← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23695

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى

السمهودي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وعن رجل من الأنصار أنه كان نازلا تحت سرحة ببطن العقيق إذ وقف عليه ابن عمر، فسلم، ثم قال: من دلّك عليها؟ قال: الذي دلّك عليها، قال ابن عمر: فهل تدري لم يستحب ظلال السرح: قال الرجل: إنه ظليل، وليس له شوك، قال ابن عمر: ولغيره، أرأيت إذا كنت بين الأخشبين من منى فإن بينك وبين مطلع الشمس واديا يقال له وادي سرر، سرّ به سبعون نبيا، وقد سر نبي منهم تحت سرحة فدعا للسرح، فهي لا تقيل كما يقيل الشجر. وعن محمد بن معن الغفاري قال: أراد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن يخرج إلى مكة، فذكر ذلك لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال له عبد العزيز: هل لك أن تقيل عندي أنت وأصحابك ثم تروحون من عندنا وهو بالبطحان في قصر عمر بن عبد العزيز؟ فقال محمد: نعم، فهيأ لهم نزلا، فقال محمد: ما بقي شيء يبر به أحد أحدا إلا وقد أنزلتناه إلا طعام البادية، قال: وما هو؟ قال: التمر والزبد، قال: أما الغنم فإنها لعاصم بنت سفيان بن عاصم بن عبد العزيز، يعني امرأته، ولست مقدما على شيء منها إلا بإذنها، ولكني سأستطعمها لكم، وكتب إليها: إن عندي فدتك نفسي ضيوفا ... واجب حقّهم كهولا ومردا عمدوا جارك الذي كان قدما ... لا يرى من كرامة الضيف بدا فلديه أضيافه قد قراهم ... وهمو يشتهون تمرا وزبدا فلهذا جرى الحديث، ولكن ... قد جعلنا بعض المزاحة جدّا فقال له محمد: ما زال هذا العيش بينكما، قال: نعم والله ما مسست غيرها، ولا احتلمت بغيرها قط، ولا خالفتها في شيء هويته قط، فبعثت إليهم بتمر وزبد. وعن عبد العزيز بن أبي حازم قال: كان عروة بن الزبير قائما بفناء قصره نصف النهار، إذ أقبل شيخ من أهل المدينة معه حمام، فوقف عند الميل، فمسح حمامه، وسوّى ريشه ثم أرسله، ثم أقبل على بئر عروة فشرب من مائها، فقال له عروة: جئت في مثل هذه الساعة كأنك صبي، فأرسلت حماما، وقد قال رسول الله ﷺ «شيطان يتبعه شيطان» فقال الشيخ: يا خليلي لا تكلم ... ليس فيه من ملام وعن عبد العزيز بن عبد الله قال: بينا أنا بالعقيق إذ أقبل رجل له موضع يحمل حماما، فقلت له: مثلك يحمل هذا الحمام؟ ولا أراك إلا قد راهنت به، قال: أجل، وما في ذلك؟ قلت: إنه حرام، قال: فهذه الخيل يراهن بها، قلت: تلك سنة، قال: وهذه رعلة، ثم انصرف، انتهى.

стр. 772

والرعلة: نوع من تمر المدينة، وكذا السنة، فحمل السنة على ذلك. الفصل الرابع في جماواته، وأرض الشجرة، وثنية الشريد وغيرها من جهاته نقل ابن زبالة وغيره أن الجماوات ثلاثة: الأولى: جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم وبئر عروة، وقال الهجري: أول الجماوات جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم وهو منزل أبي القاسم طاهر بن يحيى وولده، وفيها يقول أحيحة بن الجلاح: إني والمشعر الحرام وما ... حجّت قريش له وما نحروا لا آخذ الخطة الدنيّة ما ... دام يرى من تضارع حجر وتحته المكيمن مكيمن الجماء. وعن محمد بن إبراهيم مرفوعا: إذا سألت تضارع فهو عام ربيع. وروى ابن شبة حديث «لا تسيل تضارع إلا عام ربيع» قال: وتضارع الجبل الذي بسفحه قصر ابن بكير العثماني، وقصور عبد العزيز بن عبد الله العثماني على ثلاثة أميال من المدينة، على يمين الذاهب إلى مكة. قلت: هذا الجبل هو الذي يقابلك وأنت بالمدرج تريد مكة، فإذا استبطنت العقيق صار عن يمينك، والجبل المعروف بمكيمن الجماء متصل به، آخذ منه على يمين الذاهب أيضا. جماء أم خالد الثانية: جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري وما والاه، وفي أصلها بيوت الأشعث، وقصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي، وفيفاء الخبار من جماء أم خالد، قاله الزبير. ونقل ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران نحوه، إلا أنه قال: في أصلها بيوت الأشعث وفيفاء الخبار، وبينها وبين جماء العاقر طريق من ناحية بئر رومة وفيفاء الخبار من جماء أم خالد في مهبّ الشمال من الأولى مما يلي مسيل وادي العقيق منحدرا، وفيفاء الخبار منهما. وقال المجد: في أصل جماء أم خالد جبل يقال له سفر كما سيأتي في ترجمته. روى الزبير عن موسى بن محمد عن أبيه قال: وجد قبر آدمي على رأس جماء أم خالد مكتوب فيه: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية. وعن ابن شهاب قال: وجد قبر على جماء أم خالد أربعون ذراعا في أربعين ذراعا، مكتوب في حجر فيه: أنا عبد الله من أل نينوى رسول رسول الله عيسى بن مريم ﵇ إلى أهل هذه القرية، فأدركني الموت، فأوصيت أن أدفن في جماء أم خالد.

стр. 773

قال عبد العزيز بن عمران: نينوى موضعان: أحدهما من أرض السواد بالطف حيث قتل الحسين رضي الله تعالى عنه. والآخر قرية بالموصل، وهي التي فيها يونس النبي ﷺ ، ولسنا ندري أي الموضعين عنى. وتقدم في أوائل الباب الثالث روايتان جاءتا في ذلك قال في إحداهما: فإذا فيه «أنا عبد الله الأسود رسول رسول الله عيسى بن مريم ﵇ إلى أهل قرى عرينة» وقال في الأخرى» وإذا فيه أنا عبد الله رسول نبي الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب، وأنا يومئذ على الشمال» . جماء العاقر (العاقل) الثالثة: جماء العاقر- بالراء كما في كتاب ابن شبة وغيره، وفي بعض نسخ ابن زبالة والهجري ومعارف العقيق للزبير باللام- قال ابن شبة، عقب ما تقدم عنه: وجماء العاقر الجبل الذي خلفه المشاش، وإليه قصور جعفر بن سليمان بن علي بالعرصة، وقال الهجري: الثالثة جماء العاقل، فيها طريق إلى جماء أم خالد، تسيل على قصور جعفر بن سليمان، خلفها المشاش وهو واد يصبّ في العرصة، وقال الزبير: جماء العاقل طريق بينها وبين جماء أم خالد خلفها المشاش. وفي المشاش يقول عروة بن أذينة: إذ جرى شعب المشاش بهم ... ومضيف تلمة الرحمة ومن البطحاء قد نزلوا ... دار زيد فوقها العجمة وأورد ابن زبالة هنا حديث «لا تقوم الساعة حتى يقتل رجلان موضع فسطاطيها في قبل الجماء» وحديث «نعم الجماء المنزل لولا كثرة الأساود» . وقد قدمنا في الفصل الأول نحوه في العرصة، وقدمنا ما جاء في ذي الحليفة وبطحانها والمعرس ومسجد الشجرة، وروى البيهقي في المعرفة عن الشافعي قال: كان سعيد بن زيد وأبو هريرة يكونان بالسحر على أقل من ستة أميال فيشهدان الجمعة ويدعانها. وروى الزبير عن نافع أنه لما استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة بعد ما ارتفع الضحى أتاه ابن عمر بالعقيق، وترك الجمعة. وعن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن أروى بنت أويس أسعدت مروان بن الحكم على سعيد بن زيد في أرضه بالشجرة، فقالت: إنه أدخل ضفيرتي في أرضه، فقال: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول «من اقتطع شبرا من الأرض طوّقه من سبع أرضين يوم القيامة» ؟ وترك لها سعيد ما أدّعت، وقال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها، واجعل قبرها في بئرها، فعميت أروى، وجاء سيل فأبدي عن ضفيرتها خارجا عن حق سعيد، فأقسم سعيد على مروان ليركبنّ معه وينظر إلى ضفيرتها، فركب والناس حتى نظروا إليها، ثم إن أروى خرجت لبعض حاجتها فوقعت في البئر فماتت.

стр. 774

وفي رواية أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، وقالت: إني ظلمتك، فقال: لا أردّ على الله شيئا أعطانيه. قال إبراهيم بن حمزة: وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض فيقول: أعماك الله كما أعمى أروى، يريدونها، ثم صار الجهال يقولون: أعماك الله كما أعمى الأروى، يعني أروى الجبل، يظنونها شديدة العمى. وفي رواية أن سعيدا قال: اللهم إن كانت أروى كاذبة فلا تخرجها من الدنيا حتى تعمى، وتجعل منيتها في بئرها، فعميت، فكانت لها جارية تخرج بها تقودها، فتقول لها: أخبريني ما يعمل العمال، فتخبرها، فتقول لهم: أنتم تفعلون كذا وكذا، وتصيح عليهم، فغفلت الجارية عنها يوما، فخرجت إلى العمال فوقعت في بئرها فماتت، فلذلك يقولون: عمى أروى. وعن يحيى بن موسى قال: كان أبو هريرة نزل الشجرة قبل أن تكون مزدرعا، فمرّ به مروان وقد استعمله معاوية على المدينة فقال: مالي أراك هاهنا؟ قال: نزلت هذه البرية مع أبي أصلي في مسجد رسول الله ﷺ بذي الحليفة، فأقطعه مروان أرضه وضفرها له، فتصدق بها أبو هريرة على ولده، ولم يزل العقيق نخلا حتى عملت العيون. ثنية الشريد ونقل ابن زبالة أن ثنية الشريد كانت لرجل من بني سليم كان بقية أهل بيته، فقيل له: الشريد، وكانت أعنابا ونخلا لم ير مثلها، فقدم معاوية المدينة، فطلبها منه، فأبى، ثم ركب يوما فوجد عماله في الشمس، فقال: مالكم؟ فقالوا: نسجم البئار، فركب إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم يزل في نفسي منعي إياك ما طلبت مني، فهو لك بما أردت، فكتب إلى ابن أبي أحمد أن يدفع إليه الثمن، قال: وسمعتهم يكثرونه جدّا، فقال له ابن أبي أحمد: إن أمير المؤمنين لم يسمك بها وهي على هذه الحال، فقال: إني رجوت حين صار أمري إليك التيسير علي، فدفع إليه الثمن. ومزارع ثنية الشريد من أرض المحرمين إلى أرض المنصور بن إبراهيم، وقال الهجري: إن سيل العقيق يفضي إلى ثنية الشريد، ومنها منازل وبئار كثيرة، وهي ذات عضاه وآكام، تنبت ضروبا من الكلأ، صالحة للمال، تحف الثنية شرقي عير الوادي وغربي جبل يقال له الفراء، ثم يفضي إلى الشجرة التي بها المحرم والمعرس. وقال ابن النجار عن أهل السير: إن النبي ﷺ ولى العقيق لرجل اسمه هيصم المزني، وأن ولاة المدينة لم يزالوا يولّون عليه، حتى كان داود بن عيسى فتركه في سنة ثمان وتسعين ومائة.

