[مسجد الضّرار]
ما جاء في مسجد الضّرار مما ينوّه بقدر مسجد قباء بناة مسجد الضرار
روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [التوبة: ١٠٧] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدّا فقال لهم أبو عامر: ابنو مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فات بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا فرغنا من بناء مسجدنا فنحبّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فأنزل الله :
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ١٠٨] يعني مسجد قباء أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ إلى قوله: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ يعني قواعده وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: ١٠٩] .
وروى ابن شبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدّا، فقال أهل مسجد الضرار: أنحن نصلي في مربط حمار لية؟ لا، لعمر الله، لكنّا نبني مسجدّا فنصلي فيه حتى يجئ أبو عامر فيؤمّنا فيه، وكان أبو عامر فرّ من الله ورسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها، فأنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً الآيات.
وعن سعيد بن جبير أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدّا، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ فدعوه ليصلي فيه، ففعل فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عمرو بن عوف، يشك، فقالوا: لا، نبني نحن مسجدّا وندعو النبيّ ﷺ فيصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا، ولعل أبا عامر يصلي فيه، وكان بالشام، فابتنوا مسجدّا، وأرسلوا إلى النبي ﷺ ليصلي، فقام ليأتيهم، وأنزل القرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ١٠٧ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ١٠٨ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٠٩ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [التوبة:
١٠٧- ١١٠] ، قال: قال عكرمة: إلى أن تقطع قلوبهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ١١٠] .
حرق مسجد الضرار
وأسند الطبري فيما قاله ابن عطية عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أن النبي ﷺ «أقبل من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان
стр. 597
أصحاب مسجد الضّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدّا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله ﷺ مالك ابن الدخشم ومعن بن عدي، أو أخا عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف.
وفي رواية ذكرها البغوي أن الذين أمرهم النبي ﷺ بهدمه وإحراقه انطلقوا سريعا حتى أتوا سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهالي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخيل، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله وأمر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كناسة تلقي فيها الجيف والنتن والقمامة.
وقال ابن النجار: هذا المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء، وكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي ﷺ ، ويستهزئون به.
أسماء بناة مسجد الضرار
قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خدام بن خالد، وهو من بني عبيد بن زيد بن مالك ومن داره أخرجه، وثعلبة بن حاطب من بني أمية بن زيد أي أحد بني عمرو بن عوف، ومعتّب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأذعر، وعياد بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجار بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، ومخرج ومجاد بن عثمان، سبعتهم من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن زيد، انتهى.
وقال بعضهم: إن رجالا من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف كان فيهم نفاق حسدوا قومهم بني عمرو بن عوف، وكان أبو عامر المعروف بالراهب- وسماه النبي ﷺ بالفاسق- منهم.
قلت: وهو من بني ضبيعة أحد بني عمرو بن عوف من الأوس، وتقدم أن بني غنم ابن عوف وبني سالم بن عوف من الخزرج وليسوا بقباء، ففي هذا القول نظر.
قال: فكتب أبو عامر وهو بالشام إلى المنافقين من قومه أن يبنوا مسجدّا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له، فإني ساتي بجيش أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه وقالوا: سيأتي أبو عامر ويصلي فيه، ونتخذه متعبدا، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ١٠٧] .
стр. 598
وروى أن رسول الله ﷺ لما نزلت لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً [التوبة: ١٠٨] كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وهذا مما يؤيد ما قدمناه من أن المراد من قوله تعالى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [التوبة: ١٠٨] مسجد قباء.
وقال ابن عطية: روى عن ابن عمر أنه قال: المراد بالمسجد المؤسّس على التقوى هو مسجد رسول الله ﷺ ، والمراد يعني بقوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ [التوبة: ١٠٩] هو مسجد قباء، وأما البنيان الذي أسّس على شفا جرف هار فهو مسجد الضّرار بالإجماع.
وقوله «فانهار به في نار جهنم» قال ابن عطية: الظاهر منه ومما صح من خبرهم وهدم رسول الله ﷺ مسجدهم أنه خارج مخرج المثل لهم: أي حالهم كمن ينهار بنيانه في نار جهنم. وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن جريج. وروى عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ . وروى أن رسول الله ﷺ رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة، ففزع لذلك رسول الله ﷺ . وروى أنهم لم يصلّوا فيه أكثر من ثلاثة أيام، وانهار في الرابع. قال ابن عطية: وهذا كله بإسناد لين، والأول أصح.
واسند الطبري عن خلف بن يامين أنه قال: رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر في القرآن، ورأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان، وذلك في زمن أبي جعفر المنصور.
وقيل: كان الرجل يدخل فيه سعفة فتخرج سوداء محترقة، ونقل عن ابن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [التوبة: ١٠٩] .
الخلاف في موضع مسجد الضرار
قال الجمال المطري: وأما مسجد الضّرار فلا أثر له، ولا يعرف له مكان فيما حول مسجد قباء، ولا غير ذلك.
قلت: وهو كذلك، لكن بالنسبة إلى زمنه وزمننا؛ فقد قال ابن جبير في رحلته: وهذا المسجد مما يتقرب الناس إلى الله برجمه وهدمه وكان مكانه بقباء عارض به اليهود مسجد قباء.
وقوله «اليهود» صوابه المنافقون.
وقال ابن النجار: وهذا المسجد قريب من مسجد قباء، وهو كبير، وحيطانه عالية، وتؤخذ منه الحجارة، وقد كان بناؤه مليحا، انتهى.
وهذا يقتضي وجوده في زمن ابن النجار على تلك الحالة، وقد قال المطري: إنه وهم لا أصل له، وتعقبه المجد بأنه لا يلزم من وجوده زمان ابن النجار كذلك استمراره، وقد
стр. 599
تبع ابن النجار في ذلك غيره إن لم يكن شاهده، فهذا البشاري يقول: ومنها مسجد الضّرار يتطوّع العوام بهدمه، وتبعه ياقوت في معجمه، وابن جبير في رحلته، انتهى.
وقال ابن النجار أيضا، في ذكر المساجد المعروفة في زمنه ما لفظه: واعلم أن بالمدينة مساجد خرابا فيها المحاريب وبقايا الأساطين وتنقض وتؤخذ حجارتها: منها مسجد بقباء قريب من مسجد الضّرار فيه أسطوان قائمة.
قلت: وهذا غير معروف اليوم، وهو صريح في اشتهار مسجد الضرار في زمنه بقباء حتى عرف به المسجد المذكور.
ووقع في كلام عياض في المشارق، وتبعه المجد، ما يقتضي أن مسجد الضّرار بذي أوان؛ فإنه قال في ذروان: إن روايته بلفظ ذي أوان وهم. قال: وهو موضع خر على ساعة من المدينة، هو الذي بنى فيه مسجد الضرار، هذا لفظه.
ولعل مراده هو الذي وقع ذكر بنائه به في حديث مسجد الضرار؛ لما قدمناه من أن أصحابه جاؤوا للنبي ﷺ وهو بذي أوان، وأخبروه ببنائه، والله أعلم.
الفصل الثالث في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا بالمدينة الشريفة وما حولها
اعلم أن الاعتناء بهذا الغرض متعين؛ فقد قال البغوي من الشافعية: المساجد التي ثبت أن النبي ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة، واعتناء السلف بتتبع آثار النبي ﷺ معلوم- سيما ما جاء في ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما- وقد استفرغنا الوسع في تتبعها.
فمنها: مسجد الجمعة، ويقال «مسجد الوادي» قد تقدم في الفصل الحادي عشر من الباب الثالث أن النبي ﷺ لما خرج من قباء مقدمه المدينة أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي، وادي ذي صلب- بضم أوله- وأن ابن إسحاق قال: إن الجمعة أدركته في وادي رانونا، يعني ببني سالم، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وفي رواية لابن زبالة «فمر على بني سالم فصلى فيهم الجمعة في القبيب ببني سالم، وهو المسجد الذي في بطني الوادي» وفي رواية له «صلى رسول الله ﷺ أول جمعة بالناس في القبيب» ببني سالم فهو المسجد الذي بناه عبد الصمد» .
والمراد أن موضع المسجد يسمى بالقبيب، وسيأتي في أودية المدينة أن سيل ذي صلب وسيل رانونا يصلان إلى موضع مسجد الجمعة، فلا مخالفة بين هذه العبارات، وإن غلب اشتهار اسم رانونا على ذلك الموضع دون بقية الأسماء.
وروى ابن شبة عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «جّمع في أول
стр. 600
جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة» وعن إسماعيل بن أبي فديك عن غير واحد ممن يثق به من أهل البلد أن أول جمعة جمعها النبي ﷺ حين أقبل من قباء إلى المدينة في مسجد بني سالم الذي يقال له مسجد عاتكة.
وقال المطري: في شمالي هذا المسجد أطم خراب يقال له «المزدلف» أطم عتبان بن مالك، والمسجد في بطن الوادي صغير جدّا، مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو الذي كان يحول السبيل بينه وبين عتبان بن مالك إذا سال؛ لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربيّ هذا الوادي على طرف الحرة، وآثارهم باقية هناك، فسأل عتبان رسول الله ﷺ أن يصلي له في بيته في مكان يتخذه مصلى، ففعل ﷺ .
قلت: قصة عتبان المشار إليها مروية في الصحيح بلفظ أن عتبان أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، الحديث.
وسيأتي في المساجد التي لا تعلم عينها أن بني سالم لهم مسجد آخر هو مسجدهم الأكبر؛ فالذي يظهر أنه المراد من حديث عتبان، وأما هذا فهو مسجدهم الأصغر وقد تهدم بناؤه الذي أشار إليه المطري، فجرده بعض الأعاجم على هيئته اليوم، مقدّمه رواق مسقف فيه عقدان بينهما أسطوان، وخلفه رحبة، وطوله من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا، وعرضه من الجدار الشرقي إلى الغربي مما يلي محرابه ستة عشر ذراعا ونصف، وكان سقفه قد خرب فجدده المرحوم الخواجا الرئيس الجواد المفضّل شمس الدين قاوان تغمده الله برحمته.
ومصلى رسول الله ﷺ في بيت غسان ليس في الأطم المذكور، بل عند أصله كما سيأتي.
مسجد الفضيخ
ومنها: مسجد الفضيح- بفتح الفاء وكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية وخاء معجمة- قال المطري: ويعرف اليوم بمسجد الشمس وهو شرقي مسجد قباء على شفير الوادي، على نشز من الأرض، مرضوم بحجارة سود، وهو مسجد صغير.
وروى ابن شبة وابن زبالة ويحيى في عدة أحاديث أن النبي ﷺ «صلى بمسجد الفضيخ» .
وروى الأولان- واللفظ لابن شبة- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
حاصر النبيّ ﷺ بني النضير، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ، وكان يصلّي في موضع مسجد الفضيخ ستّ ليال، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب في نفر من الأنصار، وهم يشربون فيه فضيخا، فحلّوا وكاء السّقاء فهراقوه فيه؛ فبذلك سمي مسجد الفضيخ.
стр. 601
قال الزين المراغي: وذلك قبل اتخاذ الموضع مسجدّا، أو كان الإعلام بنجاسة الخمر بعد ذلك لكن المشهور تحريم الخمر في شوال سنة ثلاث، ويقال أربع، وعليه يتمشى؛ لأن غزوة بني النّضير سنة أربع على الأصح.
قلت: الحديث إنما تضمّن صلاة النبي ﷺ بذلك المحل في حصار بني النضير، ولا يلزم من ذلك اتخاذه مسجدّا حينئذ؛ فيجوز أن يكون بناؤه مسجدّا تأخر إلى أن حرّمت الخمر، على أن أحمد روى في مسنده من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ يعني أتى بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مسجد الفضيخ.
ورواه أبو يعلى ولفظه: أتى بجر فضيخ ينشّ»
وهو في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مسجد الفضيخ، وفيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، صعفّه الجمهور، وقيل فيه: يكتب حديثه، وهو أولى بالاعتماد في سبب تسمية المسجد المذكور بذلك؛ لأن ابن زبالة ضعيف، وأما ابن شبة فرواه من طريق عبد العزيز بن عمران وهو متروك، ولم أر في كلام أحد من المتقدمين تسمية المسجد المذكور بمسجد الشمس.
وقال المجد: لا أدري لم اشتهر بهذا الاسم، ولعله لكونه على مكان عال في شرقي مسجد قباء أول ما تطلع الشمس عليه، قال: ولا يظن ظانّ أنه المكان الذي أعيدت الشمس فيه بعد الغروب لعلي رضي الله تعالى عنه؛ لأن ذلك إنما كان بالصهّباء من خيبر، قال عياض في الشفاء: كان رأس النبي ﷺ في حجر علي رضي الله تعالى عنه وهو يوحي إليه، فغربت الشمس ولم يكن عليّ صلى العصر، فقال النبي ﷺ : أصلّيت يا علي؟ قال: لا، فقال: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء:
فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت، ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر، قال عياض: خرّجه الطحاوي في مشكل الحديث، وقال: إن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة.
قال المجد: فهذا المكان أولى بتسميته بمسجد الشمس دون ما سواه، وصرح ابن حزم بأن الحديث موضوع، قال: وقصة ردّ الشمس على عليّ رضي الله تعالى عنه باطلة بإجماع العلماء وسفه قائله.
قلت: والحديث رواه الطبراني بأسانيد قال الحافظ نور الدين الهيتمي: رجال أحدها رجال الصحيح، غير إبراهيم بن حسن، وهو ثقة، وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لم أعرفها، انتهى.
وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن مردويه من
стр. 602
حديث أبي هريرة، وإسنادهما حسن، وممن صححه الطحاوي وغيره، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، بعد ذكر رواية البيهقي له: وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، انتهى.
وهذا المسجد مربع ذرعه من المشرق إلى المغرب أحد عشر ذراعا، ومن القبلة إلى الشام نحوها.
مسجد بني قريظة
ومنها: مسجد بني قريظة، وهو شرقي مسجد الشمس، بعيد عنه، بالقرب من الحرّة الشرقية، على باب حديقة تعرف بحاجزة هي وقف للفقراء، قاله المطري وقد قدمنا في منازل يهود أن أطم الزبير بن باطا كان في موضع مسجد بني قريظة وعنده خراب أبيات من دور بني قريظة شمالي باب الحديقة المذكورة، وبقربه ناس نزول من أهل العالية، وقد روى ابن شبة من طريق محمد بن عقبة بن مالك عن علي بن رافع وأشياخ قومه أن النبي ﷺ «صلّى في بيت امرأة من الخضر، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة» فذلك المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ شرقي بني قريظة عند موضع المنارة التي هدمت، هذا لفظ ابن شبة؛ فينبغي الصلاة في مسجد بني قريظة مما يلي محل المنارة في شرقي المسجد.
وقد روى ذلك ابن زبالة عن محمد بن عقبة، إلا أنه لم يعين المحل المذكور، بل قال:
فأدخل الوليد بن عبد الملك حين بنى المسجد ذلك البيت في مسجد بني قريظة، ويحتمل:
أنه ﷺ صلى في مقدم المسجد أيضا، وإلا لجعلوا ما عند المنارة مقدمة.
قلت: الظاهر أن هذا المسجد هو المذكور في حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله ﷺ للأنصار «قوموا إلى سيّدكم أو خيركم» ثم قال «إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك» فقال: تقتل مقاتلتهم وتسبي ذريتهم، الحديث.
فقوله «قريبا من المسجد» ليس المراد به مسجد المدينة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن به حينئذ، ولذا قال الحافظ ابن حجر: وقوله «فلما بلغ قريبا من المسجد» أي الذي أعدّه النبي ﷺ أيام محاصرته لبني قريظة للصلاة فيه، وأخطأ من زعم أنه غلط من الراوي لظنه أنه أراد بالمسجد المسجد النبوي بالمدينة فقال: إن الصواب ما وقع عند أبي داود من طريق شعبة بإسناد الصحيح بلفظ «فلما دنا من النبي ﷺ » انتهى. وإذا حمل على ما سبق لم يكن بين اللفظين اتفاق، والله أعلم.
قال ابن النجار: وهذا المسجد اليوم باق بالعوالي، كبير، وفيه ست عشرة أسطوانة قد
стр. 603
سقط بعضها، وهو بلا سقف، وحيطانه مهدومة، وقد كان مبنيّا على شكل بناء مسجد قباء، وحوله بساتين ومزارع.
وذكر في ذرعه شيئا الظاهر أنه تحريف فإنه قال: طوله نحو العشرين ذراعا وعرضه كذلك، وهذا لا يطابق ما عليه المسجد اليوم ولا ما قدّمه هو من الوصف ولعله خمن أن ذرعه كذلك في حال غيبته عنه، فقد قال المطري: إن ذرعه نحو من خمسة وأربعين ذراعا، وعرضه كذلك.
قال: وكان فيه أساطين وعقود ومنارة في مثل موضع منارة قباء، فتهدّم على طول الزمان، ووقعت منارته، أثرها اليوم باق تعرف به، وأخذت أحجاره جميعا. قال المطري:
وبقي أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة، فجدّد وبنى عليه حظير مقدار نصف قامة، وكان قد نسي فمن ذلك التاريخ عرف مكانه.
قلت: وهو اليوم على الهيئة التي ذكرها المطري، وقد اختبرت ذرعه فكان من القبلة إلى الشام أربعة وأربعين ذراعا وربعا، ومن المشرق إلى المغرب ثلاثة وأربعين ذراعا، وقد جدّد بناء جداره الشجاعيّ شاهين الجمالي شيخ الحرم النبوي وناظره عام ثلاث وتسعين وثمانمائة.
مشربة أم إبراهيم
ومنها: المسجد الذي يقال له «مشربة أم إبراهيم ﵇» .
وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه وابن شبة من طريق أبي غسان عن ابن أبي يحيى عن يحيى بن محمد بن ثابت أن النبي ﷺ «صلّى في مشربة أم إبراهيم» .
وروى ابن شبة فيما جاء في صدقات النبي ﷺ عن ابن شهاب أن تلك الصّدقات كانت أموالا لمخيريق، كما سيأتي، وعدّ منها مشربة أم إبراهيم، ثم قال: وأما مشربة أم إبراهيم فإذا خلفت بيت مدراس اليهود فجئت مال أبي عبيدة بن عبيد الله بن زمعة الأسدي فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه، وإنما سميت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم ابن النبي ﷺ ولدته فيها، وتعلّقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة، فتلك الخشبة اليوم معروفة، انتهى ما رواه ابن شبة عن ابن شهاب.
قال ابن النجار: وهذا الموضع بالعوالي من المدينة بين النخيل، وهو أكمة قد حوّط عليها بلبن، والمشربة: البستان، وأظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ .
قلت: قال في الصحاح: المشربة بالكسر- أي: بكسر الميم- إناء يشرب فيه، والمشربة بالفتح: الغرفة، وكذلك المشربة بضم الراء، والمشارب: العلالي، وليس في كلامه إطلاق ذلك على البستان، والظاهر أنها كانت عليّة في ذلك البستان، وهو أحد صدقات النبي ﷺ ، وهذا هو الذي يناسب ما تقدم من رواية ابن شبة في سبب تسميتها بذلك.
стр. 604
وقال ابن عبد البرفي الاستيعاب: ذكر الزبير أن مارية ولدت إبراهيم ﵇ بالعالية في الماء الذي يقال له اليوم مشربة أم إبراهيم بالقف.
وروت عمرة عن عائشة حديثا فيه ذكر غيرتها من مارية، وأنها كنت جميلة، قالت:
وأعجب بها رسول الله ﷺ ، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، وكانت جارتنا، وكان رسول الله ﷺ عامة النهار والليل عندها، حتى قذعنا لها- والقذع الشتم- فحوّلها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ، ثم رزقها الله الولد وحرمناه منه.
قال المجد: والمشربة المذكورة مسجد شماليّ بني قريظة قريب من الحرّة الشرقية في موضع يعرف بالدشت، بين نخل تعرف بالأشراف القواسم، من بني قاسم بن إدريس بن جعفر أخي الحسن العسكري، قال: وذرعته فكان طوله نحو عشرة أذرع وعرضه أقل من ذلك بنحو ذراع، وليس عليه بناء ولا جدار، وإنما هو عريصة صغيرة على رويبية، وقد حوّط عليها برضم لطيف من الحجارة السود، قال: وعلى شمالي المشربة دار متهدّمة لم يبق من معالمها سوى بعض الجدارن، يظن الناس أنه مكان دار أبي سيف القبر. والذي يغلب على ظني أن ذلك بقايا أطم بني زعوراء، فإن الزبير بن بكار قال ما نصه: وكان بنو زعوراء عند مشربة أم إبراهيم، ولهم الأطم الذي عندها، وبنو زعوراء من قبائل اليهود.
قلت: دار أبي سيف القبر التي كان إبراهيم ابن النبي ﷺ مسترضعا فيها إنما هي في دار بني مازن بن النجار كما سيأتي. وما ذكره في وصف المسجد المذكور قريب مما هو عليه اليوم لكنّ ذرعه من القبلة إلى الشام أحد عشر ذراعا، ومن المشرق إلى المغرب أربعة عشر ذراعا راجحة، وفي جهة المشرق منه شقيفة لطيفة، وبالقرب منه في جهة المغرب نخيل تعرف بالزبيريات وسيأتي أنها المال الذي كان للزبير بن العوّام فتصدق به، وفيه مسجده الآني، والله أعلم.
مسجد بني ظفر
ومنها: مسجد بني ظفر من الأوس، ويعرف اليوم بمسجد البغلة، وهو بطرف الحرة الشرقية في شرقي البقيع، طريقه من عند القبة المعروفة بفاطمة بنت أسد أمّ علي ﵄ بأقصى البقيع، وقد روى يحيى عن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة أن النبي ﷺ «صلّى في مسجد بني معاوية» أي الآني «ومسجد بني ظفر» .
وقال ابن زبالة: إن إبراهيم بن جعفر حدثه بذلك عن أبيه جعفر المذكور، وروى ابن شبة عن الحارث بن سعيد بن عبيد أن النبي ﷺ «صلى في مسجد بني حارثة مسجد بني ظفر» .
стр. 605
وروى يحيى عن إدريس بن محمد بن يونس بن محمد الظفري عن جده أن رسول الله ﷺ «جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر» وكان زياد بن عبيد الله أن أمر بقلعه حتى جاءته مشيخة بني ظفر وأعلموه أن رسول الله ﷺ جلس عليه، فرده، قال: فقلّ امرأة نزر ولدها تجلس عليه إلا حملت. قال يحيى عقبه: مسجد بني ظفر دون مسجد بني عبد الأشهل، قال: وأدركت الناس بالمدينة يذهبون بنسائهم حتى ربما ذهبوا بهنّ بالليل فيجلسن على هذا الحجر.
قلت: ولم أزل أتأمل في سر ذلك حتى اتضح لي بما رواه الطبراني برجال ثقات عن محمد بن فضالة الظفري، وكان ممن صحب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ «أتاهم في مسجد بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في مسجد بني ظفر اليوم ومعه عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأناس من أصحابه، وأمر النبي ﷺ قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] فبكى رسول الله ﷺ حتى اضطرب لحياه. فقال: «أي ربّ شهيد على من أنا بين ظهرابيه، فكيف بمن لم أر» ؟
قلت: ولم يزل الناس يصفون الجلوس على ذلك الحجر للمرأة التي لا تلد، ويقصدون ذلك المسجد لأجله، غير أني لم أر فيه حجرا يصلح للجلوس عليه، إلا أن في أسفل كتف بابه عن يسار الداخل حجرا مثبتا من داخله، فكأنه هو المراد، والناس اليوم إنما يقصدون حجرا من تلك الصخور التي هي خارجة في غربيه فيجلسون عليه، وهذا بعيد لأن الرواية المتقدمة مصرّحة بأنه في المسجد.
وقال المطري: وعند هذا المسجد آثار في الحرة من جهة القبلة، يقال: إنها أثر حافر بغلة النبي ﷺ ، وفي غربيه أي غربي أثر الحافر أثر على حجر كأنه أثر مرفق يذكر أن النبي ﷺ اتّكأ عليه، ووضع مرفقه الشريف عليه، وعلى حجر آخر أثر أصابع، والناي يتبركون بها.
قلت: ولم أقف في ذلك على أصل، إلا أن ابن النجار قال في المسجد التي أدركها خرابا ما لفظه: ومسجدان قريب البقيع، وذكر ما سيأتي عنه في مسجد الإجابة، ثم قال:
وآخر يعرف بمسجد البغلة فيه أسطوان واحد، وهو خراب، وحوله كثير من الحجارة فيها أثر يقولون: إنه أثر حافري بغلة النبي ﷺ ، انتهى.
وقد بني ما تهدّم منه بعد ابن النجار، إلا أنه لم يجعل له سقفا، فليس به شيء من الأساطين. ورأيت فيه حجر رخام عن يمين محرابه قد كتب فيه ما صورته: خلّد الله ملك الإمام أبي جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين. عمر سنة ثلاثين وستمائة، وذرعته
стр. 606
فكان مربعا، طوله من القبلة إلى الشام أحد وعشرون ذراعا، ومن المشرق إلى المغرب مثل ذلك، والله أعلم.
مسجد الإجابة
ومنها: مسجد الإجابة، وهو مسجد بني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس، كما قدمناه في المنازل مع بيان ما وقع للمطري ومن تبعه من الوهم في جعلهم من بني مالك بن النجار من الخزرج، وبيان منشأ الوهم، وما ناقض المطري به كلامه عند ذكره مسجد بني جديلة، وهو مسجد أبيّ الآتي في الفصل بعده.
وقد روينا في صحيح مسلم من حديث عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله ﷺ «أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربّه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالسّنة فأعطاني، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، فسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها، فهذا سبب تسمية هذا المسجد بمسجد الإجابة.
وروى ابن شبة بسند جيد، وهو في الموطأ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية، وهي قريبة من قرى الأنصار، فقال:
تدرون أين صلّى النبي ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، وأشرت له إلى ناحية منه، قال:
فهل تدرون ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني، قلت دعا أن لا يظهر عليهم عدو من غيرهم، وأن لا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، ودعا أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، قال: صدقت، فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان مع النبي ﷺ فمرّ بمسجد بني معاوية، فدخل فركع فيه ركعتين، ثم قام فناجى ربّه، ثم انصرف.
ونقل ابن شبة أيضا عن أبي غسان عن محمد بن طلحة أنه قال: بلغني أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني معاوية على يمين المحراب نحوا من ذراعين.
قلت: فينبغي أن يتحرّى بالصلاة ذلك المحل، وأن يكون الدعاء فيه قائما بعد الصلاة؛ للرواية المتقدمة.
وهذا المسجد هو المراد بقول ابن النجار في المسجدين اللذين أدركهما خرابا قريب البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة وفيه أسطوانات قائمة ومحراب مليح وباقية خراب.
