← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1028–1067 · переход к 1033.

стр. 1028

وأمّا قولُه ﷺ في هذا الحديث: "ومِنبَرِي على حَوْضي" فزعَم بعضُ أهل العلم من أهل الكلام في معاني الآثارِ أنّه أراد، والله أعلم، أنَّ له مِنبَرًا يومَ القيامةِ على حَوْضه ﷺ ؛ كأنّه قال: ولي أيضًا مِنبَرٌ على حَوضي أدْعُو الناسَ إليه، لا أنَّ مِنبرَه ذاك على حوْضِه. وقال آخرون: يحتَمِلُ أنْ يكونَ اللهُ ﵎ يُعيدُ ذلك المِنبرَ ويرْفَعُه بعينِه، فيكونُ يومئذٍ على حوْضِه، وبالله التوفيق. قال أبو عُمر: الأحاديثُ في حَوضِه ﷺ مُتواترَةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ كثيرة، والإيمانُ بالحَوْضِ عندَ جماعةِ عُلماءِ المسلمينَ واجِبٌ، والإقرارُ به عندَ الجماعةِ لازِمٌ وقد نَفاهُ أهلُ البِدَع من الخوارج والمعتزلة، وأهلُ الحقِّ على التَّصديقِ بما جاء عنه في ذلك ﷺ . أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى؛ قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بَحْر، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: العبّاسُ بنُ الوليد، قال: قال سفيانُ بنُ عُيَيْنة: الإيمانُ قولٌ وعملٌ ونيّةٌ، والإيمانُ يزيدُ وينقُصُ، والإيمانُ بالحوْضِ والشَّفاعَةِ والدَّجّال. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ المسلمينَ إلّا مَن ذكَرْنا، فإنَّهم لا يُصدِّقُونَ بالشَّفاعَة، ولا بالحَوْض، ولا بالدَّجّال، والآثارُ في الحَوْض أكثرُ من أنْ تُحصى، وأصَحُّ ما يُنقَلُ ويُروَى، ونحنُ نذكُرُ في هذا الباب ما حضَرنا ذِكرُه منها؛ لأنَّها مسألةٌ مأخوذةٌ من جهةِ الأثرِ لا يُنكرُها مَن يُرضَى قولُه ويُحمَدُ مذهَبُه، وباللّه التوفيق. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ مُسلم، عن حُصَيْن، عن أبي وائل، عن حُذيفة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ليَرِدَنَّ عليَّ الحوْضَ

стр. 1029

أقوامٌ، حتى إذا عرَفْتُهم اختُلِجُوا (١) دُوني، فأقول: ربِّ أصحابي. فيقال: إنَّكَ لا تَدِري ما احدَثُوا بعدَك" (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا أبو النَّضْر، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "أنا فَرَطُكُمْ على الحَوْض، ولأُنازَعَنَّ رجالًا من أصحابي، ولأُغْلَبَنَّ عليهم، ثم ليُقالَنَّ لي: إنَّكَ لا تَدْري ما أحْدَثُوا بعدَكَ" (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (٤):

стр. 1030

حدَّثنا عَمْرُو بنُ عليّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن المُغيرَة، قال: سمعتُ أبا وائل يُحدِّثُ عن عبدِ الله، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "أنا فَرَطُكُم على الحَوْض، وليُرْفَعنَّ رجالٌ منكم، ثم ليُخْتَلَجُنَّ دُوني، فأقول: يا ربِّ، أصحابي. فيقال: إنّكَ لا تَدْري ما أحْدَثُوا بعدَكَ". قال البخاريُّ: تابَعه عاصمٌ، عن أبي وائل. وقال حُصَينٌ: عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -. ورواه الأعمشُ، عن أبي وائل شَقيق، عن عبدِ الله، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "أنا فَرَطُكم على الحَوْض" (١)، لم يَزِدْ. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ سَلّام السَّوِيقيُّ، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بنُ خليفَة، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عليِّ بنِ زَيْد، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكرَة، عن أبي بَكرَة، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "لَيَرِدَنَّ علَيَّ الحَوْضَ رجالٌ ممَّن صَحِبني ورَآني، فإذا رُفِعُوا إليَّ ورأيتُهم اختُلِجُوا دُوني، فلأقُولنَّ: يا ربّ، أصْحابي. فيقال: إنّكَ لا تَدْرِي ما أحدَثوا بعدَك" (٢). أخبرنا عبدُ الوأرث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ شاكر، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُهاجر، عن العبّاسِ بنِ سالم اللَّخْميِّ، قال: بعثَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى أبي سَلّام، فحُمِلَ على البَريد، فلمّا قَدِم عليه، قال أبو سَلّام: لقد شَقَّ عليَّ مَحْمَلي على البَريد، ولقد أشفقْتُ على رَحْلي. قال: ما أرَدْنا المشقَّةَ عليكَ يا أبا سلّام، ولكنْ بلَغني

стр. 1031

عنك حديثُ ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - في الحَوْض، فأحبَبْتُ أن أُشافِهَكَ به. قال: سمعتُ ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ حَوْضي ما بينَ عَدَنَ إلى عمّان البَلْقاء، ماؤُه أشدُّ بَياضًا منَ اللَّبَن، وأحْلَى من العَسَل، وأكاوِيبُه عَددُ نُجوم السَّماء، مَن شَرِب منه شَرْبةً، لم يَظْمَأ بعدَها أبدًا، أولُ النّاسِ وُرُودًا عليه فقراءُ المهاجرين". فقال عمرُ بنُ الخطاب: مَن هم يا رسولَ الله؟ قال: "هم الشُّعْثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا يَنكِحون المُتنَعِّمات، ولا تُفتَحُ لهم أبوابُ السُّدَد (١) ". فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: والله لقد نكَحْتُ المُتنَعِّمات؛ فاطمةَ بنتَ عبدِ الملك، وفُتِحَتْ لي أبوابُ السُّدَدِ إلّا أنْ يَرْحمني الله، لا جرَمَ لا أدْهُنُ رأسي حتى تَشْعَثَ، ولا أغْسلُ ثوبي الذي يَلي جسدي حتى يتَّسِخَ (٢).

стр. 1032

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا أبو مُسْهِر، قال: حدَّثنا صدقةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ واقد، قال: حدثني أبو سَلّام، عن ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ حَوْضي ما بينَ عَدَنَ إلى عمّان، أشدُّ بياضًا منَ اللَّبَن، وأحلَى منَ العَسَل، وأطْيَبُ رائحَةً منَ المسك، أكاويبُه كنجوم السَّماء، مَن شرِب منه شربَةً، لم يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، وأكثرُ الناس وُرُودًا عليه فقراءُ المهاجرين". قال: قلنا: يا رسولَ الله، ومَن فُقراءُ المهاجرين؟ قال: "الشُّعْثُ رُؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا يَنكِحون المُتَنعِّماتِ، ولا تُفتَحُ لهم أبوابُ السُّدَد، الذين يُعْطُون الحقَّ الذي عليهم، ولا يُعْطَوْنَ كلَّ الذي لهم" (١). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: حدَّثنا سعيدٌ، وهشامُ بنُ أبي عبدِ الله الدَّسْتُوائيُّ، عن قَتادة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ الغَطَفانيِّ، عن مَعْدانَ بنِ أبي طَلْحَة اليَعْمَرِيِّ، عن ثَوْبانَ مولى رسولِ الله ﷺ ، عن رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، أنّه قال: "إنِّي لبِعُقْرِ الحَوْضِ (٢) يومَ القيامةِ أذُودُ الناسَ عنه لأهل اليَمَن، أضْرِبُهم بعَصايَ حتّى يرفَضَّ عليهم (٣) ". قال: فسُئِل رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - عن عَرْضِه، فقال: "مِن مقامي

