← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

خنادقهم؛ فوليت الحصين بن نمر ناحية ذباب وما والاها، ووجهت حبيش بن دلجة إلى ناحية بقيع الغرقد، وكنت ومن معي من قواد أمير المؤمنين في وجه بني حارثة، فأدخلنا عليهم الخيل حين ارتفع النهار من ناحية بني عبد الأشهل، فما صليت الظهر إلا في مسجدهم، وإنا أوقعنا بهم السيوف فقتلنا من أشرف لنا منهم، وتبعنا مدبرهم، وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناها ثلاثا» انتهى. وقد تقدم في الفصل الخامس عشر من الباب الثاني أن بعض بني حارثة فتح لأهل الشام طريقا من قبلهم، وأنهم أتوا من قبل بني حارثة. ونقل الواقديّ أن أول ما انتهبت والحرب بعد لم تنقطع دار بني عبد الأشهل، أي لأنها التي كانت تليهم بعد الدخول من بني حارثة، والله أعلم. مسجد القرصة ومنها: مسجد القرصة، روى رزين عن يحيى بن قتادة عن مشيخة قومه أن النبي ﷺ كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم، فصلى في مسجد القرصة، والقرصة: ضيعة لسعد بن معاذ، قال الزين المراغي: فلعلها القرصة المعروفة اليوم بطرف الحرة الشرقية من جهة الشمال؛ لأنها قريبة من منازل بني عبد الأشهل رهط سعد، غير أن المسجد لا يعرف فيها اليوم. قلت: رأيت بها قرب البئر على رابية أثر مسجد، والله أعلم. مسجد بني حارثة ومنها: مسجد بني حارثة من الأوس روى ابن شبة عن الحارث بن سعد بن عبيد الحارثي أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني حارثة. وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني حارثة، وقضى فيه في شأن عبد الرحمن بن سهل، يعني المقتول بخيبر، أخي عبد الله بن سهل بني عم حويصة ومحيصة. وتقدم في المنازل أن بني حارثة تحوّلوا قبل الإسلام من دار بني عبد الأشهل إلى دارهم في سند الحرّة التي بها الشيخان شاميّ بني عبد الأشهل، خلاف ما ذكره المطري من أن منازلهم بيثرب. مسجد الشيخين (البدائع) ومنها: مسجد الشيخين، ويقال له: «مسجد البدائع» . روى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي عند الشيخين، وبات فيه، وصلّى فيه الصبح يوم أحد، ثم غدا منه إلى أحد.

стр. 632

وعن ابن عباس عن سعد أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي عند البدائع عند الشيخين، وبات فيه حتى أصبح، والشيخان: أطمان. وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في مسجد البدائع بشواء، فأكله، ثم بات حتى غدا إلى أحد. وروى ابن زبالة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلّى في المسجد الذي عند الشيخين، وأنه عدل من ثمّ يوم أحد إلى أحد. ورواه يحيى من طريق ابن زبالة، قال ابنه طاهر بن يحيى عقبه: ويعرف اليوم بمسجد العدوة. وروى يحيى أيضا عن محمد بن طلحة قال: المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ يوم الجمعة حين راح أي إلى أحد من ها هنا هو المسجد الذي على يمينك إذا أردت قناة، أي وادي الشطاة، صلى فيه النبي ﷺ العصر والعشاء والصبح، ثم غدا إلى أحد يوم السبت. وسيأتي في الشيخين قول المطري: إنه موضع بين المدينة وجبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرّة إلى جبل أحد. وتقدم قول ابن زبالة: وكان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان يقال لهما الشيخان بمفضاهما المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ حين سار إلى أحد. مسجد بني دينار ومنها: مسجد بني دينار بن النجار من الخزرج روى ابن شبة عن يحيى بن النضر الأنصاري أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني دينار، وعن عبد الله بن عقبة بن عبد الملك أن النبي ﷺ كان كثيرا ما يصلّي في مسجد بني دينار عند الغسالين. وروى ابن زبالة عن أيوب بن صالح الديناري أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تزوّج امرأة منهم فاشتكى، فكان النبي ﷺ يعوده، فكلّموه أن يصلي لهم في مكان يصلون فيه، فصلى في المسجد الذي يا بني دينار عند الغسالين. وتقدم في المنازل عن المطري أن دارهم بين دار بني جديلة التي عند بيرحاء وبين دار بني معاوية أهل مسجد الإجابة، وأن ابن زبالة صرح بخلافه، حيث قال: نزلوا دارهم التي خلف بطحان الذي في شقه الغربي مما يلي الحرة. قلت: ويؤيده ما سيأتي في الخندق، أنهم خندقوا من مسجد القبلتين إلى دار ابن أبي الجنوب بالحرة، وذلك لأن منازلهم في تلك الجهة، ولأن ابن زبالة قال: إن بني سواد من بني سلمة نزلوا عن مسجد القبلتين إلى أرض ابن عبيد الديناري، وسيأتي أن نقب بني دينار هو طريق العقيق بالحرة الغربية، وبه السقيا كما قال الواقدي، فإنما كانوا بالحرة الغربية، وقد سمى الأسدي مسجدهم بمسجد الغسالين؛ لما تقدم من أنه كان عند الغسالين.

стр. 633

وفي غربي وادي بطحان بالحرة موضع يعرف اليوم بالمغسلة، قال المجد: كان يغسل فيها، قال: وهي اليوم حديقة كثيرة النخيل من أقرب الحدائق إلى المدينة، انتهى. فلعل ذلك في موضع منازلهم. وقد رأيت هناك حجرا عليه كتابة كوفية فيها ما لفظه: مسجد رسول الله ﷺ . وعنده آثار يظهر أنها من آثار المسجد، وقد بنى صاحب المغسلة هناك مسجدّا في تلك الآثار، وجعل الحجر فيه. مسجد بني عدي، ومسجد دار النابغة ومنها: مسجد بني عدي بن النجار، ومسجد دار النابغة في بني عدي أيضا روى ابن شبة عن يحيى بن عمارة المازني أن النبي ﷺ صلّى في دار النابغة، واغتسل في مسجد بني عدي. وعن يحيى بن النضر أن النبي ﷺ صلّى في مسجد دار النابغة ومسجد بني عدي. وعن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني عدي وفي بيت صرمة في بني عدي. ورواه ابن زبالة عند بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد دار النابغة وفي مسجد بني عدي. وتقدم عن المطري أن منازل بني عدي غربي المسجد النبوي، ولم أر لغيره ما يوافقه ولا ما يخالفه، إلا أن النضر والد أنس خادم رسول الله ﷺ كان منهم. وسيأتي في بئره ما يبين أن داره كانت شامي المسجد النبوي عند بني جديلة. ودار النابغة: هي المرادة بما رواه ابن شبة عن أبي زيد النجاري قال: قبر عبد الله بن عبد المطلب يعني والد رسول الله ﷺ في- دار النابغة قال عبد العزيز: ووصفه لي محمد بن عبد الله بن كريم فقال: تحت عتبة البيت الثاني على يسار من دخل دار النابغة. وقال ابن عبد البر: توفي عبد الله والد رسول الله ﷺ بالمدينة، وقبره بها في دار من دور عدي بن النجار، قال ابن الجوزي: هي دار النابغة. مسجد بني مازن ومنها: مسجد بني مازن بن النجار- روى ابن زبالة عن يعقوب بن محمد أن النبي ﷺ خطّ مسجد بني مازن ولم يصل فيه. وفي رواية عنه: وضع مسجد بني مازن بيده، وصلّى في بيت أم بردة في بني مازن.

стр. 634

قلت: أم بردة هذه هي مرضعة إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وتوفي عندها، وحضر رسول الله ﷺ وفاته في بيتها، وظاهر ما سيأتي في بقيع الزبير من قول ابن شبة في بعض دوره على يسارك إذا أردت بني مازن، وكذا ما قدمناه عنه في منازل مزينة ومن حل معها أن منازل بني مازن قرب منازل بني زريق مما يلي القبلة والمشرق؛ لأنه قال بعد ذكر منازل بني زريق ما لفظه: إلى أن يلقى بني مازن بن عدي بن النجار، لكن قوله ابن عدي خطأ في النسخة لأن مازنا هو ابن النجار نفسه، وعدي أخوه. وتقدم عن المطري أن منازل بني مازن قبلي بئر البصة في الناحية المسماة اليوم بأبي مازن، قال: وكان إبراهيم ابن النبي ﷺ مسترضعا فيها عند امرأة أبي سيف العين. مسجد بني عمرو ومنها: مسجد بني عمرو بن مبذول بن مالك بن النجار روى ابن زبالة وابن شبة عن هشام بن عروة أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد بني عمرو بن مبذول. وروى ابن شبة عن يحيى بن النضر نحوه، ولم يذكر المطري ومن تبعه هذا المسجد، ولم يعد بني مبذول في بطون بني النجار. وتقدم في المنازل أن منزلهم كان عند بقيع الزبير؛ فتؤخذ جهته من المسجد بعده. مسجد بقيع الزبير ومنها: مسجد بقيع الزبير روى ابن زبالة عن عطاء بن يسار أن النبي ﷺ صلّى الضحى في بقيع الزبير ركعتين، فقال له أصحابه: إن هذه الصلاة ما كنت تصليها، قال: إنها صلاة رغب ورهب فلا تدعوها. وسيأتي في بقيع الزبير أنه في شرقي بني زريق، مجاور لدور بني غنم إلى جانب البقال. مسجد صدقة الزبير ومنها: مسجد صدقة الزبير ببني محمم- روى ابن زبالة عن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي وضعه الزبير في بني محمم. ورواه ابن شبة عنه بلفظ: في صدقة الزبير في بني محمم. قلت: وذلك بالجزع المعروف بالزبيريات، غربي مشربة أم إبراهيم، وقبلتها بقرب خنافة والأعواف، وهما من أموال بني محمم. وقال الشافعي ﵀: وصدقة النبي ﷺ قائمة عندنا، وصدقة الزبير قريب منها.

стр. 635

ونقل ابن شبة عن أبي غسان أن النبي ﷺ أقطع الزبير ماله الذي يقال له بنو محمم من أموال بني النضير، فابتاع إليه الزبير أشياء من أموال بني محمم، فتصدق بها على ولده. وفي سنن أبي داود عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ أقطع الزبير نخلا. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى سوطه، فقال النبي ﷺ : أعطوه حيث بلغ السوط. وفي الصحيح قصة الرجل الذي نازع الزبير في السقي بشراج الحرة، وسنبين أنها حرة بني قريظة. وروى الطبراني أن ذلك الرجل من بني أمية بن زيد، ومنازلهم وأموالهم عند هذه الحرة. وفي حديث أسماء في قصة حملها النوى من أرض الزبير أنها كانت على ميلين من المدينة، وكله مؤيد لكونها الموضع المعروف اليوم بالزبيريات. ويؤيده أيضا أن كثيرا منها بأيدي جماعة من ذرية الزبير بن العوام يعرفون اليوم بالكماة. مسجد بني خدرة ومنها: مسجد بني خذرة إخوة بني خدارة من الخزرج روى ابن زبالة عن هشام بن عروة أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد بني خدرة. وعن يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة أن رسول الله ﷺ صلّى في بعض منازل بني خدرة؛ فهو المسجد الصغير الذي في بني خدرة مقابل بيت الحية. وروى ابن شبة عن ربيع بن عثمان أن النبي ﷺ صلّى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة. وروى هو وابن زبالة عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه أن النبي ﷺ لم يصل في مسجد بني خدرة. وتقدم في المنازل أن بني خدرة ابتنوا بدارهم أطما يقال له الأجرد، ويقال لبئره البصة، كان لجد أبي سعيد الخدري، قال المطري: وبعضه باق إلى اليوم قلت: وهو الذي ابتنى عليه الزكوى بن صالح المنزل الذي عند بئر البصة التي اتخذ لها الدرجة الآتي ذكرها. وقوله في رواية ابن زبالة «مقابل بيت الحية» كأنه يشير إلى البيت الذي اتفقت به قصة الحية المذكورة في صحيح مسلم عن أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في

стр. 636

ناحية البيت، فالتفتّ فإذا هي حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليّ أن أجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى إلى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق؛ فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما، فقال له رسول الله ﷺ : خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفرش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى، قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله يحيه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جنّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فاذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان. مسجد بني الحارث ومنها: مسجد بني الحارث بن الخزرج، ومسجد السنح- روى ابن شبة عن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني خدارة وبالحبلى وبالحارث بن الخزرج ومسجد السنح، ورواه ابن زبالة بلفظ: مسجد بني الحارث بن الخزرج ومسجد السنح. قلت: تقدم أن منازل بني الحارث شرقي بطحان وتربة صعيب، ويعرف اليوم بالحارث بإسقاط بني، وبالقرب منه السنح، كان على ميل من المسجد النبوي، وهو منازل جشم وزيد ابني الحارث بن الخزرج، وبه منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه بزوجته بنت خارجة. مسجد بني الحبلى ومنها: مسجد بني الحبلى رهط عبد الله بن أبيّ بن سلول من الخزرج- روى ابن زبالة وابن شبة عن هشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني الحبلى. ورواه ابن شبة أيضا عن سعد بن إسحاق بن كعب. وتقدم عن المطري أن دارهم بين قباء وبين دار بني الحارث التي في شرقي بطحان، مع ما قاله ابن حزم في منازلهم فراجعه. مسجد بني بياضة ومنها: مسجد بني بياضة من الخزرج روى ابن شبة ويحيى عن سعيد بن إسحاق أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني بياضة. وروى ابن زبالة عنه نحوه، وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت أخرج أقود أبي بعد أن عمي إلى المسجد يوم الجمعة، قال: فيسمع الأذان بالطريق، فإذا سمعه قال: يرحم الله أسعد بن زرارة، كان أول من جّمع بنا بهذه القرية، ونحن يومئذ أربعون في هزمة من حرة بني بياضة.

