← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

متوليها فلان، فإذا حضر لك فلان العربي فتوصل إليه هذه الرزمة الآخرى وهذا الكتاب وتسير معه، فإذا أوصلك إلى فلان العربي توصل إليه هذه الرزمة وهذا الكتاب، وهكذا إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فتوصل إلى وكيلي فلان هذه الأحمال، وهذه الكسوات والمال الذي عليه اسم المدينة ليخرجها بمقتضى هذه الجريدة، ثم تأخذ الباقي الذي عليه اسم مكة فتسير إليها فيتصدق به وكيلي بموجب الجريدة الآخرى، فسرنا بذلك إلى وادي القرى، فرأينا هناك جمالا كثيرة تحمل الطعام إلى المدينة، وقد منعهم خوف الطريق، فلما رأونا ساروا معنا إليها فوصلناها والحنطة بها كل صاعين بدينار مصري، والصاع- أي: في ذلك الزمان- خمسة عشر رطلا بالبغدادي، فلما رأوا المال والطعام اشتروا كل سبعة آصع بدينار، فانقلبت المدينة بالدعاء له. قلت: وقد قدمنا كيفية نقله إلى المدينة الشريفة بعد موته ودفنه بتربته التي برباطه المجاور للمسجد الشريف عند ذكر باب عثمان وهو باب جبريل لمقابلته له، وتقدم ذكره أيضا في ترخيم الحجرة الشريفة. ومن أعماله الحسنة: تجديد مسجد الخيف، وإجراء عين عرفة، وبناء جدار الحجرة وترخيمه، وتجديد باب الكعبة، وكان النعش الذي حمل فيه هو باب الكعبة القديم، وفيه يقول أبو المجد بن قسيم: أغرّ تبصر منه الناس في رجل ... واللّيث في بشر، والبدر في غصن سما بهمته في المكرمات إلى ... علياء تقصر عنها همّة الزّمن إلى أن قال فيه: صان المدينة تسويرا وصوّرها ... في الحسن غادة ملك الشام واليمن وصان بالمال أهليها فما بقيت ... هزلاء إلّا تشكّت كثرة السّمن أبواب السور ولسور المدينة اليوم أربعة أبواب غير باب حصن أمير المدينة المعروف بباب السر، وهو باب عظيم كله من الحديد. وأما الأبواب الأربعة: فأحدها: [يعرف بدرب المصلى] الباب الذي غربي المدينة في جهة المصلى عند منزلة الحاج المصري، ويعرف بدرب المصلى، ودرب سويقة، وذرع ما بينه وبين عتبة باب السلام ستمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا، وكان عليه باب متقن أحرقه بعض صبيان الأمير ضغيم سنة عزله، فأخذ أمير المدينة باب الحوش الذي عمره الأمير ضغيم وجعله عليه، ثم عمل باب متقن كالأول في عمارة المسجد المتجددة بعد الحريق الثاني.

стр. 562

ثانيها: [يعرف بالدرب الصغير] الباب الذي في جهة المغرب أيضا عند رحبة حصن أمير المدينة يعرف بالدرب الصغير. ثالثها: [يعرف بالدرب الكبير] الباب المعروف بالدرب الكبير، وبالدرب الشامي. رابعها: [يعرف بدرب البقيع] الباب المعروف بدرب البقيع في شرقي المدينة، ويعرف بدرب الجمعة، وعليه باب متقن مغشى بصفائح الحديد، والظاهر أنه باق من زمن نور الدين الشهيد لما قدمناه من الكتابة عليه. وذرع ما بينه وبين عتبة باب المسجد المعروف بباب جبريل أربعمائة ذراع وثلاثة وثلاثون ذراعا. وفي قبلة سور المدينة موضع باب مسدود اليوم، وكان يعرف بدرب السوارقية. ولم يزل الملوك يهتمون بعمارة سور المدينة، ويصلحون ما وهى منه. وقد ذكر الزين المراغي أنه جدّد في سنة خمس وخمسين وسبعمائة في أيام الملك الصالح صالح أحد أولاد الناصر محمد بن قلاوون. وذكر البدر بن فرحون أن الأمير سعد بن ثابت بن حماد ابتدأ في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة عمل الخندق الذي حول السور المذكور، ومات ولم يكمله، وأكمله الأمير فضل بن قاسم بن حماد في ولايته بعده، والله أعلم. تم- بحمد الله تعالى وحوله- الجزء الثاني من كتاب «وفاء الوفا، بأخبار دار المصطفى» ﷺ . ويليه- إن شاء الله- الجزء الثالث، وأوله «الباب الخامس، في مصلى النبي ﷺ في الأعياد» نسأله- جلت قدرته- أن يعين على إكماله، بمنه وفضله وتيسيره، إنه لا ييسر إلى الخير سواه.

стр. 563

فهرس الجزء الثاني الفصل الرابع الروايات في حنين الجذع ٣ صانع المنبر ٥ موضع الجذع ٦ شهرة حديث حنين الجذع ٧ الموضع الذي دفن فيه الجذع ٧ بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع ٧ عود إلى الاختلاف في صانع المنبر ٨ أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام ١٠ رفع المنبر ست درجات ١٠ عدد درجات المنبر ١١ مساحة المنبر ١٢ كسوة المنبر ٢٠ ستور الأبواب كسوة الحجارة ٢٠ الفصل الخامس في فضائل المسجد الشريف ٢٠ المسجد الذي أسس على التقوى ٢١ فضل مسجد رسول الله ﷺ ٢١ فضل الصلاة في مسجد الرسول ﷺ ٢٢ هل فضل الصلاة في المساجد الثلاثة يختص بالفرض؟ ٢٦ مرجع مضاعفة فضل الصلاة ٢٧ هل يختص التضعيف بالصلاة؟ ٢٧ الفصل السادس في فضل المنبر المنيف، والروضة الشريفة ٢٩ معنى كون المنبر على الحوض ٣١ معنى أن الروضة من رياض الجنة ٣١ الفصل السابع في الأساطين المنيفة ٣٨ الأسطوان المخلق ٣٨ أسطوان القرعة ٣٩

стр. 564

أسطوان التوبة ٤٠ أسطوان السرير ٤٤ أسطوان المحرس ٤٥ أسطوان الوفود ٤٥ أسطوان مربعة القبر ٤٦ أسطوان التهجد ٤٦ الفصل الثامن في الصّفة وأهلها، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد ٤٨ وصف الصفة وموضعها ٤٨ أهل الصفة ٤٩ مبدأ تعليق الأقناء ٥١ الفصل التاسع في الحجرة الشريفة، وبيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب ٥٢ المشربة ٥٥ الفصل العاشر في حجرة فاطمة بنت النبي ﷺ ورضي الله عنها ٥٧ الفصل الحادي عشر في الأمر بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد الشريف ٦٠ الفصل الثاني عشر في زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد ٦٧ بين عمر والعباس ٦٨ الفصل الثالث عشر في البطيحاء التي بناها عمر ﵁ بناحية المسجد، ومنعه من إنشاد الشعر ورفع الصوت فيه، وما جاء في ذلك ٧٨ الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان ﵁ ٨١ الفصل الخامس عشر في المقصورة التي اتخذها عثمان ﵁ في المسجد وما كان من أمرها بعده ٨٧ الفصل السادس عشر في زيادة الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز ٨٩ الفصل السابع عشر فيما اتخذه عمر في المسجد في زيادة الوليد من المحراب والشّرفات والمنائر، واتخاذ الحرس، ومنعهم من الصلاة على الجنائز فيه ٩٨ أول من أحدث المحراب والشرفات ٩٨ عثمان أول من خلق المسجد ورزق المؤذنين ١٠٢ اتخاذ حرس للمسجد ١٠٢ الصلاة على الجنائز في المساجد ١٠٢ الشيعة غير الأشراف ١٠٣

стр. 565

الفصل الثامن عشر في زيادة المهدي ١٠٥ الفصل التاسع عشر فيما كانت عليه الحجرة الشريفة الحاوية للقبور المنيفة في مبدأ الأمر ١٠٨ أول من بنى جدارا على بيت عائشة ١٠٩ الفصل العشرون فيما حدث من عمارة الحجرة بعد ذلك، والحائز الذي أدير عليها ١١١ الفصل الحادي والعشرون فيما روي من الاختلاف في صفة القبور الشريفة، بالحجرة المنيفة ١١٥ رواية نافع في وضع القبور ١١٥ رواية القاسم بن محمد ١١٦ رواية عثمان بن نسطاس ١١٧ رواية المنكدر بن محمد ١١٧ رواية عمرة عن عائشة ١١٨ رواية أخرى عن القاسم بن محمد ١١٨ رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ١١٩ بقي بعدها موضع قبر ١٢١ الملائكة يحفون بالقبر ١٢٢ لا ينبغي رفع الصوت في المسجد ١٢٢ سنة أهل المدينة في أعوام الجدب ١٢٣ الفصل الثاني والعشرون فيما ذكروه من صفة الحجرة الشريفة، والحائز المخمس الدائر عليها، وبيان ما شاهدناه مما يخالف ذلك ١٢٣ الفصل الثالث والعشرون في عمارة اتفقت بالحجرة الشريفة على ما نقله الأقشهري عن ابن عاث، وما وقع من الدخول إليها عند الحاجة له وتأزيرها بالرخام ١٣٠ الفصل الرابع والعشرون في الصندوق الذي في جهة الرأس الشريف، والمسماة الفضة المواجه للوجه الشريف، ومقام جبريل من الحجرة الشريفة، وكسوتها، وتخليقها ١٣٣ كسوة الحجرة النبوية ١٣٨ الفصل الخامس والعشرون في قناديل الذهب والفضة التي تعلق حول الحجرة الشريفة، وغيرها من معاليقها ١٤٠ القناديل ١٤٠ حكم معاليق المسجد النبوي ١٤٥ الفصل السادس والعشرون في الحريق الأول القديم المستولي على تلك الزخارف المحدثة

стр. 566

بالحجرة الشريفة والمسجد وسقفهما، وما أعيد من ذلك، وما تجدد من توسعة المسقف القبلي بزيادة الرواقين فيه، وغير ذلك ١٥٠ سبب الحريق وتاريخه ١٥٠ حكمة الله في الحريق ١٥١ الشروع في العمارة بعد الحريق ١٥٢ الفصل السابع والعشرون في اتخاذ القبة الزرقاء التي جعلت على ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة بأعلى سقف المسجد، تمييزا لها، وإبدالها بالقبة الخضراء والمقصورة الدائرة بالحجرة الشريفة ١٥٧ القبة الزرقاء ١٥٧ المقصورة الدائرة على الحجرة ١٥٩ الفصل الثامن والعشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، وما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، ومشاهدة وضعه المنيف، وتصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة ١٦٤ الفصل التاسع والعشرون في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة وما ترتب عليه ١٧٥ خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، وذكر السبب في ذلك، وما ناسبه ١٨٥ الفصل الثلاثون في تحصيب المسجد الشريف وذكر البزاق فيه، وتخليقه، وإجماره، وذكر شيء من أحكامه ١٩٠ أول تحصيب المسجد النبوي ١٩٠ حكم البزاق في المسجد ١٩١ مبدأ تخليق المسجد ١٩٣ تخليق القبر ١٩٥ تجمير المساجد ١٩٥ فرش المساجد ١٩٦ الحدث في المسجد ١٩٨ القراءة في المصحف بالمسجد ١٩٨ بعث المصاحف إلى بالمسجد ١٩٩ مصاحف عثمان التي أرسلها إلى الآفاق ٢٠٠