قلت: ليس به اليوم شيء من الأساطين، وقد رمّم ما تخرب منه، وهو في شمالي البقيع على يسار السالك إلى العريض، وسط تلول هي آثار قرية بني معاوية، وذرّعته فكان من المشرق إلى المغرب خمسة وعشرين ذراعا ينقص يسيرا، وكان من القبلة إلى الشام عشرين ذراعا ينقص يسيرا.
стр. 607
مسجد الفتح
ومنها: مسجد الفتح، والمساجد التي حوله في قبلته، وتعرف اليوم كلها بمساجد الفتح، والأول المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب غربيه وادي بطحان، وهو المراد بمسجد الفتح حيث أطلقوه، ويقال له أيضا «مسجد الأحزاب» و «المسجد الأعلى» .
وروينا في مسند أحمد برجال ثقات عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ «دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه» قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهمّ غليظ إلا توخّيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة، ورواه ابن زبالة والبزار وغيرهما.
وروينا في مسند أحمد أيضا بإسناد فيه رجل لم يسم عن جابر أيضا أن النبي ﷺ «أتى مسجد يعني، الأحزاب، فوضع رداءه وقام، ورفع يديه مدا يدعو عليهم، ولم يصل، ثم جاء ودعا عليهم وصلى» .
وروى ابن شبة عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «قعد على موضع مسجد الفتح وحمد الله ودعا عليهم وعرض أصحابه وهو عليه» .
وعن سعيد مولى المهديين قال: «أقبل النبي ﷺ من الجرف، فأدركته صلاة العصر فصلاها في المسجد الأعلى» .
وروى ابن زبالة ويحيى وابن النجار من غير طريقهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ «مرّ بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر، فرقي فصلى فيه صلاة العصر» .
وروى ابن زبالة عن المطلب مرسلا أن النبي ﷺ «دعا في مسجد الفتح يوم الأحزاب حتى ذهبت الظهر وذهبت العصر وذهبت المغرب، ولم يصل منهن شيئا، ثم صلاهن جميعا بعد المغرب» .
قلت: وفيه بيان الشغل الذي أخر لأجله تلك الصلاة؛ فإن المعروف تأخيرها أو تأخير العصر فقط كما في الصحيح من غير بيان هذا السبب، وذلك كان قبل مشروعية صلاة الخوف.
وروى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ «دخل مسجد الفتح فخطا خطوة ثم الخطوة الثانية، ثم قام ورفع يديه إلى الله حتى رؤي بياض إبطيه- وكان أعفر الإبطين فدعا حتى سقط رداؤه عن ظهره، فلم يرفعه حتى دعا ودعا كثيرا، ثم انصرف» .
وعن جابر قال: «صلّى رسول الله ﷺ من وراء مسجد الفتح نحو المغرب» .
ورواه ابن شبة عنه بلفظ «دعا النبي ﷺ على الجبل الذي عليه مسجد الفتح من ناحية المغرب، وصلى من وراء المسجد» أي في الرحبة.
стр. 608
قال ابن شبة: قال أبو غسان: وسمعت غير واحد ممن يوثق به يذكر أن الموضع الذي دعا عليه رسول الله ﷺ من الجبل هو اليوم إلى الأسطوان الوسطى الشارعة في رحبة المسجد.
قلت: ويستفاد منه: أن الصلاة والدعاء هنالك يتحرّى بهما وسط المسجد في الرحبة مما يلي سقفه، ومقتضى الرواية الأولى أن تكون أقرب إلى جهة المغرب، وإذا ضممت إلى ذلك الرواية المتقدمة من أن ﷺ «خطا خطوة ثم الخطوة الثانية، ثم قام ورفع يديه» ظهر لك أن طريقه ﷺ كانت من جهة الدرجة الشمالية.
وروى يحيى عن هارون بن كثير عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ «دعا يوم الخندق على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح» قال يحيى: فدخلت مع الحسين بن عبد الله مسجد الفتح، فلما بلغ الأسطوانة الوسطى من المسجد قال: هذا موضع مصلّى رسول الله ﷺ الذي دعا فيه على الأحزاب، وكان يصلي فيه إذا جاء مسجد الفتح.
وروى ابن شبة عن جابر قال: دعا النبي ﷺ في المسجد المرتفع، ورفع يديه مدا.
وعن سالم أبي النصر قال: دعا النبي ﷺ يوم الخندق «اللهمّ منزّل الكتاب، ومنشئ السحاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» .
وروى ابن زبالة من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان قال: أخبرني من صلى وراء النبي ﷺ في مسجد الفتح ثم دعا فقال: «اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة، فلا مكرم لمن أهنت، ولا مهين لمن أكرمت، ولا معزّ لمن أذللت: ولا مذلّ لمن أعززت، ولا ناصر لمن خذلت، ولا خاذل لمن نصرت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا رازق لمن حرمت، ولا حارم لمن رزقت، ولا رافع لمن خفضت، ولا خافض لمن رفعت، ولا خارق لمن سترت، ولا ساتر لمن خرقت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت» .
وذكر القرطبي دعاء آخر في رواية يتضمن أن الدعاء وقع من النبي ﷺ هناك في الليلة التي أرسل الله فيها الريح على الأحزاب، ولا مانع من أن يكون النبي ﷺ دعا في تلك الليلة أيضا هناك، ولفظه: ولما اشتد الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق قام ﵊ على التلّ الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي وتوقّع ما وعده الله من النصر. وقال: من يذهب ليأتينا بخبرهم؟ قال: فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله ﷺ يده يقول: «يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، ويا كاشف همي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي» فنزل جبريل فقال: إن الله سمع دعوتك وكفاك هول عدوك، فخرّ رسول الله ﷺ على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه، وهو يقول: شكرا
стр. 609
كما رحمتني ورحمت أصحابي، وأخبره جبريل بأن الله مرسل عليهم ريحا، فبشر أصحابه بذلك.
قلت: فينبغي أن يدعى بذلك كله هناك، فيقول: اللهم يا صريخ المستصرخين والمكروبين، ويا غياث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرين، صلّ على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، واكشف عني كربي وغمي وحزني وهمي، كما كشفت عن حبيبك ورسولك ﷺ كربه وحزنه وغمه وهمه في هذا المقام، وأنا أتشفع إليك به ﷺ في ذلك، يا حنان يا منان يا ذا الجود والإحسان.
ويقدم عليه ما في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ «كان يدعو عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات ورب الأرضين رب العرش الكريم» . وكذلك دعاء الشافعي رحمه الله تعالى الذي دعا به عند دخوله على الرشيد في محنته فقد روى أبو نعيم بإسناد من طريق الشافعي أن النبي ﷺ دعا به في يوم الأحزاب، ورفعه غير صحيح كما قال البيهقي، لكنه دعاء عظيم، وفي ألفاظه اختلاف، وقد جمعت بينها وهو «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم» ثم قال «وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي وديعة لي عند الله يؤدّيها إلى يوم القيامة، اللهم إني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة ومن طوارق الليل والنهار، وطارق الجن والإنس، إلا طارقا يطرق بخير، اللهم أنت غياثي فبك أغوث، وأنت ملاذي فبك ألوذ، وأنت عياذي فبك أعوذ، يا من ذلّت له رقاب الجبابرة، وخضعت له أعناق الفراعنة، أعوذ بجمال وجهك وكرم جلالك من خزيك وكشف سترك، ومن نسيان ذكرك، والاضراب عن شكرك، أنا في حرزك وكنفك وكلاءتك في ليلي ونهاري، ونومي وقراري، وظعني وأسفاري، وحياتي ومماتي، ذكرك شعاري، وثناؤك دثاري، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، تنزيها لاسمك وعظمتك، وتكريما لسبحات وجهك، أجرني من خزيك ومن شر عبادك، واضرب عليّ سرادقات حفظك، وقني سيئات عذابك، وجد علي، وعدني منك بخير يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم، والصلاة على النبي المرتضى محمد وآله وصحبه وسلم» .
قلت: ومما يدل على اشتهار الاستجابة بهذا المسجد في يوم الأربعاء وقصد السلف له في ذلك اليوم حتى النساء ما حكاه الأديب شهاب الدين أبو الثناء محمود في كتابه «منازل الأحباب» من رؤية عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموع امرأة ممن يزور هذا المسجد في يوم الأربعاء مع نسوة المرة بعد الآخرى وذكر قصته في تزوجه بها، وإنشاده:
стр. 610
يا للرّجال ليوم الأربعاء أما ... ينفكّ يحدث لي بعد النهي طربا
ما إن يزال غزال فيه يظلمني ... يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبّر الناس أنّ الأجر همّته ... وما أتى طالبا للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثوابا ما أتى ظهرا ... مضمخا بفتيت المسك مختضبا
وفي كلام الزبير بن بكار ما يقتضي نسبة هذه الأبيات مع زيادة فيها لعبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، وأنه كان إمام المسجد المذكور فإنه قال: ولما ولي الحسن بن زيد المدينة منع عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي أن يؤمّ الناس في مسجد الأحزاب، فقال له: أصلح الله الأمير لم منعتني مقامي ومقام آبائي وأجدادي قبلي؟ قال: ما منعك منه إلا يوم الأربعاء، يريد قوله:
يا للرّجال ليوم الأربعاء
وذكر الأبيات الأربعة المتقدمة وزاد عقبها أربعة أخرى، وهي:
فإن فيه لمن يبغي فواضله ... فضلا وللطالب المرتاد مطلبا
كم حرّة درّة قد كنت آلفها ... تسدّ من دونها الأبواب والحجبا
قد ساغ فيه لها مشي النهار كما ... ساغ الشراق لعطشان إذا شربا
اخرجن فيه ولا ترعين ذا كذب ... قد أبطل الله فيه قول من كذبا
قال المجد: وأما تسميته يعني المسجد الأعلى بمسجد الفتح فمحتمل أنه سمّي به لأنه أجيبت فيه دعوة النبي ﷺ على الأحزاب، فكان فتحا على الإسلام أو أنزل الله عليه ﷺ سورة الفتح هناك، انتهى.
قلت: وبالثاني جزم ابن جبير في رحلته، لكن جاء في خبر أن النبي ﷺ «كان قد تقنّع بثوبه يوم الخندق واضطجع لما أتاه أصحابه بخبر بني قريظة، ثم إنه رفع رأسه فقال: بشروا بفتح الله ونصره» كما في مغازي ابن عقبة، فلعل ذلك كان في موضع هذا المسجد، فسمي بذلك لوقوع البشارة بالفتح فيه.
وأيضا فقد روى القرطبي ما يقتضي أن النبي ﷺ لما أرسل حذيفة ليأتيه بخبر الأحزاب كان بمحل هذا المسجد.
وقد قال ابن عقبة: إن حذيفة لما رجع وجد النبي ﷺ قائما يصلي، ثم انصرف إليه رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون قد فتح الله لهم وأقر أعينهم، اه.
وروى ابن شبة عن أسيد بن أبي أسيد عن أشياخهم أن النبي ﷺ «دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح، وصلّى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حين يصعد الجبل» . وروى ابن زبالة عن معاوية ابن عبد الله بن زيد، نحوه.
стр. 611
وعن معاذ بن سعد أن رسول الله ﷺ «صلّى في مسجد الفتح الذي على الجبل وفي المساجد التي حوله» .
المساجد التي حول مسجد الفتح
قلت: وظاهره أن المساجد حوله ثلاثة لأنه أقل الجمع، وهو ما صرح به ابن النجار فقال: إن مسجد الفتح على رأس جبل يصعد إليه بدرج، وقد عمر عمارة جديدة، أي عمارة ابن أبي الهيجاء الآتية فإنه أدركها.
قال: وعن يمينه في الوادي نخل كثير، ويعرف ذلك الموضع بالسيحي، أي بالياء آخر الحروف. ومساجد حوله وهي ثلاثة- قبلة الأول منها خراب، وقد هدم وأخذت حجارته، والآخران معموران بالحجارة والجص، وهما في الوادي عند النخل، انتهى.
وقال المطري: إن المسجدين اللّذين في قبلة مسجد الفتح تحته يعرف الأول منهما يعني الذي يلي مسجد الفتح بمسجد سلمان الفارسي، والثاني الذي يلي القبلة- يعني في قبلة مسجد سلمان- يعرف بمسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم ذكر ما تقدم عن ابن النجار من أنه كان معهما مسجد ثالث، ثم قال: وهذا لم يبق له أثر.
قلت: وفي قبلة المسجد المعروف بأمير المؤمنين جانحا إلى جهة المشرق يلحق طرف جبل سلع الذي في قبلة المساجد رضم من حجارة رأينا الناس يتبركون بالصلاة بينها. وقد تأملتها فوجدت في طرفها مما يلي المشرق حجرا من المقام الذي يجعل منه الأساطين، وهو مثبت في الأرض بالجص، فترجح عندي أنه أثر أسطوان، وأن ذلك هو المسجد الذي يشير إليه ابن النجار، وما ذكره المطري من نسبة المسجدين المذكورين لسلمان وعلي رضي الله تعالى عنهما شائع على ألسنة الناس، ويزعمون أن الثالث الذي ذكر المطري أنه لم يبق له أثر مسجد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وبعض العامة يسمى مسجد سلمان بمسجد أبي بكر ﵁، ولم أقف في ذلك كله على أصل.
قال المطري: ويصعد إلى مسجد الفتح بدرجتين شمالية وشرقية، وكان فيه ثلاث أسطوانات من بناء عمر بن عبد العزيز، فلذلك قال في الحديث «موضع الأسطوانة الوسطى» .
