← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

جديلة هي حصّة حسان، بنى فيها معاوية بن أبي سفيان هذا القصر، وأغرب الكرماني فزعم أن معاوية الذي بنى القصر المذكور هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أحد أجداد أبي طلحة. قلت: منشأ وهمه إضافة القصر إلى بني جديلة، وجديلة لقب معاوية المذكور وهو مردود، بل إضافته إليهم لكونه بمنازلهم. قال ابن شبة: وأما قصر بني جديلة فإن معاوية بن أبي سفيان بناه ليكون حصنا، وله بابان: باب شارع على خط بني جديلة، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية عند دار محمد بن طلحة التّيمي، وهو اليوم لعبد الله بن مالك الخزاعي قطيعة، وكان الذي ولي بناءه لمعاوية الطفيل بن أبي كعب الأنصاري، وفي وسطه بيرحاء. ثم روى عقبه عن العطاف بن خالد قال: كان حسان يجلس في أجمة فارع، ويجلس معه أصحاب له، ويضع لهم بساطا يجلسون عليه، فقال يوما وهو يرى كثرة من يأتي رسول الله ﷺ من العرب يسلمون: أرى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا ... وابن العريفة أمسى بيضة البلد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: من لي من أصحاب البساط؟ فقال صفوان بن المعطل: أنا لك يا رسول الله منهم، فخرج إليهم واخترط سيفه، فلما رأوه مقبلا عرفوا في وجهه الشر، ففرّوا وتبدّدوا، وأدرك حسان داخلا بيته، فضربه، فعلق ثنّته، فبلغني أن النبي ﷺ عوّضه وأعطاه حائطا، فباعه من معاوية بن أبي سفيان بعد ذلك بمال كثير، فبناه معاوية بن أبي سفيان قصرا. وروى أيضا في خبر الإفك عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي قصة ضرب صفوان لحسان، وأن النبي ﷺ قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك، قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله ﷺ عوضا منها بيرحاء، وهي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة، كانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدّق بها إلى رسول الله ﷺ ، فأعطاها حسان في ضربته شيرين أمة قبطية. وروى ابن زبالة عن أبي بكر بن حزم أن أبا طلحة تصدّق بمال له كان موضعه قصر بني جديلة، فدفعه إلى رسول الله ﷺ ، فردّه على أقاربه أبيّ بن كعب وحسان بن ثابت وثبيط بن جابر وشداد بن أوس أو أبيه أوس بن ثابت يعني أخا حسّان بن ثابت، فتقاوموه، فصار لحسان بن ثابت، فباعه من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، قال: وكان معاوية قد بنى قصر خل ليكون حصنا لما كان يتحدّث أنه نصيب بني أمية، وذكر ما سيأتي في قصر خل، ثم قال: فلما اشترى بيرحاء بنى قصر بني جديلة في موضعها للذي كان يخاف من ذلك.

стр. 702

وقال الحافظ ابن حجر: وبيع حسان لحصته من معاوية دليل على أن أبا طلحة ملّكهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها عليهم، ويحتمل أنه وقفها وشرط أن من احتاج إلى بيع حصته جاز له كما قال بجوازه علي وغيره. قلت: وقد اشترط علي في صدقته كما حكاه ابن شبة عن نسخة كتاب الصدقة قال ابن النجار: وبيرحاء اليوم في وسط حديقة صغيرة جدّا، فيها نخيلات ويزرع حولها، وعندها بيت مبني على علو من الأرض، وهي قريبة من سور المدينة، وهي لبعض أهلها، وماؤها عذب حلو. وقال المطري: وهي شمالي سور المدينة بينهما الطريق، وتعرف الآن بالنورية اشتراها بعض النساء النوريين ووقفها على الفقراء والمساكين فنسبت إليها، قال ابن النجار: وذرعتها فكان طولها عشرين ذراعا، منها أحد عشر ذراعا ماء، والباقي بنيان، وعرضها ثلاثة أذرع وشبر. قلت: وهي اليوم على هذا النعت، وفي قبلتها مسجد ليس من بناء الأقدمين لم يذكره ابن النجار ولا المطري، وكأنه لما حدث بعدهما. وذكره المجد فقال: وفي بيرحاء بير قريبة الرشاء ضيقة القنا طيبة الماء، وأمامها إلى القبلة مسجد صغير في وسط الحديقة. قلت: وقوله في حديث الصحيح «وكانت مستقبلة المسجد» معناه أن المسجد في جهة قبلتها، فلا ينافي بعدها عنه على هذه المسافة الموجودة اليوم، والظاهر أن بعض أرضها كان داخل سور المدينة؛ لما تقدم من قسمتها وابتناء القصر في بعضها، ولم أر للفقراء أثرا هناك. وقد تقدم أن حش أبي طلحة الذي في شامي المسجد منسوب إلى أبي طلحة صاحبها، فربما كانت أمواله ممتدة إلى هناك. وأما دار محمد بن طلحة التيمي التي ذكر ابن شبة أنه أحد باني القصر المبني عليها عنده فيظهر أنها غير دار إبراهيم بن محمد بن طلحة التي هي من دار جده طلحة المتقدم ذكرها في الدور المطيفة بالمسجد، لنسبتها لإبراهيم بن محمد، ونسبة هذه لأبيه؛ فلا يقدح ذلك في كون بيرحاء هي المعروفة اليوم، والله أعلم. ضبط بيرحاء تنبيه: في ضبط بيرحاء، وقد أفرد له بعضهم مصنفا ذكر المجد ملخصه، وقد اختلف الناس في ضبطه، قال صاحب النهاية: بيرحاء بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد فيهما، وبفتحهما والقصر، قال الزمخشري: بيرحاء اسم أرض كانت لأبي طلحة، وكأنها فيعلى من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة، وقال مرة: رأيت محدّثي مكة يقولون بيرحاء على الإضافة، وحاء: من اسم القبائل، وقيل: اسم رجل، وعلى هذا يكون منونا، قال ياقوت: بيرحا بوزن خيزلى، وقيل لي بيرحاء مضاف إليه ممدود، قال: ورواية

стр. 703

المغاربة قاطبة الإضافة، وإعراب الراء بالرفع والجر والنصب، وحاء على لفظ الحاء من حروف المعجم. وقال أبو عبيد البكري: حاء- على وزن حرف الهجاء- بالمدينة، مستقبلة المسجد، إليها ينسب بيرحاء، فالاسم مركب. قال الحافظ ابن حجر: اختلف في حاء هل هو رجل أو امرأة أو مكان أضيف إليه البير، أو هي كلمة زجر للإبل، وكانت الإبل ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البير إلى اللفظة، قال الباجي: أنكر أبو بكر الأصم الإعراب في الراء، وقال: إنما هو بفتح الراء على كل حال، قال: وعليه أدركت أهل العلم بالمشرق. وقال أبو عبد الله الصوري: إنما هو بفتح الباء والراء في كل حال، بمعنى أنه كلمة واحدة، قال عياض: وعلى رواية الأندلسيين ضبطنا هذا الحرف عن أبي جعفر في كتاب مسلم بكسر الباء وفتح الراء، وبكسر الراء وبفتح الباء والقصر، ضبطناه في الموطأ عن أبي عنان وغيره، وبضم الراء وفتحها معا قيدناه عن الأصيلي، وقد رواه من طريق حماد بن سلمة بريحا، هكذا ضبطناه عن شيوخنا فيما قيدوه عن البدري وغيره، ولم أسمع فيه خلافا، إلا أني وجدت الحميدي ذكر في اختصاره عن حماد بن سلمة بيرحا، كما قال الصوري، ورواية الرازي في مسلم في حديث مالك بريحا، وهو وهم، وإنما هذا في حديث حماد، وإنما لمالك بيرحا كما قيد الجميع على اختلافهم. وذكر أبو داود في مصنفه هذا الحديث بخلاف ما تقدم فقال: جعلت أرضي باريحا، وهذا كله يدل على أنها ليست ببئر، انتهى كلام عياض. قال الحافظ ابن حجر: قول أبي داود باريحا بإشباع الموحدة، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فإن أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظا أن تكون سميت باسمها. وأما قوله ﷺ «ذلك ما رابح، أو قال رايح» فالأول بالموحدة أي ذو ربح، والثاني بالمثناة التحتيّة، أي يروح نفعه لقربه، أي يصل إليك في الرواح، ولا يعزب، قال شاعر: سأطلب مالا بالمدينة؛ إنني ... إلى عازب الأموال قلت فوضله بئر حلوة: - بالحاء المهملة- لم يذكرها والتي بعدها ابن النجار ومن بعده، وذكرها ابن زبالة، فروي عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه قال: نحر رسول الله ﷺ جزورا، فبعث إلى بعض نسائه منها بالكتف، فتكلمت في ذلك بكلام، فقال رسول الله ﷺ : «أنتنّ أهون على الله من ذلك» وهجرهن، وكان يقيل تحت أراكة على حلوة بئر كانت في الزقاق الذي فيه دار آمنة بنت سعد، وبه سمي الزقاق زقاق حلوة، ويبيت في مشربة

стр. 704

له، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فقالت: يا رسول الله، إنك آليت شهرا، قال: إن الشهر تسع وعشرون. قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم بعينها، وتقدم بيان جملتها في الدور التي في ميسرة البلاط عند ذكر دار حويطب بن عبد العزى. بئر ذرع: - بالذال المعجمة- وهي بئر بني خطمة، وروى ابن زبالة حديث «أتى رسول الله ﷺ بني خطمة فصلى في بيت العجوز، ثم خرج منه فصلى في مسجد بني خطمة، ثم مضى إلى بئرهم ذرع فجلس في قفّها، فتوضأ وبصق فيها» . وروى ابن شبة عن الحارث بن الفضل أن النبي ﷺ «توضّأ من ذرع بئر بني خطمة التي بفناء مسجدهم» ، وفي رواية: «وصلى في مسجدهم» . وفي رواية عن رجل من الأنصار أن النبي ﷺ «بصق في ذرع بئر بني خطمة» . قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم، ويؤخذ بيان جهتها مما تقدم في مسجد بني خطمة. بئر رومة: - بضم الراء، وسكون الواو، وفتح الميم، بعدها هاء، وقيل رؤمة بعد الراء همزة ساكنة- روى ابن زبالة حديث: «نعم القليب قليب المزني فاشترها يا عثمان، فتصدق بها» وحديث أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الحفيرة حفيرة المزني» يعني رومة، فلما سمع ذلك عثمان بن عفان ابتاع نصفها بمائة بكرة، وتصدّق بها، فجعل الناس يسقون منها، فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها. وروى ابن شبة عن عدي بن ثابت قال: أصاب رجل من مزينة بئرا يقال لها رومة، فذكرت لعثمان بن عفان وهو خليفة، فابتاعها بثلاثين ألف درهم من مال المسلمين، وتصدّق بها عليهم. قلت: في سنده متروك، ولذا قال الزبير بن بكار بعد روايته في عتيقة: وليس هذا بشيء، وثبت عندنا أن عثمان اشتراها بماله وتصدق بها على عهد رسول الله ﷺ ، انتهى. وقال ابن أبي الزناد: أخبرني أبي أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الصدقة صدقة عثمان» يريد رومة. وقال محمد بن يحيى: أخبرني غير واحد من أهل البلد أن النبي ﷺ قال: «نعم القليب قليب المزني» . وروى ابن شبة أيضا عن أبي قلابة قال: لما كانوا بباب عثمان وأرادوا قتلة أشرف عليهم، فذكر أشياء، ثم ناشدهم الله فأعظم النّشدة: هل تعلمون أن رومة كان لفلان

стр. 705

اليهودي لا يسقى منها أحدا قطرة إلا بثمن، فاشتريتها بمالي بأربعين ألفا، فجعلت شربي فيها وشرب رجل من المسلمين سواء، ما استأثرتها عليهم؟ قالوا: قد علمنا ذلك. وعن الزهري أن النبي ﷺ قال: من يشتري رومة بشرب رواء في الجنة؟ فاشتراها عثمان رضي الله تعالى عنه من ماله فتصدق بها. وعن عبد الرحمن بن حبيب السلمي قال: قال عثمان رضي الله تعالى عنه: أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من اشترى بئر رومة فله مثلها من الجنة، وكان الناس لا يشربون منها إلا بثمن، فاشتريتها بمالي فجعلتها للفقير والغني وابن السبيل؟ فقال الناس: نعم. وعن أسامة الليثي قال: لما حصر عثمان رضي الله تعالى عنه أرسل إلى عمّار بن ياسر يطلب أن يدخل عليه روايا ماء، فطلب له ذلك عمار من طلحة، فأبى عليه، فقال عمار: سبحان الله اشترى عثمان هذه البئر- يعني رومة- بكذا وكذا ألفا، فتصدق به على الناس، وهؤلاء يمنعونه أن يشرب منها وروى النسائي والترمذي وحسّنه عن عثمان أنه قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: من يشري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين- الحديث. وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن السلمي أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب رسول الله ﷺ تعلمون أن رسول الله ﷺ قال من حفر بئر رومة فله الجنة؟ فحفرتها- الحديث، وفيه: وصدّقوه بما قال. وللنسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه بذلك علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. ورواه ابن شبة من حديث الأحنف إلا أنه قال: أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له، فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن ابتعت بئر رومة، فقال: اجعلها سقاية للمسلمين، وآخرها لك؟ قالوا: نعم. وقال ابن بطال في الكلام على رواية البخاري قوله: «فحفرها عثمان» وهم في بعض الروايات، والمعروف أن عثمان اشتراها، لا أنه حفرها، قال الحافظ ابن حجر عقبه: المشهور في الروايات كما قال، لكن لا يتعين الوهم؛ فقد روى البغوي في الصحابة من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول الله ﷺ : بعينها بعين في الجنة، فقال يا رسول الله ليس لي وعيالي غيرها، ولا أستطيع ذلك،

