها، وعلى عين السوق فقطعوها.
وعبارة ابن شبة: فلم تزل- أي تلك الدار- على ذلك حياة هشام بن عبد الملك، وفيها التجار، فيؤخذ منهم الكراء، حتى توفي هشام، فقدم بوفاته ابن مكرم الثقفي، فلما أشرف على رأس ثنية الوداع صاح: مات الأحول، واستخلف أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فلما دخل دار هشام تلك صاح به الناس: ما تقول في الدار؟ قال: اهدموها، فوقع الناس فهدموها، وانتهبت أبوابها وخشبها وجريدها، فلم يمض ثالثة حتى وضعت إلى الأرض.
فقال أبو معروف أحد بني عمرو بن تميم:
ما كان في هدم دار السوق إذ هدمت ... سوق المدينة من ظلم ولا حيف
قام الرجال عليها يضربون معا ... ضربا يفرق بين السور والتحف
ينحطّ منها ويهوي من مناكبها ... صخر تقلب في الأسواق كالخلف
وذكر ابن زبالة هذه الأبيات عن أبي معروف، إلا أنه زاد قبلها ثلاثة أخرى فقال:
وقال أبو معروف:
стр. 550
قل للوليد أبي العبّاس قد جمعت ... أيمان قومك بالتسليم في الصحف
ما زلت ترمي ويرمي الناس عن هدف ... حتى وضعت نصال النبل في الهدف
أعطاك ربّك طوعا من قلوبهم ... نصحا تبين قبل الظن والحلف
ما كان في هدم دار السوق إذ هدمت ... الأبيات المتقدمة
بيت أم كلاب
وروى ابن زبالة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: أمر رسول الله ﷺ برواية الخمر التي أهدى له الدوسي فأهريقت بالسوق عند بيت أم كلاب حيث يهراق الشراب اليوم، وسيأتي في ترجمة أحجار الزيت قول ابن أبي فديك: أدركت أحجار الزيت ثلاثة مواجهة بيت ابن أم كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد، انتهى، وكأنه غير بيت ابن أم كلاب الذي له ذكر في بني زريق، فهذا السوق هو المراد بما ورد من أنه ﷺ خرج بأسرى بني قريظة إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم ضرب أعناقهم في تلك الخنادق، ويظهر مما قدمناه ومما سيأتي في ترجمة الزوراء أن مقدم سوق المدينة مما يلي خاتمة البلاط وما حول ذلك كان يسمى بالزوراء.
البطحاء
وروى ابن شبة عن بعضهم أنه قال: أدركت سوقا بالزوراء يقال له سوق الحرص، كان الناس ينزلون إليها بدرج.
قلت: ورأيت في الأم للشافعي رضي الله تعالى عنه ما يقتضي تسمية سوق المدينة بالبطحاء؛ فإنه روي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، فقدموا فخرج إليهم الناس- الحديث.
بقيع الخيل
وروى ابن شبة من طريق عروة عن عائشة ﵂ قالت في حديث ساقه:
كان يقال لسوق المدينة بقيع الخيل، وهذا الحديث تقدم من رواية ابن زبالة في ذكر دعائه ﷺ للمدينة وسؤاله نقل وبائها، وفيه: ثم عمد إلى بقيع الخيل- وهو سوق المدينة- فقام فيه ووجهه إلى القبلة، فرفع يديه إلى الله فقال: اللهم حبّب إلينا المدينة- الحديث.
والبقيع هنا بالموحدة التحتية؛ فهو المراد بقول ابن عمر في حديثه الذي رواه الأربعة والحاكم: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، وآخذ مكانها الدراهم- الحديث ولما خفي هذا على كثير من الناس قال بعضهم: إن الظاهر أن المراد النقيع بالنون أي حمى النقيع، قال: لأنه أشبه بالبيع من البقيع الذي هو مدفن، وقال النووي: ليس كما قال، بل هو بقيع الغرقد-
стр. 551
بالباء- ولم يكن ذلك الوقت كثرت فيه القبور، انتهى، ولم يذكر أحد من مؤرخي المدينة أنه كان ببقيع الغرقد سوق، مع اعتنائهم بذكر أسواق المدينة في الجاهلية والإسلام؛ فالمعتمد ما قدمناه، والمسمى بالبقيع هنا ما يلي المصلى من سوق المدينة، ويسمى بقيع المصلى أيضا كما سيأتي، ولهذا روى أحمد والطبراني عن أبي بردة بن نيار قال: انطلقنا مع رسول الله ﷺ إلى بقيع المصلى فأدخل يده في طعام ثم أخرجها فإذا هو مغشوش، أو مختلف، فقال: ليس منا من غشنا، ورواه الطبراني أيضا عن أبي موسى قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ إلى سوق البقيع، فأدخل يده في غرارة، فأخرج طعاما- الحديث، فعبر عن بقيع المصلى بسوق البقيع.
وروى ابن زبالة أيضا في ذكر سوق المدينة عن محمد بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عبد الرحمن وإسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد ومحمد بن المنكدر، وزيد بن حصفة يقومون بفناء بركة السوق اليوم قبل أن تكون، يقومون مستقبلين فسألت عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك، فقال: قد اختلف علينا في ذلك؛ فقائل يقول: كان رسول الله ﷺ يدعو هنالك، وقائل يقول: كان رسول الله ﷺ يقول هنالك فينظر الناس، إذا انصرفوا من العيد، قال: وكان عامر بن عبد الله بن الزبير يقف عند التبانين فيدعو، وسيأتي في ذكر المصلى ما رواه الشافعي في الأم من طريق عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده أنه رأى النبي ﷺ رجع من المصلى يوم عيد فسلك على التمارين من أسفل السوق، حتى إذا كان عند مسجد المصلى الذي هو عند موضع الدار التي بالسوق قام فاستقبل فجّ أسلم فدعا ثم انصرف.
