← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مسجد المنبجس ومنها: مسجد بطرف تلعة من وراء العرج، ووقع في نسخة المجد وخط الزين المراغي «بطريق تلعة» وهو تصحيف لأن الذي في صحيح البخاري وكتاب ابن زبالة طرف بالفاء. قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في مسجد الرويثة من رواية نافع، وأن عبد الله حدثه أن النبي ﷺ صلى في طرف تلعة من وراء العرج، وأنت ذاهب إلى هضبة، وعند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، وعلى القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق، عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد. ورواه ابن زبالة إلا أنه قال فيه: من وراء العرج وأنت ذاهب إلى رأس خمسة أميال من العرج في مسجد إلى هضبة. وقال الأسدي: وعلى ثلاثة أميال من العرج قبل المشرق مسجد لرسول الله ﷺ يقال له مسجد المنبجس قبل الوادي، والمنبجس: وادي العرج، وعلى ثمانية أميال من العرج حوضان على عين تعرف بالمنبجس، انتهى. ولعله المسجد المذكور. مسجد لحي جمل ومنها: مسجد لحي جمل- قال الأسدي: وعلى ميل من الطلوب مسجد رسول الله ﷺ بموضع يقال له «لحى جمل» قال: والطلوب بئر غليظة الماء بعد العرج بأحد عشر ميلا، والسقيا بعد الطلوب بستة أميال، قال: وقبل السقيا بنحو ميل وادي العاند، ويقال له وادي القاحة، وينسب إلى بني غفار، اه. فتلخص أن هذا المسجد قبل السقيا والقاحة وبعد العرج بالمسافة المذكورة. ويؤيده أن ابن زبالة روى في سياق هذه المساجد حديث أن رسول الله ﷺ «احتجم بمكان يدعى لحى جمل بطريق مكة وهو محرم» . وفي رواية له «احتجم بالقاحة وهو صائم محرم» ففيه بيان قرب ذلك من القاحة، ولكن رأيت يحيى ختم كتابه بحديث ابن عمر في هذه المساجد وبآخر النسخة ما صورته: نقل من خط أحمد بن محمد بن يونس الإسكاف في آخر الجزء: قلت: إنه لم يذكر في هذا الحديث المسجد الذي بين السقيا والأبواء الذي يقال له مسجد لحى جمل، انتهى. وهو يقتضي أنه بعد السقيا بينها وبين الأبواء، ويوافقه قول عياض: قال ابن وضاح: لحى جمل في عقبة الجحفة. وقال غيره: على سبعة أميال من السقيا. ورواه بعض رواة البخاري «لحيي جمل» أي بالتثنية، وفسره فيه بأنه ما يقال له لحيي جمل أي في حديث «احتجم النبي ﷺ بلحيي جمل» .

стр. 737

وقال المجد: هي عقبة على سبعة أميال من السقيا. وفي كتاب مسلم أنه ماء. مسجد السقيا ومنها: مسجد السقيا- روى ابن زبالة في سياق المساجد التي بطريق مكة من حديث عوف بن مسكين بن الوليد البلوي عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ «صلّى في مسجد بالسقيا» . وقال الأسدي، بعد ما تقدم عنه في المسافة بين الطلوب والسقيا: وبالسقيا مسجد لرسول الله ﷺ إلى الجبل، وعنده عين عذبة، ثم ذكر أن بالسقيا أزيد من عشر آبار، وأن عند بعضها بركة. ثم قال: وفيها عين غزيرة الماء، ومصبها في بركة في المنزل، وهي تجري إلى صدقات الحسن بن زيد، عليها نخل وشجر كثير، وكانت قد انقطعت ثم عادت في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ثم انقطعت في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، قال: وعلى ميل من المنزل موضع فيه نخل وزرع وصدقات للحسن بن زيد فيها من الآبار التي يزرع عليها ثلاثون بئرا، وفيها ما أحدث في أيام المتوكل خمسون بئرا، وماؤهن عذب، وطول رشائهن قامة وبسطة، وأقل وأكثر. ثم وصف ما بعد السقيا فقال: وعلى ثلاثة أميال من السقيا عين يقال لها تعهن انتهى. وفي حديث أبي قتادة في الصحيح بركة بتعهن، وهو مقابل السقيا، وسيأتي في ترجمة تعهن ما قيل من أنها قبل السقيا، مع بيان أن المعروف اليوم أنها بعدها. مسجد مدلجة تعهن ومنها: مسجد مدلجة عهن- روى ابن زبالة عن صخر بن مالك بن إياس عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ «صلّى بمدلجة تعهن، وبنى بها مسجدّا، وصلّى في ثنية ركوبة، وبنى بها مسجدّا» . قلت: لم يذكره إلا الأسدي، وقد سبق عنه أن تعهن بعد السقيا بثلاثة أميال. مسجد الرمادة ومنها: مسجد الرمادة- قال الأسدي: ودون الأبواء بميليين مسجد للنبي ﷺ يقال له «مسجد الرّمادة» وذكر ما حاصله أن الأبواء بعد السقيا لجهة مكة بأحد وعشرين ميلا، وأن في الوسط بينهما عين القشيري، وهي عين كثيرة الماء، ويقال للجبل المشرف عليها الأيسر «قدس» وأوله في العرج، وآخره وراء هذه العين، والجبل الذي يقابلها يمنة يقال له «باقل» ويقال للوادي الذي بين هذين الجبلين «وادي الأبواء» انتهى.

стр. 738

مسجد الأبواء ومنها: مسجد الأبواء- قال الأسدي بعد ما تقدم في وصف ما بين الأبواء والجحفة: إن الجحفة بعد الأبواء بثلاثة عشر ميلا، قال: وفي وسط الأبواء مسجد لرسول الله ﷺ ، وذكر بها آبارا وبركا، منها بركة بقرب القصر، قال: وإذا جزت وادي الأبواء بميلين كان على يسارك شعاب تسمى «نلعان اليمن» وذكر أن ودّان ناحية عن الطريق بنحو ثمانية أميال، ينزل به من لا ينزل إلا الأبواء، فمن أراده رحل من السقيا إليه، وبه عيون غزيرة عليها سبعة مشارع وبركة قديمة، ثم يرحل منه فيخرج عند ثنية هرشي بينها وبين ودّان خمسة أميال، وقد عمل لهذه الطريق أعلام وأميال أمر بها المتوكل. قلت: وكلا الطريقين عن يسار طريق الناس اليوم بأسفل ودّان وهي معطشة لا ماء بها إلا ما يحمل من بدر إلى رابغ. مسجد البيضة ومنها: مسجد يسمى بالبيضة- قال الأسدي: وعلى خمسة أميال وشيء من الأبواء مسجد لرسول الله ﷺ يقال له البيضة. مسجد عقبة هرشي ومنها: مسجد عقبة هرشى- قال الأسدي: وعلى ثمانية أميال من الأبواء عقبة هرشى، وعلم منتصف الطريق ما بين مكة والمدينة دون العقبة بميل، وفي أصل العقبة مسجد للنبي ﷺ حد الميل الذي مكتوب عليه سبعة أميال من البريد، انتهى. قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في المسجد الذي بطرف تلعة من رواية نافع: وأن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى، بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي أقبل السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن. مسجد الجحفة ومنها: مسجدان بالجحفة- قال الأسدي، في وصف ما بين الجحفة وقديد، بعد ذكر ما بالجحفة من الآبار والبرك والعيون: وفي أول الجحفة مسجد لرسول الله ﷺ يقال له غورث، وفي آخرها عند العلمين مسجد لرسول الله ﷺ يقال له مسجد الأئمة. مسجد غدير خم ومنها: مسجد بعد الجحفة، وأظنه مسجد غدير خم- قال الأسدي، بعد ما تقدم عنه: وعلى ثلاثة أميال من الجحفة بسرة عن الطريق حذاء العين مسجد لرسول الله ﷺ ، وبينهما الغيضة، وهي غدير خم، وهي على أربعة أميال من الجحفة، انتهى.

стр. 739

وقال عياض: غدير خم تصب فيه عين، وبين الغدير والعين مسجد للنبي ﷺ ، انتهى. وأخبرني مخبر أنه رأى هذا المسجد على نحو هذه المسافة من الجحفة، وقد هدم السيل بعضه. وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند النبي ﷺ فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصّلاة جامعة، وكسح لرسول الله ﷺ تحت شجرة فصلى الظهر، وأخذ بيد علي وقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي وقال: اللهم من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئا يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، وعن زيد بن أرقم مثله. مسجد طرف قديد ومنها: مسجد ذكر الأسدي أنه قبل قديد بثلاثة أمثال، وذكر أن خيمتي أمّ معبد الخزاعية وموضع مناة الطاغية في الجاهلية على نحو هذه المسافة. قلت: وقد عثرت في مسيري إلى مكة على مسجد قديم قرب طرف قديد، وهو مرتفع عن يمين الطريق، مبني بالأحجار والقصّة، يظهر أنه هذا المسجد. مسجد عند حرة خليص ومنها: مسجد عند حرة عقبة خليص قال الأسدي: من قديد إلى عين ابن بزيع وهي خليص على ثمانية أميال وشيء، وذكر آبارا كثيرة بقديد، قال: وعقبة خليص بينها وبين خليص ثلاثة أميال، وهي عقبة تقطع حرّة تعترض الطريق يقال لها ظاهرة البركة، والشجر ينبت في تلك الحرة، وعند الحرة مسجد لرسول الله ﷺ . مسجد خليص ومنها: مسجد خليص قال الأسدي: خليص عين غزيرة كثيرة الماء، وعليها نخل كثير، وبركة، ومشارع، ومسجد لرسول الله ﷺ . مسجد بطن مر الظهران ومنها: مسجد بطن مرّ الظّهران قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في مسجد عقبة هرشى من رواية نافع: وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي ﷺ «كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مرّ الظّهران قبل المدينة، حين يهبط من الصفراوات، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إلا رمية بحجر» .

стр. 740

قال المطري، في وصف هذا المسجد: إنه بوادي مرّ الظهران حين يهبط من الصفراوات عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، قال: ومر الظهران هو بطن مرّ المعروف، وليس المسجد بمعروف اليوم، انتهى. وقال الزين المراغي: ويقال: إنه المسجد المعروف بمسجد الفتح، انتهى. وقال التقي الفاسي: المسجد الذي يقال له مسجد الفتح بالقرب من الجموم من وادي مر الظهران، يقال: إنه من المساجد التي صلّى فيها رسول الله ﷺ ، ثم ذكر ما قاله المراغي. ثم قال: وممن عمر هذا المسجد على ما بلغني أي جدد عمارته أبو علي صاحب مكة، وممن عمره بعد ذلك الشريف حياش، قال: وبيضه في عصرنا ورفع أبوابه صونا له الشريف حسن بن عجلان، انتهى. وهذا المسجد ينظره الذاهب من الجموم إلى مكة عن يساره عند المسيل. وقال الأسدي: بين مكة وبطن مر سبعة عشر ميلا، وببطن مر مسجد لرسول الله ﷺ ، وبركة للسيل طولها ثلاثون ذراعا، وربما ملئت هذه البركة من عين يقال لها العقيق، قال: وبحضرة هذه البركة بئران. مسجد سرف ومنها: مسجد سرف- بفتح السين المهملة، وكسر الراء- وهذا المسجد به قبر ميمونة رضي الله تعالى عنها، شاهدته وزرته؛ إذ المرويّ أنها دفنت بسرف، بالموضع الذي بني عليها النبي ﷺ فيه. وفي حديث أنس أنه ﷺ «كان لا ينزل منزلا إلا ودّعه بركعتين» وقال الأسدي ما لفظه: ومسجد سرف على سبعة أميال من مر، وقبر ميمونة زوج النبي ﷺ دون سرف، اه. والمعروف ما قدمناه. قال التقي الفاسي: من القبور التي ينبغي زيارتها قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهو معروف بطريق وادي مر، قال: ولا أعلم بمكة ولا فيما قرب منها قبر واحد ممن صحب النبي ﷺ سوى هذا القبر؛ لأن الخلف تأثر ذلك عن السلف. مسجد التنعيم ومنها: مسجد بالتنعيم قال الأسدي: والتنعيم وراء قبر ميمونة بثلاثة أميال، وهو موضع الشجرة، وفيه مسجد لرسول الله ﷺ ، وفيه آبار، ومن هذا الموضع يحرم من أراد أن يعتمر. ثم قال: ميقات أهل مكة بالإحرام مسجد عائشة، وهو بعد الشجرة بميلين، وهو دون مكة بأربعة أميال، وبينه وبين أنصاب الحرم غلوة، اه. قلت: وبالتنعيم عدّة مساجد: اثنان منها اختلف في المنسوب منهما لعائشة رضي الله تعالى عنها، ولم يذكر التقي ولا غيره بالتنعيم مسجدّا للنبي ﷺ .