قلت: والمراد أنها ثلاث أساطين بين المشرق والمغرب فمسقفه رواق واحد فقط كما هو عليه اليوم، قال المطري: لكنه تهدّم على طول الزمان فجدّده الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء أحد وزراء العبيديّين ملوك مصر في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكذلك جدد بناء المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
قلت: واسمه اليوم مرسوم على مسن في أعلى قبلة مسجد الفتح، وفي أعلى قبلة المسجد الذي يليه. وفيه ذكر العمارة في التاريخ المذكور.
стр. 612
وأما المسجد الآخر- وهو الذي في قبلتهما، المنسوب لأمير المؤمنين عليّ- فتهدّم بناؤه، فجدّده الأمير زين الدين ضغيم بن حشرم المنصوري أمير المدينة الشريفة في سنة ست وسبعين وثمانمائة، وكان سقفه عقدا، وفيه مسن عليه اسم ابن أبي الهيجاء كالمسجدين الآخرين، فجعل سقفه خشبا على أسطوان واحد، وسقف كل من مسجد الفتح والذي في قبلته رواق واحد مقبوّ قبوا محكما، وفي كل منهما ثلاث قناطر آخذة من المشرق إلى المغرب، والظاهر أن الرحبة التي خف الرواق المذكور لم تغير عن حالها القديم. وذرع المسجد الأعلى من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا ينقص يسيرا، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا. وذرع المسجد الأسفل المنسوب لسلمان رضي الله تعالى عنه من القبلة إلى الشام أربعة عشر ذراعا شافة، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا. وذرع المسجد الذي يليه- وهو المنسوب لعلي ﵁ من القبلة إلى الشام ثلاثة عشر ذراعا شافة، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة ستة عشر ذراعا شافة.
مسجد بني حرام الكبير
وينبغي لقاصد مساجد الفتح أن يزور مسجد بني حرام الكبير، وهو غير مسجدهم الصغير الآتي ذكره، وهذا المسجد هو الذي اتخذوه لشعبهم من سلع لما تحوّلوا إليه على ما قدمناه في ذكر المنازل؛ لما فيه مما يقتضي أنهم تخلوا إليه بإذن النبي ﷺ لهم.
وقد روى رزين عن يحيى بن قتادة بن أبي قتادة عن مشيخة من قومه أن النبي ﷺ «كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم» .
وقدمنا هناك أيضا أن عمر بن عبد العزيز زاد فيه على بناء أهله له مدماكين من أعلاه، وطابق سقفه، وكان أولا بخشب وجريد، وجعل فيه زيت مسجد رسول الله ﷺ ؛ فهذا يقتضي أن النبي ﷺ صلّى فيه، لكن تقدم أيضا ما يقتضي أن بنى حرام إنما انتقلوا للشعب المذكور في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن شبة في ذكر المساجد التي يقال إن النبي ﷺ صلّى فيها، ويقال إنه لم يصل فيها، عن حرام بن عثمان أن النبي ﷺ لم يصلّ في مسجد بني حرام الأكبر، ثم روى ما قدمناه من الاختلاف في وقت تحوّلهم إلى ذلك المحل.
فيتلخص من ذلك أنه مما اختلف في صلاة النبي ﷺ فيه، ولذلك لم يفرده بالذكر، وقد ظهر لي محله في قرية بني حرام بشعبهم غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية، وعلى يسار السالك إلى المدينة من مساجد الفتح، فإذا جاوزت البطن الذي فيه مساجد الفتح وأنت قاصد المدينة يلقاك بعد ذلك بطن متسع من سلع فيه آثار قرية هي قرية بني حرام، وذلك شعبهم، وقد انهدم المسجد بأجمعه، وبقي أساسه وآثار
стр. 613
أساطينه من الخزر المكسر، وفيها آثار الرصاص وعمد الحديد وآثار الرمل بأرضه، ولعل الله تعالى يبعث له من يحييه.
كهف بني حرام
وينبغي لقاصد المسجد المذكور أن يزور كهف بني حرام قرب شعبهم المذكور؛ لما سيأتي في ذكر عين النبي ﷺ عن عبد الملك بن جابر بن عتيك أن النبي ﷺ «توضّأ من العيينة التي عند كهف بني حرام» قال: وسمعت بعض مشيختنا يقول: قد دخل النبي ﷺ ذلك الكهف.
وفي رواية أنهم كانوا- يعني الصحابة- يخرجون مع النبي ﷺ ويخافون البيات، فيدخلونه كهف بني حرام فيبيت فيه، حتى إذا أصبح هبط، وإنه نقر العيينة التي عند الكهف.
ولما روى ابن شبة عن يحيى بن النصر الأنصاري أن النبي ﷺ «جلس في كهف سلع» والمراد به كف بني حرام.
ولما روى الطبراني في الأوسط والصغير عن أبي قتادة قال: خرج معاذ بن جبل فطلب النبي ﷺ فلم يجده، فطلبه في بيوته فلم يجده، فاتّبعه في سكة سكة حتى دلّ عليه في جبل ثواب، فخرج حتى رقي جبل ثواب فنظر يمينا وشمالا فبصر به في الكهف الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح، قال معاذ: فإذا هو ساجد، فهبطت من رأس الجبل وهو ساجد فلم يرفع حتى أسأت به الظن، فظننته أنه قد قبضت روحه، فقال: جاءني جبريل بهذا الموضع فقال: إن الله ﵎ يقرؤك السلام ويقول لك: ما تحبّ أن أصنع بأمتك؟ قلت: الله أعلم، فذهب ثم جاء إلي فقال: إنه يقول: لا أسوءك في أمتك، فسجدت فأفضل ما تقرب به إلى الله السجود.
قلت: وجبل ثواب لم أقف له على ذكر، ولكن يؤخذ من قوله في هذا الكهف إنه الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح أنه جبل سلع، والمراد اتخذ الناس إلى الكهف طريقا إلى طريق مسجد الفتح، فهو كهف بني حرام بقرينة ما سبق، والكهف كما في الصحاح: شبه البيت المنقور في الجبل، وهذا الكهف يظهر أنه الذي على يمين المتوجّه من المدينة إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية أيضا إذا قرب من البطن الذي هو شعب بني حرام في مقابلة الحديقة المعروفة اليوم بالنقبينة عن يساره.
وكذلك الحصن المعروف بحصن حمل يكون في جهة يساره فهناك مجرى سائلة تسيل من سلع إلى بطحان، فإذا دخل في تلك السائلة وصعد يسيرا من سلع طالبا جهة المشرق كان الكهف المذكور على يمينه، وعنده أثر نقر ممتد في الجبل هو مجرى السائلة المذكورة، وإذا صعد
стр. 614
الإنسان من ذلك المجرى وكان في أعلاه وجد كهفا آخر، لكنه صغير جدّا، والأول أقرب إلى كونه المراد، ولعل ذلك النقر هو المراد فيما يتعلق بالعيينة، وإذا حصل المطر بسلع سالت تلك السائلة، ويبقى هناك مواضع يتحصل فيها الماء ثم يجري منها؛ فينبغي التبرك بها، والله أعلم.
مسجد القبلتين
ومنها: مسجد القبلتين، قال رزين: وهو مسجد بني حرام بالقاع، وتبعه ابن النجار فمن بعده، وزاد المطري وتبعه من بعده أنه الذي رأى النبي ﷺ النخامة في قبلته فحكّها بعرجون كان في يده، ثم دعا بخلوق فجعله على راس العرجون ثم جعله في موضع النخامة، فكان أوّل مسجد خلّق، وهذا كله مردود؛ لأن ابن زبالة قال كما قدمناه في المنازل: إن بني سواد بن غنم بن كعب نزلوا عند مسجد القبلتين، ولهم مسجد القبلتين ونزل بنو عبي بن عدي بن غنم بن كعب عند مسجد الخربة، ونزل بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب عند مسجد بني حرام الصغير الذي بالقاع، وابتنوا أطمأ يقال له جاعص كان في السهل بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك وبين العين التي عملها معاوية بن أبي سفيان، وحينئذ فلا يصح كون مسجد بني حرام الصغير هو مسجد القبلتين. وكان هؤلاء الجماعة فهموا من وصف مسجدهم هذا بالصغير أن مسجدهم الكبير هو مسجد القبلتين، وليس كذلك؛ لما قدمناه من أن مسجدهم الكبير نقل أن النبي ﷺ لم يصلّ فيه، وأنه الذي بشعب سلع، وأيضا فقد صرح ابن زبالة بأن مسجد القبلتين لبني سواد، وأيضا فاسم القاع إنما يناسب ما قدمناه في بيان منازل بني حرام في غربي مساجد الفتح، فمسجد بني حرام هذا من المساجد التي لا تعلم اليوم عينها، ولكن تعلم جهتها. ومما يوضح المغايرة بين مسجد بني حرام وبين مسجد القبلتين، ويصرح بخطأ ما ذهب إليه من جعلهما متحدين أن ابن شبة روى عن جابر أن النبي ﷺ صلّى في مسجد الخربة، وفي مسجد القبلتين، وفي مسجد بني حرام الذي بالقاع. ورواه أيضا ابن زبالة عن جابر بلفظ «صلّى في مسجد القبلتين وفي مسجد بني حرام بالقاع» ولم يذكر مسجد الخربة؛ فاتّضح بذلك ما قلناه، وتعين اجتناب ما عداه، وما ذكره المطري من كون مسجد القبلتين أول مسجد خلّق أخذه من ورود ذلك في مسجد بني حرام لظنه اتحادهما؛ فاجتنبه.
وقال ابن زبالة: وحدثني موسى بن إبراهيم عن غير واحد من مشيخة بني سلمة أن رسول الله ﷺ «صلّى في مسجد القبلتين» وقد قدمناه في الفصل الثالث من الباب الرابع الاختلاف في تعيين المسجد الذي وقع فيه تحويل القبلة وسنته والصلاة التي وقع ذلك فيها، وفي بعض تلك الروايات أن ذلك كان بمسجد القبلتين، وأن الواقديّ قال: إن ذلك هو الثابت عنده.
стр. 615
وروى يحيى عن عثمان بن محمد بن الأخنس قال: زار رسول الله ﷺ امرأة- وهي أم بشر من بني سلمة- في بني سلمة، فصنعت له طعاما، قالت أم بشر: فهم يأكلون من ذلك الطعام إلى أن سألوا رسول الله ﷺ عن الأرواح، فذكر حديثها في أرواح المؤمنين والكافرين، ثم قال: فجاءت الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر، فلما أن صلى ركعتين أمر أن يوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة واستقبل الميزاب؛ فهي القبلة التي قال الله تعالى «فلنولينك قبلة ترضاها» فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
وفي رواية له: فلما صلى ركعتين أمر أن يولي وجهه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة والمسجد مسجد القبلتين، وكان الظهر يومئذ أربعا منها اثنتان إلى بيت المقدس وثنتان إلى الكعبة.
قلت: وهذا ما أشار إليه ابن سعد بقوله: ويقال إنه ﷺ زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما وحانت الظهر، فصلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يوجّه إلى الكعبة، فاستداروا إلى الكعبة، فسمي المسجد مسجد القبلتين.
وتقدم ما قاله الزمخشري من صرف القبلة في هذا المسجد في صلاة الظهر، وإنه ﷺ الله عليه وسلم تحول في الصلاة وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.
وروى ابن زبالة عن محمد بن جابر قال: صرفت القبلة ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في المسجد الذي يقال له مسجد القبلتين، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة، فبذلك سمّي مسجد القبلتين.
قال المجد: فعلى هذا كان مسجد قباء أولى بهذه التسمية؛ لما ثبت في الصحيحين من وقوع نحو ذلك به.
وقد أطنب المجد هنا فيما جاء في تخليق القبلة لتوهمه أن مسجد القبلتين هو المراد، وذلك وهم لما أسلفناه، وهذا المسجد- كما قال المطري- بعيد من مساجد الفتح من جهة المغرب على رابية على شفير وادي العقيق، يعني العقيق الصغير.
قلت: وهو مرتفع عن شفير وادي العقيق كثيرا، وكأنه أراد بذلك بيان مناسبة ما ادّعاه من تسمية موضعه بالقاع، وقد جدد سقف هذا المسجد وأصلحه الشجاعي شاهين الجمالي شيخ الخدامين عام ثلاث وتسعين وثمانمائة، والله أعلم.
مسجد السقيا
ومنها: مسجد السقيا، سقيا سعد الآتي ذكرها في الآبار، في شامي البئر المذكورة
стр. 616
قريبا منها جانحا إلى المغرب يسيرا في طريق المار إلى الرقيقين من طريق العقيق، وهذا المسجد ذكره أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين في منسكه في المساجد التي تزار بالمدينة.
وروى ابن شبة في ترجمة المواضع التي صلّى فيها النبي ﷺ ومساجده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: عرض النبيّ ﷺ المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر وصلّى بها.
وقد قدمنا في الفصل الرابع من الباب الثاني ما رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بحرّة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : ائتوني بوضوء، فتوضأ ثم قام فاستقبل القبلة فقال: اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدّهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين.
وقدمنا أيضا أن ابن شبة رواه بنحوه إلا أنه قال: حتى إذا كنا بالحرة بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ : ائتوني بوضوء، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال، الحديث بنحوه.