стр. 567

تعليق المصابيح في المسجد وصف عام ٢٠١ الفصل الحادي والثلاثون فيما احتوى عليه المسجد من الأروقة والأساطين والبالوعات والسقايات والدروع، وغير ذلك مما يتعلق به من الرسوم ٢٠١ وصف عام ٢٠١ جدران المسجد ٢٠٢ عدد أساطين المسجد ٢٠٣ عدد بالوعات المسجد ٢٠٦ سقايات المسجد ٢٠٦ حواصل المسجد ٢٠٨ قناديل المسجد ٢٠٨ في صحن المسجد نخيل مغروسة ٢٠٩ أئمة المسجد ٢١٠ عرض جدر المسجد ٢١٠ الفصل الثاني والثلاثون في أبواب المسجد وما سد منها، وما بقي، وما يحاذيها من الدور قديما وحديثا ٢١٢ أبواب المسجد ٢١٢ باب النبي ﷺ ٢١٣ باب علي ٢١٤ باب عثمان باب جبريل ٢١٤ باب ريطة (باب النساء) ٢١٦ باب سادس ٢١٧ باب سابع ٢١٧ باب ثامن ٢١٨ أبواب المسجد الشامية ٢١٨ باب تاسع ٢١٩ باب عاشر ٢١٩ الباب الحادي عشر ٢١٩ الباب الثاني عشر ٢١٩ الباب الثالث عشر ٢١٩ الباب الرابع عشر ٢٢٠

стр. 568

الباب الخامس عشر ٢٢٠ الباب السادس عشر ٢٢٠ باب عاتكة (باب السوق) (وباب الرحمة) ٢٢٠ باب زياد (باب القضاء) ٢٢١ خوخة تجاه خوخة أبي بكر ٢٢٥ الفصل الثالث والثلاثون في خوخة آل عمر رضي الله تعالى عنه المتقدم ذكرها، وما يتعين من سدّها في زماننا ٢٢٧ تحديد موضع خوخة آل عمر ٢٢٧ اتخاذ بعض الناس بابا وسيلة للتدجيل ٢٢٨ حج السلطان قايتباي ٢٣٠ وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة ٢٣٢ من آثار قايتباي بالحرمين الشريفين ٢٣٤ الفصل الرابع والثلاثون فيما كان مطيفا بالمسجد الشريف من الدور، وما كان من خبرها، وجلّ ذلك من منازل المهاجرين رضي الله تعالى عنهم ٢٣٥ رسول الله يخط دور المدينة ٢٣٥ دار آل عمر بن الخطاب ٢٣٥ بيت لأبي بكر الصديق صار لآل عمر ٢٣٦ دار مروان بن الحكم ٢٣٧ دار رباح ودار المقداد ٢٣٨ دار مطيع بن الأسود ٢٣٨ دار حكيم بن حزام ٢٣٩ دار عبد الله بن مكمل ٢٣٩ دار النحام ٢٤٠ دار جعفر بن يحيى ٢٤٠ دار نصير ٢٤١ دار منيرة مولاة أم موسى ٢٤١ حش طلحة ٢٤١ أبيات خالصة ٢٤٢ دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف ٢٤٢ دار موسى المخزومي ٢٤٣

стр. 569

أبيات الصوافي ٢٤٣ دار خالد بن الوليد ٢٤٤ دار أسماء بنت حسين ٢٤٤ دار ريطة ٢٤٥ دار عثمان بن عفان ٢٤٥ دار أبي أيوب الأنصاري ٢٤٦ دار جعفر الصادق ٢٤٦ دار حسن بن زيد ٢٤٦ دار فرج الخصي ٢٤٦ دار عامر بن الزبير بن العوام ٢٤٧ الفصل الخامس والثلاثون في البلاط، وبيان ما ظهر لنا مما كان حوله من منازل المهاجرين ٢٤٧ تحديد مكان البلاط ٢٤٧ حدود البلاط ٢٤٨ بيان الدور المطيفة بالبلاط ٢٥١ الفصل السادس والثلاثون فيما جاء في سوق المدينة التي تصدق به النبي ﷺ على المسلمين، وذكر دار هشام ابن عبد الملك التي أخذ بها السوق ٢٥٦ الرسول ينشئ السوق ٢٥٦ أسواق المدينة في الجاهلية ٢٥٦ هدم الدار التي وضعت مكان السوق ٢٦٠ بيت أم كلاب ٢٦١ البطحاء ٢٦١ بقيع الخيل ٢٦١ بركة السوق ٢٦٢ الفصل السابع والثلاثون في منازل القبائل من المهاجرين، ثم اتخاذ السور على المدينة ٢٦٣ منازل بني غفار ٢٦٣ منازل بني ليث بن بكر ٢٦٤ منازل بني ضمرة بن بكر ٢٦٥ منازل بني الديل ٢٦٥ منازل ابني أفصى ٢٦٦

стр. 570

منازل مزينة ومن حل معها ٢٦٦ منازل بني جشم ٢٦٨ منازل بني كعب بن عمرو، وإخوتهم من بني المصطلق ٢٦٩ سعة المدينة في عهد النبي ٢٦٩ اتخاذ سور المدينة ٢٦٩ سور آل زنكي ٢٧٠ من ماثر الجواد الأصفهاني ٢٧١ أبواب السور ٢٧٢

стр. 571

الجزء الثالث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب الخامس في مصلّى النبي ﷺ في الأعياد، وغير ذلك من المساجد التي صلّى فيها النبي ﷺ ، مما علمت عينه أو جهته، بالمدينة وما حولها، وما جاء في مقبرتها ومن دفن بها، والمشاهد المعروفة، وفضل أحد والشّهداء به. وفيه سبعة فصول: الفصل الأول في المصلّى في الأعياد، وفيه أطراف [الطرف] الأول: في الأماكن التي صلّى فيها النبي ص العيد . أول عيد صلاه النبي بالمصلى قال الواقديّ: أول عيد صلى رسول الله ﷺ بالمصلّى سنة اثنتين من مقدمه المدينة من مكة، وحملت له العنزة وهو يومئذ يصلي إليها في الفضاء، وكانت العنزة للزبير بن العوام، أعطاه إياها النّجاشي فوهبها للنبي ﷺ ؛ فكان يخرج بها بين يديه يوم العيد، وهي اليوم بالمدينة عند المؤذنين، يعني يخرجون بها بين يدي الأئمة في زمانهم. وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال: لما رجعنا من بني فينقاع ضحينا أول أضحى في ذي الحجة صبيحة عشر، فكان أول أضحى رآه المسلمون، وذبح أهل اليسر من بني سلمة، فعددت في بني سلمة سبع عشرة أضحية. مكان مصلى العيد وروى ابن زبالة وابن شبة عن أبي هريرة قال: أول فطر وأضحى صلى فيه رسول الله ﷺ للناس بالمدينة بفناء دار حكيم بن العداء عند أصحاب المحامل. وروى الثاني عن ابن أبي فروة أن النبي ﷺ صلى في ذلك المكان. وروى الأول عنه ما يقتضيه؛ فإنه روى عن إبراهيم بن أبي أمية قال: أدركت مسجدّا في زمان عثمان عند حرف زاوية أبي يسار عند أصحاب المحامل، وليس ثم مسجد غيره، وذلك المسجد هو الذي صلّى فيه النبي ﷺ يوم أضحى، وضحّى هناك هو وأصحابه حتى احتملت ضحاياهم من عنده. قال: وأخبرني من رأى الأنصار يحملون ضحاياهم من هناك، ثم روى عن ابن أبي

стр. 572

فروة قال: إن النبي ﷺ صلّى في ذلك المسجد وهو خلف المجزرة التي بفناء دار العداء بن خالد، وبقال لها: دار أبي يسار. قلت: فالروايات المذكورة متّفقة على الصلاة بالمحلّ المذكور، ودار حكيم بن العداء هي دار أبيه العداء بن خالد بن هوذة بن بكر بن هوازن؛ فلا مخالفة في ذلك، ولم أعلم محل داره، غير أن الظاهر من قوله «عند أصحاب المحامل» أنه موضع بأعلى السوق مما يلي المصلى، وفي أول الروايات المذكورة بيان أن الصلاة فيه كانت في أول الأمر. تعدد موضع صلاة العيد وروى ابن زبالة أيضا ما يخالف بالنسبة إلى الأولية عن إبراهيم بن أبي أمية عن شيخ من أهل السنّ والثقة قال: أول عيد صلّاه رسول الله ﷺ صلى في حارة الدوس عند بيت ابن أبي الجنوب، ثم صلى العيد الثاني بفناء دار حكيم عند دار حفرة داخلا في البيت الذي بفنائه المسجد، ثم صلى العيد الثالث عند دار عبد الله بن درة المزني داخلا بين الدارين دار معاوية ودار كثير بن الصّلت، ثم صلى العيد الرابع عند أحجار كانت عند الحناطين بالمصلى، ثم صلى داخلا في منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، ثم صلى حيث يصلي الناس اليوم. وروى ابن شبة من طريق إبراهيم بن أبي أمية مولى بني عامر بن لؤي قال: سمعت ابن باكية يقول: صلى رسول الله ﷺ العيد عند دار الشفّاء، ثم صلى في حارة الدوس، ثم صلى في المصلى؛ فثبت يصلّى فيه حتى توفاه الله تعالى. وروى أيضا عن ابن شهاب قال: صلى النبي ﷺ العيد في موضع آل درة، وهم حي من مزينة، ثم صلى دون ذلك في مكان أطم بني زريق عند أذنه اليسرى. قلت: قوله «ثم صلى في المصلى فثبت يصلي فيه حتى توفاه الله تعالى» هو بمعنى قوله في الرواية التي قبلها «ثم صلى حيث يصلي الناس اليوم» يعني بالمسجد المعروف بمسجد المصلى. بين مصلى العيد وباب السلام ألف ذراع وقد نقل ابن شبة عن شيخه أبي غسّان وهو الكناني من أصحاب مالك أنه قال: ذرع ما بين مسجد رسول الله ﷺ الذي عنده دار مروان بن الحكم وبين المسجد الذي يصلي فيه العيد بالمصلى ألف ذراع. قلت: وقد اختبرته فكان كذلك، وهذا المسجد هو المراد بقوله في حديث ابن عباس في الصحيح «إن النبي ﷺ أتى في يوم عيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت الحديث» وكأنهم كانوا قبل اتخاذ المسجد بذلك المحل جعلوا الصلاة الشريف شيئا يعرف به، وهو المراد بالعلم بفتحتين. وقال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلي في العيد، وهي تطل على

стр. 573

بطحان الوادي في وسط المدينة، انتهى. وليس المراد أنها متصلة بوادي بطحان، بل بينهما بعد. ودار كثير هذه كانت قبله للوليد بن عقبة، ثم اشتهرت بكثير بن الصلت، وهو من التابعين، ولد في زمن النبي ﷺ فوقع التعريف بداره ليقرب إلى ذهن السامع فهم ذلك، وليس كثير بن الصلت هو الذي اختطها، خلافا لما وقع في كلام الحافظ ابن حجر حيث قال: وإنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبي ﷺ بمدة، لكنها لما كانت شهيرة في تلك البقعة وصف المصّلى بمجاورتها، انتهى. ومأخذنا فيما قدمناه قول ابن شبة في دور بني عبد شمس ونوفل: واتخذ الوليد بن عقبة بن أبي معيط الدار التي في مصلى رسول الله ﷺ التي صلى إليها العيد، وهي يصلي إليها اليوم لآل كثير بن الصلت الكندي، فجلد عثمان الوليد في الشراب، فحلف لا يساكنه إلا وبينهما بطن واد، فعارض كثير بن الصلت بداره هذه إلى دار كثير ببطحان التي يقال لها دار الوليد بن عقبة في شفير الوادي، أي من العدوة الغربية كما بينه في موضع آخر. تحديد المواضع التي صلى فيها العيد وأما الموضع المذكور لصلاة العيد أولا عند أصحاب المحامل- وهم الذين يبيعون المحامل ويصنعونها- فيظهر أنه المسجد المعروف اليوم بمسجد علي رضي الله تعالى عنه الآتي ذكره. وأما الموضع المذكور في الرواية الآخرى عند دار بن أبي الجنوب فلم أعلم محله، غير أن دار ابن أبي الجنوب كانت بالحرّة الغربية التي غربي وادي بطحان كما يؤخذ مما سيأتي في الخندق ومسجد الشجرة والمغرس. وأما الموضع المذكور في قوله «عند دار عبد الله بن درة المزني إلى آخره» فقد تقدم أن منازل مزينة كانت في غربي المصلى وفي قبلتها. وتقدم أن دار كثير بن الصّلت كانت قبلة المصلى، ودار معاوية رضي الله تعالى عنه كانت في مقابلتها، وسيأتي في بيان طريقه ﷺ إلى قباء أنه كان يمر على المصلى ثم يسلك في موضع الزقاق بين الدارين المذكورتين؛ فيكون ذلك المحل في قبلة المصلى اليوم: إما من المغرب، وإما من المشرق، والأول هو الأقرب. وأما بقية المواضع المذكورة فلم أعرف جهاتها، غير أن الذي يظهر أنها حول المصلى، وبعضها بسوق المدينة، لذكر الحناطين فيها، وسيأتي في مشهد مالك بن سنان أنه بطرف الحناطين، والظاهر أن من هذه المواضع المسجد المعروف اليوم بمسجد أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالحديقة المعروفة بالعريضية، كما سيأتي عن المطري. وأما ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ يوم أضحى إلى البقيع فصلى ركعتين ثم أقبل