стр. 741

قال التقي في ذكر مسجد عائشة: وهذا المسجد اختلف فيه، فقيل: هو المسجد الذي يقال له مسجد الهليلجة، لشجرة هليلجة كانت فيه وسقطت من قريب، وهو المتعارف عند أهل مكة على ما ذكره سليمان بن خليل، وفيه حجارة مكتوب فيها ما يؤيد ذلك، وقيل: هو المسجد الذي بقربه بئر، وهو بين هذا المسجد وبين المسجد الذي يقال له «مسجد علي» بطريق وادي مر الظهران، وفي هذا أيضا حجارة مكتوب فيها ما يشهد لذلك، ورجّح المحبّ الطبري أنه المسجد الذي بقربه البئر، وهو الذي يقتضيه كلام إسحاق الخزاعي وغيره، قال: إن بين مسجد الهليلجة وأول الأعلام سبعمائة ذراع وأربعة عشر ذراعا بذراع الحديد، وذرع ما بينه وبين المسجد الآخر ثمانمائة ذراع واثنان وسبعون ذراعا بالذراع المذكور، اه. والأقرب لكلام الأسدي أن مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها هو مسجد الهليلجة؛ لكونه أقرب إلى أعلام الحرم من الثاني، ولعل المنسوب للنبي ﷺ هو مسجد عليّ أو المسجد الثاني. عمرات الرسول ﷺ ورأيت عن بعضهم: روى ابن عباس أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة التنعيم، وعمرة الجعرانة. قلت: وذكر التنعيم غير معروف، والمعروف في الرابعة أنها التي مع حجّته، فلعل المراد من نسبتها إلى التنعيم أن النبي ﷺ دخل مكة فيها من جهته. مسجد ذي طوى ومنها: مسجد ذي طوى- قال البخاري، عقب ما تقدم عنه في مسجد بطن مرّ من رواية نافع: وأن عبد الله حدثه أن النبي ﷺ «كان ينزل بذي طوى، ويبيت حتى يصبح يصلي الصبح حين يقدم مكة» ومصلّى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بنى ثم، ولكن أسفل من ذلك، على أكمة غليظة، وأن عبد الله حدثه أن النبي ﷺ «استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى النبي ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة، انتهى. قال المطري، وتبعه من بعده: وادي ذي طوى هو المعروف بمكة بين الثنيتين. قلت: ويعرف عند أهل مكة اليوم كما قال التقي بما بين الحجونين، وهو موافق لقول الأزرقي: بطن ذي طوى ما بين مهبط ثنية المقبرة التي بالمعلى إلى الثنية القصوى التي يقال لها الخضراء تهبط على قبور المهاجرين، انتهى.

стр. 742

وقال الأسدي، في وصف ما بين مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها ومكة: فج بعد مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها بنحو ميلين، وعقبة المذنبين بعد فج بميل يسرة عن الطريق، وطريق ذي طوى إلى المسجد نحوا من نصف ميل، وقال في موضع آخر: يستحب الصلاة بمسجد ذي طوى، وهو بين مسجد ثنية المذنبين المشرفة على مقابر مكة وبين الثنية التي تهبط على الحصحاص، وذلك المسجد ثنية زبيدة، انتهى. الفصل الرابع في بقية المساجد التي بين مكة والمدينة بطريق الحاج في زماننا، وبطريق المشبان، وما قرب من ذلك، وما حل ﷺ به من المواضع، وإن لم يبن مسجدّا دبّة المستعجلة فمنها: موضع بدبّة المستعجلة- بفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة- وهو الكثيب من الرمل. روى ابن زبالة عن محمد بن فضالة أن رسول الله ﷺ نزل بالدّبّة دبة المستعجلة من المضيق، واستقى له من بئر الشعبة الصابّة أسفل من الدبة، فهو لا يفارقها أبدا قال المطري: والمستعجلة هي المضيق الذي يصعد إليه الحاج إذا قطع النازية وهو متوجه إلى الصفراء، يعني من أعلى فركان خيف بني سالم. شعب سير قال: وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ نزل بشعب سير وهو الشعب الذي بين المستعجلة والصفراء- وقسم به غنائم أهل بدر، ولا يزال فيه الماء غالبا، انتهى. قلت: الذي قاله ابن إسحاق كما في تهذيب ابن هشام: ثم أقبل رسول الله ﷺ من بدر حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة، وقسم هناك النّفل. قلت: وهو صريح في أن سير بعد مضيق الصفراء للجائي من بدر، وبعده النازية، فإن كانت المستعجلة هي مضيق الصفراء فهو يقتضي أن سير بينها وبين النازية، فهو مخالف لما ذكره المطري من أنه بين المستعجلة والصفراء، فليحمل مضيق الصفراء على غير المضيق الذي هو المستعجلة، ويكون مضيق الصفراء هنا من ناحية أسفل الخيف؛ لأن الذي ذكره المطري في شعب سير هو المعروف اليوم، ولأني رأيت في أوراق لم أعرف مؤلفها أن شعب سير هو النزلة التي كانت للحاج إذا رجع عن المستعجلة ونزل في فركان الخيف. قال: وهناك بركة قديمة، وهو الشعب بين جبلين يعرف بجبال المضيق علو الصفراء، وبينه وبين المستعجلة نحو نصف فرسخ، انتهى. والبركة والموضع معروفان كما وصف،

стр. 743

ولعل سير هذا هو المعبر عنه في رواية ابن زبالة بالدبة؛ لأنها مجتمع الرمل، وقد سماه ابن إسحاق كثيبا، ويؤخذ منه أن الخيف كله أعلاه، وأسفله هو مضيق الصفراء. ذكر عدة مساجد ومنها: مسجد بذات أجدال، ومسجد بالجيزتين من المضيق، ومسجد بذفران، وموضع بذنب ذفران المقبل. وروى ابن زبالة عن ابن فضالة قال: صلّى رسول الله ﷺ بمسجد بذات أجدال من مضيق الصفراء، ومسجد بالجيزتين من المضيق، ومسجد بذفران المدبر من البناء، وصلّى رسول الله ﷺ بذنب ذفران المقبل الذي يصبّ في الصفراء، قال: فحفرت بئر هنالك يقال: إنها في موضع جبهة النبي ﷺ ، فلها فضل في العذوبة على ما حواليها. قلت: مضيق الصفراء تقدمت الإشارة إليه قريبا، وذفران: واد معروف قبل الصفراء بيسير، يصب سيله فيها، ويسلكه الحاج المصري في رجوعه من المدينة إلى ينبغ، فيأخذ ذات اليمين ويترك الصفراء يسارا. قال ابن إسحاق، في وصف مسيره ﷺ إلى بدر: فلما كان بالمنصرف- أي عند مسجد الغزالة- ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا، فسلك في ناحية منها حتى جزع- أي قطع- واديا يقال له رجفان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق، ثم انصب حتى إذا كان قريبا من الصفراء، ثم ذكر أنه بعث من يتجسس له الأخبار. قال: ثم ارتحل، فلما استقبل الصفراء- وهي قرية بين جبلين- سأل عن جبليها: ما أسماؤهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما المسلح، وقالوا للآخر: هذا مجرى، وسأل عن أهلهما فقيل: بنو النار وبنو حراق، بطنان من بني غفار، فكرههما ﷺ والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما، فترك الصفراء يسارا، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران. مسجد ذفران قلت: وبذفران اليوم مسجد يتبرك به على يسار من سلكه إلى ينبع، فأظنه مسجد ذفران، ورأيت قبل الوصول إلى طرف ذفران الذي يلي الصفراء على يمين السالك في طريق مكة يريد الصفراء، رأيت عليها مسجدّا مبنيا بالجص مرتفعا عن الطريق يسيرا، يتبرك الناس بالصلاة فيه، وليس بقربه مساكن؛ فالظاهر أنه أحد المساجد المذكورة، ورأيت أمام محرابه قبرا قديما محكم البناء، ولعله قبر عبيدة بن الحارث بن المطلب، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه مات بالصفراء من جراحته التي أصابته في المبارزة ببدر، ولم يذكروا محل دفنه، إلا أن

стр. 744

ابن عبد البر قال عقبه: ويروى أن رسول الله ﷺ لما نزل مع أصحابه بالنازيين قال له أصحابه: إنا نجد ريح مسك، فقال: وما يمنعكم وهاهنا قبر أبي معاوية؟ يعني عبيدة بن الحارث، انتهى. والنازيين غير معروف اليوم. وقال المطري، عقب ذكر وفاة عبيدة بالصفراء: فدفنه رسول الله ﷺ بها، وكان أسنّ بني عبد مناف يومئذ، وأظن مستنده في ذكر الدفن بها موته بها مع قول هند بنت أثائة في رثائه على ما نقله ابن إسحاق: لقد ضمّن الصّفراء مجدّا وسوددا ... وحلما أصيلا وافر اللّبّ والعقل عبيدة، فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوى لأشعث كالجدل وقال الزين المراغي: إنه مات بالصفراء من جراحته، فإن قبره بذفران، هكذا رأيته بخطه، ولم أقف على مستنده في ذلك، والنبيّ ﷺ لم يسلك ذفران في رجوعه من بدر؛ لأنه رجع على الصفراء، لكنه مرّ بطرف ذفران الذي يصب فيها. مسجد الصفراء ومنها: مسجد بالصفراء روى ابن زبالة عن طلحة بن أبي جدير أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد الصفراء. قلت: ذكر لي بعض الناس أن هذا المسجد معروف بالصفراء يتبرك به. مسجد ثنية مبرك ومنها: مسجد بثنية مبرك- روى ابن زبالة عن الأصبغ بن مسلم وعيسى بن معن أن رسول الله ﷺ صلّى مطلعه من ثنية مبرك، في مسجد هناك بينه وبين دعان ستة أميال أو خمسة. قلت: ثنية مبرك: معروفة تسلك إلى ينبغ في المغرب من جهة أسفل خيف بني سالم من ذات اليمين، وطريق الصفراء ذات اليسار. مسجد بدر ومنها: مسجد بدر- كان العريش الذي بنى لرسول الله ﷺ يوم بدر عنده، وهذا المسجد معروف اليوم بقرب بطن الوادي بين النخيل، والعين قريبة منه، وبقربه في جهة القبلة مسجد آخر يسميه أهل بدر، مسجد النصر، ولم أقف فيه على شيء. مسجد العشيرة ومنها: مسجد العشيرة- معروف ببطن ينبع، وهو مسجد القرية التي ينزلها الحاج المصري ينبع، في ورده وصدره. روى ابن زبالة عن عليّ بن أبي طالب أن النبي ﷺ صلّى في مسجد ينبع بعين بولا.

стр. 745

قلت: والعين اليوم جارية عنده، لكن لا تعرف بهذا الاسم. قال المجد: وهذا المسجد اليوم من المساجد المقصودة المشهورة، والمعابد المشهودة المذكورة، تحمل إليه النذور، ويتقرب إلى الله بالزيارة له والحضور، ولا يخفى على النفس المؤمنة روح ظاهرة على ذلك المكان، وأنس يشهد له بأنه حضرة سيد الإنس والجان. مساجد الفرع ومنها: مساجد ثلاثة بالفرع- بضم الفاء- يمر بها من سلك طريقها إلى مكة. روى ابن زبالة عن أبي بكر بن الحجاج وغيره أن رسول الله ﷺ نزل الأكمة من الفرع، فقال في مسجدها الأعلى، ونام فيه، ثم راح فصلى الظهر في المسجد الأسفل من الأكمة، ثم استقبل الفرع فبرّك فيها، وكان عبد الله بن عمر ينزل المسجد الأعلى فيقيل فيه، فيأتيه بعض نساء أسلم بالفراش، فيقول: لا، حتى أضع جنبي حيث وضع رسول الله ﷺ جنبه، وأن سالم بن عبد الله كان يفعل ذلك، وروى أيضا عن عبد الله بن مكرم الأسلمي عن مشيخته أن النبي ﷺ نزل في موضع المسجد بالبرود من مضيق الفرع، وصلّى فيه. مسجد الضيقة ومنها: مسجد بالضيقة وكهف أعشار- روى ابن زبالة عن أبي بكر بن الحجاج وسليمان بن عاصم عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلّى في مسجد في الضيقة مخرجه من ذات حماط. وذكر الزبير ذات الحماط في الأودية التي تصبّ في وادي العقيق في القبلة مما يلي المغرب قرب البقيع، ثم روى هذا الحديث. وذكر أيضا في هذه الأودية كهف أعشار، كما سيأتي عنه، ثم روي عن أبي بكر بن الحجاج وسليمان بن عاصم عن أبيه أن النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق نزل في كهف أعشار وصلى فيه. مسجد مقمل ومنها: مسجد مقمل، بوسط النقيع حمى النبي ﷺ ، على يومين من المدينة في جهة درب المشبان. روى ابن زبالة عن محمد بن هيصم المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أشرف على مقمل ظرب وسط النقيع، وصلّى عليه، فمسجده هنالك. قال أبو هيصم المدني: وكان أبو البحتري وهب بن وهب في سلطانه على المدينة بعث إليّ بثمانين درهما فعمرته بها. قال أبو علي الهجري: إن مقملا على ظرب صغير، على غلوة من برام، عليه المسجد المذكور، ووهم المجد فعدّه في مساجد المدينة.