стр. 775

قلت: هذا إنما ذكره ابن زبالة والزبير في حمى النقيع كما سيأتي. وروى ابن زبالة عن يحيى بن سعيد أن رجلا كان لا يعرف والده كان يوما بالعقيق، فنهاه عمر بن عبد العزيز. وفي رواية: كان يصلي لهم الجمعة بالشجرة، فنهاه عمر بن عبد العزيز أن يؤمهم لأنه لا يعرف له أب، وهو يقتضي أن الجمعة كانت تقام بالعقيق، فآثار أبنية مكان العقيق موجودة إلى اليوم، وهي دالة على ما كان به من القصور الفائقة، والمناظر الرائقة، والآبار العذبة إحسان، والحدائق الملتفّة الأغصان، دثرت على طول الزمان، وتكرر الحدثان، وبقي هناك بعض الآبار، وبقايا الآثار، فترتاح النفوس برؤيتها، وتنتعش الأرواح بانتشاق نسمتها، فهي كما قال حبيب بن أوس: ما ربع ميّة معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب ولا الخدود وإن أدمين من نظر ... أشهى إلى ناظر من خدها الترب وقال أعرابي: ألا أيها الركب المحنّون هل لكم ... بأهل عقيق والمنازل من علم فقالوا: نعم تلك الطلول كعهدها ... تلوح، وما يغنى سؤالك عن علم خاتمة في سرد ما يدفع في العقيق من الأودية، وما به من الغدران قال في جزيرة العرب لأبي عبيدة رواية أبي عبد الله المازني عنه ما لفظه: والعقيق يشق من قبل الطائف، ثم يمر بالمدينة، ثم يلقى في إضم البحر، انتهى. وسيأتي في وادي قناة أنه من وجّ الطائف أيضا، ولكن قال الزبير وغيره: أعلى أودية العقيق النقيع، ثم ذو العش، ثم ذو الضرورة، ثم ذو القرى، ثم ذو الميت، ثم ذو المكبر، ثم ذات القطب، ثم حد المولى، ثم حد الأباني، ثم ذو تنقية، ثم القويع، ثم ذو الصواير، ثم الفلجة، ثم الوشيحة، ثم مخايل الوغائر، ثم مخايل الرمضة، وكلاهما يصب في حصين، ثم ذو العشيرة، ثم الرتاحة، ثم ذو سمر، ثم مرخى الحرة اليماني والشامي محتذيان جميعا، ثم يجتمع ذو سمر ومرخان فيقال لمجتمعهن: المجتمعة، ثم ذات السليم، ثم ذو الغصين، ثم شوظى، ثم خاخ، ثم المناصفة، ثم شعاب الحمري والفراء وعيرين. وقال الزبير: وأوديته مما يلي القبلة في المغرب أعلاها ذات الرابوقة ثم نفعا. وعن مشيخة مربية أن صدور العقيق ما يبلغ في النقيع من قدس وما قبل من الحرة وما دبر من النقيع وثنية عمق، فهو يصب في الفرع، وما قبل من الحرة مما يدفع في العقيق يقال له بطاويح، قال: ثم فرش موزد، ثم راية الأعمى، ثم راية الغراب، ثم الخائع، ثم ذو

стр. 776

عاصم، ثم بلغة السرح، ثم بلغة برام، ثم بلغة رماد، ثم بلغة المعيرا، ثم بلغة الرمس، ثم نبعة العشرة، ثم نبعة الطوى، ثم الحنينة، ثم النبعة، ثم ضاف، ثم بلغة التمر، ثم نبع الأضاة، ثم الأتمة أتمة عبد الله بن الزبير، ثم ذات الحماط، وفي حديث تقدم أنه ﷺ «صلّى في مسجد بالضيقة مخرجه من ذات الحماط» ثم هاوان، ثم فريقان، ثم الساهية، ثم أعشار، وتقدم في حديث نزوله ﷺ بكهف أعشار وصلاته فيه، ثم ريم، ثم لاي، ثم ذو سلم النظيم، ثم ذو بدوم، ثم حفية، ثم قسبان، ثم الصهوة، ثم بقرة، ثم ذو سنية، وسنية: قوم من مزينة، ثم الرمامية، ثم الموقية، ثم ضبع، ثم مهر، ثم الملحاء، ثم المليحة، ثم النخيل، ثم الرديهة، ثم أنفة، ثم المنتقبة، ثم مراح الصحرة، ثم سائلة أبي يسار التي تسيل على قصر المخرمي، ثم شعاب الفراء، ثم ذات الجيش، وتقدم حديث الأعلام في حرم المدينة على شرف ذات الجيش، ثم وادي أبي كبير بن سعيد بن وهب بن عبد بن قصي، وذات الجيش يدفع فيه، وبه قصر الرماد لآل أبي كبير، وكانت لهم بئر بطرف الفراء يوردون عليها سبعين أو ثمانين بعيرا لهم، قال الزبير: وأنا رأيت بئر أحد طرف الفراء مكبوسة، وما قبل من الصلصلين يدفع إلى بئر أبي عاصية، ثم يدفع في ذات الجيش، ثم يدفع في وادي أبي كبير، وما دبر منهما يدفع في البطحاء، فطرف عظيم الغربي يدفع في ذات الجيش، وطرفه الشامي يدفع في البطحاء بين الجبلين في وادي العقيق، ثم الجماوات ثلاث، وتفصيل مسائلها كما قدمناه فيها. ثم ذكر مجتمع سيول المدينة بزغابة، وذلك أعلى وادي إضم، قال: وأعلى غدر مسيلات العقيق التي في درج الوادي مما يلي الحرة موكلان من أعلى ذي العش، ثم غدير سليم، ثم ذو التحاميم، ثم الأعوج، ثم غدير الجبال، ثم يماحم، ثم غدير الذباب، ثم غدير الحمير، ثم غدير فليج الأعلى، ثم غدير فليج الأسفل، وهذه الثلاثة تعرف بمنحنيات فليج الزبيري، ثم غدير السيالة، ثم الطويل، ويعد من منحنيات فليج أيضا، ثم غدير البيوت بيوت عبد الله العمري، ثم غدير رتيجة، ثم بكين، ثم غدير سلافة، ثم غدير الرعاء، ثم غدير الأحمى مقصورا والأحمى: طرب العدس في أصله، ثم غدير حصير، ثم الندبة من أسفل حصير، ثم العرابة على أعلى مرج، ثم مرج، ثم غدير السدر، ثم غدير الخم، ثم المستوجبة، ثم حليف، ثم حليف، ثم الحقن، ثم ذو الطفيتين، ثم ذو اللحيين، ثم ذو الابنة، ثم غدير مريم، ثم غدير المجاز، ثم غدير المرس، ثم رابوع، وقلما يفارقه ماء وإذا قل ماؤه احتسى، وهو أسفل شيء من غدران درج العقيق إلا غدير أسفل منه يقال له غدير السيالة، هذا كلام الزبير. ونقل ابن شبة أن سيل العقيق يأتي من موضع يقال له بطاويح، وهو حرس من الحرة،

стр. 777

وغربي شطاي حتى مضيا جميعا في النقيع وهو قاع كبير الدر، وهو من المدينة على أربعة برد في يمانيها، ثم يصب في غدير يلبن وبرام، ويدفع فيه وادي البقاع، ويصب فيه لقعا فيلتقين جميعا بأسفل من موضع يقال له نقع، ثم يذهب السيل مشرقا فيصب على رواوتين يعترضهما يسارا، ويدفع عليه واد يقال له هلوان، ثم يستجمعن فيلقاهن بوادي دبر بأسفل الحليفة العليا، ثم يصب على الأتمة وعلى الجام، ثم يفضي إلى وادي الحميراء فيستبطن واديها ويدفع عليه الحرتان شرقيا وغربيا حتى ينتهي إلى ثنية الشريد إلى أن يفضي إلى الوادي فيأخذ في ذي الحليفة حتى يصب بين أرض أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وبين أرض عاصم بن عدي بن العجلان، ثم يستبطن الوادي فيصب عليه شعاب الجماء ونمير حتى يفضي إلى أرض عروة بن الزبير وبئره، ثم يستبطن بطن الوادي فيأخذ منه شطيب إلى خليج عثمان بن عفان الذي حفر إلى أسفل العرصة التي يقال لها خليج بنات نائلة وهن بنات عثمان منها، وكان عثمان ساقه إلى أرض اعتملها بالعرصة، ثم يفترش سيل العقيق إذا خرج من حوافر عبد الله بن عنبسة بن سعيد يمنة ويسرة، ويقطعه نهر الوادي، ثم يستجمع حتى يصب في زغابة، انتهى. ونقل الهجري أن سيل العقيق إذا أفضى من النقيع أفضى إلى قراره أسفل قاع لا شجر فيه، وأسفل منه حصير، ثم يفضي إلى مرج، ثم إلى المستوجبة، ثم إلى غدير يقال له ديوا الضرس، ثم إلى غدير المجاز، ثم إلى غدير يقال له رواوة، ثم إلى غدير الطفيتين، ثم الابنة، ثم أسفل من ذلك رابوع، ثم يلقاه وادي بريم فإذا التقيا دفعا في الحليفة حليفة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، ثم سطح سيول النقيع والصحرة ومراج وأنفة عند جبل يقال له واسطة المسطح، ثم يفضي إلى الجبخانة صدقة عباد الزبيري، وله دوافع من الحرة مشهورة منها شوظي وروضة الجام، ثم يفضي إلى حمراء الأسد، ثم إلى ثنية الشريد، ثم إلى الشجرة التي بها المحرم، اه. الفصل الخامس في بقية أودية المدينة، وصدورها، ومجتمعها، ومغايضها وادي بطحاء فمنها وادي بطحان- روى ابن شبة والبزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن بطحان على ترعة من ترع الجنة» قال ابن شبة: وأما سيل بطحان- وهو الوادي المتوسط بيوت المدينة، أي في زمنه- فإنه يأخذ من ذي الحدر، والحدر قرارة في الحرة يمانية من حلبات الحرة العليا حرة معصم، وهو سيل يفترش في الحرة حتى يصب على شرقي ابن الزبير وعلى جفاف ومرفية والحساة حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة والأعرس، ثم يستنّ حتى يرد الجسر، ثم يستبطن وادي بطحان حتى يصب في زغابة.

стр. 778

وسيأتي في مذينب من رواية ابن زبالة أن بطحان يأتي من الحلابين حلابي مصعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك، وفي رواية له أن بطحان يأتي من صدر جفاف. فيتلخص أنه يأتي من الحلابين فيصل أولا إلى وادي جفاف، ثم إلى بطحان، ولهذا استغنى ابن زبالة وغيره ببطحان عن إفراد جفاف بالذكر، وجعل المطري ومن تبعه الترجمة لجفاف، قالوا: ووادي جفاف على موضع في العوالي شرقي مسجد قباء، اه. ويفهم من أطراف كلام ابن شبة: أن ابتداء وادي بطحان من جسر بطحان، وذلك بقرب الماجشونية وآخره في غربي مساجد الفتح، ويشاركه رانونا في المجرى من الموضع الذي في غربي المصلى وما والاه من القبلة، لأنها تصبّ فيه كما سيأتي، والذي يقتضيه كلام غيره أن الماجشونية وتربة صعيب من بطحان. وادي رانونا ومنها: رانونا، ويقال: رانون- قال ابن شبة: وأما سيل رانون فإنه يأتي من مقمة في جبل في يماني عير ومن حرس شرقي الحرة، ثم يصب على قرين صريحه ثم سد عبد الله بن عمرو بن عثمان، ثم يفترق في الصفاصف فيصب في أرض إسماعيل ومحمد ابني الوليد بالقصبة، ثم يستبطن القصبة حتى يعترض قباء يمينا، ثم يدخل غوسا ثم بطن ذي خصب، ثم يجتمع ما جاء من الحرة وما جاء من ذي خصب، ثم يقترن بذي صلب، ثم يستبطن السرارة حتى يمر على قعر البركة ثم يفترق فرقتين؛ فتمر فرقة على بئر جشم تصب على سكة الخليج حتى تفرغ في وادي بطحان، وتصب الأخرى في وادي بطحان، اه. وفي رواية لابن زبالة عن عبد الله بن السائب قال: رانونا تأتي من بين سد عبد الله بن عمرو بن عثمان وبين الحرة وتلقى هي وواد آخر عند الجبل الذي يقال له مقمن أو مكمن. وقال ابن زبالة: وأما ذو صلب فيأتي من السد، وأما ذو ريش فيأتي من جوف الحرة، ثم قال في رواية أخرى: إن صدر سيل ذي صلب من رانونا، وصدر رانونا يأتي من التجنيب، ثم يسكب ذو صلب ورانونا في سد عبد الله بن عمرو بن عثمان، ثم في ساخطة وأموال العصبة، ثم في غوسا، ثم في بطحان، ثم يلتقي هو وبطحان عند دار الشواترة، وهي عداد بني زريق، ويزعمون أنهم من عاملة، اه. والسد موجود في تلك الجهة، ولكنه لا يضاف اليوم لعبد الله المذكور، قال المراغي: والسد لا يعرف اليوم بهذا الاسم، ولعله المعروف بسد عنتر؛ لانطباق الوصف عليه، وساخطة لا تعرف، ولعلها مزرعة السد، وغوسا غير معروفة، ولعله أراد حوسا- بالحاء المهملة- وهي معروفة بقباء، ويشرب من رانونا، ووقع في الاسم تغيير، اه. وقال نصر: عوسا قريب قباء.

стр. 779

قلت: وقرين صريحه ينطبق وصفه على القرين المعروف اليوم بقرين الصرطة، وقال المطري: إن رانونا ينتهي إلى مسجد الجمعة ببني سالم، ثم يصب في بطحان. قال المراغي: الذي رواه ابن زبالة أنه ﷺ صلّى ببني سالم في ذي صلب، لا رانونا، وأن كلام ابن زبالة السابق يدل على المغايرة بينهما. قلت: هما وإن افترقا في بعض الأماكن فينتهيان إلى مجتمع واحد، ولذا قال ابن شبة: ثم يقترن بذي صلب، كما سبق، فيسمى برانونا لمرورها عليه، ولذا قال ابن إسحاق في أمر الجمعة: فأدركته في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانونا، فعبر به عن ذي صلب، بل فيما تقدم عن ابن زبالة أنه يأتي من جوف الحرة، فلعله المعنيّ بقول ابن شبة: ثم يجتمع ما جاء من الحرة- ويعني بالحرة حرة بني بياضة لما تقدم في منازلهم من أن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم ابتني الأطم الذي في أدنى بيوت بني بياضة الذي دونه الجسر الذي عند ذي ريش. وأما السرارة المذكورة في كلام ابن شبة فتقدم ذكرها أيضا في منازل بني بياضة، فليست هي الحديقة المعروفة اليوم بالسرارة. وأما بئر جشم فغير معروفة اليوم، ولعلها مضافة إلى جشم بن الخزرج الأكبر، كما حدثني مالك بن عضب، وهم ببني بياضة، وسأتي ما يرجّحه، ويحتمل أن تكون مضافة إلى جشم بن الحارث، ومنازلهم بالسنح، وهو بعيد. وادي قناة ومنها: وادي قناة سمي بذلك لأن تبّعا لما غزا المدينة نزل به، فلما شخص عن منزله قال: هذه قناة الأرض، فسميت قناة، وتسمى الشظاة، وفي القاموس أن هذا الوادي عند المدينة، أي ما حاذاها منه تسمى قناة، ومن أعلى منها عند السد أي الذي أحدثته نار الحرة تسمى بالشظاة. وقال ابن شبة: وادي قناة يأتي من وج أي وج الطائف. وعن شريح بن هانئ الشيباني أنه قدم على عمر بن الخطاب ومعه امرأته أم الغمر فأسلمت، ففرق بينهما عمر، فقال: يا أمير المؤمنين اردد عليّ زوجتي، فقال: إنها لا تحل لك إلا أن تسلم، فنزل شريح بقناة وقال: ألا يا صاحبيّ ببطن وجّ ... روادف لا أرى لكم مقاما ألا تريان أم الغمر أمست ... قريبا لا أطيق لها كلاما فجعل بطن قناة بطن وج لأن السيل يأتي منه. وقال المدائني: قناة واد يأتي من الطائف، ويصب في الأرخصية وقرقرة الكدر، ثم يأتي بئر معاوية، ثم يمر على طرق القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد.