стр. 574

علينا بوجهه وخطب وقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر- الحديث؛ فظاهره أن المراد بقيع الغرقد، لكني أستبعده؛ لأن المتقدمين من مؤرخي المدينة لم يذكروا ذلك مع اشتهار هذا الحديث، وكذلك المطري ومن تبعه. وأغرب الحافظ ابن حجر فقال في الكلام على ترجمة البخاري للرجم بالمصلّى: المراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز، وهو من ناحية بقيع الغرقد، اه. ومأخذه في ذلك ظاهر هذا الحديث، مع ما ورد من رواية أخرى من الرجم عند موضع الجنائز، وقد تقدم أن موضع الجنائز في شرقي المسجد عند باب جبريل، وليس هو من البقيع، وأما المصلي حيث أطلقت فإنما يراد بها الموضع المعروف الذي قدمناه في غربي المدينة، وبقيع الغرقد في شرقيها، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في موضع آخر على الصواب كما سيأتي عنه في الطرف الثاني، وعلى تقدير أن يكون المراد من حديث البراء المتقدم بقيع الغرقد فهو من المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ في بعض السنين، وليس هو المراد إذا أطلق المصلى جزما. والذي يترجح عندي أن المراد بالبقيع في حديث البراء سوق المدينة؛ لما قدمناه فيه من أنه كان يسمى بقيع الجبل، وهو أحد الأماكن المتقدم ذكرها لصلاة العيد، وكذلك هو المراد من حديث ابن عمر «أني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير» كما قدمناه. وقال الجمال المطري عقب نقله لما قدمناه عن ابن زبالة: ولا يعرف من المساجد التي ذكر لصلاة العيد إلا هذا المسجد الذي يصلي فيه اليوم، ومسجد شمالية وسط الحديقة المعروفة بالعريضي المتصلة بقبة عين الأزرق، ويعرف اليوم بمسجد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ولعله صلى فيه في خلافته، ومسجد كبير شمالي الحديقة متصل بها يسمى مسجد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولم يرد أنه ﵁ صلى بالمدينة عيدا في خلافته؛ فتكون هذه المساجد الموجودة اليوم من الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ صلاة العيد سنة بعد سنة وعيدا بعد عيد؛ إذ لا يختص أبو بكر وعلي رضى الله عنهما بمسجدين لأنفسهما ويتركان المسجد الذي صلى فيه النبي ﷺ ، انتهى. قلت: ما ذكره من أنه لم يرد أن عليا رضي الله تعالى عنه صلى بالمدينة عيدا في خلافته، أي فلا تظهر نسبة المسجد المذكور إليه، وكأنه لم يقف على ما رواه ابن شبة عن سعد بن عبيد مولى ابن أزهر قال: صليت العيد مع علي ﵁ وعثمان ﵁ محصور؛ فصلى ثم خطب بعد الصلاة. وروى أيضا عن الزهري قال: صلى سهل بن حنيف وعثمان محصور الجمعة، وصلى يوم العيد علي بن أبي طالب؛ فالظاهر أنه صلى حينئذ بذلك المكان لكونه أحد المصليات التي صلى فيها النبي ﷺ ، لا أنه ابتكر الصلاة فيه، والله أعلم.

стр. 575

مصلى العيد بالصحراء ولم يكن المصلي في زمن النبي ﷺ مسجدّا، بل كانت صحراء لا بناء بها، ونهى ﷺ عن البناء بها كما سيأتي، ولهذا وقع الرجم بها. وذهب بعض العلماء إلى أن المصلى يثبت لها حكم المسجد، وإن لم يوقف، وهو مردود؛ فإن من شاهد مصلا ﷺ وما ذكر من امتدادها إلى سوق المدينة كما قدمناه فيه وما بها من الدور والشوارع علم عدم صحة ذلك، وحمل الرجم المذكور في الحديث على أنه وقع بالقرب منها خلاف مقتضى اللفظ والمسجد المتخذ بها اليوم إنما هو في بعضها، وهو المحل الذي قام به النبي ﷺ ، وكذلك المسجدان الآخران، والظاهر أن بناء الثلاثة كان في زمن عمر بن عبد العزيز. وقد قدمنا ذكر الأول منها، وهو المعروف اليوم بمسجد المصلى فيما نقله ابن شبة عن أبي غسان من الذّرع؛ لما بينه وبين المسجد النبوي. والثاني المنسوب إلى أبي بكر الصديق ﵁ بالحديقة المذكورة عن يساره مخزن لدواب الحديقة المذكورة، ومدخل الدواب من باب المسجد الذي في شاميه، فيمتهنه أهل الحديقة بمرور البهائم منه، وربما حبسوها فيه، فدخلته مرة فوجدته كالمزبلة، وهو في غاية الامتهان قد امتلأ بروث الدواب وبولها، ولم أجد موضعا للصلاة فيه فتكلمات مع شيخ الخدام الأمير إينال الناظر على الحديقة المذكورة في أن يغير باب المخزن المذكور، ويجعله من خارج المسجد، فأمر فقيهه الفقيه الشهاب أحمد النوسي بالنظر في ذلك، فجعل على الموضع المسقف من المسجد المذكور الذي فيه المحراب جدارا في شاميه يمنع من وصول البهائم إليه، وكان في جدار المسجد الغربي مما يلي القبلة هيئة بابا مشبك، فجعله باب لذلك المحل، وبقيت رحبة المسجد التي في شاميه دهليزا للدواب، فكلمته في ذلك فذكر أنه قيل له: إن المسجد هو ذلك المسقف فقط، وجدران المسجد شاهدة بخلاف ذلك، فليتنبه له. والمسجد الثالث المنسوب لعلي رضي الله تعالى عنه كان قد تهدّم ودثر حتى صار بعض الحجاج يدفن فيه من يموت في زمن الموسم، فإنه إلى جانب منزلة الحجاج، فجدد بناءه الأمير زين الدين ضغيم المنصوري أمير المدينة الشريفة سنة إحدى وثمانين وثمانمائة. وأما المسجد الأول المعروف اليوم بمسجد المصلى فلم يزل مصونا، وكان بابه لا يزال مفتوحا فربما يقع له انتهاك، فأمر شيخ الخدام بغلقه، وعمارته الموجودة اليوم لا أدري لمن تنسب، إلا أني رأيت على بابه حجرا قد انمحى بعض الكتابة منه، وفيه «أمر بتجديد هذا المسجد المنسوب للنبي ﷺ بعد خرابه وذهاب عز الدين شيخ الحرم الشريف النبوي، وذلك في أيام السلطان الملك الناصر حسن بن السلطان محمد بن قلاون الصالحي» وما بعد ذلك قد

стр. 576

انمحى. وابتداء ولاية السلطان حسن المذكور في سنة ثمان وأربعين، واستمر إلى أثناء سنة اثنتين وستين وستين وسبعمائة، وهذا المسجد بابه في حائطه الشامي قريبا من محاذاة محرابه، ومن خارج بابه على يمين الداخل منه درج يصعد إلى موضع لطيف على ميمنة الباب المذكور، وقد أصلح ما تشعّث من هذا المسجد الأمير بردبك المعمار سنة إحدى وستين وثمانمائة في دولة الأشرف إينال، وأحدث لذلك الموضع المتقدم وصفه في ميمنة الباب المذكور درجة أخرى يتوصل بها إليه من داخل المسجد، وذلك الموضع هو الذي يقوم عليه الخطيب في يوم العيد، وأحدث الأمير بردبك أيضا أمام ذلك الموضع من خارج المسجد مسقفا ليجلس عليه المبلغون أمام الخطيب، وفي يوم العيد يجتمع أهل السنة من أهل المدينة وأعيانهم بالمصلى المذكور، بحيث لا يبقى خارجه من أهل السنة إلا اليسير مع شيخ الخدام وجماعته، لأن العادة جرت بأن يكون صفهم أمام الخطيب في الجمعة والعيد؛ لما ذكره البدر ابن فرحون من أن أول قاض ولي لأهل السنة القاضي الإمام العلامة السراج عمر بن أحمد الخضر سنة اثنتين وثمانين وستمائة في دولة المنصور قلاوون الصالحي، وكان القضاة قبل ذلك من الشيعة آل سنان، وكانت الخطابة بأيديهم، فانتزع السلطان المشار إليه ذلك منهم للسراج، فكانوا يؤذونه أذى شديدا. قال ابن فرحون: أدركت من أذاهم له أنهم كانوا يرجمونه بالحصباء وهو يخطب على المنبر، فلما كثر ذلك منهم تقدم الخدام وجلسوا بين أيديهم أمام المنبر، فذلك هو السبب في إقامة صفّ الخدام قبالة الخطيب، وخلفهم غلمانهم وعبيدهم. اه. وقد استمر ذلك إلى اليوم، فإذا صلى الإمام بأهل المسجد المذكور صلاة العيد انصرف، وخرج من بابه المذكور مخترقا للصفوف متخطّيا للرقاب إلى أن يصعد في أعلى تلك الدرج، فيستدبر القبلة ويستقبل جهة الشام على عادة الخطباء، ثم يخطب هناك، فيصير جميع من في المسجد خلف ظهره، ثم إن أهل المسجد يستدبرون القبلة ويستقبلون ظهره وغالب من يصلي خارج المسجد لا يشاهده أيضا لحيلولة المسقف المحدث أمام ذلك الموضع، وهذا كله مخالف للسنة، ولما ثبت من فعله ﷺ في هذا المحل من قيامه في مصلاه مستقبلا للناس وهم على صفوفهم كما سنوضحه، ومن زعم أن هذا الوضع في محل قيام النبي ﷺ وأنه صلى بذلك المحل على هذه الصفة الموجودة اليوم فقد أخطأ خطأ عظيما وأساء الأدب، فكيف يظن به ﷺ أنه ينصرف عن أصحابه حتى يستدبرهم أو الكثير منهم ثم يخطب لهم؟ وتترك الصحابة رضي الله تعالى عنهم طلعته البهية ويرضون باستدباره ﷺ مع قيامه لمخاطبتهم، وهم أعظم الناس أدبا وحرصا على رؤيته الشريفة، وكيف يتفق علماء الإسلام على أن السنة خلاف ذلك كما سيأتي؟ فالمتعين تغيير هذه الهيئة، والله أعلم.