وتقدم أيضا رواية الطبراني له بسند جيد، وأن أحمد روى برجال الصحيح عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ «صلّى بأرض سعد بأصل الحرّة عند بيوت السقيا، ثم قال: إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثلي ما دعاك به إبراهيم لمكة، أن تبارك لهم في صاعهم ومدّهم وثمارهم، اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، واجعل ما بها من وباء بخم، اللهم إني حرّمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم» .
وقال الواقدي في غزوة بدر: لما نزل رسول الله ﷺ عند بيوت السّقيا، فحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: إن رسول الله ﷺ صلّى عند بيوت السّقيا ودعا يومئذ لأهل المدينة: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، الحديث.
وروى أيضا عن سعد بن أبي وقّاص قال: خرجنا إلى بدر مع رسول الله ﷺ ، ومعنا سبعون بعيرا، وكانوا يتعاقبون الثلاثة والأربعة والاثنان على بعير، وكنت أنا من أعظم أصحاب النبي ﷺ غنّى وأرجلهم رجلة وأرماهم بسهم لم أركب خطوة ذاهبا ولا راجعا.
وقال ﷺ حين فصل من يثرب للسقيا: اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك، قال: فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا للرجل البعير والبعيران، واكتسى من كان عاريا، وأصابوا طعاما من أزوادهم، وأصابوا فداء الأسرى فأغنى به كل عائل.
стр. 617
وروى ابن زبالة عن عمر بن عبد الله الديناري وعمار بن حفص أن النبي ﷺ عرض جيش بدر بالسقيا، وصلّى في مسجدها، ودعا هنالك لأهل المدينة أن يبارك لهم في صاعهم ومدّهم، وأن يأتيهم بالرزق من ها وهنا. قال: واسم البئر السقيا، واسم أرضها الفلجان.
قلت: ولم يكن هذا المسجد معروفا، ولم يذكره المطري، بل تردد في البئر بين البئر التي في المحل المذكور وبين البئر المعروفة بزمزم، ومال إلى ترجيح أنها التي في المحل المذكور، فاتفق أني جئت إلى ذلك المحل وتطلبت المسجد، فرأيت محله رضما، فأرسلت إليه بعض المعلمين وأمرته أن يتتبع الأساس بالحفر من داخله فظهر محراب المسجد وتربيعه وبناؤه بالحجارة المطابقة بالجص، وقد بقي منه في الأرض أزيد من نصف ذراع فيه بياض المسجد بالقصّة بحيث يعلم الناظر أنه من البناء العمري، وخرج الناس أفواجا لرؤيته والتبرك به، ثم بنى ولله الحمد على أساسه الأول، وهو مربع، مساحته نحو سبعة أذرع في مثلها.
مسجد ذباب (الراية)
ومنها: مسجد ذباب، ويعرف اليوم بمسجد الراية، ولما لم يعرفه المطري قال: وليس بالمدينة مسجد يعرف غير ما ذكر إلّا مسجدّا أعلى ثنية الوداع عن يسار الداخل إلى المدينة من طريق الشام، ومسجدّا آخر على طريق السافلة، ولم يرد فيهما نقل يعتمد عليه.
قال الزين المراغي في بيان المسجد الأول: وكأنه يريد به المسجد المعروف بمسجد الراية.
قلت: هو مراده؛ لوجوده في زمنه، ولم يعدّه في المساجد وأطلق على محل ثنية الوداع لقربه منها، وهو مبني بالحجارة المطابقة على صفة المساجد العمرية، وكان قد تهدم فجدده الأمير جانبك النيروزي رحمه الله تعالى سنة خمس أو ست وأربعين وثمانمائة، وقد اتضح لنا ما جاء في هذا المسجد بحمد الله تعالى لأن الإمام أبا عبد الله الأسدي في المتقدمين لما عدد في كتابه الأماكن التي تزار في المدينة الشريفة قال: مسجد الفتح على الجبل، ومسجد ذباب على الجبل، انتهى. وذباب: اسم الجبل الذي عليه المسجد المذكور كما سنوضحه.
وقد روى ابن زبالة وابن شبة عن عبد الرحمن الأعرج أن النبي ﷺ صلّى على ذباب.
وروى الثاني عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: ضرب النبي ﷺ قبّته على ذباب.
وعن الحارث بن عبد الرحمن قال: بعثت عائشة رضي الله تعالى عنها إلى مروان بن الحكم حين قتل ذبابا وصلبه على ذباب تقول: موقف صلى عليه رسول الله ﷺ واتخذته مصلبا.
قال أبو غسان: وذباب رجل من أهل اليمن عدا على رجل من الأنصار، وكان عاملا
стр. 618
لمروان على بعض مساعي اليمن، وكان الأنصاري عدا على رجل فأخذ منه بقرة ليست عليه، فتبع ذباب الأنصاريّ حتى قدم المدينة، ثم جلس له في المسجد حتى قتله، فقال له مروان:
ما حملك على قتله؟ قال: ظلمني بقرة لي، وكنت امرأ خبيث النفس فقتلته، فقتله مروان وصلبه على ذباب.
وتقدم من رواية ابن شبة في اتخاذ المقصورة في المسجد ما يقتضي أن الرجل الذي ظلمه ساعي مروان اسمه دب، وأنه إنما همّ بقتل مروان، فأخذه مروان، فذكر له السبب المتقدم وأنه حبسه ثم أمر به فقتل.
وقال ابن شبة: قال أبو غسان: وأخبرني بعض مشايخنا أن السلاطين كانوا يصلبون على ذباب، فقال هشام بن عروة لزياد بن عبيد الله الحارثي: يا عجبا، يصلبون على مضرب قبة رسول الله ﷺ ، فكفّ عن ذلك زياد وكفت الولاة بعده عنه.
قلت: وقد جعل المطري في الكلام على الخندق مضرب قبّة النبي ﷺ هو محل مسجد الفتح من سلع؛ لظنه أن الخندق لم يكن إلا في غربي سلع، وكأنه لم يطلع على ما هنا. ولم أر لما ذكره أصلا في كلام غيره، وقد غاير أبو عبد الله الأسدي بين مسجد الفتح ومسجد ذباب كما قدمناه، وسيأتي ما يؤخذ منه أن الخندق كان شامي المدينة بين حرّتيها الشرقية والغربية.
وفي اتخاذ المسجد على هذا الجبل رد لما أوّل به الطبراني الصلاة عليه بالدعاء فإنه روى بسند فيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ صلى على ذباب، قال الطبراني عقبه: بلغني أن ذبابا جبل بالحجاز وقوله «صلى» أي: بارك عليه.
قلت: صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة، وفي الاكتفاء في غزوة تبوك ما لفظه: فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب.
وقد قال الكمال الدميري: إن في كتب الغريب أن النبي ﷺ صلب رجلا على جبل يقال له ذباب، وإن البكري قال: هو جبل بجبّانة المدينة.
وتقدم في منازل بني الديل حول ثنية الوداع ذكر الجبّانة، وكذا في ذكر البلاط.
وقال الواقدي في كتاب الحرة: إنهم لما اصطفّوا لقتال جيش الحرّة على الخندق، وكان يزيد بن هرمز في موضع ذباب إلى مربد النّعم معه الدهم من الموالي، وهو يحمل رايتهم، وهو أميرهم، وقد صف أصحابه كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية أي: ثنية الوداع.
وهذا كله صريح في أن ذبابا هو الجبل المذكور، ولعل السبب في اشتهار مسجده بمسجد الراية ما ذكره الواقدي من أن يزيد بن هرمز كان في موضعه ومعه راية الموالي.
стр. 619
وقد تقدم في منازل يهود قول ابن زبالة: وكان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له السرعي، وهو الأطم الذي دون ذباب، وسيأتي في ترجمة الشوط أنه قريب من منازل بني ساعدة، وقد رأيت لذباب ذكرا في أماكن كثيرة جدّا، وكلها متفقة على وصفه بما يدل على أنه الجبل الذي عليه مسجد الراية، بحيث زال الشك عندي في ذلك.
ويؤخذ مما سيأتي في ترجمة الخندق أن الصخرة- التي خرجت- من بطن الخندق وهم يحفرونه، وضربها النبي ﷺ بالمعول الحديث كانت تحته، لكنه سمي في تلك الرواية ذو باب بزيادة واو، والله أعلم.
مسجد القبيح
ومنها: المسجد اللاصق بجبل أحد على يمينك وأنت ذاهب إلى الشعب الذي فيه المهراس، وهو صغير قد تهدم بناؤه.
قال الزين المراغي: ويقال: إنه يسمّى مسجد القبيح.
قلت: وهو مشهور بذلك اليوم، ويزعمون أن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ الآية [المجادلة: ١١] نزلت فيه، ولم أقف على أصل لذلك.
وقال المطري: يقال: إن النبي ﷺ صلّى فيه الظهر والعصر يوم أحد، بعد انقضاء القتال، وكأنه لم يقف فيه على شيء.
وقد روى ابن شبة بسند جيد عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الحرار على يمينك لازق بالجبل.
مسجد في ركن جبل عينين
ومنها: مسجد في ركن جبل عينين الشرقي على قطعة منه، وهذا الجيل كان عليه الرّماة يوم أحد، وهو في قبلة مشهد سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه، وقد تهدم غالب هذا المسجد.
قال المطري: يقال: إنه هو الموضع الذي طعن فيه حمزة رضي الله تعالى عنه.
قلت: وكذا هو مشهور اليوم، وقد ذكر المجد هذا المسجد والذي بعده وقال: ينبغي اغتنام الصلاة فيهما؛ لأنهما لم يبنيا إلا علما للزائرين، ومشهدا للقاصدين، وقول من قال إن الأول طعن مكانه حمزة والثاني صرع فيه فوقع لم يثبت فيه أثر، وإنما هو قول مستفيض.
ثم قال: ويذكر بعض الناس أن المسجد الأول- يعني هذا- كسر في مكانه ثنيّة رسول الله ﷺ ، وكان ما كان من ابتلاء الله تعالى صفيه وخليله ﵊، كل ذلك مقالات يذكرها أهل المدينة لم يرد بها نقل.
قلت: وكلامه وكلام المطري صريح في أنهما لم يقفا على ما جاء فيه.
стр. 620
وسيأتي في قبر حمزة رضي الله تعالى عنه ما رواه ابن شبة من أنه لما قتل أقام في موضعه تحت جبل الرّماة وهو الجبل المذكور، ثم أمر به النبي ﷺ فحمل عن بطن الوادي، وهذا هو محل المسجد الثاني.
وأما هذا المسجد فقد روى ابن شبة فيه عن جابر أن النبي ﷺ صلّى الظهر يوم أحد على عينين الظرب الذي بأحد عند القنطرة، وكأنه يعني بالقنطرة قنطرة العين التي كانت قديما هناك. وأشار إليها المطري بقوله عقب ذكر هذا المسجد: وقد تجدّدت هناك عين ماء، جدّدها الأمير بدر الدين ودي بن جماز صاحب المد، مفيضها بالقرب من هذا المسجد، انتهى.
والعين اليوم دائرة، وقد تقدم في غزوة أحد أن النبي ﷺ في ذهابه إلى أحد بات بالشيخان «١» وأدلج في السحر فانتهى إلى موضع القنطرة، فحانت الصلاة فصلّى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح؛ فيحتمل: أن المراد بذلك هذا المسجد، ويحتمل- وهو الأظهر-: أن يراد به المسجد الآتي ذكره عقبه؛ لأن في رواية ابن شبة ذكر صلاة الظهر وأن الموضع من نفس الجبل عند القنطرة، وفي هذه الرواية صلاة الصبح وأن ذلك في موضع القنطرة، والله أعلم.
مسجد العسكر
ومنها: مسجد في شمالي المسجد المذكور قبله قرب عينين أيضا، على شفير الوادي، قد تهدم أكثره، وكان مبنيا بالحجارة المنقوشة المطابقة على هيئة البناء العمري، وفيه بقايا آثار الأساطين، ولم أقف فيه على شيء سوى ما قدمته من الاحتمال الثاني في الرواية المتقدمة.
وذكر المطري أنه يقال: إنه مصرع حمزة رضي الله تعالى عنه، وإنه مشى بطعنته من الموضع الأول إلى هناك فصرع رضي الله تعالى عنه.
وقد أشرنا فيما سبق إلى أصل ما جاء في أن الموضع الثاني مكان مقتله، وإنما أثبتّه في المساجد- مع ما قدمته من أني لم أقف فيه على شيء صريح- لأن ابن شبة قال ما لفظه:
قال أبو غسان: وقال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد: إن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبنيّ بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي ﷺ ، وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي ﷺ سأل والناس يومئذ متوافرون عن المساجد التي صلّى فيها رسول الله ﷺ ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة، انتهى.
وقد ذكر هذا المسجد أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين، وسماه مسجد العسكر، فقال
стр. 621
في تعديد المساجد: ومسجد العسكر، ومسجد يمين هذا في أصل الجبل، انتهى؛ فيتأيد ذلك الاحتمال الثاني المذكور في الرواية المتقدمة لتسميته بمسجد العسكر، على أنه قد ورد من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة وقد قتل ومثّل به فلم ير منظرا كان أوجع لقبله منه، فقال: رحمك الله أي عمّ، فلقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات، فو الله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثّلنّ بسبعين منهم، فما برح حتى نزل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦] فقال رسول الله ﷺ : بلى نصبر. وروى أيضا أن النبي ﷺ وقف على حمزة وصلّى عليه حينئذ.