стр. 1033

هذا إلى عمّان". وسُئِل عن شرابِه، فقال: "أشَدُّ بَياضًا منَ اللَّبَن، وأحْلى منَ العَسَل، يصُبُّ فيه مِيزابانِ يَمُدَّانِه منَ الجَنّة؛ أحدُهما ذهبٌ، والآخَرُ وَرِقٌ" (١). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ بُنْدار، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا شُعبةُ وأبو عَوانَة، عن قَتادةَ، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن مَعْدانَ بنِ أبي طَلْحة، عن ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، عن رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، أنه قال: "إنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضي أذُودُ عنه لأهلِ اليَمَنِ بعَصايَ". فذكرَ مثلَه سواءً إلى آخرِه (٢). وزاد فيه همّامٌ عن قتادةَ بإسنادِه هذا، فذكَر: "آنِيتُه مثلُ عَددِ نُجوم السَّماء، مَن شرِب منه لم يَظْمَأْ أبدًا" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثني أبي (٤)، قال: حدَّثنا جرير (٥)، عن الأعمش، عن عَمْرِو بن مُرَّة، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن ثَوْبان، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "تَرِدُون علَيَّ الحَوْضَ فتَجدُونَني أذُودُ لأهْل اليَمَنِ بعَصايَ حتّى ارْفَضَّ عنهم". قالوا: يا رسولَ الله،

стр. 1034

ما عرْضُه؟ فقال: "ما بينَ مَقامي إلى عمّان". قالوا: فما شرابُه؟ قال: "أبْرَدُ منَ الثَّلْج، وأحْلَى منَ العَسَل، وأشَدُّ بياضًا منَ اللَّبَن، يَصُبُّ فيه مِيزابانِ منَ الجَنّة؛ مِيزابٌ من ذهب، ومِيزابٌ من فضّة، ومَن شرِب منه شَربَةً، لم يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، فادعُوا اللهَ أنْ يجعَلكم من وارِدِيه" (١). قال أحمدُ بنُ زُهير: كذا يقولُ الأعمشُ في أحاديث سالم: عن ثَوْبانَ. وقتادةُ يُدخِلُ بينَ سالم وثَوْبانَ مَعْدانَ بنَ أبي طلحة. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ المعروفُ بعَبْدُوس، قال: حدَّثنا سلّامُ بنُ سُليمانَ الثَّقفيُّ المدائنيُّ، قال: حدَّثنا سُويْدُ بنُ عبدِ العزيز، عن ثابتِ بنِ عَجْلان، قال: سمعتُ فلانًا يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، فقال له عُمرُ: حدِّثني بحديثِ ثَوْبان. فقال: نعَم، سمِعتُ ثَوْبانَ يقول: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "حَوْضي ما بين عَدَنَ إلى أيْلَة، فيه منَ الآنيةِ بعَددِ نُجوم السَّماء، أحْلَى منَ العَسَل، وأطيَبُ رِيحًا من المسْك، وأبيضُ منَ اللَّبَن، مَن شَرِبَ منه شرْبةً، لم يَظْمَأ بعدَها أبدًا، وأولُ من يَرِدُ عليه الشُّعثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذينَ لا تُفتَحُ لهم السُّدَدُ" (٢). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليٍّ الأُشنانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن زِبْريق، قال: حدَّثني عَمْرُو بنُ الحارث، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سالم الأشْعريُّ، قال: حدَّثنا الزُّبَيْديُّ (٣)،

стр. 1035

قال: أخبرني محمدُ بنُ مُسلم الزُّهريُّ، عن محمدِ بنِ عليِّ بنِ حُسَين (١)، عن عُبيدِ الله بنِ أبي رافع، قال: كان أبو هريرةَ يُحدِّثُ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "يَرِدُ علَيَّ يومَ القيامَةِ رَهْطٌ مِن أصحابي فيُحَلَّؤون عن الحَوْض، فأقول: يا ربِّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا عِلْمَ لك بما أحْدَثُوا بعدَك؛ ارتدُّوا بعدَك على أدبارِهمُ القَهْقَرَى" (٢). أمّا قولُه: "فيُحَلَّؤونَ عن الحَوْض"؛ أي: يُحْبَسُونَ ويُمْنَعُون عنه. تقولُ العربُ: حَلَّأتُ الإبلَ، أي: حبَسْتُها عن وِرْدِها؛ قال الشاعرُ: وقبلَ ذاك مرةً حَلَّأتُها ... تكلَؤُني كمثلِ ما كلأْتُها وبإسنادِه عن الزُّبَيديِّ، قال: حدَّثنا لُقمانُ بنُ عامر، عن سُوَيْدِ بنِ جبلَة، عن العِرْباضِ بنِ سارية، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لتَزْدَحِمَنَّ هذه الأُمَّةُ على الحَوْضِ ازْدحامَ إبلٍ وَرَدَتْ لشِرْبِها" (٣).

стр. 1036

قال أبو عُمر: اختلفَ أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه في هذا الحديث؛ فرواه الزُّبَيديُّ واسمُه محمدُ بنُ الوليد، عن ابنِ شهاب، عن محمدِ بنِ عليٍّ، عن ابنِ أبي رافع، عن أبي هريرة. ورواه شُعيبُ بنُ أبي حَمْزة، عن الزُّهريِّ، قال: كان أبو هريرةَ يُحدِّثُ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - بمثل حديثِ الزُّبَيديِّ سواءً ومعناه (١). ورواه (٢) عُقيلٌ، عن ابنِ شهاب، أنَّ سعيدَ بنَ المُسيِّب كان يُحدِّثُ عن أصحابِ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، قال: "يَرِدُ علَيَّ الحَوْضَ رِجالٌ من أصحابي، فيُحلَّؤون عن الحَوْض، فأقول: يا ربِّ، أصحابي. فيقول: إنَّك لا عِلمَ لك بما أحدثُوا بعدَك، إنَّهم ارْتَدُّوا على أدبارِهم القَهْقَرَى" (٣). ورواه يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شِهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هُريرةَ، أنّه كان يُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَرِدُ علَيَّ الحَوْضَ يومَ القيامَةِ رَهْطٌ من أصحابي فيُحَلَّئون عن الحَوْض". مثلَ حديثِ الزُّبَيْديِّ، هكذا حدَّث به عن يونُسَ أحمدُ بنُ سعيدٍ الحَبَطيُّ، عن أبيه، عن يونُس (٤). ورواه أحمدُ بنُ صالح، عن ابنِ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شهاب، عن

стр. 1037

سعيدِ بنِ المُسيِّب، أنّه كان يُحدِّثُ عن أصحابِ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يَرِدُ علَيَّ الحَوْضَ رجالٌ من أصحابي" مثلَه بمعناه (١). وروَى سعيدُ بنُ عُفَيْر، عن ابنِ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهاب، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ قَدْرَ حَوْضي كما بينَ أيْلَةَ وصَنْعاءَ، وإنَّ فيه مِن الأبارِيقِ عددَ نُجُوم السَّماء". وذكَره البخاريُّ (٢) عن سعيدِ بنِ عُفَيْر. وحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنْباع رَوْحُ بنُ الفَرَج، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيْر، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني ابنُ مُسافر، عن ابنِ شِهاب، عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ قَدْرَ حَوْضي ما بينَ أيْلَةَ إلى صَنْعاء، وإنَّ فيه مِن الأبارِيقِ كعَددِ نُجُوم السَّماء" (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا مَسْلَمةُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا جعفَرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ حبيب، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ (٤)، قال:

стр. 1038

حدَّثنا عَمْرُو بنُ ثابت، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عَقيل، عن حَمْزةَ بنِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن أبيه، قال: خَطَب رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -، فقال: "ما بالُ أقوام يزْعُمُون أنَّ رَحِمي لا تنفَعُ، والذي نفسي بيَدِه، إنَّ رَحِمي لَموْصُولَةٌ في الدُّنيا والآخِرَة، وإنِّي فَرَطُكم على الحَوْض أيُّها الناسُ، ألا وسَيَجيءُ أقوامٌ يومَ القِيامَةِ فيقولُ القائل منهم: يا رسولَ الله، أنا فلانُ بنُ فلان. فأقول: أمّا النَّسَبُ فقد عرَفْتُ، ولكنكم ارْتَدَدْتم ورجَعتم القَهْقَرى". ورواه شريكٌ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عَقِيل، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، وحَمْزةُ بنُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنّه قال: "يَزْعُمُونَ أنَّ قرابَتي ورَحِمي لا تنفَعُ، والله إنَّ رَحِمي لَموْصولةٌ في الدُّنيا والآخِرَة". ثم قال: "أيُّها الناسُ، أنا فَرَطُكم على الحَوْضِ يومَ القيامة، ولَيُرْفَعَنَّ لي قومٌ ممّن صَحِبني، ولَيُمَرَّنَّ بهم ذاتَ اليسار، فينادي الرجلُ: يا محمدُ، أنا فلانُ بنُ فلان. ويقولُ آخر: يا محمدُ، أنا فلانُ بنُ فلان. فأقول: أمّا النَّسَبُ فقد عرفتُه ولكنَّكم أحدَثْتُم بعدِي، وارْتَدَدْتُم على أعقابِكم القَهْقَرى". قيل لشَريك: يا أبا عبدِ الله، عَلَامَ حمَلْتُم هذا الحديثَ؟ قال: على أهل الرِّدَّة. رواه أبو قُتيبَة (١)، وعبدُ الرحمن بنُ شَريك، عن شَريك. وذكَره الطبريُّ، فقال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ شَبيبٍ المُكتِبُ،