стр. 637

وتقدم في الفصل الثامن من الباب الثالث نحوه من رواية أبي داود. وروى ابن زبالة أيضا عن ربيعة بن عثمان أن النبي ﷺ صلى في الحرة في الرحابة. وتقدم في منازل بني بياضة أن الرحابة مزرعة في شاميها أطمهم المسمى بعقرب، وكانت لآل عاصم بن عطية بن عامر بن بياضة. وذكر ابن زبالة أطما آخر كان بين المزرعتين الرحابة والحيرة. وتقدم أيضا أن دار بني بياضة شامي دار بني سالم أهل مسجد الجمعة إلى وادي بطحان قبلي دار بني مازن بن النجار، ممتدة في تلك الحرة وبعضها في السبخة. وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن عبد الله بن سعد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : وقعت هذه الليلة رحمة؟ فيما بين بني سالم وبني بياضة، فقالت بنو سالم وبنو بياضة: أننتقل إليها؟ قال: لا، ولكن أقبروا فيها. مسجد بني خطمة ومنها: مسجد بني خطمة من الأوس، ومسجد العجوز. روى ابن زبالة عن الحارث بن الفضل وهشام بن عروة أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني خطمة. ورواه ابن شبة عن هشام وعبد الله بن الحارث، وروى أيضا عن مسلمة بن عيد الله الخطمي أن النبي ﷺ صلّى في مسجد العجوز في بني خطمة عند القبر، ومسجد العجوز الذي عند قبر البراء بن معرور، وكان ممن شهد العقبة، فتوفي قبل الهجرة، وأوصى للنبي ﷺ بثلث ماله، وأمر بقبره أن يستقبل به الكعبة. وروى ابن زبالة عن أفلح بن سعيد وغيره من أهل العلم أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد العجوز ببني خطمة، وهي امرأة من بني سليم ثم من بني ظفر بن الحارث. وسيأتي في الآبار عن عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ توضأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم، وصلى في مسجدهم. وتقدم عن المطري أن الأظهر عنده أن منازلهم في شرقي مسجد الشمس بالعوالي، وأن الأظهر عندنا أنهم كانوا بقرب الماجشونية؛ لقول ابن شبة في سيل بطحان: إنه يصبّ في جفاف، ويمر فيه حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة والأغرس، وقوله في مذينب: إنه يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف فضاء بني خطمة، وسيأتي أن ذلك عند تنور النورة الذي في شامي الماجشونية، وقد رأيت آثار القرية والآطام هناك. مسجد بني أمية الأوسي ومنها: مسجد بني أمية بن زيد من الأوس- روى ابن شبة عن عمر بن قتادة أن النبي

стр. 638

صلى الله عليه وسلم صلّى في مسجد لهم في بني أمية من الأنصار، وكان في موضع الكبابين الخربتان عند مال نهيك، وعن محمد بن عبد الرحمن بن وائل أن النبي ﷺ صلّى في تلك الخربة، وكان قريبا من مصلّى النبي ﷺ هناك أجم، فانهدم، فسقط على المكان الذي فيه، فترك وطرح عليه التراب حتى صار كباء. وروى ابن زبالة عن سعيد بن عمران أن رسول الله ﷺ صلّى في بني أمية في موضع الكباء عند مال نهيك بن أبي نهيك. قال المطري: ودارهم شرقي دار بني الحارث بن الخزرج، وفيهم كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نازلا بامرأته الأنصارية حين كان يتناوب النزول إلى المدينة هو وجاره من الأنصار. قلت: الذي يتحرر مما سبق في المنازل أنهم كانوا قرب النواعم وبئر العهن، وهي من أموالهم كما سنبينه في الآبار، ويمر سيل مذينب من بيوتهم ثم يسقي الأموال. وبالحرة الشرقية قريبا من الموضع المذكور آثار قرية يمر بها سيل مذينب الظاهر أنها قريتهم. ويشهد لذلك أن ابن إسحاق ذكر في مقتل كعب بن الأشرف- وكان في بني النضير- أن محمد بن مسلمة ومن معه انتهوا إلى حصنه في ليلة مقمرة فهتف به أبو نائلة، ثم ذكر قتله، وأن محمد بن مسلمة قال: فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض. مسجد بني وائل الأوسي ومنها: مسجد بني وائل من الأوس- روى ابن زبالة عن الحارث بن الفضل أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني وائل. وروى ابن شبة عن سلمة بن عبد الله الخطمي أن النبي ﷺ صلّى في بيت القعدة عند مسجد بني وائل، وعنه أن النبي ﷺ صلّى في مسجد بني وائل بين العمودين المقدمين خلف الإمام بخمسة أذرع أو نحوها، قال: وضربنا ثمّ وتدا. قال المطري: والظاهر أن منازلهم كانت في شرق مسجد الشمس. قلت: الظاهر أنها بقباء، وأن هذا المسجد هو المراد بقول ابن النجار: إن بالمدينة عدة مساجد خراب فيها المحاريب وبقايا الأساطين وتنقض وتؤخذ حجارتها فيعمر بها الدور: أحدها مسجد بقباء قريب من مسجد الضّرار فيه أسطوان قائمة، انتهى؛ فكأنه فيما بين زمان المطري وزمانه نقضت بقيته بحيث لم يدرك له المطري أثرا. مسجد بني واقف ومنها: مسجد بني واقف من الأوس- روى ابن زبالة عن الحارث بن الفضل أن النبي

стр. 639

صلى الله عليه وسلم صلّى في مسجد بني واقف. قال المطري وتبعه من بعده حتى المجد: مسجد بني واقف موضع بالعوالي، كانت فيه منازل بني واقف من الأوس رهط هلال بن أمية الواقفي أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في تخلفهم عن غزوة تبوك، ولا يعرف مكان دارهم اليوم، إلا أنها بالعوالي. قلت: لا دار أعرف من دارهم؛ لما تقدم في المنازل من أنهم نزلوا عند مسجد الفضيخ، وابتنوا أطما كان موضعه في قبلة مسجد الفضيخ، وهذا من فوائد الاعتناء بذكر المنازل، والمطري لم يعتن بها، لكن العجب من المجد فإنه ذكر ما قدمناه في المنازل، ثم قلد المطري عند ذكر المساجد. مسجد بني أنيف ومنها: مسجد بني أنيف، تصغير أنف حي من بلى، ويقال: إنهم بقية من العماليق كما تقدم في منازل اليهود، وبينا في منازل بني عمرو بن عوف من الأوس أنهم كانوا حلفاء لهم. وروى ابن زبالة عن عاصم بن سويد عن أبيه قال: سمعت مشيخة بني أنيف يقولون: صلّى رسول الله ﷺ فيما كان يعود طلحة بن البراء قريبا من أطمهم، قال عاصم: قال أبي: فأدركتهم يرشّون ذلك المكان ويتعاهدونه ثم بنوه بعده؛ فهو مسجد بني أنيف بقباء. قلت: طلحة بن البراء منهم. وقال المتكلمون في أسماء الصحابة: إنه من بلىّ وكان حليفا للأوس، وذلك هو السبب كما قدمناه فيما وقع للمطري ومن تبعه من أن بني أنيف بطن من الأوس، قال: ودارهم بين بني عمرو بن عوف بقباء وبين العصبة. قلت: المعتمد ما قدمناه، ودارهم بقباء عند المال المعروف اليوم بالقائم في جهة قبلة مسجد قباء من جهة المغرب، وعند بئر عذق كما سبق. مسجد دار سعد بن خيثمة ومنها: مسجد دار سعد بن خيثمة بقباء ذكر ابن زبالة فيما نقله المطري أن النبي ﷺ صلّى في المسجد الذي في دار سعد بن خيثمة رضي الله تعالى عنه بقباء، وجلس فيه، قال المطري: وبيت سعد بن خيثمة أحد الدور التي قبلي مسجد قباء، يدخلها الناس إذا زاروا مسجد قباء ويصلون فيها. وهناك أيضا دار كلثوم بن الهدم، وفي تلك العرصة كان رسول الله ﷺ نازلا قبل خروجه إلى المدينة، وكذلك أهله ﷺ وأهل أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين قدم بهم علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بعد خروج رسول الله ﷺ من مكة، وهن: سودة، وعائشة وأمّها، وأختها أسماء، وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فولدته بقباء قبل نزولهم المدينة، فكان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة، انتهى.

стр. 640

قلت: وفي قوله «إن عليا قدم ومعه من ذكر» نظر؛ فقد قدمنا أن عليا رضي الله تعالى عنه لحق النبي ﷺ بقباء، وأنه ﷺ بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة بعد ذلك فقدما عليه بأهله، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر. وحديث أسماء في ولادتها عبد الله بن الزبير متفق عليه. وفيه أنه كان أول مولود ولد في الإسلام، ففرحوا به؛ لأنه كان قد قيل لهم: إن اليهود سحرتكم فلا يولد لكم. وفيه دلالة على تأخر ولادته عن مقدم النبي ﷺ بمدة. وقال الذهبي تبعا للواقدي: إن ولد في سنة اثنتين، وقال الحافظ ابن حجر: المعتمد أنه ولد في السنة الأولى؛ للحديث المتفق عليه، وسبق في سني الهجرة عن أبي حاتم ما يوافقه. وتقدم في ذكر مسجد قباء أن دار سعد بن خيثمة هي التي تلي المسجد في قبلته. مسجد التوبة ومنها: مسجد التوبة بالعصبة منازل بني جحجبا من بني عمرو بن عوف من الأوس- روى ابن زبالة عن أفلح بن سعد وغيره أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد التوبة بالعصبة ببئر هجيم، قال المطري: وليست بمعروفة اليوم، يعني البئر. والعصبة: في غربي مسجد قباء فيها مزارع وآبار كثيرة. قلت: يستفاد مما ذكرناه في المنازل من أنهم ابتنوا أطما يقال له الهجيم عند المسجد الذي صلّى فيه النبي ﷺ أن بئر هجيم مضافة للأطم المذكور؛ فيطلب المسجد عند ذلك، وما علمت السبب في تسميته بمسجد التوبة. مسجد النور ومنها: مسجد النور- قال ابن زبالة: حدثنا محمد بن فضالة عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلّى في موضع مسجد النور. قال المطري: ولا يعلم اليوم مكانه. قلت: وما علمت سبب تسميته بذلك، ورأيت الأسدي في منسكه ذكر في المساجد التي تزار في ناحية مسجد قباء مسجد النور، ثم ذكر في المساجد التي تزار بناحية المدينة وما حولها مسجد النور أيضا، ولعل هذا المسجد هو الموضع الذي انتهى إليه أسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهما من بني عبد الأشهل، وكانا عند النبي ﷺ في ليلة ظلماء، فتحدثا عنده حتى إذا خرجا أضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا على ضوئها، فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها، كما أخرجه البخاري؛ فيكون المسجد المذكور بدار بني عبد الأشهل. وروى أحمد برجال الصحيح حديث قتادة بن النعمان الظفري في إعطاء النبي ﷺ له العرجون في ليلة مظلمة فأضاء له من بين يديه عشرا ومن خلفه عشرا- الحديث.