قلت: فهذا ما جاء في أن الموضع المذكور مقتل حمزة كاف في إثباته في المساجد، وسيأتي في بيان المشاهد الخارجة عن البقيع عند ذكر مشهد حمزة رضي الله تعالى عنه بيان أن الحجر المثبت على قبره اليوم أخطأ واضعه، وأنه إنما نقل من هذا المسجد عند تهدّمه، وفيه مكتوب بعد البسملة إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ [التوبة: ١٨] الآية هذا مصرع حمزة بن عبد المطلب ومصلى رسول الله ﷺ ، عمره حسين بن أبي الهيجاء سنة ثمانين وخمسمائة، وكأنه جدده فلما تهدم وسقط ذلك المسن نقل إلى المشهد المذكور كما سنوضحه.
وأما المسجد المقابل لمشهد سيدنا حمزة في شرقيه وعند بابه فمحدث، لم يذكره المطري ولا غيره، وليس له أصل في المساجد المنسوبة للنبي ﷺ .
مسجد أبي ذر الغفاري
ومنها: مسجد صغير جدّا طوله ثمانية أذرع في ثمانية أذرع على يمين طريق السالك إلى أحد من طريق الأسواق، فإذا جاوز البقيع المعروف ببقيع الأسواق قليلا كان على يمينه طريق إذا مشى فيها يسيرا وجد هذا المسجد عند النخيل المعروفة بالبحير، وهو ثاني المسجدين اللذين ذكرهما المطري بقوله: وليس بالمدينة مسجد يعرف غير ما ذكر إلا مسجدّا على ثنية الوداع ومسجدّا آخر صغيرا جدّا على طريق السابلة، وهي الطريق اليمنى الشرقية إلى مشهد حمزة رضي الله تعالى عنه، يقال: إنه مسجد أبي ذرّ الغفاري ﵁، ولم يرد فيهما نقل يعتمد عليه.
قلت: روى البيهقي في شعب الإيمان عن مولى لعبد الرحمن بن عوف قال: قال عبد الرحمن: كنت نائما في رحبة المسجد، فرأيت رسول الله ﷺ خارجا من الباب الذي يلي المقبرة، قال: فلبثت شيئا ثم خرجت على أثره فوجدته قد دخل حائطا من الأسواق، فتوضأ ثم صلى ركعتين فسجد سجدة أطال فيها، فلما تشهد تبدأت له، فقلت: بأبي وأمي حين سجدت أشفقت أن يكون الله قد توفّاك من طولها، فقال: إن جبريل ﵇ بشّرني أنه من صلّى عليّ صلى الله عليه، ومن سلم عليّ سلم الله عليه. قال البيهقي: وقد رويناه من
стр. 622
وجه آخر عن محمد بن جبير عن عبد الرحمن، ومن وجه آخر عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن لم يذكر فيه الركعتين، بل ذكر السجود فقط، فزاد عبد الواحد في حديثه: فسجدت لله شكرا. ورواه ابن زبالة بالطريق الأولى بلفظها، إلا أنه قال: فقلت بأبي وأمي لقد سجدت سجدة أشفقت إلى آخره. ورواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبزار، إلا أن في روايتهم: فجئته وقد خرج، فاتبعته فدخل حائطا من حيطان الأسواق، فصلى فأطال السجود، فقلت: قبض الله روح رسوله ﷺ لا أراه أبدا، فحزنت وبكيت، فرفع رأسه، فدعاني فقال: ما الذي بك؟ أو ما الذي وراءك؟ فقلت: يا رسول الله أطلت السجود فقلت قبض الله رسوله لا أراه أبدا، فحزنت وبكيت، قال: سجدت هذه السجدة شكرا لربي فيما أبلاني في أمتي أنه قال: من صلّى عليك منهم صلاة كتب له عشر حسنات، وهذا اللفظ للبزار.
قلت: والأسواق قريبة من موضع هذا المسجد جدّا، ويحتمل أن محل السجدة المذكورة، بل هو الظاهر؛ فلذلك أثبتناه. وحديث عبد الرحمن هذا أخرجه الإمام أحمد بلفظ: خرج رسول الله ﷺ فتوجّه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدّا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قبض نفسه فيها، فدنوت منه، فرفع رأسه وقال: من هذا؟
قلت: عبد الرحمن، قال: ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله سجدت سجدة ظننت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال: إن جبريل أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: من صلّى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، قال البيهقي في الخلافيات عن الحاكم قال: هذا صحيح، ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث، انتهى.
وقوله «نحو صدقته» ينبغي حمله على الرواية المتقدمة، ولا يمتنع أن يكون بعض حوائط الأسواق كان من صدقة النبي ﷺ ، مع أن بالقرب منه موضعا يعرف قديما وحديثا بالصدقة، أو أن القصة متعددة، والله أعلم.
مسجد أبيّ بن كعب (بني جديلة) (البقيع)
ومنها: مسجد على يمين الخارج من درب البقيع على ما ذكره البرهان بن فرحون فإنه قال عقب ذكر المسجد المتقدم قبل هذا: إنه لم يرد فيه شيء يعتمد، ثم قال: وكذلك المسجد في أول البقيع على يمين الخارج من درب الجمعة، انتهى.
قلت: يعني الموضع الذي في غربي مشهد عقيل وأمهات المؤمنين، وبه اليوم أسطوان قائمة، وبلغني أنه كان به عقدان سقطا، وبقاياه شاهدة بأنه كان مبنيا بالحجارة المنقوشة
стр. 623
والقصّة كالبناء العمري، وقد اتخذ بعض الأشراف الوحاحدة رحبته التي في شامي الأسطوان مقبرة.
وقد ذكر المرجاني أيضا مسجدّا بالبقيع، وذكر من عند نفسه أنه موضع مصلّى النبي ﷺ العيد بالبقيع، ولعله يعني هذا المسجد، وقد قدمنا في ذكر المصلى ما يرده.
والذي ظهر لي: أن هذا المسجد هو مسجد أبي بن كعب ﵁، ويقال له:
مسجد بني جديلة؛ لأنا قدمنا في منازل بني النجار أن بني جديلة ابتنوا اطما يقال له مشعط كان في غربي مسجدهم الذي يقال له مسجد أبي، وفي موضع الأطم بيت يقال له بيت أبي نبيه، وسيأتي في ذكر قبور أزواج النبي ﷺ وابنته الزهراء رضي الله تعالى عنهن بالبقيع ما يقتضي أن في أوله مما يلي هذه الجهة زقاقا يعرف بزقاق نبيه، وخوخة تعرف بخوخة آل نبيه. وفي كلام ابن شبة ما يقتضي مجاورة البقيع لبني جديلة واتصالهم به؛ فنرجّح عندي أنه مسجد أبيّ رضي الله تعالى عنه، وسيأتي عن المطري ذكر مسجد أبي فيما علمت جهته ولم تعلم عينه من المساجد.
وروى عمر بن شبة عن يحيى بن سعيد قال: كان النبي ﷺ يختلف إلى مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة ولا مرتين، وقال: لولا أن يميل الناس، إليه لأكثرت الصلاة فيه.
وعن أبي بكر بن يحيى بن النضر الأنصاري عن أبيه أن النبي ﷺ لم يصلّ في مسجد مما حوته المدينة إلا مسجد أبيّ بن كعب، ثم ذكر مساجد ستأتي.
وروى ابن زبالة عن يوسف الأعرج وربيعة بن عثمان أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني جديلة، وهو مسجد أبيّ بن كعب.
وفي شامي مشهد عقيل أسفل الكومة مسجد صغير طريقه من بين الترب التي هناك أسفل محرابه موجود، ولم يتعرض لذكره في المساجد وليس هو على هيئات البناء العمري، والله أعلم.
مساجد المصلى
ومنها: مساجد المصلّى الثلاثة التي ذكرناها في الفصل الأول فراجعه.
مسجد ذي الحليفة
ومنها: مسجد ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، والمسجد الذي في قبلته، وسيأتيان في المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ بين الحرمين مع بيان محلهما من وادي العقيق الكبير.
مسجد مقمل
ومنها مسجد مقمل، ذكره المجد هنا، والصواب ذكره في المساجد الخارجة عن المدينة؛ لأنه كما سيأتي على يومين منها، والله أعلم.
стр. 624
الفصل الرابع في المساجد التي علمت جهتها، ولم تعلم عينها بالمدينة الشريفة
مسجد أبيّ بن كعب
منها: مسجد أبيّ بن كعب ببني جديلة، ويقال: مسجد بني جديلة من بني النجار، على ما تقدم في المسجد الذي بالبقيع عن المطري من أن هذا المسجد لا تعرف عينه، قال:
ومنازل بني جديلة عند بئر ماء شامي سور المدينة.
مسجد بني حرام
ومنها: مسجد بني حرام من بني سلمة من الخزرج، قد تقدم في مسجد القبلتين توهيم من جعله إياه، وما ورد من صلاة النبي ﷺ بكل منهما. وروى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني حرام الذي بالقاع، وأنه رأى في قبلته نخامة، وكان لا يفارقه عرجون ابن طاب يتخصّر به، فحكّه ثم دعا بخلوق فجعله على رأس العرجون، ثم جعله على موضع النخامة، فكان أول مسجد خلّق. ومنازل بني حرام بالقاع في غربي مساجد الفتح ووادي بطحان عند جبل بني عبيد والعين التي أجراها معاوية رضي الله تعالى عنه.
مسجد الخربة
ومنها: مسجد الخربة لبني عبيد من بني سلمة، وتقدم أن منازلهم كانت عند مسجدهم هذا إلى الجبل الذي يقال له جبل الدويخل جبل بني عبيد، وذلك قرب منازل بني حرام في المغرب، والقاصد إلى مسجد القبلتين من جهة مساجد الفتح يمر بمنازلهما، وقد تقدم في مسجد القبلتين ما روى من صلاته ﷺ بهذا المسجد. وروى ابن زبالة عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن مشيخته أن رسول الله ﷺ كان يأتي السلافة أم البراء بن معرور في المسجد الذي يقال له مسجد الخربة دبر القرصة، وصلى فيه مرارا.
قلت: وسيأتي أن هناك نخل جابر بن عبد الله المذكورة قصته في قضاء دينه هناك، ولم يتعرض المطري ومن تبعه لذكر هذا المسجد. وقد روى يحيى بن الحسن في كتابه خبر ابن زبالة المذكور، ورأيته في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى لفظ: دبر القرصة، ثم قال عقبة ما لفظه: قال لنا طاهر بن يحيى: هذا في بني حارثة، وكانت القرصة ضيعة، وهي عند بيت سعد بن معاذ، انتهى. وهو مخالف لما تقدم عن ابن زبالة في المنازل، والله أعلم.
مسجد جهينة
ومنها: مسجد جهينة وبلى، وروى ابن شبة عن معاذ بن عبد الله بن أبي مريم الجهني
стр. 625
وغيره أن النبي ﷺ صلّى في مسجد جهينة، وعن يحيى بن النضر الأنصاري أن النبي ﷺ لم يصل في مسجد مما حوته المدينة إلا مسجد أبيّ، ثم قال: ومسجد جهينة، إلى آخر ما ذكره، وعن جابر بن أسامة الجهني قال: لقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بالسوق فقلت: أين تريدون ورسول الله ﷺ ؟ قالوا: نخطّ لقومك مسجدّا، فرجعت فإذا قومي قيام وإذا رسول الله ﷺ قد خطّ لهم مسجدّا وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها، وعنه أيضا قال:
خطّ النبي ﷺ مسجد جهينة لبلّى. وروى ابن زبالة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ خطّ المسجد الذي لجهينة ولمن هاجر من بلّي، ولم يصل فيه. وعن خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني عن أبيه عن جده قال: جاء النبي ﷺ يعود رجلا من أصحابه من جهينة من بني الربعة يقال له أبو مريم، فعاده بين منزل بني قيس العطار الذي فيه الأراكة وبين منزلهم الآخر الذي يلي دار الأنصار، فصلى في ذلك المنزل، قال: فقال نفر من جهينة لأبي مريم: لو لحقت رسول الله ﷺ فسألته أن يخطّ لنا مسجدّا، فقال: احملوني، فحملوه فلحق النبي ﷺ فقال: مالك يا أبا مريم؟ فقال: يا رسول الله لو خططت لقومي مسجدّا، قال: فجاء النبي ﷺ مسجد جهينة، وفيه خيام لبلّي، فأخذ ضلعا أو محجنا فخطّ لهم، قال:
فالمنزل ليلّي، والخطة لجهينة.
قال الجمال المطري: وهذه الناحية اليوم معروفة غربي حصن صاحب المدينة، والسور القديم بينها وبين جبل سلع، وعنده آثار باب من أبواب المدينة خراب، ويعرف على تاريخه وهو سنة أربعين وسبعمائة- بدرب جهينة، والناحية من داخل السور بينه وبين حصن صاحب المدينة، انتهى.
قلت: قوله «من داخل السور» إن أراد به السور الموجود اليوم فليس بصحيح؛ لأن ما كان داخل هذا السور فيما بينه وبين حصن صاحب المدينة فهو من السوق كما تقدم بيانه ومنازل هؤلاء كانت في غربي السوق قبلي ثنية عثمث المنسوية إلى سليع- وهو الجبل الذي عليه حصن أمير المدينة ويمتد في جهة المغرب إلى بني سلمة- وإن أراد أن الناحية المذكورة من داخل السور القديم فصحيح، غير أن الداخل فيه بعضها لا كلها.
مسجد بني غفار
ومنها: المسجد الذي عند بيوت المطرفي، وهو المتقدم ذكره في منازل بني غفار.