стр. 577

الطرف الثاني: فيما جاء من أن النبي ﷺ قام بالمصلى على غير منبر مستقبلا للناس . كيف صلى الرسول العيد ؟ قال البخاري في صحيحه، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ثم روى فيه حديث أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، وإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذته بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة، هذا لفظ رواية البخاري. قال الحافظ ابن حجر: المراد بقوله إلى المصلى المصلى المعروف بالمدينة بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة عن أبي غسان صاحب مالك، وفي رواية ابن حبان من طريق داود: فينصرف إلى الناس قائما في مصلاه. قلت: وهذا معنى قوله في رواية البخاري «ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس» يعني أنه يستدبر القبلة ويقف في مصلاه، وقد ترجم البخاري لاستقبال الإمام الناس في خطبة العيد، وأورد فيه طرفا من حديث أبي سعيد المذكور، وقد صرح الأئمة بأن ذلك هو السنة. قال الزين ابن المنير: وإنما أعاد البخاري هذه الترجمة مع أنه قدم نظيرها في الجمعة لدفع احتمال توهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك، وأن استقبال الإمام في الجمعة يكون ضروريا لكونه يخطب على منبر، بخلاف العيد فإنه يخطب فيه على رجليه لحديث أبي سعيد المذكور، فأراد أن يبين أن الاستقبال سنّة على كل حال. من أحدث منبر المصلى العيد قال الحافظ ابن حجر: وهذا يقتضي أنه لم يكن في المصلّى في زمان النبي ﷺ منبر إلى أن اتخذ لمروان، ويدل عليه قول أبي سعيد «فلم يزل الناس إلى آخره» . ووقع في المدونة لمالك، ورواه ابن شبة عنه قال: أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا معضل، وما في الصحيحين أصح؛ فقد رواه مسلم بنحو رواية البخاري، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد، انتهى. قلت: لكن روى أبو داود وغيره في حديث ذكر أنه غريب وأن سنده جيد عن عائشة

стр. 578

رضي الله تعالى عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى. وفي رواية للترمذي أن النبي ﷺ خرج إلى الاستسقاء حتى أتى المصلى فرقى على المنبر؛ فهذا يقتضي أن النبي ﷺ خطب في الاستسقاء بالمصلى على منبر، وكأن ذلك هو المستند لمن أحدث المنبر في خطبة العيد قياسا على الاستسقاء، ويحتمل أنه ﷺ خصّ الاستسقاء بذلك لتيسر رؤيته لعامة الناس فيها، فيقتدون به في تحويل الرداء عند تحويله، وفي كيفية رفع اليدين في الدعاء، ونحو ذلك مما يختص بخطبة الاستسقاء. قال الحافظ ابن حجر: وقول أبي سعيد «غيرتم والله» صريح في أنه هو المنكر ووقع في رواية مسلم «فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه» فيحتمل أن يكون المنكر أبو مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق أنه كان معهما، ويحتمل أن يكون القصة تعددت، ويدل على ذلك المغايرة بين روايتي عياض ورجاء، ففي رواية عياض أن المنبر بني له بالمصلى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، ولأن إنكار أبي سعيد كان بينه وبينه، وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس. وقوله: «إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة» يشعر بأن ذلك باجتهاد من مروان. أول من خطب قبل صلاة العيد وقد اختلف في أول من خطب قبل الصلاة، فرواية الصحيحين عن أبي سعيد مصرحة بأنه مروان. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم، يعني على العادة، فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك، أي صار يخطب قبل الصلاة. وهذه العلة غير التي اعتلّ بها مروان؛ لأن عثمان رضي الله تعالى عته راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم للصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في استماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سبّ من لا يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا، بخلاف مروان فواظب عليه فلذلك نسب إليه. وقد أوردنا بقية كلام الحافظ ابن حجر وغيره من الفوائد المتعلقة بذلك في كتابنا الموسوم «بالوفا، بما يجب لحضرة المصطفى ﷺ » وبينا فيه أن الدرج الموجودة التي يقوم عليها الخطيب اليوم ليست في الموضع الذي بني لمروان؛ لأن مروان وإن قدّم الخطبة على الصلاة

стр. 579

فلما له في ذلك من المقصد. وأما جعله المنبر على خلاف السنة وجعله القوم أو بعضهم خلف ظهره فلا ثمرة له، وأيضا فيبعد إقرار من جاء بعده على ذلك، وأيضا لو كان ذلك من فعله لأنكر عليه كما أنكر عليه ما تقدم، ولو سلم أن تلك الدرج في موضع منبر مروان فالسنة تغيير ذلك واتباع ما صح من فعله ﷺ ، كما خولف في أمر الخطبة واتبع بها فعله ﷺ حيث جعلت بعد الصلاة، والتشبث باستمرار أفعال الناس إنما يكون في شيء لم يعلم حكمه من جهة الشرع، أما ما علم حكمه فالواجب اتباع الشرع فيه، واعتقاد حدوث ما عليه الناس، وتقديره بأقرب زمان، وقد ذم الله تعالى قوما تمسكوا في جحد الحق بفعل سلفهم حيث قال حكاية عنهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] فمن الواجب تطهير هذا المحل الشريف المنسوب للمصطفى ﷺ عن هذه البدعة الشنعاء، ولذلك بينا بعض الدرج عن يمين القائم في محراب المسجد المذكور كما ذكر العلماء أنه السنة، وتكون مرتفعة بحيث يرى القائم عليها من خارج المسجد، والذي يظهر أن تلك الدرج إنما جعلت للمبلغ، وأن الخطيب إنما كان يقوم فيه على الأرض؛ لأنه الثابت من فعله ﷺ ، فكأن بعض الخطباء قام عليها بعد ذلك فاستمر الأمر على ذلك، والله أعلم. الطرف الثالث: فيما جاء في فضل المصلى الشريف، والدعاء به، ونهيه ﷺ عن تضييقه والبناء به. أورد ابن شبة في ترجمة المصلى عن جناح النجار قال: خرجت مع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص إلى مكة، فقالت لي: أين منزلك؟ فقلت لها: بالبلاط، فقالت لي: تمسك به فإني سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما بين مسجدي هذا المسجد ومصلاي روضة من رياض الجنة» . وقوله في هذه الرواية: «ما بين مسجدي هذا المسجد- إلى آخره» يدفع تأويل من أوّل حديث الأوسط للطبراني بلفظ «ما بين حجرتي ومصلّاي» والحديث الذي رواه ابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها بلفظ «ما بين منبري والمصلى» بأن المراد مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد؛ لأنه لا يصح أن يقال: ما بين هذا المسجد والمصلى الذي فيه، ولهذا استدلّت به عائشة بنت سعد على الحث على التمسك بالدور التي بالبلاط، يعني الآخذة من باب السلام إلى المصلى؛ لأنها فيما بين المسجد ومصلى العيد، وإذا كان ما بين المسجدين المذكورين روضة فهما روضة من باب أولى؛ لأن ذلك الفضل إنما حصل لما بينهما بحصوله ﷺ في ذلك وتردده ﷺ فيما بينهما، فكيف بمحلّ سجوده وموقفه الشريف؟ وروى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر فمر بالمصلّى استقبل القبلة ووقف يدعو.

стр. 580

وعن أبي عطاء عن أبيه قال: قال لي سعيد بن المسيب: يا أبا محمد، أتعرف موضع دار كثير بن الصلت؟ قلت: نعم، قال: فإن النبي ﷺ خرج حتى انتهى إلى ذلك الموضع فقام وصفّ أصحابه خلفه فصلى على النجاشي حين مات في أرض الحبشة. وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي، فبدأ بالخطبة، ثم صلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة وقال: هذا مجمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا ولفطرنا وأضحانا؛ فلا يا بنى فيه لبنة على لبنة ولا جهة، ورواه ابن زبالة إلا أنه قال: ثم قال: هذا مجتمعنا ومستمطرنا ومدعانا لعيدنا لفطرنا وأضحانا، الحديث. وروى يحيى عن داود بن أبي الفرات قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فقال: هذا مستمطرنا ومصلّانا لأضحانا وفطرنا، لا يضيق، ولا ينتقص منه شيء. وسيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن النبي ﷺ استسقى عندها قريبا من الزوراء. [الطرف الرابع:] بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى ورجوعه الطرف الرابع: فيما جاء من أنه ﷺ : كان يذهب إلى هذا المصلى الشريف من طريق ويرجع في أخرى، وبيان كل من الطريقين. روينا في صحيح البخاري في باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق. وروى ابن شبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ أخذ يوم العيد في طريق ورجع في طريق آخر، وفي رواية «كان يأخذ يوم العيد في طريق ويرجع في طريق آخر» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيد في طريق لم يرجع فيه. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «كان إذا خرج إلى العيد رجع في غير الطريق الذي أخذ فيه» . وعنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: ركن باب داري هذا أحبّ إليّ من زنتها ذهبا، سلك رسول الله ﷺ على داري إلى العيد، فجعلها يسارا، فمر على عضادة داري مرتين في غداة واحدة. قلت: ولا مخالفة بين هذا وبين الرواية الأولى لأن دار أبي هريرة كانت بالبلاط عند زقاق عبد الرحمن بن الحارث كما قدمناه في الدور المحيطة بالبلاط الأعظم، وبعدها إلى جهة المصلى قريبا منها دار سعد بن أبي وقاص. وقد روى ابن شبة عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول الله ﷺ «كان يأتي العيد

стр. 581

ماشيا على باب سعد بن أبي وقاص، ويرجع إلى أبي هريرة» وحينئذ فيمر على دار أبي هريرة في ذهابه ثم في رجوعه؛ لأن الشافعي روى في الأم ومنها نقلت عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ «كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم، فإذا رجع رجع من الطريق الآخرى على دار عمار بن ياسر» . ورواه ابن زبالة عن محمد بن عمار بلفظ «كان يخرج إلى المصلى من الطريق العظمى على أصحاب الفساطيط، ويرجع من الطريق الآخرى على دار عمار بن ياسر» وقد قدمنا أن دار عمار بن ياسر في زقاق عبد الرحمن بن الحارث الذي يسلك إلى البلاط عند دار أبي هريرة بابها يقابل دار عبد الرحمن بن الحارث، ولها خوخة في كتّاب عروة، فصحّ مروره ﷺ عليها مرتين في غداة واحدة مع ذهابه من طريق ورجوعه في أخرى. وسيأتي في ذكر طريقه ﷺ إلى قباء ذهابا وإيابا ما يصرح بأنه إذا رجع يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط، يعني من الزقاق المذكور؛ لما قدمناه في وصف البلاط. والطريق العظمى: - كما قال المطري- هي طريق الناس اليوم من باب المدينة: أي الدرب المعروف بدرب سويقة إلى مسجد المصلى، ولم يتعرض لبيان الطريق الآخرى، وقد منّ الله ببيانه فله الحمد على ذلك. وهذه الطريق هي المرادة بما رواه ابن زبالة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ «كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية الطريق التي كان ينصرف منها» وتلك الطريق أو المكان الذي كان يذبح فيه مقابل المغرب مما يلي طريق بني زريق، أي أنه إذا انصرف من المصلّى أتى موضعا في غربي طريق بني زريق فذبح، ثم سلك في تلك الطريق، وهي سالكة في بني زريق آخذة من قبلة المصلى إلى أن يمر بدار أبي هريرة كما تقدم، ولهذا روى الواقدي عن عائشة وابن عمر وغيرهما أنه ﷺ «كان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية» أي المتقدم ذكرها. وسور المدينة اليوم مانع من سلوك هذه الطريق في الرجوع. ويستفاد من هذا أن المخالفة بين الطريقين لم تكن في جميعهما، إلا أن يكون النبي ﷺ كان إذا وصل إلى محل البلاط الذي عند دار أبي هريرة لم يسلك في بقية الطريق العظمى، وهي الشارعة اليوم إلى باب السلام، بل يأخذ في ميسرة البلاط إلى الشام؛ لأن الظاهر أن غالب تلك الأماكن كانت براحا ثم يعرج إلى جهة داره بعد ذلك. على أن ما ذكرناه في وصف هذه الطريق مقتض لأن طريقه ﷺ في ذهابه أقصر من طريق رجوعه كما لا يخفى؛ فيعكر على القول بأن المستحب أن يذهب في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما. وقد روى الشافعي رحمه الله تعالى في الأم عقب ما قدمناه عنه وصف طريق أخرى