стр. 780

وقال ابن زبالة: إن سيول قناة إذا استجمعت تأتي من الطائف، قالوا: ومحول أودية العرب قناة وإضم، أي اللاتي في مجتمع السيول ووادي نخلة، وإنما سميت محولا لبعد صدورها وكثرة دوافعها، ويأتي وادي قناة من المشرق حتى يصل السد الذي أحدثته نار الحجاز المتقدم ذكرها آخر الباب الثاني، وتقدم هناك أن هذا الوادي كان قد انقطع بسبب ذلك، وانحبس السيل حتى صار بحرا مدّ البصر عرضا وطولا، كأنه نيل مصر عند زيادته، قال المطرطي: شاهدته كذلك سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وتقدم أنه انخرق من تحته سنة تسعين وستمائة، فجرى الوادي سنة، فملأ ما بين الجانبين، وسنة أخرى دون ذلك، ثم انخرق بعد السبعمائة فجرى سنة أو أزيد، ثم انخرق سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بعد تواتر الأمطار فكثر الماء وجاء سيل لا يوصف كثرة، ومجراه على مشهد سيدنا حمزة، وحفر واديا آخر قبلى الوادي والمشهد. وقبلى حبل عينين في وسط السيل، ومكثا نحو أربعة أشهر لا يقدر أحد على الوصول إليهما إلا بمشقة، ولو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة، ثم استقر في الواديين القبلي والشمالي قريبا من سنة، وكشف عن عين قديمة قبلى الوادي جدّدها الأمير ودي، وهذا الوادي هو المراد بقوله في حديث الاستنشاق من رواية الصحيح «وسال وادي قناة شهرا» وينتهي سيل قناة إلى مجتمع السيول ترعا أيضا. وادي مذينب ومنها: وادي مذينب، ويقال: مذينيب- قال ابن زبالة عن غير واحد من الأنصار: مذينب شعبة من سيل بطحان، يأتي مذينب إلى الروضة روضة بني أمية، ثم ينشعب من الروضة نحوا من خمسة عشر جزآ في أموال بني أمية، ثم يخرج من أموالهم حتى يدخل بطحان وصدير، مذينب وبطحان يأتيان من الحلابين حلابي صعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك، ومصبهما في زغابة حيث تلتقي السيول، اه. وقوله «من سيل بطحان» يعني من أصله من الحلابين كما بينه أخيرا، وسبق بيان منازل بني أمية وأن من أموالهم بئر العهن. وسيأتي عن ابن شبة ما ظاهره المخالفة لهذا، حيث قال في مهزور: حتى حلاة بني قريظة، ثم يسلك منه شعيب فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب، ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف فضاء بني خطمة، ثم يجتمع الواديان مهزور ومذينب، فمقتضاه أن مذينب من أصل مهزور، ولهذا قال المجد: قال أحمد بن جابر: ومن مهزور إلى مذينب شعبة تصبّ فيه. قلت: لكن أعلى صدر سيل بطحان ومذينب ومهزور من حرة واحدة، فيصح تشعب مذينب من كل منهما.

стр. 781

ولهذا نقل المجد عن أبي عبيدة أن اليهود لما نزلوا المدينة نزلوا بالسافلة، فاستوبؤوها، فبعثوا رائدا إلى العالية، فرأى بطحان ومهزورا يهبطان من حرة ينصبّ منها مياه عذبة، فرجع فقال: وجدت بلدا طيبا وأودية تنصب إلى حرة عذبة، فتحولوا؛ فنزل بنو النضير على بطحان، وقريظة على مهزور، اه. مع أن الذي تقدم في المنازل أن بني النضير نزلوا بمذينب، ومنازلهم النواعم، فمن أطلق نزولهم على بطحان راعى اتحاد الأصل وأن مذينب يصب في بطحان أيضا، كان في زماننا يشق في الحرة الشرقية قبلى بني قريظة، ويمر في وسط قرية قديمة كانت شرق العهن والنواعم، ويتشعب في تلك الأموال، ويخرج ما فضل منه من الموضع المعروف بنقيع الرديدي ومن الناصرية، فيصب في الوادي الذي يأتي من ضفاف شرقي مسجد الفضيخ، حتى يأتي الفضاء الذي عند بؤور النورة خلف الماجشونية فتلقاه هناك شعبة من مهزور، ثم يصبان جميعا في بطحان. وقال المطري: مذينب شرقي جفاف، يلتقي هو وجفاف فوق مسجد الشمس، ثم يصبان في بطحان، ويلتقيان مع رانونا ببطحان، فيمران بالمدينة غربي المصلى، اه. ومراده جفاف أصل مسيل بطحان. وادي مهزور ومنها: مهزور- نقل ابن زبالة أنه يأتي من بني قريظة، ثم قال في هذه الرواية ما لفظه: وأما معجب فيأتي سيله، وكان يمر في مسجد النبي ﷺ ، وقالت الأنصار: إنما الذي يمر في المسجد مهزور، ولم يبين أصل سيل معجب، وكذا ابن شبة، فقال: وأما بطن مهزور فهو الذي يتخوف منه الغرق على أهل المدينة فيما حدثنا به بعض أهل العلم، ثم ذكر رواية ابن زبالة السابقة. وقال ابن زبالة عقب ما تقدم عنه في مذينب، ما لفظه: وسيل مهزور وصدره من حرة سوران، وهو يصب في أموال بني قريظة، ثم يأتي بالمدينة فيسقيها، وهو السيل الذي يمر في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم يسكب في زغابة، ويلتقي هو وبطحان بزغابة حيث تلتقي السيول، اه. واجتماعه في بطحان بزغابة من مجرى قناة، ولهذا قال ابن شبة: وسيل مهزور يأخذ من الحرة من شرقيها ومن هكر، وحرة صفة، حتى يأتي أعلى حلاة بني قريظة، ثم يسلك منه شعيب فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب، ثم يلتقي وسيل بني قريظة بفضاء بني خطمة، ثم يجتمع الواديان جميعا مهزور ومذينب فيتفرقان في الأموال ويدخلان في صدقات رسول الله ﷺ كلها إلا مشربة أم إبراهيم، ثم يفضي إلى السورين على قصر مروان بن الحكم، ثم يأخذ بطن الوادي على قصر بني يوسف، ثم يأخذ في البقيع

стр. 782

حتى يخرج على بني حديلة، والمسجد ببطن مهزور، وآخره كومة أبي الحمرة، ثم يمضي فيصبّ في وادي قناة، انتهى. ومقتضاه أن الشعبة التي تجتمع من مهزور بمذينب بالفضاء المذكور تسقى بعد ذلك، فكأنها صرفت عن جهة الصدقات إلى بطحان، أو أن كلامه مؤوّل؛ لأن المعروف اليوم أن الشعبة التي تلق مذينب من مهزور تصبّ بعد اجتماعهما في بطحان كما سبق، والذي يسقي ما ذكر من الصدقات ويمر بالبقيع إنما هو شعبة أخرى من مهزور، ولا تجتمع بمذينب، بل تمر على الصافية وما يليها من الصدقات، ثم تغشى بقيع الغرقد والنخيل التي حوله خصوصا الجزع المعروف بالحضاري، فاتخذ لذلك شيخ الحرم الزيني مرجان التقوى حفظه الله تعالى طريقا إلى بطحان، وحفر له مجرى من ناحية الصدقات، فصارت الشعبة المذكورة تصب أيضا في بطحان، ولا تمر بالبقيع، ولم يتعرض ابن شبة للشعبة التي تشق من مهزور إلى العريض وهو معظمه بسبب السد المبني هناك، وقد اقتصر عليها المطري فقال: مهزور شرقي العوالي، شمالي مذينب، ويشق في الحرة الشرقية إلى العريض، ثم يصب في وادي الشظاة. قال الزين المراغي عقب نقله: وكأن حرّة شوران أي المذكورة في كلام ابن زبالة هي الحرة الشرقية. وقال ابن شبة: وكان مهزور سال في ولاية عثمان رضي الله تعالى عنه سيلا عظيما على المدينة خيف على المدينة منه الغرق، فعمل عثمان الردم الذي عند بئر مدري ليرد به السيل عن المسجد وعن المدينة. وذكره ابن زبالة فقال: وأما الدلال والصافية فيشربان من سرح عثمان بن عفان الذي يقال له مدري الذي يشق من مهزور في أمواله ويأتي على أريس وأسفل منه حتى يتبطن الصورين، فصرفه مخالفة على المسجد في بئر أريس، ثم في عقد أريم ثم في بلحارث بن الخزرج، ثم صرفه إلى بطحان، انتهى. وقال ابن شبة عقب ما تقدم: ثم سال وعبد الصمد بن علي وال على المدينة في خلافة المنصور سنة ست وخمسين ومائة، فخيف منه على المسجد فبعث إليه عبد الصمد عبيد الله بن أبي سلمة العمري، وهو على قضائه، وندب الناس فخرجوا إليه بعد العصر- وقد طغي وملأ صدقات النبي ﷺ فدلوا على مصرفه، فحفروا في برقة صدقة النبي ﷺ ، فأبدوا عن حجارة منقوشة ففتحوها فانصرف الماء فيها وغاض إلى بطحان. دلهم على ذلك عجوز مسنة من أهل العالية، قالت: إني كنت أسمع الناس يقولون: إذا خيف على القبر من سيل مهزور فاهدموا من هذه الناحية، وأشارت إلى القبلة، فهدمها الناس فأبدوا عن تلك الحجارة، انتهى.

стр. 783

وذكره ابن زبالة مع مخالفة في التاريخ فقال: وفي ليلة الأربعاء هلال المحرم سنة ثمان وخمسين ومائة في إمارة عبد الصمد لما أصيب المسجد بتلك الغرقة استغاث الناس على سيل مهزور مخافة على القبر، فعمل الناس بالمساحي والمكاتل والماء في برقة إلى أنصاف النخل، فطلعت عجوز من أهل العالية فقالت: أدركت الناس يقولون: إذا خيف على القبر فاهدموا من هذه الناحية، يعني القبلة، فدار الناس إليها فهدموا وأبدوا عن حجارة منقوشة، فعدل الماء إلى هذا الموضع اليوم وأمنوا، وهي الليلة التي هدمت فيها بيوت بطحان وبني جشم، انتهى. ونقله المراغي إلا أنه قال كما رأيته بخطه: وأبدوا حجارة منقوشة، وضبط الباء بالتشديد، والذي في كلام ابن زبالة وابن شبة ما قدمته، قال المراغي عقبه: وبنو جشم لا تعرف، وإنما المعروف دشم- بالدال- بستان شامي مسجد الفعلة على نحو رميتي سهم منه، فلعلها منازلهم، ووقع في الاسم تغيير. قلت: والظاهر أن المراد منازل بني جشم بن الحارث بالسنح لقربها من بطحان، فطغى الماء إليها لما صرفوه. تتمة فيما قضى به النبي ﷺ في هذه الأودية قضاؤه بين رجل من الأنصار والزبير روينا في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاريّ، فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. وفي رواية للبخاري: حتى يرجع الماء إلى الجدر، فكان ذلك إلى الكعبين، وفي أخرى له: كان النبي ﷺ أشار على الزبير برأي فيه سعة، فلما أحفظ الأنصاري النبيّ ﷺ أي أغضبه- استوفى للزبير حقه في صريح الحكم. والجدر قيل: أصل الشجرة، وقيل: جدور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل، وقيل: المسحاء وهو ما وقع حول المزرعة كالجدار، وقال ابن شهاب: قدرت الأنصار والناس ما قال رسول الله ﷺ فكان ذلك إلى الكعبين. وفي سنن أبي داود عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم من بني قريظة، فخاصم إلى النبي ﷺ في مهزور السيل الذي يقسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله ﷺ أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل.