روى ابن زبالة عن أنس بن عياض عن غير واحد من أهل العلم أن رسول الله ﷺ صلّى في المسجد الذي عند بيوت المطرفي، عند خيام بني غفار، وأن تلك المنازل كانت منازل آل أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري صاحب رسول الله ﷺ ، قال المطري: وليست الناحية معروفة اليوم.
стр. 626
قلت: عرف مما تقدم في منازل بني غفار وفي دار السوق أنها في غربي سوق المدينة بالقرب من منزل جهينة الذي يلي ثنية عثعث من جهة القبلة.
مسجد بني زريق
ومنها: مسجد بني زريق- بتقديم الزاي كزبير- من الخزرج.
روى ابن زبالة عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن، وأن رافع بن مالك الزّرقي لما لقي رسول الله ﷺ بالعقبة أعطاه رسول الله ﷺ ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت، قال: فقدم به رافع المدينة، ثم جمع قومه فقرأه عليهم في موضعه، وهو يومئذ كوم، قال: وعجب النبي ﷺ من اعتدال قبلته.
وعن مروان بن عثمان بن المعلى قال: أول مسجد قرئ فيه القرآن مسجد بني زريق.
وعن يحيى بن عبد الله بن رفاعة قال: توضأ رسول الله ﷺ فيه، وعجب من اعتدال قبلته، ولم يصل فيه.
وروى ابن شبة عن معاذ بن رفاعة الزّرقي أن رسول الله ﷺ دخل في مسجد بني زريق، وتوضأ فيه، وعجب من قبلته، ولم يصل فيه، وكان أول مسجد قرئ فيه القرآن.
قلت: تقدم في المنازل أن محل قرية بني زريق في قبلة المصلى وما والاها في المشرق داخل السور وخارجه، وتقدم في ذكر الدور المحيطة بالبلاط الممتدّ من باب المدينة المعروف بدرب سويقة إلى باب السلام ما يبين أن هذا المسجد كان في قبلة الدور التي عن يمين السالك من درب سويقة المذكور قريبا منه وهو المذكور في حديث السباق بين الخيل التي لم تضمر، قال عياض: وبينه وبين ثنية الوداع ميل أو نحوه.
قلت: وبين ثنيّة الوداع وبين الموضع الذي ذكرناه نحو الميل، وهو قريب من جهة محاذاة ثنية الوداع في جهة القبلة.
وقد حدث في جهة قبلة المصلّى مما يلي المغرب مسجدان، أحدثهما شمس الدين محمد بن أحمد السلاوي بعد الخمسين وثمانمائة: الأول منهما على شفير وادي بطحن على عدوته الشرقية، والثاني بعده في جهة القبلة على رابية مرتفعة من الوادي أيضا في غربيه في مقابلة المطرية، وكان موضعه في تلك الرابية فكان يطبخ فيه الآجرّ، وإنما نبهت على ذلك لئلا يتقادم العهد بهما فيظن أن أحدهما مسجد بني زريق؛ لكون ذلك بالناحية المذكورة، والله أعلم.
مسجدان لبني ساعدة
ومنها: مسجدان لبني ساعدة من الخزرج، وسقيفتهم.
روى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني ساعدة،
стр. 627
وجلس في سقيفتهم القصوى. وعن العباس بن سهل أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني ساعدة في جوف المدينة. وعن سعد بن إسحاق بن كعب أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني ساعدة الخارج من بيوت المدينة. وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ جلس في سقيفة بني ساعدة القصوى. وعن عبد المنعم بن عباس عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ جلس في السّقيفة التي في بني ساعدة، وسقاه سهل بن سعد في قدح.
وروى ابن زبالة حديث سهل بن سعد المتقدم، ثم روى عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: جلس رسول الله ﷺ في سقيفته التي عند المسجد، ثم استسقاني فخضت له وطبة، فشرب ثم قال: زدني، فخضت له أخرى فشرب، ثم قال:
كانت الأولى أطيب من الآخرة، فقلت: هما يا رسول الله من شيء واحد.
قوله: «فخضت له» كذا هو في نسخة ابن زبالة. ورواه المطري كذلك، وكذا كان في خط الزين المراغي، ثم رأيته مصلحا «فمخضت له» وكأن الذي ألحق الميم أخذ ذلك من كون الوطب سقاء اللبن؛ فالمناسب له المخض، ولا مانع من إطلاق الخوض على المخض.
وقد تلخص من ذلك أن النبي ﷺ صلّى في مسجدي بني ساعدة، وجلس في سقيفتهم، والجلوس في سقيفتهم مذكور في الصحيح، وهي السقيفة التي وقعت بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فيها، والظاهر أنها كانت عند دار سعد بن عبادة، ويدل على ذلك ما في الصحيح من حديث الجوينية- وهي العائذة- من حديث سهل بن سعد حيث ذكر دخول النبي ﷺ عليها، وخروجه من عندها، ثم قال: فأقبل النبي ﷺ يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فخرجت لهم بهذا القدح فسقيتهم فيه، الحديث. فطلبه ﷺ من سهل بن سعد أن يسقيه وقد جلس في سقيفتهم دالّ على قرب منزله منها، ويدل لذلك أيضا اجتماع الأنصار بها عند سعد رضي الله تعالى عنه يوم السقيفة، وكان سعد مريضا، وقد أسلفنا في منازل بني ساعدة أنهم افترقوا في أربعة منازل؛ فمنزلهم الأول في شرقي سوف المدينة وفيه بئر بضاعة هو المراد بحديث الصلاة في مسجدهم الذي في جوف المدينة.
وأما مسجدهم الخارج عن بيوت المدينة فيظهر أنه في منزلهم الرابع، وأنه في شامي ذباب الجبل الذي عليه مسجد الراية؛ لما سيأتي في ترجمة الشوط من أن في رواية لابن سعد أن الجوينية أنزلت بالشوط من وراء ذباب في أطم. وفي رواية أخرى: «فنزلت في أجم بني ساعدة» .
سقيفة بني ساعدة
وأما سقيفة بني ساعدة فيظهر أنها في منزلهم الثالث، وهو منزل بني أبي خزيمة بن
стр. 628
ثعلبة بن طريف؛ لأنهم رهط سعد، ولأن جراره التي كان يسقي فيها الماء بعد وفاة أمه كانت لها، وهو قريب من منزلهم الرابع، كما يؤخذ مما قدمناه في المنازل، وذلك في شامي سوق المدينة قرب ذباب.
وقد ترجّح عندي الآن خطأ ما قدمته هناك من احتمال أن تكون جرار سعد عند الموضع المعروف اليوم بسقيفة بني ساعدة قرب مقعد الأشراف الوحاحدة من سويقة. وقد قدمنا قول المطري إن قرية بني ساعدة عند بئر بضاعة، والبئر وسط بيوتهم، قال: وشمالي البئر اليوم إلى جهة المغرب بقية أطم من آطام المدينة نقل أنه في دار أبي دجانة الصغرى التي عند بئر بضاعة، وأبو دجانة من بني ساعدة، ذكر ذلك في بيان مسجد بني ساعدة وسقيفتهم مقتصرا على مسجد واحد، وقال: إنه مسجد بني ساعدة رهط سعد بن عبادة، وليس ما ذكره منزل رهط سعد؛ لما قدمناه.
وأغرب رزين العبدري فزعم أن سقيفة بني ساعدة معروفة بقباء، وهو وهم
وروى ابن زبالة عن هند ابنة زياد زوجة سهل بن سعد الساعدي قالت: لما دخلت على سهل رأيت المسجد في وسط البيت فقلت: ألا إلى العريش أو إلى الجدار، فقال: إن النبي ﷺ جلس ها هنا، وهو البيت الذي صار لابن حمران.
مسجد بني خدارة
ومنها: مسجد بني خدارة إخوة بني خدرة من الخزرج.
روى ابن شبة عن شيخ من الأنصار أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني خدارة، وحلق رأسه فيه. وعن هشام بن عروة أنه ﷺ صلّى به. وعن عمرو بن شرحبيل أن النبي ﷺ وضع يده على الحجر الذي في أجم سعد بن عبادة عند جرار سعد، وصلّى في مسجد بني خدارة.
قلت: قد تقدم ذكر جرار سعد في منزل بني ساعدة الثالث، وبيان أنها كانت حدّ سوق المدينة من جهة الشام قرب ثنية الوداع، وأن منازل بني خدارة كانت بجرار سعد
وقال المطري: هذه الدار قبلي دار بني ساعدة وبئر بضاعة مما يلي سوق المدينة.
وإذا تأملت ما قدمناه في منازل بني ساعدة علمت أن هذه هي دارهم الثالثة التي بها رهط سعد، وعندها السقيفة، وليس بها لبني ساعدة مسجد، وينبغي أن لا يغافل عما قدمناه من حدوث مسجد في منزلة الحاج الشامي قبليّ المنهل الذي عند مشهد النفس الزكية، أنشأه قاضي الحرمين العلامة محيي الدين الحنبلي هناك؛ فلا يتوّهم أنه أحد هذه المساجد، والله أعلم.
مسجد راتج
ومنها: مسجد راتج؛ لم يتعرض المطري ومن تبعه لذكره.
стр. 629
وقد روى ابن شبة عن خالد بن رياح أن النبي ﷺ صلّى في مسجد راتج، وشرب من جاسوم، وهي بئر هناك.
وروى ابن زبالة صلاته ﷺ في مسجد راتج عن خالد بن رباح عن رجل من بني حارثة. وسيأتي أن جاسوم بئر أبي الهيثم بن التيهان، وأن النبي ﷺ صلّى في حائطه. وراتج تقدم في المنازل أنه أطم سميت به الناحية، وأن بني الشطية كانوا إحدى قبائل راتج الثلاث، وأن ممن كان به بني زعوراء إخوة بني عبد الأشهل ومنهم أبو الهيثم بن التّيهان؛ ولهذا نقل الأقشهري عن المحب الطبري أنه ذكر المساجد التي كانوا يصلون فيها بأذان بلال فقال: ومسجد بني راتج من بني عبد الأشهل.
قلت: وصواب العبارة «مسجد راتج» وقد سبق ذكر راتج أيضا في منازل مزينة من المهاجرين حيث قال فيها: ونزلت بنو ذكوان من بني سليم مع أهل راتج من اليهود ما بين دار قدامة إلى دار حسن بن زيد بالجبانة. وسيأتي ذكر الجبانة في ترجمة ذباب. وسيأتي لراتج ذكر في ترجمة الخندق، ومنه يؤخذ أنه كان في شرقي ذباب الذي عليه مسجد الراية جانحا إلى جهة الشام، وبعده في المشرق منزل بني عبد الأشهل.
وقال المطري: إن في غربي وادي بطحان من جهة مساجد الفتح جبلين صغيرين:
أحدهما يقال له راتج، ويقال للذي إلى جنبه جبل أبي عبيد.
قلت: وإن صحّ ما ذكره فليس هو المراد هنا؛ لأن تلك الجهة ليست في منازل بني عبد الأشهل وإخوتهم المذكورين. والذي صرح به ابن زبالة وغيره أنه اسم أطم كما قدمناه، فهو المعتمد والله أعلم.
مسجد واقم
ومنها: مسجد بني عبد الأشهل من الأوس، ويقال له: مسجد واقم.
روى أبو داود والنسائي عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلّى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسجدون بعدها، فقال: هذه صلاة البيوت، وإسناده جيد، إلا أن فيه إسحاق بن كعب بن عجرة مجهول الحال.
وروى ابن شبهة عن محمود بن لبيد قال: صلّى النبي ﷺ صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما فرغ من صلاته قال: صلّوا هاتين الركعتين في بيوتكم، ومحمود بن لبيد من صغار الصحابة، وجلّ روايته عن الصحابة، وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق، ورواه أحمد برجال ثقات، ولفظه: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا فصلّى بنا المغرب، فلما سلّم منها قال: اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسبحة بعد المغرب، ورواه ابن ماجه عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال: أتانا رسول الله ﷺ في بني عبد الأشهل، فصلّى بنا المغرب في المسجد، الحديث، وفي إسناده متروك.
стр. 630
وروى ابن شبة وابن ماجه عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي ﷺ فصلّى بنا في بني عبد الأشهل، فرأيته واضعا يديه على ثوبه إذا سجد وعبد الله بن عبد الرحمن ليست له صحبة، قال الذهبي: وصوابه عن أبيه عن جده.
وقد روى ابن ماجه عقبه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ صلّى في بني عبد الأشهل، وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه برد الحصى.
ورواه ابن شبة بنحوه، وفي إسناد كل منهما ضعيف.
وروى ابن شبة عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة- وهو ضعيف- عن أبيه معضلا قال: صلّى النبي ﷺ وهو في مسجد واقم في بني عبد الأشهل وعليه برنكان لم يفض بيديه من البرنكان إلى الأرض.
وعن أمر عامر أنها رأت النبي ﷺ وهو في مسجد بني عبد الأشهل أتى بعرق فتعرّقه، ثم صلى ولم يمسّ ماء.
ورواه ابن زبالة إلا أنه قال: إنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بعرق فتعرقه وهو في مسجد بني عبد الأشهل، ثم قام فصلى ولم يتوضأ.
وروى يحيى عن بكر بن عبد الوهاب عن محمد بن عمر قال: قالوا: كان بالمدينة تسعة مساجد يسمعون فيها مؤذن النبي ﷺ ؛ فيصلون في مساجدهم، ولا يأتون مسجد النبي ﷺ ، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يجمعون فيه، وربما خرج رسول الله ﷺ إذا صلّى الظهر إلى مسجد بني عبد الأشهل فيصلي العصر والمغرب في مسجد بني عبد الأشهل، ولم تكن دار كان رسول الله ﷺ أكثر لها غشيانا من دار بني عبد الأشهل قبل وفاة سعد بن معاذ وبعد وفاته.
