وروى ابن زبالة عن فائد مولى عبادل قال: قال لي منقد الحفّار: في المقبرة قيران مطابقان بالحجارة: قبر حسن بن علي، وقبر عائشة زوج النبي ﷺ ؛ فنحن لا نحركهما.
قلت: وأمهات المؤمنين كلهن بالمدينة، إلا خديجة فبمكة، وإلا ميمونة فبسرف.
قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
وروى ابن شبة عن الزهري قال: جاءت أمّ حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فوقفت على باب المسجد، فقالت: لتخلّنّ بيني وبين دفن هذا الرجل أو لأكشفنّ ستر رسول الله ﷺ ، فخلوها، فلما أمسوا جاء جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وأبو الجهم بن حذيفة وعبد الله بن حسل، فحملوه فانتهوا به إلى البقيع، فمنعهم من دفنه ابن بحرة، ويقال: ابن نحرة الساعدي، فانطلق به إلى حش كوكب، وهو بستان بالمدينة، فصلّى عليه جبير ودفنوه وانصرفوا.
وعن عروة بن الزبير قال: منعهم من دفن عثمان بالبقيع أسلم بن أوس بن بحرة الساعدي، فانطلقوا به إلى حش كوكب، فصلى عليه حكيم بن حزام، وأدخل بنو أمية حش كوكب في البقيع.
وعن عثمان بن محمد الأخنسي عن أم حكيمة قالت: كنت مع الأربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان: جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وحملوه على باب أسمع قرع رأسه على الباب كأنه دباة، ويقول: دب دب، حتى جاؤوا به حش كوكب فدفن به، ثم هد عليه الجدار وصلّى عليه هناك.
قال: وحش كوكب: موضع في أصل الحائط الذي في شرقي البقيع الذي يقال له خضراء أبان، وهو أبان بن عثمان.
قلت: ولذلك تسمى تلك الناحية إلى اليوم بالحضاري.
وفي طبقات ابن سعد عن مالك بن أبي عامر قال. كان الناس يتوقّون أن يدفنوا موتاهم في حشّ كوكب، فكان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقول: يوشك أن يهلك رجل صالح فيدفن هناك فيأتسي الناس به، قال: فكان عثمان أول من دفن به.
وروى ابن شبة عن عبد الله بن فروج قال: كنا مع طلحة فقال لي ولابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله: انطلقا فانظرا ما فعل الرجل، قال: فدخلنا فإذا هو مسجّى بثوب أبيض، فرجعنا إلى طلحة فأخبرناه، فقال: قوموا إلى صاحبكم فواروه، فانطلقنا فجمعنا عليه ثيابه كما يصنع بالشهيد، ثم أخرجناه ليصلي عليه، فقالت المصرية: والله لا يصلّي عليه، فقال أبو الجهم بن حذيفة: والله إن عليكم أن لا تصلوا عليه، قد صلّى الله عليه، فنغزوه ساعة بنعال سيوفهم حتى ظننت أن قد قتلوه، ثم أرادوا دفنه مع نبي الله
стр. 667
صلى الله عليه وسلم، وكان قد استوهب من عائشة رضي الله تعالى عنها موضع قبر فوهبت له، فأبوا، فدفن في مقبرة كان قد اشتراها فزادها في المقبرة، فكان أول من دفن فيها.
وقيل: إن عمرو بن عثمان صلّى عليه يومئذ.
وروى ابن زبالة عن ابن شهاب وغيره أن عثمان منع من البقيع، فدفن في حش كوكب، وكان عثمان بن مظعون أول من دفن بالبقيع، فجعل رسول الله ﷺ أسفل مهراس علامة على قبره ليدفن الناس حوله، وقال: لأجعلنّك للمتقين إماما، فلما استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة في ملكه أدخل الحش في البقيع، وحمل المهراس فجعله على قبر عثمان، وقال: عثمان وعثمان، فدفن الناس حول عثمان رضي الله تعالى عنه.
قبر سعد بن معاذ الأشهلي رضي الله تعالى عنه
نقل ابن شبة عن عبد العزيز أنه أصيب يوم الخندق، فدعا فحبس الله عنه الدم، حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر كله؛ فمات في منزله في بني عبد الأشهل، فصلى عليه رسول الله ﷺ ودفنه في طرف الزقاق الذي بلزق دار المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو، وإنما تبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري، وهي الدار التي يقال لها دار ابن أفلح في أقصى البقيع عليها جنبذة، انتهى. وهذا الوصف صادق بالمشهد المنسوب لفاطمة بنت أسد؛ لكونه بطرف زقاق في أقصى البقيع: وفي شرقيه ناحية بني ظفر وبني عبد الأشهل، فلعله قبره، ولكن وقع الاشتباه في نسبته لفاطمة رضي الله تعالى عنها لما قدمناه في قبرها، والله أعلم.
قبر أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه
وروى ابن شبة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبي: يا بني، إني قد كبرت، وذهب أصحابي وحان مني، فخذ بيدي، فأخذت بيده حتى جئت إلى البقيع، فجئت أقصى البقيع مكانا لا يدفن فيه، فقال: يا بني، إذا هلكت فاحفر لي هاهنا، لا تبك عليّ باكية، ولا يضر بن عليّ فسطاط، ولا يمشي معي بنار، ولا تؤذنن أحدا، واسلك بي زقاق عمقة، وليكن مشيك بي خببا، وفي رواية ثم اتكأ علي فأتى البقيع حيث لا يدفن أحد، فقال: إذا مت فادفني هاهنا، واسلك بي زقاق عمقه، وزاد: ولا تبك عليّ نائحة، وامشوا بي الخبب، ولا تؤذنوا بي أحدا، قال: فيأتيني الناس متى يخرج، فأكره أن أخبرهم لما قال لي، فأخرجته في صدر النهار، فأتيت البقيع وقد ملئ ناسا.
بيان المشاهد المعروفة اليوم بالبقيع وغيره من المدينة الشريفة
أعلم أن أكثر الصحابة ﵃ كما قال المطري- ممن توفي في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته مدفنون بالبقيع، وكذلك سادات أهل بيت النبي ﷺ وسادات التابعين.
стр. 668
وفي مدارك عياض عن مالك أنه مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرقوا في البلدان.
وقال المجد: لا شك أن مقبرة البقيع محشوة بالجماء الغفير من سادات الأمة، غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلذلك لا يعرف قبر معينين منهم إلا أفرادا معدودة.
قلت: وقد ابتنى عليها مشاهد: منها مشهد على يمينك إذا خرجت من باب البقيع قبلى المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأمهات المؤمنين، تحوى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، والحسن بن علي، ومن تقدم ذكره معه، وعليهم قبة شامخة في الهواء، قال ابن النجار: وهي كبيرة عالية قديمة البناء وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم، ولم يذكر الذي بناها، وقال المطري: بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضئ.
قلت: وفيه نظر؛ لأن الناصر هذا كان معاصرا لابن النجار؛ لأنه توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ووفاة ابن النجار سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقد قال ابن النجار: إن هذه القبة قديمة البناء، ووصفها بما هي عليه اليوم. ورأيت في أعلى محراب هذا المشهد:
أمر بعمله المنصور المستنصر بالله، ولم يذكر اسمه ولا تاريخ العمارة، فلعله المنصور الذي هو ثاني خلفاء بني العباس، لكنه لا يلقب بالمستنصر بالله، ولم أر من جمع بين هذين اللقبين، وعلى ساح قبر العباس أن الآمر بعمله المسترشد بالله سنة تسع عشرة وخمسمائة، ولعل عمارة القبة قبله، وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان من الأرض متسعان مغشّيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مصفحة بصفائح الصفر مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر.
وينبغي أن يسلم زائرهما على من قدمنا ذكر دفنه عندهما في قبر فاطمة والحسن رضي الله تعالى عنهما، وهناك قبور كثيرة لأمراء المدينة وأقاربهم من الأشراف يدفنون بهذا المشهد.
وفي غربيه قبر ابن أبي الهيجاء وزير العبيديين، عليه بناء، وقبر آخر يعرف بابن أبي النصر عليه بناء أيضا.
وفي شرقي المشهد بعيدا منه حظيرتان في إحداهما الأمير جوبان صاحب المدرسة الجوبانية، وفي الآخرى بعض الأعيان ممن نقل إلى المدينة، وإنما نبهت على ذلك خوفا من الالتباس على طول الزمان.
ومنها: مشهد في قبلة المشهد المنسوب لعقيل متصل به، قال المطري: يقال: إن فيه قبور أزواج رسول الله ﷺ .
стр. 669
وقال ابن النجار- في القبور المعروفة في زمانه- ما لفظه: وقبور أزواج النبي ﷺ وهن أربعة قبور ظاهرة، ولا يعلم تحقيق من فيها منهن.
قلت: باطن هذا المشهد كله أرض مستوية ليس فيها علامة قبور، وكان حظيرا مبنيّا بالحجارة كما ذكره المطري، فابتنى عليه قبة الأمير بردبك المعمار سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
ومنها: مشهد عقيل بن أبي طالب على ما ذكره ابن النجار، وتبعه من بعده، قال:
ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله الجواد بن جعفر الطيار، كما قدمناه عنه في قبر أبي سفيان بن الحارث، مع بيان أن ذلك المشهد من دار عقيل، وأن الذي نقل دفنه هناك إنما هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأن عقيلا مات بالشام خلاف قول المطري إن المنقول دفنه في داره، وجوزنا أن يكون نقل من الشام إليها، فينبغي السلام على الثلاثة المذكورين هناك، وتقدم استجابة الدعاء عند زاوية الدار المذكورة.
ومنها: روضة بقرب مشهد عقيل، يقال: إن فيها ثلاثة من أولاد النبي ﷺ ، كذا قاله المجد، وجعله مما يعرف في زمنه بالبقيع، ولم أره في كلام غيره، ولولا ذكره لمشهد سيدنا إبراهيم قبل ذلك لحملنا كلامه عليه، وليس بقرب مشهد عقيل إلا القبة المتهدمة التي في غربي مشهد أمهات المؤمنين، ولا يعرف من بها، فلعلها مراده، أو القبة الآتي ذكرها في مشهد الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في ركنه الشرقي الشمالي، فإن كلا منهما يصح وصفها بالقرب من مشهد عقيل، ثم تبين أن مراده الأولى التي في غربي مشهد أمهات المؤمنين، فإن ابن جبير ذكر في رحلته روضة عقيل، ثم روضة أمهات المؤمنين، ثم قال:
وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي ﷺ ، ويليها روضة العباس بن عبد المطلب، إلى آخره، فهذا مأخذ المجد.
ومنها: مشهد سيدنا إبراهيم بن سيدنا رسول الله ﷺ ، وقبره على نعت قبر الحسن والعباس، وهو ملصق إلى جدار المشهد القبلي، وفي هذا الجدار شباك، قال المجد: وموضع تربته يعرف ببيت الحزن، يقال: إنه البيت الذي أوت إليه فاطمة رضي الله تعالى عنها، والتزمت الحزن فيه بعد وفاة أبيها سيد المرسلين ﷺ ، انتهى.
والمشهور ببيت الحزن إنما هو الموضع المعروف بمسجد فاطمة في قبلة مشهد الحسن والعباس، وإليه أشار ابن جبير بقوله: ويلي القبة العباسية بيت لفاطمة بنت الرسول ﷺ ، ويعرف ببيت الحزن، يقال: إنه الذي أوت إليه والتزمت الحزن فيه عند وفاة أبيها ﷺ ، انتهى.
وفيه قبرها على أحد الأقوال كما قدمناه، وأظنه في موضع بيت علي بن أبي طالب الذي كان اتخذه بالبقيع، وفيه اليوم هيئة قبور.
стр. 670
وفي شامي قبر سيدنا إبراهيم بمشهده صورة قبرين حادثين لم يذكرهما ابن النجار، ولا من تبعه، إنما ذكروا ما قدمناه من كونه إلى جانب عثمان بن مظعون وأن عبد الرحمن بن عوف أوصى أن يدفن هناك، وأنه ينبغي زيارتهما معه.
قلت: وكذا كل من قدمنا ذكر دفنه هناك.
ومنها: مشهد صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، أم الزبير بن العوام، على يسارك عند ما تخرج من باب البقيع، وهو بناء من حجارة لا قبّة عليه، قال المطري:
وأرادوا عقد قبة صغيرة عليه فلم يتفق ذلك.
ومنها: مشهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وعليه قبة عالية ابتناها أسامة بن سنان الصالحي أحد أمراء السلطان السعيد صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة إحدى وستمائة، قاله المطري، قال الزين المراغي: ونقل أبو شامة أن الباني لها عز الدين سلمة.
قلت: ولم يذكر ابن النجار هذه القبة، مع ذكره لقبة الحسن والعباس وسيدنا إبراهيم وغيرهما مما كان في زمنه، وقد أدرك التاريخ الذي ذكره المطري وبعده بكثير.
وبمشهد سيدنا عثمان قبر خلف قبره يقال: إنه قبر متولي عمارة القبة.
وقد حدث في زماننا أمام المشهد في المغرب بناء مربع عليه قبو فيه امرأة كانت أم ولد لبعض بني الجيعان توفيت بالمدينة الشريفة، وإلى جانبه حظيرة فيها امرأة لبعض الأتراك، وبين هذا البناء وبين المشهد أيضا حظيرة أخرى بها أخت صاحبنا قاضي الحرمين العلامة محيي الدين الحنبلي متع الله به.
ومنها: مشهد فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما بأقصى البقيع، على ما فيه مما تقدم في ذكر قبرها، وينبغي أن يسلم هناك على سعد بن معاذ لما سبق.