стр. 746

الفصل الخامس في بقية المساجد والمواضع المتعلقة به ص مسجد العصر فمنها: مسجد العصر، وعصر سيأتي أنه على مرحلة من المدينة. قال ابن إسحاق: إن رسول الله ﷺ حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر، فبني له فيها مسجد، ثم على الصهباء. قال المطري: مسجد عصر من مشهوري المساجد التي صلّى فيها النبي ﷺ عند خروجه إلى خيبر. مسجد الصهباء ومنها: مسجد بالصهباء، وهي على روحة من خيبر. روى مالك عن سويد بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه خرج مع النبي ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء- وهي من أدنى خيبر- نزل فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ، قال المطري: والمسجد بها معروف. قلت: وقد قدمنا قصة رد الشمس عنا عند ذكر مسجد الفضيخ من مساجد المدينة. مسجدان قرب خيبر ومنها: مسجدان بقرب خيبر أيضا قال الإقشهري، ومن خطه نقلت وبنى له ﷺ مسجد بالحجارة حين انتهى إلى موضع بقرب خيبر يقال له المنزلة، عرّس بها ساعة من الليل فصلى فيها نافلة، فعادت راحلته تجرّ زمامها، فأدركت لترد فقال: دعوعا فإنها مأمورة، فلما انتهت إلى موضع الصخرة بركت عندها، فتحوّل رسول الله ﷺ إلى الصخرة، وتحوّل الناس إليها، وابتنى هنالك مسجدّا، فهو مسجدهم اليوم. مسجد بين الشق ونطاة ومنها: مسجد بين الشق والنطاة من خيبر روى ابن زبالة عن حسن بن ثابت بن ظهير أن رسول الله ﷺ «أتى خيبر، ودليله رجل من أشجع، فسلك به صدور الأودية، فأدركته الصلاة بالقرقرة، فلم يصل حتى خرج منها، فنزل بين أهل الشق وأهل النطاة، وصلّى على عوسجة هناك، وجعل حولها الحجارة. مسجد شمران ومنها: مسجد بشمران- روى ابن زبالة عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: صلّى رسول الله ﷺ على رأس جبل بخيبر يقال له شمران، فثم مسجده من ناحية سهم بني النذار، قال المطري: ويعرف هذا الجبل اليوم بشمران.

стр. 747

مساجد تبوك ومنها: مساجد غزوة تبوك- قال ابن رشد، في بيانه: بنى النبيّ ﷺ بين تبوك والمدينة نحو ستة عشر مسجدّا، أولها بتبوك وآخرها بذي خشب، وذكر ابن زبالة نحو هذه العدة، وقال ابن إسحاق: كانت المساجد معلومة مسماة، وسردها أربعة عشر مسجدّا، وخالف في تعيين بعض مواضعها لما ذكره ابن زبالة، وذكرها الحافظ عبد الغني وزاد عن الحاكم مسجدّا. وقد اجتمع لنا من مجموع ذلك عشرون مسجدّا: فالأول: بتبوك، قال ابن زبالة: ويقال له مسجد التوبة، قال المطري: وهو من المساجد التي بناها عمر بن عبد العزيز، قال المجد: دخلته غير مرة، وهو عقود مبنية بالحجارة. الثاني: بثنية مدران- بفتح الميم وكسر الدال المهملة- تلقاء تبوك. الثالث: بذات الزراب- بكسر الزاي- على مرحلتين من تبوك. الرابع: بالأخضر، على أربع مراحل من تبوك. الخامس: بذات الخطمى، كذا في تهذيب ابن هشام، ومشى عليه المجد، وفي كتاب المطري «بذات الخطم» بفتح الخاء المعجمة ثم طاء مهملة على خمس مراحل من تبوك. السادس: ببألى- بالموحدة المفتوحة، ثم همزة ولام مفتوحتين- على خمس مراحل أيضا منها، قاله المطري، وكذا هو في تهذيب ابن هشام، وفي نسخة ابن ربالة بنقيع بولا. السابع: بطرف البتراء، تأنيث أبتر، قال ابن إسحاق: من ذنب كواكب وقال أبو عبيدة البكري: إنما هو كوكب جبل هناك ببلاد بني الحارث بن كعب. الثامن: بشق تاراء- بالمثناة الفوقية والراء- زاد ابن زبالة: من جويرة. التاسع: بذي الحليفة، قاله ابن زبالة وغيره أيضا، وهو غريب لم يذكره أصحاب البلدان. العاشر: بذي الخليفة، لم أر من جمعه مع الذي قبله إلا المجد، وقال: إنه بكسر الخاء المعجمة، وقيل بفتحها، وقيل بجيم مكسورة، وقيل بحاء مهملة مفتوحة، واقتصر في أسماء البقاع على كسر الجيم، والذي في تهذيب ابن هشام ذكر هذا المسجد بدل الذي قبله، وعكس ابن زبالة. الحادي عشر: بالشوشق، قاله الحافظ عبد الغني عن الحاكم، قال المجد: وكأنه تصحيف. الثاني عشر: بصدر حوضي- بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، مقصور كما وجد بخط ابن الفرات، واقتصر عليه المطري، وقال المجد- مع ذكره لذلك في أسماء البقاع: إنه بفتح

стр. 748

الحاء والمد موضع بين وادي القرى وتبوك قال: وهناك مسجده ﷺ ، انتهى. وهو مخالف لما ذكره هناك من المغايرة بين مسجد ذي الحليفة وبين مسجد صدر حوضي في ذنب حوضي ومسجد آخر في ذي الحليفة من صدر حوضي، والمغايرة هي التي في تهذيب ابن هشام، ولعله صدر حوضي هو المعبر عنه بسمنة في رواية ابن زبالة، فإنه كما سيأتي ماء قرب وادي القرى، وفي نسخة المجد في حكاية روايته: ومسجد بذنب حويضي بدل قوله بسمنة. الثالث عشر: بالحجر، وذكر ابن زبالة بدله العلاء، وكلاهما بوادي القرى. الرابع عشر: بالصعيد صعيد قزح. الخامس عشر: بوادي القرى، وقال الحافظ عبد الغني، في مسجد الصعيد: وهو اليوم مسجد وادي القرى. قلت: فهذا والذي قبله بوادي القرى، وفي رواية ابن زبالة: ومسجدان بوادي القرى أحدهما في سوقها والآخر في قرية بني عذرة، فلعل هذا هو الذي بقرية بني عذرة، والذي قبله هو الذي بالسوق، لكن المجد غاير بين الثلاثة أخذا بظاهر العبارة، ولأن في رواية أخرى لابن زبالة «صلّى رسول الله ﷺ في المسجد الذي بصعيد قزح من الوادي، وتعلمنا مصلاه بأحجار وعظم، فهو المسجد الذي يجتمع فيه أهل الوادي» . السادس عشر: بقرية بني عذرة، لم يذكره ابن إسحاق، وذكره ابن زبالة كما تقدم. السابع عشر: بالرقعة، على لفظ رقعة الثوب، قال أبو عبيد البكري: أخشى أن يكون بالرقمة- بالميم- من الشقة شقة بني عذرة، وقال ابن زبالة بدله: بالسقيا، قال المجد في أسماء البقاع: والسقيا من بلاد عذرة قريبة من وادي القرى. الثامن عشر: بذي المروة، قال المطري: وهو على ثمانية برد من المدينة، كان بها عيون ومزارع وبساتين أثرها باق إلى اليوم. قلت: وسيأتي في ترجمتها ما جاء في نزوله ﷺ بها. التاسع عشر: بالفيفاء فيفاء الفحلتين، قاله المطري، كان بها عيون وبساتين لجماعة من أولاد الصحابة وغيرهم. قلت: وسيأتي في ترجمة الفحلتين أنهما قنتان تحتهما صخر على يوم من المدينة. العشرون: بذي خشب على مرحلة من المدينة، ولفظ رواية ابن زبالة أن النبي ﷺ صلّى تحت الدومة التي في حائط عبيد الله بن مروان بذي خشب، فهنالك يجتمعون. وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ نزل في موضع المسجد تحت دومة، فأقام ثلاثا، ثم خرج إلى تبوك، وإن جهينة لحقوه بالرحبة، فقال لهم: من أهل ذي المروة؟ قالوا: بنو رفاعة من جهينة، فقال: قد قطعتها لبني رفاعة، فاقتسموها، فمنهم من باع ومنهم من أمسك فعمل.

стр. 749

وسنتكلم على هذه الأماكن بأوفى من هذا في محلها إن شاء الله تعالى. مسجد الكديد ومنها: موضع مصلّاه بنخل، ومسجد على ميل من الكديد- روى ابن زبالة أن رسول الله ﷺ نزل بنخل تحت أثلة لرجل من أشجع من بني نعيم في مزرعة له في وسطها نخل، وصلى تحتها، فأضرّ الناس بتلك المزرعة، فقطع صاحب المزرعة تلك الأثلة، قال: ثم أصعد رسول الله ﷺ في بطن نخل حتى جاوز الكديد بميل، فنزل تحت سرحة وصلّى تحتها، فموضع مسجده اليوم معروف، وأنه ﷺ صلّى بالجبل من بلاد أشجع. قلت: نخل موضع بنجد كما سيأتي في محله، والكديد: موضع بقربه، لا الكديد الذي بين خليص وعسفان، وذكر الأسدي هذا المسجد في وصف الطريق بين فيد والمدينة، فقال بعد ذكر ذي أمر: إن الكديد واد، والطريق يقطعه، فلما يفارقه ماء عذب مستنقع، وفيه مسجد لرسول الله ﷺ ، وبه خيام أعراب من بني كنانة، والنخيل قريب منها، وذكر أن بين النخيل وبئر السائب اثنين وأربعين ميلا؛ فعبر عن نخل بالنخيل مصغرا، وذلك هو المعروف اليوم قرب الكديد. مسجد الشجرة بالحديبية ومنها: مسجد بالحديبية يقال له مسجد الشجرة- وهو غير معروف، بل قال المطري: لم أر في أرض مكة من يعرف اليوم الحديبية إلا الناحية لا غير، انتهى. وهو الموضع الذي نزل به النبي ﷺ في عمرة الحديبية يريد مكة فعاقه المشركون. قال ابن شبة، فيما نقل عن ابن شهاب: الحديبية واد قريب من بلدح، وقال صاحب المطالع: هي قرية ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة، وقال التقي الفاسي: يقال إن الحديبية الموضع الذي فيه البئر المعرف ببئر شميس بطريق جدة. مسجد ذات عرق ومنها: مسجد دون ذات عرق بميلين ونصف- قال الأسدي في وصف طريق ذات عرق من جهة نجد والعراق: إن بركة أو طاس يسرة عن الطريق بائنة عن المحجة، وبعدها مسجد يقال إن النبي ﷺ فيه، ودون ذات عرق بملين ونصف مسجد رسول الله ﷺ ، وهو ميقات الإحرام، وهو أول تهامة، فإذا صرت عند الميل الثامن رأيت هناك بيوتا في الجبل خرابا يمنة عن الطريق، يقال: إنها ذات عرق الجاهلية، وأهل ذات عرق يقولون: الجبل كله ذات عرق، وبعض أهل العلم كان يحب أن يحرم من ذات عرق الجاهلية. مسجد الجعرانة ومنها: مسجد بالجعرانة- عن محرس الكعبي ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة ليلا معتمرا، وجاء مكة ليلا، فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته وأصبح في

стр. 750

الجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن شرف حتى جامع الطريق، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس، رواه أحمد والترمذي وحسّنه. وذكر الواقدي أن إحرامه ﷺ من الجعرانة كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، وأنه أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، وكان مصلى رسول الله ﷺ إذا كان بالجعرانة به، فأما الأدنى فبناه رجل من قريش، واتخذ الحائط عنده، ولم يجز رسول الله ﷺ الوادي إلا محرما. وعن مجاهد أن النبي ﷺ أحرم من الجعرانة من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة، وإني لا أعرف من اتخذ هذا المسجد على الأكمة، بناه رجل من قريش، واشترى مالا عنده ونخلا. وبيّن في رواية أخرى أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى رسول الله ﷺ ما كان بالجعرانة، وأن المسجد الأدنى بناء رجل من قريش، رواه الأزرق. مسجد لية ومنها: مسجد لية، وبين وادي لية ووادي الطائف نحو ثمانية أميال. قال ابن إسحاق: سلك رسول الله ﷺ حين فرغ من حنين متوجها إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن وهو مهلّ أهل نجد، ثم على المليج، ثم على بحرة الرّغا من لية، فابتنى بها مسجدّا وصلى فيه. قال المطري: وهو معروف اليوم وسط وادي لية، رأيته وعنده أثر في حجر يقال به أثر خف ناقة رسول الله ﷺ ، قال ابن إسحاق عن حديث عمرو بن شعيب له: إنه ﷺ أقاد يومئذ ببحرة الرّغا، وحين نزلها ندم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل، فقتله به. مسجد الطائف ومنها: مسجد بالطائف- قال ابن إسحاق بعد ما تقدم عنه: ثم سلك ﷺ في طريق يقال له الضيقة، وسأل عن اسمها فقيل: الضيقة، فقال بل هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب- وهي عقبة في الجبل- حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، ثم مضى حتى نزل قريبا من الطائف، فقتل ناس من أصحابه بالنبل لاقتراب عسكره من حائط الطائف، فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أمّ سلمة، فضرب لهما قبّتين، ثم صلّى بين القبتين، فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله ﷺ عمرو بن أمية بن وهب مسجدّا، وكانت في ذلك المسجد سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض، انتهى.