стр. 641

وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ وعمر رضي الله تعالى عنه سهرا عند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يتحدثان عنده، حتى ذهب ثلث الليل، ثم خرجا وخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه معهما في ليلة مظلمة ومع أحدهما عصا، فجعلت تضئ لهما وعليها نور حتى بلغوا المنزل. مسجد عتبان بن مالك ومنها: مسجد عتبان بن مالك بأصل أطمه المسمى بالمزدلف بدار بني سالم بن الخزرج روى ابن زبالة عن إبراهيم بن عبد الله بن سعد أن عتبان بن مالك قال: يا رسول الله إن السيل يحول بيني وبين الصلاة في مسجد قومي، قال: فصلّى رسول الله ﷺ في بيته، فهو المسجد الذي بأصل المزدلف. ورواه يحيى وقال: فهو المسجد الذي بأصل المزدلف أطم مالك بن العجلان. قلت: تقدّم في مسجد الجمعة أن المزدلف هو الأطم الخراب الذي في شامي مسجد الجمعة، عند عدوة الوادي الشرقية، وأن صلاته ﷺ بدار عتبان في الصحيح، وأن الظاهر أن مسجد قومه الذي يحول السيل بينه وبينهم هو مسجدهم الأكبر الذي كان بمنازلهم بالحرة في عدوة الوادي الغربية. وروى ابن شبة عن عتبان بن مالك أن رسول الله ﷺ صلّى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا. وعن سعد بن إسحاق أن النبي ﷺ لم يصل في مسجد بني سالم الأكبر. وروى ابن زبالة نحوه عن كعب بن عجرة. مسجد ميثب (صدقة النبي ﷺ ومنها: مسجد ميثب صدقة النبي ﷺ روى ابن زبالة وابن شبة ويحيى عن محمد بن عقبة بن أبي مالك أن النبي ﷺ صلّى في مسجد صدقته ميثب، وسيأتي في الصدقات أن الميثب مجاور لبرقة وغيره من الصدقات الآتية. مسجد المنارتين ومنها: مسجد المنارتين روى ابن زبالة ويحيى من طريقه عن حرام بن سعد بن محيصة أن رسول الله ﷺ صلّى في المسجد الذي بأصل المنارتين في طريق العقيق الكبير، قال المطري: وهذا المسجد لا يعرف، وهو يلي طريق العقيق كما ذكر. قلت: روى ابن زبالة عن عبد الله بن البولا أن أربعة رهط من المهاجرين الأولين كلهم يخبره أن رسول الله ﷺ «خرج إلى الجبل الأحمر الذي بين المنارتين، فإذا بشاة ميتة قد أنتنت، فأمسكوا على أنفهم، فقال رسول الله ﷺ : ما ترون كرامة هذه الشاة على صاحبها؟

стр. 642

فقالوا: يا رسول الله ما تكرم هذه على أحد، فقال رسول الله ﷺ : للدّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها» . وعن إبراهيم بن محمد عن أبيه أن اسم الجبل الأنعام، وهو الجبل الذي بنى عليه المزني وجابر بن علي الزمعي ثم أورد قول الشاعر: لمن الديار غشيتها بالأنعام البيت الآتي في الأنعام. قلت: وهو الجبل الأحمر الذي على يسارك إذا مررت من أوائل الرقيقين قاصدا العقيق؛ لانطباق الوصف عليه، ولأني خرجت إليه وصعدته فرأيت عليه أساس البناء الذي أشار إليه، وظهر بذلك أن المنارتين بقربه عند الرقيقين؛ فهناك موضع هذا المسجد. مسجد فيفاء الخبار ومنها: مسجد فيفاء الخبار قال ابن إسحاق في غزوة العشيرة: إن رسول الله ﷺ سلك على نقب بني دينار من بني النجار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها «ذات الساق» فصلّى عندها فثمّ مسجد، وصنع له طعام عندها، فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع آثاره في البرمة معلوم هناك، واستسقى له من ماء يقال له المشيرب، انتهى. والمشيرب: تصغير مشرب ما بين جبال في شامي ذات الجيش. قال المطري: وفيفاء الخبار غربي الجماوات، وهي أي الجماوات الأجبل التي في غربي وادي العقيق، وتوهم المجد أن الضمير في قوله «وهي» لفيفاء الخبار فقال فيه: الصحيح أنه الأجبل التي في غربي وادي العقيق، انتهى. وسيأتي في رابع فصول الباب السابع عن الهجري أن جمّاء أم خالد في مهبّ الشمال من جماء تضارع، وأن فيفاء الخبار من جماء أم خالد. ونقل ابن سعد عن ابن عقبة أن فيفاء الخبار من وراء الجماء، والخبار بفتح المعجمة والموحدة كسحاب- ما لان من الأرض واسترخى، والأرض ذات الجحرة والحفائر. والفيفاء بفائين بينهما مثناة تحتية- هي الصخرة الملساء. قال المطري: وبهذا الموضع كانت ترعى إبل الصدقة ولقاح رسول الله ﷺ ، وذكر قصة العرنيين التي قدمناها في محلها. وينبغي لمن تيسر له الوصول إلى هذه الجهة أن يتبرك بالجماوات؛ لما سيأتي فيها، وكذلك جبل عظم لما سيأتي فيه أيضا. مسجد بين الجثجاثة وبئر شداد ومنها: مسجد بين الجثجاثة وبئر شداد، بطرف وادي العقيق مما يلي البقيع؛ لأن ابن زبالة روى في سياق ذلك عن عمر بن القاسم وعبد الملك بن عمر قال: صلّى رسول الله

стр. 643

صلى الله عليه وسلم في مسجد بين الجثجاثة وبين بئر شداد في تلعة هناك، قال: وكان عبد الله بن سعد بن ثابت قد اقتطع قريبا منه وبناه. وقال الهجري: الجثجاثة صدقة عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، وبها قصور وميدا، واقتضى كلامه أنها بين ثنية الشريد والحليفة. وهذا آخر ما وقفنا عليه في مساجد المدينة التي لا تعلم بعينها في زماننا، وعدتها نحو الأربعين. الدور التي صلى بها الرسول ﷺ تتمة- تقدم ذكر بعض الدور التي صلى فيها النبي ﷺ ، أو جلس ولم يتخذ محل لها، ولنذكر ما وقفنا عليه من بقيتها تتميما للفائدة: روى يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل قال: سمعت غير واحد ممن أدركت يقول: كان النبي ﷺ إذا جاء مربده، وهو مربد الحكم بن أبي العاص، فكان إذا خرج منه وقف عند بابه، ودعا. دار الشفاء قال محمد بن طلحة: وأخبرني محمد بن جعفر عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة أن النبي ﷺ صلّى في دار الشفاء في البيت الذي على يمين من دخل الدار. دار الضمري قال محمد: وصلّى رسول الله ﷺ في دار عمرو بن أمية الضمري عن يمين من دخل الدار. دار بسرة قال محمد: وصلّى رسول الله ﷺ في دار بسرة بنت صفوان. قلت: أما دار عمرو بن أمية الضمري فتقدم ما يبين جهتها في ذكر دار السوق وغيرها. وأما دار الشفاء فقال ابن شبة في دور بني عدي بن كعب: واتخذت الشفاء بنت عبد الله دارها التي في الحكاكين الشارعة في الخط، فخرجت طائفة من أيدي ولدها فصارت للفضل، وبقيت بأيديهم منها طائفة، انتهى. وروى أن النبي ﷺ كان يأتي الشفاء هذه ويقيل عندها، وسبق في مصلى الأعياد أن النبي ﷺ صلّى العيد عند دار الشفاء؛ فالظاهر أنها كانت قرب سوق المدينة والمصلى. ودار بسرة لم أعرفها، وكذا المربد المذكور. وتقدم في ذكر البلاط ما جاء في دار بنت الحارث.

стр. 644

وأخرج أبو داود والنسائي واللفظ له عن عبد الرحمن بن طارق عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا جاز مكانا من دار يعلي استقبل القبلة ودعا، ولم أعرف جهة دار يعلي. دار أم سليم وفي صحيح البخاري عن ثمامة عن أنس أن أمّ سليم كانت تبسط لنبي الله ﷺ نطعا فيقيل عندها على ذلك النّطع، قال فإذا قام ﷺ أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سك، وقال: فلما حضرت أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك، قال: فجعل في حنوطه. وفيه أيضا حديث أنس في تكثير الطعام، ولفظه: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها فلفّت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به فوجدته في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، فقال لمن معه: قوموا، فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم حتى جئنا إلى أبي طلحة، فأخبرته، قال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا من نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : هلمي يا أم سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففتّ وعصرت أم سليم عكّة فأدمته، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، الحديث، وفي آخره: فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. قلت: وأم سليم والدة أنس وزوجة أبي طلحة، فذلك إما في دار أنس وإما في دار أبي طلحة، وكلاهما بجهة بني جديلة. دار أم حرام وفي الصحيح من حديث أنس: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل يوما فأطعمته، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ يضحك، الحديث. قلت: أم حرام هي خالة أنس أخت أم سليم المتقدم ذكرها، وزوجها عبادة بن الصامت، كان ببني سالم؛ لأنه من بني نوفل إخوة بني سالم، ويدل لذلك قوله «إذا ذهب إلى قباء» فإن بني سالم بطريق قباء، فيندفع ما توهمه بعضهم من أن دار أم سليم وأم حرام واحدة لكونهما أختين، والله أعلم.

стр. 645

الفصل الخامس: خروج النبي ص ليلا إلى البقيع في فضل مقابرها، وإتيان النبي ﷺ البقيع، وسلامه على أهله واستغفاره لهم خروج النبي ﷺ ليلا إلى البقيع. روينا في صحيح مسلم والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما كان ليلتي التي رسول الله ﷺ فيها عندي انفلت فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ إزاره رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب، فخرج، ثم أجافه رويدا، وجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فأقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرته، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشيا رابية، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: فأنت السّواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، قال: نعم، قال: فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشيني، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قال: قلت كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين. وفي رواية له أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. وخرجه في الموطأ بلفظ: قالت عائشة: قام رسول الله ﷺ ذات ليلة، فلبس ثيابه، ثم خرج، فأمرت جاريتي بريرة تتبعه، فتبعته حتى جاء البقيع، فوقف في أدناه ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته، فأخبرتني، فلم أذكر شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت له، فقال: إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم. وفي رواية للنسائي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم متواعدون غدا ومواكلون. وفي رواية لابن شبة قالت: خرج رسول الله ﷺ من عندي، فظننت أنه خرج إلى بعض نسائه، فتبعته، حتى جاء البقيع، فسلم ودعا ثم انصرف، فسألته: أين كنت؟ فقال: إني أمرت أن آتي أهل البقيع فأدعو لهم.

стр. 646

وفي رواية له أنه قال في دعائه: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم. وفي رواية للبيهقي قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، فوضع عنه ثوبيه، ثم لم يستتم أن قام فلبسهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي، فخرجت أتبعه، فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، الحديث، وفيه بيان أن ذلك كان في ليلة النصف من شعبان وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ مرّ بقبور أهل المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، ويغفر الله لنا ولكم، وأنتم لنا سلف ونحن بالأثر. وروى ابن شبة عن أبي موهبة مولى رسول الله ﷺ قال: أهبّني رسول الله ﷺ من جوف الليل، فقال: إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، ثم استغفر لهم طويلا. وفي رواية: ثم استغفر لهم، ثم قال: يا أبا موهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، فخيرات بين ذلك وبين لقاء ربي ثم الجنة، قلت: بأبي وأمي خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا موهبة، لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة، ثم رجع رسول الله ﷺ فبدئ به وجعه الذي قبض فيه. وعن عطاء بن يسار قال: أتى النبي ﷺ البقيع فقال: السلام عليكم قوم موجلون، أتانا وأتاكم ما توعدون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. وعن الحسن قال: أتى النبي ﷺ على بقيع الغرقد فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، ثلاثا، لو تعلمون ما الذي نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم، قال: ثم التفت فقال: هؤلاء خير منكم، قالوا: يا رسول الله إنما هم إخواننا آمنّا كما آمنوا، وأنفقنا كما أنفقوا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على أجلهم ونحن ننتظر، فقال: إن هؤلاء قد مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئا، وقد أكلتم من أجوركم، ولا أدري كيف تصنعون بعدي. وروى ابن زبالة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غرّ محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى،