стр. 1039

قال: حدَّثنا شَريكٌ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عَقيل، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: فذكَره (١). قال الحَسَنُ بنُ شَبِيب: قال أخي لشَرِيك: يا أبا عبدِ الله، عَلَامَ حمَلْتُم هذا الحديث؟ قال: على أهل الرِّدَّةِ يا أبا شيْبَة. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير ومحمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ سالم أبو جعفرٍ الصّائغُ بمكّة، في المسجدِ الحرام، واللَّفظُ له، قالا: حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيل النَّهديُّ أبو غسان، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الله القُمِّيُّ الأشْعَريُّ، عن حَفْصِ بنِ حُمَيْد، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عبّاس، عن عُمرَ بنِ الخطابِ ﵁، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "إنّي مُمْسِكٌ بحُجَزِكم: هَلُمَّ عن النار. وتَغْلِبونني، تَقاحَمون فيها تقاحُمَ الفَراشِ والجنادِب، وأُوشِكُ أنْ أُرْسِلَ حُجَزَكم وأُفرِطَ لكم على الحَوْض وترِدون عليَّ معًا وأشتاتًا، فأعْرِفُكم بأسمائِكم وسِيماكم كما يعرِفُ الرجلُ الغريبةَ في إبلِه، فيُؤخَذُ بكم ذاتَ الشِّمال، وأُناشِدُ فيكم ربَّ العالمين: أيْ ربِّ، رَهْطي، أي ربِّ، أُمَّتي. فيقال: إنّك لا تَدْرِي ما أحْدَثوا بعدَك، إنهم كانوا يَمشُون بعدَك القَهْقَرَى" (٢). قال أحمدُ بنُ زُهير: سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يقول: يَعقوبُ القُمِّيُّ صالحُ الحديث.

стр. 1040

قال أبو عُمر: وحَفصُ بنُ حُميدٍ ثِقةٌ (١) كوفيٌّ، وغيرُهما في هذا الإسنادِ أشهرُ من أن يُحتاجَ إلى ذِكْرِهم. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ؛ قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال (٢): حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَد، عن محمدِ بنِ جعفر، قال: حدَّثَني أبو حازم، قال: سمعتُ سهلَ بنَ سعدٍ يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أنا فرَطُكم على الحَوْض، مَن وَرَد علَيَّ شرِب، ومَن شرِب لم يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، ألا لَيرِدَنَّ علَيَّ أقوامٌ أعرِفُهم وَيعْرِفُوني، ثمّ يُحالُ بيني وبيْنَهم". أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (٣)، قال: حدَّثنا يحيى، قال: أخبرنا شُعبةُ، قال: أخبرنا معبَدُ بنُ خالد، قال: سمعتُ حارثةَ بنَ وَهْبٍ الخُزاعيَّ، قال: قال

стр. 1041

رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما بينَ ناحيتَيْ حَوْضي ما بينَ المدينةِ وعمّان". فقال له المُستَورِدُ: سمعتَ منه شيئًا غيرَها؟ قال: نعم، "آنِيَتُه بعددِ نُجُومِ السَّماء" (١). ومن حديثِ شُعبةَ أيضًا، عن عبدِ الملك، قال: سمعتُ جُندُبًا قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم على الحَوْض". ذكره البخاريُّ (٢) عن عَبدانَ، عن أبيه، عن شُعبة. وأخبرنا عُبيدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حَبيب، عن أبي الخَيْر، عن عقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ يومًا، فصَلّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميِّت، ثم انصَرَف إلى المنبر، فقال: "إنِّي فرَطٌ لكم، وأنا شَهيدٌ عَليكم، وإنِّي لأنْظُرُ إلى حَوْضي الآن، وإنِّي قدْ أُعْطِيتُ مَفاتيحَ خَزائنِ الأرض، أو مفاتيحَ الأرض، وإنِّي ما أخافُ عليكم أن تُشرِكوا بعدي، ولكنِّي أخافُ عليكم أن تتنافَسوا فيها" (٣).

стр. 1042

وذكَر البخاريُّ (١) عن عَمْرِو بنِ خالد، عن اللَّيثِ بإسنادِه مثلَه، حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه. وحدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال (٢): حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا شَبابةُ، عن ليثِ بنِ سَعْد، فذكَر بإسنادِه مثلَه سواءً حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه. أخبرنا خلفُ بنُ القاسم وعبدُ الرحمن بنُ مَرْوان، قالا: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكيْر، قال: حدَّثنا يحيى بنُ صالح الأيْليُّ، عن المُثنَّى بنِ الصَّبّاح، عن عطاء (٣)، عن ابنِ عبّاس، عن كَعْب بنِ عُجْرَة، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "تَعَوَّذوا بالله من إمارةِ السُّفهاء". قالوا: يا رسولَ الله، وما إمارةُ السُّفهاء؟ قال: "سيَكُونُ بعدِي أُمَراءُ؛ فمَن دخَل عليهم دُورَهم، وصَدَّقهم بكَذِبهم، وأعانَهُم على ظُلْمِهم، فليسَ منِّي ولستُ منه، ولا يَرِدُ علَيَّ حَوْضي، ومَنْ لم يَدخُلْ عليهم دُورَهم، ولم يُصَدِّقْهم بكَذِبهم، ولم يُعِنْهم على ظُلْمِهم، فهو منِّي وأنا منه، وسيردُ علَيَّ حَوْضي، يا كعبُ، لا يَدخُلُ الجَنَّةَ لحمٌ نبَت من سحْت، النّارُ أوْلى به، يا كعبُ، النّاسُ غاديانِ، فمُبْتاعٌ نفسَه فمُعتِقُها، أو بائِعٌ نفسَه فمُوبِقُها، يا كعبُ، الصَّلاةُ بُرْهانٌ، والصِّيامُ جُنّةٌ، والصَّدقةُ تُطْفِئُ الخَطِيئةَ كما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ". قال أبو عمر (٤): المُثنَّى بنُ الصَّبَّاح ضعيفُ الحديث، لا حُجّةَ في نَقْلِه، ولكنَّ صَدرَ هذا الحديثِ قد رُوِيَ عن كَعبِ بنِ عُجْرَةَ من غير طريقِ المُثنَّى، والحمدُ لله.

стр. 1043

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن سُفيان، قال: حدَّثني أبو حَصِين، عن الشَّعبيِّ، عن عاصم العَدَويِّ، عن كَعْب بنِ عُجْرَة، قال: خرَج علينا رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أو دخَل - ونحنُ تِسعَةٌ وبينَنا وسادَةٌ من أَدَم، فقال: "إنه سيكونُ من بَعدِي أُمَراءُ يكذِبُون ويَظلِمون، فمَن دخَل عليهم فصَدَّقَهم بكذِبِهم، وأعانَهم على ظُلمِهم، فليسَ منِّي ولستُ منه، وليسَ يَرِدُ علَيَّ الحَوْضَ، ومَن لم يُصَدِّقْهم بكذِبِهم، ولم يُعِنْهم على ظُلمِهم، فهو منِّي وأنا منه، وهو واردٌ علَيَّ الحَوْض". وروَى ابنُ عمرَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - مثلَه (٢). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عمرَ البَجليُّ وابنُ

стр. 1044

أبي العَقِبِ (١) جميعًا، قالا: حدَّثنا أبو زُرْعَة (٢)، قال: حدَّثنا أبو مُسهِر (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمزة، قال: حدَّثثا يزيدُ بنُ أبى مريم، أنَّ أبا عبيدِ الله (٤) حدَّثَه عن أمِّ الدَّرْداء، قالت: قال أبو الدرداء: قال رسولُ الله ﷺ : "أنا فَرَطُكم على الحَوْض، فلا أُلْفِيَنَّ ما نُوزِعْتُ أحَدَكم، فأقول: هذا منِّي. فيقال: إنّك لا تَدْري ما أحْدَث بعدَك". قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ ألا يجْعَلَني منهم. قال: "لستَ منهم" (٥). وروى ابنُ المبارَكِ وغيرُه، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن قيسِ بنِ أبي حازم، عن الصُّنابحيِّ (٦)، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم على الحَوْض، وإنِّي مُكاثِرٌ بكُمُ الأُمَمَ، فلا تَقْتَتِلُنَّ بعدِي" (٧).