стр. 706

فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عينا في الجنة إن اشتريتها؟ قال: نعم، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين، قال الحافظ ابن حجر: وإذا كانت أولا عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسّعها أو طولها فنسب حفرها إليه، انتهى. قلت: الإشكال ليس في ذكر وقوع حفر عثمان لها فقط، بل في كون الترغيب فيها بلفظ «من حفر» إلى آخره؛ فطريق الجمع أن يكون ﷺ قال أولا: «من اشترى بئر رومة» فاشتراها عثمان، ثم احتاجت إلى الحفر فقال: «من حفر بئر رومة» فحفرها، وتسميتها في هذه الرواية عينا غريب جدّا، ولعله لاشتمال البئر على ما ينبع فيها مقابلة لها بعين في الجنة. وقال المجد: قال أبو عبد الله بن منده: رومة الغفاري صاحب بئر رومة، وروى حديثه، وساق السند إلى بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون، وساق الحديث المتقدم، ثم قال المجد: كذا قال رومة الغفاري، ثم قال: عين يقال لها رومة. وقال أبو بكر الحازمي أيضا: هذه البئر تنسب إلى رومة الغفاري، ولم يسمها عينا، والجمع بين هذا وبين قوله في الحديث المتقدم «نعم الحفير حفيرة المزني» يعني رومة أن الذي احتفرها كان من مزينة ثم ملكها رومة الغفاري، وذكر ابن عبد البر أنها كانت ركية ليهودي يبيع ماءها من المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله بها شرب في الجنة؟ فأتى عثمان اليهوديّ فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم، فجعله للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت لنصيبي قربين، وإن شئت فلي يوم ولك يوم، فقال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال: أفسدت علي ركيتي، فاشتر النصف الآخر، فاشتراه بثمانية آلاف درهم. قلت: وهي بئر قديمة جاهلية؛ لما رواه ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم أن تبّعا اليماني لما قدم المدينة كان منزله بقناة، واحتفر البئر التي يقال لها بئر الملك، وبه سميت، فاستوبأ بئره تلك، فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة، فشكا إليها وباء بئره، فانطلقت فأخذت حمارين أعرابيين، فاستقت له من بئر رومة، ثم جاءته به، فشرب فأعجبه وقال: زيديني من هذا الماء، فكانت تصير إليه به مقامه، فلما خرج قال لها: يا فكهة إنه ليس معنا من الصفراء والبيضاء شيء، ولكن لك ما تركنا من أزوادنا ومتاعنا، فلما خرج نقلت ما بقي من أزوادهم ومتاعهم، فيقال: إنها كانت لم تزل هي وولدها أكثر بني زريق مالا حتى جاء الإسلام.

стр. 707

وهذه البئر في أسفل وادي العقيق، قريبة من مجتمع الأسيال، في براح واسع من الأرض، وعندها بناء عال بالحجارة والجص قد تهدم. قال ابن النجار: قيل: إنه كان دارا لليهودي، وحولها مزارع وآبار كثيرة، وهي قبلى الجرف وشمالي مسجد القبلتين بعيدة منه، قال ابن النجار: وقد انقضت خرزتها وأعلامها، إلا أنها بئر مليحة جدّا، مبنية بالحجارة الموجّهة، قال: وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعا، منها ذراعان ماء وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها، وعرضها ثمانية أذرع، وماؤها طاف، وطعمه حلو، إلا أن الأجون غلب عليه. وقال المطري: وقد خرجت، ونقضت حجارتها، وانطمّت، ولم يبق منها اليوم إلا أثرها. قال الزين المراغي: وقد جددت بعد ذلك، ورفع بناؤها عن الأرض نحو نصف قامة، ونزحت فكثر ماؤها، أحياها كذلك القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن المحب الطبري قاضي مكة المشرفة في حدود الخمسين وسبعمائة، قال: فتناوله إن شاء الله تعالى عموم حديث «من حفر بئر رومة فله الجنة» انتهى. ومن الغريب قول عياض في مشارقه: بئر رومة بضم الراء بئران مشهوران بالمدينة، انتهى، ولم أقف له على أصل. بئر السقيا: - بضم السين المهملة، وسكون القاف، من سقاه الغيث وأسقاه- تقدم ذكرها في مسجد السقيا في حديث ابن زبالة أن النبي ﷺ عرض جيش بدر بالسقيا، وصلّى في مسجدها، ودعا هناك، الحديث، وفيه واسم البئر السقيا، واسم أرضها الفلجان. وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال: قال أبي: يا بني إنا اعترضنا هاهنا بالسقيا، حين قاتلنا اليهود بحسيكة، فظفرنا بهم، ونحن نرجو أن نظفر، ثم عرضنا النبيّ ﷺ بها متوجها إلى بدر، فإن سلمت ورجعت ابتعتها وإن قتلت فلا تفوتنك، قال: فخرجت أبتاعها، فوجدتها لذكوان بن عبد قيس، ووجدت سعد بن أبي وقّاص قد ابتاعها وسبق إليها، وكان اسم الأرض الفلجان، واسم البئر السقيا. قال ابن شبة: قال محمد بن يحيى: وسألت عبد العزيز بن عمران عن حسيكة، وذكر ما سيأتي فيها، ثم قال: قال أبو غسان: وأخبرني عبد العزيز بن عمران عن راشد بن حفص عن أبيه قال: كان اسم أرض السقيا الفلج، واسم بئرها السقيا، وكانت لذكوان بن عبد قيس الزرقي، فابتاعها منه سعد بن أبي وقاص ببعيرين. وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ «كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا» وفي رواية «من بيوت السقيا» ورواه أبو داود بهذا اللفظ، وسنده جيد، وصححه الحاكم.

стр. 708

وروى الواقدي من حديث سلمة امرأة أبي رافع قالت: كان أبو أيوب- حين نزل عنده النبي ﷺ يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس، ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح الأسود عنده ﷺ يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة. وتقدم في رابع فصول الباب الثاني ما رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن علي بن أبي طالب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله ﷺ : ائتوني بوضوء، فتوضأ فقام ثم قام فاستقبل القبلة، الحديث. وتقدم أيضا حديث أن رسول الله ﷺ «صلّى بأرض سعد بأرض الحرة عند بيوت السقيا- الحديث» . قلت: وبئر السقيا هذه هي التي ذكر المطري أنها في آخر منزلة النقاء على يسار السالك إلى بئر عليّ بالحرم، قال: وهي بئر مليحة، كبيرة، متنورة في الجبل، وقد تعطلت وخربت، وعلى جانبها الشمالي- يعني من جهة المغرب- بناء مستطيل مجصص. قلت: والظاهر أنه كان حوضا أو بركة لورود الحجاج، كانوا ينزلون بها أيام عمارة المدينة، ولهذا سمي المطري محلها منزلة النقاء، وما سيأتي عنه في النقاء مصرّح بذلك، وكان بعض فقراء العجم قد جدّدها وعمرها في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة فصارت تعرف ببئر الأعجام، كما رأيته بخط الزين المراغي. قلت: وقد تهدمت وتشعّثت بعد ذلك، فجددها الجناب الخواجكي البدري بدر الدين بن عليبة سنة ست وثمانين وثمانمائة، تقبل الله منه وأثابه الجنة بمنه وكرمه. وتقدم في بئر إهاب أن المطري تردّد في أن هذه السقيا لقربها من الطريق أم هي البئر المعروفة اليوم بزمزم؛ لتواتر التبرك بها، ثم قال: إن الظاهر أن السقيا هي الأولى. قلت: وهو الصواب؛ لزوال التردد بما منّ الله به من الظّفر بمسجد السقيا عندها، كما تقدم فيه، والظاهر أنها المرادة بقول الغزالي في آداب الزائر: وليغتسل من بئر الحرة، انتهى، وذلك لكونها على جادّة الطريق، وكانت مجاورة لأول بيوت المدينة أيام عمارتها. وقال أبو داود عقب روايته لحديث استعذاب الماء من بيوت السقيا: قال قتيبة: السقيا عين بينها وبين المدينة يومان. قلت: وما ذكره صحيح كما سيأتي في ترجمتها، إلا أنها ليست المرادة هنا، وكأنه لم يطلع على أن بالمدينة بئرا تسمى بذلك، وقد اغترّ به المجد فقال: السقيا قريبة جامعة من عمل الفرع، ثم أورد حديث أبي داود، وقول صاحب النهاية: السقيا منزل بين مكة والمدينة، قيل: على يومين، ومنه حديث «كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا» ثم قال:

стр. 709

وقول أبي بكر بن موسى «السقيا بئر بالمدينة منها كان يستقى لرسول الله ﷺ » محمول على هذا؛ لأن الفرع من عمل المدينة، ثم قال: وأما البئر التي على باب المدينة بينها وبين ثنيّة الوداع أي المدرج بها كما سيأتي عنه فيظنها أهل المدينة أنها هي السقيا المذكورة في الحديث، قال: والظاهر أنه وهم، قال: ومما يؤكد ذلك قوله في الحديث «من بيوت السقيا» ولم يكن عند هذا البئر بيوت في وقت، ولم ينقل ذلك، وأيضا إنما استعدب له ﷺ الماء من السقيا لما استوخموا مياه آبار المدينة، قال: وهذه البئر التي ذكرناها- أي التي بين المدينة والمدرج- كانت لسعد بن أبي وقاص فيما حكاه المطري، قال يعني المطري: ونقل أن النبي ﷺ عرض جيش بدر بالسقيا التي كانت لسعد، وصلى في مسجدها، ودعا هنالك لأهل المدينة، وشرب ﷺ من بئرها، ويقال لأرضها «الفلجان» بضم الفاء والجيم، وهي اليوم معطّلة، وكانت مطمومة فأصلمها بعض فقراء العجم، اه. قلت: حمله لكلام أبي بكر بن موسى على ما ذكره ونقله ما جاء في السقيا المذكورة عن المطري يقتضي أنه لم يقف على ما قدمناه عن ابن زبالة وابن شبة، وأنه لا يرى أن بالمدينة نفسها بئرا تسمى بالسقيا، وهو وهم مردود، مع أن المعتمد عندي أن السقيا التي جاء حديث الاستعذاب منها إنما هي سقيا المدينة، وذلك لوجوه: الأول: إيراد ابن شبة للحديث في ترجمة آبار المدينة التي كان يستقى له ﷺ منها. الثاني: قرنه لذلك بحديث عرض جيش بدر بها، وإيراد ابن زبالة في سياق آبار المدينة، والسقيا التي من عمل الفرع ليست من طريق النبي ﷺ إلى بدر؛ لأن تلك الطريق معروفة، والسقيا المذكورة معروفة أيضا، وليست في جهتها كما سيأتي في بيان محلها، وأيضا ففي حديث جابر المتقدم أنهم اعترضوا بالسقيا عند قتال اليهود بحسيكة مع بيان أن حسيكة بالمدينة نفسها إلى الجرف. الثالث: ما تقدم أيضا من أنها كانت لبعض بني زريق من الأنصار، وتحريض والد جابر له على شرائها، وأن سعدا سبقه لذلك. الرابع: ما تقدم في رواية الواقدي من أنه كان يستقي له ﷺ منها مرة ومن بئر غرس مرة، ويبعد كلّ البعد قرن السقيا التي هي على يومين بل أيام من المدينة كما سيأتي ببئر غرس التي هي بالمدينة. الخامس: ما في رواية الواقدي أيضا من أن المتعاطي لذلك أبناء أسماء أنس وهند وحارثة، ومثل هؤلاء إنما يستقون من المدينة وما حولها؛ لأن سقيا الفرع تحتاج إلى جمال ورجال. السادس: ما قدمناه في مسجد السقيا من إيراد الأسدي له في المساجد التي تزار بالمدينة، ثم ذكر في المساجد التي بين الحرمين مسجد السقيا التي هي من عمل الفرع.