стр. 647

قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدّلوا، فأقول: فسحقا، فسحقا، فسحقا. من فضل البقيع وروى الطبراني في الكبير ومحمد بن سنجر في مسنده وابن شبة في أخبار المدينة من طريق نافع مولى حمنة عن أم قيس بنت محصن، وهي أخت عكّاشة، أنها خرجت مع النبي ﷺ إلى البقيع، فقال: يحشر من هذه المقبرة سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وكأن وجوههم القمر ليلة البدر، فقام رجل فقال: يا رسول الله وأنا، فقال: وأنت، فقام آخر فقال: يا رسول الله وأنا، قال: سبقك بها عكّاشة، قال: قلت لها: لم لم يقل للآخر؟ فقالت: أراه كان منافقا. وذكر الهيثمي تخريج الطبراني له وقال: في إسناده من لم أعرفه. وذكره الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، وسكت عليه. ودخول سبعين ألفا الجنة بغير حساب من هذه الأمة من غير تقييد بالبقيع موجود في الصحيح، بل جاء أزيد منه. فروى أحمد والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا: سألت ربي ، فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي، وذكر نحو رواية الصحيح، وزاد: فاستزدت ربي، فزادني مع كل ألف سبعين ألفا، قال الحافظ ابن حجر: وسنده جيد، قال: وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند أبي عاصم، قال: فهذه طرق يقوي بعضها بعضا في الزيادة المذكورة. قال: وجاء في أحاديث أخرى أكثر من ذلك أيضا، فأخرج الترمذي وحسّنه والطبراني وابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة رفعه: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعين ألفا، لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي. وفي صحيح ابن حبان والطبراني بسند جيد نحوه. ثم ذكر الحافظ ابن حجر ما يقتضي زيادة على ذلك أيضا، وأن مع كل واحد سبعين ألفا؛ فيتأيد بذلك رواية اختصاص البقيع بسبعين ألفا لا حساب عليهم؛ فالكرم عميم، والجاه عظيم. وروى ابن شبة عن ابن المنكدر رفعه مرسلا: يحشر من البقيع سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر، كانوا لا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. قال: وكان أبي يخبرنا أن مصعب بن الزبير دخل المدينة من طريق البقيع ومعه ابن رأس

стр. 648

الجالوت، فسمعه مصعب وهو خلفه حين رأى المقبرة يقول: هي هي، فدعاه مصعب فقال: ماذا تقول؟ فقال: نجد هذه المقبرة في التوراة بين حرّتين محفوفة بالنخل اسمها كفتة، يبعث الله منها سبعين ألفا على صورة القمر. وسيأتي من رواية ابن زبالة عن المقبري نحوه. وروى ابن زبالة عن جابر مرفوعا: يبعث من هذه المقبرة- واسمها كفتة- مائة ألف كلهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتداوون، وعلى ربهم يتوكلون. وعن المطلب بن حنطب رفعه مرسلا: يحشر من مقبرة المدينة- يعني البقيع- سبعون ألفا لا حساب عليهم، تضئ وجوههم غمدان اليمن. وجاء ما يقتضي أن هذا العدد يبعث من مقبرة بني سلمة، وهي عند منزل بني حرام منهم، فروى ابن شبة عن أبي سعيد المقبري أن كعب الأحبار قال: نجد مكتوبا في الكتاب أن مقبرة بغربي المدينة على حافة سيل يحشر منها سبعون ألفا ليس عليهم حساب. وقال أبو سعيد المقبري لابنه سعيد: إن أنا هلكت فادفنّي في مقبرة بني سلمة التي سمعت من كعب، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مقبرة بغربي المدينة يعترضها السيل يسارا يبعث منها كذا وكذا لا حساب عليهم، قال عبد العزيز بن مبشر: لا أحفظ العدد. وعن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، وعن ابن أبي عتيق وغيرهما من مشيخة بني حرام أن رسول الله ﷺ قال: مقبرة ما بين سيلين غربية يضئ نورها يوم القيامة ما بين السماء إلى الأرض. وروى ابن زبالة عن سهل عن أبيه عن جده قال: دفن قتلى من قتلى أحد في مقبرة بني سلمة. وعن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة قال: أصيب أبو عمرة بن سكن يوم أحد، فأمر به رسول الله ﷺ فنقل، فكان أول من دفن في مقبرة بني حرام. وفي الكبير للطبراني- وفيه يعقوب بن محمد الزهري فيه كلام كثير، وقد وثق- عن سعد بن خيثمة قال: قال رسول الله ﷺ : رأيت كأن رحمة وقعت بين بني سالم وبني بياضة، قالوا: يا رسول الله أفننتقل إلى موضعها، قال: لا، ولكن اقبروا فيها، فقبروا فيها موتاهم. قلت: وهذه المقبرة لا تعرف اليوم، وكذا مقبرة بني سلمة، لكن تعرف جهتهما مما تقدم في المنازل. وتقدم في الحث على الموت بالمدينة حديث «ما على الأرض بقعة أحبّ إلى من أن يكون

стр. 649

قبري بها منها» يعني المدينة، يرجّعها ثلاث مرات، وحديث «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها» . وفي رواية «فإني أشهد لمن يموت بها» . وفي أخرى «فإنه من مات بها كنت له شهيدا، أو شفيعا، يوم القيامة» . ورواه رزين بنحوه، وزاد «وإني أول من تنشقّ عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي البقيع فيحشرون، ثم انتظر أهل مكة فأحشر بين الحرمين» . وفي رواية لابن النجار «فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة. وروى ابن شبة وابن زبالة عن ابن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال «من دفن في مقبرتنا هذه شفعنا له، أو شهدنا له» وسيأتي في الفصل الأول من الباب الثامن قوله ﷺ «ومن مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» . وروى ابن زبالة عن أبي عبد الملك يرفعه قال: «مقبرتان يضيان لأهل السماء كما تضئ الشمس والقمر لأهل الدنيا، مقبرتنا بالبقيع بقيع المدينة، ومقبرة بعسقلان» . وعن كعب الأحبار قال: نجدها في التوراة كفتة محفوفة بالنخيل وموكل بها الملائكة، كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤوها في الجنة. قال ابن النجار: يعني البقيع. وعن المقبري قال: قدم مصعب بن الزبير حاجا أو معتمرا ومعه ابن رأس الجالوت فدخل المدينة من نحو البقيع، فلما مر بالمقبرة قال ابن رأس الجالوت: إنها لهي، قال مصعب: وما هي؟ قال: إنا نجد في كتاب الله صفة مقبرة في شرقيها نخل وفي غربيها بيوت يبعث منها سبعون ألفا كلهم على صورة القمر ليلة البدر، فطفت مقابر الأرض فلم أر تلك الصفة حتى رأيت هذه المقبرة. وعن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: أقبل ابن رأس الجالوت فلما أشرف على البقيع قال: هذه التي نجدها في كتاب الله كفتة، لا أطؤها، قال: فانصرف عنها إجلالا لها. وفي كتاب الحرة للواقدي عن عثمان بن صفوان قال: لما حجّ مصعب بن الزبير ومعه ابن رأس الجالوت فانتهى إلى حرّة بني عبد الأشهل وقف ثم قال: بهذه الحرة مقبرة؟ فقالوا: نعم، فقال: هل من وراء المقبرة حرة أخرى سوى هذه الحرة؟ قالوا: نعم، قال: إنا نجد في كتاب الله أنها تسمى كفتة. قال الواقدي: يعني تسرع البلى- وكفيتة، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا كلهم وجوههم على صورة البدر ليلة أربع عشرة من الشهر.

стр. 650

وروى ابن زبالة عن خالد بن عوسجة: كنت أدعو ليلة إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي باب الدار، فمر بي جعفر بن محمد يريد العريض معه أهله، فقال لي: أعن أثر وقفت هاهنا؟ قلت: لا، قال: هذا موقف نبي الله ﷺ بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع. قلت: وسيأتي أن من دار عقيل الموضع المعروف بمشهده، وأن به قبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر على ما ذكره ابن النجار. وقال عقب إيراد هذا الخبر: ودار عقيل الموضع الذي دفن فيه، قال الزين المراغي: فينبغي الدعاء فيه. قال: وقد أخبرني غير واحد أن الدعاء عند ذلك القبر مستجاب، ولعل هذا سببه. أو لأن عبد الله بن جعفر كان كثير الجود فأبقى الله قضاء الحوائج عند قبره. ومن غريب ما اتفق ما أخبرني به من أثق بدينه أنه دعا في هذا المكان، وتذاكر مع رفيق له ذلك، فرأى ورقة على الأرض مكتوبة، فأخذها تفاؤلا لذلك، فإذا فيها وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] من جهتيها، انتهى. قلت: ولم أقف في كلام المتقدمين على أصل في دفن عبد الله بن جعفر هناك، بل اختلف في أنه دفن بالمدينة أو بالأبواء، والمعتمد في سبب الاستجابة هناك ما ذكر أولا، ولهذا يستحبّ الدعاء في جميع الأماكن التي دعا بها النبيّ ﷺ ، وكلها مواطن إجابة. الفصل السادس في تعيين قبور بعض من دفن بالبقيع من الصحابة وأهل البيت، والمشاهد المعروفة بالمدينة . قبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ بيان قبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وكونه عند قبر عثمان بن مظعون، وجاء فيهما، ومن دفن عندهما. روى ابن شبة بإسناد جيد عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: مات إبراهيم- يعني ابن رسول الله ﷺ وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال رسول الله ﷺ : ادفنوه في البقيع، فإن له مرضعة في الجنة تتم رضاعه. وعن مكحول قال: توفي إبراهيم ﵇، فلما وضع في اللحد ورصف عليه اللبن بصر رسول الله ﷺ بفرجة من اللبن، فأخذ بيده مدرة فناولها رجلا فقال: ضعها في تلك الفرجة، ثم قال: أما إنها لا تضر ولا تنفع، ولكنها تقر بعين الحي. وعن محمد بن عمر أن النبي ﷺ رشّ على قبر ابنه إبراهيم، وأنه أول من رش عليه، قال: ولا أعلم إلا أنه قال: وحثا عليه بيده من التراب، وقال حين فرغ من دفنه عند رأسه: السلام عليكم.

стр. 651

وروى الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا أن النبيّ ﷺ رشّ قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه الحصى. وروى أبو داود في المراسيل والبيهقي ورجاله ثقات مع إرساله نحوه عن محمد بن عمر بن علي، وزاد أنه أول قبر رش عليه، وقال بعد فراغه: سلام عليكم، ولا أعلمه إلا قال: حثا عليه بيده. وروى ابن زبالة عن قدامة بن موسى أن أول من دفن رسول الله ﷺ بالبقيع عثمان بن مظعون، فلما توفي ابنه إبراهيم قالوا: يا رسول الله أين نحفر له؟ قال: عند فرطنا عثمان بن مظعون. وروى أبو غسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، فاختارت كل قبيلة ناحية، فمن هنالك عرفت كل قبيلة مقابرها. وروى ابن شبة عن قدامة بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ «ادفنوا عثمان بن مظعون بالبقيع يكون لنا سلفا، فنعم السلف سلفنا عثمان بن مظعون» . وعنه أيضا: كان البقيع غرقدا، فلما هلك عثمان بن مظعون دفن بالبقيع، وقطع الغرقد عنه، وقال رسول الله ﷺ للموضع الذي دفن فيه عثمان: هذه الرّوحاء، وذلك كل ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى زاوية دار عقيل اليمانية، ثم قال النبي ﷺ : هذه الروحاء، للناحية الآخرى، فذلك كل ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى أقصى البقيع يومئذ. قلت: قد تلخص لنا أن دار عقيل كان بالمشهد المعروف به، ودار محمد بن زيد في شرقيها وشرقي مشهد سيدنا إبراهيم؛ فالروحاء الأولى ما بين المشهدين وتمتد إلى شرقي مشهد سيدنا إبراهيم، والثانية في شرقي الأولى إلى أقصى البقيع، والأولى هي المرادة بما سيأتي في قبر أسعد بن زرارة من قول أبي غسان، والروحاء: المقبرة التي وسط البقيع يحيط بها طرق مطرقة وسط البقيع، وكأنها اشتهرت بذلك دون ثانية لاقتصاره على الأولى. وروى ابن زبالة عن عبيد الله بن أبي رافع قال: بلغني أن إبراهيم ابن رسول الله ﷺ لما مات قالوا: يا رسول الله، أين ندفن إبراهيم؟ قال: عند فرطنا عثمان بن مظعون، ودفن عثمان بن مظعون عند كتاب بني عمرو بن عثمان. وروى ابن شبة عن محمد بن عبد الله بن سعيد بن جبير قال: دفن إبراهيم ابن رسول الله ﷺ بالزوراء موضع السقاية التي على يسار من سلك البقيع مصعدا إلى جنب دار محمد بن زيد بن عليّ.