стр. 1045

ومن حديثِ سَلْمان، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أوَّلُكم وُرُودًا علَيَّ الحَوْضَ أوَّلُكم إسلامًا؛ عليُّ بنُ أبي طالب". ورواه الثوريُّ، عن سلمةَ بنِ كُهيل، عن حبَّةَ العُرَنيِّ، عن عُلَيم الكِنديِّ، عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: أوَّلُ هذه الأُمَّةِ وُرُودًا على نَبيِّها ﷺ ، أوَّلُها إسلامًا؛ عليُّ بنُ أبي طالب. ورواه عبدُ الرَّزّاق، عن الثوريِّ، فاختُلِفَ عليه فيه؛ فمنهم من رواه عنه، عنِ الثَّوريِّ، عن سلمةَ بنِ كُهيل، عن أبي صادق، عن عُلَيم، عن سلْمان (١). ومنهم مَن رواه عنه كما ذكَرْنا. ورواه يحيى بنُ هاشم، عن الثَّوريِّ، عن سلمةَ، عن أبي صادق، عن حَنَش، عن عُلَيم، عن سَلْمان. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال (٢): حدَّثنا يحيى بن هشام، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهيْل، عن أبي صادق، عن حَنَشِ بنِ المُعتمِر، عن عُلَيم الكِنديِّ، عن سَلْمانَ الفارسيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أوَّلُكم وارِدًا علَيَّ الحَوْضَ أوَّلُكم إسلامًا؛ عليُّ بنُ أبي طالب".

стр. 1046

وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليٍّ الأُشْنانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفَر النُّفيْليُّ، قال: حدَّثنا مِسْكينٌ (١)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن هشام بنِ زيد، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّكم ستَلْقَون بَعدِي أثرَةً، فاصبِروا حتى تَلْقَوْني؛ فإنّ موعدَكم الحَوْض" (٢). وذكَر أبو الرَّبيع سُليمانُ بنُ داودَ الرِّشدِينيُّ، ابنُ أخي (٣) رِشْدينِ بنِ سَعْد، في كتابِ الجنائزِ الكَبير من "موطّأ ابنِ وَهْب"، ولم يَرْوِه عنِ ابنِ وَهْب غيرُه فيما عَلِمتُ؛ قال: أخبَرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عبدُ الله بنُ عُمر، ومالكُ بنُ أنس، والليثُ بنُ سعد، ويونسُ بنُ يريدَ، وجريرُ بنُ حازم، عن نافع، أنَّ عبدَ الله بنَ عُمرَ كانَ إذا صلَّى على الجنازةِ يقول: اللَّهمَّ باركْ فيه، واغْفِر له، وصَلِّ عليه، وأوْرِده حوضَ رسولِك (٤). حدَّثنا خلَفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو النُّعمان (٥)، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا إنَّ أمامَكُم حَوْضًا ما بينَ ناحِيَتيْه كما بينَ جَرْبَا وأذْرُحَ" (٦).

стр. 1047

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "أمامَكُم حوض كما بينَ جَرْبَا وأذْرُحَ" (١). حدَّثنا أبو عُثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسرَّة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَيُّون، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٣): حدَّثنا مَعمَرٌ، عن مَطَرٍ الوَرّاق، عن عبدِ الله بنِ بُريدَة، عن أبي سَبْرَة، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ألا وإنَّ لي حَوْضًا" وإنَّ فيه منَ

стр. 1048

الأبارِيقِ مثلَ الكَواكب، هو أشدُّ بياضًا منَ اللَّبن، وأحْلى منَ العَسَل، مَن شرِب منه لم يَظْمَأْ بعدَها أبدًا" (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا حُسَينٌ المُعلِّمُ، عن عبدِ الله بنِ بُريدَة، عن أبي سَبْرَةَ الهُذَليُّ؛ في حديثٍ طويلٍ ذكَره، سمع عبدَ الله بنَ عَمْرو بنِ العاص، قال: حدَّثني رسولُ الله ﷺ ، قال: "إنَّ موعدَكُم حَوْضي؛ عَرضُه مثلُ طُولِه، هو أبعَدُ ما بينَ أيلَةَ إلى مكة، فذاكَ مَسِيرةُ شَهْر، فيه أمثالُ الكواكبِ أباريقُ، أشدُّ بياضًا من الفِضّة، مَن ورَدَه فشرِب منه لم يَظْمَأْ أبدًا". فقال عُبيدُ الله بنُ زياد: ما حُدِّثْتُ عنِ الحَوْض بحديثٍ أثبتَ من هذا، أنا أشهَدُ أنَّه حقٌّ (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٣)، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٤): حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثني نافعُ بنُ عُمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكة، قال: قال عبدُ الله بنُ عَمْرو، قال النبيُّ ﷺ :

стр. 1049

"حَوْضي مَسيرَةُ شهر؛ ماؤُه أبيضُ منَ اللَّبَن، وريحُه أطيَبُ منَ المِسك، وكَيزانُهُ كنُجُوم السَّماء، مَن شَرِبَ منه فلا يَظْمَأُ أبدًا". قال (١): وحدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثني محمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثني أبو حازم، عن سهلِ بنِ سعد، قال: قال النبيُّ ﷺ : "إنِّي فَرَطُكم على الحَوْض، مَن مَرَّ علَيَّ شرِب، ومَن شرِب لم يَظْمَأْ أبدًا، لَيرِدَنَّ علَيَّ أقوامٌ أعْرِفُهم ويعرِفُونني، ثم يُحالُ بيني وبينَهم". قال أبو حازم (٢): فسَمِعَني النُّعمانُ بنُ أبي عيّاش، فقال: أهكذا سَمِعتَ من سهَل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهدُ على أبي سعيدٍ الخُدريِّ، سمعتُه وهو يَزيدُ فيها: "فأقول: إنَّهم منِّي. فيقال: إنّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بعدَكَ. فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمَنْ غيَّرَ بعْدِي". قال البخاريُّ (٣): وحدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، عن نافع بنِ عُمر، عنِ ابنِ أبي مُلَيكَة، أنّه حدَّثَه عن أسماءَ ابنَةِ أبي بكر، قالت: قال النبيُّ ﷺ : "إنِّي على الحَوْضِ حتى أنْظُرَ مَن يَرِدُ علَيَّ منكم، وسيُؤخَذُ أُناسٌ دُوني، فأقول: يا ربِّ، منِّي ومنْ أُمَّتي! فيقال: هل شَعَرْتَ ما عَمِلوا بعدَكَ؟ والله ما برِحوا يَرجِعُون على أعْقابِهم". فكان ابنُ أبي مُلَيكَة يقول: اللَّهُمَّ إنّا نعوذُ بكَ أنْ نَرجعَ على أعقابِنا، أو نُفْتَنَ في ديننا. وحدَّثنا سعيدُ بنُ سيدٍ وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عبدِ الله الزُّبَيديُّ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ حُمَيدٍ في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ قتيبة الرِّفاعيُّ، قال: حدّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبى الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "بَرُّوا آباءَكم يَبرَّكُم أبناؤُكم، وعِفُّوا تَعِفَّ نساؤُكم،

стр. 1050

ومَن تُنُصِّلَ إليه (١) فلم يقْبَلْ لم يَرِدْ علَيَّ الحَوْضَ" (٢). وهذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالك، ولا أصلَ له عندي في حديث مالك. واللهُ أعلم. حدَّثنا أبو القاسم عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ مالك، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحَسَن بنِ سُليمانَ القَطِيعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ بنِ أسْوارٍ اليمانيُّ أبو حُمَة، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ موسى بنُ طارق، عن ابنِ جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، سمِعه يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم بينَ أيدِيكم، فإن لم تَجِدوني فأنا على الحَوْضِ ما بينَ أيْلَةَ إلى مكَة" (٣). قال أبو عُمر: تواتُرُ الآثارِ عن النبيِّ ﷺ في الحَوْض حَمَل أهلَ السُّنّةِ والحقِّ - وهم الجماعة - على الإيمانِ والتَّصديقِ به، وكذلك الآثارُ في الشَّفاعةِ وعَذابِ القَبر، أعاذنا اللهُ وعصَمنا، والحمدُ لله ربِّ العالمين (٤).