стр. 582

الرجوع فيها أبعد من الذهاب أيضا بكثير جدّا؛ فإنه روى عقب ذلك عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده أنه رأى النبي ﷺ رجع من المصلّى يوم عيد فسلك على التمارين من أسفل السوق، حتى إذا كان عند مسجد الأعرج الذي هو عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم فدعا ثم انصرف. قال الشافعي عقبه: وأحبّ أن يصنع الإمام مثل هذا، وأن يقف في موضع فيدعو الله مستقبل القبلة، وإن لم يفعل فلا كفارة ولا إعادة عليه، هذا لفظ الأم ومنها نقلت. ويؤيد هذا ما رواه يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل قال: رأيت عثمان بن عبد الرحمن ومحمد ابن المنكدر ينصرفان من العيد فيقومان عند البركة التي بأسفل السوق، قال: وسألت عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك فقال: كان رسول الله ﷺ يقف عند ذلك المكان إذا انصرف من العيد. وقد قدمنا عن ابن زبالة في سوف المدينة أن محمد بن المنكدر وعثمان بن عبد الرحمن وجماعة كانوا يقومون بفناء بركة السوق مستقبلين، وأن عثمان بن عبد الرحمن قال: قد اختلف علينا في ذلك؛ فقائل يقول: كان رسول الله ﷺ يدعو هنالك، وقائل يقول: كان رسول الله ﷺ يقوم هنالك فينظر إلى الناس إذا انصرفوا من العيد. قلت: وقد بينت رواية الشافعي المذكور أنه كان يدعو هنالك إذا انصرف من العيد، ولا مانع من كونه مع ذلك ينظر إلى الناس المنصرفين من العيد أيضا فلا اختلاف. وقد بينا هناك ما يقتضي أنه كان يسلك على سوق التمارين، وهو في شامي المصلى مما يلي المغرب، وبينا أيضا أن منازل أسلم كانت في غربي سوق المدينة إلى الشام بعد التمارين، وذلك عند حصن أمير المدينة وما سفل منه إلى جهة الشام مما يلي غربي سوق الشاميين عند منزل الحاج الشامي بالموسم، وبينا بركة بركة السوق هي المنهل المدرج الذي على يسار المتوجه إلى ثنيّة الوداع عند مشهد النفس الزكية، والقائم عندها إذا استقبل فجّ أسلم كان مستقبلا للقبلة، ولعل مسجد الأعرج الذي أشار الشافعي في روايته إلى أنه عندها هو الموضع الذي هو قبلة مشهد النفس الزكية، فإنه مسجد، وهو عند موضع البركة، وما علمت المرأة بالأعرج الذي نسب إليه المسجد المذكور. وقد أنشأ قاضي الحرمين السيد الشريف العلامة محيي الدين عبد القادر الحنبلي الفاسي المكي مسجدّا بمنزلة الحاج الشامي بالقرب من المنهل المذكور في جهة قبلته. إذا علمت ذلك فهذه الطريق تزيد على الطريق العظمى إلى المصلى بنحو ضعفها، ويمكن سلوكها اليوم في الرجوع من المصلى، بخلاف الطريق السابقة؛ لحيلولة السور.

стр. 583

وأهل المدينة اليوم يذهبون من الطريق العظمى، ويرجعون في بعض تلك الطريق السابقة؛ لأنهم يأخذون من جهة قبلة المصلّى إلى المشرق خارج سور المدينة، فيدخلون من درب البقيع، وطريقهم هذه في الرجوع أطول من الذهاب أيضا، ولو سلكوا الطريق المذكورة في رواية الشافعي الثانية لكان أولى، وليحصل الدعاء بذلك المحل الشريف اقتداء بالنبي ﷺ ومن تقدم ذكره من السلف الصالح. وقد فعلت ذلك في عامنا هذا، فسلكت في الذهاب إلى المصلّى من الطريق العظمى، ورجعت من أسفل السوق إلى أن قمت بفناء بركته المذكورة، ثم انصرفت فدخلت المدينة من الباب الذي يلي حصن أمير المدينة، والخير كله في الاتباع ومجانبة الابتداع، وأي بركة أعظم من ذهاب الإنسان إلى المصلى في ذلك اليوم السعيد في طريق ذهب منها النبيّ ﷺ ؟ ثم صلاته بمصلّاه الشريف، ثم رجوعه في طريقه التي رجع منها. وقد قال المجد: وإذا ثبت بما رويناه- يعني من الأحاديث المتقدمة- أن المصلّى الموجود هو مصلى النبي ﷺ في الأعياد، فالصلاة فيه تزداد فضلا ومزية على كل مصلى أيّ ازدياد، ويخص الفائزون بالصلاة فيه من الله تعالى بأسبغ نعم وأياد، ويمنح الحائزون فضل الحضور إليها فواضل قصرت عنها معالي معد وأيادي إياد. قلت: وأخبرني جماعة من المشايخ منهم شيخنا الكمال أبو الفضل محمد ابن العلامة نجم الدين المرجاني وأخته المسندة أم كمال كماليه والمسندة أم حبيبة زينب ابنة الشهابي أحمد الشونكي وغيرهم إذنا عن المجد المشار إليه قال عقب ما تقدم عنه: أنشدني أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحموي كتابة عن أبي البركات أيمن بن محمد بن محمد بن محمد الغرناطي لنفسه: إنّ عيدا بطيبة وصلاة ... بمصلّى الرسول في يوم عيد نعم ضاق واسع الشكر عنها ... فهي بشرى لكل عبد سعيد كم تمنيتها فنلت التمني ... آخر العمر من مكان بعيد وإذا كان في البقيع ضريحي ... وتوسّدت طيب ذاك الصعيد فاشهدوا لي بكلّ خير وبشر ... عند ربي ومبدئي ومعيدي والمسؤول من فضل الله تعالى أن يكمل لأهل هذا المصلى الشريف عظيم منته بجعل منبره المنيف على طريقته ﷺ وسنته، بمنه وكرمه، آمين.

стр. 584

الفصل الثاني في مسجد قباء، وفضله ، وخبر مسجد الضّرار [مسجد قباء، وفضله] تأسيس مسجد قباء تقدم تأسيس النبي ﷺ لمسجد قباء في الفصل العاشر من الباب الثالث، عند مقدمه ﷺ قباء، وبسطنا ذلك هناك، فراجعه وذكرنا هناك ما جاء من أن النبي ﷺ عمل فيه بنفسه، وأنه أسّسه وجبريل يؤمّ به البيت، وأنه كان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة، وأنه ﷺ أسسه ثانيا بعد تحويل القبلة، وقدمنا أيضا قول عروة في الصحيح في حديث الهجرة الطويل «فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى» . وفي رواية عبد الرزاق عنه قال «الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف» وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عابد ولفظه «ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال، واتخذ مكانه مسجدّا فكان يصلي فيه، ثم بناه بنو عمرو بن عوف، فهو الذي أسس على التقوى» وقدمنا أيضا أنه أول مسجد بناه النبي ﷺ وصلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا. قال الحافظ ابن حجر: اختلف في المراد بقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] فالجمهور على أن المراد مسجد قباء، وهو ظاهر الآية، وتقدم في فضل المسجد النبوي حديث مسلم المشتمل على أن أبا سعيد سأل النبي ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال «هو مسجدكم هذا» وفي رواية لأحمد والترمذي عنه: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد المدينة، فسألاه عن ذلك، فقال: هو هذا، وفي ذلك- يعني مسجد قباء- خير كثير، وقدمنا أيضا الجمع بأن كلا من المسجدين قد أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه، وأنهما المراد من الآية، وأن السر في اقتصاره ﷺ على ذكر مسجد المدينة دفع توهم اختصاص ذلك بمسجد قباء، كما هو ظاهر ما فهمه السائل وتنويها بمزية مسجده الشريف. قال الحافظ ابن حجر: والحق أن كلا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية الآية فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨] يؤيد كون المراد مسجد قباء. وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا في أهل قباء، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية. قال الحافظ ابن حجر: فالسر في جوابه ﷺ بما تقدم دفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء.

стр. 585

قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافا؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى وكذا قال السهيلي وزاد أن قوله تعالى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبي ﷺ بدار الهجرة. روى أحمد وابن شبة، واللفظ لأحمد، عن أبي هريرة قال: انطلقت إلى مسجد التقوى أنا وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب، فأتينا النبي ﷺ فقالوا لنا: انطلق نحو مسجد التقوى، فانطلقنا نحوه، فاستقبلنا يداه على كاهلي أبي بكر وعمر، فثرنا في وجهه فقال: من هؤلاء يا أبا بكر؟ فقال: عبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وسمرة. وروى ابن شبة من طرق ما حاصله أن الآية لما نزلت أتى رسول الله ﷺ أهل قباء، وفي رواية أهل ذلك المسجد، وفي رواية بني عمرو بن عوف فقال رسول الله ﷺ «إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما بلغ من طهوركم؟ قالوا: نستنجي بالماء» . وذكر أبو محمد المرجاني الجمع بأن كلا من المسجدين أسّس على التقوى، ثم قال: فقد روي عن عبد الله بن بريدة في قول الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قال: إنما هي أربعة مساجد، لم يبنهنّ إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉، وبيت أريحاء بيت المقدس، بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة مسجد قباء اللذين أسّسا على التقوى، بناهما رسول الله ﷺ . قلت: وقال يحيى بن الحسين في أخبار المدينة: حدثنا بكر بن عبد الوهاب أنبأنا عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال «المسجد الذي أسّس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء، قال الله جل ثناءه فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨] وبكر بن عبد الوهاب هو ابن أخت الواقدي صدوق، وعيسى بن عبد الله يظهر لي أنه عيسى بن عبد الله بن مالك وهو مقبول؛ فيكون جده حينئذ عبد الله بن مالك، وهو شيخ مقبول يروى عن علي وابن عمر؛ فالحديث حسن؛ فتعين الجمع بما تقدم، والله أعلم. ما جاء في أن الصلاة فيه تعدل عمرة روى الترمذي عن أسيد بن حضير الأنصاري عن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» قال الترمذي: وفي الباب عن سهل بن حنيف، وحديث أسيد حديث حسن غريب، ولا يعرف لأسيد شيء يصح غير هذا الحديث. قلت: وأخرجه البيهقي وابن ماجه من طريق أبي بكر بن شيبة بإسناد الترمذي، وهو جيد، بلفظ «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» . وأخرج ابن حبّان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه شهد جنازة

стр. 586

بالأوساط في دار سعد بن عبادة، فأقبل ماشيا إلى بني عمرة بن عوف بفناء بني الحارث بن الخزرج، فقيل له: أين تؤم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أهل هذا المسجد في بني عمرو بن عوف؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «من صلى فيه كان كعدل عمرة» . ورواه ابن زبالة موقوفا، ولفظه أن عبد الله بن عمر شهد جنازة في الأوساط من بني الحارث بن الخزرج، ثم خرج يمشي، فقالوا له: أين تريد يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أريد مسجد رسول الله ﷺ بقباء؛ أنه من صلى فيه ركعتين كان كعدل عمرة. وأخرج ابن ماجه وعمر بن شبة بسند جيد عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله ﷺ «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» . ورواه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ورواه يحيى من طريقين فيهما من لم أعرفه بلفظ «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له عدل عمرة» . ورواه الطبراني في الكبير عن سهل من طريق موسى بن عبيدة- وهو ضعيف- بلفظ «من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجد قباء فيركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل رقبة» . ورواه ابن شبة عن سهل من طريق موسى بن عبيدة المذكور بلفظ «من توضأ فأحسن وضوءه ثم جاء مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان له عدل عمرة» . ورواه أيضا بسند فيه يوسف بن طهمان- وهو ضعيف- عن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ أنه قال «ما من مؤمن يخرج على طهر إلى مسجد قباء لا يريد غيره حتى يصلي فيه إلا كان بمنزلة عمرة» . وروى الطبراني في الكبير بسند فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي- وهو ضعيف- عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال «من توضّأ فأسبغ الوضوء ثم عمد إلى مسجد قباء لا يريد غيره، ولا يحمله على الغدوّ إلا الصلاة في مسجد قباء، فصلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله» . وقال عمر بن شبة: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا أيوب بن صيام عن سعيد بن الرقيش الأسدي قال: جاءنا أنس بن مالك إلى مسجد قباء فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري ثم سلم وجلس وجلسنا حوله، فقال: سبحان الله ما أعظم حقّ هذا المسجد، لو كان على مسيرة شهر كان أهلا أن يؤتى، من خرج من بيته يريده معتمدا إليه لصلي فيه أربع ركعات أقلبه الله بأجر عمرة» .