стр. 784

وفي رواية له: قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل، كذا قال في «السيل المهزور» والمشهور كما قال السبكي «في سيل المهزور» . وفي الموطأ أن النبي ﷺ قال في سيل مهزور ومذينب: يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل. وروى ابن شبة: قضى في سيل مهزور أن يمسك الأعلى على الأسفل حتى يبلغ الكعبين والجدر، ثم يرسل الأعلى على الأسفل، وكان يسقي الحوائط. وعن جعفر قال: قضى رسول الله ﷺ في سيل مهزور أن لأهل النخيل إلى العقيق، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم. وهو صريح فيما قاله المتولي والماوردي من أن التقدير بالكعبين ليس على عموم الأزمان والبلدان والزرع والشجر؛ لأن الحاجة تختلف، ولم يقف السبكي على هذه الرواية فقال: وهو قوي، والحديث واقعة حال، ولولا هيبة الحديث لكنت أختاره. خاتمة في مجتمع الأودبة ومغائضها مجتمع سيول العالية قال الزبير: ثم يلتقي سيل العقيق ورانونا بواد آخر وذي صلب وذي ريش وبطحان ومعجف ومهزور وقناة بزغابة، وسيول العوالي هذه يلتقي بعضها ببعض قبل أن يلتقي العقيق ثم يجتمع، فيلتقي العقيق بزغابة. قلت: والحاصل أن سيول العالية ترجع إلى بطحان وقناة، ثم تجتمع مع العقيق بزغابة عند أرض سعد بن أبي وقاص كما صرح ابن زبالة. قال الزبير: وذلك أعلى وادي إضم، وفيه يقول إسحاق الأعرج: غشيت ديارا بأعلى إضم ... محاها البلى واختلاف الدّيم قال الهجري: سمى إضم لانضمام السيول به واجتماعها فيه، وقال ابن شبة: تجتمع هذه الأودية بزغابة، وهو بطرف وادي إضم، سمي بإضم لانضمام السيول به. قلت: ويسمى اليوم بالضيقة، ويسمى زغابة بمجتمع السيول، ولهذا أورد الزبير هنا حديث أن النبي ﷺ «ركب إلى مجتمع السيول فقال: ألا أخبركم بمنزل الدجال من المدينة» ؟ الحديث. قال الزبير: ثم تمضي هذه السيول إذا اجتمعت فتنحدر على عين أبي زياد والصورين في أدنى الغابة، ثم تلتقي هذه السيول في وادي نقمى ووادي نعمان أسفل من عين زياد، ثم تنحدر هذه السيول فتلقاها سيول الشعاب من كنفيها، ثم يلقاها وادي ملك بذي خشب

стр. 785

وظلم والجنينة، ثم يلقاها وادي ذي أوان ودوافعه من الشرق، ويلقاها من الغرب واد يقال له بواط والحزار، ويلقاها من الشرق وادي الأئمة، ثم تمضي في وادي إضم حتى يلقاها وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، ويلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة، ثم يلقاه دوافع واد يقال له حجر ووادي الجزل الذي به السقيا والرحبة في نخيل ذي المروة مغربا، ثم يلقاه وادي عمودان في أسفل ذي المروة، ثم يلقاه واد يقال له سفيان حين يفضي إلى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في البحر من ثلاثة أودية يقال لها اليعبوب والنتيجة وحقيب، وذكر ابن شبة نحوه، وكذا الهجري. وقال المطري: إن السيول تجتمع بدومة سيل بطحان والعقيق والزغابة النقمى وسيل غراب من جهة الغابة فيصير سيلا واحدا ويأخذ في وادي الضيقة إلى إضم جبل معروف، ثم إلى كرى من طريق مصر ويصب في البحر، انتهى. وفيه أمور: [الأمر] الأول: جعله مجتمع السيول برومة، وإنما مجتمعها بزغابة كما سبق، وذلك أسفل من رومة غربي مشهد سيدنا حمزة كما قاله الهجري، وهو أعلى وادي إضم، ومأخذ المطري قول ابن إسحاق في غزوة الخندق: أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة بين الجرف وزغابة، وهو مخالف لما سبق. الثاني: جعله لزغابة سيلا ينصب لرومة، ورومة هي التي تنصب إلى زغابة. الثالث: جعله النقمى مما يجتمع مع السيول برومة، مع أنه المعبر عنه فيما سبق بنقمى، وإنه يجتمع مع السيول بالغابة. الرابع: جعله لغراب سيلا يجتمع برومة، ولم أقف له على مستند، وغراب جبل في تلك الجهة على طريق الشام. الخامس: جعله إضم اسم جبل، ومغايرته بينه وبين وادي الضيقة، خلاف ما تقدم، واختلف اللغويون في أن إضم اسم لموضع أو جبل هناك، والظاهر أنه اسم للجبل وواديه. الفصل السادس فيما سمي من الأحماء، ومن حماها، وشرح حال حمى النبي ص معنى الحمى والحمى، لغة: الموضع الذي فيه كلأ يحمي ممن يرعاه، وشرعا: موضع من الموات يمنع من التعرض له ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواش مخصوصة. وهو بالقصر، وقد يمد، ويكتب المقصور بالألف والياء، قال الأصمعي: الحما حميان: حمى ضريّة، وحمى الربذة، وكأنه أراد المشهور من الحمى بنجد، قال صاحب المعجم: ووجدت أنا حمى فيد، وحمى النير، وحمى ذي الشرى، وحمى النقيع.

стр. 786

حمى النقيع قلت: وهي عدا النقيع بنجد، وهي متقاربة، بل سيأتي ما يؤخذ منه دخول النير في حمى ضرية. والنقيع بالنون المفتوحة والقاف المكسورة والياء التحتية الساكنة والعين المهملة على الصحيح المشهور، وهو كل موضع يستنقع فيه الماء، وبه سمي هذا الوادي. وحكى عياض عن أبي عبيد البكري أنه بالباء كبقيع الغرقد، قال: ومتى ذكر دون إضافة فهو هذا. قلت: الذي نقله السهيلي عن أبي عبيد أنه بالنون، قال عياض: وأما الحمى الذي حماه النبي ﷺ ثم الخلفاء الأربعة فهو الذي يضاف إليه غور النقيع، وفي حديث آخر «أتى بقدح لبن من النقيع» . وحمى النقيع على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب موضع هناك، وهو ميل في بريد، فيه شجر، ويستأجم حتى يغيب فيه الراكب، فاختلف الرواة وأهل المعرفة في ضبطه: فوقع عند أكثر رواة البخاري بالنون، وذكر نحو ما تقدم، وهو موافق في ذكر المسافة لأبي علي الهجري، وقد تقدم عنه أنه ينتهي إلى حضير، وأن العقيق يبتدئ من حضير، ولعل المراد من رواية ابن شبة في أن النقيع على أربعة برد من المدينة طرفه الأقرب إليها، ومراد الهجري طرفه الأقصى. وقال نصر: النقيع قرب المدينة كان لرسول الله ﷺ ، حماه، وهو من ديار مزينة، وهو غير نقيع الخضمات، وكلاهما بالنون، وأما الباء فيهما فخطأ صراح. وقال الهجري: الطريق إلى الفرع وسيارة وسنانة والصابرة والقرنين جند والأكحل وأموال تهامة؛ تعترض النقيع يسارا للخارج من المدينة، وبعض الناس يجعلها إلى مكة، وهي طريق التهمة. ونقل أيضا أن أول الأحماء وأفضلها وأشرفها ما أحمى النبي ﷺ من النقيع، أحماه لخيل المسلمين وركابهم، فلما صلّى الصبح أمر رجلا صيّتا فأوفى على عسيب وصاح بأعلى صوته، فكان مدى صوته بريدا، ثم جعل ذلك حمى طوله بريد وعرضه الميل في بعض ذلك وأقل، وذلك في قاع مدر طيب ينبت أحرار البقل والطرائف ويستأجم- أي: يستأصل أصله ويغلظ نبته حتى يعود كالأجمة- يغيب فيه الراكب إذا أحيا، وفيه مع ذلك كثير من العضاه والغرقد والسّدر والسّيال والسّلم والطّلح والسّمر والعوسج، ويحف ذلك القاع الحرة حرة بني سليم شرقا، وفيها رياض وقيعان، ويحف ذلك القاع من غربيه الصخرة، وفي غربيه أيضا أعلام مشهورة مذكورة: منها برام، والوائدة، وضاف، والشقراء، وببطن قاع النقيع في صير الجبل غدر تضيف، فأعلاها يراحم، ثم ألبن، وبعضهم يقول: يلبن، وهو أعظمهما وأذكرهما. وفي سنن أبي داود بسند حسن عن الصّعب بن جثامة أن النبي ﷺ حمى النقيع وقال «لا حمى إلا الله» .

стр. 787

وفي رواية له: «لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ » من غير ذكر حمى النقيع كما في الصحيح، ورواه الزبير بلفظ الرواية، وزاد «ولرسوله» وسنده حسن. وروى أحمد بسند فيه عبد الله العمري- وهو ثقة، وإن ضعّفه جماعة، وقال الذهبي: إنه حسن الحديث- عن ابن عمر أن النبي ﷺ حمى النقيع للخيل، فقلت له: لخيله؟ قال: لخيل المسلمين. وفي رواية لابن شبة عنه أن النبي ﷺ حمى قاع النقيع لخيل المسلمين. وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ حمى النقيع للخيل، وحمى الربذة للصدقة، وفي الكبير للطبراني برجال الصحيح عن ابن عمر قال: حمى النبي ﷺ الربذة لإبل الصدقة. وروى ابن شبة في ترجمة ما جاء في النقيع بسند جيد عن رجاء بن جميل أن رسول الله ﷺ حمى وادي نخيل للخيل المضمّرة، وهي تقضي أن النقيع تسمى بذلك، ولم أر من صرح به، نعم تقدم في الفصل الثالث قول ذؤيب الأسلمي في عرصة العقيق: طاف من وادي دجيل الأبيات وهو بالدال في عدة نسخ، والذي في نسخة ابن شبة بالباء بدل الدال، ولعله تصحيف، فيكون ذلك اسما للنقيع، ويؤيده قول مصعب الزبيري بتشوق إلى رومة من العقيق في أبيات: أعرني نظرة بقرى دجيل ... نخائلها ظلاما أو نهارا فقال: أرى برومة أو بسلع ... منازلها معطّلة قفارا وروى الزبير بن بكار عن مراوح المزني قال: نزل رسول الله ﷺ بالنقيع على مقمل وصليب، وقال في حمى النقيع: «نعم مرتفع الأفراس، يحمى لهن، ويجاهد بهن في سبيل الله» وحماه، واستعملني عليه. وعن غير واحد من الثقات عن النبي ﷺ أنه «صلّى على مقمل، وحماه وما حوله من قاع النقيع لخيول المسلمين» ثم زادت بنو أمية بعد والأمراء أضعاف ما حمى رسول الله ﷺ بالنقيع. وعن محمد بن هيصم المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ «أشرف على مقمل طرف وسط النقيع، فصلى عليه، فمسجده هنالك» . قال ابن هيصم عن أبيه: فدعا رسول الله ﷺ أبي، وقال: إني مستعملك في هذا الوادي، فما جاء من هاهنا وهاهنا- يشير نحو مطلع الشمس ومغربها- فامنعه، فقال: إني رجل ليس لي إلا بنات، وليس معي أحد يعاونني، قال: فقال رسول الله ﷺ «إن الله سيرزقك ولدا، ويجعل لك وليا» قال: فعمل عليه، وكان له بعد ذلك ولد، فلم تزل

стр. 788

الولاة يولون عليه واليا منذ عهد رسول الله ﷺ ، يستعمله والي المدينة، حتى كان داود بن عيسى فنزله سنة ثمان وتسعين ومائة، وإنما تركه داود لأن الناس جلوا عنه للخوف ذلك الزمان، فلم يبق فيه أحد يستعمله عليه، قال الزبير: وربما كتب إلى عبد الله بن القاسم وهو في ماله بنعف النقيع يقول لي: إن ناسا عندنا بالنقيع قد عاثوا في حمى رسول الله ﷺ ، فكلم الأمير يكتب في التشديد فيه. وفي رواية أنه ﷺ «صلّى في موضع مسجده على موضع مقمل ثم بعده إلى ما بينه وبين يلبن من قاع النقيع» . وقال: فحمى لأفراس تغدو وتروح في سبيل الله، ومد رسول الله ﷺ يديه، وقارب بينهما، ولم يضمهما، وحماه، واستعمل عليه جد أبي الحليس، فقال: يا رسول الله، أولادي النساء، وليس معي غناء، قال: فقم بهن معك فاردد ما جاء من الحرة في الحرة، واردد ما جاء من الصحرة في الصحرة، قال يعقوب المزني: ثم تزايد الناس بعد في الحمى، فحموا ما بين تراجم إلى يلبن، واتخذوا المرابد يحبسون فيها ما رعى الحمى من الإبل، حتى رأيت بعضها يأكل دبر بعض، قال الزبير: وقال لي: لقد رأيت لأبيك أكثر من ثلاثة آلاف شاة بالنقيع، وهو إذ ذاك أمير المدينة، ما يرعى رعاؤه منها شيئا في الحمى، حتى يكتمل العشب ويبلغ نهايته، فيرسل عامل الحمى صائحا يصيح في الناس يؤذنهم باليوم الذي يأذن لهم يرعون الحمى، فيسرع فيه رعاء أبيك والناس يدأ واحدة كفرسي رهان. حكم الحمى قلت: مقتضاه جواز رعي الحمى للناس إذا استووا فيه، وهو مخالف لمذهبنا؛ إذ لا يدخله سوى العاجز عن النّجعة من الناس. قال الشافعي: قوله ﷺ : «لا حمى إلا لله ورسوله» يحتمل معنيين: أحدهما: ليس لأحد أن يحمى للمسلمين غير ما حمى ﷺ ؛ فلا يكون لوال أن يحمى. والثاني: أنه لا يحمى إلا على مثل ما حمى رسول الله ﷺ فللخليفة أن يحمى على مثل ما حمى رسول الله ﷺ . والثاني هو أظهر القولين، وهو قول الأزهري، وقال: يعني للخيل التي تركب في سبيل الله، وقيل: معناه ليس لأحد أن يحمى لنفسه إلا النبي ﷺ ، فإن ذلك من خصائصه، وإن لم يقع منه، ولو وقع لكان من مصالح المسلمين؛ لأن مصلحته مصلحتهم. وقال في الأم: كان الرجل العزيز من العرب إذا استنجع بلدا مخصبا أوفى بكلب على جبل إن كان أو نشز إن لم يكن جبل، ثم استعواه ووقف له من يسمع منتهى صوته، فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية، ويرعى من العامة فيما سواه، ويمنع هذا من غيره لضعفي