стр. 751

وذكر الواقدي بناء عمرو بن أمية للمسجد على مصلّى رسول الله ﷺ ، قال: وكان فيه سارية لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرار، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح. قال المطري: وهو جامع كبير، فيه منبر عال عمل في أيام الناصر أحمد بن المستضئ، وفي ركنه الأيمن القبلي قبر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في قبة عالية، ومسجد رسول الله ﷺ في صحن هذا الجامع بين قبتين صغيرتين يقال: أنهما بنيتا في موضع قبتي زوجتيه عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما. قلت: قال التقي الفاسي: إن المسجد الذي ينسب للنبي ﷺ هناك في مؤخر المسجد الذي فيه قبر عبد الله بن عباس؛ لأن في جداره القبلي من خارجه حجرا فيه: أمرت أمّ جعفر بنت أبي الفضل أمّ ولاة عهد المسلمين بعمارة مسجد رسول الله ﷺ بالطائف. وفيه أن ذلك سنة اثنتين وسبعين ومائة، قال: والمسجد الذي فيه قبر ابن عباس أظن أن المستعين العباسي عمره مع ضريح ابن عباس، انتهى. فإن كان المسجد الذي ذكر الفاسي أنه في مؤخر الجامع المذكور في صحنه فلا مخالفة فيه لما ذكره المطري، وإلّا فيخالفه. قال المطري: ورأيت بالطائف شجرات من شجر السّدر يذكر أنهن من عهد رسول الله ﷺ ، ينقل ذلك خلف أهل الطائف عن سلفهم، فمنهن واحدة دور جذرها خمسة وأربعون شبرا، وأخرى أزيد على الأربعين، فأخرى سبعة وثلاثون، وأخرى يذكر أن النبي ﷺ مر بها وهو على راحلته فانفرق جذرها نصفين، وأن ناقته دخلت من بينهما وهو ناعس، قال: رأيتها قائمة كذلك سنة ست وتسعين، وأكلت من ثمرها، وحملت منه للبركة، ثم في سنة تسع وعشرين وسبعمائة رأيتها وقعت ويبست وجذرها ملقى لا يغيره أحد لحرمته بينهم، انتهى. وكأنه بقي منها بقية؛ فإن التقي الفاسي ذكرها، وقال: إنها انفرجت للنبي ﷺ نصفين لما اعترضته وهو سائر وسنان ليلا في غزوة الطائف وثقيف على ساقين، على ما ذكر ابن فورك فيما حكى عنه عياض في الشفاء، وبعض هذه السّدرة باق إلى الآن، والناس يتبركون به، انتهى. وقال المرجاني: ورأيت بوجّ من قرى الطائف سدرة محاذية للجبر قريبة أيضا يذكر أن النبي ﷺ جلس تحتها حين أتاه عديس بالطبق العنب وأسلم، وقالوا: سحره محمد، والقصة مشهورة، قال: ورأيت في جبل هناك عند آخر الحبرة تحته العين يذكر أنه ﷺ جلس فيه، انتهى. وعن الزبير قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من بلية- قال الحميدي: مكان بالطائف-

стр. 752

حتى إذا كنا في السدرة وقف رسول الله ﷺ عند طرف القرن الأسود عندها، فاستقبل نخبا قال الحميدي: مكان بالطائف ببصره، ثم وقف حتى اتفق الناس، ثم قال: إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله ، وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، كذا في نسخة العيسوي عن الحميدي ومسند أحمد وسنن أبي داود أيضا، وضعفه النووي. وختم ابن زبالة الكلام على المساجد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا «من بنى لله مسجدّا بنى الله له بيتا في الجنة، ولو مثل مفحص القطاة» قالت: فقلت: يا رسول الله والمساجد التي بين مكة والمدينة؟ قال: نعم، ورواه البزار. وفيه كثير بن عبد الرحمن، ضعفه العقيلي، وذكره ابن حبان في الثقات، ولفظه «من بنى لله مسجدّا بنى الله له بيتا في الجنة، قلت: وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال: وتلك، والحديث في الصحيح عن عثمان بدون هذه الرواية، ولفظه «من بنى مسجدّا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة» . قلت: فينبغي الاعتناء بما دمر من المساجد التي بالمدينة وغيرها وعمارتها، والله الموفق.

стр. 753

الباب السابع في أوديتها، وأحمائها، وبقاعها، وجبالها، وأعمالها، ومضافاتها ، ومشهور ما في ذلك من المياه والأودية، وضبط أسماء الأماكن المتعلقة بذلك، وفيه ثمانية فصول الفصل الأول في فضل وادي العقيق، وعرصته، وحدوده ما ورد من الأحاديث في فضل وادي العقيق روينا في الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بوادي العقيق: «أتاني الليلة آت فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة» . وتقدم في مسجد المعرس في رواية له «أرى وهو في معرّسه بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له: إنك ببطحاء مباركة» . وروى ابن شبة عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا «العقيق واد مبارك» . وعن هشام بن عروة قال: اضطجع النبيّ ﷺ بالعقيق، فقيل له: إنك في واد مبارك. وروى ابن زبالة عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص أن رسول الله ﷺ «نام بالعقيق، فقام رجل من أصحابه يوقظه، فحال بينه وبينه رجل من أصحابه آخر، وقال: لا توقظه فإن الصلاة لم تفته، فتدارآ حتى أصاب بعض أحدهما رسول الله ﷺ فأيقظه، فقلن: ما لكما؟ فأخبراه. فقال: لقد أيقظتماني وإني لأراني بالوادي المبارك» وعن زكريا بن إبراهيم بن مطيع قال: بات رجلان بالعقيق، ثم أتيا رسول الله ﷺ فقال: أين بتما؟ فقالا: بالعقيق، فقال: لقد بتّما بواد مبارك. وتقدم أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: احصبوا هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- من هذا الوادي المبارك، ورواه صاحب الفردوس مرفوعا. وقال أبو غسان: أخبرني غير واحد من ثقات أهل المدينة أن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا انتهى إليه أن وادي العقيق قد سال قال: اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك، وإلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء لتمسّحنا به. وروى ابن زبالة عن عامر بن سعد أن رسول الله ﷺ «ركب إلى العقيق، ثم رجع فقال: يا عائشة جئنا من هذا العقيق، فما ألين موطأه، وأعذب ماءه، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا ننتقل إليه؟ قال: وكيف وقد ابتنى الناس؟» . وعن خالد العدواني أن النبي ﷺ قال في عرصة العقيق «نعم المنزل العرصة لولا كثرة الهوام» . وعن محمد بن إبراهيم التيمي أن رسول الله ﷺ «خرج في بعض مغازيه، فأخذ على الشارعة حتى إذا كان بالعرصة قال: هي المنزل لولا كثرة الهوام» .

стр. 754

وروى السيد أبو العباس العراقي في ذيله علي ابن النجار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي العقيق، فقال: يا أنس خذ هذه المطهرة املأها من هذا الوادي فإنه يحبنا ونحبه، فأخذتها فملأتها، الحديث. وروى ابن شبة عن سلمة بن الأكوع قال: كنت أصيد الوحش وأهدي لحومها إلى رسول الله ﷺ ، ففقدني فقال: يا سلمة أين كنت تصيد الوحش؟ فقلت: يا رسول الله تباعد الصيد فأنا أصيد بصدور قناة نحو ثيب، فقال: لو كنت تصيد بالعقيق لشيّعتك إذا خرجت وتلقيتك إذا جئت، إني أحب العقيق، ورواه الطبراني بنحوه، قال الهيتمي: وإسناده حسن. وروى ابن زبالة عن جابر قال: كان سلمة يصيد الظباء فيهدي لحمومها لرسول الله ﷺ جفيفا وطريّا، فافتقده رسول الله ﷺ ، فقال: يا سلمة مالك لا تأتي بما كنت تأتي به؟ فقال: رسول الله تباعد علينا الصيد فإنما نصيد بثيب وصدور قناة، فقال: أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت ونلفيتك إذا جئت، فإني أحب العقيق. قلت: ومحمله إن صح على ما قبل تحريم المدينة، أو أن المراد من الصيد بالعقيق طرفه الخارج عن الحرم، جمعا بين الأدلة. حد العقيق ونقل ابن زبالة والزبير بن بكار عن هشام بن عروة أنه كان يقول: العقيق ما بين قصر المراجل فهلم صعدا إلى النقيع، وما أسفل من ذلك- أي من قصر المراجل- فمن زغابة. وعن المنذر بن عبد الله الحمراني أنه سمع من أهل العلم أن الجرف ما بين محجة الشام إلى القصاصين، أي أصحاب القصة، وأن وطيف الحمار ما بين سقاية سليمان إلى الزغابة، وأن العرصة ما بين محجة بين إلى محجة الشام، وأن العقيق من محجة بين فاذهب به صعدا إلى النقيع. قلت: محجة بين تباين آخر الجروف، أي طريقها، وأظنها طريق درب العصرة، ومن سلكها مغربا كانت الجماوات عن يساره. قال: وحدثني آخرون أن العقيق من العرصة أبدا إلى النقيع. قال الزبير: ولم أزل أسمع أهل العلم والسنن يقولون: إن العقيق الكبير مما يلي الحرة ما بين أرض عروة بن الزبير إلى قصر المراجل، ومما يلي الجماء ما بين قصور عبد العزيز بن عبد الله العثماني إلى قصر المراجل، ثم اذهب بالعقيق صعدا إلى منتهى النقيع، ويقولون لما أسفل من المراجل إلى متهى العرصة العقيق الصغير، فأعلى أودية العقيق النقيع. وقالت الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد السّلمية تبكي أخاها صخر بن عمرو وقد مات بالنقيع من جراحة فدفن فيه على رأس برام:

стр. 755

أفيقي من دموعك واستفيقي ... وصبرا إن أطقت، ولن تطيقي وقولي: إن خير بني سليم ... وغيرهم ببطحاء العقيق وروى بنقعاء العقيق. ونقل أبو علي الهجري أن النقيع يبتدئ أوله من برام، والعقيق ببتدئ أوله من حضير إلى آخر منتهاه من العقيق الصغير، ثم يصب في زغابة. ونقل أيضا أن حضيرا آخر النقيع وأول العقيق، وآخر العقيق زغابة، قال: وزغابة مجتمع السيول غربي قبر حمزة رضي الله تعالى عنه، وهو أعلى وادي إضم. قلت: فهي منتهى العقيق والعرصة، ومبتدؤه حضير، وهي مزارع معروفة بقرب النقيع على أزيد من يوم عن المدينة. وقال عياض: النقيع صدر العقيق، والعقيق واد عليه أموال أهل المدينة، قيل: على ميلين منها، وقيل: على ثلاثة، وقيل: ستة أو سبعة، وهما عقيقان، أدناهما عقيق المدينة، وهو أصغر وأكبر، فالأصغر فيه بئر رومة، والأكبر فيه بئر عروة. والعقيق الآخر على مقربة منه، وهو من بلاد مزينة، وهو الذي أقطعه النبي ﷺ بلال بن الحارث، وأقطعه عمر الناس، فعلى هذا تحمل المسافات لا على الخلاف. والعقيق الذي جاء فيه «إنك بواد مبارك» هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة، وهو الأقرب منهما- أي من العقيقين- المنقسم أحدهما إلى الكبير والصغير فلا ينافي كون ما يلي الحرة من العقيق أقرب. على أنه سيأتي ما يقتضي أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث كلّ العقيق بعيده وقريبه، وأن الذي أقطعه عمر الناس هو الأدنى من المدينة، وهو المنقسم إلى كبير وصغير، وكلام الزبير وغيره صريح فيّ ذلك، والصواب أن مهبط الثنية المعروفة بالمدرج أول شاطئ وادي العقيق، على ميلين من المدينة أيام عمارتها، كما اقتضاه اختباري لمساحة ما بين المسجد النبوي ومسجد ذي الحليفة، وبه صرح الأسدي من المتقدمين، فقال: إن العقيق علي ميلين من المدينة، الميل الأول خلف أبيات المدينة، والثاني حين ينحدر من العقبة في آخره يعني المدرج، وكأنّ من عبّر بالثلاثة اعتبر المسافة من المسجد النبوي إلى أول بطن الوادي بعد القصر المعروف بحصن أبي هشام، ومن عبر بالستة اعتبرها إلى طرفه الأبعد وهو الذي به ذو الحليفة، فأدخل بطن الوادي في المسافة، أو هو مفرع علي القول بأن الميل ألفا ذراع، والراجح الموافق لاختبارنا أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع. وقال المطري: وادي العقيق أصل مسيله من النقيع قبلى المدينة الشريفة على طريق المشبان، وبينه وبين قباء يوم ونصف، ويصل إلى بئر عليّ العليا المعروفة بالخليفة- بالقاف والخاء المعجمة- ثم يأتي علي غربي جبل عير، ويصل إلى بئر علي بذي الحليفة المحرم، ثم

стр. 756

يأتي مشرقا إلى قريب الحمراء التي يطلع منها إلى المدينة، ثم يعرج يسارا، ومن بئر المحرم يسمى العقيق، فينتهي إلى غربي بئر رومة، انتهى. وقوله: «ومن بئر المحرم يسمى العقيق» أي في زمنه كزماننا، وهو العقيق الأدنى في كلام عياض. وقال عقب قوله «والعقيق الذي جاء فيه إنك بواد مبارك هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منهما» ما لفظه: وهو الذي جاء فيه أنه مهلّ أهل العراق من ذات عرق، اه. وهو خطأ، إلا أن يحمل علي ما ذكره بعضهم من أن عقيق ذات عرق يتصل واديه بعقيق المدينة، والمعروف قديما امتداده إلى النقيع كما سبق، قال الزبير: سألت سليمان بن عياش السعدي: لم سمّي العقيق عقيقا؟ قال: لأن سيله عق في الحرة، وكان سليمان من أففه من رأيت في كلام العرب. وقوله «عق» أي شقّ وقطع في الحرة، ولما شخص تبّع عن منزله بقناة ومر بالعرصة وكانت تسمى السليل قال: هذه عرصة الأرض، فسميت العرصة، ومر بالعقيق فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق، وقيل: سمي بذلك لحمرة موضعه. الفصل الثاني في أقطاعه، وابتناء القصور به، وطريف أخبارها رسول الله ص يقطع بلالا العقيق روى ابن زبالة أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق كلّه، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ لم يقطعكه لتحجره، وأقطعه عمر الناس. وقال ابن شبة: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا من نثق به من آل حزم وغيرهم أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق، وكتب له فيه كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث، أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا. وكتب معاوية، قال: فلم يعمل بلال في العقيق شيئا، فقال له عمر في ولايته: إن قويت على ما أعطاك رسول الله ﷺ من معتمل العقيق فاعتمله، فما اعتملت فهو لك كما أعطاكه رسول الله ﷺ ، فإن لم تعتمله أقطعته بين الناس ولم تحجره عليهم، فقال بلال: تأخذ مني ما أعطاني رسول الله ﷺ ؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قد اشترط عليك فيه شرطا، فأقطعه عمر رضي تعالى عنه بين الناس، ولم يعمل فيه بلال شيئا؛ فلذلك أخذه عمر رضي الله تعالى عنه، ورواه الزبير بن بكار، وأسند نسخة القطيعة المذكورة عن هشام بن عروة.