стр. 587

قال ابن شبة: قال أبو غسان: ومما يقوّي هذه الأخبار ويدل على تظاهرها في العامة والخاصة قول عبد الرحمن بن الحكم في شعر له: فإن أهلك فقد أقررت عينا ... من المتعمرات إلى قباء من اللاتي سوالفهنّ غيد ... عليهنّ الملاحة بالبهاء تفضيل الصلاة في مسجد قباء على بيت المقدس ما جاء في تفضيل الصلاة فيه على بيت المقدس، ومغفرة ذنوب من صلى فيه مع المساجد الثلاثة. روى ابن شبة بسند صحيح من طريق عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول: «لأن أصلّي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتى بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل» . ورواه الحاكم عن عامر بن سعد وعائشة بنت سعد سمعا أباهما يقول: لأن أصلي في مسجد قباء أحبّ إليّ من أن أصلي في مسجد بيت المقدس، قال الحاكم: وإسناده صحيح على شرطهما. وهذا شاهد لما روي عن محمد بن مسلمة المالكي أنه قال: إن إتيان مسجد قباء يلزم بالنذر، وجمهور العلماء أن ذلك وإن كان قربة لا يلزم بالنذر. وعن عاصم قال: أخبرنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه، فقال له أبو أيوب: يا ابن أخي أدلّك على ما هو أيسر من ذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما تقدم من ذنبه» أخرجه أبو حاتم وقال: المساجد الأربعة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الأقصى، ومسجد قباء. إتيان الرسول ﷺ مسجد قباء ما جاء في إتيان النبي ﷺ له راكبا وماشيا، وصلاته فيه، وتعيين الأيام التي كان ﷺ يأتي قباء فيها هو وغيره من الصحابة. روينا في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ يزور قباء، أو يأتي قباء، راكبا وماشيا. زاد في رواية لهما: فيصلي فيه ركعتين. وروى ابن شبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان انطلق مع رسول الله ﷺ إلى مسجد قباء، فصلى فيه، فجعلت الأنصار يأتون وهو يصلي، فيسلّمون عليه، فخرج عليّ صهيب فقلت: يا صهيب كيف كان رسول الله ﷺ يردّ على من سلم؟ قال: يشير بيده. وفي رواية للبخاري والنسائي أن رسول الله ﷺ «كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا وماشيا» وكان عبد الله يفعله.

стр. 588

وفي رواية لابن حبّان في صحيحه «كل يوم سبت» . وفيها رد على من قال: إن المراد بالسبت الأسبوع. وروى ابن شبة عن سعيد بن عمرو بن سليم مرسلا أن النبي ﷺ «كان يطرح له على حمار أنبجانّي لكل سبت، ثم يركب إلى قباء» . ورواه ابن زبالة بنحوه، وزاد «ويمشي حوله أصحابه» . وروى ابن شبة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر مرسلا أن النبي ﷺ «كان يأتي قباء يوم الإثنين» . وعن محمد بن المنكدر مرسلا قال «كان النبي ﷺ يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان» . ورواه يحيى عن ابن المنكدر عن جابر متصلا. وفي كتاب رزين عن ابن المنكدر قال: أدركت الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان. وروى يحيى عن ابن المنكدر نحوه أيضا. وعن أبي غزية قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يأتي قباء يوم الإثنين ويوم الخميس، فجاء يوما من تلك الأيام فلم يجد فيه أحدا من أهله، فقال: والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا، يؤسّسه رسول الله ﷺ بيده، وجبريل يؤم به البيت، ومحلوف عمر بالله لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل، ثم قال: اكسروا لي سعفه واجتنبوا العواهن، أي ما يلي القلب من السّعف، فقطعوا السعفة، فأتى بها، فأخذ رزمة فربطها فمسحه، قالوا: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين، قال: لا تكفو نيه. وفي رواية لرزين عقب قوله: «وجبريل يؤم به البيت» ثم أخذ أي عمر رضي الله تعالى عنه جرائد فجعل يمسح جدرانه وسطحه، فقيل له: نكفيك يا أمير المؤمنين، فقال: لا تكفونيه، أنا أريد أن أكفيكم أنتم مثل هذا، وإن شئتم اعملوا مثل ما أعمل. وقد استشكل الزين المراغي قوله «وجبريل يؤم به البيت» بأن ذلك كان قبل تحويل القبلة، وقد أشرنا فيما تقدم لجوابه. وأسند ابن زبالة عن شيخ من بني عمرو بن عوف قال: أتانا عمر بن الخطاب بقباء فقال لخياط بسدّة الباب: انطلق فأتني بجريدة وإياك والعواهن، فأتاه بجريدة، فقشرها وترك لها رأسا فضرب به قبلة المسجد حتى نفض الغبار. ورواه ابن شبة، إلا أنه قال: عن شيوخ من بني عمرو بن عوف أن عمر رضي الله

стр. 589

تعالى عنه جاءهم بقباء نصف النهار، فدخل مسجد قباء، فأمر رجلا يأتيه بجريدة رطبة، الخبر بنحوه. وروى ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال: الحمد لله الذي قرّب منا مسجد قباء، ولو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل. وفي صحيح البخاري: كان سالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنهما يؤم المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر. ورواه ابن شبة عن ابن عمر، ولفظه: وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة رضوان الله عليهم. وروى أيضا عن أبي هاشم قال: جاء تميم بن زيد الأنصاري إلى مسجد قباء وكان رسول الله ﷺ أمر معاذا أن يصلي بهم، فجاء صلاة الفجر وقد أسفر فقال: ما يمنعكم أن تصلوا؟ ما لكم قد حبستم ملائكة الليل وملائكة النهار؟ قالوا: يمنعنا أنا ننتظر صاحبنا، قال: فما يمنعكم إذا احتبس أن يصلي أحدكم؟ قالوا: فأنت أحقّ من يصلي بنا، قال: أترضون بذا؟ قالوا: نعم، فصلى بهم، فجاء معاذ فقال: ما حملك يا تميم على أن دخلت عليّ في سربال سربلنيه رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن هذا تميم دخل في سربال سربلتنيه، فقال النبي ﷺ : ما تقول يا تميم؟ فقال مثل الذي قال لأهل المسجد، فقال النبي ﷺ : هكذا فاصنعوا مثل الذي صنع تميم بهم، إذا احتبس الإمام. وروى ابن زبالة عن عويم بن ساعدة أن سعد بن عويم بن قيس بن النعمان كان يصلي في مسجد قباء في عهد رسول الله ﷺ ، وفي زمان عمر بن الخطاب فأمر عمر مجمع بن حارثة أن يصلي بهم بعد أن ردّه، وقال له: كنت إمام مسجد الضّرار، فقال يا أمير المؤمنين كنت غلاما حدثا، وكنت أرى أن أمرهم على أحسن ذلك، وقدّموني لما معي من القرآن، فأمره فصّلى بهم. المكان الذي كان الرسول يصلي فيه بمسجد قباء ما جاء في تعيين مصلّاه ﷺ منه، وصفته وذرعه. روى ابن زبالة أن النبي ﷺ صلى إلى الأسطوان الثالثة في مسجد قباء التي في الرحبة. ونقل ابن شبة عن الواقدي أنه قال: عن مجمع بن يعقوب عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: كان المسجد في موضع الأسطوان المخلّقة الخارجة في رحبة المسجد. وعن ابن رقيش قال: بنى رسول الله ﷺ مسجد قباء، وقدّم القبلة إلى موضعها اليوم،

стр. 590

وقال: جبريل يؤم بي البيت. قال ابن رقيش: فحدثني نافع أن ابن عمر كان بعد إذا جاء مسجد قباء صلى إلى الأسطوان المخلّقة يقصد بذلك مسجد النبي ﷺ الأول. قال ابن شبة: قال أبو غسان: وأخبرني من أثق به من الأنصار من أهل قباء أن موضع قبلة مسجد قباء قبل صرف القبلة أن القائم كان يقوم في القبلة الشامية فيكون موضع الأسطوان الشارعة في رحبة مسجد قباء التي في صف الأسطوان المخلقة المقدمة التي يقال لها إن مصلى رسول الله ﷺ إلى حرفها. قال: وأخبرني أيضا أن مصلى رسول الله ﷺ في مسجد قباء بعد صرف القبلة كان إلى حرف الأسطوان المخلّق كثير منها المقدمة إلى حرفها الشرقي، وهي دون محراب مسجد قباء عن يمين المصلى فيه. وروى ابن زبالة عن عبد الملك بن بكر بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد قباء إلى الأسطوان الثالثة في الرحبة إذا دخلت من الباب الذي بفناء دار سعد بن خيثمة. قلت: والباب المذكور هو المسدود اليوم يظهر رسمه من خارج المسجد في جهة المغرب، وكان شارعا في الرواق الذي يلي الرحبة من المسقف القبلي؛ فالأسطوان الثالثة في الرحبة هي الأسطوان التي عندها اليوم محراب في رحبة المسجد؛ لانطباق الوصف المذكور عليها؛ فهي المراد بقول الواقدي «كان المسجد في موضع الأسطوان المخلقة الخارجة في رحبة المسجد وهي التي كان ابن عمر يصلي إليها. ومقتضى ما تقدم عن أبي غسان أن هذه الأسطوانة عندها مصّلى رسول الله ﷺ الأول قبل تحويل القبلة، وأن مصلاه بعد التحويل كان إلى الأسطوانة التي في صفّ هذه الأسطوانة مما يلي القبلة، وهي الثالثة من أسطوان الرحبة المذكورة؛ فإنها الموصوفة بما ذكره من كونها دون المحراب على يمين المصلى فيه، والمصلى إلى حرفها الشرقي يكون محاذيا لمحراب المسجد؛ فالرواق القبلي مزيد في المسجد، وجعلوا المحراب به في محاذاة المصلى الشريف من الأسطوان المذكورة. لكن قوله في الرواية الآخرى «وقدم القبلة إلى موضعها اليوم» يقتضي أنه لم يزد أحد في جهة القبلة بعد النبي ﷺ ؛ فينبغي أن ينبرك بالصلاة عند محراب القبلة، وعند المحلين من الأسطوانتين المذكورتين. وقد اقتصر يحيى في بيان مصلى النبي ﷺ على الأسطوان التي في الرحبة؛ فذكر رواية ابن زبالة، ثم روى عن معاذ بن رفاعة قال: كان رسول الله ﷺ يصلي إلى الأسطوان الخارجة، وهي في صفّ المخّلقة، وإنما كان موضعها يومئذ كهيئة العريش. ثم ذكر أن موسى بن سلمة حدثه أنه رأى أبا الحسن علي بن موسى الرضي يصلي إلى هذه الأسطوانة

стр. 591

الخارجة. ثم قال يحيى: ورأيت غير واحد من أهل بيتي منهم عبد الله وإسحاق ابنا موسى بن جعفر وحسين بن عبد الله بن عبد الله بن حسين يصلون إلى هذه الأسطوانة الخارجة إذا جاؤوا قباء، ويذكرون أنه مصلّى رسول الله ﷺ . قال: ورأيت من أهل بيتي من يأتي قباء فيصلي إليها ممن يقتدى به ممن لا أبالي أن لا أرى غيره في الفقه والعلم، انتهى. وعن يمين مستقبل الأسطوانة المذكورة هيئة محاريب في رحبة المسجد لم أعلم أصلها، وبالرواق الذي يلي الرحبة قريبا من محاذاة محراب المسجد دكّة مرتفعة عن أرض المسجد يسيرا أمامها محراب فيه حجر منقوش فيه قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨] الآية، وبعدها ما لفظه: هذا مقام النبي ﷺ ، جدّد هذا المسجد في تاريخ سنة إحدى وسبعين وستمائة، ولم يتبين اسم من جدد المسجد. وظاهر حال من صنع ذلك في هذا المحل أنه محلّ المصّلى الشريف، وفيما قدمناه ما يرده، وقد اغترّ المجد بذلك فجزم بأن تلك الدكة هي أول موضع صلّى فيه النبي ﷺ ، وكأنه حين ألّف كتابه كان غائبا عن المدينة، فوصف تلك الدكة بقوله: وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبي ﷺ ، وكأنه وصفها بأنها في صحن المسجد ليجامع ما تقدم عن المؤرخين في وصف المصلى الشريف. ولا يصح القول بأنها كانت أولا في رحبة المسجد؛ لاحتمال أنه زيد بعده في المسقف القبلي رواق؛ لما سنبينه من أن أروقة المسجد ورحبته كانت على ما هي عليه اليوم، لم يزد فيها شيء بعد ما ذكره المؤرخون. ثم رأيت ما ذكره المجد بحدوثه في رحلة ابن جبير، وكانت عام ثمان وسبعين وخمسمائة، فتلك الدكة التي يعنيها ابن جبير كانت في صحن المسجد عند الأسطوانة التي إليها اليوم المحراب في رحبة المسجد، فيوافق ما أطبق عليه الناس وكأنها دثرت على طول الزمان، ثم أعيدت في غير محلها فإنه ذكر أنها بصحن المسجد مما يلي القبلة، ووصف أروقة المسجد بما هي عليه اليوم؛ فليست الدكة الموجودة اليوم لحدوثها بعده. وأما الحظيرة التي بصحن المسجد فلم أر في كلام المتقدمين تعرضا لذكرها، والشائع على ألسنة أهل المدينة أنها مبرك ناقة النبي ﷺ ، وبه جزم المجد تبعا لابن جبير في رحلته؛ فقال: وفي وسط المسجد مبرك الناقة بالنبي ﷺ ، وعليه حظيرة قصيرة شبه روضة صغيرة يتبرك بالصلاة فيه، انتهى. وهو محتمل؛ لأن أصل مسجد قباء كان مربدا لكلثوم بن الهدم، وعليه نزل النبي ﷺ على ما أسلفناه، فأعطاه النبيّ ﷺ فأسّسه مسجدّا. وقيل فيه غير هذا مما قدمناه. وقال ابن زبالة: حدثنا عاصم بن سويد عن أبيه قال: وكان مسجد قباء على سبع أساطين، وكانت له درجة لها قبة يؤذن فيها يقال لها النعامة، حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد ذلك.