стр. 789

سائمته، وما أراد قربه منها؛ فيرى أن قوله ﷺ والله أعلم «لا حمى إلا لله ولرسوله» لا حمى على هذا المعنى الخاص، ورسول الله ﷺ إنما كان يحمى إن شاء لمصالح عامة المسلمين، لا لما حمى له غيره من خاصة نفسه، وذلك أنه لم يملك إلا ما لا غنى به وبعياله عنه، وصير ما ملكه الله من خمس الخمس مردودا في مصلحتهم، وماله ونفسه كان مفرغا في طاعة الله. حمى أبي بكر وعمر قال: وقد حمى بعده عمر رضي الله تعالى عنه أرضا لم يعلم أن رسول الله ﷺ حماها، وقال غيره: حمى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وحمى عمر الشرف، قيل: والربذة، وقيل: حماها أبو بكر، وقيل: النبي ﷺ ، ولعله حمى بعضها ثم زاد كل منهما بعده فيها شيئا. وسيأتي عن الهجري أن عمر أول ما أحمى بضرية، وأن عثمان زاد فيه. وما حماه رسول الله ﷺ لا يجوز تغييره بحال، بل ينسحب عليه حكم الحمى وإن زالت معالمه على الأصح، بخلاف حمى سائر الأئمة، قال الشافعي: ويكره أن يقطع الشجر بالمدينة، وكذا بوجّ من الطائف، وكذا بكل موضع حماه رسول الله ﷺ ، والموضع الذي حماه رسول الله ﷺ لا شك فيه بالنقيع، وأما الصيد فلا يكره فيه، انتهى. والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم. وروى ابن عبد البر أن عمر رضي الله تعالى عنه بلغه عن يعلي بن أمية ويقال: أمينة، وكان عاملا على اليمن أنه حمى لنفسه فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمشى أياما إلى صعدة، فبلغه موت عمر، فركب. وروى الشافعي وغيره أن عمر استعمل مولاه هنيا على الحمى، فقال له: يا هني ضم جناحك للناس، واتّق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبالك؟ فالماء والكلأ أهون عليّ من الدنانير والدراهم، ألا وأيم الله لعليّ ذلك، إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، ولولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على المسلمين من بلادهم شبرا. قال الشافعي: وإنما نسب الحمى إلى المال الذي يحمل عليه في سبيل الله لأنه كان أكثر ما عنده مما يحتاج إلى الحمى. وعن مولى لعثمان بن عفان أنه كان معه في ماله بالعالية في يوم صائف، إذ رأى رجلا يسوق بكرين، وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح، انظروا من هذا، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقلت: هذا أمير المؤمنين،

стр. 790

فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب، فإذا لفح السّموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: بكران من إبل الصّدقة تخلفا فأردت ألحقهما بالحمى، وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما، فقال عثمان: هلمّ إلى الماء والظل ونكفيك، فقال: عد إلى ظلك، ومضى، فقال عثمان: من أحبّ أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا، فعاد إلينا فألقى نفسه. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يحمل في العام الواحد على أربعين ألف بعير، يحمل الرجل إلى الشام على بعير، ويحمل الرجلين إلى العراق على بعير. وعن مالك قال: بلغنا أن الخيل التي أعدّها عمر رضي الله تعالى عنه ليحمل عليها في الجهاد ومن لا مركوب له عدتها أربعون ألفا. وروى بعضهم أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى في روث فرسه شعيرا في عام الرّمادة، فقال: لأجعلن له من عرر النقيع ما يكفيه. وفي رواية «المسلمون لا يشبعون والشعير في روثك، لتعالجن عرر النقيع» قال الخطابي: العرر نبت ينبته الثمام. وقال عبد الرحمن بن حسان في قاع النقيع: أرقت لبرق مستطير كأنه ... مصابيح تخبو ساعة ثم تلمح يضئ سناه لي سرورا وودقه ... بقاع النقيع أو سنا البرق أبرح وقال كثير بن عبد الرحمن: فهل أرين كما قد رأيت ... لعزّة بالنعف يوما حمولا بقاع النقيع بصحن الحمى ... يباهين بالرقم غيما مخيلا وقال عبد العزيز بن وديعة المزني: ولنا بقدس فالنقيع إلى اللّوى ... رجع إذا لهث السبيّ الواقع واد قرارة ماؤه ونباته ... يرعى المخاض به وواد فارع سعد يحرر أهلنا بفروعه ... فيه لنا حرز وعيش رافع وقال أبو سلمى: لنا منزلان مؤلف الماء مونق ... كريم، وواد يحدر الماء قارع وداران دار يرعد الرعد تحتها ... ودار بها ذات السلم فرابع وهذا وما قبله يشير إلى ما سبق في العقيق من أن صدوره ما دفع في النقيع من قدس وما قبل من الحرة وما دبر، فهو يصب في الفرع.

стр. 791

وقال أبو قطيفة: ليت شعري وأين مني ليت ... أعلى العهد يلبن فبرام «١» أم كعهدي النقيع أم غيّرته ... بعدنا المعصرات والأيام وقال عبد الله بن قيس الرقيات: أزجرت الفؤاد منك الطروبا ... أم تصابيت إذ رأيت المشيبا أم تذكرت آل سلمة إذ حلّوا ... رياضا من النقيع ولوبا ثم لم يتركوا على ماء عمق ... للرجال الورّاد منهم قلوبا الفصل السابع في شرح حال بقية الأحماء، وأخبارها حمى الشرف منها: الشرف، حماه عمر رضي الله تعالى عنه، وليس هو شرف الروحاء، بل موضع بكبد نجد. قال نصر: الشرف كبد نجد، وقيل: واد عظيم تكتنفه جبال حمى ضرية والظاهر أنه مراد من غاير بينه وبين حمى ضرية والربذة. قال الأصمعي: الشرف كبد نجد، وكانت منازل بني آكل المرار، وفيها اليوم حمى ضرية، وفي أول الشرف الرّبذة، وهي الحمى الأيمن، والشريف إلى جنبه يفصل بينهما السرير، فما كان مشرقا فهو الشريف، وما كان مغربا فهو الشرف، انتهى. ويحتمل: أن المراد بقولهم «حمى الشرف والربذة» حمى ضرية والربذة لما سيأتي في حمى ضريّة أنه كان يقال لعامله عامل الشرف، ولم يفرد الهجري في أحماء نجد الشرف، ولم يبين له محلا، وإنما ذكر الربذة وضرية مع ما سيأتي فيهما. وقال الأصمعي: كان يقال: من تصيّف الشرف، وتربّع الحزم، وشتّى الصمّان؛ فقد أصاب المرعى. حمى الربذة ومنها: حمى الرّبذة قرية بنجد من عمل المدينة، على ثلاثة أيام منها، قاله المجد، وفي كلام الأسدي ما يقتضي أنها على أربعة أيام، قال المجد: وكان أبو ذر الغفاري خرج إليها مغاضبا لعثمان رضي الله تعالى عنهما، فأقام بها إلى أن مات، وتقدم قول الأصمعي إنها في

стр. 792

الشرف وإنها الحمى الأيمن، وقال نصر: هي من منازل الحاج بين السليلة والعقيق، أي الذي بذات عرق. وفي تاريخ عبيد الله الأهوازي أنها خربت في سنة تسع عشرة وثلاثمائة؛ لاتصال الحروب بين أهلها وأهل ضرية ثم استأمن أهل ضرّية إلى القرامطة، فاستنجدوهم عليهم، فارتحل أهل الرّبذة عنها فخربت، وكان أحسن منزل بطريق مكة. وقال الأسدي: الرّبذة لقوم من ولد الزبير، وكانت لسعد بن بكر من فزارة، ووصف ما بها من البرك والآثار، وقال: إن بها بئرا تعرف ببئر المسجد بئر أبي ذر الغفاري. وتقدم أن النبي ﷺ حمى الربذة لإبل الصدقة، وقيل: أبو بكر، وقيل: عمر، وهو المشهور. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة، ولهذا نقل الهجري عن جماعة أن أول من أحمى الحمى بالربذة عمر بن الخطاب لقصاص الصدقة، وأن سعة حماه الذي أحمى بريد في بريد، وأن سرّة حمى الربذة كانت الحرة، ثم زاد الولاة بعد في الحمى، وآخر من أحماه أبو بكر الزبيري لنعمه، وكان يرعى فيه أهل المدينة، وكان جعفر بن سليمان في عمله الأخير على المدينة أحماه لظهره بعد ما أبيحت الأحماء في ولاية المهدي، ثم لم يحمه أحد منذ عزل بكار الزبير. وأول أعلامه رحرحان جبل غربي الزبدة على أربعة وعشرين ميلا منها في أرض بني ثعلبة بن سعد كثير القنان، وأقرب المياه منه ماء يقال له الكديد حفائر عادية عذاب، ثم أروم جبل عن يسار المصعد، ويدعى الجندورة في أرض بني سليم، وأقرب المياه منه ماء لبني سليم يدعى ذنوب داخل في الحمى على اثني عشر ميلا من الربذة، ثم اليعملة، وبها مياه كثيرة، بينها وبين الربذة ثلاثة عشر ميلا، ثم عن يسار المصعد هضبات حمر يدعين فوافى بأرض بني سليم، على اثني عشر ميلا من الربذة، ثم عمود المحدث، وهو عمود أحمر في أرض محارب، بأصله مياه تدعى الأقعسية، على أربعة عشر ميلا من الربذة، وهو بلد واسع. حمى ضرية ومنها: حمى ضرية قرية سميت باسم بئر يقال لها ضرية، وقال ابن الكلبي: سميت ضرية بضرية بنت نزار، وهي أم حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وقال الأصمعي: ويقال ضرية بنت ربيعة بن نزار، وقال نصر: ضرية صقع واسع بنجد، ينسب إليه حمى ضرية، يليه أمير المدينة، وينزل به حاج البصرة، قال أبو عبيد البكري: ضرية إلى عامل المدينة، وقال غيره: وهي قرية عامرة قديمة في طريق مكة من البصرة، وهي إلى مكة أقرب، غير أنها من أعمال المدينة يحكم عليها واليها.

стр. 793

وذكر الأسدي في وصف طريق البصرة ما يقتضي أن ضرية على نحو عشرة أيام من مكة، وأخبرني أهل المعرفة بها أنها من المدينة على نحو سبع مراحل، وأنها إلى المدينة أقرب. وقال ابن سعد: سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بطن من أبي بكر كانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، انتهى. وتقدم قول الأصمي في الشرف إن به حمى ضرية، قال: وضرية: بئر ماؤها عذب طيب، قال الشاعر: ألا يا حبذا لبن الخلايا ... بماء ضريّة العذب الزلال ونقل المجد أن أشهر الأحماء وأسيرها ذكرا حمى ضرية، وكان حمى كليب بن وائل فيما يزعم بعض بادية طيئ، قال: وذلك مشهور عندنا بالبادية يرويه كابر عن كابر، وفي ناحية منه قبر كليب معروف إلى الآن. قلت: وأخبرني بذلك رئيس أهل نجد ورأسها سلطان البحرين والعطيف فريد الوصف والنعت في جنسه صلاحا وإفضالا وحسن عقيدة أبو الجود أجود بن جبر أيده الله تعالى وسدده، وقال: إن قبر كليب هناك معروف عند العرب يقصدونه، قال: ودلني عليه بعضهم لأقصده، فقلت: وهو واحد من الجاهلية. ونقل الهجري أن أول من أحمى الحمى بضرية عمر بن الخطاب، أحماه لإبل الصدقة وظهران الغزاة، وأن سروح الغنم العادية من ضرية ترعى على وجوهها ثم تؤوب بضرية، وذلك ستة أميال من كل ناحية، وضرية في وسط الحمى؛ فكان على ذلك حياة عمر وصدرا من ولاية عثمان، ثم كثر النعم حتى بلغ أربعين ألف بعير، فضاق عنه الحمى، فأمر عثمان أن يزاد ما يسع إنل الصدقة وظهران الغزاة، فزاد زيادة لم يحددوها، إلا أن عثمان رضي الله تعالى عنه اشترى ماء من مياه بني ضبيعة كان أدنى مياه غنى إلى ضرية يقال له البكرة عند هضبات يقال لها البكرات على نحو عشرة أميال من ضرية يذكرون أن البكرة دخلت في حمى عثمان، ثم لم تزل الولاة تزيد فيه، واتخذوه مأكلة، ومن أشدهم فيه انبساطا ومنعا إبراهيم بن هشام المخزومي، زاد فيه وضيّق على أهله، واتخذ فيه من كل لون من ألوان الإبل ألف بعير، ولم تزل حواط الحمى يقاتلون عليه أشدّ القتال، ويكون فيه الدماء، وقاتل مرة حواط بن هشام ورعيان أهل المدينة وهم أكثر من مائتي رجل ناسا من غنى على ماء لغنى يقال له الساه قتالا شديدا، فظفر الغنويون، فقتلوا منهم اثني عشر رجلا، ثم صالحوهم على العقل، لكل واحد مائة من الإبل، فقال بعض الغنويين: يال غنى إنه عقل النّعم ... وليس بالنّوم وترجيل اللّمم وكان ناس من الضباب قدموا على ولد عثمان، فاستسقوهم بالبكرة فأسقوهم، فلم تزل بأيديهم.