стр. 710

السابع: ما قدمناه من الظفر بمسجد بئر السقيا بالمدينة. الثامن: أن المجد نقل عن الواقدي في ترجمة بقع أنه بضم الموحدة من السقيا التي بنقب بني دينار، وسنبين في نقب بني دينار أنه الطريق التي في الحرة الغربية إلى العقيق. وأما قول المجد «إنه لم يكن عند هذه البئر بيوت في وقت، ولم ينقل ذلك» فمن العجائب؛ إذ من تأمل ما حول البئر المذكورة وما قرب منها علم أنه كان هناك قرى كثيرة متصلة، فضلا عن بيوت، كما يشهد به آثار الأساسات ونقض العمارات، وليت شعري أين هو من مسجد السقيا الذي أهمله تبعا لغيره ومنّ الله بوجوده بسبب التأمل في تلك الأساسات وآثار العمارات؟ ولما كشف التراب عن محله وجدنا من بنائه ومحرابه نحو نصف ذراع، وهو مجاور لهذه البئر كما سبق، وما ذكره من أن الاستعذاب من السقيا إنما كان لما استوخموا آبار المدينة فمردود، بل هو طلب الماء العذب، وأيضا أنهم لم يستوخموا كل آبارها. وفي الصحيح في قصة مجيئه ﷺ إلى أبي الهيثم بن التيهان قول زوجته «خرج يستعذب لنا الماء» ورواية الواقدي المتقدمة مصرّحة بوقوع الاستعذاب من بئر مالك بن النضر والد أنس، وكانت بدار أنس كما تقدم بيانه، كما سيأتي في بئر غرس الاستعذاب منها أيضا. ثم لو سلمنا أن المراد من حديث أبي داود في الاستعذاب العين التي ذكرها قتيبة فهو محمول على أنه كان يستعذب له ﷺ منها، إذا نزل قربها في سفر حجه ونحوه، أما استعذابه منها إلى المدينة فلا أراه وقع أصلا، والله أعلم. بئر العقبة: - بالعين المهملة، ثم القاف- قال المجد: ذكرها رزين العبدري في آبار المدينة، وقال: هي التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها، ولم يعين لها موضعا، والمعروف أن هذه القصة إنما كانت في بئر أريس، اه. والذي رأيته في كتاب رزين في تعداد الآبار المعروفة بالمدينة ما لفظه: وبئر العين سقط فيها الخاتم، وبئر القف التي أدلى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر أرجلهم فيها، انتهى. وقد قدمنا في بئر أريس ما يقتضي تعدد الواقعة. بئر أبي عتبة: - بلفظ واحد العنب- قال ابن سيد الناس في خبر نقله عن ابن سعد في غزوة بدر، ما لفظه: وضرب رسول الله ﷺ عسكره على بئر أبي عنبة، وهي على ميل من المدينة، فعرض أصحابه، وردّ من استصغره، اه. وهذا مستند ما نقله المطري في الكلام على بئر السقيا حيث قال بعد ذكر عرض جيش بدر بالسقيا: ونقل الحافظ ابن عبد الغني المقدسي أنه عرض جيشه على بئر أبي عنبة بالحرة فوق هذه البئر أي السقيا، إلى المغرب، ونقل أنها على ميل من المدينة. قلت: ولعل العرض وقع أولا عند مرورهم بالسقيا، ثم لما ضرب عسكره على هذه

стр. 711

البئر أعاد العرض لرد من استصغر، ولعل هذه البئر هي المعروفة اليوم ببئر ودي؛ لانطباق الوصف المتقدم عليها، ولأنها أعذب بئر هناك. وقد روى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد قال: خرجنا نشيع ابن جريج حين خرج إلى مكة، فلما كنا عند بئر أبي عنبة قال: ما اسم هذا المكان؟ فأخبرناه، فقال: إن عندي فيه لحديثا، ثم ذكر حديث عاصم بن عمر حين اختصم فيه عمر وجدّته إلى أبي بكر، فقال عمر: يا خليفة رسول الله، ابني ويستقي لي من بئر أبي عنبة، فدل على أن الماء كان يستعذب منها، قال المجد: وقد جاء ذكر هذه البئر في غير ما حديث. بئر العهن: - بكسر العين المهملة، وسكون الهاء، ونون- ذكر المطري الآبار التي ذكرها ابن النجار- وهي: أريس، والبصّة، وبضاعة، ورومة، والغرس، وبيرحاء- ثم قال: والآبار المذكورة ست، والسابعة لا تعرف اليوم، ثم ذكر ما تقدم عنه في بئر جمل. ثم قال: إلا أني رأيت حاشية بخط الشيخ أمين الدين بن عساكر على نسخة من «الدرة الثمينة، في أخبار المدينة» للشيخ محب الدين بن النجار ما مثاله: العدد ينقص عن المشهور بئرا واحدة؛ لأن المثبت ست، والمأثور المشهور سبع، والسابعة اسمها «بئر العهن» بالعالية، يزرع عليها اليوم، وعندها سدرة، ولها اسم آخر مشهورة به. قال المطرطي عقبه: وبئر العهن هذه معروفة بالعوالي، وهي بئر مليحة جدّا، منقورة في الجبل، وعندها سدرة كما ذكر، ولا تكاد تعرف أبدا، وقال الزين المراغي عقب نقله، والسدرة مقطوعة اليوم. قلت: ولم يذكروا شيئا يتمسك به في فضلها ونسبتها إلى النبي ﷺ ، لكن لم يزل الناس يتبركون بها. والذي ظهر لي بعد التأمل أنها بئر اليسرة الآتي ذكرها، وأن النبي ﷺ نزل عليها وتوضأ وبصق فيها؛ لأن اليسرة بئر بني أمية من الأنصار بمنازلهم كما سيأتي، وبئر العهن عند منازلهم، وقد أشار ابن عساكر إلى تسميتها باسم آخر، فأظنه الاسم المذكور، والله أعلم. بئر غرس: - بضم الغين المجمة كما رأيته في خط الزين المراغي، وهو الدائر على ألسنة أهل المدينة، ويقال «الأغرس» كما يؤخذ مما سيأتي في وادي بطحان أول الفصل الخامس، وقال المجد: بئر الغرس بفتح الغين وسكون الراء وسين مهملة، والغرس: الفسيل، أو الشجر الذي يغرس لينبت، مصدر غرس الشجر، قال: وضبطه بعض الناس بالتحريك مثال سحر، وسمعت كثيرا من أهل المدينة يضمون الغين، قال: والصواب الذي لا محيد عنه ما قدمته، أي من الفتح- وهي بئر بقباء في شرقي مسجدها، على نصف ميل إلى جهة الشمال، وهي بين النخيل، ويعرف مكانها اليوم وما حولها بالغرس، قال: وحولها مقابر بني حنظلة.

стр. 712

قلت: وأظنه تصحيفا، والمذكور في جهتها بنو خطمة، وقد تقدم في بئر السقيا أن رباحا الأسود عبد النبي ﷺ كان يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة. وروى ابن حبان في الثقات عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: ائتوني بماء من بئر غرس؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يشرب منها ويتوضأ. وفي سنن ابن ماجه بسند جيد عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أنا متّ فاغسلوني بسبع قرب من بئري بئر غرس» وكانت بقباء، وكان يشرب منها. ورواه يحيى عن عليّ بلفظ: أمرني رسول الله ﷺ فقال «يا علي، إذا أنا متّ فاغسلني من بئري بئر غرس بسبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ» . وروى ابن سعد في طبقاته برجال الصحيح عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم قال: غسل النبي ﷺ ثلاث غسلات بماء وسدر، وغسل في قميص، وغسل من بئر يقال لها الغرس لسعد بن خيثمة بقباء، وكان يشرب منها. وروى ابن شبة بسند صحيح عنه أيضا أن النبي ﷺ غسل من بئر سعد بن خيثمة بئر كان يستعذب له منها، وفي رواية: من بئر سعد بن خيثمة بئر يقال لها الغرس بقباء كان يشرب منها. وروى أيضا عن سعيد بن رقيش أن النبي ﷺ توضأ من بئر الأغرس، وأهراق بقية وضوئه فيها. وروى ابن زبالة عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: جاءنا أنس بن مالك بقباء فقال: أين بئركم هذه؟ يعني بئر غرس، فدللناه عليها، قال: رأيت النبي ﷺ جاءها، وإنها لتسنى على حمار، بسحر، فدعا النبي ﷺ بدلو من مائها، فتوضّأ منه ثم سكبه فيها، فما نزفت بعد. وعن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : إني رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة، فأصبح على بئر غرس، فتوضأ منها، وبزق فيها، وأهدى له عسل فصبه فيها، وغسل منها حين توفي. ورواه ابن النجار من طريق ابن زبالة، دون قوله «وأهدى له من عسل إلى آخره» . وقال المجد: وفي حديث ابن عمر: قال رسول الله ﷺ وهو قاعد على شفير غرس: رأيت الليلة كأني جالس على عين من عيون الجنة، يعني بئر غرس. قال: وعن عاصم بن سويد عن أبيه أن رسول الله ﷺ أتى بعسل فشرب منه، وأخذ منه شيئا فقال: هذا لبئري بئر غرس، ثم صبّه فيها، ثم إنه بصق فيها، وغسل منها حين توفي.

стр. 713

قلت: وسبق في أوائل الفصل العاشر من الباب الرابع ما يقتضي أن هذه البئر عند مسجد قباء، وأن النبي ﷺ أول مقدمه قباء أناخ على غدة عندها، وقدمنا أن الظاهر أن تصحيف؛ لمخالفته لما هو المعروف في محل هذه البئر. وقال ابن النجار: هذه البئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، هي في وسط الصحراء، وقد حربها السيل وطمّها، وفيها ماء أخضر، إلا أنه عذب طيب، وريحه الغالب عليه الأجون. قال: وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شافة منها ذراعان ماء وعرضها عشرة أذرع. قال المطري: وهي اليوم ملك لبعض أهل المدينة، وكانت قد خربت فجددت بعد السبعمائة، وهي كثيرة الماء، وعرضها عشرة أذرع، وطولها يزيد على ذلك، وماؤها يغلب عليه الخضرة، وهو طيب عذب. قلت: وقد خربت بعد ذلك، فابتاعها وما حولها صاحبنا الشيخ العلامة المقيد خواجا حسين بن الجواد المحسن الخواجكي الشيخ شهاب الدين أحمد القاواني، أثابه الله تعالى، وعمرها وحوط عليها حديقة، وجعل لها درجة ينزل إليها منها من داخل الحديقة وخارجها، وأنشأ بجانبها مسجدّا لطيفا، ووقفها، تقبّل الله منه، وذلك في سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة. بئر القراصة: لم يذكرها وما بعدها ابن النجار ومن بعده، ولم أر من ضبطها، ولعلها بالقاف وبالراء كما في بعض النسخ، وفي بعضها بالعين بدل القاف. وروى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله قال: لما استشهد أبي عبد الله بن عمرو بن حرام عرضت على غرمائه القراصة، وكانت له، أصلها وثمرها بما عليه من الدين، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، إلا أن يقوّموها قيمة ويرجعوا عليه بما بقي من الدين، قال: فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دعهم، حتى إذا كان جدادها فجدّها في أصولها، ثم ائتني فأعلمني، فلما حان جدادها جدّها في أصولها ثم جاء رسول الله ﷺ فأعلمه، فخرج رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فبصق في بئرها، ودعا الله أن يؤدي عن عبد الله بن عمرو، وقال: اذهب يا جابر إلى غرماء أبيك فشارطهم على سعر وائت بهم فأوفهم، فخرج جابر فشارطهم على سعر، وقال: انطلقوا حتى أوفيكم حقوقكم، وكان أكبرهم اليهود، قال: فقال بعضهم لبعض: أما تعجبون من صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، عرض أصله وثمره فأبينا، ويزعم أنه يوفينا من ثمره، قال: فجاء بهم حتى أوفاهم حقوقهم، وفضل منها مثل ما كانوا يجدون كل سنة. قلت: وهذه البئر غير معروفة اليوم، إلا أن جهتها جهة مسجد الخربة، وهي في غربي

стр. 714

مساجد الفتح؛ لما تقدم فيه من أنه دبر القراصة، ويؤيده أن أصل حديث جابر في أرضه مذكور في الصحيح بطرق وفي بعضها: وكانت لجابر الأرض التي بطريق رومة، وهذه الجهة بطريق رومة. وروى أحمد عن جابر قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي ترك دينا ليهودي فقال: يأتيك يوم السبت إن شاء الله تعالى، وذلك في زمن التمر مع استجداد النخل، فلما كان صبيحة يوم السبت جاءني رسول الله ﷺ ، فلما دخل عليّ في مالي أتى الربيع فتوضّأ منه ثم قام إلى المسجد فصلى ركعتين، ثم دنوت به إلى خيمة لي فبسطت له بجادا من شعر، الحديث، والله أعلم. بئر القريصة: لم أر من ضبطها، وأظنها بالقاف والصاد المهملة مصغرة. روى ابن زبالة عن سعد بن حرام والحارث بن عبيد الله قالا: توضأ رسول الله ﷺ من بئر في القريصة بئر حارثة، أو شرب، وبصق فيها، وسقط فيها خاتمة فنزع. ثم روى عقبة سقوط الخاتم في بئر أريس. قلت: وهذه البئر لا تعرف اليوم، إلا أن في شرقي المدينة بقرب القراصة المتقدمة في مسجد القراصة بئرا تعرف بالقريصة مصغر القرصة، فإن صح الضبط المتقدم فهي المرادة. بئر اليسرة: من اليسر ضد العسر. روى ابن زبالة عن سعيد بن عمرو قال: جاء رسول الله ﷺ بني أمية بن زيد، فوقف على بئر لهم فقال: ما اسمها؟ قالوا: عسرة، قال: لا، ولكن اسمها اليسرة، قال: فبصق فيها وبرّك فيها. وروى ابن شبة عن محمد بن حارثة الأنصاري عن أبيه أن النبي ﷺ سمّى بئر بني أمية من الأنصار اليسرة، وترّك عليها وتوضأ وبصق فيها. وروى ابن سعد في طبقاته عن عمر بن سلمة أن أبا سلمة بن عبد الأسد لما مات غسل من اليسرة، بئر بني أمية بن زيد بالعالية، وكان ينزل هناك حين تحوّل من قباء، غسل بين قرني البئر، وكان اسمها في الجاهلية العسرة، فسماها رسول الله ﷺ اليسرة. قلت: وهذه لبئر غير معروفة اليوم بهذا الاسم، والذي يظهر أنها بئر العهن؛ لما قدمناه فيها. وقد استقصينا هذا الغرض فبلغ كما ترى نحو عشرين بئرا، وما اقتضاه كلام بعضهم من انحصار المأثور من ذلك في سبع مردود؛ لكن الذي اشتهر من ذلك سبع، ولهذا قال في الإحياء: ولذلك تقصد الآبار التي كان رسول الله ﷺ يتوضأ منها ويغتسل ويشرب، وهي سبعة آبار، طلبا للشفاء، وتبركا به ﷺ ، انتهى.