стр. 757

وروى عن محمد بن سلمة المخزومي قال: أقطع رسول الله ﷺ لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية والعقيق، فبلغنا أنه باع رومة من عثمان بن عفان، وانتزع منه عمر بقية العقيق وأقطعه للناس، وقال: إنما أعطاك رسول الله ﷺ تعمر ولم يعطك تحجر. وعن هشام بن عروة وغيره أن النبي ﷺ أقطع لبلال بن الحارث العقيق، فلم يزل على ذلك حتى ولي عمر فدعا بلالا فقال: قد علمت أن رسول الله ﷺ لم يكن يمنع شيئا سئله، وإنك سألته أن يعطيك العقيق فأعطاكه، فالناس يومئذ قليل لا حاجة لهم، وقد كثر أهل الإسلام واحتاجوا إليه، فانظر ما ظننت أنك تقوى عليه فأمسكه واردد إلينا ما بقي نقطعه، فأبى بلال، فترك عمر بيد بلال بعضه وأقطع ما بقي للناس. وذكر في رواية مع العقيق «معادن القبلية وحيث يصلح الزرع من قدس» وهي في سنن أبي داود بدون ذكر العقيق. وروى ابن شبة عن عبد الله بن أبي بكر أن عمر لما ولي قال: يا بلال، إنك استقطعت رسول الله ﷺ أرضا طويلة عريضة، فأقطعها لك، وإن رسول الله ﷺ لم يكن يمنع شيئا سئله، وإنك لا تطيق ما في يدك، فقال: أجل، فقال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه، فأبى، فقال عمر: والله لنفعلنّ، فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين. خبر قصر عروة، وبئره عن عروة بن الزبير قال: لما أخذ عمر بن الخطاب من بلال بن الحارث ما أخذ من العقيق وقف في موضع بئر عروة بن الزبير التي عليها سقايته، وقال: أين المستقطعون؟ فنعم موضع الحفيرة، فاستقطعه ذلك خوّات بن جبير الأنصاري، ففعل، قال مصعب بن عثمان: فقرأت كتاب قطيعته أرض عروة بن الزبير بالعقيق في كتب عروة ما بين حرة الوبرة إلى ضفيرة المغيرة بن الأخنس. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما أقطع عمر العقيق فدنا من موضع قصر عروة وقال: أين المستقطعون منذ اليوم؟ فو الله ما مررت بقطيعة شبه هذه القطيعة، فسألها خوّات، فأقطعها له، وكان يقال لموضعها «خيف حرة الوبرة» فلما كانت سنة أحد وأربعين أقطع مروان بن الحكم عبد الله بن عياش بن علقمة ما بين الميل الرابع من المدينة إلى ضفيرة أرض المغيرة بن الأخنس بالعقيق إلى الجبل الأحمر الذي يطلعك على قباء، قال هشام: فاشترى عروة موضع قصره وأرضه وبثاره من عبد الله بن عياش، وابتنى واحتفر وحجر وضفر، وقيل له: إنك لست بموضع مدر، فقال: يأتي الله به من النقيع، فجاء سيل فدخل في مزارعه فكساها من خليج كان خلجه، وكان بناه جنابذ- أي جمع جنبذ بضم الجيم،

стр. 758

وهو ما ارتفع واستدار كالقبة- قال: وكان لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الناحية الأخرى المراجل وقصر أمية والمنيف والآبار التي هناك والمزارع، فاستفتى عبد الله عبد الله ابن عبد الله بن عمرو علي عروة وقال: إنه حمل على حق السلطان، فهدم عمر بن عبد العزيز جنابذه وضفائره، وسد بئاره، فقدم رجل من آل خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية يريد الوليد، فسأل عن عروة، فأخبر قصته، فقدم على الوليد فسأله عن عروة وحاله، فأخبره، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز ما عروة ممن يتّهم فدعه وما انتقص من حق السلطان، فبعث إليه عمر وقال: كتبت فيّ إلى أمير المؤمنين؟ فقال: ما فعلت، فقال: اذهب فاصنع ما بدا لك فقال عروة: جزعوا من جنابذ نبنيها، والله لأبنينه بناء لا يبلغونه إلا بشقّ الأنفس، فبنى قصره هذا البناء، وهيل بثاره، فقال له ابنه عبد الله: يا أبتاه لو تبدّلت بثارا فاحتفرتها لكان أهون في العزم، فقال: لا والله إلا هي بأعيانها وأنشأ عروة يقول: بنيناه فأحسنّا بناه ... بحمد الله في خير العقيق نراهم ينظرون إليه شزرا ... يلوح لهم على وضج الطّريق فساء الكاشحين وكان غيظا ... لأعدائي وسرّ به صديقي يراه كلّ مرتفق وسار ... ومعتمر إلى بيت العقيق وعن مصعب بن عثمان قال: لما كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في ذلك ولي عروة عمر بن عبد الله بن عروة بناء قصره، فلما كثرت النفقة فيه لقيه عمه يحيى بن عروة فقال: يا ابن أخي، كم أنفقت في القصر؟ قال: كذا وكذا، قال: هذه نفقة كثيرة لو علم أبي بها لاقتصر في بنائه، فأخبره بذلك، فأخبر عمر جده، فقال: لقيك يحيى؟ قال: نعم، قال: إنما أراد أن يعوق عليّ بنائي، أنفق ولا تحسب، فأنفق ولم يحسب حتى فرغ، وحفر بئارا إحداهن بئر السقاية، وبئر يدعى العسيلة، وبئر القصر. وقال مصعب: وسبب هدم عمر بن عبد العزيز وتهوره البئر أن عروة أراد أن يرفع في رأس عينه محلا فمنعه عبد الله بن عمرو بن عثمان إلا أن يسأله ذلك، وكان له حقيق به، فقال عروة: مثلى يكلّف ذلك؟ وتركها، فلما بنى عبد الله قصره المراجل وعمل مزارعه عمل له خليجا، فلما بلغ به مزارع عروة حال بينه وبين ذلك، فاستفتى عبد الله بن عبد الله عمر بن عبد العزيز على عروة، وقال: بنى وحفر في غير حقه، وكانت جنابذه سبعا، وكانت الركبان ينزلون على بئر مروان، فلما حفر عروة بئره وأعذب اختاروا السهل والعذوبة فتركوا النزول على بئر مروان وكان في نفس عمر بن عبد العزيز شيء من ذلك، مع ما كان في نفسه على جميع بني الزبير.

стр. 759

وعن ابن أبي ربيعة أنه مرّ بعروة وهو يبني قصره بالعقيق فقال: أردت الحرب يا أبا عبد الله؟ قال: لا، ولكن ذكر لي أنه سيصيبها عذاب، يعني المدينة، فقلت: إن أصابها كنت منتحيا عنها. وعن عروة مرفوعا: يكون في آخر أمتي خسف وقذف ومسخ، وذلك عند ظهور عمل قوم لوط، قال عروة: فبلغني أنه قد ظهر شيء منه، فتنحّيت عنها، وخشيت أن يقع وأنا بها، وبلغني أنه لا يصيب إلا أهل القصبة قصبة المدينة، وفي نسخة المجد «القصيبة» مصغرا، فأوردوه في ترجمة القصيبة، وهو وهم. وعن هشام قال: لما اتخذ عروة قصره قال له الناس: قد جفوت مسجد رسول الله ﷺ ، قال: إني رأيت مساجدهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشبة في فجاجهم عالية، فكان فيما هناك عما هم فيه عافية. وتصدق عروة بقصره وأرضه وبئره على المسلمين، وأوصى بذلك إلى الوليد بن عبد الملك، فولاه ابنيه يحيى وعبد الله، ثم توفي يحيى وأقام عبد الله في القصر نحوا من أربعين سنة، ثم توفي عبد الله، ثم وليها هشام بن عروة بالسن، ثم عبد الله بن عروة، وقيل له: مالك تركت المدينة؟ قال: لأني بين رجلين حاسد لنعمة أو شامت بمصيبة، وهو القائل: لو كان يدري الشيخ عذري بالسحر ... نحو السقاية الّتي كان احتفر لفتية مثل الدّنانير غرر ... وقاهم الله النّفاق والضّجر بين أبي بكر وزيد وعمر ... ثمّ الحواريّ لهم جدّ أغر فهم عليها بالعشيّ والبكر ... يسثون من جاء ولا يؤذوا بشر لزاد في الشّكر وكان قد شكر ولما ولي إبراهيم بن هشام المدينة لهشام بن عبد الملك أراد أن يدخل في حقوق بني عروة بالفرع، فحال عبد الله ويحيى بينه وبين ذلك فهدم قصر عروة وشعّثه، وطرح في بئر عروة جملا مطليا بقطران، فكتب عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بذلك، فكتب إلى ابن أبي عطاء عامله على ديوان المدينة أن يردّ ذلك على ما كان حتى يضع الوتد في موضعه، فكان غرم ذلك ألف دينار وثلاثين ألف درهم. وكان عبد الله يتحيّن ركوب ابن هشام، فإذا أشرف على الحرّة قال للناس: كبروا ولكم جزور، فيفعلون، فينحرها، فيغيظ بذلك ابن هشام ويبلغ منه. وقال في ذلك يحيى بن عروة أبياتا منها: ألا أبلغ مغلغلة بريدا ... وأبلغ إن عرضت أبا سعيد وأبلغ معشرا كانت إليهم ... وصايا ما أريد بني الوليد

стр. 760

فإن لا نعتني قرباي منكم ... فودّى غير ذي الطمع الكدود ولما قدم الوليد بن يزيد في خلافة هشام بن عبد الملك ليدفع بالناس في الموسم وأقام عبد الله بن عروة بالعقيق، حتى قيل: هذا ولي العهد قد ركع في بركة مكة؟ فلقيه عبد الله وهو على ظهر الحرة، فلما نظر الوليد إلى قصور بني أمية عنبسة بن سعيد ومروان بن سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر جعل يقول لعبد الله بن عروة: لمن هذا؟ فيخبره، فلما نظر إلى قصر عروة قال: لمن هذا؟ قال: هذا قصر عروة، قال: عامر بن صالح في قصر عروة وبئره: حبّذا القصر ذو الظّلال وذو البئر ... ببطن العقيق ذات السّقاة ماء مزن لم يبغ عروة فيها ... غير تقوى الإله في المفظعات بمكان من العقيق أنيس ... بارد الظل طيّب الغدوات وقال أيضا: يا حّبّذا القصر لذي الإملاق ... ذو البئر بالوادي عليها الساقي وقال أيضا: ولقصر عروة ذو الظلال وبئره ... بشقا العقيق البارد الأفياء أشهى إليّ من العيون وأهلها ... والدور من فحلين والفرعاء وقال جابر الزمعي في بئر عروة: يعرضها الآني من الناس أهله ... ويجعله زادا له حين يذهب وقال الزبير بن بكار: رأيت الخرّاج من المدينة إلى مكة وغيرها ممن يمر بالعقيق يخففون من الماء حتى يتزودوه من بئر عروة، وإذا قدموا منها بماء يقدمون به على أهلهم يشربونه في منازلهم عند مقدمهم. وقال: ورأيت أبي يأمر به فيغلي، ثم يجعل في القوارير ثم يهديه إلى أمير المؤمنين هارون بالرقة. وعن نوفل بن عمارة قال: لما بنت أمي قصرها أرسل إليها هشام بن عروة يقول: إنك نزلت بين الطيبين بئر عروة وبئر المغيرة بن الأخنس، فأسألك برحمي إلا جعلت شرابك من بئر عروة ووضوءك من بئر المغيرة، فكانت أمي لا تشرب إلا من بئر عروة، ولا تتوضأ إلا من بئر المغيرة، حتى لقيت الله تعالى. وعن مرزوق بن والاة أنه قال لهشام بن عروة: رأيت أن عينا من الجنة تصب في بئر عروة. وقال السّريّ بن عبد الرحمن الأنصاري:

стр. 761

كفنوني إن متّ في درع أروى ... واستقوا لي من بئر عروة مائي سخنة في الشتاء باردة الصيف سراج في الليلة الظلماء وقال علي بن الجهم: هضا العقيق فعدّ أي ... دي العيس عن غلوئها وإذا أصفت ببئر عر ... وة فاسقني من مائها إنا وعيشك ما ذمم ... نا العيش في أفنائها قال المجد: إنه لم يجد من يعرف هذه البئر من أهل المدينة. قلت: سيأتي في قصر عاصم أن جماء تضارع مشرفة على قصر عروة، وتسيل إلى بئره. وقال الأسدي: إن الميل الثالث من المدينة وراء بئر عروة بقليل؛ فيظهر أنها البئر المطمومة اليوم على يمينك وأنت متوجه إلى ذي الحليفة إذا جاوزت الحصن المعروف بأبي هاشم بنحو ثلث ميل وقريب من الجماء. قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان، وهو في قبل الجماء جماء تضارع المشرفة على قصر عروة وعلي الوادي يواجه بئر عروة بن الزبير، والجماء تسيل على قصر عاصم وعلى بئر عروة. وكان عبد الله الجعفري وعمر بن عبد الله بن عروة تعاونا في هجاء قصر عاصم، فقالا: ألا يا قصر عاصم لو تببن ... فتستعدي أمير المؤمنين فتذكر ما لقيت من البلايا ... فقد لاقيت حزنا بعد حين بنيت على طريق الناس طرا ... يسبّك كل ذي حسب ودين ولم توضع على غمض فتخفى ... ولم توضع على سهل ولين يرى فيك الدخان لغير شيء ... فقد سميت خدّاع العيون في أبيات آخرها: قبيح الوجه منعقد الأواسي ... خبيت الخلق مطرود بطين فاشترى عاصم قصة فطرّه بها وغرم فيه ألفي درهم، وقال يرد عليهما: بنوا وبنيت واتخذوا قصورا ... فما ساووا بذلك ما بنيت بنيت على القرار وجانبوه ... إلى رأس الشواهق واستويت على أفعالهم وعلى بناهم ... علوت وكان مجدّا قد حويت وتلك صلاصل قد فلستهم ... وذاك وديهم فيها يموت فليس لعامل فيها طعام ... وليس لضيفهم فيها مبيت

стр. 762

وقيل: البيتان الأخيران لزيد بن عاصم، قال الزبير: وهو أشبه. وصلاصل: أرض كانت لعروة بحرة بطحان، ثم صارت لابنه يحيى، فوقفها في بنيه، وكان يقال لها المقتربة، فكانت فتاتان لبعض نساء بنيه تختصمان بها عند اجتناء الرطب، وتضرب إحداهما الأخرى، فغلب عليها اسم صلاصل لكثرة صلاصلهما بالخصومة، وفيها يقول عروة: مآثر أخوالي عديّ ومازن ... تخيرتها، والله يعطي الرغائبا فمن قال فيها قيل صدق فلم يقل ... ومن قال فيها غيره كان كاذبا ومر ابن أبي البداح- وكال أعلم الناس بالنخيل- على عروة وهو يغرسها ألوانا، فقال له: إن كنت ولا بد غارسا فعليك بعذق ابن عامر، فإنه ليس عذق أحسن للتنزه ولا أصبر على المالح منه. قصر المغيرة قصر أبي هاشم المغيرة بن أبي العاص وبئره- روى عنه الزبير: أنه قال: لما أردت أن أبني قصرا بالعقيق قلت: أبنيه بيتين، ثم مضيت للنزهة العشرة الأيام وما أشبهها، قال: فدخلت على مولاة لي فقالت: يا أبا هاشم، أردت بناء قصر بالعقيق؟ فقلت لها: نعم، فقالت: ابنه على أنه لم يبن بالعقيق مغيري غيرك، فبنيته هذا البناء، وغرمت فيه غرما كبيرا، قال: وهو القصر الذي يعرف بقصر بنت المرازقي. وعن عبد الله بن ذكوان قال: كانت بنو أمية تجري في الديوان ورقا على من يقوم على حوض مروان بن الحكم بالعقيق، في مصلحته وفيما يصلح بئر المغيرة من علقها ودلائها. قال: ومر هشام بن عبد الملك وهو يريد المدينة بحر هشام بن إسماعيل بالرابع فقيل له: يا أمير المؤمنين، جر جدك هشام، فأمر بمصلحتها وما يقيمها من بيت المال، فكانت توضع هنالك جرار أربع يسقى منهن الناس، وسيأتي ذكر الرابع في شعر في القصر الآتي. قصر عنبسة بن عثمان بن عفان قصر عنبسة بن عمرو بن عثمان بن عفان، وهو إلى جنب الجمّاء بعد أن تجاوز المصعد تريد البطحاء، وهو الذي قيل فيه: يا قصر عنبسة الذي بالرابع ... لا زلت تؤهل بالحيا المتتابع فلقد بنيت على الوطاء، وبنيت ... تلك القصور على ربا ورفائع يا رب نعمة ليلة قد بتها ... بفنائك الحسن المنيف الواسع وقال شاعرهم: خذل ابن عنبسة بن عمرو وعده ... وكذبت حين أقول ما لم يفعل

стр. 763

وبنى قصيرا بالعقيق ملعنا ... لا بالكريم ولا جميل المدخل ودعا المهندس فاختفى في جوفه ... بئرا فأنبطها كطعم الحنظل قصر عنبسة بن سعيد بن العاص قصر عنبسة بن سعيد بن العاص: بالعقيق الصغير- ركب هشام بن عبد الملك ومعه عنبسة بن سعيد، فمر بموضع قصر عنبسة، فقال: نعم موضع القصر يا أبا خالد، قد أقطعته لك، قال: يا أمير المؤمنين من يقوى على هذا؟ قال: فإني أعينك فيه بعشرين ألف دينار، فدفعها عنبسة إلى ابنه عبد الله وقال: إنك أنزلت بين الأشياخ، فانظر كيف تبني؟ وكان أول من قارب بين القصور، ونزل إلى جنب عبد الله بن عامر، فلما فرغ من القصر بنى ضفائره بالآجر المطبق، فقال له عنبسة: أما علمت أن متنزهي أهل المدينة يدقون عليه العظام، ابنه بالحجارة المطابقة، ففعل، وبعث إليه هشام بأربعين بختيا، فكان ينضح عليها في مزارعه وصهريجه. قلت: ولعل الموضع المعروف اليوم بالعنابس مزارع عنبسة هذا. وعن بعض ولد عنبسة قال: بينا عبد الله بن عنبسة نائم في قاعة القصر، وعنده خصي يذبّ عنه، وكان له غلام صغدي يسقيهم الماء، فدخل فرآه نائما، فنزع القربة وشد عليه بخنجر كان معه، وثار الخصي يحول بينهما، فقتل الخصي، وانتبه عبد الله واتقاه بوسادة، وتداعى عليه أهل القصر وأخذوه، وأمر به عبد الله فقتل وصلب بفناء القصر. وكان قصر عنبسة فيما أخذ من أموال بني أمية، ثم رد على ابن عنبسة. وكان جعفر بن سليمان إذ كان واليا بالمدينة نزله، وابتنى إليه أرباضا، وأسكنها حشمه، ثم تحول منه إلى العرصة فابتنى بها وسكنها حتى عزل فخرج منها، ولذلك يقول ابن المزكي: أوحشت الجماء من جعفر ... وطالما كانت به تعمر كم صارخ يدعو وذي كربة ... يا جعفر الخيرات يا جعفر أنت الذي أحييت بذل الندى ... وكان قد مات فلا يذكر ثم لعباس وصيّ الهدى ... ومن به في المحل يستمطر وقال شاعر: إني مررت على العقيق وأهله ... يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضركم أن كان جعفر جاركم ... أن لا يكون عقيقكم ممطورا وقال محمد بن الضحاك: خرج أبي وابن عبد الله بن عنبسة في جماعة من لمتهم إلى قصر عنبسة بالعقيق الصغير، وخرج بي أبي معهم وأنا حدث السن، ونحروا جزورا،

стр. 764

فجعلوا يمزحون به فيما بينهم، يقول هذا بيتا وهذا بيتا، فكان مما حفظت من ذلك قول أحدهم: حبذا ثم حبذا ... في قصر ابن عنبسة ولمات تجمعوا ... وجزور مكردسه والتواليد عندنا ... كالرباط المورّسه قصر أبي بكر الزبيري المعروف بالمستقر قصر أبي بكر بن عبد الله بن مصعب الزبيري الذي يعرف بالمستقر اشتراه وهو بيت أو بيتان، فهدم ذلك، وبناه قصرا، ففيه يقول القائل: يا قصر لو كان خالدا أحد ... بالجود والمجد كان مولاكا ولو تفدى المنون ذا كرم ... كان أبو بكر الندى ذا كا وفيه يقول أيضا حين بيع في تركة أبي بكر: أوحش المستقرّ بعد أبي بكر ... فأضحى ينوح في كل حين بعد عز وبهجة وبهاء ... تاه يوما به على الثقلين فاعذروه يا هؤلاء؛ إن ذا ال ... شجو ليجري دموعه من معين قصر عبد الله بن أبي بكر العثماني قصر عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن عثمان بن عفان- قال محمد بن معاوية: كنت أنا ومحمد بن عبد الله البكري- وكان قاضيا على المدينة- متنزهين بالعقيق في قصر ابن بكير، فكتب محمد بن عبد الله في الجدار: أين أهل العقيق أين قريش ... أين عبد العزيز وابن بكير ولو أنّ الزمان خلد حيا ثم كتب تحته: من أتم هذا النصف فله سبق، قال: فتنزه عمر بن عبد الله بن نافع في قصر ابن بكير، فقرأ الكتابة، فأتم النصف، فكتب: كان فيه يخلد ابن الزبير قال محمد بن معاوية: فعاد محمد بن عبد الله للنزهة، فوجد البيت قد أتم، فسأل من أتمه، فقلت له: عمر بن عبد الله، فقال: لو كنت أكلمه وفيت له بسبقه، أحسن وصدق. وكان عمر بن عبد الله له هاجرا. وستأتي قصور أخرى في الجمّاوات، قال أبو علي الهجري: إن سيل الوادي يفضي إلى الشجرة التي بها محرم رسول الله ﷺ ، ثم يلي ذلك مزارع أبي هريرة رضي الله تعالى، ثم تتابع القصور يمنة ويسرة بها منازل الأشراف فيها يبتدئون، منها منازل عن يمين الجائي من مكة بسفح عير.

стр. 765

جملة من القصور والآبار ومنها قصر لإسحاق بن أيوب المخزومي، وقصر لإبراهيم بن هشام، وقصر لآل طلحة بن عمر بن عبيد الله، ومنازل أسفل منها عن يمين الطريق أيضا لآل سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، ووجاه ذلك في قبالة جماء تضارع منازل لعبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، ثم يليها منازل لعبد الله بن بكير بن عمرو بن عثمان، وهو قصر طاهر بن يحيى ومنازل ولده. ووجاهها في صير حرة الوبرة مزارع عروة بن الزبير وبئره، وأسفل منها البئر التي تعرف ببئر المغيرة بن أبي العاص، وأسفل منها بئر زياد بن عبد الله المداني وحوضها، وضفائر قصر مراجل والزبيني قصر سكينة بنت حسين، وقصور فوق الزبيني لإسحاق بن أيوب متتابعة، وفوقها قصور كثيرة لغير واحد، ثم قصور ابنة المرازقي الزهرية، ثم منازل جعفر بن إبراهيم الجعفري، ثم يفضي إلى بئر رومة، وقصور كثيرة يمنة ويسرة منها قصور عبد الله بن سعيد بن العاص، وببطن الوادي بثار لعبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس والقصور يمنة ويسرة. ثم ذكر ما بالعرصة من القصور، وقال: ثم يفضي ذلك إلى الجرف، وفيه سقاية سليمان بن عبد الملك، وهي على ميمنة من خرج إلى السلام يعسكر بها الخارج من المدينة إليها، ثم الزغابة وبها مزارع وقصور أيضا، انتهى. الفصل الثالث في العرصة وقصورها، وشيء مما قيل فيها وفي العقيق من الشعر قصر خارجة: روى ابن زبالة أن بني أمية كانوا يمنعون البناء في العرصة حيالها، وأن سلطان المدينة لم يقطع فيها قطيعة إلا بإذن الخليفة حتى خرج خارجة بن حمزة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام إلى الوليد بن عبد الملك، فسأله أن يقطعه موضع قصر فيها، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أقطعه موضع قصر فيها وألحقه بالسواد، أي الحرة، فلم يزل بأيديهم حتى صار ليحي بن عبد الله بن حسين بن علي بن حسين. قصر عبد الله بن عامر برومة: قال الواقدي: إنه بناه هناك من أول ما بنى بذلك العقيق إلا قصرا بعرصة البقل، ولما قتل أهل الحرة وعسكر مشرف بالجرف أمر بالعسكر، فحول إلى عرصة البقل، وأمر بالأسرى فحبسوا هناك. وقال ابن أبي عوف: إنه بعد أن نهب المدينة خرج إلى قصر ابن عامر، وقتل من قتل. قصر مروان بن الحكم: روى الزبير أن مروان ابتنى بعرصة البقل، واحتفر وضرب لها عينا فازدرع.