مشهد مالك بن أنس الأصبحي
ومنها: مشهد الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة إذا خرجت من باب البقيع كان مواجها لك عليه قبة صغيرة وإلى جانبه في المشرق والشام قبة لطيفة أيضا، لم يتعرض لذكرها المطري ومن بعده، فيحتمل أن تكون حادثة، ويقال: إن بها نافعا مولى ابن عمر.
وفي كلام ابن جبير عند ذكر المشاهد المعروفة في زمنه ما يؤخذ منه أن بين مشهد سيدنا إبراهيم ﵇ وبين مشهد مالك تربة عن يمين مشهد سيدنا إبراهيم، وأنها تربة ابن لعمر ﵁ اسمه عبد الرحمن الأوسط، قال: وهو المعروف بأبي شحمة، وهو الذي جلده أبو الحدّ فمرض ومات، وما ذكره ينطبق على القبة المذكورة.
стр. 671
مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق
ومنها: مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق، وهو كبير يقابل مشهد العباس في المغرب، وهو ركن سور المدينة اليوم من القبلة والمشرق، بني قبل السور، فاتصل السور به، فصار بابه من داخل المدينة، قال المطري: بناه بعض العبيديين من ملوك مصر.
قلت: على باب المشهد الأوسط الذي أمامه الرحبة التي بها البئر التي يتبرك بها حجر فيه أن حسين بن أبي الهيجاء عمره سنة ست وأربعين وخمسمائة، ولعله المطري نسب ذلك لبعض العبيديين؛ لأن ابن أبي الهيجاء كان من ورائهم.
قال المطري: ويقال إن عرصة هذا المشهد وما حوله من جهة الشمال إلى الباب كانت دار زين العابدين، وبجانب المشهد الغربي مسجد صغير مهجور يقال: إنه مسجد زين العابدين.
قلت: على يمين الداخل إلى المشهد بين الباب الأوسط والأخير حجر منقوش فيه وقف الحديقة التي بجانب المشهد في المغرب على المشهد: وقفها إن أبي الهيجاء، ونسبة المسجد الذي بطرف الحديقة بجانب المشهد لزين العابدين، وأن عرصة المشهد داره، وأن بئره تلك يتداوى بها.
ويقال: إن ابنه جعفرا الباقر سقط بها وهو صغير، وزين العابدين يصلي، فلم يقطع صلاته.
وفي كلام ابن شبة ما يصلح أن يكون مستندا في نسبة تلك العرصة لزين العابدين؛ لذكره دارا تقرب من وصفها، ونسبها لولده، فقال: واتخذت صفية بنت حيي دار زيد بن علي بن حسين بن علي، وقد صارت دارين، وهما جميعا دار واحدة، بنى زيد بن علي شقها الشرقي الذي يلي البقيع، وبنى آل أبي سويد الثقفي شقها الغربي الذي يلي دار السائب مولى زيد بن ثابت، فيحتمل أنه نسبها لولده لكونه بناها وكانت لأبيه، وقال أيضا: واتخذ جعفر بن أبي طالب دارا بين دار أبي رافع مولى النبي ﷺ بالبقيع وبين دار أسماء بنت عميس التي في شامي دار أبي رافع تحت سقيفة محمد بن زيد بن علي بن حسين. وبيّن ابن شبة أن دار أبي رافع ناقل بها سعد بن أبي وقاص أبا رافع فدفع لأبي رافع داره بالبقال.
وقد تقدم ذكر الشارع الذي يخرج إلى البقال في قبور أمهات المؤمنين، وأنه في غربي المشهد المعروف بهن؛ لما سيأتي في ترجمة البقال، وقد جدد مسجد زين العابدين سنة أربع وثمانين وثمانمائة.
وأما المشاهد المعرفة بالمدينة في غير البقيع فثلاثة.
стр. 672
مشهد حمزة
أحدها: مشهد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنه. وسيأتي ذكره مع شهداء أحد في الفصل بعده، وعليه قبة عالية حسنة متقنة، وبابه مصفح كله بالحديد بنته أم الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضئ، كما قاله ابن النجار، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة، قال: وجعلت على القبر ملبنا من ساج، وحوله حصباء، وباب المشهد من حديد، يفتح كل يوم خميس، وقريب منه مسجد يذكر أنه موضع مقتله، انتهى. وتبعه عليه من بعده. ووصفه القبر بأن عليه ملبن خشب، يعني أنه كهيئة قبر سيدنا إبراهيم، فإنه عبر فيه بذلك أيضا، وقبر سيدنا إبراهيم على ذلك الوصف اليوم، وكذلك الحسن والعباس.
وأما قبر حمزة فإنه اليوم مبني مجصّص بالقصّة لا خشب عليه، وفي أعلاه من ناحية رأسه حجر فيه بعد البسملة: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ١٨] هذا مصرع حمزة بن عبد المطلب ﵇، ومصلى النبي ﷺ ، عمره العبد الفقير إلى رحمة ربه حسين بن أبي الهيجاء، غفر الله له ولوالديه سنة ثمانين وخمسمائة، انتهى.
وهذا قبل عمارة أم الناصر بعشر سنين، وابن النجار إنما قدم المدينة بعد ذلك؛ لأنه ألّف كتابه سنة مجاورته بها، ومولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فمقتضى ذلك أن ابن النجار أدرك القبر وهو بهذه الهيئة من الكتابة، وقد صرح بخلافها، وأيضا فالتعبير في تلك الكتابة بمصرع حمزة وتصديره بالآية دليل الخطأ في إثبات ذلك المسن هناك، فالصواب أن ذلك المسن كان بالمسجد المعروف اليوم بالمصرع، وكأنه لما تهدّم نقل إلى المشهد لقربه منه، ثم لما تكسر الخشب الذي ذكر ابن النجار أنه كان على القبر بنوا القبر على هذه الهيئة، وظنوا أن ذلك المسن لوضعه بالمشهد يتعلق به، فأثبتوه بالقبر. ويؤيد ذلك أن نسبة عمارة القبة لأم الخليفة في التاريخ المذكور موجودة اليوم بالكتابة الكوفية نقشا في جدار المشهد بالجص، واقتلع الشجاعي شاهين شيخ الحرم المسنّ المذكور وأعاده إلى محله بالمصرع، ومقتضى ما سبق عن ابن النجار ومن تبعه أن أم الخليفة الناصر لدين الله هي أول من اتخذ المشهد المذكور على سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه، وسيأتي في الفصل بعده عند ذكر قبر حمزة رضي الله تعالى عنه عن عبد العزيز بن عمران أنه كان على قبر حمزة قديما مسجد، وذلك في المائة الثانية، فكأن أم الخليفة وسّعته وجعلته على هذه الهيئة الموجودة اليوم، وقد زاد فيه سلطان زماننا الأشرف فانتباي أعز الله نصره زيادة من جهة المغرب أدخل فيها البئر التي كانت خارجة في غربيه، واتخذ هناك أخلية لمن يريد الطهارة، وجعل بعضها بالسطح، فعمّ النفع بذلك،
стр. 673
واحتفر بئرا خارجه بجهة المغرب أيضا يرتفق بها المارة، وذلك في شهر جمادى الأولى سنة تسعين وثمانمائة على يد الشجاعي شاهين الجمالي شيخ الحرم الشريف النبوي، وشاد عمائره، عظم الله شأنه.
وأعلم أن القبر الذي بالمشهد عند رجلي سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه قبر رجل تركي اسمه سنقر، كان متولي عمارة المشهد، والقبر الذي بصحن المسجد قبر بعض أمراء المدينة من الأشراف، فلا يظن أنهما من قبور الشهداء رضوان الله عليهم، وسيأتي في قبر حمزة رضي الله تعالى عنه أنه ينبغي أن يسلم معه على مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش؛ لما سيأتي فيه.
مشهد مالك بن سنان الخدري
ثانيها: مشهد مالك بن سنان، والد أبي سعيد الخدري، في غربي المدينة ملاصقا للسور، وسيأتي ما جاء فيه في الفصل بعده، وعليه قبة قديمة البناء بها محراب، وعن يمينه باب خزانة صغيرة فيها بناء أصغر من صفة القبور يظن الناس أنه محل القبر، والظاهر أن القبر بالقبة المذكورة، لما سيأتي في ذكر من قيل إنه نقل من شهداء أحد من قول ابن أبي فديك إنه بالمسجد الذي عند أصحاب العباء في طرف الحناطين، لكن في رواية ابن زبالة أنه دفن عند مسجد أصحاب العباء: أي الذين يبيعون العبي، وذلك المحل من سوق المدينة القديم.
مشهد النفس الزكية
ثالثها: المشهد المعروف بالنفس الزكية، وهو السيد الشريف الملقب بالمهدي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضوان الله تعالى عليهم، قتل في أيام أبي جعفر المنصور، وهذا المشهد شرقي جبل سلع، وعليه بناء كبير بالحجارة السود، قصدوا أن يبنوا عليه قبة فلم يتفق، وهو داخل مسجد كبير مهجور، وفي قبلة المسجد منهل من عين الأزرق مدرج من شرقيه وغربيه. والعين تجري في وسطه، وتقدم في سوق المدينة أن ابن زبالة عبر عن ذلك ببركة السوق، ولعل ذلك المسجد هو المنسوب إلى الأعرج كما تقدم في مصلى العيد.
وما ذكرناه من كون النفس الزكية بهذا المشهد ذكره المطري ومن تبعه، وهو المستفيض بين أهل المدينة، لكنه مخالف لما ذكره سبط ابن الجوزي في رياض الأفهام، فإنه ذكر خروجه على المنصور بعد حبسه لأبيه وأقاربه، فبايعه كثير من الناس، قال: فجهز إليه المنصور عيسى بن موسى عم المنصور في أربعة آلاف، فجاء ووقف على سلع وقال: يا محمد، لك الأمان، فصاح به: والله ما تفوز، والموت في عزّ خير من الحياة في ذل، فاغتسل هو ومن
стр. 674
بقي من أصحابه وتحنّطوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر وحملوا على عيسى وأصحابه، فهزموا ثلاثا، ثم تكاثروا عليهم فقتلوهم، وأتوا عيسى بن موسى برأس محمد. ووارت أخته زينب وابنته فاطمة جسده بالبقيع، وكان قتله عند أحجار الزيت، وكان معه ذو الفقار سيف عليّ رضي الله تعالى عنه، فأخذه عيسى بن موسى، ثم انتقل إلى الرشيد.
قال الأصمعي: أنا رأيته، وفيه ثماني عشرة فقارة، اه
وقال محمد- أعني النفس الزكية- في يوم قتالهم لعبد الله بن عامر السلمي: تغشانا سحابة، فإن أمطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي عند أحجار الزيت. قال عبد الله: فو الله لقد أظلتنا سحابة فلم تمطرنا، وتجاوزتنا إلى عيسى بن موسى وأصحابه، فظفروا، وقتلوا محمدا، ورأيت دمه عند أحجار الزيت، وبسبب محمد هذا ضرب عيسى بن موسى الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، نقل ذلك المقريزي.
الفصل السابع في فضل أحد والشّهداء به
الأحاديث الواردة في فضل أحد
روينا في الصحيحن وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال لأحد لما بدا له: هذا جبل يحبنا ونحبه.
وفي رواية للبخاري بيان أن ذلك كان عند القدوم من خيبر، ولفظ رواية ابن شبة عنه أنه أقبل مع رسول الله ﷺ من خيبر، فلما بدا لهم أحد قال، الحديث.
وفي رواية له عن سويد الأنصاري قال. قفلنا مع النبي ﷺ من غزوة خيبر، فلما بدا له أحد قال: الله أكبر، جبل يحبنا ونحبه.
ورواه أحمد والطبراني برجال الصحيح إلا عقبة بن سويد، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا.
وفي فضائل المدينة للجندي عن أنس أن النبي ﷺ «طلع أحدا فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه» وفي رواية له «طلع علينا أحدا» وفي رواية أخرى للبخاري أن ذلك كان في رجوعه ﷺ من الحج.
وفي رواية عن أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، فلما أشرفنا على المدينة قال: «هذه طابة، وهذا أحد، جبل يحبنا ونحبه» ورواه ابن شبة أيضا.
وفي رواية له قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من منزله، حتى إذا كنا بغرابات نظر إلى أحد فكبر ثم قال «جبل يحبنا ونحبه، جبل سائر ليس من جبال أرضنا» .
وروى أيضا بإسناد جيد عن أبي قلابة قال: كان النبي ﷺ إذا جاء من سفر فبدا له أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه، ثم قال: آيبون نائبون ساجدون لربنا حامدون.
стр. 675
وروى أيضا عن أبي هريرة قال: لما قدمنا مع النبي ﷺ من غزوة خيبر بدا لنا أحد، فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، إن أحدا هذا لعلي باب من أبواب الجنة.
وروى الطبراني في الكبير والأوسط عن أبي عبس بن جبر إن رسول الله ﷺ قال لأحد: هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة، وهذا غير جبل يبغضنا ونبغضه، على باب من أبواب النار.
وفي الأوسط- وفيه كثير بن زيد: تكلم فيه، ووثّقه أحمد وغيره من حديث أنس بن مالك مرفوعا «أحد جبل يحبنا ونحبه، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه» ورواه ابن شبة بلفظ «أحد على باب من أبواب الجنة، فإذا مررتم به فكلوا من شجره، ولو من عضاهه» .