بركة السوق
قلت: وهذا بين أن بركة السوق في شامي فج أسلم، وسيأتي في منازل أسلم ما يبين أن منازلهم في شامي الثنية التي عليها حصن أمير المدينة اليوم، وتقدم في ذكر دار السوق حيث قال فيها في جهة المغرب: وجعل لسكة أسلم بابا ما يبين ذلك، وحينئذ فبركة السوق هي المنهل الذي ينزل إليه بالدرج عند مشهد النفس الزكية من عين المدينة على يسار المار إلى ثنية الوداع، وفي كلام ابن زبالة ما يومئ أن الذي أحدث العين هناك إنما هو إبراهيم بن هشام، وسيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن النبي ﷺ استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء، والله أعلم.
وروى ابن شبة عن أبي هريرة أنه كان يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى يخسف برجل بصحن هذا السوق، قال ابن أبي فديك: وكنت أسمع من المشايخ أنه قال والله أعلم: إن ذلك يكون على باب بيت البرادين، ويقال: هو بفناء دار ابن مسعود.
وعن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال: خرجت مع أبي هريرة حتى إذا
стр. 552
كنا عند دار ابن مسعود قال: يا أبا الحارث، إن حبي أبا القاسم ﷺ أخبرني أنه رب يمين بهذه البقعة لا يصعد إلى الله، قال: قلت له: أنّى ذلك يا أبا هريرة؟ قال: أما أني أشهد ما كذبت، قلت: وأنا أشهد.
وروى ابن زبالة عن عبد الرحمن بن يعقوب أن النبي ﷺ جاء السوق فرأى حنطة مصبرة فأدخل يده فيها، فناله بلل في جوفها، فقال: ما هذا؟ لصاحب الطعام، قال:
أصابني مطر فهو هذا البلل الذي ترى، قال: ألا جعلته على رأس الطعام حتى يراه الناس؟
من غش فليس مني، من غش فليس مني، وأصل الحديث رواه أبو داود وغيره، ولفظه:
أن النبي ﷺ مرّ برجل يبيع طعاما، فسأله كيف تبيع؟ فأخبره فأوحى إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فإذا هو مبلول، فقال رسول الله ﷺ : ليس منا من غش.
وعن ابن المغيرة قال: مر رسول الله ﷺ برجل يبيع طعاما في السوق بسعر هو أرفع من سعر السوق، فقال: تبيع في سوقنا بسعر هو أرفع من سعرنا؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: صبرا واحتسابا؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله.
قلت: وقوله «بسعر هو أرفع» أي بزيادة في المسعر وهو المبيع، ويدل لذلك ما رواه ابن شبة عن ابن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة قال: كان أبي وعثمان بن عفان شريكين يجلبان التمر من العالية إلى السوق، فمر بهم عمر بن الخطاب، فضرب الغرارة برجله وقال: يابن أبي بلتعة زد في السعر وإلا فاخرج من سوقنا.
وروى ابن زبالة عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعره، فسعّر له مدّين بدرهم، فقال عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم إذا وضعوا إلى جنبك غدا اعتبروا بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك في البيت فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه في الظهر، ثم خرج فأتى حاطبا في منزله فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير فحيث شئت فبع.
الفصل السابع والثلاثون في منازل القبائل من المهاجرين، ثم اتخاذ السور على المدينة
منازل بني غفار
قال عمر بن شبة: نزل بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة القطيعة التي قطع لهم النبي ﷺ ، وهي ما بين دار كثير بن الصلت التي تعرف بدار الحجارة
стр. 553
السوق إلى زقاق ابن جبين إلى دار أبي سبرة إلى منازل آل الماجشون بن أبي سلة، وبهذه الخطة مسجد بني غفار صلّى فيه النبي ﷺ وهو خارج من منزل أبي رهم بن الحصين الغفاري.
قلت: ودار كثير بن الصلت هذه تقدم بيانها في غربي السوق مما يلي القبلة شامي المصلى، وأما زقاق ابن حبين، ففي غربي السوق أيضا مما يلي الشام بالقرب من حصن أمير المدينة، وابن حبين كان مولى للعباس بن عبد المطلب. وأما دار أبي سبرة فلم أعرفها؛ فالظاهر أنها كانت في جهة غربي سوق التمارين. وأما منازل آل الماجشون، فذكر هو في موضع آخر أنها في زقاق الجلادين، وسيأتي في منازل بني كعب أنه شارع على المصلى، والله أعلم.
واتخذ سباع بن عرفطة الغفاري خطة بالمصلى وهي الدار التي يقال لها دار عبد الملك بن مروان بالمصلى وجهها شارع قبالة الحجامين.
قلت: وذلك في شامي المصلى مما يلي السوق والمغرب لأن ابن شبة قال: إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب اتخذ دارا بالمصلى في موضع الحجامين، ثم ابتاعها معاوية، فزادها في مصلى النبي ﷺ ، ثم أدخلها بعد هشام بن عبد الملك في داره التي أخذ بها السوق ثم هدمت.