стр. 1051

باب الدال داودُ (١) بنُ الحُصَين أبو سُليمانَ مولى عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ عثمان، كذا قال مصعبٌ الزُّبيريُّ. وقال ابنُ إسحاق: داودُ بنُ الحُصَينِ مولى عَمْرو بنِ عثمانَ، مدنيٌّ جائزُ الحديث. وقال يحيى بنُ معين: داودُ بن الحُصين ثقةٌ (٢). قال مالك ﵀: كان لأنْ يَخِرَّ من السماءِ أحبَّ إليه من أن يَكذبَ في الحديث؛ قال ذلك فيه وفي ثورِ بنِ زيد، وكانا جميعًا يُنسَبان إلى القَدَر وإلى مذهبِ الخوارج ولم يُنسب إلى واحدٍ منهما كذب، وقد احتُملا في الحديث، وروى عنهما الثقات الأئمّة. قال مُصعب (٣): كان داودُ بنُ الحُصين يؤدِّب بني داودَ بنِ عليّ مَقدَمَ داودَ بنِ عليٍّ المدينة، وكان فصيحًا عالمًا، وكان يُتَّهم برأي الخوارج. قال: وماتَ عِكْرِمةُ عندَ داودَ بنِ الحُصين، كان مختفيًا عنده، وكان عِكْرِمةُ يُتَّهم برأي الخوارج. وتوفِّي داودُ بنُ الحُصينِ بالمدينة سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئة، وهو ابنُ اثنتينِ وسبعين سنة. لمالكٍ عن داودَ من مرفوعِ حديثِ الموطّأ أربعةُ أحاديث، منها ثلاثةٌ متّصلةٌ وواحدٌ مرسلٌ.

стр. 1052

حديثٌ أولُ لداودَ بنِ الحُصَيْن مالكٌ (١)، عن داودَ بنِ الحُصَين، عن أبي سُفيانَ مولى ابنِ أبي أحمد، أنَّه قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ العَصر، فسلَّمَ في رَكْعتَين، فقامَ ذو اليَدَين، فقال: أقَصرَتِ الصلاةُ يا رسولَ الله أم نَسِيتَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "كلُّ ذلك لم يكنْ". فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسولَ الله. فأقبلَ رسولُ الله ﷺ على الناس فقال: "أصدَق ذو اليَدَين؟ " فقالوا: نعم. فقامَ رسولُ الله ﷺ فأتَمَّ ما بقيَ من الصلاة، ثم سجَد سجدتَين بعدَ التسليم وهو جالسٌ. هكذا في "كتاب يحيى" عن مالكٍ في هذا الحديث: صلَّى رسولُ الله ﷺ . ولم يقل: لنا. وقال ابنُ القاسم (٢) وغيرُه في هذا الحديثِ بهذه الإسنادِ عن أبي هريرة: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ العَصر. قرأتُ على عبدِ الرَّحمن بنِ يحيى، أنَّ الحَسَنَ بنَ الخَضِر حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٣): أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيد، عن مالك، عن داودَ بنِ الحُصَين، عن أبي سُفيانَ مولى ابنِ أبي أحمد، قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ العَصر. وذكَر الحديث.

стр. 1053

وكذلك رواه أكثرُ الرواة لـ"الموطّأ"، ومنهم من يقول: صلَّى بنا (١). وقد تقدَّم القولُ في معنى حديثِ أبي هريرةَ في قصة ذي اليَدين بما فيه كفايةٌ في باب أيوبَ من كتابنا هذا (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادَتِه هاهنا. وأمّا قولُه هاهنا في هذا الحديث: "كلُّ ذلك لم يكن"؛ يعني أنَّ القَصْرَ والسَّهوَ لم يجتَمِعا؛ لأنَّه ﵇ قد كان مُتيقِّنًا أنّ الصَّلاةَ لم تَقْصُرْ، وإنما الذي شَكَّ فيه السَّهوُ لا غيرُ، ويدُلُّ على ذلك قولهُم له: قد كان بعضُ ذلك يا رسولَ الله. ويجوزُ أن يكونَ قولُه: "كلُّ ذلك لم يكن": في عِلمي؛ أي: لم أسْهُ في عِلْمي، ولا قَصُرتِ الصلاةُ. ولا يجوزُ أن يقال: ولا قَصُرَتِ الصلاةُ في عِلْمي؛ لأنَّه كان يعلَمُ أنَّ الصلاةَ لم تَقْصُر.

стр. 1054

حديث ثانٍ لداودَ بنِ الحُصَيْن متَّصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، عن أبى سُفيانَ مولى ابنِ أبي أحمد، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن المُزابَنةِ والمُحاقَلَة. والمُزابَنة: اشْتراءُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ في رؤوس النَّخل، والمُحاقَلة: كراءُ الأرض بالحِنْطة. قد جاء في هذا الحديثِ مع جَوْدَةِ إسنادِه تفسيرُ المُزابنةِ والمُحاقَلَة، وأقلُّ أحوالِه إن لم يكُن التَفسيرُ مرفوعًا، فهو من قَوْلِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وقد أجمَعوا أنَّ مَن روى شيئًا وعُلِمَ مَخرجُه سُلِّم له تأويلُه؛ لأنه فهِم مَخرَجَ القَوْل فيه، فهو أعلمُ به. وقد جاءَ عن عبدِ الله بنِ عُمرَ وجابرِ بنِ عبدِ الله في تفسير المُزابَنةِ نحوُ ذلك. روَى ابنُ جُرَيْج، قال: أخبَرني موسى بنُ عقبة، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن المُزابَنة. قال عبدُ الله بنُ عمر: والمُزابَنةُ أن يَبيعَ الرَّجلُ ثَمَرَ حائطِه بتَمْرٍ كيلًا إن كانت نَخْلًا، أو زَبِيبًا إن كانت كَرْمًا، أو حِنطَةً إن كانت زَرعًا (٢). قال أبو عمر (٣): هذا أبينُ شيءٍ وأوضحُه في ذلك. وروَى حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عَمْرو بن دينار، أنَّ ابنَ عُمرَ سُئِل عن رجل باعَ ثَمرَ أرضِه من رجل بمئةِ فَرَقٍ يكيلُ له منها. فقال ابنُ عُمر: نَهى رسولُ الله ﷺ عن هذا، وهو المُزابَنة (٤).

стр. 1055

وروَى (١) ابنُ عُيَيْنة، عن ابنِ جُرَيْج، عن عطاء (٢)، عن جابر، قال: المُزابَنةُ أن يبيعَ الثَّمَرَ في رؤوسِ النَّخل بمئةِ فَرَقٍ تمرًا (٣). فهؤلاء ثلاثةٌ من الصَّحابة قد فَسَّروا المُزابَنةَ بما تَراه، ولا مُخالِفَ لهم عَلِمْتُه، بل قد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ ذلك مُزابَنةٌ. وكذلك أجمعوا على أنَّ كلَّ ما لا يجوزُ إلّا مِثْلًا بمِثْل، أنّه لا يجوزُ منه كيلٌ بجُزاف، ولا جُزافٌ بجُزاف؛ لأنَّ في ذلك جَهلَ المساواة، ولا يُؤمَنُ مع ذلك التَّفاضُلُ، ولم يختلِفُوا أن بيعَ الكَرْم بالزَّبيب، والرُّطَبِ بالتَّمرِ المُعلَّقِ في رؤوسِ النَّخل، والزَّرع بالحِنْطَة، مُزابَنةٌ، إلّا أنّ بعضَهم قد سَمَّى بيعَ الحِنْطةِ بالزَّرْع مُحاقلةً أيضًا. وسنذكرُ مذاهِبَهم في المحاقَلَةِ ومعانِيَهم فيها بعدَ الفراغ من القولِ في معنى المُزابنةِ عندَهم، في هذا الباب إن شاء الله. أمّا مالكٌ ﵀، فمذهبُه في المُزابنةِ أنَّها بيعُ كلِّ مجهول بمعلوم من صنفِ ذلك، كائنًا ما كان، سواءٌ كان مما يجوزُ فيه التَّفاضُلُ أم لا؛ لأنَّ ذلك يصيرُ إلى باب المُخاطَرةِ والقِمار، وذلك داخلٌ عندَه في معنى المُزابَنة. وفَسَّرَ