стр. 794

وحفر عثمان عينا في ناحية أرض غنى خارجة عن الحمى بناحية الماء الذي يقال له نفي على نحو خمسة عشر ميلا من أضاخ، وفقرت لها بها فقر كبيرة، وابتنى عماله عندها قصرا أثره بين قرب واردات مقبل، ولم تجر، فتركها العمال، فلم يحرك ذلك السيح إلى اليوم. ودفنت غنى في فتنة ابن الزبير عنصر العين وتلك الفقر، فنسيت عيونه وكل ما سلف من أضاخ في شرقيها تميمي. وأدنى مياه بني تميم إلى أضاخ ماء يقال له أضيح لبني الهجيم، وقد دفن منذ دهر، فقال ناس من بني عبد الله بن عامر لأصهار لهم من بني الهجيم: نحن نستسقي لكم آل عثمان فنسقى، فرغبوا في ذلك، فأجابهم آل عثمان، فاستظعن الهجيميون قومهم إليه، فلقيهم رعاء غنى، فسألوهم، فقالوا: إن بني عثمان ولّونا أمره، وبلغ الخبر من بينهم من غنى، فتواعدوا أن ينزلوا أدنى منازلهم من بقي، فاجتمع منهم جمع كثيف، وعلم بنو الهجيم أنهم إن ثبتوا يعظم البلاء، فظعنوا ليلا إلى بلادهم، وخاف بعضهم أن يدرك فتركوا به الرحال وما ثقل وبهما في أرباقه يعني العرى التي يشد بها البهم، فغضب أصهار الهجيميين، واستغضبوا آل عثمان، فلما قدم الحسن بن زيد المدينة ومعه بعض أصهار الهجيميين فقالوا لآل عثمان: نجئ لكم بخيار تميم ومشايخ أضاخ يشهدون لكم، فاستعدى آل عثمان الحسن بن زيد على غنى، وسألوه المحاكمة بأضاخ لقربها من بني تميم، وكلم آل عثمان عبد الله بن عمرو بن عبسة العثماني، فاجتمعوا عند أبي مطرف عامل الجيش بأضاخ، وولي الخصومة من غنى الحصين بن ثعلبة أحد بني عمرو الذين امتدحهم ابن عرندس بالأبيات الآتية، فصار كلما جاء العثماني بشاهد من تميم جاءه الغنوي بشاهدين يخرجانه من قيس، فلحق العثماني بأهله، فلم يزل بقي مواتا. وهذه الخصومة في سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائة. واحتفر عبد الله بن مطيع حفيرة هي في أيدي الضباب على بريد من ضرية على طريق أضاخ للمدينة في ناحية شعبي، وكان الكنديّون يسقون، وماؤهم يسمى الثريا، ومنهم العباس بن يزيد الذي هجاه جرير بقوله: أعبدا حلّ في شعبي غريبا ... ألؤما لا أبالك واغترابا إذا حلّ الحجيج على قنيع ... يبيت الليل يسترق العتابا وقنيع: ماء للعباس الكندي على ظهر محجّة أهل البصرة في داره من دارات الحمى يقال لها دارة عسعس، فلما أجلى الكنديون عن قنيع تنازعت بنو أبي بكر بن كلاب وبنو جعفر، فقالت أبو بكر: نحن أحق بماء حلفائنا، وقال الجعفريون: هو عند بيوتنا فنحن

стр. 795

أحق به، فجمع بعضهم لبعض بملتقى قنيع، وكان سيد بني جعفر عبود بن خالد، ورأس أبي بكر معروف بن عبد الكريم وأخته زوجة عبود أم ولده طفيل، وكان طفيل من أشد بني جعفر على أخواله، فخرجت أمّه ليلا لقومها، فقالت: أشد بني جعفر لكم عداوة ابن أختكم، فإنه معلم بحبه حرمر، فليكن أول قتيل، ثم تداعى القوم للصلح على تحكيم سلمة ابن عمرو العريقي، وكتبوا بذلك وأشهدوا وتواعدوا أن يتوافوا عنده بأربعين من كل بطن، ثم نزلوا بسلمة عند الأجل، فأقام أياما ينحر لهم كل يوم جزورا، ويعطف بعضه على بعض، ويزهدهم في قنيع، فقالوا: إنا لم نجئ لتنحر لنا إبلك، فقال: حياكم الله يا بني كلاب، أتيتموني في أمر عار ذكره وأهجن، ولست بحاكم حتى أعقد لنفسي أن لا تردّوا أنتم ولا من وراء كم حكمي، فأخذ عليهم الطلاق والعتاق والمواثيق، ثم قال: أراكم يا بني كلاب كلكم ظالم، تقطعون أرحامكم في غير مائكم، لا أرى لأحد منكم فيه حقا، فرضوا جميعا، فامتدحه شعراؤهم، وكان شريفا حسن العلم بالسنن. قال عقيل بن عرندس الكلابي يمدحه وأهل بيته بني عمرو بقصيدة منها: يا أيها الرجل المعني شبيبته ... تبكي على ذات خلخال وأسوار خيرتنا وبنى عمرو فإنهم ... ذوو فضول وأحلام وأنظار هينون لينون أيسار بنو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار من تلق منهم فقد لاقيت سيدهم ... مثل النجوم سرى في ضوئها الساري وقال فيه وفي أخيه جامع أحد بني بكر: إذا ما غنى فأخرتها قبيلة ... فإن غنيّا في ذرى المجد أفخر وكم فيهم من سيد وابن سيد ... ومن فارس يوم الكريهة مسعر هم رتقوا الفتق الذي كان باديا ... وقاموا بأفق الحق، والحقّ أنور فرحنا جميعا طائعين لحكمه ... وهل يدفع الحكم الجليل المنور واحتفر بعض بني حسن بن علي بالحمى، واتخذ إلى جنب حفرته عينا ساحت ثم خرجت في غربي طخفة بشاطئ الريان على ثلاثة عشر ميلا من ضرية، وهي بيد ناس من بني جعفر ثم من بني ملاعب الأسنة من جهة بني أختهم الحسنيين. وكان لبني الأردم- وهم من بني تميم بن لؤي- ماء قديم على طريق أهل ضرية إلى المدينة على ثمانية عشر ميلا من ضرية يسمى الجفر، ومعهم نفر من بني عامر بن لؤي، فاحتفر سعيد بن سليمان الساحقي العاري عينا وأساحها وغرس عليها نخلا كثيرا على ميل أو نحوه من حفر بني الأدرم بدارة الأسود جبل عظيم أسود، وهي عامرة كثيرة النخل. ولما ولى إبراهيم بن هشام المدينة احتفر بالحمى حفيرة لهضب اليمنى على ستة أميال من

стр. 796

ضرية على طريق البكرة إلى ضرية، سماها النامية، وأخرى بناحية شعبي بين ضرية وحفر بني الأدرم على سبعة أميال من ضرية بواد يقال له فاضحة لأنه انفضاح أي انفراج واتساع بين جبال. ولما هلك ابن هشام احتفر جعفر بن مصعب بن الزبير حفيرة إلى جنب حفيرة ابن هشام بفاضحة، ونزلها بولده حتى مات، فأقام ابنه محمد بمنزلة أبيه حتى خرج محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن فخرج مع محمد، فلما قتل هرب إلى البصرة، ثم رجع إلى فاضحة، وتزوج من بني جعفر ثم بني الطفيل فأولد عبد الله فزوّجه ابنة القاسم بن جندب الفزاري، وكان علما من أعلام العرب ينزل باللواء، وكان القاسم لا يسير أبدا، ولم يكن حج قط، ولا يكاد يقدم ضرية، وأولاد عبد الله من ابنته في بقية من أموالهم بفاضحة. واحتفر عبد الله حفيرة إلى جنب حفيرة جده، ودفن حفيرة ابن هشام، وأخفى مكانها. واحتفر جرش مولى ابن هشام حفيرة على ميلين أو ثلاثة من حفر بني الأدرم وحفرة المساحقي سماها الجرشية، ثم اشتراها ناس من ولد رافع بن خديج من الأنصار، وأحدثوا بقربها حفيرة بقطيعة السلطان، فنازعهم محمد بن جعفر بن مصعب بحق بني الأدرم، وكان من أشد الرجال، فقاتلهم وحده، فاجتمعوا فأصابه رجلان منهم بفرعين خفيفين في رأسه، فأخذهما أسرى حتى أقدمهما ضرية، واستعدى عليهما الحسن بن زيد بالمدينة، فضربهما بالسياط، ثم عفا عنهما، واختصموا في الجرشية والحفيرة حتى قضى لبني الأدرم والمساحقي، فكلمهم الناس فسبقوهم بهما، وكان الأنصاريون أهل عمود وماشية، فلما كانت الفتنة أكلتهم لصوص قيس من كلاب وفزارة، فلحقوا بطيئ وناسبوهم، فأمنوا مدة، ثم غارت عليهم لصوص طيئ فتفرقوا وتركوا البادية، وكانت بنو الأدرم وبنو بجير القرشيون قد كثروا بالحفر، ثم وقع بينهم شر، وكان جيرانهم من قيس يكرمونهم، فلما تفاسدوا جعل بعضهم يهيج اللصوص على بعض، فنهبهم بنو كلاب وفزارة، وقتلوا بعض رجالهم، فلحقوا بالمدينة، وتفرقوا، وقال عبد الجبار المساحقي لبني فزارة فيما فعلوا بالقرشيين: مهلا فزارة مهلا لا أبالكم ... مهلا فقد طال إعذاري وإنذاري في أبيات: وكانت ضرية من مياه الضباب في الجاهلية لذي الجوشن الضبابي والد شمر قاتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، وكانت مسلمة الضباب يروون أن ذا الجوشن قال في الجاهلية:

стр. 797

دعوت الله إذ سغبت عيالي ... ليجعل لي لدى وسط طعاما فأعطاني ضريّة خير بئر ... تمجّ الماء والحب التؤاما ووسط: جبل على ستة أميال من ضرية يطأ الحاج المصعد خيشومه، وبناحيته اليسرى دارة سعتها ثلاثة أميال أو أربعة، وقنيع في أعلاها، وهي بين وسط وعسعس ويقال لها أيضا: دارة عسعس، وعسعس: جبل أحمر مجتمع في السماء بهيئة رجل جالس له رأس ومنكبان. وأما عين ضرية وسيحها فيقال: إنه كان لعثمان بن عنبسة بن أبي سفيان، وهو الذي حفرها واغترس النخل وضفر بها ضفيرة بالصخر لينحبس الماء، وهو سد يعترض الوادي فيقطع ماءه وينحبس زمانا ليكون أغزر للعين، فلما قام أبو العباس كان ذلك فيما قبضوا، ففي آخر ولاية أبي العباس وكانت تحته أم سلمة المخزومية من بني جعفر بن كلاب وقد أحالها معروف بن عبد الله عليه فأكرمه فسأله أن يقطعه عين ضرية فأقطعه، وكان بدويا ذا زرع، فلما أرطب نخلها نزلها بأهله، وكانت نعمه ترد عليه، وسأله ناس من ضريّة أن يعريهم من نخله، فأعراهم، وصار يجني للضيفان من الرطب، ويحلب لهم من إبله، فمكث نحو شهرين، فأتاه ضيفان بعد ما ولي الرطب، فأرسل فلم يؤت إلا بقليل، وقال له الرسول: ذهب الرطب إلا ما ترى، فقال: يسوءني أن أعود على ضيفاني من نخلكم، وكان قيمه على العين زرع قثاء وبطيخا، فأتاه بشيء منه، فقال: قبح الله ما جئت به، احذر أن يراه عيالي، وكره النخل، وأراد بيعه، فاشتراه منه عبد الله الهاشمي عامل اليمامة بألفي دينار، ثم ولاه جعفر بن سليمان إذ سأله إياه، فأحدث بسوق ضرية حوانيت جعلها سماطين داخلين في سماطي ضرية الأولين فيهما نيف وثمانون حانوتا، فربما جمعت غلة الحوانيت والنخل والزرع ثمانية آلاف درهم في السنة، وكان شأن الحمى عند ولاة المدينة عظيما، كانوا يستعملون عاملا وحده، وكانت إصابته فيه عظيمة، وكان لحواطه سلطان عظيم، وحواط كل ناحية: سادة القوم وأشرافهم، وكان يقال لعامل الحمى: عامل الشرف. وأقرب أجبل الحمى للمصعد- أي أقرب ما ترى من جباله- جبل الستار على طريق البصرة، أحمر مستطيل فيه ثنايا تسلك، ومنه طريق البصرة، بينه وبين أمرة خمسة أميال، وهو في دار غنى في ناحية هضب الأشق، وبالأشق مياه: منها الريان في أصل جبل أحمر طويل، ومن هضب الأشق هضبة في ناحية عرفج يقال لها الشيماء، وفي غربي الأشق سواج الطريق تطأ خيشومه. ومتالع: جبل أحمر عظيم عن يمين أمرة، على ثلاثة أميال منها البثاءة بينها من أكرم أعلام العرب موضعا.

стр. 798

ولما ولي أبو خليد العبسي خال الوليد عمل ضرية نزلها وحفر في جوف النّتاءة في حق غني فقيره، فلما ولي بنو العباس هدمت غنى تلك الحفرة وسوّوها بالأرض. ولبني عبس ماء في شعب يقال له الأسودة، ولهم بالحمى ماء يقال له ضحح في إبط رميلة الحسى حسى بن حصبة، ولهم الحاء بها نخل كثير، ولهم مياه أخرى، ثم الأقعس، ثم تليه هضبات تدعى قطبيات في إقبال البئر، ثم يليها هضبات يقال لها العرائس في بلد كريم من الوضح في إقبال البئر أيضا، وبين العرائس جبل يقال له عمود الكور. شعر: جبل عظيم في ناحية الوضح، وعنده ماء يقال له الشطون، أكثر الشعراء من ذكره، قال الخضري: سقى الله الشطون شطون شعر ... وما بين الكواكب والغدير وعن يسار العرائس بالوضح جبال بينهن آبار صغار سود علاهن الرمل مشرفات على مهزول، وهو واد في إقبال البئر، وهن تسمين العثاعث، ذكرهن ابن شوذب في شعر مدح به السرى، فقال من أبيات: بربا العثاعث حيث واجهت الربا ... سند العروس وقابلت مهزولا ثم يلي العثاعث ذو عثث واد يصبّ في التسرير، ويصب فيه وادي مرعي وهو بناحية الحمى، ثم يليه نضاد، وهو بطرف البئر الشرقي في حقوق عنى، ويلي البئر جبال كثيرة سود بعضها إلى بعض، ومنها تخرج سيول التسرير، وبنضاد وذي عثث تلتقي سيولها، والحثحاث والبقر بأقبال نضاد، وهما المعنيان بالحمى، ثم بلى الأقعس عن يسار المصعد هضب اليلبين، وأقرب المياه إليه ماء يقال له اليلبين، وبين هضب اليلبين والربذة نيف وعشرون ميلا، ثم يلي هضب اليلبين عن يسار المصعد الجمارة قنان سود بينها وبين الربذة خمسة عشر ميلا، في مهب الشمال عن الربذة، وبينهما هضب يقال لها سنام، ثم يلي الجمارة جبال سود تدعى الهاربية، بينها وبين الربذة أربعة عشر ميلا، ثم هضب المنحر، ثم رحرحان. انتهى ما لخصته مما نقله الهجري، وقد أكثر الشعراء وغيرهم من ذكر هذا الحمى وأعلامه وأخباره. وحكى ابن جني في النوادر الممتعة عن المفضل بن إسحاق قال هو أو قال بعض المشيخة: لقيت أعرابيا فقلت: ممن الرجل؟ فقال: من بني أسد، فقلت: فمن أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية، قلت: فأين مسكنك منها؟ قال: مساقط الحمى حمى ضرية بأرض ها لعمر الله ما نريد بها بدلا ولا عنها حولا، قد نصحتها الغدوات، وحفتها الفلوات، فلا يملولح ترابها، ولا يمعر جنابها، ليس فيها أذى ولا قذى، ولا وعك، ولا موم، ولا

стр. 799

حمى، فنحن فيها بأرفه عيش وأرغد معيشة قلت: وما طعامكم؟ قال: بخ بخ، عيشنا والله عيش يعلل حاديه، وطعامنا أطيب طعام وأمرؤه وأهناه: الفثّ والهبيد والفطس والصليب والعنكث والعلهز والذآنين والطراثيث والحسلة والضباب، وربما والله أكلنا القد، واشتوينا الجلد، فما نرى أن أحدا أحسن منا حالا، ولا أخصب جنابا، ولا أرخى بالا، فالحمد لله على ما بسط علينا من النعمة، ورزق من حسن الدّعة، أو ما سمعت قائلنا يقول: إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغار كوانز فنحن ملوك الناس شرقا ومغربا ... ونحن أسود الناس عند الهزاهز وكم متمنّ عيشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به جدّ فائز قلت: فما أقدمك هذه البلدة؟ قال: بغية ليه، قلت: وما بغيتك؟ قال: بكرات أضللتهن، قلت: وما بكراتك؟ قال: أبقات عرصات هبصات أرنات أواب، عيط عوائط، كوم فواسج، أعزبتهن قفا الرحبة رحبة الخرجا، ضجعن مني فحمة العشاء الأولى، فما شعرت بهن إلى أن ترجل الضحى، فقفوتهن شهرا ما أحسّ لهن أثرا، فهل عندك جالية عين أو جابية خبر؟ لقيت المراشد وكفيت المفاسد. الموم- بالضم- البرسان. والفث- بالفاء ثم المثلاثة- حب يعالج ويطحن ويؤكل في الجدب. والهبيد: حب الحنظل ينقع في الماء ويعالج حتى يحلو. والفطس- بالسكون- حب الآس. والصليب- آخره موحدة- الودك. والعنكث- بالمثلاثة- نبت خشن شائك يعالجه الضب بذنبه حتى يتحات ويلين ثم يأكله. والعلهز: دم ووبر يلبك ليؤكل في الجدب. والذآنين- بالمعجمة- جمع ذؤنون، نبت معروف، والطراثيث- بالطاء المهملة ومثلثتين بينهما مثناة تحتية- جمع طرثوث نبت أحمر. والحسلة- كقردة- جمع حسل، وهو ولد الضب، والعرص والهبص والأرن: النشاط، أواب: جمع آبية، وهي التي ضربت فلم تلقح، عيط عوائط: بمعناه وكوم فواسج: سمان. وأعزبتهن: بيت بهن عازبا عن الحي. قفا الرحبة: خلفها الخرجا: موضع به حجارة فيها سواد وبياض. وضجعن: عدلن وملن؛ وجابية خبر: أي طريق خارقة. حمى فيد ومنها: حمى فيد- بالفاء ثم المثناة التحتية- منزل بنجد في طريق الحاج العراقي، فيه سوق وبرك ونخيل وعيون، قيل: سميت بفيد بن حام؛ لأنه أول من سكنها. وقال ابن جبير: إنه خرج من المدينة النبوية يوم السبت صحبة الركب العراقي فوصلوا فيدا صبيحة الأحد التاسع من خروجهم، وقال الأسدي: فيد بطيئ لبني نبهان، وبه أخلاط

стр. 800

من أسد وهمدان وغيرهم، وبه ثلاث عيون: عين النخل احتفرها عثمان بن عفان، والآخرى تعرف بالحارة في وسط الحصن والسوق احتفرها المنصور، والثالثة تعرف بالباردة على الطريق خارج المنزل حفرها المهدي، وبفيد آبار كثيرة قصيرة الرشا، انتهى. وقال الهجري: وأما حمى فيد وصفته فلم أجد أحدا عنده علم ممن كان أول من أحماه، ولا كم كانت منعته أول ما أحمى، إلا أن فيدا كان موضعه الذي هو به اليوم فلاة من الأرض بين بني أسد وطيئ، وكانت إلى جبل طيئ أقرب، فذكر أهل العلم ممن لقيت من أهله أنه التقطت به ركبتان كانتا جاهليتين، التقطهما أناس من بني أبي سلام ومعهم نفر من طيئ وهم يرعون هناك في ولاية بني مروان، وأن أول من حفر به حفرا في الإسلام أبو الديلم مولى لفزارة، فاحتفر العين التي هي اليوم قائمة وأساحها وغرس عليها، وكانت في يده حتى قام بنو العباس فقبضوها، فهي اليوم في أيديهم. قلت: وكأنه لم يقف عل ما ذكره الأسدي من عين عثمان رضي الله تعالى عنه، ولعله أول من أحماه. قال الهجري: وأما أجبل حمى فيد فأولها على طريق الكوفة بين فيدو الأجفر جبل يقال له الجبيل أحمر عظيم، على ستة عشر ميلا من فيد في أرض بني أسد، ليس بين فيد والكوفة جبل غيره، ثم يليه الغمر جبل أحمر طويل على عشرين ميلا من فيد، عن يسار المصعد لمكة، وإلى جنبه ماء يقال له الرخيمة، وماء يقال له الثعلبية، وكل ذلك في الحمى، ثم عن يسار المصعد قبة سوداء تدعى أذنة، على ستة عشر ميلا من فيد، في أرض بني أسد، وفي ناحيتها في الحمى مياه يقال لها الوراقة، ثم عن يسار المصعد هضب الوراق لبني أسد، وفي ناحيته مياه يقال لها أفعى، ومياه يقال لها الوراقة، ثم جبلان أسودان يدعيان القرنين في أرض بني أسد، على ستة عشر ميلا من فيد، والطريق إلى مكة تتوسطهما، ثم عن يمين الطريق للمصعد جبل أسود يقال له الأحول في أرض طيئ، على ستة عشر ميلا من فيد، وأقرب مياهه أبضة في حرة سوداء، ثم عن يمين المصعد جبل يقال له دخنان بأرض طيئ، على اثني عشر ميلا من فيد، ثم جبل يقال له الغبر، ثم جبلان يقال لهما جاش وجلذية لطيئ، على أكثر من ثلاثين ميلا من فيد، وهاهنا اتسع الحمى وكرم، ثم الصدر على سبعة أميال وثلاثين ميلا من فيد، ثم صحراء ليس بها جبل يقال لها صحراء الخلة، عن يمين الأجفر، على ستة وثلاثين ميلا من فيد وأقرب مياهها الجثجاثة. ثم يليها على المحجة أكمة مشرفة على الأجفر. ثم سويقة هضبة حمراء طويلة في السماء، وهي في الحمى في أرض الضباب، على ثلاثين ميلا أو أكثر من ضرية، وهي التي عنت جمل بنت الأسود الضبابية، وذلك أنها جاورت بني الهدر في أعلى بلاد الضباب،

стр. 801

وهي متعالية لهم واد رغاث يقال له كراء في علياء دار بني هلال على ليلتين من الطائف، وكانت بنو هلال ينهضون على أهله، حتى جمعت لهم الضباب جمعا وقتلوا منهم وسبوا، وجاؤوا ببعضهم إلى الحمى فهابوهم. وللضباب ملك آخر يقال له العرّى بناحية بيشة قرب تبالة، فجاورت جمل بني الهدر في تلك الناحية، وأغارت لصوصهم على عكرة لها يوم الأضحى، واغتنموا تشاغل الناس بالعيد، فقالت جمل وكان بليغة: بنى الهدر ماذا تأمرون بعكرة ... قلائد لم تخلط بخبث نصابها تظل لأبناء السبيل مناخة ... على الماء يعطى درّها ورقابها أقول وقد ولّوا بهيت كأنه ... مناكب حوضي رملها وهضابها ألهف على يوم كيوم سويقة ... شفى غل أكباد فساغ شرابها بنى الهدر لو كنتم كراما وفيتم ... لجارتكم حتى يحين انقلابها ولكنما أنتم حمير حساءة ... مجدّعة الأذناب غلب رقابها فأشارت بقولها «كيوم سويقة» إلى وقعة كانت للضباب مع عامل ضرية مهروب الهمداني من قبل زياد بن عبيد الله الحارثي، وذلك أن عاملا له مع حواط الحمى وجدوا نعما للضباب في الحمى بناحية سويقة فطردوها أقبح الطرد، فركبوا في أثره، فأصابوه بضرب، وعقروا راحلته، فأتى عامل ضرية، فخرج بجنده وسخر رجالا معه من أهل ضرية كرها حتى لقي نعما للضباب فيها بعضهم، فأسر نفرا منهم، فبلغ الضباب، فأدركوه بسويقة فكر عليهم، فنادوا: يا أهل ضرية، أنتم مكرهون فاعتزلوا، ونادوه أن خل سبيل أصحابنا وما أصيب منا بالذي أصبنا منك، فتراموا بالنبل حتى فنيت، ثم اقتتلوا فانهزم، وأدركوه فقطعوه بالسيوف، وقتلوا نفرا من أصحابه، ورجعوا بالأسرى. ثم يلي سويقة جبل ذو قنان كثيرة، ليس بالحمى أكبر منه إلا أن يكون شعبي، وهو جبل أسود، في أرض الضباب، كثير المعادن من التبر، كان به معدن يقال له النجادي، كان لابن أبي بحّاد، لم يعلم في الأرض مثله؛ فعن شيخ من موالي خزاعة أنه خرج منه ما لم يسمع بمثله، ورخص الذهب بالعراق والحجاز لما أن كثر حتى قل نيله لغلبة الماء عليه وقر به قرية عظيمة، وكان له عامل مفرد يخرج من المدينة. كبد منى ثم كبد منى: قنة عظيمة مفردة شرقي منى، وهو جبل يشرف على ما حوله ينظر إليه الحجاج حين يصدرون عن مرة، وبين حليت ومني جبل يقال له قادم، وإلى جنبه قويدم، وبهما مياه يقال لها القادمة من أطيب ماء بالحمى وأرقه، يضرب بها المثل في العذوبة، بينها

стр. 802

وبين منى دارة الفهيدة التي عقرت لها ناقة المنسرح وعقر لها ما عقر، وذلك أنه كان تمثالا لا يكاد يبين، وله صريمة يحلب عقيلتها لأمه، فكانت حياتها لأن الناس أشتوا، فبينا هو بدارة الفهيدة في ولاية ابن هشام إذ دخلت الحمى فتركها فباتت فرآها بعض الحواط من الموالي، فطرد الصريمة أقبح الطرد، فعرض له المنسرح ليكفه، ولا سلاح معه، فطعن الناقة التي يحلبها المنسرح لأمه في ضرعها فاختلط لبنها بدمها، فحلف لا يسكن الحمى ولا يمس رأسه دهن حتى يعقر إبل من عقر ناقته، فتوجه إلى قومه، فأخبرهم خبره، وطلب سيفا قاطعا لا يقع في شيء إلا خرج منه، فأعطوه إياه، فأتى إبلا للمولى مهاري، فقال للراعي: أنا رسول مولاكم وهو بضرية يأمركم أن تعقلوا خيار إبلكم فإنه نصيحكم لأمر حدث، وأخرج لهم عقلا، فصدقوه وحلبوا له ناقة، فوضع الإناء، فقالوا: ألا تغتبق، قال: دعوه حتى يبرد، قال: وإنما كرهت أن أشرب اللبن وأعقر إبله. فلما غفلوا عنه أهراقه، وعقلوا من خيار الإبل نحو ثلاثين، فلما ناموا استلّ سيفه وضرب ناقة على حقيبتها فمضى حتى فلق ضرعها، وتواثبت الإبل، فطفق في المعقلة عقرا حتى أتى عليها، وقطع بعضها العقل فتبعها فما أدرك بعيرا إلا عقره، وفطن الرعاء فرأوا ما يعمل السيف، فولوا هربا، ثم دفن سيفه بالحمى، وكان أعز عليه من نفسه، وأرسل يخبر أهله، وركب صاحب الإبل في الناس حتى نظروا إليها، وقال الرّعاء لا نعرفه إلا أنه بمقام، فعرف أنه المنسرح، فأمر ابن هشام بطلبه، وأخذ إخوته وأهل بيته فحبسوا، فسمع، فجاء إلى العامل فقال: حلّ هؤلاء فأنا بغيتك، فحبسه وخلّاهم، ورفعه في وثاق إلى ابن هشام، وخرج معه بعض أهل بيته، قالوا: فلما قدمنا المدينة جعل يأتينا الرجل الشريف فيسألنا عن السيف، ويقول: أرأيتم إن خلّصت صاحبكم وضمنت عنه تأتوني بالسيف، فننكر ولا نقر بشيء من أمر السيف، فتوعّده ابن هشام وسأله أن يقر، فأبى، وكلم أصحابه نفر من بني مخزوم في أن يؤخذ صاحبهم بالبينة أو يحلف، فسأل ابن هشام خصمه البينة، فلم يقمها، فأمر بيمينه عند المنبر الشريف. فلما قرب من المنبر وذكر له ما يحلف عليه، واندفع يحلف، شرح الله لسانه فقال: أحلف بالله لأنا عقرت إبل فلان بيدي، ولقد برئ منها غيري، فردوه إلى ابن هشام، وابتدرته قريش كل يقول: عليّ الإبل، طمعا في السيف، ثم اختلف علماء غنى؛ فقال بعضهم: احتمل ذلك رجل من قريش، وخلي سبيله، وخرج معه رسول للسيف، فطلبه فلم يقدر عليه، وانطلق لسانه من يومئذ فسمي المنسرح. ثم يلي كبد مني هضب الأشق. هذا آخر ما لخصته من كتاب الهجري.

стр. 803

قد تم- بحول الله تعالى، وقوته، ومعونته- الجزء الثالث من كتاب «وفاء الوفا، بأخبار دار المصطفى» للعلامة السمهودي، ويليه- إن شاء الله سبحانه- الجزء الرابع، وهو نهاية الكتاب، ومطلعه «الفصل الثامن، في بقاع المدينة، وأعراضها، وأعمالها، ومضافاتها، وأنديتها، وجبالها، وتلاعها» نسأل الذي لا يعين على الخير سواه أن يمن علينا بإكماله، ويوفقنا بفضله إلى إتمامه؛ إنه ولي ذلك كله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 804

فهرس الجزء الثالث الباب الخامس في مصلى النبي ﷺ في الأعياد وغير ذلك من المساجد التي صلى فيها، وفيه سبعة فصول ٣ الفصل الأول في المصّلى في الأعياد، وفيه أطرّاف ٣ أول عيد صلاه النبي بالمصلى ٣ مكان مصلى العيد ٣ تعدد موضع صلاة العيد ٤ المسافة بين مصلى العيد وباب السلام ألف ذراع ٤ تحديد المواضع التي صلى فيها العيد ٥ مصلى العيد بالصحراء ٧ كيف صلى الرسول ﷺ العيد؟ ٩ ذكر من أحدث منبر في مصلى العيد ٩ أول من خطب قبل صلاة العيد ١٠ بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى ورجوعه ١٢ الفصل الثاني في مسجد قباء، وفضله، وخبر مسجد الضّرار ١٦ تأسيس مسجد قباء ١٦ ما جاء في أن الصلاة فيه تعدل عمرة ١٧ تفضيل الصلاة في مسجد قباء على بيت المقدس ١٩ إتيان الرسول ﷺ مسجد قباء ١٩ المكان الذي كان الرسول يصلي فيه بمسجد قباء ٢١ تجديد مسجد قباء ٢٤ بيان ما ينبغي أن يزار بقباء من الآثار تتميما للفائدة دار سعد بن خيثمة ٢٦

стр. 805

دار كلثوم بن الهدم ٢٦ ما جاء في بيان طريقه ﷺ إلى قباء ذاهبا وراجعا طريق النبي ﷺ إلي قباء ذاهبا وراجعا ٢٧ ذرع الطريق ٢٧ ما جاء في مسجد الضّرار مما ينوّه بقدر مسجد قباء بناة مسجد الضرار ٢٨ حرق مسجد الضرار ٢٨ أسماء بناة مسجد الضرار ٢٩ الخلاف في موضع مسجد الضرار ٣٠ الفصل الثالث في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا بالمدينة الشريفة وما حولها ٣١ مسجد الفضيخ ٣٢ مسجد بني قريظة ٣٤ مشربة أم إبراهيم ٣٥ مسجد بني ظفر ٣٦ مسجد الإجابة ٣٨ مسجد الفتح ٣٩ المساجد التي حول مسجد الفتح ٤٣ مسجد بني حرام الكبير ٤٤ كهف بني حرام ٤٥ مسجد القبلتين ٤٦ مسجد السقيا ٤٧ مسجد ذباب (الراية) ٤٩ مسجد القبيح ٥١ مسجد في ركن جبل عينين ٥١ مسجد العسكر ٥٢ مسجد أبي ذر الغفاري ٥٣ مسجد أبي بن كعب (بني جديلة) (البقيع) ٥٤

стр. 806

مساجد المصلى ٥٥ مسجد ذي الحليفة ٥٥ مسجد مقمل ٥٥ الفصل الرابع في المساجد التي علمت جهتها، ولم تعلم عينها بالمدينة الشريفة مسجد أبي بن كعب ٥٦ مسجد بني حرام ٥٦ مسجد الخربة ٥٦ مسجد جهينة ٥٦ مسجد بن غفار ٥٧ مسجد بني زريق ٥٨ مسجدان لبني ساعدة ٥٨ سقيفة بني ساعدة ٥٩ مسجد بني خدارة ٦٠ مسجد راتج ٦٠ مسجد واقم ٦١ مسجد القرصة ٦٣ مسجد بني حارثة ٦٣ مسجد الشيخين (البدائع) ٦٣ مسجد بني دينار ٦٤ مسجد بني عدي، ومسجد دار النابغة ٦٥ مسجد بني مازن ٦٥ مسجد بني عمرو ٦٦ مسجد بقيع الزبير ٦٦ مسجد صدقة الزبير ٦٦ مسجد بني خدرة ٦٧

стр. 807

مسجد بني الحارث ٦٨ مسجد بني الحبلى ٦٨ مسجد بني بياضة ٦٨ مسجد بني خطمة ٦٩ مسجد بني أمية الأوسي ٦٩ مسجد بني وائل الأوسي ٧٠ مسجد بني واقف ٧٠ مسجد بن أنيف ٧١ مسجد دار سعد بن خيثمة ٧١ مسجد التوبة ٧٢ مسجد النور ٧٢ مسجد عتبان بن مالك ٧٣ مسجد ميثب (صدقة النبي ﷺ ٧٣ مسجد المنارتين ٧٣ مسجد فيفاء الخبار ٧٤ مسجد بين الجثجاثة وبئر شداد ٧٤ الدور التي صلى بها الرسول ﷺ ٧٥ دار الشفاء ٧٥ دار الضمري ٧٥ دار بسرة ٧٥ دار أم سليم ٧٦ دار أم حرام ٧٦ الفصل الخامس خروج النبي ﷺ ليلا إلى البقيع ٧٧ من فضل البقيع ٧٩ الفصل السادس قبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ٨٢

стр. 808

قبر عثمان بن مظعون ٨٤ قبر رقية بنت رسول الله ﷺ ٨٥ قبر فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها أم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٨٥ القبور التي نزلها الرسول ﷺ ٨٦ قبر عبد الرحمن بن عوف ٨٨ قبر سعد بن أبي وقّاص ٨٨ قبر عبد الله بن مسعود ٨٨ قبر خنيس بن حذاقة السهمي ٨٨ قبر أسعد بن زرارة أحد بني غنم بن مالك بن النجار ٨٩ قبر فاطمة بنت الرسول ﷺ ٨٩ قبر بعض أبناء الإمام علي بن أبي طالب ٩٢ المتوكل يأمر بهدم قبر الحسين بن علي ٩٣ قبر ابنها الحسن بن علي، ومن معه ٩٤ تسمية من دفن مع الحسن ٩٥ دفن علي بالبقيع ٩٥ دفن رأس الحسين بن علي ٩٥ قبر العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه ٩٥ قبر صفية بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنها ٩٥ قبر أبي سفيان بن عبد المطلب ٩٦ قبرد عبد الله بن جعفر الطيار ٩٧ قبور أزواج النبي ﷺ ، ورضي الله تعالى عنهن ٩٧ قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ٩٨ قبر سعد بن معاذ الأشهلي رضي الله تعالى عنه ٩٩ قبر أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ٩٩ بيان المشاهد المعروفة اليوم بالبقيع وغيره من المدينة الشريفة ٩٩

стр. 809

مشهد مالك بن أنس الأصبحي ١٠٢ مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق ١٠٣ مشهد حمزة ١٠٤ مشهد مالك بن سنان الخدري ١٠٥ مشهد النفس الزكية ١٠٥ الفصل السابع في فضل أحد والشّهداء به ١٠٦ الأحاديث الواردة في فضل أحد ١٠٦ موقع أحد من المدينة المنورة ١٠٨ وجه تسمية أحد وحبه ١٠٨ زعموا أن هارون مدفون بأحد ١٠٩ مزاعم في مواضع من جبل أحد ١١٠ شهادة الرسول ﷺ لشهداء أحد ١١٠ زيارة النبي ﷺ وخلفائه قبور الشهداء على رأس كل حول ١١١ تسمية شهداء أحد ١١٢ سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ومصرعه ١١٣ عمرو بن الجموع وعبد الله بن عمرو بن حرام ١١٤ من دفن بالمدينة من قتلى أحد ١١٧ الباب السادس، في آبارها المباركات، وفيه خمسة فصول ١١٩ الفصل الأول في آبارها المباركات ١١٩ من فضل بئر أريس ١٢٢ ذرع بئر أريس ١٢٣ بئر الأعواف، أحد صدقات النبي ﷺ الآتية ١٢٤ ضبط بير حاء ١٣٤ تتمة ١٤٧ عين كهف بني حرام ١٤٧

стр. 810

الفصل الثاني في صدقاته ﷺ ، وما غرسه بيده الشريفة ١٥٠ أصل صدقات الرسول ﷺ ١٥٠ أسماء صدقات الرسول ﷺ ومواضعها ١٥٠ وقف الرسول ﷺ أمواله ١٥١ تحديد مواضع الصدقات والمعروف منها ١٥٣ طلب فاطمة من أبي بكر صدقات أبيها ١٥٥ الفصل الثالث فيما ينسب إليه ﷺ من المساجد التي بين مكة والمدينة، بالطريق التي كان يسلكها ﷺ ، وهي طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ١٥٩ مسجد الشجرة (ذي الحليفة) ١٥٩ مسجد آخر بذي الحليفة ١٦١ مسجد المعرس ١٦١ مسجد شرف الروحاء ١٦٣ مسجد عرق الظبية ١٦٤ مسجد آخر بالروحاء ١٦٥ مسجد المنصرف (الغزالة) ١٦٥ مسجد الرويثة ١٦٦ مسجد ثنية ركوبة ١٦٦ مسجد الأثاية ١٦٧ مسجد العرج ١٦٧ مسجد المنبجس ١٦٨ مسجد لحي جمل ١٦٨ مسجد السقيا ١٦٩ مسجد مدلجة تعهن ١٦٩ مسجد الرمادة ١٦٩ مسجد الأبواء ١٧٠
следующие страницы →