ونزل سائر بني غفار محلتهم وهي السائلة من جبل جهينة إلى بطحان وما بين خط دار كثير بن الصلت ببطحان إلى بني غفار؛ فنزلت بنو غفار منزلهم من خط دار كثير بن الصلت إلى أن يفضي إلى جهينة.
قلت: وجبل جهينة لم أعرفه، فإما أن يكون أراد به ما يلي جبيل سلع في مقابلة المصلى ونسبه إلى جهينة لنزولهم عنده، وهناك سائلة تسيل من سلع إذا حصل المطر، وإما أن يكون أراد به أحد الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح لما سيأتي في منازل جهينة. وأما دار كثير بن الصلت ببطحان فقد ذكر في موضع آخر ما يبين أنها كانت على شفير وادي بطحان بالعدوة الغربية، وأن عقبة بن أبي معيط لما جلده عثمان بن عفان في الشراب حلف لا يساكنه إلا وبينهما بطن واد، فناقل كثير بن الصلت بداره هذه إلى دار الوليد بن عقبة التي في قبلة مصلى العيد الذي يصلي به الإمام اليوم، والله أعلم.
منازل بني ليث بن بكر
ونزل بنو أبي عمرو بن نعيم بن مهان من بني عبد الله بن غفار شامي وغربي بني مبشر بن غفار، ومعهم بنو خفاجة بن غفار.
ونزل بنو ليث بن بكر ما بين خط بني مبشر بن غفار إلى خط بني كعب بن عمرو بن خزاعة الذي يسلكك إلى دور الغطفانيين.
стр. 554
قلت: يؤخذ مما سيأتي في منازل بني كعب أن منازل بني ليث كانت في قبلة خط بني مبشر، وشامي بني كعب؛ فتكون جهة منازل بني ليث في شامي التمارين وغربيهم، ولعل قول ابن زبالة في دار السوق في جهة المغرب قبل ذكر دار التمارين ثم جعل للسكة منفذا يريد به طريق بني ليث ومن يشركهم في ذلك. وقد قال ابن شبة في دور بني مخزوم: واتخذ أبو شريح الخزاعي حليف بني مخزوم دارا غربيها شارع على بطحان، وشاميها شارع إلى الزقاق الذي يدعى زقاق بني ليث، والله أعلم.
ونزل بنو أحمر بن يعمر بن ليث ما بين مسجدهم إلى سوق التمارين، واتخذوا المسجد الذي في محلتهم يدعى مسجد بني أحمر.
ونزل بنو عمر بن معمر بن ليث ما بين مسجدهم الذي يدعى مسجد بني كدل إلى بطحان إلى منزل بني مبشرين غفار إلى زقاق الجلادين الذي فيه دار الماجشون إلى دار أبي سبرة بن خلف إلى التمارين.
ونزل آل قسيط بن يعمر بن ليث ما بين شامي بني كعب من منازل آل نضلة بن عبيد الله ابن خراش إلى خط كتاب النصر إلى الشارع إلى المصلى إلى بطحان.
ونزل بنو رجيل بن نعيم بطرف المصلى بين غربي دار كثير بن الصلت أي التي هي قبلة المصلى إلى دار آل قليع الأسديين الشارعة على بطحان.
ونزل بنو عتوارة بن ليث- وهم بنو عضيدة- ما بين طرف دار الوليد بن عقبة اليماني ببطحان إلى الحرة إلى زقاق القاسم بن غنام من دار الوليد بن عقبة.
منازل بني ضمرة بن بكر
ونزل بنو ضمرة بن بكر إلا بني غفار محلتهم التي يقال لها بنو ضمرة، وهي شرقي ما بين دار عبد الرحمن بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر بالثنية إلى محلة بني الديل بن بكر إلى سوق الغنم الشارع إلى دار ابن أبي ذئب العامري، واتخذوا في محلتهم مسجدا.
منازل بني الديل
ونزل بنو الديل بن بكر في محلتهم- وهي ما بين ضمرة إلى الدار التي يقال لها دار الخرق- حدها زقاق الحضارمة، ويدعى الخط العظيم لها بني ضمرة، إلى جبل في مربد أبي عمار بن عبيس من بني الديل يقال له المستندر إلى دار الصلت بن نوفل النوفلي التي بالجبانة.
قلت: الجبل الذي ذكر أنه يسمى بالمستندر هو الجبل الصغير الذي في شرقي مشهد النفس الزكية بمنزلة الحاج الشامي؛ لانطباق الوصف المذكور عليه، والله أعلم.
ونزل أبو نمر بن عويف من بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة على بني ليث بن بكر فاتخذوا الدار التي يقال لها دار أبي نمر، وهي في خط بني أحمر بن ليث المتقدم ذكره.
стр. 555
منازل ابني أفصى
منازل أسلم ومالك ابني أفصى- نزل بنو أسلم ومالك ابني أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر منزلين؛ فنزلت بنو مالك بن أفصى وأمية وسهم ابني أسلم ما بين خط زقاق ابن حبين مولى العباس بن عبد المطلب الشامي من زاوية يقصان التي بالسوق إلى خط جهينة إلى شامي ثنية عثعث.