стр. 1056

المُزابَنة في "الموطأ" (١) تفسيرًا يوقَفُ به على المرادِ من مَذهَبِه في ذلك، وبيَّنه بيانًا شافيًا يُغني عن القول فيه، فقال: كلُّ شيءٍ من الجُزاف لا يُعلمُ (٢) كَيلُه ولا وَزنُه ولا عدَدُه، فلا يجوزُ ابتياعُه بشيءٍ منَ الكَيْلِ أو الوَزْنِ أو العَدَد. يعني من صِنفِه. ثم شرَحَ ذلك بكلام معناه: كرجل قال لرجل له تمرٌ في رؤوسِ شَجَرِه، أو صُبرَةٌ من طعام أو غيره؛ من نَوًى، أو عُصْفُر (٣)، أو بِزْرِ كَتّان، أو حَبِّ بان (٤)، أو زَيتُون، أو نحو ذلك: أنا آخُذُ زَيتونَك بكذا وكذا ربُعًا أو رِطلًا من زَيتٍ أعصِرُها، فما نقَص فعَليَّ، وما زاد فلي. وكذلك حَبُّ البانِ أو السِّمْسِم بكذا وكذا رِطْلًا من البانِ أو دُهنِ الجُلجُلان، أو كَرْمَكَ بكذا وكذا من الزَّبيبِ كيلًا معلومًا، ما زادَ فلي، وما نقص فعليَّ. وكذلك صُبَرُ العُصفُرِ أو الطعام وما أشبهَ هذا كلَّه. قال مالكٌ: فليسَ هذا ببيع، ولكنَّه من المخاطَرَةِ والغررِ والقمار، فيَضمَنُ له ما سُمِّيَ منَ الكَيلِ أو الوزنِ أو العددِ على أنَّ له ما زاد، وعليه ما نَقص، فهذا غَرَرٌ ومُخاطَرَة. وعندَ مالكٍ أنّه كما لم يَجُزْ أن يقولَ له: أنا أضمَنُ لك من كَرْمِكَ كذا وكذا منَ الزَّبيب معلومًا، ومن زَيتونِكَ كذا وكذا من الزيتِ مَعْلومًا، ومن صُبرَتِك في القُطنِ أو العُصفُرِ أو الطعام كذا وكذا وَزنًا أو كَيلًا معلومًا. فكذلك

стр. 1057

لا يجوزُ أن يشتريَ شيئًا من ذلك كلِّه مجهولًا بمعلوم من صِنفِه، ممّا يجوزُ فيه التفاضُلُ وممّا لا يجوزُ. وقد نصَّ (١) على أنه لا يجوزُ بيعُ الزيتونِ بالزيت، ولا الجُلجُلانِ بدُهنِ الجُلجُلان (٢)، ولا الزُّبدِ بالسَّمن، قال: لأنَّ المُزابَنةَ تدخُلُه. ومن المُزابَنةِ عندَه بيعُ اللحم بالحيَوان من صنفِه (٣)، ولو قال رجلٌ لآخَر: أنا أضمَنُ لكَ من جَزُورِكَ هذه أو من شاتِكَ هذه كذا وكذا رِطْلًا؛ ما زادَ فلي، وما نَاقصَ فعليَّ. كان ذلك مُزابَنة، فلمّا لم يُجزْ ذلك، لم يُجزْ أن يَشتروا الجَزُورَ ولا الشاةَ بلَحْم؛ لأنهم يَصيرُون عندَه إلى ذلك المعنى. وسنذكُرُ ما للعلماءِ في بيع اللّحم بالحيوانِ في باب زيدِ بنِ أسلمَ (٤) إن شاء الله. وقال إسماعيلُ بنُ إسحاق: لو أنَّ رجلًا قال لصاحب البان: اعصِرْ حَبَّكَ هذا، فما نقَصَ من مئةِ رِطلٍ فعليَّ، وما زاد فلي. فقال له: إنَّ هذا لا يَصلُحُ. فقال: أنا أشتري منك هذا الحَبَّ بكذا وكذا رِطلًا من البان؛ لدخَلَ في المُزابَنة؛ لأنّه قد صار إلى معناها إذا كان البانُ الذي اشتَرى به حَبَّ البانِ قد قامَ مقامًا لم يكنْ يجوزُ له من الضَّمانِ الذي ضَمِنَه في عَصرِ البان. قال إسماعيلُ: ولو أنَّ صاحبَ البانِ اشتَرى معلومًا بمعلوم من البان مُتفاضِلًا، لجازَ عندَ مالك؛ لأنه اشتَرى شيئًا عرَفه بشيءٍ قد عرفَه، فخرَج من بابِ القِمار.

стр. 1058

قال أبو الفَرَج (١): وكذلك السِّمْسِمُ بدُهنِه إذا كانا معلومَين، فإن كان معلومًا بمجهول لم يجُزْ. وقد اختلَف قولُ مالك في غَزْلِ الكَتّانِ بثوبِ الكَتّان، وغزلِ الصُّوفِ بثوبِ الصُّوف، وتحصيلُ مذهَبِه أنَّ ذلك يجوزُ نقدًا إذا كان ذلك معلُومًا بمعلُوم (٢). وقال أبو الفَرَج: إذا أُريد بابتياع شيءٍ من المجهول الانتفاعُ به لوَقتِه، وكان ذلك ممّا جَرَت به العادة، جازَ بيعُه، كلَبَنِ الحَليبِ بالمخِيض إذا أُريد بالحليبِ وقتُه، وكالقَصِيل (٣) بالشَّعيرِ إذا أُريد قطْعُ القَصِيل لوقتِه، وكالتَّمرِ بالبَلَح إذا جُدَّ البَلَحُ لوَقتِه، لا بأسَ بذلك كلِّه. قال: وكذلك لا بأسَ ببيع ما خرَجَ عن أنْ يكونَ مَضمُونًا من المَجْهول، كدُهْنِ البانِ المُطَيَّبِ بحَبِّه، وكالشَّعير بالقَصِيل الذي لا يكونُ منه شعير. واختلَفَ قولُ مالك في النَّوَى بالتَّمْر، فيما ذكَر ابنُ القاسم (٤)؛ فمَرَّة كَرِهَه وجعَلَه مُزابَنة، وقال في موضع آخر: لا بأسَ بذلك. قال ابنُ القاسم: لانه ليس بطعام. قال أبو الفَرَج: ظَنَّ ابنُ القاسم أنه ليسَ من باب المُزابَنةِ فاعْتلَّ أنه ليس بطَعام، والمنعُ منه أشبَهُ بقولِه.

стр. 1059

قال أبو عُمر: لم يختلِفْ قولُ مالكٍ أنه لا يجوزُ شراءُ السِّمْسِم أو الزَّيتونِ على أنَّ على البائع عصرَه؛ قال مالك (١): لأنه إنّما اشتَرى منه ما يَخرُجُ من زَيته ودُهْنِه. وأجازَ بيعَ القمح على أنَّ على البائع طَحْنَه (٢). قال ابنُ القاسم (٣): قال لي مالك: فيه مغمزٌ وأرجو أن يكونَ خفيفًا. وقال إسماعيل: كأنَّ مالكًا كان عندَه ما يخرُجُ من القمح معلومًا لا يتفاوتُ إلّا قريبًا؛ فأخرَجَه من باب المُزابَنة، وجعَلَه من باب بيع وإجارة، كمَنِ ابتاعَ من رَجل ثوبًا على أن يَخيطَه له. قال أبو عُمر: قد أوْرَدْنا من أصُول مَذْهَبِ مالكٍ في المُزابَنةِ ما يُوقَفُ به على المُرادِ والبُغْيَة، واللهُ أعلم. وأما الشّافعيُّ فقال (٤): جِماعُ المُزابَنةِ أن يُنظرَ كلُّ ما عُقِدَ بَيْعُه وفي الفَضْل في بَعضِه ببعض يدًا بيدٍ ربًا، فلا يجوزُ منه شيءٌ يُعرَفُ كَيْلُه بشيءٍ منه جُزافًا، ولا جُزافًا بجُزافٍ من صِنْفِه. وأمّا أن يقول: أضمنُ لكَ صُبْرَتَك هذه بعشْرين صاعًا؛ فما زادَ فلي، وما نَقصَ فعليَّ تمامُها. فهذا من القِمارِ والمُخاطَرَة، وليسَ من المُزابَنة. قال أبو عُمر: ما قدَّمناه عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وابنِ عُمر، وجابرٍ في تفسيرِ المُزابَنة يَشهَدُ لِمَا قالَه الشَّافعيُّ، وهو الذي تدُلُّ عليه الآثارُ المرفوعةُ في ذلك.

стр. 1060

ويشهدُ لقول مالك، واللهُ أعلم، أصلُ معنى المُزابَنة في اللُّغة؛ لأنه لفظٌ مأخوذٌ من الزَّبْن، وهو المُقامَرَةُ والدَّفعُ والمُغالبةُ، وهي معنى القِمارِ والزِّيادةِ والنُّقصانِ أيضًا، حتى لقد قالَ بعضُ أهل اللُّغة: إنَّ القَمرَ مُشْتَقٌّ من القِمارِ؛ لزِيادَتِه ونُقصَانِه. فالمُزابَنةُ والقِمارُ والمُخاطَرَةُ شيءٌ مُتداخلٌ حتى يُشبِهَ أن يكونَ أصلُ اشتِقاقِها واحدًا، والله أعلم؛ تقولُ العرب: حَرْبٌ زَبونٌ؛ أي: ذاتُ دَفْع وقِمارٍ ومُغالبَة. وقال أبو الغُولِ الطُّهَويُّ: فوارِسَ لا يَمَلُّونَ المَنايَا ... إذا دارَتْ رَحى الحَرْبِ الزَّبُونِ (١) وقال لقيطُ بنُ يَعمَرَ الإياديُّ (٢): عَبْلَ الذِّراعِ أبِيًّا ذا مُزابَنَةٍ ... في الحَرْبِ يَخْتَتِلُ الرَّئبالَ والسَّبُعا وقال معاويةُ (٣): ومُسْتَعْجِبٍ ممّا رأى من أناتِنَا ... ولو زَبَنَتْه الحَرْبُ لم يَتَرَمْرَمِ

стр. 1061

وروَى مالكٌ (١)، عن داودَ بنِ الحُصَيْن، أنّه سَمعَ سعيدَ بنَ المُسيِّب يقول: كانَ من مَيْسرِ أهل الجاهليةِ بَيعُ اللَّحم بالشَّاةِ والشَّاتَيْن. فأخبرَ سعيدُ بنُ المُسيِّب أنَّ ذلك مَيْسِر، والمَيْسِرُ القِمارُ، فدخلَ في معنى المُزابَنة. قال أبو عُمر (٢): من أحسنِ ما رُويَ في تفسيرِ المُزابنةِ وأرفعِه ما ذكرناه ممّا رواهُ حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن ابنِ عمر. قال أبو عُمر: فهذا جليلٌ من الصَّحابةِ قد فسَّرَ المُزابَنةَ بنحوِ ما فسَّرَها مالكٌ في "مُوَطَّئِه" سواء. فأمّا المُحاقَلَةُ فللعلماءِ فيها ثلاثةُ أقوال؛ منهم مَن قال: معناها ما جاء في هذا الحديثِ من كِراءِ الأرض بالحِنْطَة. قالوا: وفي معنى كِراءِ الأرضِ بالحِنْطَةِ في تأويل هذا الحديث، كراؤُها بجَميع أنواع الطَّعام على اختلافِ أنواعِه. قالوا: فلا يجوزُ كِراءُ الأرضِ بشيءٍ من الطَّعام، سواءٌ كان ممّا يخرُجُ منها وُيزْرَع فيها، أو من غيرِ ذلك من سائرِ صُنُوفِ الطَّعام المَأكول كلِّه والمَشرُوب، نحوِ العَسَل والزَّيْت والسَّمْن، وما أشبَه ذلك من كلِّ ما يُؤكلُ وُيشربُ، لأنَّ ذلك عندَهم في معنى بَيع الطَّعام بالطَّعام نَساءً، وكذلك لا يجوزُ كِراءُ الأرضِ عندَهم بشيءٍ ممّا يخرُجُ منها وإن لم يكنْ طَعامًا مأكُولًا ولا مَشرُوبًا سِوَى الخَشَبِ والقَصَبِ والحَطَب؛ لأنه عندَهم في معنى المُزابَنة، وأصلُه عندَهم النَّهيُ عن كِراءِ الأرضِ بالحِنْطَة. هذا هو المحفوظُ عن مالكٍ وأصحابه (٣). وقد ذكَر ابنُ سُحْنونٍ عن المُغير بنِ عبدِ الرحمنِ المَخزُوميِّ المَدَنيِّ، أنه لا بأسَ بكراءِ الأرضِ بطعام لا يخرُجُ منها.

стр. 1062

وروَى يحيى بنُ عُمرَ عن المُغيرة، أن ذلك لا يجوزُ، كقول سائرِ أصحابِ مالك. وممّن قال بالجملةِ التي قَدَّمنا عن مالكٍ وأصحابِه: ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب، وأشْهَب، ومُطَرِّفٌ، وابنُ الماجِشُون، وابنُ عبدِ الحَكَم، وأصْبغُ، كلُّهم يقولون: لا تُكْرَى الأرضُ بشيءٍ مما يخرُجُ منها؛ أُكِلَ أو لم يُؤكلْ، ولا بشيءٍ ممّا يُؤكلُ ويُشربُ؛ خرَجَ منها أو لم يخرُجْ منها (١). وذكرَ ابنُ حبيبٍ أنَّ ابنَ كِنانةَ كانَ يقول: لا تُكْرَى الأرضُ بشيءٍ إذا أُعِيدَ فيها نَبَتَ، ولا بأسَ أن تُكْرَى بما سِوَى ذلك من جميع الأشياء؛ ممّا يُؤكَلُ ومما لا يُؤكَلُ، خرَجَ منها أو لم يخرُجْ منها. قال: وكان ابنُ نافع يقول: لا بأسَ أن تُكرَى الأرضُ بكُلِّ شيءٍ من طعام وغيرِه؛ خرَج منها أو لم يخرُجْ منها ما عَدا الحِنطَةَ وأخواتِها؛ فإنَّها المُحاقلةُ (٢). وأجمعَ مالكٌ وأصحابُه كلُّهم أنَّ الأرضَ لا يجوزُ كراؤُها على بعضِ ما يخرُجُ منها ممّا يُزْرعُ فيها، ثُلُثًا كان أو رُبْعًا أو جزءًا ما كان؛ لأنه غَررٌ ومُحاقلةٌ، وقد نَهى عن ذلك كُلِّه رسولُ الله ﷺ . وقال جماعةٌ من أهل العلم: معنَى المُحاقَلة: دفعُ الأرض على الثُّلثِ والرُّبُع وعلى جُزءٍ ممّا يخرُجُ منها. قالوا: وهي المُخابرةُ أيضًا، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يُعطيَ أرضَه على جُزءٍ مما يخرُجُ منها؛ لنَهي رسولِ الله ﷺ

стр. 1063

عن ذلك، ولأنّه مَجْهول، ولا يجوزُ الكِراءُ، إلّا بشيءٍ معلوم. قالوا: وكِراءُ الأرضِ بالذَّهَبِ والوَرِقِ وبالعروضِ كلِّها؛ الطّعام وغيرِه ممّا يَنبتُ في الأرضِ وممّا لا يَنبُتُ فيها جائزٌ؛ كما يجوزُ كِراءُ المنازل، وإجارَةُ العبيد. هذا كلُّه قولُ الشافعيِّ ومَن تابعَه (١)، وهو قولُ أبي حنيفة (٢)، وداود، وإليه ذهبَ محمدُ بنُ عبدِ الحكم (٣). وقال آخرون: المحاقَلةُ بيعُ الزَّرع في سُنبلِه بعدَ أن يشتدَّ ويَستَحصِدَ (٤) بالحنطة. ذكر الشافعيُّ (٥)، عن سعيدِ بنِ سالم (٦)، عن ابنِ جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: ما المُحاقلةُ؟ قال: المُحاقَلةُ في الحَرْثِ كهَيئةِ المُزابَنةِ في النَّخل سواءً، وهو بيعُ الزرع بالقمح. قال ابنُ جريج: قلتُ لعطاء: فسَّرَ لكم جابرٌ المحاقلَةَ كما أخبرتَني؟ قال: نعم. قال أبو عُمر: وكذلك فَسَّرَ المُحاقَلةَ سعيدُ بنُ المسيِّب في حَديثه المُرْسَلِ في "الموطأ" (٧)، إلّا أنّ سعيدَ بنَ المُسيِّب جَمَع في تأويل الحديثِ الوَجهَين جميعًا، فقال: والمُحاقَلةُ اشتِراءُ الزَّرع بالحِنطَة، واستِكراءُ الأرض بالحِنْطَة.

стр. 1064

وإلى هذا التَّفسير في المُحاقَلة؛ أنَّه بَيعُ الزَّرع في سُنبلِه بالحِنطةِ دونَ ما عَداه، ذهبَ اللَّيثُ بنُ سعد، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والحَسَنُ بنُ حيٍّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ. وهو قولُ ابنِ عُمر، وطاووس. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل (١). وكلُّ هؤلاءِ لا يَرونَ بأسًا أن يُعطيَ الرَّجلُ أرضَه على جُزءٍ ممّا تُخرِجُه نحوَ الثُّلُثِ والرُّبُع؛ لأنَّ المُحاقَلةَ عندَهم في مَعْنى المُزابَنة، وأنَّها في بيعِ الثَّمَرِ بالتَّمر، والحِنْطة بالزَّرع. قالوا: ولمّا اختُلفَ في المُحاقَلةِ كان أولى ما قيل في معناها ما تأوَّلناه من بَيع الزَّرع بالحِنْطة. واحتَجُّوا على صِحَّةِ ما تأوَّلوه وذهَبوا إليه من إجازةِ كراءِ الأرضِ ببعض ما يخرُجُ منها، بقصَّةِ خَيبرَ، وأنَّ رسولَ الله ﷺ عامَلَ أهلَها على شَطْر ما تُخرِجُه أرضُهم وثمارُهم (٢). وقد قال أحمدُ بنُ حنبل (٣): حديث رافع بنِ خَديج في النَّهْي عن كِراءِ المَزارع مُضطَرِبُ الألفاظِ ولا يَصِحُّ، والقولُ بقصة خيبر أوْلى. واحتَجَّ بعضُ مَن لم يُجِزْ كراءَ الأرض ببعض ما يخرُجُ منها أنَّ قصةَ خيبرَ منسوخَة بنهي رسولِ الله ﷺ عن المُخابَرة؛ لأنَّ لفظَ المُخابرةِ مأخوذٌ من خَيبر؛

стр. 1065

وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ لمّا عامَلَ أهلَ خيبرَ على ما ذكَرنا قيل: خابرَ رسولُ الله ﷺ أهلَ خَيبر؛ أي: عامَلَهم في أرضِ خَيبر. وقال الشافعيُّ في قول ابنِ عُمر: كنا نُخابِرُ ولا نَرى بذلك بأسًا حتى أخبَرَنا رافعُ بنُ خَديج أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنها؛ أي: كنا نُكري الأرضَ ببعض ما يخرُجُ منها. قال: وفي ذلك نَسخٌ لسُنّة خَيبر. قال: وابنُ عُمرَ روَى قصةَ خَيبر، وعَمِلَ بها حتى بلَغَه أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى بعدَ ذلك عنها. قال أبو عُمر: أما المُحاقلةُ فمأخوذةٌ عندَ أهل اللغة من الحَقْل: وهي الأرضُ البيضاءُ المَزْروعةُ، تقول له العرب: القَراحُ والحَقْلُ. يقال: حاقَل فلانٌ فلانًا: إذا زارَعَهُ، كما يقال: خاضَرَهُ: إذا بايَعه شيئًا أخضَرَ. وقد نَهى رسولُ الله ﷺ عن المُخاضَرة (١): وهي بيعُ الثمارِ قبل أن يبدوَ صلاحُها. وكذلك يقال: حاقَل فلانٌ فلانًا: إذا بايَعه زَرْعًا بحِنْطة، وحاقَلَه أيضًا: إذا أكرَى منه الأرض ببعض ما يخرُجُ منها، كما يقال: زارَعَه: إذا عامَله في زَرْع. وهذا يكونُ من اثنين في أمرين مختلفَين، مثلَ بيع الزَّرْع بالحِنْطة، واكتراءِ الأرض بالحِنْطة، لأنك لا تستطيعُ أن تشتقَّ من الاسمين جميعًا اسمًا واحدًا للمُفاعلة، وإن اشتقَقْتَ من أحدِهما للمفاعلةِ لم يُستَدلَّ على الآخر، فلم يكنْ بدّ من الاثنين. هذا كلُّه قولُ ابنِ قتيبةَ (٢) وغيره.

стр. 1066

وأمّا المُخابرةُ، فقال قوم: اشتقاقُها من خَيْبر. على ما قدَّمنا ذكرَه. وقال آخرون: هي مُشتقَّةٌ من الخِبَر، والخِبَرُ: حَرْثُ الأرض وعملُها. وزعَم من تأوَّلَ في المُخابرةِ هذا التأويلَ أنَّ لفظَ المُخابرةِ كان قبلَ خيبر، ولا دليلَ على ما ادَّعَى من ذلك، واللهُ أعلم. حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ نُصَيْر، وخَلَفُ بنُ أحمد، وعبدُ الرحمن بنُ يحيى، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ مَرْزوق (١)، قال: حدَّثثا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوب، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن المُحاقَلة، والمُزابَنة، والمُخابرة، والمُعاوَمَة، وهي بيعُ السِّنين. قال: والمُخابرةُ أن يدفعَ الرجلُ أرضَه بالثُّلُثِ والرُّبُع (٢). قال أبو عُمر: المخابرَةُ عندَ جمهورِ أهل العلم على ما في هذا الحديثِ من كراءِ الأرضِ بجُزءٍ ممّا تُخرِجُه، وهي المُزارعةُ عندَ جميعِهم. فكلُّ حديثٍ يأتي

стр. 1067

فيه النَّهيُ عن المُزارعة، أو ذكرُ المُخابرة، فالمرادُ به دفعُ الأرض على الثُّلُث والرُّبُع، واللهُ أعلم، فقِفْ على ذلك واعرِفْه. وسيأتي القولُ مُستوعَبًا في كِراءِ الأرضِ بما للعلماءِ في ذلك من الأقاويل، وما روَوا في ذلك من الآثار، مُمَهَّدًا في باب رَبيعةَ (١) في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. والبيعُ في المُزابَنة إذا وقَع؛ كتَمرٍ بِيعَ برُطَب، أو زبيبٍ بِيعَ بعنَب، وكذلك المُحاقَلة؛ كزرع بِيعَ بحِنْطة، صُبرَةً أو كَيلًا معلومًا، أو ثمرٍ بِيعَ في رؤوس النَّخْل جُزافًا بكيل من التَّمرِ معلوم، فهذا كلُّه إذا وقَع فُسِخ إن أُدْرِك قبل القبضِ أو بعدَه، فإن قُبِض وفات رجَع صاحبُ التَّمرِ بمَكيلَةِ تَمرِه وحسَبَه على صاحبِ الرُّطَب، ورجعَ صاحبُ الرُّطَب على صاحبِ التَّمرِ بقيمةِ رُطبِه يومَ قبضَه بالغًا ما بلَغَ. وكذلك يرجعُ صاحبُ النخل وصاحبُ الزَّرْع بقيمَةِ تَمْرِه وقيمَةِ زَرْعِه على صاحبِ المَكِيلَةِ يومَ قَبَضَ ذلك بالغًا ما بلَغَ، ويرجعُ صاحبُ المَكيلَةِ بمَكيلَتِه في مثل صفةِ ما قبَضَ منه. قال أبو عُمر: كلُّ مَن ذكَرنا في هذا الباب من العلماءِ على اختلافِ مذاهبهم، مَن كَرِه المزارَعَة منهم ومَن أجازَها، كلُّهم متَّفِقون على جَوازِ المساقاةِ في النَّخْل والعِنَب، إلا أبا حنيفةَ وزُفَرَ، فإنَّهما كَرِهاها، وزَعَما أنَّ ذلك منسوخ بالنهي عن المُخابرة، وخالفَ أبا حنيفةَ أصحابُه وغيرُهم إلّا زُفَر (٢). وسيأتي ذكرُ المساقاةِ في بابِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب إن شاء الله تعالى (٣).
следующие страницы →