стр. 766

قصر سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية: أحد مشاهير الأجواد ابتنى سعيد بالعرصة قصرا في سرتها، واحتفر بها، وغرس النخل والبساتين، وكان نخلها أبكر شيء بالمدينة، وكانت تسمى عرصة الماء. وعن يحيى بن كعب مولى سعيد قال: كان نخل سعيد بالعرصة لا يطير حمامها، وكانت فيها بئار ثلاث، العليا منهن اليمانية تدعى الشمردلية، والتي تليها أسفل منها تدعى الواسطية، قال: وأنسيت السفلى، وبنى بالعرصة عند نخلة قصره الذي يقول فيه أبو قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة: والقصر ذو النخل فالجمّاء بينهما ... أشهى إلى النفس من أبواب جيرون وقال الهجري: ثم يفضى- يعني سيل العقيق- إلى العرصة عرصة البقل، وعرصة الماء، وعرصة جعفر بن سليمان بقبل الجماء العاقر مرتفعة في حصن الجبل. وبالعرصة الكبرى قصري سعيد بن العاص الذي امتدحه الشاعر بقوله، وذكر البيت المتقدم. والذي ذكره الزبير وغيره أن قصر سعيد بعرصة الماء- وهي العرصة الصغرى- لأنهم قالوا: وفي عرصة الماء يقول داود بن سلم: أبرزتها كالقمر الزاهر ... في عصفر كالشرر الطائر بالعرصة الصغرى إلى موعد ... بين خليج الواد والظاهر قالوا: إنما قال لها العرصة الصغرى لأن العقيق الكبير ينيفها من أحد جانبيها، وينيفها عرصة البقل من الجانب الآخر، وتختلط عرصة البقل بالجرف فيتسع، والخليج الذي ذكر خليج سعيد بن العاص، انتهى؛ فالعرصة الكبرى هي عرصة البقل، والصغرى هي عرصة الماء، فهي عرصة سعيد بن العاص، وأظنها التي فيها البناء المعروف اليوم بعقد الأرقطية، ولعله قصر سعيد بن العاص وموضع آباره وبستانه فيما يليه، ويلي ذلك عرصة البقل لجهة بئر رومة. وقال فضالة بن عثمان: لما حضر سعيد الموت قال لابنه عمرو وهو الأشدق: أوصيك بثلاث: عليّ دين عظيم، فأكثر فيه مالي حتى تؤديه، وانظر إخواني فإن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي، ولا تزوج بناتي إلا في الأكفاء، ثم مات، فركب عمرو إلى معاوية، فقال الحاجب له: عمرو بالباب، فقال معاوية: هلك والله سعيد، فأدخله، فنعى له سعيدا وأخبره بوصيته، فقال: نحن قاضون عنه الدين قال: إنما أوصى إليّ أن يكون من صلب ماله، فقال: يعني بعض ضياعه، وإني أكره إحن صدر مروان وذويه من قريش بقضاء دين أبيك، فباعه العرصة بألف ألف، فقالت قريش: أيخدع معاوية نفسه أو يكيدنا؟ وقال مروان: يا أمير المؤمنين ما دون الله يد تحجرك عن هواك، ولنحن أهون عليك فيما تريد،

стр. 767

فعلام تخدع نحلك وتكيدها؟ هلا جعلت ما أعطيت عمرا صلة؟ فقال: إنك عاديت سعيدا حيّا وميتا، وما بلغ من إثماني لضيعته مكيدة قريش، ولقد علمت قريش أني أحفظ الميت في الحي وأصل الحي للميت، ولهو خير لكم أن أكون كذلك، فأخذ عمرو المال، فأتى به المدينة فقضى دين أبيه، ثم أمر بأخوال أبيه فدخلوا عليه، فوصلهم، ثم أدخل إخوانه، فوقع الشر بينه وبين مروان ومروان خاله، فقال: يكايدنا معاوية بن حرب ... ولسنا جاهلين بما يكيد في أبيات بلغت معاوية، فأنشد: ألا لله درّ غواة فهر ... أريد سوى الذي فهر تريد أراني كلما أخلقت ضغنا ... أتاني منهم ضغن جديد في أبيات، قال الزبير: ولم يصح عندي الشعران. وروي عن سعيد أنه قال لابنه: إن منزلي هذا بالعرصة ليس من العقد، إنما هو منزل نزهة، فبعه من معاوية، واقض ديني ومواعيدي، ولا تقبل من معاوية قضاء ديني. وعن نوفل بن عمارة أن سعيدا قال لابنه: إني موصيك بأربع، لا تنقلني من موضعي يعني قصره- حتى أموت فيه؛ فإنه أحب المواضع إليّ، وقليل لي من قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم إلى موضع قبري، وذكر الوصايا الثلاث المتقدمة؛ فلما توفي حمله رجال قريش حتى دفنوه بالبقيع، وقصره على ثلاثة أميال من المدينة، ثم رحل ابنه إلى معاوية، فدخل وهو أشعث، فقال له معاوية: ما بالك؟ قال: هلك أبو عثمان، فترحّم عليه، ثم قال: حاجتك فذكر وصاياه، فسأله عن دينه، فقال: ثلاثة آلاف ألف، قال: هو عليّ، قال: إنه أمرني أن لا يكون إلا من صلب ماله، قال: فبعني، قال: بعتك العرصة، قال: قد أخذت القصر بألف ألف، والنخيل بألف ألف، والمزارع بألف ألف، ثم قال: يا أهل الشام، اكتبوا عليه لئلا يندم، وفي رواية أنه قال: أمرني أن أبيع في دينه ما استباع من أمواله، قال معاوية: فعرضني ما شئت قال: أنفسها وأحبها إلينا منزله بالعرصة، فقال: هيهات لا يبيعونه، انظر غيره، قال: تحب تعجيل قضاء دينه؟ قال: قد أخذته بثلاثمائة ألف، قال: اجعلها بالوافية يعني الدرهم زنة المثقال، قال: قد فعلت، قال: وتحملها إلى المدينة قال: ونفعل، فقدم عمرو فجعل يفرقها في الديوان، ويحاسبهم بما بين الدراهم الوافية وهي البغلية والدراهم الجواز، حتى أتاه فتى من قريش بذكر حق له من أديم فيه عشرون ألف درهم بخط مولى لسعيد وشهادة سعيد على نفسه، فعرف الخط وأنكر أن يكون لذلك الفتى الصعلوك ذلك، فقال: ما سبب مالك؟ قال: رأيته وهو معزول وهو يمشي وحده، فمشيت معه لباب داره، فوقف وقال: هل لك حاجة؟ قلت: رأيتك تمشي وحدك

стр. 768

فأحببت أن أصل جناحك، فقال: وصلتك رحم، بعني قطعة أديم، فأتيته بهذه القطعة، فكتب غلامه هذا الكتاب وفيه شهادته، ثم قال: يا ابن أخي، ليس عندنا اليوم شيء، فخذ هذا الكتاب، فقال عمرو: لا جرم لا يأخذها إلا وافية، ودفعها إليه بغلية. ولما أضعت العرصتان عن بني أمية استقطع خنجر- وهو كثير بن العباس بن محمد- عرصة سعيد بن العاص، فأقطعه إياها أبو العباس المنصور، فقال زياد بن عبد الله الحارثي وكان واليا على المدينة بخ بخ يا خنجر، صارت لك عرصة سعيد، فقال: وما ينكر من ذلك؟ فأعجب منه دار معاوية بن سفيان بالبلاط لزياد بن أم زياد، واقتطع السلطان في سلطان بني هاشم في العرصة، وابتنوا عرصة الماء، وفي ذلك يقول ذؤيب الأسلمي: قد أقر الله عيني ... بغزال يا ابن عون طاف من وادي دجيل ... بفتى طلق اليدين بين أعلى عرصة الما ... ءإلى قصر زبين فقضاني في منامي ... كل موعود ودين وفيها يقول أبو الأبيض سهل بن أبي كثير: قلت من أنت فقالت ... بكرة من بكرات ترتعي نبت الخزامى ... تحت تلك الشجرات حبذا العرصة ليلا ... في ليال مقمرات طاب ذاك العيش عيشا ... وحديث الفتيات ذاك عيشي أشتهيه ... وحديثي مع لمات وفيها يقول بعض المدنيين: وبالعرصة البيضاء إن زرت أهلها ... مها مهملات ما عليهن سائس يدرن إذا ما الشمس لم يخش حرها ... خلال بساتين خلاهن يابس إذا الحر آذاهن لذن ببحرة ... كما لاذ بالظل الظباء الكواس وقال عامر بن صالح في العرصتين: أهوى البلاط فجانبيه كليهما ... فالعرصتين إلى نخيل قباء وقال حكيم بن عكرمة الديلي فيهما وفي العقيق وجوانب المدينة: لعمرك للبلاط وجانباه ... وحرة واقم ذات المنار فجماء العقيق فعرصتاه ... فمفضي السيل من تلك الحرار إلى أحد مدى حرض فمبنى ... قباب الحي من كنفي صرار أحبّ إلى من ريح وبصرى ... بلا شك علي ولا تماري

стр. 769

ومن قريات حمص وبعلبك ... لو أنّي كنت أجعل بالخيار وفيهما وفي العقيق يقول الوليد بن زيد: لم أنس بالعرصتين مجلسنا ... بالسفح بين العقيق والسند وقال عبد الله بن مصعب في ذلك وفي الصلصل: أشرف على ظهر القديمة هل ترى ... برقا سرى في عارض متهلل نضح العقيق فبطن طيبة موهنا ... ثم استمر يؤم فضل الصلصل فكأنما ولعت مخائل برقه ... بمعالم الأحباب ليست تأتلي فالعرصتين فسفح عير فالربا ... من بطن خاخ ذي المحل الأشهل وقال سعيد المساحقي في ذلك وهو ببغداد، وذكر أنه ابتلى بعد أخيه بمحادثة غلامه زاهر: أرى زاهرا لما رأى من توحّشي ... وأن ليس لي من أهل ودي زائر فظل يعاطيني الحديث وإننا ... لمختلفان حين تبلى السرائر يحدثني مما يجمّع عقله ... أحاديث منها مستقيم وجائر وما كنت أخشى أن أراني راضيا ... يعلّلني بعد الأحبة زاهر وبعد المصلى والبلاط وأهله ... وبعد العقيق حيث يحلو التزاور إذا اعشوشبت قريانه وتزينت ... عراص بها نبت أنيق وزاهر وقال أيضا: ألا قل لعبد الله إما لقيته ... وقل لابن صفوان على النأي والبعد ألم تعلما أن المصلى مكانه ... وأن العقيق ذا الظلال وذا الورد وأن رياض العرصتين تزينت ... بنوارها المصفر والأشكل الوردي وأن بها لو تعلمان أصائلا ... وليلا رقيقا مثل حاشية البرد وأن غدير اللابتين مكانه ... وأن طريق المسجدين على العهد فهل منكما مستأذن فمسلم ... على وطن أو جاذب لذوي الود فما العيش إلا ما يسر به الفتى ... إذا لم يجد يوما سبيل ذوي الرشد فأجابه عبد الأعلى بن عبد الله بن محمد بن صفوان: أتاني كتاب من سعيد فشاقني ... وزاد غرام القلب جهدا على جهد وأذري دموع العين حتى كأنما ... بها رمد عنه المراود لا تجدي بأن رياض العرصتين تزينت ... وأن المصلى والبلاط على العهد وأن غدير اللابتين ونبته ... له أرج كالمسك في عنبر الهند

стр. 770

فكدت لما أضمرت من لاعج الهوى ... ووجد بما قد قال أقضى من الوجد وقال إبراهيم بن موسى الزبيري: ليت شعري هل العقيق فسلع ... فقصور الجماء فالعرصتان فإلى مسجد الرسول فما حا ... ز المصلى فجانبا بطحان فبنو مازن على العهد أم ليس كعندي في سالف الأزمان وأنشد عبد السلام بن يوسف وهو في غاية العذوبة: على ساكني بطن العقيق سلام ... وإن أسهروني بالفراق وناموا حظرتم عليّ النوم وهو محلل ... وحللتم التعذيب وهو حرام إذا بنتم عن حاجر وحجرتم ... على السمع أن يدنو إليه كلام فلا ميّلت ريح الصبا فرع بانة ... ولا سجعت فوق الغصون حمام ولا قهقهت فيه الرعود، ولا بكى ... على حافتيه بالعشيّ غمام فمالي وما للربع قد بان أهله ... وقد قوضت من ساكنيه خيام ألا ليت شعري هل إلى الرمل عودة ... وهل لي بتلك البانتين لمام وهل نهلة من بئر عروة عذبة ... أداوي بها قلبا براه أوام ألا يا حمامات الأراك إليكم ... فما لي في تغريد كن مرام فوجدي وشوقي مسعد ومؤانس ... ونوحي ودمعي مطرب ومدام وقال أعرابي: أيا سرحتي وأدي العقيق سقيتما ... حيا غضة الأنفاس طيبة الورد ترويكما مج الثرى، وتغلغلت ... عروقكما تحت الندى في ثرى جعد ولا يهنين ظلاكما أن تباعدت ... بي الدار من يرجو ظلالكما بعدي وعن محمد الزهري قال: ركب عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن حسن بن حسن ومحمد بن جعفر بن محمد على بغلات لهم، حتى إذا كانوا بالعقيق أصابهم المطر، وهنالك سرحة عظيمة، فدخلوا تحتها، فقال عبد العزيز بن عمر: خبرينا يا سرح خصصت بالغيث ... بصدق فالصدق فيه شفاء هل يموت المحب من لاعج الحب ... ويشفي من الحبيب اللقاء ثم إن السماء أقلعت، فساروا ساعة، ثم رجعوا للسّرحة فإذا في أصلها كتاب فيه: إن جهلا سؤالك السرح عما ... ليس يوما به عليك خفاء فاستمع تخبر اليقين وهل ... يشفي من الشك نفسك الأنباء ليس للعاشق المحب من الحب ... سوى رؤية الحبيب شفاء