قلت: قد علم مما سبق في دار السوق أن زقاق ابن حبين في غربي سوق المدينة، وسيأتي في ترجمة ثنية عثعث أنها منسوبة إلى جبل يقال له سليع عليه بيوت أسلم بن أفصى؛ فهي الثنية التي عند الجبيل الذي عليه حصن أمير المدينة اليوم، والمراد من بيوت أسلم منزل هؤلاء، والله أعلم.
ونزلت سائر أسلم، وهم آل بريدة بن الخصيب وآل سفيان- ما بين زقاق الحضارمة إلى زقاق القنبلة.
قلت: وذلك في شرقي مؤخر سوق المدينة مما يلي الشام، وفي جهة زقاق الحضارمة اليوم حديقة تعرف بالحضرمية شامي سور المدينة، وفي شاميها جهة زقاق القنبلة.
ونزلت هذيل بن مدركة ما بين شامي سائلة أشجع وزاوية دور يحيى بن عبد الله بن أبي مريم إلى دار حرام بن مزيلة بن أسد بن عبد العزى بالثنية زاويتها اليمانية، وذلك مجتمعها ومجتمع أسلم.
منازل مزينة ومن حل معها
منازل مزينة ومن حل معها من قيس عيلان بن مضر- ونزل بنو هدبة بن لاطم بن عثمان بن عمرو، إلا بني عامر بن نور بن لاطم بن عثمان، وعثمان نفسه الذي يقال له مزينة، وهي أمه- ما بين زاوية بيت القروي المطل على بطحان الغربية إلى زاوية بيت ابن هبار الأسدي الذي صار لبني سمعان الشرقية إلى خط بني زريق إلى دار الطائفي التي بشق بطحان الشرقي.
ونزل معها في هذه المحلة بنو شيطان بن يربوع من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس وبنو سليم بن منصور وعدوان بن عمرو بن قيس.
وعن شرقي خطة مزينة هذه سليم بن منصور إلى دار خلدة بن مخلد الزرقي، وأدنى دار أم عمرو بنت عثمان بن عفان إلى بيوت نفيس بن محمد مولى بني المعلى في بني زريق من الأنصار، إلى أن تلقى بني مازن بن عدي بن النجار؛ فهؤلاء الذين نزلوا مع مزينة، ودخل بعضهم في بعض، وإنما نزلوا جميعا لأن دارهم في البادية واحدة.
стр. 556
قلت: فمنازل مزينة ومن حل معها في غربي مصلى العيد اليوم إلى عدوة بطحان الشرقية ثم في قبلة الدور التي بالمصلى ثم في قبلة بني زريق إلى بني مازن بن النجار.
وقد نزلت بنو ذكوان من بني سليم مع أهل راتج من اليهود، ما بين دار قدامة إلى دار حسن بن زيد بالجبانة.
قلت: ودار قدامة هي المرادة بقول ابن شبة في دور بني جمح «واتخذ قدامة بن مظعون الدار التي فيها المجزرة على فوهة سكة بني ضمرة ودبر دار آل أبي ذئب على يمينك وأنت ذاهب إلى بني ضمرة» والله أعلم.
ونزل بنو أوس بن عثمان بن مزينة بطرف السورين، ما بين دار أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق إلى مفضى السورين إلى الحمارين، الزقاق الذي فيه قصر بني يوسف مولى آل عثمان إلى البقال.
قلت: وهذه الأمور بقرب البقيع، كما سيأتي في تراجمها.
ونزل بنو عامر بن ثور بن ثعلبة بن هدبة بن لاطم ما بين بيت أم كلاب الذي في خط بني رزيق الشارع على المصلى إلى دار مدراقيس الطبيب إلى دار عمرو بن عبد الرحمن بن عوف ودار عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ودار هشام بن العاص المخزومي.
قلت: ودار مدراقيس الطبيب لها ذكر في دور بني محارب بن فهر.
قال ابن شبة: واتخذ معمر بن عبد الله بن عامر دارا في بني زريق بين الدار التي يقال لها دار مدراقيس الطبيب ودار أم حسان التي صارت لعمر بن عبد العزيز العمري، وهذه الأماكن في قبلة ما تقدم مما يلي الدور التي في قبلة البلاط في الميمنة وما حولها، ولعل دار أم حسان المذكورة هي الموضع المعروف اليوم بدار حسان في قبلة الدور التي بالبلاط الموالية لدرب سويقة، والله أعلم.
منازل جهينة وبلى- ونزل جهينة بن زيد بن السود بن الحارث بن قضاعة وبلى بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة ما بين خط أسلم الذي بين أسلم وجهينة، إلى دار حرام بن عثمان السلمي الأنصاري التي في بني سلمة إلى الجبل الذي يقال له جبل جهينة إلى يماني ثنية عثعث التي عليها دار ابن أبي حكيم الطيب.
قلت: ذكر دار حرام بن عثمان في بني سلمة يرجح أن المراد بجبل جهينة أحد الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح، وهناك منازل بني حرام من بني سلمة، وقد تقدم بيان ثنية عثعث، وأنها منسوبة إلى الجبل الذي عليه حصن أمير المدينة اليوم، والله أعلم.
منازل قيس بن عيلان- نزلت أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس الشعب الذي يقال له شعب أشجع، وهو ما بين سائلة أشجع إلى ثنية الوداع إلى جوف شعب سلع، وخرج إليهم النبي ﷺ بأحمال التمر فنثره لهم، واتخذت أشجع في محلتها مسجدا.