стр. 715

قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: وهي أي السبعة المشار إليها: بئر أريس، وبيرحاء، وبئر رومة، وبئر غرس، وبئر بضاعة، وبئر البصة، وبئر السقيا، أو بئر العهن، أو بئر جمل؛ فجعل السابعة مترددة بين الآبار الثلاث، ثم ذكر نحو ما قدمناه في فضائل هذه الآبار إلا العهن فلم يذكر فيها شيئا؛ لأن الوارد فيها إنما هو باسمها الآخر ولم يشتهر. ثم قال: والمشهور أن الآبار بالمدينة سبعة. وقد روى الدارمي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال في مرضه ضبّوا عليّ سبع قرب من آبار شتى، وهو عند البخاري دون قوله «من آبار شتى» انتهى. قلت: ومن ذلك فلا دلالة فيه على أن تلك الآبار السبعة هي المرادة بذلك، والمشهور عند أهل المدينة أن السابعة هي العهن، ولهذا قال أبو اليمن ابن الزين المراغي فيما أنشدنيه عنه أخوه شيخنا العلامة أبو الفرج ناصر الدين المراغي: إذا رمت آبار النبيّ بطيبة ... فعدّتها سبع مقالا بلا وهن أريس، وغرس، رومة، وبضاعة ... كذا بصّة، قل بيرحاء مع العهن تتمة في العين المنسوبة للنبي ص ، وما يتصل بها من العين الموجودة في زماننا، وغيرها من العيون. عين كهف بني حرام روى ابن شبة عن عبد الملك بن جابر بن عتيك أن النبي ﷺ توضأ من العين التي عند كهف بني حرام، قال: وسمعت بعض مشيختنا يقول: قد دخل النبي ﷺ ذلك الكهف. وترجم ابن النجار لذكر عين النبي ﷺ ، ثم روى من طريق محمد بن الحسن وهو عن ابن زبالة عن موسى بن إبراهيم بن بشير عن طلحة بن حراش قال: كانوا أيام الخندق يخرجون برسول الله ﷺ ، ويخافون البيات، فيدخلونه كهف بني حرام، فيبيت فيه، حتى إذا أصبح هبط، قال: وبقر رسول الله ﷺ العيينة التي عند الكهف، فلم تزل تجري حتى اليوم. قلت: وهو في كتاب ابن زبالة، إلا أنه قال فيه: عن طلحة بن حراش عن جابر بن عبد الله، قال ابن النجار عقبه: وهذه العين في ظاهر المدينة، وعليها بناء، وهي في مقابلة المصلى. قال المطري عقبه: أما الكهف الذي ذكره فمعروف في غربي جبل سلع، على يمين السالك إلى مسجد الفتح من الطريق القبلية، وعلى يسار المتوجه إلى المدينة مستقبل القبلة، يقابله نخل تعرف بالغنيمية، أي المعروفة اليوم بالنقيبية في بطن وادي بطحان غربي جبل

стр. 716

سلع، قال: وفي الوادي عين تأتى من عوالي المدينة تسقي ما حول المساجد من المزارع وتعرف بعين الخيف خيف شامي، وتعرف تلك الناحية بالسيح. قلت: وقد تقدم في مساجد الفتح إيضاح هذا الكهف، وأن عنده آثار نقر في الجبل، وليست عين الخيف التي ذكرها المطري بجارية في زماننا، بل هي منقطعة، ومجراها معلوم. وبيّن ابن النجار بما يأتي عنه في الخندق أنها تأتي من قباء، وأصلها فيما يقال معلوم غربي قباء، وقد شرع في إجرائها متولّي العمارة الجناب الشمسي ابن الزمن، فتتبّع قناتها إلى أن آل إلى الموضع الذي يقال إنه أصلها، ثم بالغوا في تنظيفه فلم يجر. قال المطري: فأما العين التي ذكر ابن النجار أنها مقابلة المصلى فهي عين الأزرق، وهو مروان بن الحكم، أجراها بأمر معاوية رضي الله تعالى عنه، وهو واليه على المدينة، وأصلها من قباء المعروف من بئر كبيرة غربي مسجد قباء في حديقة نخل، وتجري إلى المصلى، وعليها في المصلى قبة كبيرة مقسومة نصفين، يخرج الماء منها في وجهين مدرجين قبلي وشمالي، وتخرج العين من جهة المشرق، ثم تأخذ إلى جهة الشمال. قال: وأما عين النبي ﷺ التي ذكر ابن النجار فليست تعرف اليوم، وإن كانت كما قال عند الكهف المذكور فقد دثرت، وعفا أثرها. قلت: مراد ابن النجار أن أصلها عند الكهف، وأنها تجري إلى الموضع الذي عليه البناء في مقابلة المصلى، وقد وافق ابن النجار على ذلك ابن جبير في رحلته، فقال: وقبل وصولك سور المدينة من جهة المغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق، وبينه وبين المدينة عن يمين الطريق العين المنسوبة إليالنبي ﷺ ، وعليها حلق عظيم، ومستدير، ومنبع العين وسط ذلك الحلق كأنه الحوض المستطيل، وتحته سقايات مستطيلات باستطالة الحلق، وقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض بجدارين، وهو يمدّ السقايتين، ويهبط إليها على أدراج نحو الخمس والعشرين درجة، وهما لتطهير الناس واستقائهم وغسل أثوابهم، والحوض المذكور لا يتناول منه لغير الاستسقاء خاصة صونا له، انتهى. قال المجد: وبشبه أنه اشتبه عليه عين الأزرق بعين النبي ﷺ . قلت: اتفاقه هو وابن النجار على ذلك يبعد الاشتباه، بل يحتمل أن عين النبي ﷺ كانت تحرى إلى هذا الموضع، وكذا عين الأزرق، ثم انقطعت الأولى وبقيت الثانية التي هي عين الأزرق. قال المطري: وقد أخذ الأمير سيف الدين الحسين ابن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمسمائة منها شعبة من عند مخرجها من القبة، فساقها إلى باب المدينة من باب المصلى، ثم أوصلها إلى الرحبة التي عند مسجد النبي ﷺ من جهة باب السلام، أي المقابلة لباب المدرسة الزمنية، وبها سوق المدينة اليوم.

стр. 717

قال: وبنى لها هناك منهلا بدرج من تحت الدور، يستقي منه أهل المدينة، وجعل لها مصرفا من تحت الأرض بشق وسط المدينة على الموضع المعروف بالبلاط، أي سوق العطارين اليوم، وما والاه من منازل الأشراف أمراء المدينة، يخرج إلى ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقي الحصن الذي يسكنه أمير المدينة. قال: وقد كان جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد، وجعل لها منهلا بدرج عليه عقد يخرج الماء إليه من فوّارة يتوضأ منها من يحتاج إلى الوضوء، وحصل في ذلك انتهاك حرمة المسجد من كشف العورات والاستنجاء في المسجد، فسدّت لذلك. قلت: وقد سبق في الفصل الحادي والثلاثين من الباب الخامس عن ابن النجار في ذكر السقايات التي بالمسجد أن الذي عمل هذا المنهل بعض أمراء الشام واسمه شامة. ثم ذكر المطري وصف مسير العين من القبة التي بالمصلّى إلى جهة الشام فقال: وإذا خرجت العين من القبة التي في المصلّى سارت إلى جهة الشمال، حتى تصل إلى سور المدينة فتدخل تحته إلى منهل آخر بوجهين مدرجين: أي وهو الذي عند رحبة حصن الأمير، ثم تخرج إلى خارج المدينة فتصل إلى منهل آخر بوجهين مدرجين عند قبر النفس الزكية، ثم تخرج من هناك وتجتمع هي وما يتحصّل من مصلها في قناة واحدة إلى البركة التي ينزلها الحجاج، يعني حجاج الشام، وهي التي تقدم عنه في الباب الأول في أثرب أن الحجاج يسمونها عيون حمزة، أي لظنهم أنها عين الشهداء، وأنها تأتي من جهة مشهد سيدنا حمزة، وليس كذلك، إنما تأتي كما قال من قباء من البئر التي في الحديقة المعروفة بالجعفرية، وإذا جاوزت مشهد النفس الزكية وثنيّة الوداع مرّت من شامي سلع على المسجد المعروف بمسجد الراية، ولها هناك منهل آخر، ثم تسير في جهة المغرب فتمر في غربي الجبلين اللذين في غربي مساجد الفتح، وهكذا حتى تصل إلى مغيضها، وهو الموضع المسمى بالبركة، وقد زرع عليها هناك نخيل كثيرة هي اليوم بيد أمراء المدينة، وفقر قناتها ظاهرة في الأماكن التي أشرنا إليها، ولا مرور لها بالشهداء أصلا فعين الشهداء غير هذه العين، وهي المراد بما سبق في سابع فصول الباب الخامس في ذكر قبور الشهداء بأحد من قول جابر: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، وغيره من الأخبار المذكورة هناك، وحينئذ فكل من العينين المذكورتين تنسب إلى معاوية: عين الشهداء، وهي دائرة اليوم، ويحتمل: أنها التي كان مغيضها عند المسجد المعروف بمصرع حمزة رضي الله تعالى عنه المتقدم ذكرها في المساجد، وأن الأمير وديا كان قد جدّدها ثم دثرت، لكن أصلها من جهة العالية، وبعض قطرها ظاهر يشهد بذلك. وقال البدر بن فرحون في ترجمة نور الدين الشهيد: إنه أجرى العين التي تحت جبل

стр. 718

أحد، قال: وأظنها عين الشهداء، فإن العين التي أجراها معاوية رضي الله تعالى عنه مستبطنة الوادي وقد دثرت، ورسومها موجودة إلى اليوم، انتهى. والعين الموجودة اليوم المعروفة بعين الأزرق، وتسميها العامة الزرقاء، سميت بذلك لأن مروان الذي أجراها بأمر معاوية كان أزرق العينين فلذلك لقب بالأزرق. ومن الغرائب العجيبة ما ذكره المنورقي في جزء ألّفه في فضائل الطائف عن الفقيه أبي محمد عبد الله بن حمو البخاري عن شيخ الخدام بالحرم النبوي بدر الشهابي أنه بلغه أن ميضأة وقعت في عين الأزرق بالطائف، فخرجت في عين الأزرق بالمدينة. ويذكر أنه كان بالمدينة وما حولها عيون كثيرة تجددت بعد النبي ﷺ ، وكان لمعاوية رضي الله تعالى عنه اهتمام بهذا الباب، ولهذا كثرت في أيامه الغلال بأراضي المدينة، فقد نقل الواقدي في كتاب الحرّة أنه كان بالمدينة على زمن معاوية صوافي كثيرة، وأن معاوية كان يجدّ بالمدينة وأعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق، ويحصد مائة ألف وسق حنطة. الفصل الثاني في صدقاته ﷺ ، وما غرسه بيده الشريفة أصل صدقات الرسول ﷺ روى ابن شبة فيما جاء في أمواله ﷺ وصدقاته عن ابن شهاب قال: كانت صدقات رسول الله ﷺ أموالا لمخيريق اليهودي، أي بالخاء المعجمة والقاف مصغرا. قال عبد العزيز- يعني ابن عمران- بلغني أنه كان من بقايا بني قنيقاع، ثم رجّح حديث ابن شهاب قال: وأوصي مخيريق بأمواله للنبي ﷺ ، وشهد أحدا فقتل به، فقال رسول الله ﷺ : مخيريق سابق يهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة. أسماء صدقات الرسول ﷺ ومواضعها قال: وأسماء أموال مخيريق التي صارت للنبي ﷺ : الدلال، وبرقة، والأعواف، والصافية، والميثب، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم. فأما الصافية وبرقة والدلال والميثب فمجاورات لأعلى الصورين من خلف قصر مروان بن الحكم، ويسقيها مهزور. وأما مشربة أم إبراهيم فيسقيها مهزور، فإذا بلغت بيت مدراس اليهود فحيث مال أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الأسدي فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه، وذكر ما قدمناه عنه في المساجد في سبب تسميتها بمشربة أم إبراهيم. ثم قال: وأما حسنى فيسقيها مهزور، وهي من ناحية القف.

стр. 719

وأما الأعواف فيسقيها مهزور، وهي من أموال بني محمم. ثم قال: قال أبو غسان: وقد اختلف في الصدقات فقال بعض الناس: هي أموال بني قريظة والنضير. وروى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت الدلال لامرأة من بني النضير، وكان لها سلمان الفارسي، فكاتبته على أن يحييها لها، ثم هو حر، فأعلم بذلك النبيّ ﷺ ، فخرج إليها فجلس على فقير، ثم جعل يحمل إليه الوديّ فيضعه بيده، فما عدت منها ودية أن طلعت. قال: ثم أفاءها الله على رسوله ﷺ ، قال: والذي يظهر عندنا: أنها من أموال بني النضير، ومما يدل على ذلك أن مهزورا يسقيها، ولم يزل يسمع أنه لا يسقى إلا أموال بني النضير. قلت: فيه نظر؛ إذ المعروف ببني النضير إنما هو مذينب، ومهزور لبني قريظة. ثم قال: وقد سمعنا بعض أهل العلم يقول: إن برقة والميثب للزبير بن باطا، وهما اللتان غرس سلمان، وهما مما أفاء الله من أموال بني قريظة. والأعواف: كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة، والله أعلم ما هو الحق من ذلك. وقف الرسول ﷺ أمواله ثم قال: قال الواقدي: وقف النبي ﷺ الأعواف وبرقة وميثب والدلال وحسني والصافية ومشربة أم إبراهيم سنة سبع من الهجرة، قال: وقال الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن الزهري قال: هذه الحوائط السبعة من أموال بني النّضير: قال: وقال بسنده لعبد الله بن كعب بن مالك قال: قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد الله، فهي عامة صدقات رسول الله ﷺ . قال: وقال عن أيوب بن أبي أيوب عن عثمان بن وثاب قال: ما هي إلا من أموال بني النضير، لقد رجع رسول الله ﷺ من أحد ففرّق أموال مخيريق، اه ما أورده ابن شبة. وقال المجد: قال الواقدي: كان مخيريق أحد بني النضير حبرا عالما، فآمن بالنبي ﷺ ، وجعل ماله وهو سبع حوائط لرسول الله ﷺ ، وذكر الحوائط المتقدمة، ونقل الذهبي عن الواقدي سوى ذكر الحوائط، لكن في أوقاف الخصاف: قال الواقدي: مخيريق لم يسلم، ولكنه قاتل وهو يهودي، فلما مات دفن في ناحية من مقبرة المسلمين، ولم يصل عليه. وروى ابن زبالة عن محمد بن كعب أن صدقات رسول الله ﷺ كانت أموالا لمخيريق اليهودي، فلما كان يوم أحد قال لليهود: ألا تنصرون محمدا ﷺ ؟ فو الله إنكم لتعلمون أن نصرته حق، قالوا: اليوم السبت، قال: فلا سبت لكم، وأخذ سيفه فمضى مع النبي ﷺ فقاتل حتى أثبتته الجراح، فلما حضرته الوفاة قال: أموالي إلى محمد يضعها حيث يشاء.