قلت: والأخبار في الصلاة في هذا المسجد كثيرة، وهو غير معروف اليوم، وتقدم أن المطري قال: إن دار بني عبد الأشهل قبلى دار بني ظفر مع طرف الحرة الشرقية المعروفة بحرّة واقم، وكأنه أخذه من قول يحيى في مسجد بني ظفر: إنه دون مسجد بني الأشهل، ولا دلالة في ذلك على ما قاله، والصواب ما قدمناه في منازلهم من أنها كانت في شامي بني ظفر بالحرّة المذكورة وما والاها بين بني ظفر وبني حارثة، وسيأتي في ترجمة الخندق ما يصرح بذلك. ويؤيده ما سيأتي في مسجد القرصة من أنها ضيعة لسعد بن معاذ، والقرصة معروفة اليوم بالجهة التي ذكرناها. وبنو عبد الأشهل هم رهط سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وقد رأيت قرب القرصة آثار منازل كثيرة الظاهر أنها منازلهم، ويؤيده أن فيما نقله الواقدي عن كتاب مسرف بن عقبة إلى يزيد بعد مقتلة الحرّة «إني فرقت أصحابي على أفواه
стр. 631
خنادقهم؛ فوليت الحصين بن نمر ناحية ذباب وما والاها، ووجهت حبيش بن دلجة إلى ناحية بقيع الغرقد، وكنت ومن معي من قواد أمير المؤمنين في وجه بني حارثة، فأدخلنا عليهم الخيل حين ارتفع النهار من ناحية بني عبد الأشهل، فما صليت الظهر إلا في مسجدهم، وإنا أوقعنا بهم السيوف فقتلنا من أشرف لنا منهم، وتبعنا مدبرهم، وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناها ثلاثا» انتهى.
وقد تقدم في الفصل الخامس عشر من الباب الثاني أن بعض بني حارثة فتح لأهل الشام طريقا من قبلهم، وأنهم أتوا من قبل بني حارثة. ونقل الواقديّ أن أول ما انتهبت والحرب بعد لم تنقطع دار بني عبد الأشهل، أي لأنها التي كانت تليهم بعد الدخول من بني حارثة، والله أعلم.
مسجد القرصة
ومنها: مسجد القرصة، روى رزين عن يحيى بن قتادة عن مشيخة قومه أن النبي ﷺ كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم، فصلى في مسجد القرصة، والقرصة: ضيعة لسعد بن معاذ، قال الزين المراغي: فلعلها القرصة المعروفة اليوم بطرف الحرة الشرقية من جهة الشمال؛ لأنها قريبة من منازل بني عبد الأشهل رهط سعد، غير أن المسجد لا يعرف فيها اليوم.
قلت: رأيت بها قرب البئر على رابية أثر مسجد، والله أعلم.
مسجد بني حارثة
ومنها: مسجد بني حارثة من الأوس روى ابن شبة عن الحارث بن سعد بن عبيد الحارثي أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني حارثة.
وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني حارثة، وقضى فيه في شأن عبد الرحمن بن سهل، يعني المقتول بخيبر، أخي عبد الله بن سهل بني عم حويصة ومحيصة.
وتقدم في المنازل أن بني حارثة تحوّلوا قبل الإسلام من دار بني عبد الأشهل إلى دارهم في سند الحرّة التي بها الشيخان شاميّ بني عبد الأشهل، خلاف ما ذكره المطري من أن منازلهم بيثرب.
مسجد الشيخين (البدائع)
ومنها: مسجد الشيخين، ويقال له: «مسجد البدائع» .
روى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي عند الشيخين، وبات فيه، وصلّى فيه الصبح يوم أحد، ثم غدا منه إلى أحد.
стр. 632
وعن ابن عباس عن سعد أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي عند البدائع عند الشيخين، وبات فيه حتى أصبح، والشيخان: أطمان.
وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في مسجد البدائع بشواء، فأكله، ثم بات حتى غدا إلى أحد.
وروى ابن زبالة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلّى في المسجد الذي عند الشيخين، وأنه عدل من ثمّ يوم أحد إلى أحد.
ورواه يحيى من طريق ابن زبالة، قال ابنه طاهر بن يحيى عقبه: ويعرف اليوم بمسجد العدوة.
وروى يحيى أيضا عن محمد بن طلحة قال: المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ يوم الجمعة حين راح أي إلى أحد من ها هنا هو المسجد الذي على يمينك إذا أردت قناة، أي وادي الشطاة، صلى فيه النبي ﷺ العصر والعشاء والصبح، ثم غدا إلى أحد يوم السبت.
وسيأتي في الشيخين قول المطري: إنه موضع بين المدينة وجبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرّة إلى جبل أحد. وتقدم قول ابن زبالة: وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان بمفضاهما المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ حين سار إلى أحد.
مسجد بني دينار
ومنها: مسجد بني دينار بن النجار من الخزرج روى ابن شبة عن يحيى بن النضر الأنصاري أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني دينار، وعن عبد الله بن عقبة بن عبد الملك أن النبي ﷺ كان كثيرا ما يصلّي في مسجد بني دينار عند الغسالين.
وروى ابن زبالة عن أيوب بن صالح الديناري أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تزوّج امرأة منهم فاشتكى، فكان النبي ﷺ يعوده، فكلّموه أن يصلي لهم في مكان يصلون فيه، فصلى في المسجد الذي يا بني دينار عند الغسالين.
وتقدم في المنازل عن المطري أن دارهم بين دار بني جديلة التي عند بيرحاء وبين دار بني معاوية أهل مسجد الإجابة، وأن ابن زبالة صرح بخلافه، حيث قال: نزلوا دارهم التي خلف بطحان الذي في شقه الغربي مما يلي الحرة.
قلت: ويؤيده ما سيأتي في الخندق، أنهم خندقوا من مسجد القبلتين إلى دار ابن أبي الجنوب بالحرة، وذلك لأن منازلهم في تلك الجهة، ولأن ابن زبالة قال: إن بني سواد من بني سلمة نزلوا عن مسجد القبلتين إلى أرض ابن عبيد الديناري، وسيأتي أن نقب بني دينار هو طريق العقيق بالحرة الغربية، وبه السقيا كما قال الواقدي، فإنما كانوا بالحرة الغربية، وقد سمى الأسدي مسجدهم بمسجد الغسالين؛ لما تقدم من أنه كان عند الغسالين.
стр. 633
وفي غربي وادي بطحان بالحرة موضع يعرف اليوم بالمغسلة، قال المجد: كان يغسل فيها، قال: وهي اليوم حديقة كثيرة النخيل من أقرب الحدائق إلى المدينة، انتهى. فلعل ذلك في موضع منازلهم.
وقد رأيت هناك حجرا عليه كتابة كوفية فيها ما لفظه: مسجد رسول الله ﷺ . وعنده آثار يظهر أنها من آثار المسجد، وقد بنى صاحب المغسلة هناك مسجدّا في تلك الآثار، وجعل الحجر فيه.
مسجد بني عدي، ومسجد دار النابغة
ومنها: مسجد بني عدي بن النجار، ومسجد دار النابغة في بني عدي أيضا روى ابن شبة عن يحيى بن عمارة المازني أن النبي ﷺ صلّى في دار النابغة، واغتسل في مسجد بني عدي.
وعن يحيى بن النضر أن النبي ﷺ صلّى في مسجد دار النابغة ومسجد بني عدي.
وعن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني عدي وفي بيت صرمة في بني عدي.
ورواه ابن زبالة عند بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد دار النابغة وفي مسجد بني عدي.
وتقدم عن المطري أن منازل بني عدي غربي المسجد النبوي، ولم أر لغيره ما يوافقه ولا ما يخالفه، إلا أن النضر والد أنس خادم رسول الله ﷺ كان منهم.
وسيأتي في بئره ما يبين أن داره كانت شامي المسجد النبوي عند بني جديلة.
ودار النابغة: هي المرادة بما رواه ابن شبة عن أبي زيد النجاري قال: قبر عبد الله بن عبد المطلب يعني والد رسول الله ﷺ في- دار النابغة قال عبد العزيز: ووصفه لي محمد بن عبد الله بن كريم فقال: تحت عتبة البيت الثاني على يسار من دخل دار النابغة.
وقال ابن عبد البر: توفي عبد الله والد رسول الله ﷺ بالمدينة، وقبره بها في دار من دور عدي بن النجار، قال ابن الجوزي: هي دار النابغة.
مسجد بني مازن
ومنها: مسجد بني مازن بن النجار- روى ابن زبالة عن يعقوب بن محمد أن النبي ﷺ خطّ مسجد بني مازن ولم يصل فيه.
وفي رواية عنه: وضع مسجد بني مازن بيده، وصلّى في بيت أم بردة في بني مازن.
стр. 634
قلت: أم بردة هذه هي مرضعة إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وتوفي عندها، وحضر رسول الله ﷺ وفاته في بيتها، وظاهر ما سيأتي في بقيع الزبير من قول ابن شبة في بعض دوره على يسارك إذا أردت بني مازن، وكذا ما قدمناه عنه في منازل مزينة ومن حل معها أن منازل بني مازن قرب منازل بني زريق مما يلي القبلة والمشرق؛ لأنه قال بعد ذكر منازل بني زريق ما لفظه: إلى أن يلقى بني مازن بن عدي بن النجار، لكن قوله ابن عدي خطأ في النسخة لأن مازنا هو ابن النجار نفسه، وعدي أخوه.
وتقدم عن المطري أن منازل بني مازن قبلي بئر البصة في الناحية المسماة اليوم بأبي مازن، قال: وكان إبراهيم ابن النبي ﷺ مسترضعا فيها عند امرأة أبي سيف العين.
مسجد بني عمرو
ومنها: مسجد بني عمرو بن مبذول بن مالك بن النجار روى ابن زبالة وابن شبة عن هشام بن عروة أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد بني عمرو بن مبذول.
وروى ابن شبة عن يحيى بن النضر نحوه، ولم يذكر المطري ومن تبعه هذا المسجد، ولم يعد بني مبذول في بطون بني النجار.
وتقدم في المنازل أن منزلهم كان عند بقيع الزبير؛ فتؤخذ جهته من المسجد بعده.
مسجد بقيع الزبير
ومنها: مسجد بقيع الزبير روى ابن زبالة عن عطاء بن يسار أن النبي ﷺ صلّى الضحى في بقيع الزبير ركعتين، فقال له أصحابه: إن هذه الصلاة ما كنت تصليها، قال: إنها صلاة رغب ورهب فلا تدعوها.
وسيأتي في بقيع الزبير أنه في شرقي بني زريق، مجاور لدور بني غنم إلى جانب البقال.
مسجد صدقة الزبير
ومنها: مسجد صدقة الزبير ببني محمم- روى ابن زبالة عن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي وضعه الزبير في بني محمم.
ورواه ابن شبة عنه بلفظ: في صدقة الزبير في بني محمم.
قلت: وذلك بالجزع المعروف بالزبيريات، غربي مشربة أم إبراهيم، وقبلتها بقرب خنافة والأعواف، وهما من أموال بني محمم.
وقال الشافعي ﵀: وصدقة النبي ﷺ قائمة عندنا، وصدقة الزبير قريب منها.
стр. 635
ونقل ابن شبة عن أبي غسان أن النبي ﷺ أقطع الزبير ماله الذي يقال له بنو محمم من أموال بني النضير، فابتاع إليه الزبير أشياء من أموال بني محمم، فتصدق بها على ولده.
وفي سنن أبي داود عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ أقطع الزبير نخلا.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى سوطه، فقال النبي ﷺ : أعطوه حيث بلغ السوط.
وفي الصحيح قصة الرجل الذي نازع الزبير في السقي بشراج الحرة، وسنبين أنها حرة بني قريظة.
وروى الطبراني أن ذلك الرجل من بني أمية بن زيد، ومنازلهم وأموالهم عند هذه الحرة.
وفي حديث أسماء في قصة حملها النوى من أرض الزبير أنها كانت على ميلين من المدينة، وكله مؤيد لكونها الموضع المعروف اليوم بالزبيريات.
ويؤيده أيضا أن كثيرا منها بأيدي جماعة من ذرية الزبير بن العوام يعرفون اليوم بالكماة.
مسجد بني خدرة
ومنها: مسجد بني خذرة إخوة بني خدارة من الخزرج روى ابن زبالة عن هشام بن عروة أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد بني خدرة.
وعن يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة أن رسول الله ﷺ صلّى في بعض منازل بني خدرة؛ فهو المسجد الصغير الذي في بني خدرة مقابل بيت الحية.
وروى ابن شبة عن ربيع بن عثمان أن النبي ﷺ صلّى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة.
وروى هو وابن زبالة عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه أن النبي ﷺ لم يصل في مسجد بني خدرة.
وتقدم في المنازل أن بني خدرة ابتنوا بدارهم أطما يقال له الأجرد، ويقال لبئره البصة، كان لجد أبي سعيد الخدري، قال المطري: وبعضه باق إلى اليوم
قلت: وهو الذي ابتنى عليه الزكوى بن صالح المنزل الذي عند بئر البصة التي اتخذ لها الدرجة الآتي ذكرها.
وقوله في رواية ابن زبالة «مقابل بيت الحية» كأنه يشير إلى البيت الذي اتفقت به قصة الحية المذكورة في صحيح مسلم عن أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في