стр. 557
قلت: وما ذكره منطبق إما على شعب سلع الذي في شرقيه، فتكون منازلهم بين خط أسلم الذي في شامي ثنية عثعث وبين جبل سلع وهكذا إلى ثنية الوداع، وإما على شعب سلع الذي في شاميه، وقال عروة بن الزبير: قدمت أشجع في سبعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعبهم، فخرج إليهم رسول الله ﷺ بأحمال التمر، فقال: يا معشر أشجع، ما جاء بكم؟ قالوا: يا رسول الله جئناك لقرب ديارنا منك، وكرهنا حربك، وكرهنا حرب قومنا لقلتنا فيهم؛ فأنزل الله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ إلى قوله تعالى: سَبِيلًا [النساء: ٩٠] .
ونقل ابن شبة في تأديب عمر بن الخطاب الرعية في أمر دينهم أن رجلا من أشجع يقال له بقيلة كان غازيا، فبلغه أن جعدة بن عبد الله السلمي يحدث النساء، وأن جواري يخرجن إلى سلع فيحدثهن، ثم يعقل الجارية ويقول: قومي في العقال فإنه لا يصبر على العقال إلا حصان، فتقوم ساعة ثم تسقط، فربما تكشفت، فكتب الأشجعي إلى عمر:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
فما قلص تقمن معقّلات ... قفا سلع لمختلف النّجار
قلائص من بني سعد بن بكر ... أو اسلم أو جهينة أو غفار
يعقّلهنّ جعدة من سليم ... معيدا يبتغي سقط العذاري
قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنهم زمن الحصار
يعقّلهن أبيض شيظميّ ... فبئس معقّل الذود الطّواري
فدعا عمر بجعدة فقال: أنت لعمري كما وصف أبيض شيظمي، وسأله فأقرّ فضربه مائة معقولا، وغرّبه إلى الشام، فكلّم فيه، فأذن له على ألايدخل المدينة، ثم أذن له أن يجمع، ثم أذن له أن يدخل في الجمعة مرتين.
وقال ابن إسحاق: الذي كتب بالشعر رجل من هوازن يدعى خيثمة.
منازل بني جشم
ونزلت بنو جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس محلتها التي يقال لها بنو جشم، وهي ما بين الزقاق الذي يقال له زقاق سفين إلى الأساس الذي يقال له أساس إسماعيل بن الوليد إلى خوخة الأعراب إلى دور ذكوان مولى مروان بن الحكم.
قلت: ولم أعرف شيئا مما ذكره، غير أنه ذكر في دور بني جمح أن محمد بن حاطب اتخذ الدار التي تدعى دار قدامة في بني زريق شرقيها الدار التي يقال لها دار الأعراب، فلعل خوخة الأعراب وما ذكر معها في تلك الجهة، والله أعلم.
стр. 558
ونزلت بنو مالك بن حماد وبنو زنيم وبنو سكين من فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ذئب ابن غطفان المحلة التي يقال لها بنو فزارة، وهي إلى حمام الصعبة إلى سوق الحطابين الذي بالجبانة، ولم ينزلها أحد من بني عدي بن فزارة.
قلت: والذي علمنا جهته من ذلك سوق الحطابين بالجبانة قرب مسجد الراية وثنية الوداع كما سيأتي في ترجمة الجبانة، والله أعلم.
منازل بني كعب بن عمرو، وإخوتهم من بني المصطلق
نزل بنو كعب بن عمرو بن عدي بن عامر ما بين يماني بني ليث بن بكر إلى دار شريح العدوي إلى موضع التمارين بالسوق إلى زقاق الجلادين الشارع على المصلى يمنة ويسرة إلى بطحان إلى زقاق كدام، وكدام: سقاط كان هناك، إلى دار ابن أبي سليم الشارعة على شامي المصلى.
ونزلت بنو المصطلق بن سعد بن عمرو وأخوه كعب بن عمرو رهط جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ ظاهرة حرة بني عضدة إلى أدنى دار عمر بن عبد العزيز إلى الدار التي يقال لها دار الخرازين.
قلت: وذلك بالحرة الغربية.
سعة المدينة في عهد النبي
ومن تأمل ما ذكر في دور المهاجرين ومنازل القبائل منهم- مع ما سبق في منازل الأنصار- رأى أمرا عظيما فيما كان من عمارة المدينة وسعتها، واتصال بعضها ببعض، وآثار ما كان من العمارة شاهد بذلك اليوم، واسم المدينة صادق على ذلك كله، وسيأتي في ترجمة قباء أنها كانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة الشريفة، أي بما بينها من النخيل، ولهذا لم تكن الجمعة تقام بغير المسجد النبوي، ولو كانت قباء وغيرها من القرى المنفصلة اليوم منفصلة في زمنه ﷺ وبها تلك القبائل من الناس لوجب إقامة الجمعة في كل قرية بها أربعون كما تقرر في موضعه، فقد كانت كلها في حكم البلد الواحد، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
اتخاذ سور المدينة
ولما طرق المدينة الشريفة الخراب في أطرافها جعلوا لها سورا، قال المجد الفيروزبادي:
سور المدينة الشريفة بناه أولا عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاثمائة في خلافة الطائع لله بن المطيع لله، ثم تهدم على طول الزمان وتخرب لخراب المدينة، ولم يبق إلا آثاره ورسمه.
وقال المطري في الكلام على مسجد جهينة: إن ناحية جهينة معروفة غربي حصن
стр. 559
صاحب المدينة والسور القديم، بينها وبين جبل سلع، وعندها أثر باب للمدينة معروف بدرب جهينة إلى تاريخ كتابه، وهو سنة ست وستين وسبعمائة.