стр. 720

قال محمد بن طلحة راويه: قال عبد الحميد: وكان ذا مال كثير، فهي عامة صدقات النبي ﷺ ، قال: وقال رسول الله ﷺ : مخيريق خير اليهود، قال: وهي الدلال، وذكر الحوائط المتقدمة، إلا أنه قال: والعواف بدل الأعواف. وروى أيضا عن بكر بن أبي ليلى عن مشيخة الأنصار قالوا: كانت أموال رسول الله ﷺ من أموال بني النضير حشاشين ومزارع وإبلا، فغرسها الأمراء بعد، وعملوها، وهي سبعة أموال، وذكر الحوائط المتقدمة. وعن عثمان بن كعب قال: اختلف الناس في صدقات النبي ﷺ ، فقال بعضهم: كانت من أموال بني قريظة والنضير، قال عثمان بن كعب: وليس فيها من أموال بني النضير شيء، إنما صارت أموال بني النضير للمهاجرين نفلا، قال: وكانت برقة والميثب للزبير بن بطا. وقال بعضهم: كانت الدلال من أموال بني ثعلبة من يهود، وكانت مشربة أم إبراهيم من أموال بني قريظة، وكانت الأعواف لخنافة جد ريحانة، قال: ويقال: كانت الأعواف من أموال بني النضير. وروى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه أن سلمان الفارسي كان لناس من بني النضير، فكاتبوه على أن يغرس لهم كذا وكذا وديّة حتى تبلغ عشر سعفات، فقال النبي ﷺ : ضع عند كل فقير ودية، ثم غدا إلى النبي ﷺ فوضعه بيده، ودعا له، فما عطبت منها ودية، ثم أفاؤها الله على نبيه ﷺ فهي الميثب صدقة النبي ﷺ بالمدينة. قلت: يتحصّل من مجموع ما تقدم أن نخل سلمان الذي غرسه ﷺ هو الدلال، وقيل: برقة والميثب، وقيل: الميثب. وروى أحمد والطبراني برجال الصحيح إلا ابن إسحاق وقد صرح بالسماع عن سلمان الفارسي حديثه الطويل، وفيه ما يقتضي أنه بالفقير، وأنه أثمر من عامه، وأنه ذكر فيه عن سلمان أن يهوديا من بني قريظة ابتاعه من ابن عم له بوادي القرى، قال: فاحتملني إلى المدينة، ثم ذكر خبر إسلامه، وقال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : كاتب، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ : أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل، ويعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ : اذهب يا سلمان ففقّر لها، فإذا فرغت فاثتني أكن أنا أضعها بيدي، قال: ففقّرت وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب إليه الوديّ ويضعه رسول الله ﷺ بيده حتى فرغنا، فو الذي نفس سلمان بيدي ما ماتت منها ودية واحدة، قال: فأدّيت النخل وبقي على المال، وذكر خبره فيه.

стр. 721

وذكر ابن عبد البر في خبر سلمان أن النبي ﷺ اشتراه من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل، يعمل فيها سلمان حتى يدرك، فغرس رسول الله ﷺ النخل كله إلا نخلة غرسها عمر فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال رسول الله ﷺ من غرسها؟ قالوا: عمر، فقلعها رسول الله ﷺ وغرسها فأطعمت من عامها، وفي رواية أن تلك الودية التي لم تثمر غرسها سلمان. قلت: والفقير اسم الحديقة بالعالية قرب بني قريظة، وقد خفي ذلك على بعضهم فقال كما نقله ابن سيد الناس: قوله «بالفقير» الوجه إنما هو بالعفير، انتهى. والصواب أنه اسم لموضع، وليس هو من صدقات النبي ﷺ ، فقد ذكر ابن شبة في كتاب صدقة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي كان بيد الحسن بن زيد ما لفظه: والفقير لي كما قد علمتم صدقة في سبيل الله، لكنه سماه قبل ذلك في أخبار صدقاته بالفقيرين، مثنّى، فقال: وكان لي صدقات بالمدينة الفقيرين بالعالية وبئر الملك بقناة، فالظاهر أنه يسمى بكل من اسمين، وأهل المدينة اليوم ينطقون به مفردا بضم الفاء تصغير الفقير ضد الغني. وقد ذكره ابن زبالة مفردا فيما رواه عن محمد بن كعب القرظي قال: كانت بئر غاضر والبرزتان قبضها رسول الله ﷺ لأضيافه، وكانت لكعب بن أسد، وكان الفقير لعمر بن سعد، وصار لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: وسمعت من يقول: كانت بئر غاضر والبرزتان من طعم أزواج النبي ﷺ من أموال بني النضير. قلت: وبئر غاضر اليوم غير معروفة، وأما البرزتان فحديقتان بالعالية متجاورتان يقال لإحداهما البرزه وللأخرى البريزة مصغرة، ووقع في النسخة التي وقفت عليها من كتاب ابن شبة: قال أبو غسان سمعت من يقول: كانت بئر غاضر والنويرتين من طعمه أزواج النبي ﷺ ، وهما من أموال بني قريظة بعالية المدينة، وقد قيل في ذلك إن بئر غاضر مما دخلت في صدقة عثمان في بئر أريس، انتهى. وأظن قوله «النويرتين» تصحيفا، وصوابه البرزتان كما في كتاب ابن زبالة لما قدمناه. تحديد مواضع الصدقات والمعروف منها وأما بيان مواضع صدقات النبي ﷺ المذكورة فقد تقدم أن الصافية وبرقة والدلال والميثب متجاورات بأعلى الصورين؛ فالصافية معروفة هناك اليوم، قال الزين المراغي: هي في شرقي المدينة الشريفة بجزع زهرة، ورأيته ضبط بخطه زهيرة بضم الزاي مصغرة زهرة لاشتهاره في زمنه بذلك، وإنما هو زهرة مكبر لما سيأتي في ترجمتها، وبرقة معروفة أيضا في قبلة المدينة مما يلي المشرق، ولناحيتها شهرة بها كما قال المراغي.

стр. 722

والدلال: جزع معروف أيضا قبلي الصافة بقرب المليكي، وقف فقهاء المدرسة الشهابية كما قاله الزين المراغي أيضا. والميثب: غير معروف اليوم، ويؤخذ من وصف هذه الأربعة بكونها متجاورات قربها من الأماكن المذكورة، ولعله بقرب برقة لما سبق من أنهما اللذان غرسهما سلمان، وكانا لشخص واحد. والأعواف: جزع معروف بالعالية بقرب المربوع، كما تقدم بيانه في بئر الأعواف من الفصل قبله. ومشربة أم إبراهيم: معروفة بالعالية كما تقدم بيانه في المساجد. وحسنى- ضبطها الزين المراغي كما في خطه بالقلم بضم الحاء وسكون السين المهملتين ثم نون مفتوحة- قال: وروايته كذلك في ابن زبالة بالسين بعد الحاء، قال: ولا يعرف اليوم، ولعله تصحيف من الحناء بالنون بعد الحاء، وهو معروف اليوم. قلت: حمل ذلك على التصحيف المذكور متعذر؛ لأني رأيته بحاء ثم سين ثم نون في عدة مواضع من كتاب ابن شبة ومن كتاب ابن زبالة وغيرهما، وإن أراد أن أهل زمانه صحّفوه بالحناء فلا يصح أيضا؛ لأن الموضع المعروف اليوم بالحناء في شرقي الماجشونية، لا يشرب بمهزور، وقد تقدم أن حسنى يسقيها مهزور، وأنها بالقف، وسيأتي في بيان القف ما يقتضي أنه ليس بجهة الحناء. والذي يظهر أن حسني هو الموضع المعروف اليوم بالحسينيات بقرب الدلال، فإنه بجهة القف، ويشرب بمهزور، وسيأتي في القف ما يؤيده. وهذه الأماكن السبعة هي صدقاته ﷺ ، ولم أقف على أصل ما قاله رزين العبدري من أن الموضع المعروف بالبويرة بقباء صدقة النبي ﷺ من النخل، قال: ولم تزل معروفة للمساكين، محبوسة عليهم، وعلى من مرّ بها إلى عهد قريب من تاريخ الخمسمائة كالعشرين سنة ونحوها، فتغّلب عليها بعض ولاة المدينة لنفسه، قال: وبها حصن النضير وحصون قريظة، انتهى. وهو مردود من وجهين: أحدهما: أن الآئمة المتقدم ذكرهم مع اعتنائهم بهذا الباب لم يذكروا هذا الموضع في صدقاته ﷺ . والثاني: أن ما ذكره من أن بهذا الموضع حصون قريظة والنضير مردود بما قدمناه في منازلهما، والموضع الذي ذكره في جهة قبلة المسجد إلى جهة المغرب من منازلهما، وسنبين في ترجمة البويرة أن هذا الموضع ليس هو البويرة المنسوبة لبني النضير، وكأن منشأ ما وقع له تسمية هذا الموضع بالبويرة، وأن صدقة النبي ﷺ من أموال النضير أو قريظة، على ما سبق من الخلاف، وظن أنه المراد.

стр. 723

طلب فاطمة من أبي بكر صدقات أبيها وهذه الصدقات مما طلبته فاطمة رضي الله تعالى عنها من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكذلك سهمه ﷺ بخيبر وفدك. وفي الصحيح عن عروة بن الزبير أن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أخبرته أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إن رسول الله ﷺ قال «لا نورث، ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، قال: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك. وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا إذا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ ، وكانتا لحقوقه التي تعروه. ورواه ابن شبة، ولفظه: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي ﷺ بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملنّ فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، رضي الله تعالى عنهم. وفي رواية له أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر، وذكره مختصرا كما في رواية الصحيح أيضا، وقال فيه: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت، وكذا نقل الترمذي عن بعض مشايخه أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر «لا أكلمكما» أي في هذا الميراث، ولا يرده قوله «فهجرته» إذ ليس المراد الهجر الحرام، بل تركها للقائه، والمدة قصيرة، وقد اشتغلت فيها بحزنها ثم بمرضها، ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح إلى الشعبي مرسلا أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحبّ أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها فرضّاها حتى رضيت عليه. أما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بما سبق فلاعتقادها تأويله، قال الحافظ ابن حجر: كأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله «لا نورث» ورأت أن المنافع لكل ما خلفه

стр. 724

من أرض وعقار لا يمنع أن يورث، وتمسك أبو بكر بالعموم، فلما صمم على ذلك انقطعت عنه. قلت: بقي لذلك تتمة، وهي أنها فهمت من قوله «ما تركنا صدقة» الوقف ورأت أن حق النظر على الوقف وقبض نمائه والتصرف فيه يورث، ولهذا طالبت بنصيبها من صدقته بالمدينة، فكانت ترى أن الحق في الاستيلاء عليها لها وللعباس رضي الله تعالى عنهما، وكان العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما يعتقدان ما ذهبت إليه، وأبو بكر يرى الأمر في ذلك إنما هو للإمام، والدليل على ذلك أن عليا والعباس جاءا إلى عمر يطلبان منه ما طلبت فاطمة من أبي بكر، مع اعترافهما له بأنّ النبي ﷺ قال «لا نورث، ما تركنا صدقة» لما في الصحيح من قصة دخولهما على عمر يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ﷺ من مال بني النضير، وقد دفع إليهما ذلك ليعملا فيه بما كان رسول الله ﷺ يعمل به وأبو بكر بعده، وذلك بحضور عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد والزبير، قال في الصحيح: فقال الرّهط عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقص بينهما وأرح أحدهما من الآخر، فقال عمر: على تيدكم، أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال «لا نورث، ما تركنا صدقة» يعني نفسه؟ فقال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال: أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خّص رسوله ﷺ في هذا الفئ بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ إلى قوله قَدِيرٌ [الحشر: ٦] فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ ، والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم، قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل به رسول الله ﷺ ذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، قال عمر: ثم توفى الله نبيه ﷺ فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله ﷺ ، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، والله يعلم إنه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا وليّ أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلمانّي وكلمتكما وحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك وجاءني هذا- يريد عليا- يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال «لا نورث، ما تركنا صدقة» فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملانّ فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ وبما عمل فيها

стр. 725

أبو بكر وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، الحديث من رواية مالك بن أوس، وهو صريح في مطالبتهما مع اعترافهما بحديث «لا نورث» فليس محله إلا ما تقدم من أنهما فهما أن ذلك من قبيل الوقف، وأن ورثة الواقف أولى بالنظر على الموقوف، سيما وما قبضاه من أموال بني النضير هو صدقة النبي ﷺ بالمدينة، ولهذا زاد شعيب في آخر الحديث المذكور: قال ابن شهاب: فحدثت بهذا الحديث عروة، فقال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول، فذكر حديثها، قال: وكانت هذه الصدقة بيد علي منعها العباس فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن حسين والحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، وهي صدقة رسول الله ﷺ حقا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مثله، وزاد: قال معمر: ثم كانت بيد عبد الله بن حسن حتى ولي هؤلاء، يعني بني العباس، فقبضوها، وزاد إسماعيل القاضي أن إعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان. وفي سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكر قصة بني النضير، وقال في آخرها: فكانت نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاها الله إياه، فقال وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ [الحشر: ٦] الآية، قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة. وقال ابن شبة: قال أبو غسان: صدقات النبي ﷺ اليوم بيد الخليفة: يولى عليها، ويعزل عنها، ويقسم ثمرها وغلتها في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هي في يده. قال الحافظ ابن حجر، بعد نقل نحو ذلك عنه: وكان ذلك على رأس المائتين، ثم تغيرت الأمور، والله المستعان. قلت: قال الشافعي فيما نقله البيهقي: وصدقه رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي- قائمة عندنا، وصدقة الزبير قريب منها، وصدقة عمر بن الخطاب قائمة، وصدقة عثمان، وصدقة عليّ، وصدقة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وصدقة من لا أحصي من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة وأعراضها. وذكر المجد في ترجمة فدك ما يقتضي أن الذي دفعه عمر إلى علي والعباس رضي الله تعالى عنهم ووقعت الخصومة فيه هو فدك، فإنه قال فيها: وهي التي قالت فاطمة رضي الله تعالى عنها: إن رسول الله ﷺ نحلنيها، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أريد بذلك شهودا، فشهد لها عليّ، فطلب شاهدا آخر، فشهدت لها أم يمن، فقال: قد علمت يا بنت

стр. 726

رسول الله ﷺ أنه لا يجوز إلا شهادة رجل وامرأتين، وانصرفت، ثم أدّى اجتهاد عمر لما ولي وفتحت الفتوح، وكان علي يقول: إن النبي ﷺ جعلها في حياته لفاطمة، وكان العباس يأبى ذلك، فكانا يختصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما، ويقول: أنتما أعرف بشأنكما، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة، فكانت في أيديهم أيامه، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم تزل في بني أمية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة، فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القيم عليها يفرقها في ولد علي، فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو حسن قبضها عنهم، فلما ولي ابنه المهدي أعادها عليهم، ثم قبضها موسى بن الهادي ومن بعده إلى أيام المأمون، فجاءه رسول بني عليّ فطالب بها، فأمر أن يسجّل لهم بها، فكتب السجل وقرئ على المأمون، فقام دعبل وأنشد: أصبح وجه الزمان قد ضحكا ... بردّ مأمون هاشم فدكا قلت: ورواية الصحيح السابقة عن عائشة ترد ما ذكره من دفع عمر فدك لعلي وعباس واختصامهما فيها؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، وكذلك ما ذكره من أن عمر بن عبد العزيز رد فدك إلى ولد فاطمة موافق لما نقله هو عن ياقوت من أن عمر بن عبد العزيز لما ولي خطب الناس، وقص قصة فدك وخلوصها لرسول الله ﷺ ، وإنفاقه منها ووضع الفضل في أبناء السبيل، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا رضوان الله عليهم فعلوا كفعله، فلما ولي معاوية أقطعها مروان بن الحكم، وأن مروان وهبها لعبد العزيز وعبد الملك ابنيه، قال: ثم صارت لي وللوليد وسليمان، وأنه لما ولي الوليد سألته فوهبها لي وسألت سليمان حصّته فوهبها لي، فاستجمعتها، وأنه ما كان لي مال أحبّ إليّ منها، وإني أشهدكم أني رددتها على ما كانت في أيام النبي ﷺ والأربعة بعده، فكان يأخذ مالها هو ومن بعده فيخرجه في أبناء السبيل. قلت: وقيل إن الذي أقطع فدك لمروان عثمان رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ ابن حجر: إنما أقطع عثمان فدك لمروان؛ لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي ﷺ يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته. وأما ما ذكره المجد من أن فاطمة رضي الله تعالى عنها ادّعت نحل فدك فروى ابن شبة ما يشهد له عن النمير بن حسان قال: قلت لزيد بن علي وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع من فاطمة رضي الله تعالى عنها فدك فقال: إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان رجلا رحيما، وكان يكره أن يغير شيئا تركه رسول الله ﷺ ، فأتته فاطمة رضي الله تعالى عنها فقالت: إن رسول الله أعطاني فدك، فقال لها: هل لك على هذا بينة؟ فجاءت

стр. 727

بعلي رضي الله تعالى عنه، فشهد لها، ثم جاءت بأم أيمن، فقالت: أليس تشهد أني من أهل الجنة؟ قال: بلى، قالت: فأشهد أن النبي ﷺ أعطاها فدك: فقال أبو بكر: فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين لها القضية؟ قال زيد بن علي: وأيم الله لو رجع لي الأمر لقضيت فيها بقضاء أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وروى ابن شبة أيضا عن كثير النوي قال: قلت لأبي جعفر: جعلني الله فداءك أرأيت أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما هل ظلماكم من حقكم شيئا أو ذهبا به؟ قال: لا والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل، قال: جعلت فداءك فأتولاهما؟ قال: نعم، ويحك! تولهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي، ثم قال: فعل الله بالمغيرة وبكيان فإنهما كذبا علينا أهل البيت. قلت: وبذلك الكذب تعلقت الرّوافض، ولم يفهموا الأحاديث المتقدمة على وجهها، والله أعلم. الفصل الثالث فيما ينسب إليه ص من المساجد التي بين مكة والمدينة ، بالطريق التي كان يسلكها ﷺ ، وهي طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهي تفارق طريق الناس اليوم من قرب مسجد الغزالة كما سيأتي، فلا تمر بالخيف ولا بالصفراء، بل تمر بالحي وثنية هرشى ثم الجحفة كما سيتضح لك، ويكون طريق الناس اليوم على يمين السالك في هذا الطريق، فتمر على رابغ أسفل من الجحفة، ثم تلتقي مع هذه الطريق فوق الجحفة قرب طريق قديد. وفي الأخبار أن من أدب الزائر إلى المساجد التي بين الحرمين أن يصلي فيها، وهي عشرون موضعا. قلت: وهذا بالنسبة إلى هذه الطريق، مع أن أبا عبد الله الأسدي قد ذكر فيها أزيد من ذلك، وقد أضفنا إليه ما وجدناه في كلام غيره، وأوردناها على ترتيبها من المدينة إلى مكة، زادهما الله شرفا. مسجد الشجرة (ذي الحليفة) فمنها مسجد الشّجرة، ويعرف بمسجد ذي الحليفة أيضا، والحليفة: الميقات المدني، ويعرف اليوم ببئر علي. روينا في صحيح مسلم عن ابن عمر قال: بات رسول الله ﷺ بذي الحليفة مبدأه، وصلى في مسجدها. وروى يحيى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة صلّى في مسجد الشجرة.

стр. 728

وروى ابن زبالة عنه أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حج، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: صلّى رسول الله ﷺ في مسجد الشجرة إلى الأسطوانة الوسطى، استقبلها، وكانت موضع الشجرة التي كان النبي ﷺ يصلي إليها. وعن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. وعن ابن عمر أيضا أن النبي ﷺ أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة وصلى بها. قلت: المعنيّ بذلك موضع المسجد المذكور، فإنه كان موضع نزوله ﷺ ، وبنى في موضع الشجرة التي كانت هناك، وبها سمي «مسجد الشجرة» وهي السّمرة التي ذكر في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينزل تحتها بذي الحليفة كما في الصحيح. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ فقال: لبّيك اللهم لبيك، الحديث. وفي رواية له: كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ بهؤلاء الكلمات. ويتحصل من صحيح الروايات أنه ﷺ خرج لحجته نهارا، وبات بذي الحليفة، وأحرم في اليوم الثاني من عند المسجد، فيظهر أن صلواته ﷺ في تلك المدة كانت كلها به، ولم أقف على اغتساله ﷺ لإحرامه بذي الحليفة. وفي باب «ما يلبس المحرم» من البخاري عن ابن عباس قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه الحديث، وليس فيه تصريح بالاغتسال، لكن في طبقات ابن سعد أنه ﷺ خرج في حجة الوداع من المدينة مغتسلا متدهنا مترجّلا متجرّدا في ثوبين سحاريين إزار ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة. وفي كتاب التنبيهات للقاضي عياض: ظاهر المذهب أن المستحب الاغتسال بالمدينة، ثم يسير من فوره، وبذلك فسّره سحنون وابن الماجشون، وهو الذي فعله النبي ﷺ ، كما استحب أن يلبس حينئذ ثياب إحرامه، وكذلك فعل ﵊، انتهى. قلت: ولم يتعرض أصحابنا لذلك، لكن قالوا: إن من اغتسل في التنعيم في الإحرام أجزأه عن الغسل لدخول مكة للقرب، فيؤخذ منه اعتبار القرب، وهو مناف لظاهر ما نقل عنه ﷺ ، إذ لم يحرم من ذي الحليفة إلا في اليوم الثاني، فيحتمل أنه أعاد الغسل حينئذ بذي الحليفة. أما لو كان الإحرام عقب الوضوء إلى ذي الحليفة ونحوه فلا يبعد القول به عندنا، كما ذكروا في الغسل للجمعة من الفجر، وعدم اشتراطهم لاتصاله بالرّواح.

стр. 729

قال المطري، وتبعه من بعده، بعد بيان إحرامه ﷺ عندما انبعثت به راحلته من عند المسجد: فينبغي للحاج إذا وصل إلى ذي الحليفة أن لا يتعدى في زاوية المسجد المذكور وما حوله من القبلة والمغرب والشام، بحيث لا يبعد عما حول المسجد، وإن كثيرا من الحجاج يتجاوزون ما حول المسجد إلى جهة المغرب، ويصعدون إلى البيداء، فيتجاوزون الميقات بيقين. قلت: لم يبين نهاية ذي الحليفة. وقوله «حول المسجد» لا ضابط له، ولا يلزم من نزوله ﷺ بالمسجد وما حوله انحصار ذي الحليفة في ذلك، وسنشير إلى زيادة في ذلك في ترجمة ذي الحليفة، مع بيان المسافة التي بينها وبين المدينة. قال المطري: وهذا المسجد هو المسجد الكبير الذي هناك، وكان فيه عقود في قبلته، ومنارة في ركنه الغربي الشمالي، فتهدمت على طول الزمان. قال المجد: ولم يبق منه إلا بعض الجدران وحجارة متراكمة. قلت: جدد المقر الزيني زين الدين الاستدار بالمملكة المصرية تغمده الله برحمته هذا الجدار الدائر عليه اليوم، لما كان بالمدينة معزولا عام أحد وستين وثمانمائة، وبناه على أساسه القديم، وموضع المنارة في الركن الغربي باق على حاله، وجعل له ثلاث درجات من المشرق والمغرب والشام، في كل جهة منها درجة مرتفعة، حفظا له عن الدواب، ولم يوجد لمحرابه الأول أثر لانهدامه، فجعل المحراب في وسط جدار القبلة، ولعله كان كذلك، واتخذ أيضا الدرج التي للآبار التي هناك ينزل عليها من يريد الاستقاء. وطول هذا المسجد من القبلة إلى الشام اثنان وخمسون ذراعا، ومن المشرق إلى المغرب مثل ذلك. مسجد آخر بذي الحليفة قال المطري: وفي قبلته مسجد آخر أصغر منه، ولا يبعد أن يكون النبي ﷺ صلّى فيه أيضا، بينهما مقدار رمية سهم أو أكثر قليلا، انتهى. قلت: ويؤخذ مما سيأتي عن الأسدي أنه مسجد المعرّس ، والله أعلم. مسجد المعرس ومنها: مسجد المعرس- قال أبو عبد الله الأسدي في كتابة وهو من المتقدّمين يؤخذ من كلامه أنه كان في المائة الثالثة بذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله ﷺ ، فالمسجد الكبير الذي يحرم الناس منه، والآخر مسجد المعرّس، وهو دون مصعد البيداء ناحية عن هذا المسجد، وفيه عرّس رسول الله ﷺ منصرفه من مكة. قلت: ليس هناك غير المسجد المتقدم ذكره في قبلة مسجد ذي الحليفة على نحو رمية سهم سبقي منه، وهو قديم البناء بالقصّة والحجارة المطابقة؛ فهو المراد.

стр. 730

وفي صحيح البخاري في باب المساجد التي على طريق المدينة والمواضع التي صلّى فيها النبي ﷺ عن نافع أن عبد الله أخبره أن رسول الله ﷺ «كان ينزل بذي الحليفة» حين يعتمر، وفي حجته حين حج» - تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حجّ أو عمرة هبط بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرّس ثمّ حتى يصبح» ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد، وكان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب كان رسول الله ﷺ ثم يصلي فدحا فيه السيل بالبطحاء، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه. قال الحافظ ابن حجر: قوله «بطن واد» أي وادي العقيق. قلت: ورواه ابن زبالة بلفظ «هبط بطن الوادي، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية» . ورواه المطري من غير عزو، وقال فيه «هبط بطن الوادي وادي العقيق» وأظنه من الرواية بالمعنى، وهو يقتضي أن يكون المعرّس في شرقي وادي العقيق فلا يكون بذي الحليفة، فيتعين أن يكون المارد بطن واد في وادي العقيق؛ إذ المعرس ذو الحليفة. ففي الحج من صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ «كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس» وأن رسول الله ﷺ «كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح» . وفيه أيضا من طريق عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ أنه أرى وهو في معرّسه بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له: إنك ببطحاء مباركة، وقد أناخ بنا سالم يتوخّى المناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرّى معرّس رسول الله ﷺ ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق وسطا من ذلك. قلت: والمسجد المتقدم ذكره ببطن الوادي، فلعله المراد، ويكون المعرس بقربه من المشرق. وروى يحيى عن ابن عمر أن النبي ﷺ قيل له وهو بالمعرس نائم يعني معرس الشجرة: إنك ببطحاء مباركة. قلت: فيتأيد به ما تقدم لإضافته المعرس إلى الشجرة، ولا يشكل ذلك ببعد هذا المسجد عن الطريق التي تسلك اليوم إلى المدينة؛ لما تقدم من رواية ابن عمر في اختلاف طريق الشجرة وطريق المعرّس. وروى البزار بسند جيد عن أبي هريرة نحوه، فقال: إن رسول الله ﷺ «كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس» .

стр. 731

وفي صحيح أبى عوانة حديث «كان النبي ﷺ يخرج من طريق الشجرة إلى مكة، وإذا رجع رجع من طريق المعرس» . وروى بعضهم عن نافع أنه انقطع عن ابن عمر حتى سبقه إلى المعرّس، ثم جاء إليه فقال: ما حبسك عني؟ فأخبره، فقال: إني ظننت أنك أخذت الطريق الأخرى، ولو فعلت لأوجعتك ضربا، وهذا لحرصه على الاتباع في النزول هناك، وقد أميتت هذه السنة. وروى ابن زبالة عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة أن رسول الله ﷺ «كان إذا خرج إلى مكة يسلك على دار جبر بن علي، ثم على منازل بني عطاء، ثم في بطحان، ثم في زقاق البيت، حتى يخرج عند موضع دار ابن أبي الجنوب بالحرة» . قلت: وهذه الأماكن غير معروفة بأعيانها، والله أعلم. مسجد شرف الروحاء ومنها: مسجد شرف الرّوحاء- قال البخاري عقب ما تقدم من رواية نافع وأن عبد الله حدّثه أن النبي ﷺ «صلّى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الرّوحاء» . وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي فيه صلّى النبي ﷺ ، يقول: ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلى، وذلك على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك. ورواه يحيى بلفظ: أن رسول الله ﷺ «صلّى إلى جانب المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الرّوحاء» وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلّى فيه رسول الله ﷺ بعواسج، يكون عن يمينك حين تقوم في المسجد، وباقيه كلفظ البخاري. وروى ابن زبالة عن ابن عمر قال: صلّى رسول الله ﷺ بشرف الروحاء على يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وإلى يسارها وأنت مقبل من مكة. قلت: وهذا المسجد هو المعنى بقول الأسدي: وعلى ميلين من السيالة مسجد رسول الله ﷺ يقال له مسجد الشرف، قال: وبين السيالة والرّوحاء أحد عشر ميلا، وبينها وبين ملل سبعة أميال، وهي لولد الحسين بن علي بن أبي طالب ولقوم من قريش، وعلى ميل منها عين تعرف بسويقية لولد عبد الله بن حسن، كثيرة الماء عذبة، وهي ناحية عن الطريق، قال: والجبل الأحمر الذي يسرة الطريق حين يخرج من السيالة يقال له ورقان، يسكنه قوم من جهينة يقال: إنه متصل إلى مكة لا ينقطع، وذكر آبارا كثيرة بالسيالة. وقوله «وعلى ميلين من السيالة» أراد من أولها، ولهذا قال المطري: شرف الروحاء هو آخر السيالة وأنت متوجه إلى مكة، وأول السيالة إذا قطعت شرف ملل، وكانت الصخيرات صخيرات التمام عن يمينك، وقد هبطت من ملل ثم رجعت عن يسارك واستقبلت القبلة،

стр. 732

فهذه السيالة وكانت قد تجدد فيها بعد النبي ﷺ عيون وسكان، وكان لها وال من جهة والي المدينة ولأهلها أخبار وأشعار، وبها آثار البناء وأسواق، وآخرها الشرف المذكور، والمسجد عنده، وعنده قبور قديمة كانت مدفن أهل السيالة، ثم تهبط في وادي الروحاء مستقبل القبلة، ويعرف اليوم بوادي بني سالم، بطن من حرب عرب الحجاز؛ ثم ذكر ما سيأتي. قلت: وتلك القبور التي عند المسجد مشهورة بقبور الشهداء، ولعله لكون بعضهم دفن فيها ممن قتل ظلما من الأشراف الذين كانوا بالسيالة وبسويقة، كما يؤخذ مما سنشير إليه في ترجمة سويقة. مسجد عرق الظبية ومنها مسجد عرق الظّبية- قال المطري عقب قوله «ثم يهبط في وادي الروحاء مستقبل القبلة» ما لفظه: فتمشي مستقبل القبلة وشعب على يسارك، إلى أن تدور الطريق بك إلى المغرب وأنت مع أصل الجبل الذي على يمينك، فأول ما يلقاك مسجد على يمينك كان فيه قبر كبير في قبلته فتهدم على طول الزمان، صلّى فيه رسول الله ﷺ ، ويعرف ذلك المكان بعرق الظبية، ويبقى جبل ورقان على يسارك، قال: وفي المسجد الآن حجر قد نقش عليه بالخط الكوفي عند عمارته الميل الفلاني من البريد الفلاني، انتهى. وقال الأسدي: وعلى تسعة أميال- يعني من السيالة- وأنت ذاهب إلى الرّوحاء مسجد للنبي ﷺ يقال له مسجد الظبية، فيه كانت مشاورة رسول الله ﷺ لقتال أهل بدر، وهو دون الروحاء بميلين، انتهى. وقال المجد في ترجمة الشرف: إن في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «أصبح رسول الله ﷺ يوم الأحد بملل على ليلة من المدينة، ثم راح فتعشى بشرف السيالة، وصلّى الصبح بعرق الظبية» . وروى ابن زبالة عن عمرو بن عوف المزني قال: أول غزوة غزاها النبي ﷺ وأنا معه غزوة الأبواء، حتى إذا كان بالرّوحاء عند عرق الظبية قال: هل تدرون ما اسم هذا الجبل؟ يعني ورقان، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حمت جبل من جبال الجنة، اللهم بارك لنا فيه، وبارك لأهله فيه، تدرون ما اسم هذا الوادي؟ يعني وادي الروحاء، هذا سجاسج، لقد صلّى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا، ولقد مرّ بها- يعني الروحاء- موسى بن عمران في سبعين ألفا من بني إسرائيل عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة له ورقاء، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى بن مريم حاجا أو معتمرا، أن يجمع الله له ذلك. ورواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله حسّن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات، إلا أنه قال فيه عقب قوله «وبارك لأهله فيه» وقال للروحاء هو سجاسج وهذا واد من أودية

стр. 733

الجنة، لقد صلّى في هذا الوادي قبلي سبعون نبيا، ولقد مر به موسى ﵇ عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورقاء في سبعين ألفا من بني إسرائيل حاجين البيت العتيق، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى بن مريم عبد الله ورسوله. ورواه يحيى بنحوه، إلا أنه قال: لقد صلّى قبلي في هذا الموضع سبعون نبيا، ورواه الترمذي بلفظ: أن النبي ﷺ صلّى في وادي الروحاء، وقال: لقد صلّى في هذا المسجد سبعون نبيا. قلت: وآثار هذا المسجد موجودة هناك. مسجد آخر بالروحاء ومنها: مسجد بالروحاء، ذكره الأسدي، وغاير ما بينه وبين ما قبله وما بعده. وقال الواقدي في غزوة بدر: ثم سار رسول الله ﷺ حتى أتى الروحاء ليلة الأربعاء النصف من شهر رمضان، فصلى عند بئر الروحاء. وسيأتي في ترجمة الروحاء أنه كان بها آبار متعددة، فلم يبق منها اليوم سوى بئر واحدة، والله أعلم. مسجد المنصرف (الغزالة) ومنها: مسجد المنصرف، ويعرف اليوم بمسجد الغزالة، وهو آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل، على يسارك وأنت ذاهب إلى مكة. قال المطري: ولم يبق منه اليوم إلا عقد الباب. قلت: وقد تهدم أيضا، ولم يبق إلا رسومه. وقال الأسدي: وعلى ثلاثة أميال من الروحاء، يعني وأنت قاصد مكة، مسجد لرسول الله ﷺ في سند الجبل، يقال له مسجد المنصرف، جبل على يسارك تنصرف منه في الطريق، انتهى. وقال البخاري: عقب ما قدمناه في مسجد الشرف من رواية نافع: وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتنى ثمّ مسجد فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه. قلت: توهّم بعضهم أن المراد عرق الظبية، وليس كذلك؛ لتغاير المحلين، ورأيت بخط بعضهم هنا: العرق جبل صغير. وروى ابن زبالة عن ابن عمر قال: صلّى رسول الله ﷺ بشرف الروحاء، وبالمنصرف عند العرق من الروحاء. وفي رواية ليحيى عن ابن عمر أنه كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء،

стр. 734

وذلك العرق أثناء طريقه على حافة الطريق، دون السبيل الذي دون ثنية المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، قال نافع: كان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر. وقال المطري عقب ما تقدم عنه في هذا المسجد: إن عن يمين الطريق إذا كنت بهذا المسجد وأنت مستقبل البادية موضعا كان عبد الله بن عمر ينزل فيه، ويقول: هذا منزل رسول الله ﷺ ، وكان ثمّ شجرة كان ابن عمر إذا نزل هذا المنزل وتوضأ صبّ فضل وضوئه في أصل الشجرة، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل، وودّ أنه كان يدور بالشجرة أيضا ثم يصبّ الماء في أصلها، اتباعا للسنة، وإذا كان الإنسان عند هذا المسجد المعروف بمسجد الغزالة كانت طريق النبي ﷺ إلى مكة على يساره مستقبل القبلة، وهي الطريق المعهودة قديما، ثم السقيا، ثم ثنية هرشى، وهي طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال: وليس بهذا الطريق اليوم مسجد يعرف غير هذا الثلاثة مساجد، يعني سوى مسجد ذي الحليفة. قلت: سببه هجران الحجّاج لهذا الطريق، وأخذهم من طرف الروحاء على البادية إلى مضيق الصفراء ثم إلى بدر، وذكر لي بعض الناس ممن سلك تلك الطريق أن كثيرا من مساجدها موجود، وسيأتي أني ظفرت برؤية مسجد طرف قديد الآتي ذكره، والله أعلم. مسجد الرويثة ومنها: مسجد الرويثة- قال البخاري عقب ما تقدم عنه من حديث نافع: وأن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها، وانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة. وقوله «بريد الرويثة» أي: الموضع الذي ينتهي إليه البريد بالرويثة، وينزل فيه، وقيل: البريد سكة الطريق، ورواه ابن زبالة بنحوه، وفي رواية له «صلى دون الرويثة عند موضع السرحة» . وقال الأسدي: وفي أول الرويثة مسجد رسول الله ﷺ . قال: وبين الرّوحاء والرويثة ثلاثة عشر ميلا، وقال في موضع آخر: ستة عشر ميلا ونصف، ووصف ما بالرويثة من الآبار والحياض، قال: ويقال للجبل المشرف عليها المقابل لبيوتها «الحمراء» وللذي في دبرها عن يسارها قبل المشرق «الحسناء» . مسجد ثنية ركوبة ومنها: مسجد ثنية ركوبة كما سيأتي من رواية ابن زبالة في مسجد مدلجة تعهن أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 735

«صلّى في ثنية ركوبة، وبنى بها مسجدّا» . وسيأتي أن ركوبة ثنية قبل العرج للمتوجه من المدينة على يمين ثنية العابر وثنية العابر هي عقبة العرج، والعرج بعدها بثلاثة أميال كما سيأتي، ولم يذكر الأسدي هذا المسجد. مسجد الأثاية ومنها: مسجد الأثاية- بالمثلثة والمثناة التحتية- كالنواية على الراجح. روى ابن زبالة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ «صلّى عند بئر الأثابة ركعتين في إزار ملتحفا به» . قال المطري: الأثاية ليست معروفة. قلت: عرفها الأسدي فقال، في وصف طريق الذاهب لمكة: إن من الرويثة إلى الحي أربعة أميال، ثم قال: وعقبة العرج على أحد عشر ميلا من الرويثة، ويقال لها: المدارج، بينها وبين العرج ثلاثة أميال، وبها أبيات، وبئر عند العقبة، وقبل العرج بميلين قبل أن ينزل الوادي مسجد رسول الله ﷺ يعرف بمسجد الأثاية، وعند المسجد بئر تعرف بالأثاية، انتهى. وقال المجد: الأثاية موضع في طريق الجحفة، بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخا، وفيه بئر، وعليها المسجد المذكور، وعندها أبيات وشجر أراك، وهو منتهى حد الحجاز، انتهى. وهو موافق لما ذكره الأسدي؛ فإن منتهى حد الحجاز مدارج العرج، وهي بقربها. وروى أحمد برجال الصحيح عن عمير بن سلمة الضمري أن رسول الله ﷺ «مرّ بالعرج فإذا هو بحمار عقير، فلم يلبث أن جاء رجل بهر، فقال: يا رسول الله، هذا رميتي فشأنكم فيها، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر رضي الله تعالى عنه يقسمه بين الرفاق، ثم سار حتى أتى عقبة الأثاية فإذا بظبي فيه سهم وهو حاقف في ظل صخرة، فأمر النبي ﷺ رجلا من أصحابه فقال: قف هاهنا حتى يمر الرفاق لا يرميه أحد بشيء» . ومقتضى ما سبق من صنيع الأسدي أن يكون هذا في رجوعه ﷺ من مكة، خلاف ما اقتضاه صنيع الهيتمي حيث ترجم عليه بجواز أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصده أو يصد له. مسجد العرج ومنها مسجد العرج- روى ابن زبالة عن صخر بن مالك بن إياس عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ «صلّى في مسجد العرج، وقال فيه» يعني من القيولة، وأسقط المطري هذا المسجد، وجعله المجد الذي بعده، وهو مردود، ولم يتعرض له الأسدي.

стр. 736

مسجد المنبجس ومنها: مسجد بطرف تلعة من وراء العرج، ووقع في نسخة المجد وخط الزين المراغي «بطريق تلعة» وهو تصحيف لأن الذي في صحيح البخاري وكتاب ابن زبالة طرف بالفاء. قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في مسجد الرويثة من رواية نافع، وأن عبد الله حدثه أن النبي ﷺ صلى في طرف تلعة من وراء العرج، وأنت ذاهب إلى هضبة، وعند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، وعلى القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق، عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد. ورواه ابن زبالة إلا أنه قال فيه: من وراء العرج وأنت ذاهب إلى رأس خمسة أميال من العرج في مسجد إلى هضبة. وقال الأسدي: وعلى ثلاثة أميال من العرج قبل المشرق مسجد لرسول الله ﷺ يقال له مسجد المنبجس قبل الوادي، والمنبجس: وادي العرج، وعلى ثمانية أميال من العرج حوضان على عين تعرف بالمنبجس، انتهى. ولعله المسجد المذكور. مسجد لحي جمل ومنها: مسجد لحي جمل- قال الأسدي: وعلى ميل من الطلوب مسجد رسول الله ﷺ بموضع يقال له «لحى جمل» قال: والطلوب بئر غليظة الماء بعد العرج بأحد عشر ميلا، والسقيا بعد الطلوب بستة أميال، قال: وقبل السقيا بنحو ميل وادي العاند، ويقال له وادي القاحة، وينسب إلى بني غفار، اه. فتلخص أن هذا المسجد قبل السقيا والقاحة وبعد العرج بالمسافة المذكورة. ويؤيده أن ابن زبالة روى في سياق هذه المساجد حديث أن رسول الله ﷺ «احتجم بمكان يدعى لحى جمل بطريق مكة وهو محرم» . وفي رواية له «احتجم بالقاحة وهو صائم محرم» ففيه بيان قرب ذلك من القاحة، ولكن رأيت يحيى ختم كتابه بحديث ابن عمر في هذه المساجد وبآخر النسخة ما صورته: نقل من خط أحمد بن محمد بن يونس الإسكاف في آخر الجزء: قلت: إنه لم يذكر في هذا الحديث المسجد الذي بين السقيا والأبواء الذي يقال له مسجد لحى جمل، انتهى. وهو يقتضي أنه بعد السقيا بينها وبين الأبواء، ويوافقه قول عياض: قال ابن وضاح: لحى جمل في عقبة الجحفة. وقال غيره: على سبعة أميال من السقيا. ورواه بعض رواة البخاري «لحيي جمل» أي بالتثنية، وفسره فيه بأنه ما يقال له لحيي جمل أي في حديث «احتجم النبي ﷺ بلحيي جمل» .

стр. 737

وقال المجد: هي عقبة على سبعة أميال من السقيا. وفي كتاب مسلم أنه ماء. مسجد السقيا ومنها: مسجد السقيا- روى ابن زبالة في سياق المساجد التي بطريق مكة من حديث عوف بن مسكين بن الوليد البلوي عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ «صلّى في مسجد بالسقيا» . وقال الأسدي، بعد ما تقدم عنه في المسافة بين الطلوب والسقيا: وبالسقيا مسجد لرسول الله ﷺ إلى الجبل، وعنده عين عذبة، ثم ذكر أن بالسقيا أزيد من عشر آبار، وأن عند بعضها بركة. ثم قال: وفيها عين غزيرة الماء، ومصبها في بركة في المنزل، وهي تجري إلى صدقات الحسن بن زيد، عليها نخل وشجر كثير، وكانت قد انقطعت ثم عادت في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ثم انقطعت في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، قال: وعلى ميل من المنزل موضع فيه نخل وزرع وصدقات للحسن بن زيد فيها من الآبار التي يزرع عليها ثلاثون بئرا، وفيها ما أحدث في أيام المتوكل خمسون بئرا، وماؤهن عذب، وطول رشائهن قامة وبسطة، وأقل وأكثر. ثم وصف ما بعد السقيا فقال: وعلى ثلاثة أميال من السقيا عين يقال لها تعهن انتهى. وفي حديث أبي قتادة في الصحيح بركة بتعهن، وهو مقابل السقيا، وسيأتي في ترجمة تعهن ما قيل من أنها قبل السقيا، مع بيان أن المعروف اليوم أنها بعدها. مسجد مدلجة تعهن ومنها: مسجد مدلجة عهن- روى ابن زبالة عن صخر بن مالك بن إياس عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ «صلّى بمدلجة تعهن، وبنى بها مسجدّا، وصلّى في ثنية ركوبة، وبنى بها مسجدّا» . قلت: لم يذكره إلا الأسدي، وقد سبق عنه أن تعهن بعد السقيا بثلاثة أميال. مسجد الرمادة ومنها: مسجد الرمادة- قال الأسدي: ودون الأبواء بميليين مسجد للنبي ﷺ يقال له «مسجد الرّمادة» وذكر ما حاصله أن الأبواء بعد السقيا لجهة مكة بأحد وعشرين ميلا، وأن في الوسط بينهما عين القشيري، وهي عين كثيرة الماء، ويقال للجبل المشرف عليها الأيسر «قدس» وأوله في العرج، وآخره وراء هذه العين، والجبل الذي يقابلها يمنة يقال له «باقل» ويقال للوادي الذي بين هذين الجبلين «وادي الأبواء» انتهى.

стр. 738

مسجد الأبواء ومنها: مسجد الأبواء- قال الأسدي بعد ما تقدم في وصف ما بين الأبواء والجحفة: إن الجحفة بعد الأبواء بثلاثة عشر ميلا، قال: وفي وسط الأبواء مسجد لرسول الله ﷺ ، وذكر بها آبارا وبركا، منها بركة بقرب القصر، قال: وإذا جزت وادي الأبواء بميلين كان على يسارك شعاب تسمى «نلعان اليمن» وذكر أن ودّان ناحية عن الطريق بنحو ثمانية أميال، ينزل به من لا ينزل إلا الأبواء، فمن أراده رحل من السقيا إليه، وبه عيون غزيرة عليها سبعة مشارع وبركة قديمة، ثم يرحل منه فيخرج عند ثنية هرشي بينها وبين ودّان خمسة أميال، وقد عمل لهذه الطريق أعلام وأميال أمر بها المتوكل. قلت: وكلا الطريقين عن يسار طريق الناس اليوم بأسفل ودّان وهي معطشة لا ماء بها إلا ما يحمل من بدر إلى رابغ. مسجد البيضة ومنها: مسجد يسمى بالبيضة- قال الأسدي: وعلى خمسة أميال وشيء من الأبواء مسجد لرسول الله ﷺ يقال له البيضة. مسجد عقبة هرشي ومنها: مسجد عقبة هرشى- قال الأسدي: وعلى ثمانية أميال من الأبواء عقبة هرشى، وعلم منتصف الطريق ما بين مكة والمدينة دون العقبة بميل، وفي أصل العقبة مسجد للنبي ﷺ حد الميل الذي مكتوب عليه سبعة أميال من البريد، انتهى. قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في المسجد الذي بطرف تلعة من رواية نافع: وأن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى، بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي أقبل السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن. مسجد الجحفة ومنها: مسجدان بالجحفة- قال الأسدي، في وصف ما بين الجحفة وقديد، بعد ذكر ما بالجحفة من الآبار والبرك والعيون: وفي أول الجحفة مسجد لرسول الله ﷺ يقال له غورث، وفي آخرها عند العلمين مسجد لرسول الله ﷺ يقال له مسجد الأئمة. مسجد غدير خم ومنها: مسجد بعد الجحفة، وأظنه مسجد غدير خم- قال الأسدي، بعد ما تقدم عنه: وعلى ثلاثة أميال من الجحفة بسرة عن الطريق حذاء العين مسجد لرسول الله ﷺ ، وبينهما الغيضة، وهي غدير خم، وهي على أربعة أميال من الجحفة، انتهى.

стр. 739

وقال عياض: غدير خم تصب فيه عين، وبين الغدير والعين مسجد للنبي ﷺ ، انتهى. وأخبرني مخبر أنه رأى هذا المسجد على نحو هذه المسافة من الجحفة، وقد هدم السيل بعضه. وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند النبي ﷺ فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصّلاة جامعة، وكسح لرسول الله ﷺ تحت شجرة فصلى الظهر، وأخذ بيد علي وقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي وقال: اللهم من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئا يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، وعن زيد بن أرقم مثله. مسجد طرف قديد ومنها: مسجد ذكر الأسدي أنه قبل قديد بثلاثة أمثال، وذكر أن خيمتي أمّ معبد الخزاعية وموضع مناة الطاغية في الجاهلية على نحو هذه المسافة. قلت: وقد عثرت في مسيري إلى مكة على مسجد قديم قرب طرف قديد، وهو مرتفع عن يمين الطريق، مبني بالأحجار والقصّة، يظهر أنه هذا المسجد. مسجد عند حرة خليص ومنها: مسجد عند حرة عقبة خليص قال الأسدي: من قديد إلى عين ابن بزيع وهي خليص على ثمانية أميال وشيء، وذكر آبارا كثيرة بقديد، قال: وعقبة خليص بينها وبين خليص ثلاثة أميال، وهي عقبة تقطع حرّة تعترض الطريق يقال لها ظاهرة البركة، والشجر ينبت في تلك الحرة، وعند الحرة مسجد لرسول الله ﷺ . مسجد خليص ومنها: مسجد خليص قال الأسدي: خليص عين غزيرة كثيرة الماء، وعليها نخل كثير، وبركة، ومشارع، ومسجد لرسول الله ﷺ . مسجد بطن مر الظهران ومنها: مسجد بطن مرّ الظّهران قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في مسجد عقبة هرشى من رواية نافع: وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي ﷺ «كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مرّ الظّهران قبل المدينة، حين يهبط من الصفراوات، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إلا رمية بحجر» .

стр. 740

قال المطري، في وصف هذا المسجد: إنه بوادي مرّ الظهران حين يهبط من الصفراوات عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، قال: ومر الظهران هو بطن مرّ المعروف، وليس المسجد بمعروف اليوم، انتهى. وقال الزين المراغي: ويقال: إنه المسجد المعروف بمسجد الفتح، انتهى. وقال التقي الفاسي: المسجد الذي يقال له مسجد الفتح بالقرب من الجموم من وادي مر الظهران، يقال: إنه من المساجد التي صلّى فيها رسول الله ﷺ ، ثم ذكر ما قاله المراغي. ثم قال: وممن عمر هذا المسجد على ما بلغني أي جدد عمارته أبو علي صاحب مكة، وممن عمره بعد ذلك الشريف حياش، قال: وبيضه في عصرنا ورفع أبوابه صونا له الشريف حسن بن عجلان، انتهى. وهذا المسجد ينظره الذاهب من الجموم إلى مكة عن يساره عند المسيل. وقال الأسدي: بين مكة وبطن مر سبعة عشر ميلا، وببطن مر مسجد لرسول الله ﷺ ، وبركة للسيل طولها ثلاثون ذراعا، وربما ملئت هذه البركة من عين يقال لها العقيق، قال: وبحضرة هذه البركة بئران. مسجد سرف ومنها: مسجد سرف- بفتح السين المهملة، وكسر الراء- وهذا المسجد به قبر ميمونة رضي الله تعالى عنها، شاهدته وزرته؛ إذ المرويّ أنها دفنت بسرف، بالموضع الذي بني عليها النبي ﷺ فيه. وفي حديث أنس أنه ﷺ «كان لا ينزل منزلا إلا ودّعه بركعتين» وقال الأسدي ما لفظه: ومسجد سرف على سبعة أميال من مر، وقبر ميمونة زوج النبي ﷺ دون سرف، اه. والمعروف ما قدمناه. قال التقي الفاسي: من القبور التي ينبغي زيارتها قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهو معروف بطريق وادي مر، قال: ولا أعلم بمكة ولا فيما قرب منها قبر واحد ممن صحب النبي ﷺ سوى هذا القبر؛ لأن الخلف تأثر ذلك عن السلف. مسجد التنعيم ومنها: مسجد بالتنعيم قال الأسدي: والتنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال، وهو موضع الشجرة، وفيه مسجد لرسول الله ﷺ ، وفيه آبار، ومن هذا الموضع يحرم من أراد أن يعتمر. ثم قال: ميقات أهل مكة بالإحرام مسجد عائشة، وهو بعد الشجرة بميلين، وهو دون مكة بأربعة أميال، وبينه وبين أنصاب الحرم غلوة، اه. قلت: وبالتنعيم عدّة مساجد: اثنان منها اختلف في المنسوب منهما لعائشة رضي الله تعالى عنها، ولم يذكر التقي ولا غيره بالتنعيم مسجدّا للنبي ﷺ .
следующие страницы →