стр. 592

قلت: وعدد كل صف من أساطينه اليوم بين المشرق والمغرب سبع أيضا. وقال الزين المراغي عقب نقل ذلك عن ابن زبالة: فيحتمل أن هذه- يعني الصفة المذكورة في كلام ابن زبالة- صفة بناته ﵊، ويؤكده قولهم «ولم يزل مسجد قباء على ما بناه رسول الله ﷺ إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز» أي زمن الوليد. قلت: وما أيد به الاحتمال المذكور لم أره في كلام أحد من المؤرخين غير المطري ومن تبعه. وقد روى ابن شبة ما يصرح بخلافه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: إن ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. قلت: والصومعة هي المنارة التي في ركنه الغربي مما يلي الشام، وسيأتي في ترجمة غرة أنه اسم أطم لبني عمرو بن عوف ابتنيت المنارة في موضعه. وقال ابن النجار: كان النبي ﷺ نزل بقباء في منزل كلثوم بن الهدم، وأخذ مربده فأسسه مسجدّا وصلى فيه، ولم يزل ذلك المسجد يزوره ﷺ ويصلي فيه أهل قباء، فلما توفي ﷺ لم تزل الصحابة تزوره وتعظمه. تجديد مسجد قباء ولما بنى عمر بن عبد العزيز مسجد النبي ﷺ بنى مسجد قباء ووسّعه، وبناه بالحجارة والجص، وأقام فيه الأساطين من الحجارة بينها عواميد الحديد والرصاص، ونقشه بالفسيفساء، وعمل له منارة، وسقفه بالساج، وجعله أروقة، وفي وسطه رحبة، وتهدّم على طول الزمان حتى جدّد عمارته جمال الدين الأصفهاني وزير بني زنكي الملوك ببلاد الموصل. قلت: وكان تجديد الجواد لمسجد قباء في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كما قاله المطري. وفيما قدمناه من صورة ما كتب في محراب الدكة التي بالرواق الذي يلي الرحبة ما يقتضي أنه جدد بعد ذلك في سنة إحدى وسبعين وستمائة. وبالمسجد منقوش أيضا ما يقتضي أن الناصر بن قلاوون جدّد فيه شيئا سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وجدد غالب سقفه الموجود اليوم الأشرف برسباي على يد ابن قاسم المحلى أحد مشايخ الخدّام سنة أربعين وثمانمائة. وقد سقطت منارته سنة سبع وسبعين وثمانمائة، فجدّدها متولي العمارة في زماننا الجناب الخواجكي الشمسي بن الزمن- عامله الله بلطفه- في سنة إحدى وثمانين وثمانمائة في أثناء عمارته السابقة بالمسجد النبوي بعد هدمها إلى الأساس، وهدم الأسطوانة التي كانت لاصقة بها، وكانت تلك الأسطوانة محكمة بالرصاص، وأعيدت بغير رصاص،

стр. 593

وأبدلوا من أحجارها ما قدمنا أنهم أدخلوه في أسطوان الصندوق التي في جهة الرأس الشريف بالمسجد النبوي. وهدم متولى العمارة أيضا ما يلي المنارة المذكورة من سور المسجد إلى آخر بابه الذي يليها في المغرب، وأعاد بناء ذلك، وجدد بعض سقفه، وبنى السبيل والبركة المقابلين للمسجد في المغرب بالحديقة المعروفة بالسراج العيني الموقوفة على قرابته، وقد كانت المنارة الأولى ألطف من هذه فزاد في طولها؛ فإن ابن النجار قال: وطول منارته من سطحه إلى رأسها اثنان وعشرون ذراعا، وعلى رأسها قبة طولها نحو عشرة أذرع، قال: وعرض المنارة من جهة القبلة عشرة أذرع شافّة، ومن المغرب ثمانية، وذكر قبل ذلك أن ارتفاع المسجد في السماء عشرون ذراعا؛ فيكون جملة طول المنارة الأولى اثنين وخمسين ذراعا من أعلاها إلى أسفل الأرض، وهو يقرب لما نقله ابن شبة في وصف المنارة المذكورة، فإنه قال: وطول منارته خمسون ذراعا، وعرضها تسعة أذرع وشبر في تسعة أذرع، انتهى. وذرع هذه المنارة المجددة اليوم من الأرض الخارجة عن المسجد إلى أعلى قبتها أحد وستون ذراعا، وعرضها تسعة أذرع في المشرق والقبلة، وهناك بابها. ونقل ابن شبة عن أبي غسان أن طول مسجد قباء وعرضه سواء، وهو ست وستون ذراعا. قال: وطول ذرعه في السماء تسعة عشر ذراعا، وطول رحبته التي في جوفه- يعني صحنه- خمسون ذراعا، وعرضها ستة وعشرون ذراعا. وذكر ابن النجار نحوه، فقال: طول ثمانية وستون ذراعا تشف قليلا، وعرضه كذلك. قلت: وقد اختبرت ذلك فكان ذرع طوله من المشرق إلى المغرب مما يلي الشام ثمانية وستين ذراعا ونصفا، وكان عرضه من القبلة إلى الشام تسعة وسبعين ذراعا، وذرع طوله بين المشرق والمغرب مما يلي جدار القبلة أرجح من سبعين ذراعا بيسير، وطول ذرعه في السماء من أرض المسجد إلى سقفه تسعة عشر ذراعا، وطوله من خارجه من البلاط الذي في غربيه إلى أعلى شراريفه أربعة وعشرون ذراعا، وذرع طول صحنه من المشرق إلى المغرب أحد وخمسون ذراعا، وعرض صحنه من القبلة إلى الشام ستة وعشرون ذراعا وربع، وهذا الصحن هو الذي عبر عنه أبو غسان بالرحبة في جوفه؛ فصح بذلك أن رحبة المسجد اليوم على ما كانت عليه في زمن أبي غسان وغيره من المؤرخين الذين قدمنا كلامهم، وأن ما قدمناه في بيان مصلّى النبي ﷺ بكونه عند المحراب الذي بجانب الأسطوانة التي في رحبة المسجد اليوم صحيح، وأن ما قاله المجد من كون تلك الدكة المتقدم وصفها بصحن المسجد غير صحيح. وقال ابن جبير في رحلته: إن مسجد قباء سبع بلاطات، يعني أروقة كما هو في

стр. 594

زماننا، وبيانه أن المسقف القبلي ثلاثة أروقة، والشامي اثنان، وفي المغرب رواق واحد يلي باب المسجد اليوم، وفي المشرق في مقابلته رواق واحد أيضا. وذكر ابن النجار في عدد أساطينه ما يوافق كونه على سبعة أروقة أيضا؛ فقال: وفي المسجد تسعة وثلاثون أسطوانا، بين كل أسطوان وأسطوان سبعة أذرع شافّة. قلت: وعددها اليوم كذلك؛ لأن جهة القبلة ثلاثة صفوف كل صف سبعة أساطين بين المشرق والمغرب، وجهة الشام صفان كل صف سبعة أيضا، وفيما يلي الرحبة من المغرب أسطوانتان، وفيما يليها من المشرق أسطوانتان، وجملة ذلك ما ذكره. ووقع فيما نقله ابن شبة عن ابن عساكر في النسخة التي وقعنا عليها تصحيف في عدد الأساطين، وما قدمناه هو الصواب. قال ابن النجار: وفي جدرانه طاقات نافذة إلى خارج في كل جانب ثمان طاقات، إلا الجانب الذي يلي الشام فإن الثامنة فيها المنارة. قلت: ولما أعادوا بناء ما هدموه مما حول المنارة المذكورة في زماننا سدّوا من الجهة الشامية طاقة أخرى مما يلي المنارة المذكورة، وسدّوا مما يليها من جهة المغرب ثلاث طاقات أيضا، فإنهم جعلوا الجدار في بنائهم مصمتا كله، والله أعلم. بيان ما ينبغي أن يزار بقباء من الآثار تتميما للفائدة دار سعد بن خيثمة منها: دار سعد بن خيثمة، وقد تقدم أن باب مسجد قباء المسدود في المغرب بفناء دار سعد بن خيثمة، وهي في قبلة مسجد قباء، والجانب الذي يلي هذا الباب المسدود منها يدخله الناس للزيارة ويسمونه مسجد علي رضي الله تعالى عنه، وكأنه المراد بما سيأتي في الفصل الرابع في مسجد دار سعد بن خيثمة. وروى ابن شبة عن أبي أمامة عن أبيه أن النبي ﷺ «اضطجع في البيت الذي في دار سعد بن خيثمة بقباء» وعن ابن وقش أن النبي ﷺ «دخل بيت سعد بن خيثمة بقباء، وجلس فيه» وروى ابن زبالة عنه أنه قال: يزعمون أن النبي ﷺ توضأ من المهراس الذي يلي دار سعد بن خيثمة بقباء. دار كلثوم بن الهدم ومنها: دار كلثوم بن الهدم، وهي إحدى الدور التي قبلى المسجد أيضا، يدخلها الناس للزيارة والتبرك. وقد قدمنا نزوله ﷺ على كلثوم بن الهدم بداره لمّا قدم قباء، وكذلك أهله وأهل أبي بكر حين قدموا.

стр. 595

بئر أريس ومنها بئر أريس، وسيأتي ما جاء فيها في الآثار، قال ابن جبير في رحلته: وبإزائها دار عمر، ودار فاطمة، ودار أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم. ولعله يريد أماكن نزولهم قبل التحوّل إلى المدينة، والله أعلم. ما جاء في بيان طريقه ﷺ إلى قباء ذاهبا وراجعا طريق النبي ﷺ إلي قباء ذاهبا وراجعا قال أبو غسان فيما نقله ابن شبة: أخبرني الحارث بن إسحاق قال: كان إسحاق بن أبي بكر بن إسحاق يحدث أن مبدأ رسول الله ﷺ في مركبه إلى قباء أن يمر على المصلى، ثم يسلك في موضع الزقاق بين دار كثير بن الصّلت ودار معاوية بالمصلى، ثم يرجع راجعا على طريق دار صفوان بن سلمة التي عند سقيفة محرق، ثم يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط، قال: فذكر إسحاق أنه رأى الوليد بن عبد الملك سلك هذه الطريق على هذه الصفة في مبدئه ورجعته من قباء. قلت: وهو يقتضي أن طريقه ﷺ كانت من جهة الدّرب المعروف اليوم بدرب سويقة في الذهاب والرجوع؛ لأن المصلى ومسجد بني زريق في جهته، وقد سبق في المصلى أن دار كثير بن الصّلت كان قبلة المصلى، وسبق ما يؤخذ منه أن دار معاوية ﵁ كانت مقابلها. وقوله «حتى يخرج إلى البلاط» أي الآخذ من باب السلام إلى جهة درب سويقة؛ لما سبق في الكلام على المصلي من رجوعه ﷺ على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط من زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث المتقدم بيانه في الدور التي في ميمنة البلاط المذكور، وكثير من الناس اليوم يسلكون إلى قباء من طريق درب البقيع؛ لكونها أقصد يسيرا. ذرع الطريق وقد ذرعت الطريق من هذه الجهة فكان بين عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب جبريل وعتبة باب مسجد قباء سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع بذراع اليد المتقدم تحريره يشفّ يسيرا، وذلك ميلان وخمسا سبع ميل. وسيأتي في ترجمة قباء ما وقع للناس من الخبط في بيان هذه المسافة، فإن أسقطت حصة ما بين باب جبريل وباب درب البقيع من ذلك كانت المسافة بين باب سور المدينة المذكور وباب مسجد قباء ميلين إلا مائتي ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا، والله أعلم.

стр. 596

[مسجد الضّرار] ما جاء في مسجد الضّرار مما ينوّه بقدر مسجد قباء بناة مسجد الضرار روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [التوبة: ١٠٧] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدّا فقال لهم أبو عامر: ابنو مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فات بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا فرغنا من بناء مسجدنا فنحبّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فأنزل الله : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ١٠٨] يعني مسجد قباء أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ إلى قوله: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ يعني قواعده وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: ١٠٩] . وروى ابن شبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدّا، فقال أهل مسجد الضرار: أنحن نصلي في مربط حمار لية؟ لا، لعمر الله، لكنّا نبني مسجدّا فنصلي فيه حتى يجئ أبو عامر فيؤمّنا فيه، وكان أبو عامر فرّ من الله ورسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها، فأنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً الآيات. وعن سعيد بن جبير أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدّا، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ فدعوه ليصلي فيه، ففعل فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عمرو بن عوف، يشك، فقالوا: لا، نبني نحن مسجدّا وندعو النبيّ ﷺ فيصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا، ولعل أبا عامر يصلي فيه، وكان بالشام، فابتنوا مسجدّا، وأرسلوا إلى النبي ﷺ ليصلي، فقام ليأتيهم، وأنزل القرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ١٠٧ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ١٠٨ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٠٩ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [التوبة: ١٠٧- ١١٠] ، قال: قال عكرمة: إلى أن تقطع قلوبهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ١١٠] . حرق مسجد الضرار وأسند الطبري فيما قاله ابن عطية عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أن النبي ﷺ «أقبل من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان

стр. 597

أصحاب مسجد الضّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدّا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله ﷺ مالك ابن الدخشم ومعن بن عدي، أو أخا عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف. وفي رواية ذكرها البغوي أن الذين أمرهم النبي ﷺ بهدمه وإحراقه انطلقوا سريعا حتى أتوا سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهالي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخيل، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله وأمر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كناسة تلقي فيها الجيف والنتن والقمامة. وقال ابن النجار: هذا المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء، وكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي ﷺ ، ويستهزئون به. أسماء بناة مسجد الضرار قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خدام بن خالد، وهو من بني عبيد بن زيد بن مالك ومن داره أخرجه، وثعلبة بن حاطب من بني أمية بن زيد أي أحد بني عمرو بن عوف، ومعتّب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأذعر، وعياد بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجار بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، ومخرج ومجاد بن عثمان، سبعتهم من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن زيد، انتهى. وقال بعضهم: إن رجالا من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف كان فيهم نفاق حسدوا قومهم بني عمرو بن عوف، وكان أبو عامر المعروف بالراهب- وسماه النبي ﷺ بالفاسق- منهم. قلت: وهو من بني ضبيعة أحد بني عمرو بن عوف من الأوس، وتقدم أن بني غنم ابن عوف وبني سالم بن عوف من الخزرج وليسوا بقباء، ففي هذا القول نظر. قال: فكتب أبو عامر وهو بالشام إلى المنافقين من قومه أن يبنوا مسجدّا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له، فإني ساتي بجيش أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه وقالوا: سيأتي أبو عامر ويصلي فيه، ونتخذه متعبدا، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ١٠٧] .

стр. 598

وروى أن رسول الله ﷺ لما نزلت لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً [التوبة: ١٠٨] كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وهذا مما يؤيد ما قدمناه من أن المراد من قوله تعالى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [التوبة: ١٠٨] مسجد قباء. وقال ابن عطية: روى عن ابن عمر أنه قال: المراد بالمسجد المؤسّس على التقوى هو مسجد رسول الله ﷺ ، والمراد يعني بقوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ [التوبة: ١٠٩] هو مسجد قباء، وأما البنيان الذي أسّس على شفا جرف هار فهو مسجد الضّرار بالإجماع. وقوله «فانهار به في نار جهنم» قال ابن عطية: الظاهر منه ومما صح من خبرهم وهدم رسول الله ﷺ مسجدهم أنه خارج مخرج المثل لهم: أي حالهم كمن ينهار بنيانه في نار جهنم. وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن جريج. وروى عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ . وروى أن رسول الله ﷺ رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة، ففزع لذلك رسول الله ﷺ . وروى أنهم لم يصلّوا فيه أكثر من ثلاثة أيام، وانهار في الرابع. قال ابن عطية: وهذا كله بإسناد لين، والأول أصح. واسند الطبري عن خلف بن يامين أنه قال: رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر في القرآن، ورأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان، وذلك في زمن أبي جعفر المنصور. وقيل: كان الرجل يدخل فيه سعفة فتخرج سوداء محترقة، ونقل عن ابن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [التوبة: ١٠٩] . الخلاف في موضع مسجد الضرار قال الجمال المطري: وأما مسجد الضّرار فلا أثر له، ولا يعرف له مكان فيما حول مسجد قباء، ولا غير ذلك. قلت: وهو كذلك، لكن بالنسبة إلى زمنه وزمننا؛ فقد قال ابن جبير في رحلته: وهذا المسجد مما يتقرب الناس إلى الله برجمه وهدمه وكان مكانه بقباء عارض به اليهود مسجد قباء. وقوله «اليهود» صوابه المنافقون. وقال ابن النجار: وهذا المسجد قريب من مسجد قباء، وهو كبير، وحيطانه عالية، وتؤخذ منه الحجارة، وقد كان بناؤه مليحا، انتهى. وهذا يقتضي وجوده في زمن ابن النجار على تلك الحالة، وقد قال المطري: إنه وهم لا أصل له، وتعقبه المجد بأنه لا يلزم من وجوده زمان ابن النجار كذلك استمراره، وقد

стр. 599

تبع ابن النجار في ذلك غيره إن لم يكن شاهده، فهذا البشاري يقول: ومنها مسجد الضّرار يتطوّع العوام بهدمه، وتبعه ياقوت في معجمه، وابن جبير في رحلته، انتهى. وقال ابن النجار أيضا، في ذكر المساجد المعروفة في زمنه ما لفظه: واعلم أن بالمدينة مساجد خرابا فيها المحاريب وبقايا الأساطين وتنقض وتؤخذ حجارتها: منها مسجد بقباء قريب من مسجد الضّرار فيه أسطوان قائمة. قلت: وهذا غير معروف اليوم، وهو صريح في اشتهار مسجد الضرار في زمنه بقباء حتى عرف به المسجد المذكور. ووقع في كلام عياض في المشارق، وتبعه المجد، ما يقتضي أن مسجد الضّرار بذي أوان؛ فإنه قال في ذروان: إن روايته بلفظ ذي أوان وهم. قال: وهو موضع خر على ساعة من المدينة، هو الذي بنى فيه مسجد الضرار، هذا لفظه. ولعل مراده هو الذي وقع ذكر بنائه به في حديث مسجد الضرار؛ لما قدمناه من أن أصحابه جاؤوا للنبي ﷺ وهو بذي أوان، وأخبروه ببنائه، والله أعلم. الفصل الثالث في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا بالمدينة الشريفة وما حولها اعلم أن الاعتناء بهذا الغرض متعين؛ فقد قال البغوي من الشافعية: المساجد التي ثبت أن النبي ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة، واعتناء السلف بتتبع آثار النبي ﷺ معلوم- سيما ما جاء في ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما- وقد استفرغنا الوسع في تتبعها. فمنها: مسجد الجمعة، ويقال «مسجد الوادي» قد تقدم في الفصل الحادي عشر من الباب الثالث أن النبي ﷺ لما خرج من قباء مقدمه المدينة أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي، وادي ذي صلب- بضم أوله- وأن ابن إسحاق قال: إن الجمعة أدركته في وادي رانونا، يعني ببني سالم، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وفي رواية لابن زبالة «فمر على بني سالم فصلى فيهم الجمعة في القبيب ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطني الوادي» وفي رواية له «صلى رسول الله ﷺ أول جمعة بالناس في القبيب» ببني سالم فهو المسجد الذي بناه عبد الصمد» . والمراد أن موضع المسجد يسمى بالقبيب، وسيأتي في أودية المدينة أن سيل ذي صلب وسيل رانونا يصلان إلى موضع مسجد الجمعة، فلا مخالفة بين هذه العبارات، وإن غلب اشتهار اسم رانونا على ذلك الموضع دون بقية الأسماء. وروى ابن شبة عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «جّمع في أول

стр. 600

جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة» وعن إسماعيل بن أبي فديك عن غير واحد ممن يثق به من أهل البلد أن أول جمعة جمعها النبي ﷺ حين أقبل من قباء إلى المدينة في مسجد بني سالم الذي يقال له مسجد عاتكة. وقال المطري: في شمالي هذا المسجد أطم خراب يقال له «المزدلف» أطم عتبان بن مالك، والمسجد في بطن الوادي صغير جدّا، مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو الذي كان يحول السبيل بينه وبين عتبان بن مالك إذا سال؛ لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربيّ هذا الوادي على طرف الحرة، وآثارهم باقية هناك، فسأل عتبان رسول الله ﷺ أن يصلي له في بيته في مكان يتخذه مصلى، ففعل ﷺ . قلت: قصة عتبان المشار إليها مروية في الصحيح بلفظ أن عتبان أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، الحديث. وسيأتي في المساجد التي لا تعلم عينها أن بني سالم لهم مسجد آخر هو مسجدهم الأكبر؛ فالذي يظهر أنه المراد من حديث عتبان، وأما هذا فهو مسجدهم الأصغر وقد تهدم بناؤه الذي أشار إليه المطري، فجرده بعض الأعاجم على هيئته اليوم، مقدّمه رواق مسقف فيه عقدان بينهما أسطوان، وخلفه رحبة، وطوله من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا، وعرضه من الجدار الشرقي إلى الغربي مما يلي محرابه ستة عشر ذراعا ونصف، وكان سقفه قد خرب فجدده المرحوم الخواجا الرئيس الجواد المفضّل شمس الدين قاوان تغمده الله برحمته. ومصلى رسول الله ﷺ في بيت غسان ليس في الأطم المذكور، بل عند أصله كما سيأتي. مسجد الفضيخ ومنها: مسجد الفضيح- بفتح الفاء وكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية وخاء معجمة- قال المطري: ويعرف اليوم بمسجد الشمس وهو شرقي مسجد قباء على شفير الوادي، على نشز من الأرض، مرضوم بحجارة سود، وهو مسجد صغير. وروى ابن شبة وابن زبالة ويحيى في عدة أحاديث أن النبي ﷺ «صلى بمسجد الفضيخ» . وروى الأولان- واللفظ لابن شبة- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: حاصر النبيّ ﷺ بني النضير، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ، وكان يصلّي في موضع مسجد الفضيخ ستّ ليال، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب في نفر من الأنصار، وهم يشربون فيه فضيخا، فحلّوا وكاء السّقاء فهراقوه فيه؛ فبذلك سمي مسجد الفضيخ.
следующие страницы →