قلت: قد قدمنا ما يخالف ما ذكره في ناحية جهينة؛ لأنا وإن لم نر الباب الذي أشار إليه، لكن رأينا آثار السور القديم قبلي جبل سلع، وقرب الحصن المذكور. ويظهر من حاله أن غالب منازل جهينة وغيرها من المنازل المتقدمة كانت في جوفه، وأنه كان في جهة المغرب على شفير بطحان بالعدوة الشرقية؛ لأن الأقشهري نقل في روضته عن صاحب سور الأقاليم أنه قال: المدينة أقل من نصف مكة، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخل كثير، ومياه نخيلهم وزرعهم من الآبار يسقي منها العبيد، وعليها سور، والمسجد في نحو من وسطها. ثم ذكر صفة المسجد والقبر الشريف، ثم قال: ومصلى رسول الله ﷺ الذي كان يصلي فيه الأعياد من غربي المدينة داخل الباب، انتهى. فكون المصلى داخل الباب شاهد لما ذكرنا، وقد صرح بنحوه الإمام أبو عبد الله الأسدي فإنه ذكر المساجد الخارجة عن المدينة، ثم ذكر المساجد التي بالمدينة فقال: وداخل المدينة مصلى رسول الله ﷺ .
سور آل زنكي
وقال المطري بعد ذكره لما تقدم من باب هذا السور القديم: ونقل ابن خلكان أن سور هذا الباب القديم بناه عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاثمائة من الهجرة في أيام الطائع لله ابن المطيع، ثم تهدم على طول الزمان وخرب لخراب المدينة، ولم يبق إلا آثاره حتى جدد لها جمال الدين محمد بن أبي منصور- يعني الجواد الأصبهاني وزير بني زنكي- سورا محكما حول المسجد الشريف على رأس الأربعين وخمسمائة من الهجرة، ثم كثر الناس من خارج السور، ووصل السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها، وذكر ما قدمناه عنه في خاتمة الفصل التاسع والعشرين.
ثم قال: إنه لما ركب متوجها إلى الشام صاح به من كان نازلا حول السور واستغاثوا وطلبوا أن يا بني عليهم سورا يحفظ أبناءهم وماشيتهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، فبنى في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وكتب اسمه على باب البقيع؛ فهو باق إلى تاريخ هذا الكتاب.
قلت: وهو باق على باب البقيع إلى أن كتبنا كتابنا هذا، وصورته في صفحات الحديد المصفح بها الباب: هذا ما أمر بعمله العبد الفقير إلى الله تعالى محمود بن زنكي بن أقسنقر، غفر الله له، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وهذا لا يدل على أنه أنشأ السور.
وعبارة البدر بن فرحون عند ذكره لمحاسن نور الدين الشهيد ﵀ ما لفظه: وبنى
стр. 560
أيضا سور بعلبك، وكمل بناء سور المدينة، وهو سورها الموجود اليوم، واسمه مكتوب على باب البقيع، وأما السور الذي داخل المدينة فإنما أحدثه الوزير جمال الدين محمد بن أبي منصور، وكان وزيرا لوالد الملك العادل يعني زنكي ثم استوزره بعد زنكي ولده غازي بن زنكي يعني أخا الملك العادل؛ فهذا يقتضي أن الملك العادل إنما كمل بناء السور الموجود اليوم فقط، ويبعده ما ذكره من بناء الجواد لسوره؛ فإنه لو كان السور المذكور موجودا لكان هو أكمله ولم ينشئ سورا غيره، ومدة بناء السورين المذكورين متقاربة كما يعلم مما قدمناه.
من ماثر الجواد الأصفهاني
وقال المجد: إن الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن أبي شامة قال في كتابه ما صورته:
ومن أعظم الأعمال التي عملها نفعا- يعني وزير الموصل جمال الدين الجواد- أنه بنى سورا على مدينة النبي ﷺ ، فإنها كانت بغير سور ينهبها الأعراب، وكان أهلها في ضنك وضر معهم.
قال ابن الأثير: رأيت بالمدينة إنسانا يصلي الجمعة، فلما فرغ ترحم على جمال الدين ودعا له، فسألناه عن سبب ذلك، فقال: يجب على كل مسلم بالمدينة أن يدعو له؛ لأننا كنا في ضر وضيق ونكد عيش مع العرب، لا يتركون لأحدنا ما يواريه ويشبع جوعته، فبنى علينا سورا احتمينا به ممن يريدنا بسوء، فاستغنينا، فكيف لا ندعو له؟ قال عقبه: قلت:
وهذا السور الذي بناه جمال الدين هو السور الثاني، والسور الذي بناه الملك العادل نور الدين هو السور الثالث، أي بحسب الزمان، وعلى كل منهما اسم بانيه على الأبواب، وأما السور الأول الذي بناه عضد الدولة فلم يبق منه أثر يعرف به مكانه، انتهى. هكذا نقلته من تاريخ المجد. وبقوله انتهى ظهر أن قوله قلت إلى آخره من كلام ابن أبي شامة، ويحتمل أن يكون من كلام ابن الأثير.