стр. 771

وعن رجل من الأنصار أنه كان نازلا تحت سرحة ببطن العقيق إذ وقف عليه ابن عمر، فسلم، ثم قال: من دلّك عليها؟ قال: الذي دلّك عليها، قال ابن عمر: فهل تدري لم يستحب ظلال السرح: قال الرجل: إنه ظليل، وليس له شوك، قال ابن عمر: ولغيره، أرأيت إذا كنت بين الأخشبين من منى فإن بينك وبين مطلع الشمس واديا يقال له وادي سرر، سرّ به سبعون نبيا، وقد سر نبي منهم تحت سرحة فدعا للسرح، فهي لا تقيل كما يقيل الشجر. وعن محمد بن معن الغفاري قال: أراد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن يخرج إلى مكة، فذكر ذلك لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال له عبد العزيز: هل لك أن تقيل عندي أنت وأصحابك ثم تروحون من عندنا وهو بالبطحان في قصر عمر بن عبد العزيز؟ فقال محمد: نعم، فهيأ لهم نزلا، فقال محمد: ما بقي شيء يبر به أحد أحدا إلا وقد أنزلتناه إلا طعام البادية، قال: وما هو؟ قال: التمر والزبد، قال: أما الغنم فإنها لعاصم بنت سفيان بن عاصم بن عبد العزيز، يعني امرأته، ولست مقدما على شيء منها إلا بإذنها، ولكني سأستطعمها لكم، وكتب إليها: إن عندي فدتك نفسي ضيوفا ... واجب حقّهم كهولا ومردا عمدوا جارك الذي كان قدما ... لا يرى من كرامة الضيف بدا فلديه أضيافه قد قراهم ... وهمو يشتهون تمرا وزبدا فلهذا جرى الحديث، ولكن ... قد جعلنا بعض المزاحة جدّا فقال له محمد: ما زال هذا العيش بينكما، قال: نعم والله ما مسست غيرها، ولا احتلمت بغيرها قط، ولا خالفتها في شيء هويته قط، فبعثت إليهم بتمر وزبد. وعن عبد العزيز بن أبي حازم قال: كان عروة بن الزبير قائما بفناء قصره نصف النهار، إذ أقبل شيخ من أهل المدينة معه حمام، فوقف عند الميل، فمسح حمامه، وسوّى ريشه ثم أرسله، ثم أقبل على بئر عروة فشرب من مائها، فقال له عروة: جئت في مثل هذه الساعة كأنك صبي، فأرسلت حماما، وقد قال رسول الله ﷺ «شيطان يتبعه شيطان» فقال الشيخ: يا خليلي لا تكلم ... ليس فيه من ملام وعن عبد العزيز بن عبد الله قال: بينا أنا بالعقيق إذ أقبل رجل له موضع يحمل حماما، فقلت له: مثلك يحمل هذا الحمام؟ ولا أراك إلا قد راهنت به، قال: أجل، وما في ذلك؟ قلت: إنه حرام، قال: فهذه الخيل يراهن بها، قلت: تلك سنة، قال: وهذه رعلة، ثم انصرف، انتهى.

стр. 772

والرعلة: نوع من تمر المدينة، وكذا السنة، فحمل السنة على ذلك. الفصل الرابع في جماواته، وأرض الشجرة، وثنية الشريد وغيرها من جهاته نقل ابن زبالة وغيره أن الجماوات ثلاثة: الأولى: جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم وبئر عروة، وقال الهجري: أول الجماوات جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم وهو منزل أبي القاسم طاهر بن يحيى وولده، وفيها يقول أحيحة بن الجلاح: إني والمشعر الحرام وما ... حجّت قريش له وما نحروا لا آخذ الخطة الدنيّة ما ... دام يرى من تضارع حجر وتحته المكيمن مكيمن الجماء. وعن محمد بن إبراهيم مرفوعا: إذا سألت تضارع فهو عام ربيع. وروى ابن شبة حديث «لا تسيل تضارع إلا عام ربيع» قال: وتضارع الجبل الذي بسفحه قصر ابن بكير العثماني، وقصور عبد العزيز بن عبد الله العثماني على ثلاثة أميال من المدينة، على يمين الذاهب إلى مكة. قلت: هذا الجبل هو الذي يقابلك وأنت بالمدرج تريد مكة، فإذا استبطنت العقيق صار عن يمينك، والجبل المعروف بمكيمن الجماء متصل به، آخذ منه على يمين الذاهب أيضا. جماء أم خالد الثانية: جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري وما والاه، وفي أصلها بيوت الأشعث، وقصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي، وفيفاء الخبار من جماء أم خالد، قاله الزبير. ونقل ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران نحوه، إلا أنه قال: في أصلها بيوت الأشعث وفيفاء الخبار، وبينها وبين جماء العاقر طريق من ناحية بئر رومة وفيفاء الخبار من جماء أم خالد في مهبّ الشمال من الأولى مما يلي مسيل وادي العقيق منحدرا، وفيفاء الخبار منهما. وقال المجد: في أصل جماء أم خالد جبل يقال له سفر كما سيأتي في ترجمته. روى الزبير عن موسى بن محمد عن أبيه قال: وجد قبر آدمي على رأس جماء أم خالد مكتوب فيه: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية. وعن ابن شهاب قال: وجد قبر على جماء أم خالد أربعون ذراعا في أربعين ذراعا، مكتوب في حجر فيه: أنا عبد الله من أل نينوى رسول رسول الله عيسى بن مريم ﵇ إلى أهل هذه القرية، فأدركني الموت، فأوصيت أن أدفن في جماء أم خالد.

стр. 773

قال عبد العزيز بن عمران: نينوى موضعان: أحدهما من أرض السواد بالطف حيث قتل الحسين رضي الله تعالى عنه. والآخر قرية بالموصل، وهي التي فيها يونس النبي ﷺ ، ولسنا ندري أي الموضعين عنى. وتقدم في أوائل الباب الثالث روايتان جاءتا في ذلك قال في إحداهما: فإذا فيه «أنا عبد الله الأسود رسول رسول الله عيسى بن مريم ﵇ إلى أهل قرى عرينة» وقال في الأخرى» وإذا فيه أنا عبد الله رسول نبي الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب، وأنا يومئذ على الشمال» . جماء العاقر (العاقل) الثالثة: جماء العاقر- بالراء كما في كتاب ابن شبة وغيره، وفي بعض نسخ ابن زبالة والهجري ومعارف العقيق للزبير باللام- قال ابن شبة، عقب ما تقدم عنه: وجماء العاقر الجبل الذي خلفه المشاش، وإليه قصور جعفر بن سليمان بن علي بالعرصة، وقال الهجري: الثالثة جماء العاقل، فيها طريق إلى جماء أم خالد، تسيل على قصور جعفر بن سليمان، خلفها المشاش وهو واد يصبّ في العرصة، وقال الزبير: جماء العاقل طريق بينها وبين جماء أم خالد خلفها المشاش. وفي المشاش يقول عروة بن أذينة: إذ جرى شعب المشاش بهم ... ومضيف تلمة الرحمة ومن البطحاء قد نزلوا ... دار زيد فوقها العجمة وأورد ابن زبالة هنا حديث «لا تقوم الساعة حتى يقتل رجلان موضع فسطاطيها في قبل الجماء» وحديث «نعم الجماء المنزل لولا كثرة الأساود» . وقد قدمنا في الفصل الأول نحوه في العرصة، وقدمنا ما جاء في ذي الحليفة وبطحانها والمعرس ومسجد الشجرة، وروى البيهقي في المعرفة عن الشافعي قال: كان سعيد بن زيد وأبو هريرة يكونان بالسحر على أقل من ستة أميال فيشهدان الجمعة ويدعانها. وروى الزبير عن نافع أنه لما استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة بعد ما ارتفع الضحى أتاه ابن عمر بالعقيق، وترك الجمعة. وعن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن أروى بنت أويس أسعدت مروان بن الحكم على سعيد بن زيد في أرضه بالشجرة، فقالت: إنه أدخل ضفيرتي في أرضه، فقال: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول «من اقتطع شبرا من الأرض طوّقه من سبع أرضين يوم القيامة» ؟ وترك لها سعيد ما أدّعت، وقال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها، واجعل قبرها في بئرها، فعميت أروى، وجاء سيل فأبدي عن ضفيرتها خارجا عن حق سعيد، فأقسم سعيد على مروان ليركبنّ معه وينظر إلى ضفيرتها، فركب والناس حتى نظروا إليها، ثم إن أروى خرجت لبعض حاجتها فوقعت في البئر فماتت.

стр. 774

وفي رواية أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، وقالت: إني ظلمتك، فقال: لا أردّ على الله شيئا أعطانيه. قال إبراهيم بن حمزة: وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض فيقول: أعماك الله كما أعمى أروى، يريدونها، ثم صار الجهال يقولون: أعماك الله كما أعمى الأروى، يعني أروى الجبل، يظنونها شديدة العمى. وفي رواية أن سعيدا قال: اللهم إن كانت أروى كاذبة فلا تخرجها من الدنيا حتى تعمى، وتجعل منيتها في بئرها، فعميت، فكانت لها جارية تخرج بها تقودها، فتقول لها: أخبريني ما يعمل العمال، فتخبرها، فتقول لهم: أنتم تفعلون كذا وكذا، وتصيح عليهم، فغفلت الجارية عنها يوما، فخرجت إلى العمال فوقعت في بئرها فماتت، فلذلك يقولون: عمى أروى. وعن يحيى بن موسى قال: كان أبو هريرة نزل الشجرة قبل أن تكون مزدرعا، فمرّ به مروان وقد استعمله معاوية على المدينة فقال: مالي أراك هاهنا؟ قال: نزلت هذه البرية مع أبي أصلي في مسجد رسول الله ﷺ بذي الحليفة، فأقطعه مروان أرضه وضفرها له، فتصدق بها أبو هريرة على ولده، ولم يزل العقيق نخلا حتى عملت العيون. ثنية الشريد ونقل ابن زبالة أن ثنية الشريد كانت لرجل من بني سليم كان بقية أهل بيته، فقيل له: الشريد، وكانت أعنابا ونخلا لم ير مثلها، فقدم معاوية المدينة، فطلبها منه، فأبى، ثم ركب يوما فوجد عماله في الشمس، فقال: مالكم؟ فقالوا: نسجم البئار، فركب إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم يزل في نفسي منعي إياك ما طلبت مني، فهو لك بما أردت، فكتب إلى ابن أبي أحمد أن يدفع إليه الثمن، قال: وسمعتهم يكثرونه جدّا، فقال له ابن أبي أحمد: إن أمير المؤمنين لم يسمك بها وهي على هذه الحال، فقال: إني رجوت حين صار أمري إليك التيسير علي، فدفع إليه الثمن. ومزارع ثنية الشريد من أرض المحرمين إلى أرض المنصور بن إبراهيم، وقال الهجري: إن سيل العقيق يفضي إلى ثنية الشريد، ومنها منازل وبئار كثيرة، وهي ذات عضاه وآكام، تنبت ضروبا من الكلأ، صالحة للمال، تحف الثنية شرقي عير الوادي وغربي جبل يقال له الفراء، ثم يفضي إلى الشجرة التي بها المحرم والمعرس. وقال ابن النجار عن أهل السير: إن النبي ﷺ ولى العقيق لرجل اسمه هيصم المزني، وأن ولاة المدينة لم يزالوا يولّون عليه، حتى كان داود بن عيسى فتركه في سنة ثمان وتسعين ومائة.

стр. 775

قلت: هذا إنما ذكره ابن زبالة والزبير في حمى النقيع كما سيأتي. وروى ابن زبالة عن يحيى بن سعيد أن رجلا كان لا يعرف والده كان يوما بالعقيق، فنهاه عمر بن عبد العزيز. وفي رواية: كان يصلي لهم الجمعة بالشجرة، فنهاه عمر بن عبد العزيز أن يؤمهم لأنه لا يعرف له أب، وهو يقتضي أن الجمعة كانت تقام بالعقيق، فآثار أبنية مكان العقيق موجودة إلى اليوم، وهي دالة على ما كان به من القصور الفائقة، والمناظر الرائقة، والآبار العذبة إحسان، والحدائق الملتفّة الأغصان، دثرت على طول الزمان، وتكرر الحدثان، وبقي هناك بعض الآبار، وبقايا الآثار، فترتاح النفوس برؤيتها، وتنتعش الأرواح بانتشاق نسمتها، فهي كما قال حبيب بن أوس: ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين من نظر ... أشهى إلى ناظر من خدها الترب وقال أعرابي: ألا أيها الركب المحنّون هل لكم ... بأهل عقيق والمنازل من علم فقالوا: نعم تلك الطلول كعهدها ... تلوح، وما يغنى سؤالك عن علم خاتمة في سرد ما يدفع في العقيق من الأودية، وما به من الغدران قال في جزيرة العرب لأبي عبيدة رواية أبي عبد الله المازني عنه ما لفظه: والعقيق يشق من قبل الطائف، ثم يمر بالمدينة، ثم يلقى في إضم البحر، انتهى. وسيأتي في وادي قناة أنه من وجّ الطائف أيضا، ولكن قال الزبير وغيره: أعلى أودية العقيق النقيع، ثم ذو العش، ثم ذو الضرورة، ثم ذو القرى، ثم ذو الميت، ثم ذو المكبر، ثم ذات القطب، ثم حد المولى، ثم حد الأباني، ثم ذو تنقية، ثم القويع، ثم ذو الصواير، ثم الفلجة، ثم الوشيحة، ثم مخايل الوغائر، ثم مخايل الرمضة، وكلاهما يصب في حصين، ثم ذو العشيرة، ثم الرتاحة، ثم ذو سمر، ثم مرخى الحرة اليماني والشامي محتذيان جميعا، ثم يجتمع ذو سمر ومرخان فيقال لمجتمعهن: المجتمعة، ثم ذات السليم، ثم ذو الغصين، ثم شوظى، ثم خاخ، ثم المناصفة، ثم شعاب الحمري والفراء وعيرين. وقال الزبير: وأوديته مما يلي القبلة في المغرب أعلاها ذات الرابوقة ثم نفعا. وعن مشيخة مربية أن صدور العقيق ما يبلغ في النقيع من قدس وما قبل من الحرة وما دبر من النقيع وثنية عمق، فهو يصب في الفرع، وما قبل من الحرة مما يدفع في العقيق يقال له بطاويح، قال: ثم فرش موزد، ثم راية الأعمى، ثم راية الغراب، ثم الخائع، ثم ذو
следующие страницы →