стр. 652

وعن سعيد بن جبير قال: رأيت قبر إبراهيم ابن النبي ﷺ في الزوراء؛ فيستفاد منه تسمية ذلك الموضع بالزوراء أيضا. وروى ابن زبالة عن سعيد بن محمد بن جبير أنه رأى قبر إبراهيم عند الزوراء. قال عبد العزيز بن محمد: وهي الدار التي صارت لمحمد بن زيد بن علي. وعن جعفر بن محمد أن قبر إبراهيم وجاه دار سعيد بن عثمان التي يقال لها الزوراء بالبقيع، فهدمت مرتفعا عن الطريق. وعن قدامة قال: دفن رسول الله ﷺ إبراهيم ابنه إلى جنب عثمان بن مظعون، وقبره حذاء زاوية دار عقيل بن أبي طالب من ناحية دار محمد بن زيد. قبر عثمان بن مظعون وروى ابن شبة عن سعد بن جبير بن مطعم قال: رأيت قبر عثمان بن مظعون عند دار محمد بن علي بن الحنفية. وعن محمد بن قدامة عن أبيه عن جده قال: لما دفن النبيّ ﷺ عثمان بن مظعون أمر بحجر فوضع عند رأسه، قال قدامة: فلما صفق البقيع وجدنا ذلك الحجر، فعرفنا أنه قبر عثمان بن مظعون. قال عبد العزيز بن عمران: وسمعت بعض الناس يقول: كان عند رأس عثمان بن مظعون ورجليه حجران. وعن شيخ من بني محزوم يدعى عمر قال: كان عثمان بن مظعون أول من مات من المهاجرين، فقالوا: يا رسول الله أين ندفنه؟ قال: بالبقيع، قال: فلحد له رسول الله ﷺ ، وفضل حجر من حجارة لحده، فحمله رسول الله ﷺ فوضعه عند رجليه، فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مرّ على ذلك الحجر فأمر به فرمى به، وقال: والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به، فأتته بنو أمية فقالوا: بئس ما صنعت، عمدت إلى حجر وضعه النيس ﷺ فرميت به، بئس ما عملت، فمر به فليرد، فقال: أما والله إذ رميت به فلا يرد. وسيأتي في قبر عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من رواية ابن زبالة أن مروان جعل ذلك الحجر على قبر عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وروى أبو داود بإسناد حسن عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، ولم يسم الصحابي الذي حدثه، قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي ﷺ أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه- قال المطلب: قال الذي يخبرني: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما- ثم حمله فوضعه عند رأسه، وقال: أتعلم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي.

стр. 653

ورواه ابن شبة وابن ماجه وابن عدي عن أنس والحاكم عن أبي رافع. وروى ابن زبالة عن عائشة بنت قدامة قالت: كان القائم يقوم عند قبر عثمان بن مظعون فيرى بيت النبي ﷺ ، ليس دونه حجاب. قبر رقية بنت رسول الله ﷺ روى الطبراني برجال ثقات، وفي بعضهم خلاف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حديث قال فيه: فلما ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ قال: الحقي بسلفنا عثمان بن مظعون. ورواه ابن شبة، ولفظه: لما ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون، قال: وبكى النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ النبي ﷺ بيده وقال: دعهن يا عمر، وإياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، ومهما يكن من اللسان ومن اليد فمن الشيطان، قال: فبكت فاطمة رضي الله تعالى عنها على شفير القبر، فجعل النبي ﷺ يمسح الدموع عن عينها بطرف ثوبه. قال ابن شبة عقبه: وروى خلافه، أي من حيث حضوره ﷺ لذلك، ثم روى عن عروة أن رسول الله ﷺ خلّف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية وهي وجعة أيام بدر. وعن الزهري أن يزيد بن حارثة جاء بشيرا بوقعة بدر، وعثمان قائم على قبر رقية يدفنها. قلت: هذا هو المشهور، والثابت في الصحيح أنه ﷺ حضر دفن ابنته أم كلثوم زوجة عثمان رضي الله تعالى عنه، فلعل الخبر الأول فيها، أو في زينب أختها، فإنها توفيت سنة ثمان بالمدينة، والظاهر أنهن جميعا عند عثمان بن مظعون؛ لما تقدم من قوله ﷺ : «وأدفن إليه من مات من أهلي» ويحتمل أن بعضهن هي التي وجد قبرها عند حفر الدعامة التي أمام المصلى الشريف، كما سيأتي في قبر فاطمة الزهراء، وحصل الوهم في نسبته لفاطمة، والله أعلم. قبر فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها أم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه روى ابن زبالة عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: دفن رسول الله ﷺ فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت مهاجرة مبايعة، بالرّوحاء مقابل حمام أبي قطيفة، قال: وثمّ قبر إبراهيم ابن النبي ﷺ وقبر عثمان بن مظعون. وسيأتي ما نقله ابن شبة في قبر العباس من قول عبد العزيز بن عمران: إنه دفن عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل.

стр. 654

قلت: وهذا كله صريح في مخالفة ما عليه الناس اليوم من أن قبرها في المشهد الآتي ذكره، وأول من ذكر أنها بذلك المشهد ابن النجار، وتبعه من بعده، ولم أقف له على مستند في ذلك، والأثبت عندي ما هنا؛ إذ يبعد أن يدفنها النبي ﷺ بذلك الموضع القاصي ويترك ما قرب من عثمان بن مظعون وقد قال: «وأدفن إليه من مات من أهلي» ، وأيضا فلا يظهر أن الموضع المعروف بمشهدها من البقيع؛ لأن مشهد عثمان كما سيأتي ليس من البقيع، وهذا المشهد بطرف زقاق في شاميه إلى المشرق. فإن قيل: النخيل التي تقابل هذا المشهد قال ابن النجار: إنها تعرف بالحمام، وقد قال في الرواية الأولى «مقابل حمام أبي قطيفة» . قلت: الظاهر أن ذلك منشأ الوهم في ذلك، وبقية الرواية المذكورة. وما نقله ابن شبة يدفع ذلك ويبين أن المراد موضع كان يعرف بحمام أبي قطيفة بجهة مشهد سيدنا إبراهيم، وكأن ابن النجار لم يقف إلا على صدر الرواية الأولى؛ فإنه قال: قبر فاطمة بنت أسد وعليها قبة في آخر البقيع، ثم ذكر صدر الرواية الأولى إلى قوله: مقابل حمام أبي قطيفة، ثم قال: واليوم يقابلها نخل يعرف بالحمام، انتهى. على أن النخيل التي بقرب هذا المشهد هي التي تقابله من جهة المشرق والشام، وإنما يعرف قديما وحديثا بالخضاري، وإنما يعرف بالحمام النخل الذي في شامي مشهد سيدنا إبراهيم عند الكومة، وهو بعيد من المشهد المعروف بفاطمة، وإن كان في جهة مقابلته من المغرب، ومن تأمل ذلك علم أن التعريف به لما هو في جهة مشهد سيدنا إبراهيم أقرب، فهو شاهد لنا، وأيضا فاسم الحمام مذكور لمواضع بالمدينة، ولهذا أضافه إلى أبي قطيفة. وقد روى ابن زبالة أن رسول الله ﷺ مر بموضع حمام عبيد الله بن حسين الذي اشترى محمد بن زيد، فقدمه إلى البقيع قليلا، فقال: نعم موضع الحمام. القبور التي نزلها الرسول ﷺ ونقل ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران ما حاصله أن النبي ﷺ لم ينزل في قبر أحد قط إلا خمسة قبور، ثلاث نسوة ورجلين، منها قبر خديجة بمكة، وأربع بالمدينة: قبر ابن خديجة كان في حجر النبي ﷺ وتربيته، وهو على قارعة الطريق بين زقاق عبد الدار وبين البقيع الذي يتدافن فيه بنو هاشم، وقبر عبد الله المزني الذي يقال له ذو البجادين، وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي بكر، وقبر فاطمة بنت أسد أم عليّ، فأما ذو البجادين فإن رسول الله ﷺ لما أقبل مهاجرا وسلك ثنية الغابر وعرت عليه الطريق وغلظت، فأبصره ذو البجادين فقال لأبيه: دعني أدلهم على الطريق، فأبى، فنزع ثيابه وتركه عريانا، فاتخذ عبد الله بجادا من شعر فطرحه على عورته، ثم عدا نحوهم، فأخذ بزمام راحلة رسول الله ﷺ ، ثم ذكر قدومه مع رسول الله ﷺ المدينة موته ودفنه.

стр. 655

ثم قال: وأما قبر فاطمة بنت أسد أم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما فإن عبد العزيز حدث، وذكر سنده إلى محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، قال: لما استقر بفاطمة وعلم بذلك رسول الله ﷺ قال: إذا توفيت فأعلموني، فلما توفيت خرج رسول الله ﷺ ، فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة، ثم لحد لها لحدا، ولم يضرح لها ضريحا، فلما فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد، وقرأ فيه القرآن، ثم نزع قميصه فأمر أن تكفّن فيه، ثم صلى عليها عند قبرها، فكبر تسعا وقال: ما أعفي أحد من ضغطه القبر إلا فاطمة بنت أسد، قيل: يا رسول الله ولا القاسم؟ قال: ولا إبراهيم، وكان إبراهيم أصغر هما. قلت: وقوله في موضع المسجد إلى آخره يقتضي أنه كان على قبرها مسجد يعرف به في ذلك الزمان. وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال: بينا نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ أتاه آت فقال: يا رسول الله، إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت، فقال رسول الله ﷺ : قوموا إلى أمي، فقمنا وكأن على رؤوس من معه الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه فقال: إذا غسلتموها فأشعروها إياه تحت أكفانها، فلما خرجوا بها جعل رسول الله ﷺ مرة يحمل، ومرة يتقدم، ومرة يتأخر، حتى انتهينا إلى القبر فتمعّك في اللحد ثم خرج فقال: ادخلوها باسم الله وعلى اسم الله، فلما أن دفنوها قام قائما فقال: جزاك الله من أم وربيبة خيرا، فنعم الأم ونعم الربيبة كنت لي، قال: فقلنا له أو قيل له: يا رسول الله لقد صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط، قال: ما هو؟ قلنا: نزعك قميصك وتمعكك في اللحد، قال: أما قميصي فأريد أن لا تمسها النار أبدا إن شاء الله تعالى، وأما تمعكي في اللحد فأردت أن يوسّع الله عليها في قبرها. وروى ابن عبد البر عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أمّ علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ لي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها. وفي الكبير والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله ﷺ ، فجلس عند رأسها، فقال: رحمك الله يا أمي بعد أمي، وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، قال: ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده،

стр. 656

وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه، ثم قال: الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين، وكبر عليها أربعا، فأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم. قبر عبد الرحمن بن عوف روى ابن زبالة عن حميد بن عبد الرحمن قال: أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن هلم إلى رسول الله ﷺ وإلى أخويك، فقال: ما كنت مضيّقا عليك بيتك، إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جانب صاحبه، قالت: فمروا به عليّ، فمروا به عليها فصلّت عليه. وروى ابن شبة عن حفص بن عثمان بن عبد الرحمن نحوه. وعن عبد الواحد بن محمد عن عبد الرحمن بن عوف أنه أوصى إن هلك بالمدينة أن يدفن إلى عثمان بن مظعون، فلما هلك حفر له عند زاوية دار عقيل الشرقية، فدفن هناك، عليه ثوب حبرة من العصب، أتمارى أن يكون فيه لحمة ذهب أولا. قبر سعد بن أبي وقّاص روى ابن شبة عن ابن دهقان قال: دعاني سعد بن أبي وقاص فخرجت معه إلى البقيع، وخرج بأوتاد، حتى إذا جاء من موضع زاوية عقيل الشرقية الشامية أمرني فحفرت، حتى إذا بلغت باطن الأرض ضرب فيها الأوتاد ثم قال: إن هلكت فادللهم على هذا الموضع يدفنوني به، فلما هلك قلت ذلك لولده، فخرجنا حتى دللتهم على ذلك الموضع، فوجدوا الأوتاد، فحفروا له هناك ودفنوه. قبر عبد الله بن مسعود روى ابن سعد في طبقاته عن أبي عبيدة بن عبد الله أن ابن مسعود قال: ادفنوني عند قبر عثمان بن مظعون. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: مات عبد الله بن مسعود بالمدينة، ودفن بالقيع، سنة اثنتين وثلاثين. قبر خنيس بن حذاقة السهمي كان زوج حفصة بنت عمر قبل رسول الله ﷺ ، وهو من المهاجرين الأولين أصحاب الهجرتين، نالته جراحة يوم أحد، فمات بسببها بالمدينة. قال أبو عبد الله محمد بن يوسف الزرندي المدني في سيرته: توفي في السنة الثالثة من الهجرة، ودفن عند عثمان بن مظعون، قال: وكان عثمان بن مظعون توفي قبله في شعبان

стр. 657

من السنة المذكورة، ونقل ابن الجوزي أن عثمان توفي في السنة الثانية، اه. وما قدمناه من موت خنيس بعد أحد من جراحة نالته يوم أحد هو ما جزم به ابن عبد البر، وتبعه عليه الذهبي، ويشكل عليه ما سبق في الفصل الثاني عشر من الباب الثالث من أن أحدا كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وقيل: أربع، وأنه ﷺ تزوج بحفصة بنت عمر في شعبان من السنة الثالثة على الأصح، وقيل: في الثانية؛ فلا يصح ما جزم به ابن عبد البر، إلا أن يكون خنيس قد طلقها كما أشار إليه الذهبي، لكن قد وهم الحفّاظ ابن عبد البر في قوله «إن خنيسا استشهد بأحد بسبب تلك الجراحة» وإنما توفي قبلها بالمدينة، قال ابن سيد الناس: المعروف أنه مات بالمدينة على رأس خمس وعشرين شهرا، وذلك بعد رجوعه من بدر، اه. قبر أسعد بن زرارة أحد بني غنم بن مالك بن النجار شهد العقبتين كما تقدم، وتوفي في الأولى من الهجرة والمسجد يا بنى قال ابن شبة: قال أبو غسان: وأخبرني بعض أصحابنا قال: لم أزل أسمع أن قبر عثمان بن مظعون وأسعد بن زرارة بالروحاء من البقيع، والروحاء: المقبرة التي بوسط البقيع يحيط بها طرق مطرقة وسط البقيع. قلت: فينبغي أن يسلّم على هؤلاء كلهم عند زيارة مشهد سيدنا إبراهيم بالبقيع. قبر فاطمة بنت الرسول ﷺ بيان قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وبنيها، ومن عرفت جهة قبره بالبقيع من بني هاشم، وأمها المؤمنين، وغيرهم. روى ابن شبة عن محمد بن علي بن عمر أنه كان يقول: إن قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ زاوية دار عقيل اليمانية الشارعة في البقيع. وعن منبوذ بن حويطب والفضل بن أبي رافع أن قبرها وجاه زقاق نبيه، وأنه إلى زاوية دار عقيل أقرب. وعن عمر بن عليّ بن حسين بن عليّ أن قبرها حذو الزقاق الذي يلي زاوية دار عقيل، قال غسان بن معاوية بن أبي مزرّد: إنه ذرع من حيث أشار له عمر بن علي فوجده خمسة عشر ذراعا إلى القناة. وعن عمر بن عبد الله مولى عفرة أن قبرها حذو زاوية دار عقيل مما يلي دار نبيه. وعن عبد الله بن أبي رافع أن قبرها مخرج الزقاق الذي بين دار عقيل ودار أبي نبيه. وذكر إسماعيل راوية أنه ذرع الموضع الذي ذكر له أبوه فوجد بين القبر وبين القناة التي في دار عقيل ثلاثة وعشرين ذراعا، وبين القناة الآخرى سبعة وثلاثين ذراعا.

стр. 658

قال أبو غسان: وأخبرني مخبر ثقة قال: يقال: إن المسجد الذي يصلي إلى جنبه شرقيا على جنائز الصبيان كان خيمة لامرأة سوداء يقال لها رقية، جعلها هناك حسين بن علي تبصر قبر فاطمة، وكان لا يعرف قبر فاطمة غيرها. قال: وأخبرني عبد العزيز بن عمران عن حماد بن عيسى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دفن علي فاطمة ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد الله، أي وهو الباب الذي كان في شامي باب النساء في المشرق كما تقدم. قال ابن شبة عقبه: وأظن هذا الحديث غلطا؛ لأن الثبت جاء في غيره. ثم روى بسند جيد عن فائد مولى عبادل، وهو صدوق، أن عبيد الله بن علي أخبره عمن مضى من أهل بيته أن الحسن بن عليّ قال: ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي، فدفن في المقبرة إلى جنب فاطمة مواجه الخوخة التي في دار نبيه بن وهب، طريق الناس بين قبرها وبين خوخة نبيه، أظن الطريق سبعة أذرع. قال فائد: وقال لي منقد الحفار: إن في المقبرة قبرين مطابقين بالحجارة، قبر حسن بن علي وقبر عائشة زوجة النبي ﷺ ، فنحن لا نحركها، فلما كان زمن حسن بن زيد وهو أمير على المدينة استعدى بنو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب على آل عقيل في قناتهم التي في دورهم الخارجية في المقبرة، وقالوا: إن فاطمة رضي الله تعالى عنها عند هذه القناة، فاختصموا إلى حسن، فدعاني حسن فسألني فأخبرته عن عبيد الله بن أبي رافع ومن بقي من أهلي وعن حسن بن علي وقوله «ادفنوني إلى جنب أمي» ثم أخبرته عن منقد الحفار وعن قبر الحسن أنه رآه مطابقا، فقال حسن بن زيد: أنا على ما تقول، وأقر قناة آل عقيل. ثم ذكر ابن شبة أن أبا غسان حدثه عن عبد الله بن إبراهيم بن عبيد الله أن جعفر بن محمد كان يقول: قبر فاطمة في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد، قال: ووجدت كتابا كتب عن أبي غسان فيه أن عبد العزيز بن عمران كان يقول: إنها دفنت في بيتها، وصنع بها ما صنع برسول الله ﷺ ، إنها دفنت في موضع فراشها، ويحتج بأنها دفنت ليلا، ولم يعلم بها كثير من الناس. ثم أشار ابن شبة إلى رد ذلك بما حدثه أبو عاصم النبيل قال: حدثنا كهمس بن الحسن قال: حدثني يزيد قال: كمدت فاطمة رضي الله تعالى عنها بعد وفاة أبيها ﷺ سبعين بين يوم وليلة، فقالت: إني لأستحيي من جلالة جسمي إذا أخرجت على الرجال غدا، وكانوا يحملون الرجال كما يحملون النساء فقالت أسماء بنت عميس أو أم سلمة: إني رأيت شيئا يصنع بالحبشة، فصنعت النعش، فاتخذ بعد ذلك سنة.

стр. 659

وسيأتي من رواية ابن عبد البر ما يؤيده. وروى ابن شبة عن سلمى زوج أبي رافع قالت: اشتكت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأصبحت يوما كأمثل ما كانت تكون، وخرج علي فقالت: يا أمتاه اسبكي لي غسلا، ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ثم قالت: هات ثيابي الجدد، فأعطتها إياها، فلبستها ثم جاءت إلى البيت الذي كانت فيه فقالت: قدّمي الفراش إلى وسط البيت، فقدّمته فاضطجعت واستقبلت القبلة ووضعت يدها تحت خدها ثم قالت: يا أمتاه إني مقبوضة الآن، وإني قد اغتسلت فلا يكشفني أحد، قال: فقبضت مكانها، وجاء عليّ فأخبرته فقال: لا جرم والله لا يكشفها أحد، فحملها بغسلها ذلك فدفنها. ثم روى ابن شبة عقبه عن أسماء بنت عميس قالت: غسلت أنا وعلي ابن أبي طالب بنت رسول الله ﷺ . وروى البيهقي بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أوصت أن تغسلها هي وعلي، فغسلاها. ثم تعقبه بأن هذا فيه نظر؛ لأن أسماء في هذا الوقت كانت عند أبي بكر الصديق، وقد ثبت أن أبا بكر لم يعلم بوفاة فاطمة؛ لما في الصحيح أن عليا دفنها ليلا، ولم يعلم أبا بكر، فكيف يمكن أن تغسلها زوجته وهو لا يعلم؟ وأجاب في الخلافيات باحتمال أن أبا بكر علم بذلك، وأحبّ أن لا يرد غرض علي في كتمانه منه، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يجمع بأن أبا بكر علم بذلك وظن أن عليا سيدعوه لحضور دفنها ليلا، وظن علي أنه يحضر من غير استدعاء منه. وقد احتج بحديث بنت عميس هذا أحمد وابن المنذر، وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما فيبطل ما روى أنها غسلت نفسها وأوصت أن لا يعاد غسلها. وقد رواه أحمد، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وأفحش القول في ابن إسحاق راويه. وتولى ردّ ذلك عليه ابن عبد الهادي في التنقيح. قلت: وعلى كل تقدير فحديث بنت عميس أرجح؛ للأدلة الدالة على وجوب غسل الميت مطلقا، وليس في حديث الصحيح أن أبا بكر ما علم بوفاة فاطمة، بل أن عليا دفنها ولم يعلمه. وقد روى ابن عبد البر خبر أسماء بأتمّ من ذلك، وفيه علم أبي بكر بموتها، وذلك من طريق عون بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر. وعن عمارة بن المهاجر عن أم جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت لأسماء بنت

стр. 660

عميس: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، قالت أسماء: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبها، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله؟ تعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا متّ فاغسليني أنت وعلي، ولا تدخلي عليّ أحدا، فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء: لا تدخلي فشكت إلى أبي بكر قالت: إن هذه الحثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبي ﷺ أن يدخلن على بنت رسول الله ﷺ وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها، قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف، وغسلها علي وأسماء رضي الله تعالى عنهما. وقد خرّج الدولابي معنى ذلك مختصرا، وفيه أنها لما أرتها النعش تبسمت، وما رؤيت متبسمة- يعني بعد النبي ﷺ إلا يومئذ. وخرج أيضا أن الوصية كانت إلى عليّ بأن يغسلها هو وأسماء، ويجوز أن تكون أوصت إلى كل منهما. قال ابن عبد البر: فاطمة أول من غطى نعشها من النساء في الإسلام على الصفة المذكورة في الخبر المتقدم، ثم بعدها زينب بنت جحش صنع بها ذلك. وتوفيت فاطمة يوم الثلاثاء لثلاث خلت من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وكانت أشارت على زوجها أن يدفنها ليلا. قلت: لعلها أرادت بذلك المبالغة في التستر، وهو السبب في عدم إعلام أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ويتأيد بذلك رواية دفنها بالبقيع، وهو مقتضى صنيع ابن زبالة في إيراد الروايات الدالة على ذلك. قبر بعض أبناء الإمام علي بن أبي طالب وقال المسعودي في مروج الذهب: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم توفي سنة ثمان وأربعين ومائة، ودفن بالبقيع مع أبيه وجده، قال: وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة عليها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله مبيد الأمم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي، وعلي بن الحسين بن علي، وقبر محمد بن علي، وجعفر بن محمد، ﵈، انتهى. وذكر ما يقتضي أنه حين ذكر هذا كان في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 661

المتوكل يأمر بهدم قبر الحسين بن علي وإنما أوجب عدم العلم بعين قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها وغيرها من السلف ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها، مع ما عرض لأهل البيت رضي الله تعالى عنهم من معاداة الولاة قديما وحديثا، حتى ذكر المسعودي أن المتوكل أمر في سنة ست وثلاثين ومائتين المعروف بالزبرج بالمسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ومحو أرضه وهدمه وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن يقدم على ذلك، فكل خشي عقوبة الله فأحجم، فتناول الزبرج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين، فحينئذ أقدم الفعلة على العمل فيه، وانتهوا إلى الحفيرة وموضع اللحد فلم يجدوا فيه أثر رمّة ولا غيرها، ولم يزل الأمر على ذلك حتى استخلف المنتصر، انتهى. ويتلخص مما تقدم أن المعتمد أن قبرها بالبقيع عند قبر الحسن، وقيل: في بيتها، ويتفرع عليه قولان: أحدهما ما تقدم عن عبد العزيز من أن محله من المسجد ما يقابل الباب الذي يواجه دار أسماء بنت حسين، يعني شامي باب النساء وهو بعيد جدّا، وثانيهما حكاه العز بن جماعة وقال: إنه أظهر الأقوال، وهو أنه في بيتها، وهو مكان المحراب الخشب الذي داخل مقصورة الحجرة الشريفة من خلفها، وقد رأيت خدّام الحجرة يجتنبون دوس ما بين المحراب المذكور وبين الموضع المزور من الحجرة الشريفة الشبيه بالمثلث، ويزعمون أنه قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها. وقد سبق في الفصل التاسع والعشرين من الباب الرابع أنهم لما أسّسوا دعائم القبة الكبرى المحاذية لأعلى الحجرة الشريفة أسسوا أسطوانة هناك زادوها عند الصفحة الشرقية من الموضع الشبيه بالمثلث خلف الحجرة، فوجدوا قبرا بدا لحده وبعض عظامه، وحصل للناس في ذلك اليوم أمر عظيم ومشقة زائدة فيما أخبرني به شيخ الخدام السيفي قائم وغيره. وحكى ابن جماعة في قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها قولين آخرين: أحدهما: أنه الصندوق الذي أمام مصلى الإمام بالروضة الشريفة، قال: وهو بعيد جدّا. قلت: لم أقف له على أصل، ولعله اشتبه على قائله بالمحراب المتقدم ذكره في بيتها؛ لأن عنده مصلى شبه حوض كالمصلى بالروضة، وأمامه صندوق هو المحراب المذكور، لكن سبق في الفصل الثالث من الباب الرابع أنهم لما أسسوا في محل الصندوق المحترق الدعامة التي بها محراب المصلى النبوي، وهو مصلى الإمام، وجدوا هناك قبرا بدا لحده مسدودا باللبن أخرجوا منه بعض العظام، وأن الأقدمين حرفوا أساس الأسطوانة التي عنده عنه، فالله أعلم. وثانيهما: أنه بالمسجد المنسوب إليها بالبقيع، يعني الذي بالقرب من قبة العباس رضي الله تعالى عنه من جهة القبلة جانحا إلى المشرق.

стр. 662

وقد ذكر الغزالي هذا المسجد في زيارة البقيع فقال: ويستحب له أن يخرج كلّ يوم إلى البقيع بعد السلام على رسول الله ﷺ ، وذكر القبور التي تزار، وقال عند ذكر قبر الحسن: ويصلي في مسجد فاطمة، وذكره أيضا غيره. وقال: إنه المعروف ببيت الحزن؛ لأن فاطمة رضي الله تعالى عنها أقامت به أيام حزنها على أبيها ﷺ ، ولم يذكر دفنها به، والقول بذلك من فروع القول بدفنها بالبقيع، لكنه بعيد من الروايات السابقة لبعده جدّا من دار عقيل وعن قبر الحسن. وقال المحب الطبري في «ذخائر العقبى، في فضائل ذوي القربى» : أخبرني أخ لي في الله أن الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى كان إذا زار البقيع وقف أمام قبلة قبة العباس وسلم على فاطمة ﵍، ويذكر أنه كشف له عن قبرها هناك. قال الطبري: فلم أزل أعتقد ذلك لاعتقادي صدق الشيخ، حتى وقفت على ما ذكره ابن عبد البر من أن الحسن لما توفي دفن إلى جنب أمه فاطمة رضي الله تعالى عنها، فازددت يقينا. قلت: وهو أرجح الأقوال، والله أعلم. قبر ابنها الحسن بن علي، ومن معه وما روي من نقل بدن علي ورأس الحسين إلى البقيع رضي الله تعالى عنهم. وروى ابن شبة عن فائد مولى عبادل أن عبيد الله بن علي أخبره عمن مضى من أهل بيته أن حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أصابه بطن، فلما حزبه وعرف من نفسه الموت أرسل إلى عائشة رضي الله تعالى عنهما أن تأذن له أن يدفن مع رسول الله ﷺ ، فقالت له: نعم، ما كان بقي إلا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية استلأموا هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن فيه أبدا، فبلغ ذلك حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي به، ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي فاطمة، فدفن في المقبرة إلى جنب فاطمة رضي الله تعالى عنها. وعن نوفل بن الفرات نحوه، وفيه أن الحسن قال للحسين: لعل القوم أن يمنعوك إذا أردت ذلك كما منعنا صاحبهم عثمان بن عفان، ومروان بن الحكم يومئذ أمير على المدينة، وقد كانوا أرادوا دفن عثمان في البيت فمنعوهم، فإن فعلوا فلا تلاحهم في ذلك وادفنّي في بقيع الغرقد، ثم ذكر منع مروان، وأن الحسين لما بلغه ذلك استلأم في الحديد واستلأم مروان في الحديد أيضا، فأتى رجل حسينا فقال: يا أبا عبد الله، أتعصى أخاك في نفسه قبل أن تدفنه؟ قال: فوضع سلاحه، ودفنه في بقيع الغرقد. وفي رواية لابن عبد البر أنهم لما استلأموا في السلاح بلغ ذلك أبا هريرة رضي الله

стр. 663

تعالى عنه، فقال: والله ما هو إلا ظلم، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه؟ والله إنه لابن رسول الله ﷺ ، ثم انطلق إلى الحسين وكلمه وناشده الله وقال له: أليس قد قال أخوك إن خفت أن يكون قتال فردوني إلى مقبرة المسلمين؟ فلم يزل به حتى فعل. تسمية من دفن مع الحسن وذكر ابن النجار أن مع الحسن رضي الله تعالى عنه في قبره ابن أخيه زين العابدين علي بن الحسين، وأبا جعفر الباقر محمد بن زين العابدين، وجعفرا الصادق ابن الباقر، رضوان الله عليهم أجمعين. وذكر الغزالي نحوه. دفن علي بالبقيع وروى الزبير بن بكار من طريق شريك بن عبد الله عن أبي روق قال: حمل الحسن بدن علي بن أبي طالب فدفنه بالبقيع. قلت: وقد اتفق في سنة بضع وستين وثمانمائة حفر قبر بمشهد الحسن والعباس أمام قبلته، فوجدوا فسقية فيها تابوت من خشب مغشّى بشيء أحمر يشبه اللباد الأحمر مسمر بمسامير لها بريق وبياض لم تصدأ، وتعجب الناس لكونها لم تصدأ ولعدم بلاء ذلك الغشاء. وأخبرني جمع كثير ممن شاهد ذلك، وأن على مدخل تلك الفسقية أحجارا من المسن، فلعله بدن علي رضي الله تعالى عنه. دفن رأس الحسين بن علي وذكر محمد بن سعيد أن يزيد بن معاوية بعث برأس الحسين رضي الله تعالى عنه إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وكان عامله على المدينة، فكفنه ودفنه بالبقيع عند قبر أمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ . لكن ذكر ابن أبي الدنيا أنهم وجدوا في خزانة ليزيد رأس الحسين فكفنوه ودفنوه بدمشق عند باب الفراديس. وقيل غير ذلك، ولا بأس بالسلام على هؤلاء كلهم عند زيارة هذا المشهد. قبر العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال ابن شبة فيما نقله عن أبي غسان: قال عبد العزيز: دفن العباس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دال عقيل، فيقال: إن ذلك المسجد بني قبالة قبره، قال: وقد سمعت من يقول: دفن في موضع من البقيع متوسطا. قبر صفية بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنها قال عبد العزيز فيما نقله ابن شبة: توفيت صفية فدفنت في آخر الزقاق الذي يخرج إلى البقيع عند باب الدار التي يقال لها دار المغيرة بن شعبة التي أقطعه عثمان بن عفان لازفا

стр. 664

بجدار الدار، قال عبد العزيز: فبلغني أن الزبير بن العوام اجتاز بالمغيرة وهو يا بني داره، فقال: يا مغيرة ارفع مطمرك عن قبر أمي، فأدخل المغيرة جداره، فالجدار اليوم منحرف فيما بين ذلك الموضع وبين باب الدار. قال عبد العزيز: وقد سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة أبى أن يفعل ذلك مكانه من عثمان، فأخذ الزبير السيف ثم قام على البناء، فبلغ الخبر عثمان، فأرسل إلى المغيرة يأمره بالمصير إلى ما أمره به الزبير، ففعل. وروى ابن زبالة عن محمد بن موسى بن أبي عبد الله قال: كان قبر صفية بنت عبد المطلب عند زاوية دار المغيرة بن شعبة الوضوء عليه، فلما بنى المغيرة داره أراد أن يقيم المطمر عليه، قال: فقال الزبير: لا، والله لا تبني على قبر أمي، فكفّ عنه. قلت: والمعروف أن ذلك هو المشهد الآتي ذكره خارج باب البقيع، والله أعلم. قبر أبي سفيان بن عبد المطلب قبر أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وما قيل في قبر عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر، رضي الله تعالى عنهم. قال ابن شبة: قال عبد العزيز: بلغني أن عقيل بن أبي طالب رأى أبا سفيان بن الحارث يجول بين المقابر، فقال: يا ابن عمّ مالي أراك هناك؟ قال: أطلب موضع قبر، فأدخله داره وأمر بقبر فحفر في قاعتها، فقعد عليه أبو سفيان ساعة ثم انصرف، فلم يلبث إلا يومين حتى توفي فدفن فيه. وقال الموفق بن قدامة: قيل عن أبي سفيان: إنه حفر قبره بنفسه قبل موته بثلاثة أيام، قال: وكان سبب موته أنه حجّ فلما حلق الحلاق رأسه قطع تؤلولا كان في رأسه، فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج سنة عشرين، ودفن في دار عقيل، وصلّى عليه عمر رضي الله تعالى عنهم. قلت: والظاهر أنه بالمشهد المنسوب اليوم لعقيل؛ لأن ابن زبالة وابن شبة لم يذكرا قبر عقيل بالبقيع، وكذا الغزالي لما ذكر في الإحياء من يزار بالبقيع لم يذكره، بل المنقول الذي ذكره ابن قدامة وغيره أن عقيلا توفي بالشام في خلافة معاوية، فكان سبب اشتهار ذلك المشهد به كون الدار التي هو بها له؛ ويحتمل على بعد أنه نقل من الشام ودفن بذلك المحل أيضا، وأول من رأيته ذكر أنه بذلك المشهد ابن النجار، فقال: وقبر عقيل بن أبي طالب أخي علي رضي الله تعالى عنهما في قبة أول البقيع، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب، وهو الجواد المشهور رضي الله تعالى عنه.

стр. 665

قبر عبد الله بن جعفر الطيار وقد ذكر أبو اليقظان أن عبد الله بن جعفر الجواد كان أجود العرب، وأنه توفي بالمدينة وقد كبر، وقال غيره: توفي ودفن بالأبواء سنة تسعين، ويقال: إنه كان ابن عشر سنين حين قبض رسول الله ﷺ . قبور أزواج النبي ﷺ ، ورضي الله تعالى عنهن روى ابن زبالة عن محمد بن عبيد الله بن علي قال: قبور أزواج النبي ﷺ من خوخة نبيه إلى الزقاق الذي يخرج إلى البقال مستطيرة؛ وترجم ابن شبة لقبر أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، ثم روى عن زيد بن السائب قال: أخبرني جدي قال: لما حفر عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في داره بئرا وقع على حجر منقوش مكتوب فيه «قبر أم حبيبة بنت صخر بن حرب» فدفن عقيل البثر، وبنى عليه بيتا، قال ابن السائب: فدخلت ذلك البيت فرأيت فيه ذلك القبر. قلت: فهذا وما قبله أصل في زيارتهن بالمشهد المعروف بهن في قبلة مشهد عقيل ﵁، والظاهر أن خوخة نبيه في غربي المشهد المذكور، وكذا الزقاق الذي يخرج إلى البقال؛ لما سيأتي في ترجمته، فيكون بعضهن بقرب الحسن والعباس رضي الله تعالى عنهما، ولهذا روي ابن شبة عن محمد بن يحيى قال: سمعت من يذكر أن قبر أم سلمة رضي الله تعالى عنها بالبقيع حيث دفن محمد بن زيد عليّ قريبا من موضع فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأنه كان حفر فوجد على ثمانية أذرع حجرا مكسورا مكتوبا في بعضه «أم سلمة زوج النبي ﷺ » فبذلك عرف أنه قبرها. وقد أمر محمد بن زيد بن علي أهله أن يدفنوه في ذلك القبر بعينه، وأن يحفروا له عمقا ثمانية أذرع، فحفر كذلك ودفن فيه. وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن علي بن حسن الرافعي قال: حفر لسالم البانكي مولى محمد بن عليّ فأخرجوا حجرا طويلا فإذا فيه مكتوب «هذا قبر أم سلمة زوج النبي ﷺ » وهو مقابل خوخة آل نبيه بن وهب، قال: فأهيل عليه التراب وحفر لسالم في موضع آخر. وعن حسن بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ أنه هدم منزله في دار علي بن أبي طالب، قال: فأخرجنا حجرا مكتوبا فيه «هذا قبر رملة بنت صخر» قال: فسألنا عنه فائدا مولى عبادل فقال: هذا قبر أم حبيبة ابنة أبي سفيان، ويخالفه ما تقدم من أن قبرها في دار عقيل، ولعله تصحف بعلي. وفي صحيح البخاري أن عائشة رضي الله تعالى عنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم، تعني النبي ﷺ وصاحبيه، وادفني مع صواحبي بالبقيع.

стр. 666

وروى ابن زبالة عن فائد مولى عبادل قال: قال لي منقد الحفّار: في المقبرة قيران مطابقان بالحجارة: قبر حسن بن علي، وقبر عائشة زوج النبي ﷺ ؛ فنحن لا نحركهما. قلت: وأمهات المؤمنين كلهن بالمدينة، إلا خديجة فبمكة، وإلا ميمونة فبسرف. قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وروى ابن شبة عن الزهري قال: جاءت أمّ حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فوقفت على باب المسجد، فقالت: لتخلّنّ بيني وبين دفن هذا الرجل أو لأكشفنّ ستر رسول الله ﷺ ، فخلوها، فلما أمسوا جاء جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وأبو الجهم بن حذيفة وعبد الله بن حسل، فحملوه فانتهوا به إلى البقيع، فمنعهم من دفنه ابن بحرة، ويقال: ابن نحرة الساعدي، فانطلق به إلى حش كوكب، وهو بستان بالمدينة، فصلّى عليه جبير ودفنوه وانصرفوا. وعن عروة بن الزبير قال: منعهم من دفن عثمان بالبقيع أسلم بن أوس بن بحرة الساعدي، فانطلقوا به إلى حش كوكب، فصلى عليه حكيم بن حزام، وأدخل بنو أمية حش كوكب في البقيع. وعن عثمان بن محمد الأخنسي عن أم حكيمة قالت: كنت مع الأربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان: جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وحملوه على باب أسمع قرع رأسه على الباب كأنه دباة، ويقول: دب دب، حتى جاؤوا به حش كوكب فدفن به، ثم هد عليه الجدار وصلّى عليه هناك. قال: وحش كوكب: موضع في أصل الحائط الذي في شرقي البقيع الذي يقال له خضراء أبان، وهو أبان بن عثمان. قلت: ولذلك تسمى تلك الناحية إلى اليوم بالحضاري. وفي طبقات ابن سعد عن مالك بن أبي عامر قال. كان الناس يتوقّون أن يدفنوا موتاهم في حشّ كوكب، فكان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقول: يوشك أن يهلك رجل صالح فيدفن هناك فيأتسي الناس به، قال: فكان عثمان أول من دفن به. وروى ابن شبة عن عبد الله بن فروج قال: كنا مع طلحة فقال لي ولابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله: انطلقا فانظرا ما فعل الرجل، قال: فدخلنا فإذا هو مسجّى بثوب أبيض، فرجعنا إلى طلحة فأخبرناه، فقال: قوموا إلى صاحبكم فواروه، فانطلقنا فجمعنا عليه ثيابه كما يصنع بالشهيد، ثم أخرجناه ليصلي عليه، فقالت المصرية: والله لا يصلّي عليه، فقال أبو الجهم بن حذيفة: والله إن عليكم أن لا تصلوا عليه، قد صلّى الله عليه، فنغزوه ساعة بنعال سيوفهم حتى ظننت أن قد قتلوه، ثم أرادوا دفنه مع نبي الله

стр. 667

صلى الله عليه وسلم، وكان قد استوهب من عائشة رضي الله تعالى عنها موضع قبر فوهبت له، فأبوا، فدفن في مقبرة كان قد اشتراها فزادها في المقبرة، فكان أول من دفن فيها. وقيل: إن عمرو بن عثمان صلّى عليه يومئذ. وروى ابن زبالة عن ابن شهاب وغيره أن عثمان منع من البقيع، فدفن في حش كوكب، وكان عثمان بن مظعون أول من دفن بالبقيع، فجعل رسول الله ﷺ أسفل مهراس علامة على قبره ليدفن الناس حوله، وقال: لأجعلنّك للمتقين إماما، فلما استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة في ملكه أدخل الحش في البقيع، وحمل المهراس فجعله على قبر عثمان، وقال: عثمان وعثمان، فدفن الناس حول عثمان رضي الله تعالى عنه. قبر سعد بن معاذ الأشهلي رضي الله تعالى عنه نقل ابن شبة عن عبد العزيز أنه أصيب يوم الخندق، فدعا فحبس الله عنه الدم، حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر كله؛ فمات في منزله في بني عبد الأشهل، فصلى عليه رسول الله ﷺ ودفنه في طرف الزقاق الذي بلزق دار المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو، وإنما تبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري، وهي الدار التي يقال لها دار ابن أفلح في أقصى البقيع عليها جنبذة، انتهى. وهذا الوصف صادق بالمشهد المنسوب لفاطمة بنت أسد؛ لكونه بطرف زقاق في أقصى البقيع: وفي شرقيه ناحية بني ظفر وبني عبد الأشهل، فلعله قبره، ولكن وقع الاشتباه في نسبته لفاطمة رضي الله تعالى عنها لما قدمناه في قبرها، والله أعلم. قبر أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وروى ابن شبة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبي: يا بني، إني قد كبرت، وذهب أصحابي وحان مني، فخذ بيدي، فأخذت بيده حتى جئت إلى البقيع، فجئت أقصى البقيع مكانا لا يدفن فيه، فقال: يا بني، إذا هلكت فاحفر لي هاهنا، لا تبك عليّ باكية، ولا يضر بن عليّ فسطاط، ولا يمشي معي بنار، ولا تؤذنن أحدا، واسلك بي زقاق عمقة، وليكن مشيك بي خببا، وفي رواية ثم اتكأ علي فأتى البقيع حيث لا يدفن أحد، فقال: إذا مت فادفني هاهنا، واسلك بي زقاق عمقه، وزاد: ولا تبك عليّ نائحة، وامشوا بي الخبب، ولا تؤذنوا بي أحدا، قال: فيأتيني الناس متى يخرج، فأكره أن أخبرهم لما قال لي، فأخرجته في صدر النهار، فأتيت البقيع وقد ملئ ناسا. بيان المشاهد المعروفة اليوم بالبقيع وغيره من المدينة الشريفة أعلم أن أكثر الصحابة ﵃ كما قال المطري- ممن توفي في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته مدفنون بالبقيع، وكذلك سادات أهل بيت النبي ﷺ وسادات التابعين.

стр. 668

وفي مدارك عياض عن مالك أنه مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرقوا في البلدان. وقال المجد: لا شك أن مقبرة البقيع محشوة بالجماء الغفير من سادات الأمة، غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلذلك لا يعرف قبر معينين منهم إلا أفرادا معدودة. قلت: وقد ابتنى عليها مشاهد: منها مشهد على يمينك إذا خرجت من باب البقيع قبلى المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأمهات المؤمنين، تحوى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، والحسن بن علي، ومن تقدم ذكره معه، وعليهم قبة شامخة في الهواء، قال ابن النجار: وهي كبيرة عالية قديمة البناء وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم، ولم يذكر الذي بناها، وقال المطري: بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضئ. قلت: وفيه نظر؛ لأن الناصر هذا كان معاصرا لابن النجار؛ لأنه توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ووفاة ابن النجار سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقد قال ابن النجار: إن هذه القبة قديمة البناء، ووصفها بما هي عليه اليوم. ورأيت في أعلى محراب هذا المشهد: أمر بعمله المنصور المستنصر بالله، ولم يذكر اسمه ولا تاريخ العمارة، فلعله المنصور الذي هو ثاني خلفاء بني العباس، لكنه لا يلقب بالمستنصر بالله، ولم أر من جمع بين هذين اللقبين، وعلى ساح قبر العباس أن الآمر بعمله المسترشد بالله سنة تسع عشرة وخمسمائة، ولعل عمارة القبة قبله، وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان من الأرض متسعان مغشّيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مصفحة بصفائح الصفر مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر. وينبغي أن يسلم زائرهما على من قدمنا ذكر دفنه عندهما في قبر فاطمة والحسن رضي الله تعالى عنهما، وهناك قبور كثيرة لأمراء المدينة وأقاربهم من الأشراف يدفنون بهذا المشهد. وفي غربيه قبر ابن أبي الهيجاء وزير العبيديين، عليه بناء، وقبر آخر يعرف بابن أبي النصر عليه بناء أيضا. وفي شرقي المشهد بعيدا منه حظيرتان في إحداهما الأمير جوبان صاحب المدرسة الجوبانية، وفي الآخرى بعض الأعيان ممن نقل إلى المدينة، وإنما نبهت على ذلك خوفا من الالتباس على طول الزمان. ومنها: مشهد في قبلة المشهد المنسوب لعقيل متصل به، قال المطري: يقال: إن فيه قبور أزواج رسول الله ﷺ .

стр. 669

وقال ابن النجار- في القبور المعروفة في زمانه- ما لفظه: وقبور أزواج النبي ﷺ وهن أربعة قبور ظاهرة، ولا يعلم تحقيق من فيها منهن. قلت: باطن هذا المشهد كله أرض مستوية ليس فيها علامة قبور، وكان حظيرا مبنيّا بالحجارة كما ذكره المطري، فابتنى عليه قبة الأمير بردبك المعمار سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ومنها: مشهد عقيل بن أبي طالب على ما ذكره ابن النجار، وتبعه من بعده، قال: ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله الجواد بن جعفر الطيار، كما قدمناه عنه في قبر أبي سفيان بن الحارث، مع بيان أن ذلك المشهد من دار عقيل، وأن الذي نقل دفنه هناك إنما هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأن عقيلا مات بالشام خلاف قول المطري إن المنقول دفنه في داره، وجوزنا أن يكون نقل من الشام إليها، فينبغي السلام على الثلاثة المذكورين هناك، وتقدم استجابة الدعاء عند زاوية الدار المذكورة. ومنها: روضة بقرب مشهد عقيل، يقال: إن فيها ثلاثة من أولاد النبي ﷺ ، كذا قاله المجد، وجعله مما يعرف في زمنه بالبقيع، ولم أره في كلام غيره، ولولا ذكره لمشهد سيدنا إبراهيم قبل ذلك لحملنا كلامه عليه، وليس بقرب مشهد عقيل إلا القبة المتهدمة التي في غربي مشهد أمهات المؤمنين، ولا يعرف من بها، فلعلها مراده، أو القبة الآتي ذكرها في مشهد الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في ركنه الشرقي الشمالي، فإن كلا منهما يصح وصفها بالقرب من مشهد عقيل، ثم تبين أن مراده الأولى التي في غربي مشهد أمهات المؤمنين، فإن ابن جبير ذكر في رحلته روضة عقيل، ثم روضة أمهات المؤمنين، ثم قال: وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي ﷺ ، ويليها روضة العباس بن عبد المطلب، إلى آخره، فهذا مأخذ المجد. ومنها: مشهد سيدنا إبراهيم بن سيدنا رسول الله ﷺ ، وقبره على نعت قبر الحسن والعباس، وهو ملصق إلى جدار المشهد القبلي، وفي هذا الجدار شباك، قال المجد: وموضع تربته يعرف ببيت الحزن، يقال: إنه البيت الذي أوت إليه فاطمة رضي الله تعالى عنها، والتزمت الحزن فيه بعد وفاة أبيها سيد المرسلين ﷺ ، انتهى. والمشهور ببيت الحزن إنما هو الموضع المعروف بمسجد فاطمة في قبلة مشهد الحسن والعباس، وإليه أشار ابن جبير بقوله: ويلي القبة العباسية بيت لفاطمة بنت الرسول ﷺ ، ويعرف ببيت الحزن، يقال: إنه الذي أوت إليه والتزمت الحزن فيه عند وفاة أبيها ﷺ ، انتهى. وفيه قبرها على أحد الأقوال كما قدمناه، وأظنه في موضع بيت علي بن أبي طالب الذي كان اتخذه بالبقيع، وفيه اليوم هيئة قبور.

стр. 670

وفي شامي قبر سيدنا إبراهيم بمشهده صورة قبرين حادثين لم يذكرهما ابن النجار، ولا من تبعه، إنما ذكروا ما قدمناه من كونه إلى جانب عثمان بن مظعون وأن عبد الرحمن بن عوف أوصى أن يدفن هناك، وأنه ينبغي زيارتهما معه. قلت: وكذا كل من قدمنا ذكر دفنه هناك. ومنها: مشهد صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، أم الزبير بن العوام، على يسارك عند ما تخرج من باب البقيع، وهو بناء من حجارة لا قبّة عليه، قال المطري: وأرادوا عقد قبة صغيرة عليه فلم يتفق ذلك. ومنها: مشهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وعليه قبة عالية ابتناها أسامة بن سنان الصالحي أحد أمراء السلطان السعيد صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة إحدى وستمائة، قاله المطري، قال الزين المراغي: ونقل أبو شامة أن الباني لها عز الدين سلمة. قلت: ولم يذكر ابن النجار هذه القبة، مع ذكره لقبة الحسن والعباس وسيدنا إبراهيم وغيرهما مما كان في زمنه، وقد أدرك التاريخ الذي ذكره المطري وبعده بكثير. وبمشهد سيدنا عثمان قبر خلف قبره يقال: إنه قبر متولي عمارة القبة. وقد حدث في زماننا أمام المشهد في المغرب بناء مربع عليه قبو فيه امرأة كانت أم ولد لبعض بني الجيعان توفيت بالمدينة الشريفة، وإلى جانبه حظيرة فيها امرأة لبعض الأتراك، وبين هذا البناء وبين المشهد أيضا حظيرة أخرى بها أخت صاحبنا قاضي الحرمين العلامة محيي الدين الحنبلي متع الله به. ومنها: مشهد فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما بأقصى البقيع، على ما فيه مما تقدم في ذكر قبرها، وينبغي أن يسلم هناك على سعد بن معاذ لما سبق. مشهد مالك بن أنس الأصبحي ومنها: مشهد الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة إذا خرجت من باب البقيع كان مواجها لك عليه قبة صغيرة وإلى جانبه في المشرق والشام قبة لطيفة أيضا، لم يتعرض لذكرها المطري ومن بعده، فيحتمل أن تكون حادثة، ويقال: إن بها نافعا مولى ابن عمر. وفي كلام ابن جبير عند ذكر المشاهد المعروفة في زمنه ما يؤخذ منه أن بين مشهد سيدنا إبراهيم ﵇ وبين مشهد مالك تربة عن يمين مشهد سيدنا إبراهيم، وأنها تربة ابن لعمر ﵁ اسمه عبد الرحمن الأوسط، قال: وهو المعروف بأبي شحمة، وهو الذي جلده أبو الحدّ فمرض ومات، وما ذكره ينطبق على القبة المذكورة.
следующие страницы →