وقال المجد عقبه: قال: وكان الخطيب بالمدينة يقول في خطبته «اللهم صن حريم من صان حرم نبيك بالسور محمد بن علي بن أبي منصور» فلو لم يكن له إلا هذه المكرمة لكفاه فخرا، فكيف وقد أصابت صدقته تخوم الأرض شرقا وغربا وبرا وبحرا؟
وأما شدة عنايته بأهل المدينة فكانت عظيمة، قال ابن الأثير: حكى لي بعض الصوفية ممن كان يصحب الشيخ عمر التشاي شيخ شيوخ الموصل قال: أحضرني الشيخ فقال لي:
انطلق إلى مسجد الوزير بظاهر الموصل واقعد هناك، فإذا أتاك شيء فاحفظه إلى أن أحضر عندك، ففعلت، فإذا قد أقبل جمع كثير من الحمالين يحملون أحمالا من النصافي والخام، وإذا نائب جمال الدين قد جاء مع الشيخ ومعهما قماش كثير وثمانية عشر ألف دينار وعدة كثيرة من الجمال، فقال لي: تأخذ هذه وتسير إلى الرحبة وتوصل هذه الرزمة وهذا الكتاب إلى
стр. 561
متوليها فلان، فإذا حضر لك فلان العربي فتوصل إليه هذه الرزمة الآخرى وهذا الكتاب وتسير معه، فإذا أوصلك إلى فلان العربي توصل إليه هذه الرزمة وهذا الكتاب، وهكذا إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فتوصل إلى وكيلي فلان هذه الأحمال، وهذه الكسوات والمال الذي عليه اسم المدينة ليخرجها بمقتضى هذه الجريدة، ثم تأخذ الباقي الذي عليه اسم مكة فتسير إليها فيتصدق به وكيلي بموجب الجريدة الآخرى، فسرنا بذلك إلى وادي القرى، فرأينا هناك جمالا كثيرة تحمل الطعام إلى المدينة، وقد منعهم خوف الطريق، فلما رأونا ساروا معنا إليها فوصلناها والحنطة بها كل صاعين بدينار مصري، والصاع- أي: في ذلك الزمان- خمسة عشر رطلا بالبغدادي، فلما رأوا المال والطعام اشتروا كل سبعة آصع بدينار، فانقلبت المدينة بالدعاء له.
قلت: وقد قدمنا كيفية نقله إلى المدينة الشريفة بعد موته ودفنه بتربته التي برباطه المجاور للمسجد الشريف عند ذكر باب عثمان وهو باب جبريل لمقابلته له، وتقدم ذكره أيضا في ترخيم الحجرة الشريفة.
ومن أعماله الحسنة: تجديد مسجد الخيف، وإجراء عين عرفة، وبناء جدار الحجرة وترخيمه، وتجديد باب الكعبة، وكان النعش الذي حمل فيه هو باب الكعبة القديم، وفيه يقول أبو المجد بن قسيم:
أغرّ تبصر منه الناس في رجل ... واللّيث في بشر، والبدر في غصن
سما بهمته في المكرمات إلى ... علياء تقصر عنها همّة الزّمن
إلى أن قال فيه:
صان المدينة تسويرا وصوّرها ... في الحسن غادة ملك الشام واليمن
وصان بالمال أهليها فما بقيت ... هزلاء إلّا تشكّت كثرة السّمن
أبواب السور
ولسور المدينة اليوم أربعة أبواب غير باب حصن أمير المدينة المعروف بباب السر، وهو باب عظيم كله من الحديد.
وأما الأبواب الأربعة:
فأحدها: [يعرف بدرب المصلى]
الباب الذي غربي المدينة في جهة المصلى عند منزلة الحاج المصري، ويعرف بدرب المصلى، ودرب سويقة، وذرع ما بينه وبين عتبة باب السلام ستمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا، وكان عليه باب متقن أحرقه بعض صبيان الأمير ضغيم سنة عزله، فأخذ أمير المدينة باب الحوش الذي عمره الأمير ضغيم وجعله عليه، ثم عمل باب متقن كالأول في عمارة المسجد المتجددة بعد الحريق الثاني.
стр. 562
ثانيها: [يعرف بالدرب الصغير]
الباب الذي في جهة المغرب أيضا عند رحبة حصن أمير المدينة يعرف بالدرب الصغير.
ثالثها: [يعرف بالدرب الكبير]
الباب المعروف بالدرب الكبير، وبالدرب الشامي.
رابعها: [يعرف بدرب البقيع]
الباب المعروف بدرب البقيع في شرقي المدينة، ويعرف بدرب الجمعة، وعليه باب متقن مغشى بصفائح الحديد، والظاهر أنه باق من زمن نور الدين الشهيد لما قدمناه من الكتابة عليه.
وذرع ما بينه وبين عتبة باب المسجد المعروف بباب جبريل أربعمائة ذراع وثلاثة وثلاثون ذراعا.
وفي قبلة سور المدينة موضع باب مسدود اليوم، وكان يعرف بدرب السوارقية.
ولم يزل الملوك يهتمون بعمارة سور المدينة، ويصلحون ما وهى منه.
وقد ذكر الزين المراغي أنه جدّد في سنة خمس وخمسين وسبعمائة في أيام الملك الصالح صالح أحد أولاد الناصر محمد بن قلاوون.
وذكر البدر بن فرحون أن الأمير سعد بن ثابت بن حماد ابتدأ في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة عمل الخندق الذي حول السور المذكور، ومات ولم يكمله، وأكمله الأمير فضل بن قاسم بن حماد في ولايته بعده، والله أعلم.