وروى أيضا عن زينب بنت نبيط، وكانت تحت أنس بن مالك، أنها كانت ترسل ولائدها فتقول: اذهبوا على أحد فأتوني من نباته، فإن لم تجدن إلا عضاها فأتني به، فإن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «هذا جبل يحبنا ونحبه» قالت زينب:
فكلوا من نباته ولو من عضاهه، قال: فكانت تعطينا منه قليلا قليلا فنمضغه.
وعن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحتشّ أحد إلا يوما بيوم.
وعن داود بن الحصين مرفوعا «أحد على ركن من أركان الجنة، وعير على ركن من أركان النار» .
وعن إسحاق بن يحيى بن طلحة مرسلا رفعه «أحد وورقان وقدس ورضوى من جبال الجنة» .
وروى أبو يعلى والطبراني في الكبير عن سهل بن سعد مرفوعا «أحد ركن من أركان الجنة» .
وفي الكبير أيضا عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ «أربعة أجبال من أجبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة، قيل: فما الأجبال؟ قال: أحد يحبنا ونحبه جبل من جبال الجنة، وورقان جبل من جبال الجنة، والطور جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، والأنهار الأربعة النيل والفرات وسيحان وجيحان، والملاحم بدر وأحد والخندق وحنين» .
ورواه ابن شبة مختصرا، وروى عن أبي هريرة نحوه، وقال فيه: وسكت عن الملاحم، وعن أبي هريرة أيضا قال: خير الجبال أحد والأشعر وورقان.
ونقل الحافظ ابن حجر اختلاف الروايات في الأجبل التي بنى منها البيت الحرام، وفي بعضها أنه أسس من ستة أجبل: أبي قبيس، والطور، وقدس، وورقان، ورضوى، وأحد.
стр. 676
وروى ابن شبة عن أنس بن مالك مرفوعا «لما تجلّى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، وقع بالمدينة أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة حراء وثبير وثور» .
موقع أحد من المدينة المنورة
قال أبو غسان راويه: فأما أحد فبناحية المدينة على ثلاثة أميال منها في شاميها، وأما ورقان فبالروحاء من المدينة على أربعة برد، وأما رضوى فبينبع على مسيرة أربع ليال، وأما حراء فبمكة وجاه بئر ميمون، وثور أسفل مكة هو الذي اختفى فيه رسول الله ﷺ في غاره.
قلت: ولم يبين ثبيرا، وما ذكره من المسافة إلى أحد يقرب مما حررته، فإني ذرعت ما بين عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب جبريل وبين المسجد الملاصق لجبل أحد المعروف بمسجد الفتح فكان ذلك ثلاثة أميال وزيادة خمسة وثلاثين ذراعا، وأما ما بين باب المدينة المعروف بباب البقيع وبين أول جبل أحد فميلان وأربعة أسباع ميل يزيد يسيرا، وبين باب البقيع ومشهد سيدنا حمزة ميلان وثلاثة أسباع ميل وخمس سبع ميل، وأذرع يسيرة، وقد علم بذلك التسامح الذي في قول النووي في تهذيبه: أحد بجنب المدينة على نحو ميلين، وكذا قول المطري ومن تبعه: بين مشهد حمزة والمدينة ثلاثة أميال ونصف أو ما يقاربه، وإلى جبل أحد نحو أربعة أميال، وقيل: دون الفرسخ، انتهى.
وجه تسمية أحد وحبه
وقال السهيلي: سمي هذا الجبل أحدا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، ولما وقع من أهله من نصر التوحيد.
وللعلماء في معنى قوله ﷺ «يحبنا ونحبه» أقوال:
أحدها: أنه على حذف مضاف، أي أهل أحد، وهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه.
ثانيها: أنه للمسرة بلسان الحال؛ لأنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم بالقرب من أهله، وذلك فعل المحب.
ثالثها: أن الحب من الجانبين على الحقيقة، وأنه وضع فيه الحبّ كما وضع في الجبال المسبحة مع داود، وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: ٧٤] سيما وقد جاء أنه طار من الجبل الذي تجلى الله له كما سبق، وهذا الثالث هو الذي صححه النووي، وقال الحافظ ابن حجر: إن الظاهر أن ذلك لكونه من جبال الجنة، كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعا «جبل أحد يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة» أخرجه أحمد، ولا مانع في جانب الجبل من إمكان المحبة،
стр. 677
كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب «اسكن أحد» الحديث.
وقال الحافظ المنذري: قال البغوي: الأولى إجراء الحديث على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء وأهل الطاعة كما حنّت الأسطوانة لمفارقته ﷺ حتى سمع القوم حنينها، وكما أخبر أن حجرا كان يسلم عليه ﷺ قبل الوحي؛ فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحنّ إلى لقائه، قال المنذري: وهو جيد.
قلت: ويرجحه قوله في الحديث المتقدم «فإذا جئتموه فكلوا من شجره» فإن عيرا يجاوره أهل قباء، ويظهر للقادم من جهة مكة قبل أحد، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال السهيلي: كان النبي ﷺ يحب الفأل الحسن، والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية، ومع ذلك فحركاته الرفع، وذلك مشعر بارتفاع دين الأحد، فتعلق الحب به من النبي ﷺ لفظا ومعنى، فخص بذلك.
وليضف إليه أن المحبة لما تعلقت من الجانبين، وكان المرء مع من أحب، كان هذا الجبل معه ﷺ في الجنة إذا بسّت الجبال بسا.
وأيضا لما انقسم أهل المدينة إلى محب موحّد وهم المؤمنون وإلى منافق مبغض وهم الجاهلون الجاحدون كأبي عامر الراهب وغيره من المنافقين، وكانوا ثلث الناس يوم أحد رجعوا مع ابن أبي ولم يحضروا أحدا؛ انقسمت بقاع المدينة كذلك، فجعل الله تعالى هذا الجبل حبيبا محبوبا كمن حضر به، وجعله معه في الجنة، وخصه بهذا الاسم، وجعل عيرا مبغوضا إن صح الحديث فيه، وجعل بجهته المنافقين من أهل مسجد الضرار فرجعوا من جهة أحد إلى جهته فكان معهم في النار، وخصه باسم العير الذي هو الحمار المذموم أخلاقا وجهلا، والله أعلم.
وروى ابن شبة كما سبق في سكنى اليهود بالمدينة عن جابر بن عبد الله مرفوعا: خرج موسى وهارون ﵉ حاجّين أو معتمرين، حتى إذا قدما المدينة خافا اليهود فنزلا أحدا وهارون مريض، فحفر له موسى قبرا بأحد، وقال يا أخي ادخل فيه فإنك ميت، فدخل فيه، فلما دخل قبضه الله، فحثا موسى عليه التراب.
زعموا أن هارون مدفون بأحد
قلت: بأحد شعب يعرف بشعب هارون، يزعمون أن قبر هارون ﵇ في أعلاه، وهو بعيد حسا ومعنى، وليس ثم ما يصلح للحفر وإخراج التراب. وفي أعلى أحد بناء اتخذه بعض الفقراء قريبا والناس يصعدون إليه، ولم يرد تعيين المحل الذي صعده النبي ﷺ من أحد، نعم ورد صلاته بالمسجد الملاصق به المعروف بمسجد الفتح كما سبق في المساجد.
стр. 678
مزاعم في مواضع من جبل أحد
وقال ابن النجار: وفي جبل أحد غار يذكرون أن النبي ﷺ اختفى فيه، ومسجد يذكرون أنه ﷺ فيه، وموضع في الجبل أيضا منقور في صخرة منه على قدر رأس الإنسان يذكرون أنه ﷺ قعد- يعني على الصخرة التي تحته- وأدخل رأسه هناك، كل هذا لم يرد به نقل فلا يعتمد عليه.
قلت: أما المسجد فقد ثبت النقل به من رواية ابن شبة كما سبق، لكن لم يقف عليه ابن النجار.
وأما الغار فقال المطري: إنه في شماليّ هذا المسجد، والموضع المنقور والصخرة التي تحته بقرب المسجد، وروى ابن شبة عن المطلب بن عبد الله أن النبي ﷺ لم يدخل الغار بأحد.
وسيأتي في ترجمة المهراس قول ابن عباس: ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كان تحت المهراس، ومقتضاه أن الغار بعد المهراس، وسيأتي في ترجمة شعب أحد أن النبي ﷺ انتهى يوم أحد إلى فم الشعب وأسند فيه.
قال ابن هشام: وبلغني عن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يبلغ الدرجة المبنيّة في الشعب، انتهى. وكأن من بناها ظن أن الصخرة التي نهض النبي ﷺ ليعلوها، وجلس له طلحة بن عبيد الله كانت هناك، ولهذا أورده ابن هشام عند ذكرها.
شهادة الرسول ﷺ لشهداء أحد
وروى يحيى أنه لما انكشف الناس يوم أحد وقف رسول الله ﷺ على مصعب بن عمير فقال مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ إلى قوله وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء، فأتوهم وسلموا عليهم، فلن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات والأرض إلا ردّوا عليه، ثم وقف رسول الله ﷺ موقفا آخر فقال: هؤلاء أصحابي الذين أشهد لهم يوم القيامة، فقال أبو بكر: فما نحن بأصحابك؟ فقال: بلى، ولكن لا أدري كيف تكونون بعدي، إنهم خرجوا من الدنيا خماصا.
ورواه الثعلبي المفسر إلا أنه قال: لما انصرف رسول الله ﷺ من أحد مرّ على مصعب بن عمير، فوقف عليه، ودعا له، ثم قرأ، وذكر الآية وما بعدها بنحوه، إلى قوله ثم وقف.
وروى أبو داود والحاكم في صحيحه حديث «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا
стр. 679
عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يكلوا عن الحرب؟ فقال الله تعالى:
أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران: ١٦٩] الآية» .
وفي صحيح البخاري حديث «صلّى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض» .
وروى ابن شبة وأبو داود عن طلحة بن عبيد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نريد قبور الشهداء، حتى إذا أشرفنا على حرّة واقم، فلما تدلينا منها فإذا قبور بمحنية، فقلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: قبور أصحابنا، فلما جئنا قبور الشهداء قال: هذه قبور إخواننا.
زيارة النبي ﷺ وخلفائه قبور الشهداء على رأس كل حول
وروى ابن شبة عن عباد بن أبي صالح أن رسول الله ﷺ كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، قال: وجاءها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، رضي الله تعالى عنهم، فلما قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا جاءهم، قال: وكان النبي ﷺ إذا واجه الشعب قال: سلام عليكم بما صبرتم فنعم أجر العاملين.
وعن أبي جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تزور قبر حمزة رضي الله تعالى عنه ترمّه وتصلحه، وقد تعلمته بحجر.
وروى رزين عنه أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت تزور قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة.
ورواه يحيى بنحوه عن أبي جعفر عن أبيه علي بن الحسين، وزاد: فتصلي هناك وتدعو وتبكي حتى ماتت.
وروى الحاكم عن علي رضي الله تعالى عنه أن فاطمة كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده.
وروى ابن شبة عن ابن عمر أنه قال: من مر على هؤلاء الشهداء فسلّم عليهم لم يزالوا يردون عليه إلى يوم القيامة.
وروى يحيى عن العطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي- وكانت من العوابد- قالت:
ركبت يوما معي غلام حتى جئت إلى قبر حمزة، فصليت ما شاء الله، ولا والله ما في الوادي داع ولا مجيب يتحرك، وغلامي قائم آخذ برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قمت
стр. 680
فقلت: السلام عليكم، وأشرت بيدي فسمعت رد السلام عليّ من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، واقشعرت كل شعري مني، فدعوت الغلام فقلت: هات دابتي، فركبت.
وروى البيهقي في الدلائل من طريق العطاف بن خالد عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة عن أبيه أن النبي ﷺ «زار قبور الشهداء بأحد، فقال: اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء، وأنهم من زارهم أو سلّم عليهم إلى يوم القيامة ردوا عليه» .
وقال العطاف: وحدثتني خالتي أنها زارت الشهداء فسلمت عليهم، فسمعت رد السلام، وقالوا: والله إنا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضا، قالت: فاقشعررت.
وذكر البيهقي أيضا رواية يحيى، وأن الواقدي قال: كانت فاطمة الخزاعية تقول: لقد رأيتني وغابت الشمس بقبور الشهداء ومعي أخت لي، فقلت لها: تعالي نسلم على قبر حمزة، فوقفنا على قبره، فقلنا: السلام عليكم يا عمّ رسول الله ﷺ ، فسمعنا كلاما رد علينا:
وعليكم السلام ورحمة الله، قالت: وما قربنا أحد من الناس.
ثم روى البيهقي عن هاشم بن محمد العمري من ولد عمر بن عليّ قال: أخذني أبي بالمدينة إلى زيارة قبور الشهداء في يوم جمعة بين الفجر والشمس، فكنت أمشي خلفه، فلما انتهى إلى المقابر رفع صوته فقال: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، قال: فأجيب وعليك السلام يا أبا عبد الله، فالتفت أبي إليّ فقال: أنت المجيب؟ فقلت: لا، فجعلني على يمينه، ثم أعاد السلام، ثم جعل كلما سلم يرد عليه، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فخرّ ساجدّا شكرا لله تعالى.
تسمية شهداء أحد
وقد تقدم في غزوة أحد أن الذين أكرمهم الله بالشهادة يومئذ سبعون رجلا، وقيل:
أكثر، وقيل: أقلّ، وقد سرد ابن النجار أسماءهم فتبعته ليسّلم عليهم من شاء بأسمائهم، فقال: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشمّاس بن عثمان، هؤلاء الأربعة من المهاجرين.
ومن الأنصار: عمرو بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن، وسلمة بن ثابت بن وقش، وعمرو بن ثابت بن وقش، وثابت بن وقش، ورفاعة بن وقش، وحسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة، وصيفي بن قيظي بن عمرو، والحباب بن قيظي، وعباد بن سهل، والحارث بن أوس بن معاذ، وإياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن التيهان، ويقال عتيك، وحبيب بن زيد بن تيم، ويزيد بن حاطب بن أمية ابن رافع، وأبو سفيان بن الحارث بن قبس بن زيد، وأنيس بن قتادة، وحنظلة الغسيل ابن
стр. 681
أبي عامر، وأبو حبة بن عمرو بن ثابت أخو سعد بن خيثمة لأمه، وعبيد الله بن جبير بن النعمان وخيثمة أبو سعد بن خيثمة، وعبد الله بن مسلمة، وسبيع بن حاطب بن الحارث، وعمرو بن قيس بن زيد، وابنه قيس بن عمرو، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة، وعمرو بن مطرف بن علقمة، وأوس بن ثابت بن المنذر أخو حسّان بن ثابت، وأنس بن النضر، وقيس بن مخلد، وكيسان مولى بني النجار، وسليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو، وخارجة بن زيد، وسعد بن الربيع، وأوس بن الأرقم بن زيد، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وسعد بن سويد بن قيس، وعلبة بن ربيع بن رافع، وثعلبة بن سعد بن مالك، ونقيب بن فروة بن البدن، وعبد الله بن عمرو بن وهب، وضمرة الجهني حليف لبني طريف. ونوفل بن عبد الله، وعباس بن عبادة بن نضلة ونعمان بن مالك بن ثعلبة، والمحذر بن زياد، وعبادة بن الحسحاس، ورفاعة بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح، وابنه خلاد، وأبو أيمن مولاه، وعبيدة بن عمرو بن حديدة، ومولاه عنترة، وسهل بن قيس بن أبي كعب، وذكوان بن عبد قيس، وعبيد بن المعلى بن لوذان، ومالك بن نميلة، والحارث بن عدي بن خرشة، ومالك بن إياس، وإياس بن عديّ، وعمرو ابن إياس.
فهؤلاء الشهداء السعداء الذين صدقوا القتال بين يدي النبي ﷺ وقاتلوا وقتلوا، رضوان الله عليهم أجمعين.
ولنذكر ما علمناه من خبر قبورهم وتعيينها، فنقول:
سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ومصرعه
قبر حمزة عم رسول الله ﷺ ومن ذكر أنه معه ...
أخرج البخاري أن وحشيّا قال في خبر: فلما خرج الناس عام عينين، وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد، خرجت مع الناس إلى القتال، فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحادّ الله ورسوله ﷺ ؟ ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب، قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين وركيه، فكان ذلك آخر العهد به، ثم ذكر مجيئه للنبي ﷺ يعني لما أسلم- وقوله له: أنت قتلت حمزة؟ قال: قلت: قد كان من الأمر ما بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟
وروى أن النبي ﷺ وقف على حمزة رضي الله تعالى عنه، وقد مثل به، جدع أنفه وأذناه وبقر بطنه عن كبده، فقال ﷺ : «لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته
стр. 682
حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا قط أغيظ إليّ من هذا، ثم قال: جاءني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السّبع «حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله: وأمر به النبيّ ﷺ فسجّي ببردة ثم صلى عليه فكبّر عليه سبعين ودفنه.
واختلاف الروايات في الصلاة على شهداء أحد مشهور، والذي في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ «كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحد قدّمه في اللحد، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم ولم يغسلوا.
ونقل ابن شبة عن عبد العزيز عن ابن سمعان عن الأعرج قال: لما قتل حمزة رضي الله تعالى عنه أقام في موضعه تحت جبل الرّماة، وهو الجبل الصغير الذي ببطن الوادي الأحمر، ثم أمر به النبي ﷺ فحمل عن بطن الوادي إلى الرّبوة التي هو بها اليوم، وكفنه في بردة، وكفن مصعب بن عمير في أخرى، ودفنهما في قبر واحد.
قال عبد العزيز: وسمعت من يذكر أن عبد الله بن جحش بن رئاب قتل معهما، ودفن معهما في قبر واحد، وهو ابن أخت حمزة أمّه أميمة بنت عبد المطلب.
قال عبد العزيز: والغالب عندنا أن مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة، وأنه ليس مع حمزة أحد في القبر.
قلت: ينبغي أن يسلم عليهما مع حمزة بمشهده؛ لأنهما إن لم يكونا معه فبقربه، ولعل المشهد اليوم أوسع من ذلك المسجد، وسبق في المساجد ذكر المسجد الذي بمصرع حمزة رضي الله تعالى عنه، والمسجد الذي في جهة قبلته بطرف جبل الرّماة، وما جاء فيهما.
عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام
قبر عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله، ومن ذكر معهما.
روى مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السّلميين كانا في قبر واحد، وكانا ممن استشهد يوم أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيرا عن مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
وقال مالك: إن عمرو بن الجموع وعبد الله بن عمرو كفنا في كفن واحد وقبر
стр. 683
واحد، رواه ابن شبة، ثم روى بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال:
دفن مع أبي رجل يوم أحد في القبر فلم تطب نفسي حتى أخرجته فدفنته على حدة.
قلت: يحتمل أن سبب الإخراج ما تقدّم من أمر السيل، ووافق ذلك ما في نفس جابر؛ فتكون القصة واحدة، لكن روى البخاري في صحيحه خبر جابر مطولا، وفيه ما لفظه «قال: ودفنت معه آخر في قبره، فلم تطب نفسي أن أتركه مع أحد، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير هنية عند أذنه» .
فقوله: «بعد ستة أشهر» يقتضي أن ذلك ليس هو قصة أمر السيل؛ لأن المدة في تلك ست وأربعون سنة.
وروى ابن شبة عن جابر أيضا قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، فأتيناهم فأخرجناهم رطابا تتثنّى أجسادهم، قال سعيد بن عامر أحد رواته: وبين الوقتين أربعون سنة.
وقال ابن إسحاق: حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن رسول الله ﷺ قال- حين أصيب عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو يوم أحد- اجمعوا بينهما؛ فإنهما كانا متصافيين في الدنيا، قال أبي: فحدثني أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء استصرخنا عليهم، وقد انفجرت العين عليهما في قبورهما، فجئنا فأخرجناهما وعليهما بردتان قد غطّى بهما وجوههما، وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنيا كأنهما دفنا بالأمس، نقله البيهقي في دلائل النبوة.
وعن جابر من حديث طويل قال: فبينا أنا في النظارين إذا جاءت عمّتي بأبي وخالتي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي أن النبي ﷺ أمركم أن ترجعوا بالقتلى، فيدفنوا في مصارعهم حيث قتلوا، فرجعناهما، فدفنّاهما حيث قتلا، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر، لقد أثار أباك عمال معاوية، فخرج طائفة منه، فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتال، فواريته، الحديث، رواه أحمد برجال الصحيح خلا نبيح الغنوي وهو ثقة.
قلت: فهذه قصة ثالثة؛ فيؤخذ من مجموع ذلك أن جابرا حفر عن أبيه ثلاث مرات:
الأولى: لعدم طيب نفسه بدفنه مع غيره، ولعله استأذن النبي ﷺ في ذلك فأذن له؛ لما يترتب عليه من ظهور ما يشهد لحياة الشهداء وسلامة أبدانهم، وكان دفنهم مجتمعين للضرورة واتساع الوقت ففعله، وكأنه لما أخرجه دفنه بإزاء قبر صاحبه وصهره محافظة على القرب من مصرعه، فقد جاء الأمر بدفنهم في مصارعهم.
стр. 684
والثانية: لما أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه العين، وكان في ذلك أيضا ظهور المعجزة بحياة الشهداء، فقد أسند ابن الجوزي في مشكله عن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه العين، فأخرجناهم بعد أربعين سنة تتثنّى أطرافهم لينة أجسادهم، وفي بعض طرقه: كأنهم نوّم، حتى أصابت المسحاة قدم حمزة بن عبد المطلب فانبعث دم.
والثالث: لحفر السيل عنه وعن صاحبه.
وقد روى الواقدي أن قبرهما كان مما يلي السيل، فحفر عنهما وعليهما نمرتان، وعبد الله قد أصابه جرح في يده فيده على جرحه فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم، فردت إلى مكانها فسكن الدم، قال جابر: فرأيت أبي في حفرته فكأنه نائم، وبين ذلك ست وأربعون سنة.
قال: ويقال: إن معاوية لما أراد أن يجري الكظامة نادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل بأحد فليشهد، فخرج الناس إلى قتلاهم، فوجدوهم رطابا يثنون، فأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانبعث دم، فقال أبو سعيد الخدري: لا ينكر بعد هذا منكر، ووجد عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد فنقلا، وذلك أن القناة كانت تمر على قبرهما، ولقد كانوا يجهزون التراب فحفروا ثره من تراب فاح عليهم ريح المسك.
قلت: وفيه مخالفة لما تقدم عن الصحيح؛ لاقتضائه بقائهما في قبر واحد حتى كان إجراء العين، وفي ذلك كله ظهور المعجزة، وهو السر في تكرر ذلك.
وروى ابن شبة عن أبي قتاة قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله تراني أمشي برجلي هذه في الجنة؟
قال: نعم، وكانت عرجاء، فقتل يوم أحد هو وابن أخيه، فمر النبي ﷺ فقال: كأني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، وأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.
قال أبو غسان: قال الواقدي: مع عمرو في القبر خارجة بن زيد، وسعد بن الربيع، والنعمان بن مالك، وعبد الله بن الحسحاس، قال أبو غسان: وقبرهم مما يلي المغرب من قبر حمزة رضي الله تعالى عنه نحو خمسمائة ذراع.
قال: وأما ما يعرف اليوم من قبور الشهداء فقبر حمزة بن عبد المطلب، وهو في عدوة الوادي الشامية مما يلي الجبل، وقبر عبد الله بن حرام أبي جابر ومعه عمرو بن الجموح أي في الموضع المتقدم وصفه، وقبر سهل بن قيس بن أبي كعب بن القين بن كعب بن سواد من بني سلمة وهو دبر قبر حمزة شاميا بينه وبين الجبل.
стр. 685
قال: فأما القبور التي في الحظار بالحجارة بين قبر حمزة وبين الجبل فإنه بلغنا أنها قبور أعراب أقحموا زمن خالد إذ كان على المدينة فماتوا هناك فدفنهم، سؤّال كانوا يسألون عند قبور الشهداء.
قال: وقال الواقدي: هم ماتوا زمن الرّمادة.
قلت: زمن الرمادة عام جدب مشهور، كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وأما زمن خالد فيعني به خالد بن عبد الملك بن الحارث، كان واليا لهشام بن عبد الملك فقحط المطر في ولايته سبع سنين، وفيها جلا الناس من بادية الحجاز إلى الشام، ولا يعرف اليوم من قبور الشهداء غير قبر حمزة رضي الله تعالى عنه كما قاله ابن النجار.
قال: وأما بقية الشهداء فهناك حجارة مرصوصة يقال: إنها قبورهم.
قلت: ينبغي أن يسلم على بقيتهم عند قبر حمزة وفي غربيه وشاميه على النحو المتقدم.
وقال المطري ومتابعوه: وشمالي مشهد حمزة رضي الله تعالى عنه آرام من حجارة يقال:
إنها من قبور الشهداء، ولم يثبت ذلك بنقل صحيح.
وقد ورد في بعض كتب المغازي أن هذه القبور قبور أناس ماتوا عام الرّمادة، ولا شك أن قبور الشهداء رضي الله تعالى عنهم حول قبر حمزة؛ إذ لا ضرورة أن يبعدوا عنه، انتهى.
قلت: قد تقدم النقل ببعد بعضهم عنه على نحو خمسمائة ذراع في المغرب، والمقتضى للبعد الأمر بدفنهم في مصارعهم، والقبور التي قيل إنها ليست قبورهم هي التي عليها حائز قصير من الأحجار قرب الجبل.
من دفن بالمدينة من قتلى أحد
ذكر قبور من قيل إنه نقل من شهداء أحد ودفن بقبره
قال ابن إسحاق: وكان ناس من المسلمين قد احتملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا.
وتقدم في فصل مقبرة بني سلمة ما روى من دفن بعض قتلى أحد بها، منهم أبو عمرو بن سكن.
وتقدم في فصل قبل هذا أن خنيس بن حذافة تأخرت وفاته فمات بالمدينة، ودفن عند عثمان بن مظعون.
وروى ابن شبة عن عبد الرحمن بن عمران عن أبيه قال: نقلنا عبد الله بن سلمة والمحذر بن زياد فدفناهما بقباء.
стр. 686
وقال عبد العزيز: إن رافع بن مالك الزرقي قتل بأحد فدفن في بني زريق، قال:
وقيل: إن موضع قبره في دار آل نوفل بن مساحق التي في بني زريق التي في كتّاب عروة.
وعن أبي سعيد الخدري قال أمر رسول الله ﷺ من نقل من شهداء أحد إلى المدينة أن يدفنوا حيث أدركوا، فأدرك أبي مالك بن سنان عند أصحاب العباء فدفن، ثم قال ابن أبي فديك: فقبره في المسجد الذي عند أصحاب العباء في طرف الحناطين.
ورواه ابن زبالة بنحوه، إلا أنه قال: فوافوه بالسوق، فدفن مالك عند مسجد أصحاب العباء، وهناك أحجار الزيت.
قلت: وقد قدمنا بيان مشهده في المشاهد، ولكن روى الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم، فجاءنا منادي رسول الله ﷺ ، فأمرنا بدفن القتلى في مصارعهم، فرددناهم، وليحمل على من لم يبلغوا به المدينة، والله أعلم.
стр. 687
الباب السادس في آبارها المباركات، والعين، والغراس، والصّدقات
التي هي للنبي ﷺ منسوبات، وما يعزى إليه ﷺ من المساجد، والمواضع التي صلّى فيها في الأسفار والغزوات، وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول في آبارها المباركات
ورتبتها على حروف المعجم، معتمدا للأول فالأول من الاسم الذي تضاف إليه البئر، وختمته بتتمة في العين المنسوبة للنبي ﷺ ، والعين الموجودة اليوم، وغيرهما:
بئر أريس- بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وإهمال آخره- نسبة إلى رجل من يهود يقال له أريس، ومعناه بلغة أهل الشام الفلّاح.
روينا في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقال: لألزمنّ رسول الله ﷺ ، ولأكوننّ معه يؤمى هذا، فجاء إلى المسجد، فسأل عن رسول الله ﷺ ، فقالوا: خرج، وجّه هاهنا، قال: فخرجت على أثره أسأل عنه، حتى دخل بئر أريس، قال: فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسّط قفها «١» وكشف عن ساقيه ودلّاهما في البئر، قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت:
لأكوننّ بواب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، قال: ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل أبو بكر وجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلّى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت النبي ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلّى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يعني أخاه يأت به، فجاء إنسان فحرّك
стр. 688
الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، قال: وجئت النبيّ ﷺ فأخبرته فقال: ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه، فجئت فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاههم من الشق الآخر، قال شريك: فقال سعيد بن المسيب: فأوّلتها قبورهم.
قلت: وسيأتي في ترجمة الأسواق واقعة مثل هذه كان البواب فيها بلالا.
وروى أحمد والطبراني من وجوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قصة نحوها أيضا كان هو البواب فيها، وقال: بحشّ من حشان المدينة، وبعض أسانيدها رجاله رجال الصحيح، ولا مانع من تعدد ذلك.
وقد غاير رزين بين بئر أريس وبين البئر التي وقع الجلوس بقفها، فقال في ذكر الآبار المعروفة بالمدينة: بئر أريس التي سقط فيها الخاتم، وبئر القف التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها، وذكر بقية الآبار.
وروينا في صحيح البخاري من حديث أنس قال: كان خاتم رسول الله ﷺ في يده وفي يد أبي بكر بعده وفي يد عمر بعد أبي بكر، قال فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به، فسقط، فقال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فنزح البئر فلم نجده، وفي مسند الحميدي عن ابن عمر أنه سقط مع معيقيب، وثبت ذلك من روايته في صحيح مسلم.
ورواه ابن زبالة عنه في الشك، فقال: فهو الخاتم الذي سقط من عثمان أو من معيقيب في بئر أريس.
وروى عنه النسائي وابن شبة واللفظ له حديث اتخاذ النبي ﷺ خاتمه من الورق، ونقشه فيه «محمد رسول الله» وصيرورته في يد عثمان سنين من عمله، ثم قال فيه: فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار فكان يختم به، فخرج إلى قليب لعثمان فوقع فيها، فالتمس فلم يوجد، فأمر بخاتم من ورق فعمل عليه، ونقش «محمد رسول الله» .
ومعيقيب دوسي من أصحاب الهجرتين، لكن قد يوصف المهاجري بالأنصاري بالمعنى الأعم، والجمع بأن نسبة السقوط إلى عثمان رضي الله تعالى عنه محاذية لنيابة معيقيب عنه بعيد جدّا؛ لقوله في رواية البخاري السابقة «فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط» .
وكان سقوطه بعد ست سنين من خلافته، وكان فيه سر مما كان في خاتم سليمان ﵊؛ لذهاب ملكه عند فقده، ولما فقد عثمان الخاتم انتقض عليه الأمر، وخرج عليه من خرج، وكان ذلك مبتدأ الفتنة المتصلة إلى آخر الزمان.
وروى ابن زبالة عن ابن كعب القرظي قال: سقط- يعني الخاتم- من عثمان في بئر
стр. 689
الخريف التي في بئر أريس، فعلّق عليها اثني عشر ناضحا فلم يقدر عليه حتى الساعة، فاقتضى أنه لم يكن في بئر أريس نفسها، ولهذا نقل ابن شبة عن ابن غسان سقوط الخاتم في بئر أريس وأنه قال: وقد سمعت من يقول: إنما سقط في بئر في صدقته يقال لها بئر خريف أي من آبار المال المسمى ببئر أريس؛ لأن ابن شبة قال أيضا: قال أبو غسان: ابتاع عثمان بئر أريس وفيها مال يقال له الدومة، ابتاعه من حي من الأنصار وفيه سهمه الذي أعطاه رسول الله ﷺ من أموال بني النضير، وفيها كيدمة مال لعبد الرحمن بن عوف، ثم روى أن عبد الرحمن بن عوف باع كيدمة من عثمان بأربعين ألف دينار، وأمر عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح فدفعها إليه، وأنه تصدق بها على أمهات المؤمنين وغيرهن.
وفي رواية أن عبد الرحمن أوصى بكيدمة لأمهات المؤمنين، فبعنها من عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
ثم قال: قال أبو غسان: وأما أريس الذي نسب إليه المال فإن عبد العزيز بن عمران حدثني عن عنبس العقبي قال: أريس رجل من يهود بني محمم، وكان له ذلك المال، وفيه بئر عاضر التي يقول فيها اليهودي:
أمرت بلالا أن يعلق دلوه ... على الأعليين اليوم من بئر عاضر
فجمعها عثمان رضي الله تعالى عنه في حظار واحد، وهي سبعة أموال، فتصدق بها، قال: فحدث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه عن جده قال: دخل علينا عثمان بئر أريس، وقد لفقنا له عذقا منها، فقال: ما هذا؟ فقلنا: لفقناه لك يا أمير المؤمنين، قال: إنما تصدّقت بها على ذوي القربى والفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل، حتى العافية عافية الطير والسباع، قال: وقد كان لصدقة عثمان رضي الله تعالى عنه فيما بلغني ذكر في حجر منقوش على باب بئر أريس فطرحه بعض ولاة المدينة في بئر من تلك الآبار، انتهى ما نقله ابن شبة عن أبي غسان ملخصا.
وسيأتي في ترجمة كيدمة أنها سهم عبد الرحمن بن عوف من بني النضير، وأن بقرب المشرية والجرع المعروف بالحسينات موضع يعرف بكيادم بلفظ الجمع، والدومة معروفة اليوم بالعالية قرب بني قريظة، وبقربها موضع يعرف بالدويمة أيضا.
وهذا يشكل على ما هو معروف اليوم، وبه صرح ابن النجار كالغزالي، وتبعه من بعده، من أن بئر أريس هي المقابلة لمسجد قباء في غربيه، ويزيد الإشكال قوة أن بني النضير وبني محمم لم يكونوا بقباء، بل بجهة الدومة المذكورة وما والاها، كما يعلم مما تقدم في المنازل.
وكنت قد أجبت عن ذلك باحتمال أن يكون بعض أموالهم كان بقباء وأن يكون منها ما يسمى بالدومة وبكيدمة في تلك الجهة ثم نسي تسميته بذلك.
стр. 690
ثم رأيت في كلام ابن زبالة ما يردّ ذلك، ويزيد الإشكال قوة فإنه قال في صدقات النبي ﷺ ما لفظه: وأما الدلال والصافية فإنهما يشربان من سرح عثمان بن عفان الذي يشقّ من مهزور في أمواله، يأتي على أريس وأسفل منه حتى يتبطّن السورين، فصرفه- أي عثمان رضي الله تعالى عنه- مخافة على المسجد في بئر أريس، ثم في عقد أريم في بلحارث بن الخزرج، ثم صرفه إلى بطحان، انتهى.
والموضع المعروف بقباء لا يمكن وصول شيء من مهزور إليه، كما يعلم مما سيأتي في وصف وادي مهزور، فالله أعلم.
من فضل بئر أريس
قال المجد: ومما يذكر في فضل بئر أريس ما رويناه عن زيد بن خارجة أنه عاش بعد الموت وذكر أمورا: منها ما يدل على فضل هذه البئر، وسياق الخبر عن النعمان بن بشير قال: لما توفي زيد بن خارجة انتظر به خروج عثمان، فكشف الثوب عن وجهه وقال:
السلام عليكم، قال: وأنا أصلّي، فقلت: سبحان الله، فقال: أنصتوا أنصتوا، محمد رسول الله، كان ذلك في الكتاب الأول، صدق صدق صدق، أبو بكر الصديق، ضعيف في جسده قوي في أمر الله كان ذلك في الكتاب الأول، صدق صدق صدق، عمر بن الخطاب، قوي في أمر الله كان ذلك في الكتاب الأول، صدق صدق صدق، عثمان بن عفان، اثنتان وبقي أربع، وأبيحت إلا حمى بئر أريس وماء بئر أريس.
وقد رويت هذه القصة من وجوه عن النعمان بن بشير، ذكره الذهبي في التذهيب.
قلت: رواها ابن شبة بنحوه، إلا أنه قال في آخرها: بئر أريس اختلف الناس، ارجعوا إلى خليفتكم فإنه مظلوم.
وقال في رواية أخرى: ثم قال: أخذت بئر أريس، ثم خفت الصوت.
وروى البيهقي في دلائل النبوة هذه القصة من وجوه، وقال في بعضها: إسناده صحيح، وفسر قوله «اثنتان» بأن ذلك كان بعد مضي سنتين من خلافة عثمان، والأربع البواقي من خلافته، والأمر في بئر أريس سقوط خاتم النبي ﷺ فيها بعد ست سنين من خلافة عثمان، فعند ذلك تغيرت علمه، وظهرت أسباب الفتن، انتهى.
قال المجد: وفي الإحياء للغزالي أن النبي ﷺ «تفل في بئر أريس» ولم أجد ذلك عند غيره، وأعاد المجد ذكر بئر أريس في ترجمة قباء وقال: إنها التي تفل فيها النبيّ ﷺ فعذبت بعد أن كان ماؤها أجاجا، ولم ينسبه للغزالي، وهو في ذلك متابع لابن جبير في رحلته.
وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: إنه لم يقف على أصل الحديث في تفله ﷺ في بئر أريس.
стр. 691
قلت: ومن الغريب قول ابن جماعة في مناسكه الكبرى في باب الفضائل «فضل بئر أريس: قد صحّ أن سيدنا رسول الله ﷺ تفل فيها، وأنه سقط فيها خاتمه» انتهى.
وخرج البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد أنه حدثه أن أنس بن مالك ﵁ أتاهم بقباء يسأله عن بئر هناك، فدللته عليه، فقال: لقد كانت هذه وإنّ الرجل لينضح على حماره فتنزح فيستخرجها له، فجاء رسول الله ﷺ فأمر بذنوب فسقي، فإما أن يكون توضأ منه أو تفل فيه، ثم أمر به فأعيد في البئر، فما نزحت بعد، فرأيته ﷺ بال ثم جاء فتوضأ ومسح على خفّيه ثم صلّى، لكن سيأتي في بئر غرس ما يبين أنها المرادة بذلك، ولم يعد ابن شبة ولا ابن زبالة بئر أريس في الآبار التي كان استقى منها للنبي ﷺ ، وإنما ذكرها ابن شبة في صدقة عثمان، وذكر سقوط الخاتم فيها مع ما تقدم.
وهذه البئر المعروفة اليوم بقباء من أعذب آبار المدينة.
ذرع بئر أريس
وذكر ابن النجار أنه ذرع طولها فكان أربعة عشر ذراعا وشبرا، منها ذراعان ونصف ماء، وعرضها خمسة أذرع، قال: وطول قفها الذي جلس عليه النبي ﷺ وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفا، قال: وهي تحت أطم عال، خراب من جهة القبلة، وقد بنى في أعلاه مسكن.
قال المطري، عقب ذكره أن ذلك المسكن يسكنه من يقوم بالحديقة ويخدم مسجد قباء.
قلت: وهو اليوم بيد المتكلم على الحديقة صاحبنا الشيخ برهان الدين القطان، ووقع بينه وبين صاحبنا الفخر العيني مشاجرة بسببه وسبب البئر؛ لأن الفخر بيده قطعة تحت الحصن المذكور وقطعة أخرى في مقابلة المسجد أنشأها بعض أقاربه هناك، ثم اصطلحا على السّقى بالبئر المذكورة واستمرار الحصن بيد البرهان، ثم رفعوا قف البئر عما أدركناه عليه نحو ثلاثة أذرع، وذلك لما بنى متولي العمارة السبيل والبركة المقابلين لمسجد قباء المتقدم ذكرهما فيه، وذلك ليتأتى وصول الماء إلى البركة، وصار طول هذه البئر اليوم على ما ذرعته تسع عشرة ذراعا ونصف ذراع، منها أربعة أذرع ماء، وذلك بعد تبحيرها.
ولهذه البئر درجة ذكرها المطري، فقال: وقد حدّد الشيخ صفي الدين أبو بكر بن أحمد السلامي لهذه البئر درجا ينزل إليها منه من يريد الوضوء والشرب من الزوار سنة أربع عشرة وسبعمائة، انتهى. وهو مخالف لقول البدر ابن فرحون في ترجمة نجم الدين يوسف الرومي وزير الأمير طفيل: إنه هو الذي أنشأ الدرجة الموجودة اليوم لبئر أريس بقباء عمرها في سنة أربع عشرة وسبعمائة، قال: وكان الجماعة الحزازون قد ابتدؤوا في عمارتها فسألهم أن يتركوا ذلك له ليفوز بحسنتها، وكان الحامل لهم على ذلك أنهم كانوا إذا جاؤوا إلى
стр. 692
مسجد قباء لا يجدون ما يتوضؤون به، إلا من الحديقة الجعفرية، فكانوا يتحرّجون من دخولها لما سمعوا أنها مغصوبة من ملاكها، انتهى.
وجمع المجد بأنّ الظاهر أن نجم الدين المذكور أنشأ الدرجة وتشعثت، فأصلحها صفي الدين وجددها.
قلت: ويرده اتخاذ التاريخ كما سبق. والذي يظهر: أن جماعة الخرازين- كما ترجمهم به البدر- كانوا يسعون في عمارة المساجد وغيرها، وكانوا فقراء؛ فيعينهم الخدم، وأهل الخير، وكان صفي الدين له دنيا عظيمة فتخلى عنها، وله معروف فكأنه هو الممد للخرازين بما صرفوا على عمارة الدرج، وكان المطري يصحب الجميع، فالظاهر أنه اطّلع على ذلك، ثم أتم نجم الدين عمارة تلك الدرجة والله أعلم.
بئر الأعواف، أحد صدقات النبي ﷺ الآتية
روى ابن شبة عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: توضأ رسول الله ﷺ على شفة بئر الأعواف صدقته، وسال الماء فيها، ونبتت ثابتة على أثر وضوئه ﷺ ، ولم تزل فيها حتى الساعة.
وروى ابن زبالة عن عثمان بن كعب قال: طلب رسول الله ﷺ سارقا، فهرب منه، فنكبه الحجر الذي وضع بين الأعواف صدقة النبي ﷺ وبين الشطبية مال ابن عتبة، فوقع السارق، فأخذه رسول الله ﷺ ، وبرّك رسول الله ﷺ في الحجر ومسّه ودعا له، فهو الحجر الذي فيما بين الأعواف والشطبية يطلع طرفه يمسه الناس.
قلت: والأعواف اليوم اسم لجرع كبير في قبلة المربوع، وفي شاميه خنافة، وفيه آبار متعددة؛ فلا تعرف البئر المذكورة منها، وكذلك الحجر؛ لأن الشطبية غير معروفة اليوم، ولعلها الموضع المعروف بالعتبى؛ لقوله في الرواية المتقدمة: مال ابن عتبة، والعتبى بجنب الأعواف من المشرق، فإن كان هو الشطبية فبئر الأعواف هي البئر التي فيها يلي خنافة من جرع الأعواف، وهي اليوم معطلة لا ماء بها، ويستأنس لذلك بما نقله ابن زبالة من أن الأعواف كانت لخنافة اليهودي جد ريحانة رضي الله تعالى عنها.
ولم يذكر المطري ومن تبعه هذه البئر ولا الغلالة بعدها؛ لسكوت ابن النجار عنها.
بئر أنا: بضم الهمزة وتخفيف النون كهنا، وقيل: بالفتح وكسر النون المشددة بعدها مثناة تحتية، وقيل: بالفتح والتشديد كحتّى، وضبطه في النهاية بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة كحتى، ذكره في القاموس أيضا، وذكره ياقوت في المشترك له، وقال: كذا هو مضبوط بخط أبي الحسين بن الفرات، ثم قال: وذكر آخرون أنها بئر أنا بضم الهمزة والنون الخفيفة.
стр. 693
روى ابن زبالة عن عبد الحميد بن جعفر قال: ضرب رسول الله ﷺ قبته حين حاصر بني قريظة على بئر أنا، وصلّى في المسجد الذي هناك، وشرب من البئر، وربط دابته بالسّدرة التي في أرض مريم ابنة عثمان.
وقال ابن إسحاق: لما أتى رسول الله ﷺ بني قريظة نزل على بئر من آبارها، وتلاحق به الناس، وهي بئر أنا.
قلت: وهي غير معروفة اليوم، وناحية بني قريظة عند مسجدهم
بئر أنس بن مالك بن النضر: وتضاف أيضا لأبيه.
وروى ابن زبالة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ استسقى، فنزع له دلو من بئر دار أنس، فسكب على اللبن فأتى به فشرب، وعمر بين يديه وأبو بكر عن يساره، وأعرابي عن يمينه، الحديث، وهو في الصحيح عن أنس بلفظ: أتانا رسول الله ﷺ في دارنا هذه، فاستسقى. فحلبنا شاة لنا ثم شبته من بئرنا هذه فأعطيته، الحديث.
وروى ابن شبة عن أنس أن النبي ﷺ شرب من بئر أنس التي في دار أنس.
وخرج أبو نعيم عن أنس أن النبي ﷺ بزق في بئر داره، فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها، قال: وكانوا إذا حوصروا استعذب لهم منها، وكانت تسمى في الجاهلية البرود.
قلت: وهي غير معروفة اليوم، لكن تقدم عن ابن شبة في البلاط أنه كان له سرب يخرج عند دار أنس بن مالك في بني جديلة، وتقدم في بيان المحلّ الذي ضرب منه اللبن للمسجد النبوي أن البئر المعروف اليوم بالرباطية وقف رباط اليمنة في شامي الحديقة المعروفة بالرومية بقرب دار فحل يتبرك بها الفقراء، كما ذكره الزين المراغي، وقال: إنها تعرف ببئر أيوب، وكذلك البئر ذات الدرج التي في شرقيها في الحديقة المعروفة بأولاد الصفي تعرف ببئر أيوب أيضا.
قلت: والمعروف اليوم ببئر أيوب إنما هي الثانية، والظاهر أنها بئر أبي أيوب الأنصاري، وأما الأولى فالظاهر أنها بئر أنس؛ لأنها في جهة السرب الذي ذكره ابن شبة قرب منازل بني جديلة، ولتبرك الناس بها قديما، ولأنها عذبة الماء بحيث يشرب منها كثير من أهل تلك الجهة أيام النقلة في الصيف، وسيأتي في بئر السقيا أنه كان يستعذب للنبي ﷺ الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس.
وروى ابن شبة عن أنس في ذكر بئره قال: كان في داري بئر تدعى في الجاهلية البرود، كان الناس إذا حوصروا شربوا منها.
واعلم أن أنس بن مالك بن النضر بن عدي بن النجار قد روى أهل السير أن النبي ﷺ لما بلغ من العمر ستّ سنين خرجت به أمه إلى طيبة تزيره أخواله من بني عدي بن النجار، قال ﷺ : فأحسنت العوم في بئرهم.
стр. 694
بئر إهاب: وفي نسخة لابن زبالة «بئر الهاب» والأول هو الصواب الذي اعتمده المجد.
روى ابن زبالة عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ أتى بئر إهاب بالحرة وهي يومئذ لسعد بن عثمان، فوجد ابنه عبادة بن سعد مربوطا بين القرنين يفتل، فانصرف رسول الله ﷺ ، فلم يلبث سعد أن جاء فقال لابنه: هل جاءك أحد؟ قال: نعم ووصف له صفة رسول الله ﷺ ، فقال: ذاك رسول الله ﷺ فالحقه وحلّه، فخرج عبادة حتى لحق رسول الله ﷺ ، فمسح رسول الله ﷺ على رأس عبادة وبرك فيه، قال: فمات وهو ابن ثمانين وما شاب، قال: وبصق رسول الله ﷺ في بئرها.
قال: وقال سعد بن عثمان لولده: لو أعلم أنكم لا تبيعونها لقبرت فيها، فاشترى نصفها إسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل، وابتنى عليها قصره الذي بالحرة مقابل حوض ابن هشام، وابتاع نصفها الآخر إسماعيل بن أيوب بن سلمة، وتصدقا بما ابتاعا من ذلك.
قلت: وهي المذكورة في حديث أحمد المتقدم في بدء شأن المدينة وما يؤول إليه أمرها، لقوله فيه «خرج حتى أتى بئر الإهاب، قال: يوشك أن يأتي البنيان هذا المكان» .
وفي حديث عبادة الزرقي أنه يصيد القطا فيرقى بئر إهاب، وكانت لهم، الحديث المتقدم في صيد الحرم، وهي بالحرة الغربية بئر، غير أنها لا تعرف اليوم بهذا الاسم، إلا أن حوض ابن هشام الذي في مقابلتها كان عند فاطمة بنت الحسين التي رجّح المطّري أنها المسماة اليوم بزمزم كما سيأتي أيضا في خبر بئر فاطمة المذكورة، فلما بنى إبراهيم بن هشام داره بالحرة بعد وفاة فاطمة وأراد نقل السوق إليها صنع في حفرته التي بالحوض مثل ما صنعت فاطمة، فلقي جبلا، فسأل إبراهيم بن هشام بن عبد الله بن حسن بن حسن أن يبيعه دار فاطمة، فباعه إياها، أي من أجل البئر التي احتفرتها فاطمة في دارها.
وقال المطري: إن ابن زبالة ذكر عدة آبار أتاها النبي ﷺ وشرب منها وتوضأ، لا نعرف اليوم شيئا منها.
قال: ومن جملة ما ذكر بئر بالحرة الغربية في آخر منزلة النقاء، وذكر ما سيأتي في بئر السقيا.
ثم قال ما لفظه: ومنها بئر أخرى إذا وقفت على هذه- يعني بئر السقيا- وأنت على جادّة الطريق وهي- يعني السقيا- على يسارك كانت هذه على يمينك، ولكنها بعيدة عن الطريق قليلا في سند من الحرة قد حوّط حولها ببناء مجصّص، وكان على شفيرها حوض من حجارة تكسر، ولم يزل أهل المدينة قديما وحديثا يتبركون بها، ويشربون من مائها، وينقل إلى الآفاق منها، كما ينقل من ماء زمزم، ويسمونها زمزم أيضا لبركتها.
стр. 695
ثم قال: ولم أعلم أحدا ذكر فيها أثرا يعتمد عليه، والله أعلم أيتهما هي السقيا؟ الأولى لقربها من الطريق، أم هذه لتواتر التبرك بها؟ أو لعلها البئر التي احتفرتها فاطمة ابنة الحسين حين أخرجت من بيت جدتها فاطمة الكبرى، وذكر القصة الآتية في حفرها لبئرها، ثم قال: إن الظاهر أن هذه هي بئر فاطمة، والأولى هي السقيا.
قلت: قوله «إن الأولى هي السقيا» هو الصواب كما سيأتي، وأما قوله «إن الثانية هي بئر فاطمة» فعجيب؛ لأن مقتضى قوله ومنها أنها من جملة الآبار التي ذكر ابن زبالة أن النبي ﷺ أتاها وشرب منها، وبئر فاطمة بنت الحسين هي التي احتفرتها بعد النبي ﷺ ، وإنما ذكرها ابن زبالة في خبر بناء المسجد، وذكر في آبار النبي ﷺ ما قدمناه في بئر إهاب مع بئر السقيا وغيرهما من الآبار، ثم أفردهما ثانيا في سياق ما جاء في الحرة الغربية، وأيضا فقد ذكر المطري أن البئر المذكورة لم تزل يتبرك بها قديما وحديثا، وينقل منها الماء إلى الآفاق، فكيف ترجّح أنها المنسوبه لابنة الحسين مع وجود بئر في تلك الجهة ينسب إلى النبي ﷺ إتيانها والبصق فيها؟ فالذي ترجّح عندي أن هذه البئر المعروفة بزمزم هي بئر إهاب، وقد رأيت عندها مع طرف الجدار الذي بجانبها الدائر على الحديقة آثار قصر قديم كان مبنيّا عليها الظاهر أنه قصر إسماعيل بن الوليد الذي ابتناه عليها، وفي شاميها بئر أخرى في الحديقة المذكورة يحتمل أنها هي المنسوبة لابنة الحسين، ولعل حوض ابن هشام كان هناك، والله أعلم.
بئر البصّة: - بضم الموحدة وفتح الصاد المشددة آخره هاء، كانها من بصّ الماء بصّا رشح، كذا قاله المجد- قال: وإن روى بالتخفيف فمن وبص يبص وبصا وبصة كوعد يعد وعدا وعدة إذا بلغ، أو من وبص لي من المال أي أعطاني.
قلت: المعروف بين أهل المدينة التخفيف.
وروى ابن زبالة وابن عدي من طريقه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الشهداء وأبناءهم، ويتعاهد عيالاتهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدري فقال: هل عندك من سدر أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟ قال: نعم، فأخرج له سدرا، وخرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله ﷺ رأسه، فصب غسالة رأسه ومراقة شعره في البصة.
قال ابن النجار: وهذه البئر قريبة من البقيع على طريق الماضي إلى قباء، وهي بين نخل، وقد هدمها السيل وطمّها، وفيها ماء أخضر، وقفت على قفّها، وذرعت طولها، فكان أحد عشر ذراعا، منها ذراعان ماء، وعرضها سبعة أذرع، وهي مبنية بالحجارة، ولون مائها إذا انفصل منها أبيض، وطعمه حلو، إلا أن الأجون غلب عليه. وذكر لي الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمّها السيل، اه.
стр. 696
وقد أصلحت بعده، ولذا قال المطري: إنها في حديقة كبيرة محوط عليها محائط، وعندها في الحديقة أيضا بئر أصغر منها، والناس يختلفون فيهما أنهما بئر البصة، إلا أن ابن النجار قطع بأنها الكبرى القبلية، وذكر ما تقدم عنه في طولها وعرضها، ثم قال: والصغرى عرضها ستة أذرع، وهي التي تلي أطم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما. قال: وسمعت من أدركت من أكابر الخدام وغيرهم من أهل المدينة يقولون:
إنها الكبرى القبلية، وإن الفقيه الصالح القدوة أبا العباس أحمد بن موسى بن عجيل وغيره من صلحاء اليمن إذا جاؤوا للتبرك بالبصة لا يقصدون إلا الكبرى القبلية.
قلت: الظاهر أن ذلك كله ناشئ عما ذكره ابن النجار في وصفها، لكن يرجّح أنها الصغرى كونها إلى جانب الأطم المذكور، وقد قال فيه ابن زبالة كما تقدم في المنازل: إنه المسمى بالأجرد، وإنه الذي يقال لبئره البصة، كان لمالك بن سنان، والكبرى بعيدة عن الأطم المذكور.
وقد ابتنى قاضي المدينة زكي الدين بن أبي الفتح بن صالح تغمده الله برحمته على محلّ هذا الأطم منزلا حسنا، وجعل للبئر الصغرى درجا ينزل إليها منه، وعمر البئر الكبرى أيضا لما استأجر الحديقة لولده بعد أن أجرها هو وشريكه في النظر في الولاية السلطانية لغيره، وهي من جملة أوقاف الفقراء، وقفها شيخ الخدام عزيز الدولة ريحان البدري الشهامي على الفقراء الواردين والصادرين للزيارة على ما ذكره المطري، قال: وذلك بعد وفاته بعامين أو ثلاثة، ووفاته سنة سبع وتسعين وستمائة، اه.
وفي غربي البئر الصغرى بجانب الحديقة من خارجها سبيل للدوابّ يملأ منها، وعليه موقوف قطعة نخل تعرف بالركبدارية شماليّ سور المدينة.
بئر بضاعة: - بضم الموحدة على المشهور، وحكى كسرها، وبفتح الضاد المعجمة، وأهملها بعضهم، وبالعين المهملة، بعدها هاء- غربيّ برحاء إلى جهة الشمال، بينهما غلوة سهم سبقي.
روينا في سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يستفي لك من بئر بضاعة، وهي بئر تلقي فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذر الناس- فقال رسول الله ﷺ «الماء طهور لا ينجّسه شيء» .
ورواه أحمد، وصححه النسائي، والترمذي وحسّنه، والدارقطني وقال فيه «من بئر بضاعة بئر بني ساعدة» وابن شبّة إلا أنه قال «وعذر النساء» بدل قوله «وعذر الناس» وابن ماجه وزاد «لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه وطعمه ولونه» .
وفي رواية للنسائي عن أبي سعيد قال: مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟ فقال «الماء لا ينجسه شيء» .
стр. 697
وروى ابن شبة عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ «بصق في بضاعة» . وعنه أيضا سقيت النبيّ ﷺ بيدي من بضاعة، ورواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات إلا أنه قال «من بئر بضاعة» وكذا رواه أحمد.
وروى ابن زبالة وأبو يعلي عن محمد بن أبي يحيى عن أمه قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو أني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهت ذلك، وقد والله سقيت رسول الله ﷺ بيدي منها.
وفي الكبير للطبراني عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ «برّك على بضاعة» .
ورواه ابن زبالة عن أبي أسيد، لكن بلفظ «دعا لبئر بضاعة» . وفي الكبير للطبراني عن مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه عن جده أبي أسيد، وله بئر بالمدينة يقال لها بئر بضاعة، قد بصق فيها النبي ﷺ فهي يتبشر بها ويتيمن بها.
قال: فلما قطع أبو أسيد ثمر حائطه جعله في غرفة، فكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق ثمره وتفسده عليه، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال «تلك الغول يا أبا أسيد، فاستمع عليها، فإذا سمعت اقتحامها فقل: بسم الله، أجيبي رسول الله ﷺ ، فقالت الغول: يا أبا أسيد، أعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله ﷺ ، وأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك، وأن لا أسرق ثمرك، وأدلّك على آية تقرؤها على بيتك فلا يخالف إلى أهلك، وتقرؤها على إنائك فلا يكشف غطاؤه، فأعطته الموثق الذي رضي به منها، فقالت: الآية التي أدلّك عليها هي آية الكرسي، ثم حكت أسنانها تضرط، فأتى النبي ﷺ فقصّ عليه القصة حيث دلته، فقال النبي ﷺ : صدقت وهي كذوب» قال الحافظ الهيتمي:
رجاله وثقوا كلهم، وفي بعضهم ضعف.
وقال المجد: وفي الخبر أن النبي ﷺ «أتى بئر بضاعة، فتوضأ من الدّلو وردّها إلى البئر، وبصق فيها، وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول: اغسلوني من ماء بضاعة، فيغسل فكأنما ينشط من عقال» .
وقالت أسماء بنت أبي بكر: كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون، اه.
قال أبو داود في سننه: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها أكثر ما يكون فيها الماء، قال: إلى القامة، قلت: وإذا نقص، قال: دون العورة، قال أبو داود عقبه: وقدّرت بئر بضاعة بردائي، مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون.
وقال ابن النجار: هذا البئر اليوم في بستان، وماؤها عذب طيب، ولونها صاف
стр. 698
أبيض، وريحها كذلك، ويستقى منها كثيرا، قال: وذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعا وشبرا، منها ذراعان راجحة ماء، والباقي بناء، وعرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داود.
قلت: وذرعتها فكان ذرعها كذلك لم يتغير، إلا أن قفّها مرتفع عن الأرض الأصلية ذراعا ونصفا راجحا، وهي- كما قال المطري- في جانب حديقة عند طرف الحديقة الشامي، والحديقة في قبلة البئر، ويستقي منها أهل حديقة أخرى شمالي البئر، وهي بينهما، وماؤها عذب طيب مع تعطّلها في زماننا وخراب قفّها، وهي المرادة بما في صحيح البخاري عن سهل بن سعد «إن كنا لنفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ من أصول الصلق» وفي رواية له» ترسل إلى بضاعة» قال ابن سلمة أي شيخ البخاري: محل بالمدينة، الحديث.
قال الإسماعيلي: في هذا بيان أن بئر بضاعة بئر بستان؛ فيدل على أن قول أبي سعيد «كانت تلقى فيها الحيض وغيرها» أنها كانت تطرح في البستان فيجريها المطر ونحوه إلى البئر.
قلت: ومن شاهد بضاعة علم أنه كذلك لأنها في وهدة، وحولها ارتفاع، سيما في شاميها؛ إذا قدر اليوم هناك أقذار لسال بها المطر إليها، وتلقي الرياح فيها ما تلقي، وادعى الطحاوي أنها كانت سيحا، وروى ذلك عن الواقدي، وإن صحّ فلعل المراد به أن الأرض التي حولها كانت المياه تسيح فيها فتجرّ الأقذار إليها؛ لإطباق مؤرخي المدينة العالمين بأخبارها على تسميتها ببئر، لا كما قال بعض الحنفية: إنها كانت عينا جارية إلى بستانين، إذ المشاهدة تردّه كما قاله المجد، قال: ولو كان كذلك لما صلح أن يقول فيها المريض «اغسلوني من ماء بضاعة» لأن الجرية الأولى سارت ببصاق النبي ﷺ ، وأيضا فلو كانت قناة جارية وسدت لما خفي آثار مجاريها المنسدة، والمشاهدة مع الإطباق على أنها البئر المذكورة كافية في الرد.
وقال المجد: بضاعة دار بني ساعدة، وبها هذه البئر، ونقله الحافظ ابن حجر عن بعضهم، ومقتضى كلام شيخ البخاري المتقدم أنها اسم للبستان الذي فيه البئر، والظاهر إطلاقها على الثلاثة، والله أعلم.
بئر جاسوم: ويقال جاسم- بالجيم والسين المهملة- لم يذكرها والتي بعدها ابن النجار ومن بعده، وتقدم في مسجد راتج من رواية ابن شبة أن النبي ﷺ صلّى في مسجد راتج، وشرب من جاسوم، وهي بئر هناك.
وروي هو وابن زبالة أيضا عن خالد بن رباح أن النبي ﷺ «شرب من جاسوم بئر أبي الهيثم بن التيهان» .
стр. 699
وعن زيد بن سعد قال: جاء النبي ﷺ معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما إلى أبي الهيثم بن التيهان رضي الله تعالى عنه في جاسوم، فشرب من جاسوم، وهي بئر أبي الهيثم، وصلّى في غائطه.
وروى الواقدي عن الهيثم بن نصر الأسلمي قال: خدمت النبي ﷺ ولزمت بابه، فكنت آتيه بالماء من بئر جاسم، وهي بئر أبي الهيثم بن التيهان، وكان ماؤها طيبا، ولقد دخل يوما صائما ومعه أبو بكر على أبي الهيثم، فقال: هل من ماء بارد؟ فأتاه بشجب فيه ماء كأنه الثلج، فصبّ منه على لبن عنز له وسقاه ثم قال له: إن لنا عريشا باردا، فقل فيه يا رسول الله عندنا، فدخله وأبو بكر، وأتى أبو الهيثم بألوان من الرّطب، الحديث، وأشار الحافظ ابن حجر إلى أنه يؤخذ منه أن هذه القصة هي التي في الصحيح عن جابر أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فقال له النبي ﷺ : إن كان عندك ماء بائت هذه الليلة في شجب وإلا كرعنا، قال: والرجل يحول الماء في حائطه، فقال الرجل:
يا رسول الله عندنا ماء بائت، فانطلق إلى العريش، قال: فانطلق بهما فسكب في قدح ثم حلب عليه من داجن له، فشرب رسول الله ﷺ ، ثم شرب الرجل الذي جاء معه.
قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم، وتقدم بيان جهتها في مسجد راتج.
بئر جمل: بلفظ الجمل من الإبل- روى ابن زبالة عن ابن عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد قالا: ذهب رسول الله ﷺ إلى بئر جمل، وذهبنا معه، فدخل رسول الله ﷺ ، ودخل معه بلال، فقلنا: لا نتوضأ حتى نسأل بلالا كيف توضأ رسول الله ﷺ ، قالا: فسألناه، فقال: توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والخمار، وفي صحيح البخاري حديث «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه- الحديث» .
وفي رواية للدار قطني «أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل» .
وفي أخرى له أن رسول الله ﷺ «ذهب نحو بئر جمل ليقضي حاجته، فلقيه رجل مقبل فسلّم عليه» .
وفي رواية النسائي «أقبل من نحو بئر الجمل» وهو من العقيق، قاله المجد، قال: وهي بئر معروفة بناحية الجرف بآخر العقيق، وعليها مال من أموال أهل المدينة، قال: ويحتمل أنها سميت بجمل مات فيها، أو برجل اسمه جمل حفرها.
قلت: وهي غير معروفة اليوم، ولم أر من سبق المجد لكونها بالجرف غير ياقوت.
وقوله «وهو من العقيق» لم أره في السنن الصغرى للنسائي، ويبعده سوق الروايات السابقة لقوله «ذهب نحو بئر جمل ليقضي حاجته» وفي أخرى أن الرجل توارى في السكة، والمعروف بقضاء الحاجة إنما هو ناحية بقيع الحجبة، وهو ناحية بئر أبي أيوب، وهناك
стр. 700
الموضع المعروف بالمناصع، وتقدم بيان زقاق المناصع شرقي المسجد فيما يلي الشام، وسبق في الفصل الحادي عشر من الباب الثالث أن ناقته ﷺ بركت بين أظهر بني النجار، أي شرقي المسجد النبوي، ثم نهضت حتى أتت زقاق الحبشي ببئر جمل فبركت، الحديث، وهو مؤيد لما قدمناه على أن عند مؤخر المسجد زقاقا يعرف اليوم بخرق الجمل، وبقرب درب سويقة بئر صغيرة في زقاق ضيق زعم أهل تلك الناحية أنها هي، وأظنه غلطا.
وقال المطري عقب ذكر الآبار التي اقتصر عليها ابن النجار: إنها ست، والسابعة لا تعرف اليوم، إلا ما يسمع من قول العامة إنها بئر جمل، ولم تعلم أين هي، ولا من ذكرها غير ما ورد في حديث البخاري، وذكر ما قدمناه.
ثم قال: ولم يذكر بئر جمل في السبع المشهورة، وكأنه لم يقف على ذكر ابن زبالة لها في الآبار وروايته لما تقدم.
بير حاء: - روينا في صحيح البخاري عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه ببرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله، إن الله يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ «بخ، ذلك مال رايح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، وفي رواية له «فجعلها لأبيّ وحسان» وكانا أقرب إليه منّي، وفي رواية له أيضا عقب قوله «وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء» قال: وكانت حديقة، كان رسول الله ﷺ يدخلها، ويستظل فيها، ويشرب من مائها، قال: فهي إلى الله وإلى رسوله أرجو بره وذخره، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ «بخ يا أبا طلحة ذلك مال رايح، قد قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين» فتصدّق به أبو طلحة على ذوي قربى رحمه، قال: وكان منهم أبيّ وحسان، قال: فباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له:
تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم؟ وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية.
قال الحافظ ابن حجر: وزاد ابن عبد البر في روايته: وكانت دار أبي جعفر والدار التي تليها إلى قصر بني جديلة حائطا لأبي طلحة يقال له بيرحاء، قال: ومراده بدار أبي جعفر الدار التي صارت إليه وعرفت به، وهو أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي. وقصر بني
стр. 701
جديلة هي حصّة حسان، بنى فيها معاوية بن أبي سفيان هذا القصر، وأغرب الكرماني فزعم أن معاوية الذي بنى القصر المذكور هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أحد أجداد أبي طلحة.
قلت: منشأ وهمه إضافة القصر إلى بني جديلة، وجديلة لقب معاوية المذكور وهو مردود، بل إضافته إليهم لكونه بمنازلهم.
قال ابن شبة: وأما قصر بني جديلة فإن معاوية بن أبي سفيان بناه ليكون حصنا، وله بابان: باب شارع على خط بني جديلة، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية عند دار محمد بن طلحة التّيمي، وهو اليوم لعبد الله بن مالك الخزاعي قطيعة، وكان الذي ولي بناءه لمعاوية الطفيل بن أبي كعب الأنصاري، وفي وسطه بيرحاء.
ثم روى عقبه عن العطاف بن خالد قال: كان حسان يجلس في أجمة فارع، ويجلس معه أصحاب له، ويضع لهم بساطا يجلسون عليه، فقال يوما وهو يرى كثرة من يأتي رسول الله ﷺ من العرب يسلمون:
أرى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا ... وابن العريفة أمسى بيضة البلد
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: من لي من أصحاب البساط؟ فقال صفوان بن المعطل:
أنا لك يا رسول الله منهم، فخرج إليهم واخترط سيفه، فلما رأوه مقبلا عرفوا في وجهه الشر، ففرّوا وتبدّدوا، وأدرك حسان داخلا بيته، فضربه، فعلق ثنّته، فبلغني أن النبي ﷺ عوّضه وأعطاه حائطا، فباعه من معاوية بن أبي سفيان بعد ذلك بمال كثير، فبناه معاوية بن أبي سفيان قصرا.
وروى أيضا في خبر الإفك عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي قصة ضرب صفوان لحسان، وأن النبي ﷺ قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك، قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله ﷺ عوضا منها بيرحاء، وهي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة، كانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدّق بها إلى رسول الله ﷺ ، فأعطاها حسان في ضربته شيرين أمة قبطية.
وروى ابن زبالة عن أبي بكر بن حزم أن أبا طلحة تصدّق بمال له كان موضعه قصر بني جديلة، فدفعه إلى رسول الله ﷺ ، فردّه على أقاربه أبيّ بن كعب وحسان بن ثابت وثبيط بن جابر وشداد بن أوس أو أبيه أوس بن ثابت يعني أخا حسّان بن ثابت، فتقاوموه، فصار لحسان بن ثابت، فباعه من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، قال: وكان معاوية قد بنى قصر خل ليكون حصنا لما كان يتحدّث أنه نصيب بني أمية، وذكر ما سيأتي في قصر خل، ثم قال: فلما اشترى بيرحاء بنى قصر بني جديلة في موضعها للذي كان يخاف من ذلك.
стр. 702
وقال الحافظ ابن حجر: وبيع حسان لحصته من معاوية دليل على أن أبا طلحة ملّكهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها عليهم، ويحتمل أنه وقفها وشرط أن من احتاج إلى بيع حصته جاز له كما قال بجوازه علي وغيره.
قلت: وقد اشترط علي في صدقته كما حكاه ابن شبة عن نسخة كتاب الصدقة
قال ابن النجار: وبيرحاء اليوم في وسط حديقة صغيرة جدّا، فيها نخيلات ويزرع حولها، وعندها بيت مبني على علو من الأرض، وهي قريبة من سور المدينة، وهي لبعض أهلها، وماؤها عذب حلو.
وقال المطري: وهي شمالي سور المدينة بينهما الطريق، وتعرف الآن بالنورية اشتراها بعض النساء النوريين ووقفها على الفقراء والمساكين فنسبت إليها، قال ابن النجار: وذرعتها فكان طولها عشرين ذراعا، منها أحد عشر ذراعا ماء، والباقي بنيان، وعرضها ثلاثة أذرع وشبر.
قلت: وهي اليوم على هذا النعت، وفي قبلتها مسجد ليس من بناء الأقدمين لم يذكره ابن النجار ولا المطري، وكأنه لما حدث بعدهما. وذكره المجد فقال: وفي بيرحاء بير قريبة الرشاء ضيقة القنا طيبة الماء، وأمامها إلى القبلة مسجد صغير في وسط الحديقة.
قلت: وقوله في حديث الصحيح «وكانت مستقبلة المسجد» معناه أن المسجد في جهة قبلتها، فلا ينافي بعدها عنه على هذه المسافة الموجودة اليوم، والظاهر أن بعض أرضها كان داخل سور المدينة؛ لما تقدم من قسمتها وابتناء القصر في بعضها، ولم أر للفقراء أثرا هناك.
وقد تقدم أن حش أبي طلحة الذي في شامي المسجد منسوب إلى أبي طلحة صاحبها، فربما كانت أمواله ممتدة إلى هناك. وأما دار محمد بن طلحة التيمي التي ذكر ابن شبة أنه أحد باني القصر المبني عليها عنده فيظهر أنها غير دار إبراهيم بن محمد بن طلحة التي هي من دار جده طلحة المتقدم ذكرها في الدور المطيفة بالمسجد، لنسبتها لإبراهيم بن محمد، ونسبة هذه لأبيه؛ فلا يقدح ذلك في كون بيرحاء هي المعروفة اليوم، والله أعلم.
ضبط بيرحاء
تنبيه: في ضبط بيرحاء، وقد أفرد له بعضهم مصنفا ذكر المجد ملخصه، وقد اختلف الناس في ضبطه، قال صاحب النهاية: بيرحاء بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد فيهما، وبفتحهما والقصر، قال الزمخشري: بيرحاء اسم أرض كانت لأبي طلحة، وكأنها فيعلى من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة، وقال مرة: رأيت محدّثي مكة يقولون بيرحاء على الإضافة، وحاء: من اسم القبائل، وقيل: اسم رجل، وعلى هذا يكون منونا، قال ياقوت: بيرحا بوزن خيزلى، وقيل لي بيرحاء مضاف إليه ممدود، قال: ورواية
стр. 703
المغاربة قاطبة الإضافة، وإعراب الراء بالرفع والجر والنصب، وحاء على لفظ الحاء من حروف المعجم.
وقال أبو عبيد البكري: حاء- على وزن حرف الهجاء- بالمدينة، مستقبلة المسجد، إليها ينسب بيرحاء، فالاسم مركب.
قال الحافظ ابن حجر: اختلف في حاء هل هو رجل أو امرأة أو مكان أضيف إليه البير، أو هي كلمة زجر للإبل، وكانت الإبل ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البير إلى اللفظة، قال الباجي: أنكر أبو بكر الأصم الإعراب في الراء، وقال: إنما هو بفتح الراء على كل حال، قال: وعليه أدركت أهل العلم بالمشرق.
وقال أبو عبد الله الصوري: إنما هو بفتح الباء والراء في كل حال، بمعنى أنه كلمة واحدة، قال عياض: وعلى رواية الأندلسيين ضبطنا هذا الحرف عن أبي جعفر في كتاب مسلم بكسر الباء وفتح الراء، وبكسر الراء وبفتح الباء والقصر، ضبطناه في الموطأ عن أبي عنان وغيره، وبضم الراء وفتحها معا قيدناه عن الأصيلي، وقد رواه من طريق حماد بن سلمة بريحا، هكذا ضبطناه عن شيوخنا فيما قيدوه عن البدري وغيره، ولم أسمع فيه خلافا، إلا أني وجدت الحميدي ذكر في اختصاره عن حماد بن سلمة بيرحا، كما قال الصوري، ورواية الرازي في مسلم في حديث مالك بريحا، وهو وهم، وإنما هذا في حديث حماد، وإنما لمالك بيرحا كما قيد الجميع على اختلافهم. وذكر أبو داود في مصنفه هذا الحديث بخلاف ما تقدم فقال: جعلت أرضي باريحا، وهذا كله يدل على أنها ليست ببئر، انتهى كلام عياض.
قال الحافظ ابن حجر: قول أبي داود باريحا بإشباع الموحدة، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فإن أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظا أن تكون سميت باسمها.
وأما قوله ﷺ «ذلك ما رابح، أو قال رايح» فالأول بالموحدة أي ذو ربح، والثاني بالمثناة التحتيّة، أي يروح نفعه لقربه، أي يصل إليك في الرواح، ولا يعزب، قال شاعر:
سأطلب مالا بالمدينة؛ إنني ... إلى عازب الأموال قلت فوضله
بئر حلوة: - بالحاء المهملة- لم يذكرها والتي بعدها ابن النجار ومن بعده، وذكرها ابن زبالة، فروي عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال: نحر رسول الله ﷺ جزورا، فبعث إلى بعض نسائه منها بالكتف، فتكلمت في ذلك بكلام، فقال رسول الله ﷺ : «أنتنّ أهون على الله من ذلك» وهجرهن، وكان يقيل تحت أراكة على حلوة بئر كانت في الزقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد، وبه سمي الزقاق زقاق حلوة، ويبيت في مشربة
стр. 704
له، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فقالت: يا رسول الله، إنك آليت شهرا، قال: إن الشهر تسع وعشرون.
قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم بعينها، وتقدم بيان جملتها في الدور التي في ميسرة البلاط عند ذكر دار حويطب بن عبد العزى.
بئر ذرع: - بالذال المعجمة- وهي بئر بني خطمة، وروى ابن زبالة حديث «أتى رسول الله ﷺ بني خطمة فصلى في بيت العجوز، ثم خرج منه فصلى في مسجد بني خطمة، ثم مضى إلى بئرهم ذرع فجلس في قفّها، فتوضأ وبصق فيها» .
وروى ابن شبة عن الحارث بن الفضل أن النبي ﷺ «توضّأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم» ، وفي رواية: «وصلى في مسجدهم» .
وفي رواية عن رجل من الأنصار أن النبي ﷺ «بصق في ذرع بئر بني خطمة» .
قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم، ويؤخذ بيان جهتها مما تقدم في مسجد بني خطمة.
بئر رومة: - بضم الراء، وسكون الواو، وفتح الميم، بعدها هاء، وقيل رؤمة بعد الراء همزة ساكنة- روى ابن زبالة حديث: «نعم القليب قليب المزني فاشترها يا عثمان، فتصدق بها» وحديث أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الحفيرة حفيرة المزني» يعني رومة، فلما سمع ذلك عثمان بن عفان ابتاع نصفها بمائة بكرة، وتصدّق بها، فجعل الناس يسقون منها، فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها.
وروى ابن شبة عن عدي بن ثابت قال: أصاب رجل من مزينة بئرا يقال لها رومة، فذكرت لعثمان بن عفان وهو خليفة، فابتاعها بثلاثين ألف درهم من مال المسلمين، وتصدّق بها عليهم.
قلت: في سنده متروك، ولذا قال الزبير بن بكار بعد روايته في عتيقة: وليس هذا بشيء، وثبت عندنا أن عثمان اشتراها بماله وتصدق بها على عهد رسول الله ﷺ ، انتهى.
وقال ابن أبي الزناد: أخبرني أبي أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الصدقة صدقة عثمان» يريد رومة.
وقال محمد بن يحيى: أخبرني غير واحد من أهل البلد أن النبي ﷺ قال: «نعم القليب قليب المزني» .
وروى ابن شبة أيضا عن أبي قلابة قال: لما كانوا بباب عثمان وأرادوا قتلة أشرف عليهم، فذكر أشياء، ثم ناشدهم الله فأعظم النّشدة: هل تعلمون أن رومة كان لفلان
стр. 705
اليهودي لا يسقى منها أحدا قطرة إلا بثمن، فاشتريتها بمالي بأربعين ألفا، فجعلت شربي فيها وشرب رجل من المسلمين سواء، ما استأثرتها عليهم؟ قالوا: قد علمنا ذلك.
وعن الزهري أن النبي ﷺ قال: من يشتري رومة بشرب رواء في الجنة؟ فاشتراها عثمان رضي الله تعالى عنه من ماله فتصدق بها.
وعن عبد الرحمن بن حبيب السلمي قال: قال عثمان رضي الله تعالى عنه:
أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من اشترى بئر رومة فله مثلها من الجنة، وكان الناس لا يشربون منها إلا بثمن، فاشتريتها بمالي فجعلتها للفقير والغني وابن السبيل؟
فقال الناس: نعم.
وعن أسامة الليثي قال: لما حصر عثمان رضي الله تعالى عنه أرسل إلى عمّار بن ياسر يطلب أن يدخل عليه روايا ماء، فطلب له ذلك عمار من طلحة، فأبى عليه، فقال عمار:
سبحان الله اشترى عثمان هذه البئر- يعني رومة- بكذا وكذا ألفا، فتصدق به على الناس، وهؤلاء يمنعونه أن يشرب منها
وروى النسائي والترمذي وحسّنه عن عثمان أنه قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: من يشري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين- الحديث.
وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن السلمي أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب رسول الله ﷺ تعلمون أن رسول الله ﷺ قال من حفر بئر رومة فله الجنة؟ فحفرتها- الحديث، وفيه: وصدّقوه بما قال.
وللنسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه بذلك علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. ورواه ابن شبة من حديث الأحنف إلا أنه قال:
أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له، فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن ابتعت بئر رومة، فقال:
اجعلها سقاية للمسلمين، وآخرها لك؟ قالوا: نعم.
وقال ابن بطال في الكلام على رواية البخاري قوله: «فحفرها عثمان» وهم في بعض الروايات، والمعروف أن عثمان اشتراها، لا أنه حفرها، قال الحافظ ابن حجر عقبه:
المشهور في الروايات كما قال، لكن لا يتعين الوهم؛ فقد روى البغوي في الصحابة من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول الله ﷺ : بعينها بعين في الجنة، فقال يا رسول الله ليس لي وعيالي غيرها، ولا أستطيع ذلك،