تم- بحمد الله تعالى وحوله- الجزء الثاني من كتاب «وفاء الوفا، بأخبار دار المصطفى» ﷺ . ويليه- إن شاء الله- الجزء الثالث، وأوله «الباب الخامس، في مصلى النبي ﷺ في الأعياد» نسأله- جلت قدرته- أن يعين على إكماله، بمنه وفضله وتيسيره، إنه لا ييسر إلى الخير سواه.
стр. 563
فهرس الجزء الثاني
الفصل الرابع الروايات في حنين الجذع ٣
صانع المنبر ٥
موضع الجذع ٦
شهرة حديث حنين الجذع ٧
الموضع الذي دفن فيه الجذع ٧
بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع ٧
عود إلى الاختلاف في صانع المنبر ٨
أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام ١٠
رفع المنبر ست درجات ١٠
عدد درجات المنبر ١١
مساحة المنبر ١٢
كسوة المنبر ٢٠
ستور الأبواب كسوة الحجارة ٢٠
الفصل الخامس في فضائل المسجد الشريف ٢٠
المسجد الذي أسس على التقوى ٢١
فضل مسجد رسول الله ﷺ ٢١
فضل الصلاة في مسجد الرسول ﷺ ٢٢
هل فضل الصلاة في المساجد الثلاثة يختص بالفرض؟ ٢٦
مرجع مضاعفة فضل الصلاة ٢٧
هل يختص التضعيف بالصلاة؟ ٢٧
الفصل السادس في فضل المنبر المنيف، والروضة الشريفة ٢٩
معنى كون المنبر على الحوض ٣١
معنى أن الروضة من رياض الجنة ٣١
الفصل السابع في الأساطين المنيفة ٣٨
الأسطوان المخلق ٣٨
أسطوان القرعة ٣٩
стр. 564
أسطوان التوبة ٤٠
أسطوان السرير ٤٤
أسطوان المحرس ٤٥
أسطوان الوفود ٤٥
أسطوان مربعة القبر ٤٦
أسطوان التهجد ٤٦
الفصل الثامن في الصّفة وأهلها، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد ٤٨
وصف الصفة وموضعها ٤٨
أهل الصفة ٤٩
مبدأ تعليق الأقناء ٥١
الفصل التاسع في الحجرة الشريفة، وبيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب ٥٢
المشربة ٥٥
الفصل العاشر في حجرة فاطمة بنت النبي ﷺ ورضي الله عنها ٥٧
الفصل الحادي عشر في الأمر بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد الشريف ٦٠
الفصل الثاني عشر في زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد ٦٧
بين عمر والعباس ٦٨
الفصل الثالث عشر في البطيحاء التي بناها عمر ﵁ بناحية المسجد، ومنعه من إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه، وما جاء في ذلك ٧٨
الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان ﵁ ٨١
الفصل الخامس عشر في المقصورة التي اتخذها عثمان ﵁ في المسجد وما كان من أمرها بعده ٨٧
الفصل السادس عشر في زيادة الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز ٨٩
الفصل السابع عشر فيما اتخذه عمر في المسجد في زيادة الوليد من المحراب والشّرفات والمنائر، واتخاذ الحرس، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه ٩٨
أول من أحدث المحراب والشرفات ٩٨
عثمان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين ١٠٢
اتخاذ حرس للمسجد ١٠٢
الصلاة على الجنائز في المساجد ١٠٢
الشيعة غير الأشراف ١٠٣
стр. 565
الفصل الثامن عشر في زيادة المهدي ١٠٥
الفصل التاسع عشر فيما كانت عليه الحجرة الشريفة الحاوية للقبور المنيفة في مبدأ
الأمر ١٠٨
أول من بنى جدارا على بيت عائشة ١٠٩
الفصل العشرون فيما حدث من عمارة الحجرة بعد ذلك، والحائز الذي أدير عليها ١١١
الفصل الحادي والعشرون فيما روي من الاختلاف في صفة القبور الشريفة، بالحجرة المنيفة ١١٥
رواية نافع في وضع القبور ١١٥
رواية القاسم بن محمد ١١٦
رواية عثمان بن نسطاس ١١٧
رواية المنكدر بن محمد ١١٧
رواية عمرة عن عائشة ١١٨
رواية أخرى عن القاسم بن محمد ١١٨
رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ١١٩
بقي بعدها موضع قبر ١٢١
الملائكة يحفون بالقبر ١٢٢
لا ينبغي رفع الصوت في المسجد ١٢٢
سنة أهل المدينة في أعوام الجدب ١٢٣
الفصل الثاني والعشرون فيما ذكروه من صفة الحجرة الشريفة، والحائز المخمس الدائر عليها، وبيان ما شاهدناه مما يخالف ذلك ١٢٣
الفصل الثالث والعشرون في عمارة اتفقت بالحجرة الشريفة على ما نقله الأقشهري عن ابن عاث، وما وقع من الدخول إليها عند الحاجة له وتأزيرها بالرخام ١٣٠
الفصل الرابع والعشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، والمسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، ومقام جبريل من الحجرة الشريفة، وكسوتها، وتخليقها ١٣٣
كسوة الحجرة النبوية ١٣٨
الفصل الخامس والعشرون في قناديل الذهب والفضة التي تعلق حول الحجرة الشريفة، وغيرها من معاليقها ١٤٠
القناديل ١٤٠
حكم معاليق المسجد النبوي ١٤٥
الفصل السادس والعشرون في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة