← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 993–1032 · переход к 998.

стр. 993

يُعَدَّ ذلك مَعَدَّ لِباسِ القَلَنسُوة. وكذلك مَن تردَّى بإزارٍ وجَلَّلَ به بدَنَه، لم يُحْكَمْ له بحُكْم لِباسِ المخيط. وفي هذا دَليلٌ على أنَّه إنّما نُهِيَ عن إلباسِ الرَّأسِ القَلَنْسُوَةَ في حال الإحْرام اللِّباسَ المعهود، وعن لباسِ الرجل القَميصَ اللَّباسَ المعهود، وعُلِمَ أنَّ النَّهيَ إنَّما وَقَعَ في ذلك وقُصِدَ به إلى مَن قَصَدَ وتَعَمَّدَ فِعْلَ ما نُهِيَ عنه من اللِّباسِ في حال إحْرامِه اللِّباسَ المعهودَ في حال إحْلالِه، فخَرجَ بما ذكَرْنا ما أصابَ الرأسَ من القميصِ المَنْزوع. هذا ما يُوجبُه النَّظرُ إن شاء الله. وأما قوله: "وافْعَلْ في عُمْرَتِك ما تَفعَلُ في حَجِّك". فكلامٌ خرجَ على لفظِ العُموم والمُرادُ به الخُصوص. وقد تبَيَّنَ ذلك في سِياقَةِ ابنِ عُيَيْنة له عن عَمْرو بنِ دينار، حيث قال: فقال له النبيُّ ﷺ : "ما كنتَ تَصنَعُ في حَجِّك؟ " قال: كنتُ أنزعُ هذه - يعني الجُبّة - وأغْسِلُ هذا الخَلُوق. فقال النبيُّ ﷺ : "ما كُنتَ صانِعًا في حَجِّك، فاصْنَعْه في عُمْرَتِك". أي: من هذا الذي ذكَرْتَ من نَزْع القَميص، وغَسْل الطِّيب. فخرَج كلامُه ﷺ في حديثِ مالك وما كان مثلَه على جواب السائل فيما قصَدَه بالسُّؤال عنه. وهذا إجماعٌ من العلماء، أنَّه لا يَصْنَعُ المعتَمِرُ عَملَ الحجِّ كلَّه، وإنَّما عليه أن يُتِمَّ عَملَ عُمْرَتِه، وذلك: الطَّوافُ، والسَّعْيُ، والحِلاقُ، والسُّننُ كلّها. والإجماعُ يَدُلُّك على أنَّ قولَه في هذا الحديث: "وافْعَلْ في عُمْرَتِك ما تَفْعَلُ في حَجِّك" كلامٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه لَفظُ عُموم أُرِيدَ به الخُصُوص على ما وَصَفْنا من الاقتِصارِ به على جوابِ السَّائل في مُرادِه، وبالله التوفيق (١).

стр. 994

حديثٌ رابعٌ لحُمَيْد بن قيس مُنْقَطع مالكٌ (١)، عن حُمَيْد بنِ قَيْس المكِّيّ، أنَّه قال: دُخِل على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - بابنَي جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضِنَتِهما: "ما لي أراهما ضارِعَين؟ ". فقالت حاضنتُهما: يا رسولَ الله، إنّه تُسرعُ إليهما العينُ، ولم يَمْنعْنا أن نَسترقيَ لهما إلا أنّا لا نَدْري ما يُوافقُك من ذلك. فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "استَرْقوا لهما؛ فإنّه لو سبَق شيءٌ القدرَ لسبَقتْه العيِنُ". هكذا جاء هذا الحديثُ في "الموطّأ" عندَ جميع الرُّواة فيما علِمتُ (٢). وذكَره ابنُ وَهْب في "جامعه" فقال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، عن حُمَيْد بنِ قيس، عن عِكْرِمةَ بنِ خالد، قال: دُخِل على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَه سواء. وهو معَ هذا كلِّه مُنْقطعٌ، ولكنّه محفوظٌ لأسماءَ بنتِ عُمَيْس الخَثْعَميّة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - من وجوهٍ ثابتةٍ متّصلةٍ صِحَاح (٣). وهي أمُّهما، وقد يجوزُ، واللهُ أعلم، أن تكونَ مع ذلك حاضنتَهما المذكورةَ في حديثِ مالك هذا (٤). وكانت أسماءُ بنتُ عميسٍ رحمها اللهُ تحت جعفرِ بنِ أبي طالب، وهاجَرتْ معه إلى الحبشة، وولَدت له هناك عبدَ الله بنَ جعفر، ومحمدَ بنَ جعفر، وعونَ بنَ جعفر، وهلَك عنها جعفرُ بنُ أبي طالب ﵁، قُتِل يومَ مؤتةَ بمؤتةَ من أرض الرُّوم، فخلَف عليها بعدَه أبو بكرٍ الصِّدِّيق، فولَدت له محمدَ بنَ أبي بكر بالبَيْداء،

стр. 995

أو بذي الحُليفة، على ما رُوِيَ من اختلافِ ألفاظِ ذلك الحديث، عامَ حَجَّة الوداع، فأمَرها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أن تغتسِلَ، ثم لتُهِلَّ (١). ثم توفِّي أبو بكرٍ ﵁، فخلَف عليها بعدَه عليُّ بنُ أبي طالب، فولَدت له يحيى بنَ عليّ، وقد ذكَرنا خبرَها مُستوعَبًا في كتاب النِّساءِ من كتابِنا في "الصحابة" (٢). وجائزٌ أن تكونَ حاضنتُهما غيرَها، وقد رُوِيتْ قصةُ أسماءَ بنتِ عميسٍ في ابنَي جعفرِ بنِ أبي طالب والاستِرْقاءِ لهما من حديثها، ومن حديثِ جابرِ بنِ عبد الله (٣). وقولُه في الحديث: "ما لي أراهما ضارِعَين؟ ". يقول: ما لي أراهُما ضعيفَينِ ضئيلَينِ ناحِلَين؟ وللضَّرَع في اللغة وجوهٌ؛ منها الضعفُ، قال صاحبُ "العين" (٤): الضَّرَعُ: الصغيرُ الضعيفُ. قال: والضَّرَعُ والضَّراعةُ (٥) أيضًا: التَّذلُّلُ، يقال: قد ضَرَع يَضْرَعُ، وأضرَعتْه الحاجة.

стр. 996

وأما الحاضنُ فهو الذي يضمُّ الشيءَ إلى نفسِه ويستُرُه ويكنُفُه، وأصلُه من الحِضنِ والمحتضن، وهو ما دونَ الإبطِ إلى الكِشْح (١)، تقولُ العرب: الحمامةُ تحضنُ بيضَها. حدَّثني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عَمْرو - يعني ابنَ دينار - قال: أخبرني عُروةُ بنُ عامر، عن عُبيدِ بنِ رِفاعة، عن أسماءَ بنتِ عُميس، أنها قالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَي جعفرٍ تُصيبُهما العينُ، أفأَسْتَرْقي لهما؟ قال: "نعم، لو كان شيءٌ سابِقَ القدرِ لسبَقَتْهُ العينُ".

стр. 997

قال أبو عُمر: عُروة بن عامر رَوَى عن ابن عَبّاس وعُبيد بن رِفاعة، روى عنه عَمْرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت والقاسم بن أبي بزة، وله أخ يسمى عبيد الله بن عامر روى عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي نَجِيح، ولهما أخ ثالث أصغر منهما اسمه عبد الرحمن بن عامر روى عنه سُفيان بن عُيَيْنة، وهم مكيّون ثقات. أخبرني أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ (١) ببغداد، قال: حدَّثنا البَغَويُّ (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ أبي نَجِيح، عن ابنِ باباه (٣)، عن أسماءَ بنتِ عُميس، أنها قالت: يا رسولَ الله. فذكَر مثلَه سواء (٤). وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ غالبٍ التّمّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الرَّبيع بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بنِ مُسلم، قال: حدَّثنا حجّاج، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرنى عطاءٌ (٥)، عن أسماءَ بنتِ عُمَيس، أنَّ النبيَّ ﷺ نظَر إلى بنيها بني جعفر، فقال: "ما لي أرَى أجسامَهم ضارعةً؟ ". قالت: يا نبيَّ الله، إنَّ العينَ تُسرعُ إليهم (٦)، أفأرقِيهم؟ قال: "وبماذا؟ ". فعرَضَت عليه كلامًا ليسَ به بأسٌ، فقال: "ارقِيهم به" (٧).

стр. 998

وبه عن حجّاج، عن ابنِ جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أرخَصَ لبني عَمْرو بن حَزْم في رقيةِ الحُمَة (١). قال: وقال لأسماءَ بنتِ عميس: "ما شأنُ أجسام بني أخي ضارعةً؟ أتصيبُهم حاجةٌ؟ ". قالت: لا، ولكن تُسرعُ إليهم العينُ، أفأرقِيهم؟ قال: "وبماذا؟ ". فعرَضت عليه، فقال: "ارقِيهم" (٢). وحدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، أنّه سمعَ جابرَ بنَ عبد الله يقول: إنَّ النبيَّ ﷺ قال لأسماءَ بنتِ عُميس: "ما شأنُ أجسام بني أخي ضارعةً؟ ". فذكَر مثلَه سواء (٣). حدَّثنا (٤) خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسِّر (٥)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علي، قال: حدَثنا يحيى بنُ مَعِين، قال: حدَثنا حجّاجٌ (٦)، عن ابنِ جُرَيْج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن النبيَّ ﷺ قال لأسماءَ بنتِ عُميس: "ما لي أرى أجسامَ

стр. 999

بني أخي ضارعةً؟ أتُصيبُهم الحاجةُ؟ ". قالت: لا، ولكنَّ العينَ تُسرعُ إليهم، أفأرقِيهم؟ قال: "بماذا؟ ". فعرَضتْ عليه كلامًا لا بأسَ به. قال: "فارْقِيهم". وقد (١) ذكَرنا هذا الخبرَ وما جانسَه من الآثارِ المرفوعةِ في الرُّقَى في باب يحيى بنِ سعيد، عن سليمانَ بنِ يسار، والحمدُ لله وحده (٢). وفي هذا الحديث إباحةُ الرُّقَى للعين، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الرُّقَى ممّا يُسْتَدفعُ به أنواعٌ من البلاءِ إذا أذِنَ اللهُ في ذلك وقضَى به. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ العينَ تُسرعُ إلى قوم فوقَ إسراعِها إلى آخَرِينَ، وأنّها تؤثِّرُ في الإنسانِ بقضاءِ الله وقُدْرَته، وتُضرِعُه، في أشياءَ كثيرةٍ قد فهِمَته العامّةُ والخاصّةُ، فأغنى ذلك عن الكلام فيه. وإنّما يُسترقَى من العينِ إذا لم يُعرَفِ العائنُ، وأمّا إذا عُرِفَ الذي أصابَه بعينِه (٣)، فإنّه يُؤمرُ بالوضوءِ على حسَبِ ما يأتي ذكرُه وشرحُه وبيانُه في باب ابنِ شهاب، عن أبي أُمامة، من هذا الكتاب (٤)، ثم يُصبُّ ذلك الماءُ على المَعين، على حسَبِ ما فسَّره الزُّهريُّ ممّا قد ذكَرناه هنالك، فإن لم يُعرَفِ العائنُ استُرقيَ حينئذٍ للمَعين، فإنَّ الرُّقَى مما يُستشفَى به من العينِ وغيرها، وأسعدُ الناسِ بذلك مَن صحِبه اليقينُ، وما توفيقي إلّا بالله.

стр. 1000

وفي إباحةِ الرُّقَى إجازةُ أخذِ العِوَضِ عليه، لأنَّ كلَّ ما انتُفِع به جاز أخذُ البدل منه، ومَن احتسَب ولم يأخُذْ على ذلك شيئًا كان له الفضلُ. وفي قوله: "لو سبَق شيءٌ القَدَرَ لسبَقتْه العينُ" دليلٌ على أنَّ الصِّحةَ والسَّقمَ قد جفَّ بذلك كلِّه القلمُ، ولكنَّ النفسَ تَطيبُ بالتَّداوي، وتأنسُ بالعلاج، ولعلَّه يُوافقُ قدَرًا، وكما أنَّه مَن أُعطِيَ الدُّعاء وفُتِحَ عليه فلم يكَدْ يُحرَمُ الإجابة، كذلك الرُّقَى والتَّداوي، من أُلهِمَ شيئًا من ذلك وفعَله ربَّما كان ذلك سببًا لفرَجِه. ومنزلةُ الذين لا يكْتَوون، ولا يَسْتَرْقون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون، أرفعُ وأسنَى، ولا حرَجَ على من استرقَى وتداوَى (١). وقد ذكَرنا اختلافَ الناس في هذا الباب عندَ ذكرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابنا هذا، وبيَّنّا الحجَّةَ لكلِّ فريقٍ منهم (٢)، وبالله التوفيق. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المديني، قال: حدَّثنا سفيان (٣)، عن الزُّهريِّ، عن أبي خِزامة، عن أبيه، أنّه قال: يا رسولَ الله،

стр. 1001

أرأيتَ رُقًى نَسترقيها، وتُقًى نتَّقيها، وأدويةً نتداوَى بها، هل تردُّ من القدَر - أو: تُغني من القدر - شيئًا؟ فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "إنَّها مِن القَدَر" (١). قال إسماعيل (٢): ورواه يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن أبي خِزامةَ أحدِ بني الحارثِ بنِ سَعْد، عن أبيه، أنّه سأل رسولَ الله ﷺ مثلَه سواء (٣). هذا حدَّث به سُليمانُ بنُ بلال، عن يونُسَ.

стр. 1002

ورواه عثمانُ بنُ عُمر، عن يونسَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي خزامةَ، أنَّ الحارثَ بنَ سعدٍ أخبرَه، أنَّ أباه أخبرَه (١). قال إسماعيلُ: والصوابُ ما قاله سليمانُ، عن يونسَ. قال أبو عُمر: ورواه يزيدُ بنُ زُريع، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن أبي خزامةَ، عن أبيه (٢). كما قال ابنُ عُيَيْنة سواءً لم ينسُبْه. ورواه حمادُ بنُ سَلَمة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن رجل من بني سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ الله، أرأيتَ رُقًى نسترقيها؟ مثلَه سواء (٣)، لم يذكُرِ اسمَه ولا كنيتَه (٤). قال أبو عُمر: قد روَى ابنُ عبّاسٍ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - نحوَ حديثِ أسماءَ بنتِ عُميسٍ في هذا الباب؛ حدَّثناه خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز. وأخبرناهُ (٥) عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد (٦)، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ جامع، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا وهيبٌ، قال: حدَّثنا ابنُ طاووس، عن

стр. 1003

أبيه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "العينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ يسبِقُ القَدَرَ لسبَقته العينُ، وإذا استُغْسِلْتُم فاغسِلُوا" (١). قال أبو عُمر: قوله: "وإذا استُغْسِلْتُم فاغسِلُوا" (٢). يعني غُسْلَ العائنِ للمصابِ بالعين، وستَرى معنى ذلك مجوَّدًا إن شاءَ الله في كتابنا هذا، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهاب، عن أبي أمامة، بعونِ الله تعالى. أخبرنا عبدُ الرحمن (٣)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرَني سفيانُ الثوريُّ، عن منصور، عن المِنْهال، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عبّاس، قال: كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - يُعوِّذُ حَسَنًا وحُسينًا: "أُعيذُكما بكلماتِ الله التّامّة، من كلِّ شيطانٍ وهامّة، ومن كلِّ عَيْنٍ لامّةٍ". ثم يقول: "هكذا كان أبي إبراهيمُ (٤) يعوِّذُ إسماعيلَ وإسحاقَ" (٥).

стр. 1004

حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (١): أخبرني مُعاويةُ بنُ صالح، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جُبير بنِ نُفير، عن أبيه، عن عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ، قال: كنا نَرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسولَ الله، كيف ترَى في ذلك؟ فقال: "اعرِضُوا عليَّ رُقاكُم، لا بأسَ بالرُّقى ما لم يكنْ فيه (٢) شرك". قال أبو عُمر: وسيأتي للرُّقَى ذكرٌ في مواضعَ من هذا الدِّيوانِ على حَسَبِ تكرارِ أحاديثِ مالكٍ في ذلك، وفي كلِّ بابٍ منها نذكُرُ من الأثرِ ما ليسَ في غيره إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 1005

حديث خامس لحُمَيْد بنِ قيسٍ يَدْخُل في المرفوع بالدَّليل مالكٌ (١)، عن حُميدِ بن قَيْسٍ المكيِّ، عن طاووسٍ اليَمَانيّ، أنَّ معاذَ بنَ جَبَلٍ الأنصاريَّ أخَذ من ثلاثينَ بقرةً تَبِيعًا، ومن أربعينَ بقرةً مُسِنَّة، وأُتيَ بما دونَ ذلك، فأبى أن يأخذَ منه شيئًا، وقال: لم أسمعْ من رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - فيه شيئًا (٢)، حتى ألقاهُ فأسأله، فتُوفِّي رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - قبلَ أن يقدَمَ معاذُ بنُ جبل. هذا الحديثُ ظاهرُه الوقوفُ على مُعاذِ بنِ جَبَل من قوله، إلّا أنَّ في قوله أنّه لم يسمَعْ من النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - فيما دونَ الثلاثينَ والأربعينَ من البقر شيئًا - دليلًا واضحًا على أنّه قد سَمع منه ﷺ في الثلاثين والأربعين ما عَمِل به في ذلك، مع أنّه لا يكونُ مثلُه رأيًا وإنّما هو تَوقيفٌ ممّن أُمِر بأخذِ الزَّكاةِ من المؤمنين، يُطَهِّرُهم ويُزَكِّيهم بها ﷺ ، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ السُّنَّة في زكاةِ البقَرِ عن النبيِّ ﷺ وأصحابه ما قال مُعاذ؛ في ثلاثينَ بقرةً تَبيعٌ، وفي أربعينَ مُسِنَّة. والتَّبِيعُ والتَّبِيعَةُ في ذلك عندَهم سواء؛ قال الخليلُ (٣): التِّبِيعُ: العجلُ من وَلَدِ البقر. وحديثُ طاووسٍ عندَهم عن مُعاذٍ غيرُ متَّصِل، ويقولون: إنَّ طاووسًا لم يسمعْ من معاذٍ شيئًا. وقد رواه قومٌ عن طاووس، عن ابن عبّاس، عن مُعاذ، إلّا أنَّ الذين أرْسلوه أثبَتُ من الذين أسنَدُوه. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 1006

أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزارُ، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ (٢) بنِ شبُّويةَ المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا حيْوَةُ بنُ شُريْح بنِ يزيد، قال: حدَّثنا بَقِيّة، عن المَسْعوديِّ، عن الحَكَم، عن طاووس، عن ابنِ عبّاس، قال: لمَا بعَث رسولُ الله ﷺ مُعاذَ بنَ جبل إلى اليمن أمرَه أن يأخذَ من كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعًا أو تَبِيعَةً، جَذَعًا أو جَذَعةً، ومن كلِّ أربعين بقرةً مُسِنَّة، قالوا: فالأوقاصُ (٣)؟ قال: ما أُمِرْتُ فيها بشيء، وسأسْألُ رسولَ الله ﷺ إذا قَدِمتُ عليه. فلمّا قدِم على رسولِ الله ﷺ سأله، فقال: "ليس فيها شيءٌ" (٤). قال أبو عُمر: لم يُسنِدْه عن المَسْعوديِّ عن الحَكَم غيرُ بَقِيّة بنِ الوليد، وقد اختلفوا في الاحتجاج بما ينفردُ به بَقِيّة عن الثقات، وله رواياتٌ عن مجهولينَ لا يُعرَّجُ عليهم، وقد رواه الحَسَنُ بنُ عُمارَة، عن الحَكَم، عن طاووس، عن ابنِ عبّاس، عن مُعاذٍ (٥) كما رواه بَقِيّة، عن المسعوديِّ، عن الحَكَم. والحَسَنُ مُجتَمَع على ضعفِه.

стр. 1007

وقد رُوِيَ عن معاذٍ هذا الخبرُ بإسنادٍ متصلٍ صحيح ثابتٍ من غير روايةِ طاووس؛ ذكَرَه عبدُ الرَّزّاق (١)، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ والثَّوريُّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذِ بنِ جبل، قال: بعَثه النبيُّ ﷺ إلى اليمن، فأمرَه أن يأخُذَ من كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعًا أو تَبِيعَةً، ومن كلِّ أربعين مُسِنّةً، ومن كلِّ حالم دينارًا أو عَدْلَه مَعافِر (٢). وذكَر عبدُ الرَّزّاق (٣) أيضًا، عن مَعْمَرٍ والثَّوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصم بنِ ضَمْرَة، عن عليّ، قال: وفي البقرِ في كلِّ ثلاثين بقرةً تَبِيعٌ حَوْلِيٌّ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّة.

стр. 1008

وكذلك في كتاب النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - لعَمْرو بن حَزْم، وكذلك في كتاب الصَّدَقات لأبي بكرٍ وعُمر، وعلى ذلك مَضى جماعةُ الخلفاء، ولم يختلفْ في ذلك العُلماءُ إلّا شيءٌ رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، وأبي قِلابة، والزُّهريِّ، وقتادة (١)، ولو ثبَت عنهم لم يُلتفتْ إليه؛ لخلافِ الفقهاءِ له من أهل الرَّأي والأثرِ بالحجازِ والعراقِ والشام، وسائرِ أمصارِ المُسلمين إلى اليوم؛ للّذي جاءَ في ذلك عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - وأصحابه على ما في حديثِ مُعاذٍ هذا، وفيه ما يَردُّ قولَهم؛ لأنهم يُوجِبون في كلِّ خمسٍ من البقرِ شاةً إلى ثلاثين. واختلفَ الفقهاءُ في هذا الباب فيما زادَ على الأربعين؛ فذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، والثَّوريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، والطَّبريُّ، وجماعةُ أهل الفقهِ من أهل الرَّأي والحديثِ إلى أنْ لا شيءَ فيما زادَ على الأربعين من البقَر حتى تبلغَ ستِّين، فإذا بلَغَت ستِّين ففيها تَبِيعان إلى سبعين، فإذا بلَغَت سبعينَ ففيها مُسِنّةٌ وتَبِيع إلى ثمانين، فتكونُ فيها مُسِنَّتانِ إلى تِسعين، فيكونُ فيها ثلاثةُ تَبابِيعَ إلى مئةٍ فيكونُ فيها تَبِيعان ومُسِنَّة، ثم هكذا أبدًا؛ في كلِّ ثلاثينَ تَبِيعٌ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّة (٢). وبهذا كلِّه أيضًا قال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحَسَن (٣).

стр. 1009

وقال أبو حنيفة: ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك (١)، ويُعْتَبرُ (٢) ذلك على مذهبِه أن يكونَ في خمس وأربعين: مُسِنّةٌ وثمنٌ، وفي خمسين: مُسِنّةٌ وربعٌ (٣)، وعلى هذا كلُّ ما زاد، قلَّ أو كثُر. هذه الروايةُ المشهورةُ عن أبي حنيفة. وقد روَى أسدُ بنُ عَمْرو، عن أبي حنيفةَ مثلَ قول أبي يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعيّ، وسائرِ الفقهاء. وكان إبراهيمُ النَّخَعيُّ يقول: في ثلاثين بقرةً: تَبِيعٌ، وفي أربعين: مُسِنّةٌ، وفي خمسين: مُسِنّةٌ وربعٌ، وفي الستين: تَبِيعان. وكان الحَكَمُ وحَمّادٌ يقولان: إذا بلَغَت خمسين فبحسابِ ما زاد (٤). قال أبو عُمر: لا أقولُ في هذا الباب إلّا ما قاله مالكٌ ومن تابعَه، هم الجمهور، واللّه الموفِّق للصواب. وذكَر عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن ابنِ جُرَيْج، قال: أخبرني عَمْرُو بنُ دينار أن طاووسًا أخبرَه أنَّ معاذًا قال: لستُ آخُذُ في أُوقاصِ البقَرِ شيئًا حتى آتيَ رسولَ الله ﷺ ؛ فإن رسولَ الله ﷺ لم يأمُرْني فيها بشيء. قال ابن جُرَيْج: وقال عَمْرو بنُ شُعيب: إنَّ معاذَ بنَ جبل لم يزلْ بالجَنَدِ منذُ بعثَه النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ حتى ماتَ النبيُّ ﷺ ، وأبو بكر، ثم قدِم على عُمرَ، فرَدَّه على ما كان (٦) عليه (٧).

стр. 1010

قال أبو عُمر: الجَنَدُ من اليمنِ (١) وهو بلدُ طاووس، وتوفِّي طاووسٌ سنةَ ستٍّ ومئة (٢)، وتوفِّي معاذ سنةَ خمسَ عشْرة، أو أربعَ عشْرةَ في طاعونِ عَمَواسَ بالشام. وقيل (٣): سنةَ ثماني عشْرة. وهو الصحيح. وهو قولُ جمهورِهم في طاعونِ عَمَواسَ أنه سنةَ ثمانِ عشْرة، وفي طاعونِ عَمَواسَ ماتَ معاذ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، ويزيدُ بنُ أبي سفيان، وقد ذكَرْنا خبرَه ووفاتَه في كتاب "الصحابة" (٤)، والحمدُ لله على ذلك كثيرًا.

стр. 1011

باب الخاء خُبَيْب (١) بن عبد الرحمن رجلٌ من الأنصار، مدنيٌّ ثقةٌ. وهو خُبيبُ بن عبد الرحمن بن خُبيبِ بنِ يسافِ بنِ عُتبةَ بن عَمْرو بن خَدِيج بن عامر بن جُشَم بنِ الحارثِ الأنصاري، يُكنَى خُبيبٌ شيخُ مالك هذا أبا محمد، وقيل: يكنى أبا الحارث، لمالك عنه من مسندات الموطأ حديثان مُتّصلان.

стр. 1012

حديثٌ أول لخُبَيْب بنِ عبد الرحمن متَّصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن خُبيب بنِ عبدِ الرحمن الأنصاريِّ، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أَو عن أبي هُريرة، أنه قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه (٢) يومَ لا ظلَّ إلا ظلّه؛ إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأ في عبادةِ الله، ورجلٌ قلبُه معَلَّقٌ بالمَسْجدِ إذا خرَج منه حتّى يعودَ إليه، ورجُلانِ تحابّا في الله، اجتمَعا على ذلك وتفرَّقا، ورجلٌ ذكَر الله خاليًا ففاضَتْ عيناه، ورجلٌ دَعَتْه ذاتُ حَسَبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخافُ الله، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتّى لا تعلَمَ شمالُه ما تُنفِقُ يمينُه". هكذا في روايةِ يحيى وأكثر رُواة "الموطأ" في هذا الحديث: "إمامٌ عادلٌ" (٣). وقد رواه بعضُهم: "عَدْلٌ" (٤). وهو المختارُ عندَ أهل اللغة (٥)، يقال: رجلٌ عَدْلٌ، ورجالٌ عَدْلٌ، وامرأةٌ عَدْلٌ. وكذلك رِضًا سواءً. قال زُهَيرٌ:

стр. 1013

فهُمْ رِضًا وهُمُ عَدْلُ (١) ويجوزُ عادِلٌ على اسم الفاعل، يقال: عَدَلَ فهو عادِلٌ. كما يقال: ضرَب فهو ضارِبٌ. إلا أنَّ للعادل في اللغة معانيَ مختلفةً؛ منها العادل (٢) عن الحقِّ، ومنها الإشراكُ بالله ، وليس هذانِ المعنيانِ من هذا الحديثِ في شيء. ومن الشَّاهدِ على أنّه يقالُ لفاعل العَدْل: عادِلٌ، قولُ الشاعر: ومَن كان في إخْوانِه غيرَ عادِلٍ ... فما أحدٌ في العَدْلِ منه بطامِعِ (٣) حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ وأحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عَطيّة، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ القطّان، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا مالكٌ، عن خُبيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصِم، عن أبي سعيد، أو عن أبي هُريرة، أنّه قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ عادِلٌ"، وذكَر الحديث. ورَوَى هذا الحديثَ عن مالكٍ كلُّ مَن نقَل "الموطأ" عنه فيما عَلِمتُ على الشَّكِّ في أبي هريرةَ أو أبي سعيد، إلّا مُصْعَبًا الزُّبيريَّ (٤)، وأبا قُرَّةَ موسى بنَ طارق، فإنَّهما قالا فيه: عن مالك، عن خُبَيْب، عن حَفْص، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ جميعًا (٥)، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -.

стр. 1014

أخبرنا خَلَفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا المفَضَّلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زِياد، قال: حدَّثنا موسى بنُ طارق، قال: ذكَر مالكٌ، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصم، عن أبي هُريرةَ وأبي سعيدٍ الخدريِّ، قالا: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعة في ظِلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ عادِلٌ". فذكرَ الحديثَ سواءً كلفظِ يحيى (١). وحدَّثنا محمدٌ (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ (٣)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ الحربيُّ، قال: حدَّثنا مصعبٌ (٤)، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ وأبي سعيد، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "سبعة يُظِلُّهم اللهُ في ظلِّه"، ثم ذكَرَه. وكذلك رواه أبو معاذٍ البَلْخيُّ، عن مالك (٥). ورواه الوَقارُ عن ثلاثةٍ من أصحابِ مالك، عن مالك، عن خُبَيب، عن حَفْص، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ وحدَه، لم يَذكُرْ أبا هريرةَ على الجَمْع ولا على الشَّكّ. أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الحَسَن بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أبو محمد سعيدُ بنُ أحمدَ بنِ زكريا كاتبُ العُمَريِّ، قال: حدَّثنا زَكرِيّا بنُ يحيى الوَقارُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، وعبدُ الرحمن بنُ القاسم، ويوسفُ بنُ عَمْرو بنِ يَزيد،

стр. 1015

كلهم يقول: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، عن خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم بنِ عُمر، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقول: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعة يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّ عرشِه يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشَأ في عبادَةِ الله"، وساق الحديثَ إلى آخرِه، عن أبي سعيدٍ وحدَه (١). ولم يُتابَع الوَقارُ على ذلك عنهم، وإنَّما هو في "الموطأ" عنهم على الشَّكِّ في أبي هريرةَ أو أبي سعيدٍ الخُدريِّ. والحديثُ محفوظٌ لأبي هريرةَ بلا شَكٍّ من روايةِ خُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْصِ بنِ عاصم، عن أبي هُريرة (٢)، ومن غيرِ هذا الإسنادِ أيضًا (٣)، والذي رواه عن خُبَيْب، عن حَفْص، عن أبي هريرةَ من غير شَكٍّ؛ عُبيدُ الله بنُ عُمرَ بنِ حَفْص بن عاصِم بن عُمرَ بنِ الخطاب، وهو أحدُ أئمّةِ أهل الحديثِ الأثباتِ في الحفظِ والنَّقْل. رواه عن عُبَيدِ الله جماعَة؛ منهم حَمادُ بنُ زيد، وابنُ المبارك (٤)، ويحيى القَطّان (٥)، وأنسُ بنُ عِياض، كلُّهم رواه عنه كما وصَفْتُ لك.

стр. 1016

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، وأحمد بن فَتْح، وعبدُ الرحمن بنُ يحيى، قالوا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكِنانيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ حمّادِ بنِ فَضالةَ البَصْريُّ بالبَصْرةِ وعليُّ بنُ سعيدٍ الرَّازيُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ حِساب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثني خالي خُبَيْبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن جَدِّي حفصِ بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سبعةٌ في ظِلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ إمامٌ مُقتَصِدٌ، وشابٌّ نشَأ في عِبادَةِ الله حتى توفِّي على ذلك"، فذكَر الحديث (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، قال: حدثني خُبَيبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "سبعة في ظلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه؛ الإمامُ العدلُ، وشابٌّ نشَأ بعبادةِ الله، ورجل قلبُه معلَّقٌ في المسجد (٢) ". ثم ذكَر الحديثَ بمثلِ سياقةِ مالكٍ له سواءً إلى آخرِه (٣).

стр. 1017

قال أبو عُمر: هذا أحسنُ حديثٍ يُروَى في فَضائل الأعمال وأعمُّها وأصحُّها إن شاء الله، وحَسْبُك به فضلًا؛ لأن العلمَ مُحيطٌ بأن من كان في ظلِّ الله يومَ القيامةِ لم يَنَلْ هَوْلَ الموقف. والظلُّ في هذا الحديث يُرادُ به الرَّحمة، والله أعلم. ومن رحمتِه الجنة، قال الله : ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]. وقال: ﴿ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - من حديثِ المقدادِ بنِ الأسودِ أنه قال: "تُدنى الشَّمْسُ يومَ القيامةِ من الخَلْقِ حتى تكونَ منهم على قِيدِ ميل - أو كمقدارِ ميل". قال: "فيكونُ الناسُ على قدرِ أعمالِهم في العَرَق، فمنهم من يكونُ فيه إلى كَعْبَيه، ومنهم من يكونُ فيه إلى رُكْبَتَيه، ومنهم من يكونُ فيه إلى حِقْوَيْه، ومنهم من يُلْجِمُه العرقُ إلجامًا". وأشار رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بيدِه إلى فيه. رواه يحيى بنُ حمزة (١) وبقيةُ بنُ الوليد (٢)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابر،

стр. 1018

قال: حدَّثني سُليمُ بنُ عامرٍ الخَبائريُّ، قال: حدَّثثا المقدادُ بنُ الأسود. هذا لفظُ حديثِ يحيى بنِ حمزة، وفيه: قال سُليمُ بنُ عامر: والله ما أدري ما يعني بالمِيْل، أمسافةَ الأرضِ أم المِيْلَ الذي يُكتحَلُ به؟ قال أبو عُمر: مَن كان في ظلِّ الله يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه نجا من هَوْل ذلك الموقفِ إن شاء الله، واللهُ أعلم، جعَلنا اللهُ منهم برحمتِه، آمين. ويدخلُ تحتَ قوله ﵇: "إمامٌ عادلٌ" بالمعنى دونَ اللفظِ كلُّ مَن لَزِمه الحكمُ بين اثنَين. ويُوضِّحُ لك ذلك حديثُ عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -: "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه"، الحديث (١). وحديثُ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، عن رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -: "المُقْسِطون يومَ القيامةِ على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمن، وكلتا يديه يمينٌ؛ الذين يعدِلُون في أهْلِيهم وما مَلَكتْ أيمانُهم وما وُلُّوا" (٢).

стр. 1019

وروَى أبو مُدِلَّة، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "الإمامُ العادِلُ لا تُرَدُّ دعوتُه" (١). وقال عليُّ بنُ أبي طالب ﵀ على المنبر في يوم الجمعة: أيُّها الرِّعاء، إن لرعيَّتِكم عليكم حُقوقًا؛ الحُكمُ بالعدل، والقَسْمُ بالسويّة، وما من حسنةٍ أحبُّ إلى الله من حُكم إمام عادل. وفي فَضْل الإمام العادل، وفَضْل الشابِّ الناسك، وفَضْل المَشي إلى المَسْجدِ والصلاةِ فيه، وانتظارِ الصلاةِ بعدَ الصَّلاة، وفي المتحابين في الله، وفي البُغضِ في الله والحبِّ في الله، وفي العينِ الباكيةِ من خَوْفِ الله مع قولِ الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]،، وفي العِفةِ وفضلِها، وفي ذمِّ الزِّنى وأنه من الكبائر، وما انضاف إلى هذا المعنى من قصة ذي الكِفل (٢)، وفي فَضْل الصَّدَقة في السرِّ مع قولِ الله : ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وفي تضعيفِ الله الصدقةَ المقبولةَ من الكَسْبِ الطَّيِّبِ إلى سائرِ ما ينتظمُ بهذه المعاني، آثارٌ كثيرةٌ جدًّا تحتملُ أن يُفرَدَ لها كتابٌ، فضلًا عن أن ترسمَ في باب، ومن طلَب العلمَ لله فالقليلُ يكفيه إن شاء الله، وبالله التوفيق.

стр. 1020

حديثٌ ثانٍ لخُبَيْبِ بنِ عبد الرحمن متَّصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حَفْص بنِ عاصم، عن أبي هُريرةَ أو عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما بينَ بَيْتي ومنْبرِي روضةٌ من رياضِ الجَنّة، ومِنْبَرِي على حَوْضي (٢) ". هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ ﵀ رواة "الموطأ" (٣) كلُّهم فيما عَلِمتُ على الشكِّ في أبي هريرةَ وأبي سعيد على نحو الحديثِ الذي قبلَه، إلّا مَعْنَ بنَ عيسى، وروحَ بنَ عُبادة، فإنّهما روَياه عن مالكٍ بإسنادِه فقالا فيه: عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ جميعًا، على الجمع لا على الشكِّ (٤). حدَّثنا (٥) عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الخضر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أبي الحارث، قال: أخبرنا مَعْنٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ وأبي سعيد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما بينَ بَيْتي ومنبري رَوضة من رياضِ الجنة".

стр. 1021

وحدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال (١): حدَّثنا روحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ حَفْصَ بنَ عاصم أخبرَه، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما بينَ بيتي ومِنْبري روضة من رِياضِ الجَنّة، ومِنْبري على حَوْضي". ورواه (٢) عبدُ الرحمن بنُ مَهديٍّ، عن مالكٍ بإسنادِه، فجعلَه عن أبي هريرةَ وحدَه، ولم يذكُرْ معه أبا سعيد. حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الخضر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصور. وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ مُبَشر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سنان، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما بينَ بيتي ومِنبَري روضة من رياضِ الجَنّة" (٣). والحديثُ محفوظٌ لأبي هريرةَ بهذا الإسناد، كذلك رواه عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن خُبَيبٍ بهذا.

стр. 1022

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ، قال: حدَّثنا يحيى - يعني القطّان - عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن خُبَيب، عن حَفْصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما بينَ بيتي ومِنبَري روضةٌ من رياضِ الجَنّة، ومنبَري على حوضي" (١). قال أبو عُمر: اختلَف الناسُ في تأويلِ قولِ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -: "ما بينَ بيتي ومِنبَري - ورُويَ: ما بينَ قبري ومِنبَري - رَوضةٌ من رياضِ الجَنّة" (٢). فقال قوم: معناه: أنَّ البقعةَ تُرفعُ يومَ القيامةِ فتُجعلُ روضةً في الجَنّة. وقال آخرون: هذا على المجاز. قال أبو عُمر: كأنَّهم يعْنون أنّه لمّا كان جُلُوسُه وجلوسُ الناس إليه يتعَلَّمون القرآنَ والإيمانَ والدِّينَ هناك - شَبَّهَ ذلك الموضعَ بالرَّوضة، لكريم ما يُجتَنَى فيه، وأضافَها إلى الجَنّة؛ لأنّها تقودُ إلى الجَنّة، كما قال ﷺ : "الجَنّةُ تحتَ ظِلالِ السُّيُوف" (٣)؛ يعني أنّه عمَلٌ يُوصَلُ به إلى الجَنّة، وكما يقال: الأمُّ بابٌ من أبوابِ الجَنّة. يُريدُونَ أنَّ بِرَّها يُوصِلُ المسلِمَ إلى الجَنّةِ مع أداءِ فَرائضِه. وهذا جائزٌ سائغٌ مسْتَعْملٌ في لسان العرب، واللهُ أعلمُ بما أرادَ من ذلك.

стр. 1023

وقد استَدلَّ أصحابُنا على أنَّ المدينةَ أفضلُ من مكةَ بهذا الحديث، ورَكَّبوا عليه قولَه ﷺ : "مَوضِعُ سَوْطٍ في الجنةِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (١). وهذا لا دليلَ فيه على شيءٍ مما ذهَبوا إليه؛ لأنَّ قولَه هذا إنّما أرادَ به ذمَّ الدنيا والزُّهدَ فيها، والتَّرغيبَ في الآخِرَة، فأخبرَ أنَّ اليَسيرَ من الجَنّة خَيْرٌ من الدُّنيا كلِّها، وأرادَ بذِكْر السَّوط - واللهُ أعلم - التَّقليل، لا أنّه أرادَ مَوْضعَ السَّوْط بعَيْنِه، بل موضعُ نصفِ سَوْطٍ ورُبُع سَوْطٍ من الجَنّةِ الباقيةِ خيرٌ من الدُّنيا الفانية، وهذا مثلُ قولِ الله : ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]. لم يُردِ القِنطارَ بعينِه، وإنَّما أرادَ الكثيرَ، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]،، لم يُرِدْ به الدِّينارَ بعَيْنِه، وإنَّما أرادَ القليلَ؛ أي: أنَّ منهم مَن يُؤتَمنُ على بيتِ مالٍ فلا يخونُ، ومنهم مَن يُؤتَمنُ على فِلسٍ أو نحوِه فيَخُون. على أن قوله ﷺ : "رَوضَةٌ من رياضِ الجَنّة"، مُحتمِلٌ ما قال العُلماءُ فيه ممّا قد ذكَرناه، فلا حُجَّةَ لهم في شيءٍ مما ذهَبوا إليه، والمواضعُ كلُّها والبِقاعُ أرضُ الله، فلا يجوزُ أنْ يُفضَّلَ منها شيءٌ على شيءٍ إلّا بخبر يجبُ التَّسليمُ له، وإنِّي لأعْجَبُ ممّن يَترُكُ قولَ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - إذ وقفَ بمكّةَ على الحَزْوَرَة، وقيل: على الحَجُون (٢)، فقال: "والله إنِّي لأعلَمُ أنّكِ خيرُ أرضِ الله وأحَبُّها إلى الله ولولا أنَّ أهلَكِ أخرَجوني منكِ ما خرَجتُ". وهذا حديثٌ صحيحٌ رواه أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وعن عبدِ الله بنِ عَديِّ بنِ الحمراءِ جميعًا،

стр. 1024

عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، فكيف يُترَكُ مثلُ هذا النَّصِّ الثابت، ويُمالُ إلى تأويلٍ لا يُجامَعُ مُتأوِّلُه عليه؟! أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جَعفرِ بنِ حَمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا أبو اليَمان، قال: أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرنا أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ عبدَ الله بنَ عَديِّ بنِ الحَمْراءِ الزُّهريَّ أخبرَه، أنّه سَمعَ النبيَّ ﷺ يقول، وهو واقف بالحَزْوَرةِ في سوقِ مكّة: "والله إنَّكِ لخَيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرَجتُ". وتابَع شُعيبًا على مثل هذا الإسنادِ سواءً صالحُ بنُ كَيْسان (٢)، ويونُسُ بنُ يزيد (٣)، وعُقيْلُ بنُ خالد (٤)، وعبدُ الرحمن بنُ خالدِ بنِ مُسافر (٥)، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه مثلَه.

стр. 1025

ورواه مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - (١). وقد رواه محمدُ بنُ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة (٢). وقد روَى مالكٌ ما يَدلُّ على أنَّ مكّةَ أفضلُ الأرضِ كلِّها، ولكنَّ المشهورَ عن أصحابِه في مَذهبِه تفضيلُ المدينة. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، أنَّ آدمَ لمّا أُهبِطَ إلى الأرضِ بالهندِ أو السِّند، قال: يا رَبِّ، هذه أحَبُّ الأرضِ إليك أن تُعْبدَ فيها؟ قال: بل مكةُ. فسار آدمُ حتى أتى مكة، فوجَد عندَها ملائكةً يَطوفون بالبيتِ ويَعبُدون الله، فقالوا: مَرْحبًا مَرْحبًا بأبي البَشر، إنّا نَنتَظِرُك هاهنا منذُ ألْفَيْ سنة.

стр. 1026

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير (٢)، قال: حدَّثنا قتيبَة، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سعد، عن عُقَيْل، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن عبدِ الله بنِ عَدِيِّ بنِ الحَمْراء، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ وهو واقفٌ على راحِلَتِه بالحَزْوَرَةِ يقول: "والله إنكِ لخيرُ أرض، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخْرِجتُ منكِ ما خَرَجْتُ". وكان مالكٌ ﵁ يقول: من فَضْل المدينةِ على مكةَ أنِّي لا أعلَمُ بُقعةً فيها قبرُ نبيٍّ معروفٌ غيرَها. وهذا واللهُ أعلَمُ وجْهُه عندِي من قولِ مالك، فإنَّه يريدُ ما لا يُشكُّ فيه وما يقطعُ العُذرَ خبرُه، وإلّا فإنّ الناسَ يَزعمُ منهم الكثيرُ أن قبرَ إبراهيمَ ﷺ ببيتِ المقدس، وأنَّ قبرَ موسى ﷺ هناك أيضًا. حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ السِّجْسِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٣):

стр. 1027

أخبرنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ في حديثٍ ذكَرَه، قال: فسألَ موسى ربَّه أنْ يُدْنِيَه من الأرضِ المُقدَّسةِ رميةً بحجَر؛ يعني عندَ وَفاتِه، قال أبو هريرة: لو كنتُ ثَمَّ لأريتُكم قبرَه تحتَ (١) الطَّريقِ إلى جانبِ الكَثِيبِ الأحمر. وذكره البخاريُّ (٢) بهذا الإسناد مرفوعًا إلى النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - مثلَه. قال أبو عُمر: إنَّما يُحتَجُّ بقبرِ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، وبفضائل المدينة، بما جاء فيها عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - وعن أصحابِه على مَن أنكر فَضلها، وجعَلها كسائرِ بقاع الأرض؛ لأن تلك الآثارَ بيَّنتْ فَضْلَها، وأوضَحت موضِعَها وكرامَتَها. وأمّا مَن أقرَّ بفضلِها، وعَرَف لها موضعَها، وأقرَّ أنّه ليسَ على وجهِ الأرض أفضلُ بعدَ مكّة منها، فقد أنزلَها منزلَتِها، وعَرَف لها حَقَّها، واستعملَ القولَ بما جاء عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - في مكّة وفيها؛ لأنَّ فضائلَ البلدانِ لا تُدْرَكُ بالقياس والاستِنباط، وإنَّما سبيلُها التَّوقيفُ، فكلٌّ يقولُ بما بلَغَه وصَحَّ عندَه غيرَ حَرِج، والآثارُ في فَضْلِ مكّةَ عن السَّلفِ أكثرُ، وفيها بيتُ الله الذي رَضيَ من عبادِه على الحطِّ لأوزارِهم بقصْدِه مرّةً في العُمُر. وقد زِدْنا هذا المعنَى بيانًا في باب زَيْدِ بنِ رباح (٣)، وذكَرْنا هنالك اختلافَ العلماءِ في ذلك، وبالله التوفيق.

стр. 1028

وأمّا قولُه ﷺ في هذا الحديث: "ومِنبَرِي على حَوْضي" فزعَم بعضُ أهل العلم من أهل الكلام في معاني الآثارِ أنّه أراد، والله أعلم، أنَّ له مِنبَرًا يومَ القيامةِ على حَوْضه ﷺ ؛ كأنّه قال: ولي أيضًا مِنبَرٌ على حَوضي أدْعُو الناسَ إليه، لا أنَّ مِنبرَه ذاك على حوْضِه. وقال آخرون: يحتَمِلُ أنْ يكونَ اللهُ ﵎ يُعيدُ ذلك المِنبرَ ويرْفَعُه بعينِه، فيكونُ يومئذٍ على حوْضِه، وبالله التوفيق. قال أبو عُمر: الأحاديثُ في حَوضِه ﷺ مُتواترَةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ كثيرة، والإيمانُ بالحَوْضِ عندَ جماعةِ عُلماءِ المسلمينَ واجِبٌ، والإقرارُ به عندَ الجماعةِ لازِمٌ وقد نَفاهُ أهلُ البِدَع من الخوارج والمعتزلة، وأهلُ الحقِّ على التَّصديقِ بما جاء عنه في ذلك ﷺ . أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى؛ قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بَحْر، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: العبّاسُ بنُ الوليد، قال: قال سفيانُ بنُ عُيَيْنة: الإيمانُ قولٌ وعملٌ ونيّةٌ، والإيمانُ يزيدُ وينقُصُ، والإيمانُ بالحوْضِ والشَّفاعَةِ والدَّجّال. قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ المسلمينَ إلّا مَن ذكَرْنا، فإنَّهم لا يُصدِّقُونَ بالشَّفاعَة، ولا بالحَوْض، ولا بالدَّجّال، والآثارُ في الحَوْض أكثرُ من أنْ تُحصى، وأصَحُّ ما يُنقَلُ ويُروَى، ونحنُ نذكُرُ في هذا الباب ما حضَرنا ذِكرُه منها؛ لأنَّها مسألةٌ مأخوذةٌ من جهةِ الأثرِ لا يُنكرُها مَن يُرضَى قولُه ويُحمَدُ مذهَبُه، وباللّه التوفيق. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ مُسلم، عن حُصَيْن، عن أبي وائل، عن حُذيفة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ليَرِدَنَّ عليَّ الحوْضَ

стр. 1029

أقوامٌ، حتى إذا عرَفْتُهم اختُلِجُوا (١) دُوني، فأقول: ربِّ أصحابي. فيقال: إنَّكَ لا تَدِري ما احدَثُوا بعدَك" (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا أبو النَّضْر، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "أنا فَرَطُكُمْ على الحَوْض، ولأُنازَعَنَّ رجالًا من أصحابي، ولأُغْلَبَنَّ عليهم، ثم ليُقالَنَّ لي: إنَّكَ لا تَدْري ما أحْدَثُوا بعدَكَ" (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (٤):

стр. 1030

حدَّثنا عَمْرُو بنُ عليّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن المُغيرَة، قال: سمعتُ أبا وائل يُحدِّثُ عن عبدِ الله، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "أنا فَرَطُكُم على الحَوْض، وليُرْفَعنَّ رجالٌ منكم، ثم ليُخْتَلَجُنَّ دُوني، فأقول: يا ربِّ، أصحابي. فيقال: إنّكَ لا تَدْري ما أحْدَثُوا بعدَكَ". قال البخاريُّ: تابَعه عاصمٌ، عن أبي وائل. وقال حُصَينٌ: عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -. ورواه الأعمشُ، عن أبي وائل شَقيق، عن عبدِ الله، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "أنا فَرَطُكم على الحَوْض" (١)، لم يَزِدْ. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ سَلّام السَّوِيقيُّ، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بنُ خليفَة، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عليِّ بنِ زَيْد، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكرَة، عن أبي بَكرَة، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "لَيَرِدَنَّ علَيَّ الحَوْضَ رجالٌ ممَّن صَحِبني ورَآني، فإذا رُفِعُوا إليَّ ورأيتُهم اختُلِجُوا دُوني، فلأقُولنَّ: يا ربّ، أصْحابي. فيقال: إنّكَ لا تَدْرِي ما أحدَثوا بعدَك" (٢). أخبرنا عبدُ الوأرث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ شاكر، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُهاجر، عن العبّاسِ بنِ سالم اللَّخْميِّ، قال: بعثَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى أبي سَلّام، فحُمِلَ على البَريد، فلمّا قَدِم عليه، قال أبو سَلّام: لقد شَقَّ عليَّ مَحْمَلي على البَريد، ولقد أشفقْتُ على رَحْلي. قال: ما أرَدْنا المشقَّةَ عليكَ يا أبا سلّام، ولكنْ بلَغني

стр. 1031

عنك حديثُ ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - في الحَوْض، فأحبَبْتُ أن أُشافِهَكَ به. قال: سمعتُ ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ حَوْضي ما بينَ عَدَنَ إلى عمّان البَلْقاء، ماؤُه أشدُّ بَياضًا منَ اللَّبَن، وأحْلَى من العَسَل، وأكاوِيبُه عَددُ نُجوم السَّماء، مَن شَرِب منه شَرْبةً، لم يَظْمَأ بعدَها أبدًا، أولُ النّاسِ وُرُودًا عليه فقراءُ المهاجرين". فقال عمرُ بنُ الخطاب: مَن هم يا رسولَ الله؟ قال: "هم الشُّعْثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا يَنكِحون المُتنَعِّمات، ولا تُفتَحُ لهم أبوابُ السُّدَد (١) ". فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: والله لقد نكَحْتُ المُتنَعِّمات؛ فاطمةَ بنتَ عبدِ الملك، وفُتِحَتْ لي أبوابُ السُّدَدِ إلّا أنْ يَرْحمني الله، لا جرَمَ لا أدْهُنُ رأسي حتى تَشْعَثَ، ولا أغْسلُ ثوبي الذي يَلي جسدي حتى يتَّسِخَ (٢).

стр. 1032

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا أبو مُسْهِر، قال: حدَّثنا صدقةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ واقد، قال: حدثني أبو سَلّام، عن ثَوْبانَ مولى رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ حَوْضي ما بينَ عَدَنَ إلى عمّان، أشدُّ بياضًا منَ اللَّبَن، وأحلَى منَ العَسَل، وأطْيَبُ رائحَةً منَ المسك، أكاويبُه كنجوم السَّماء، مَن شرِب منه شربَةً، لم يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، وأكثرُ الناس وُرُودًا عليه فقراءُ المهاجرين". قال: قلنا: يا رسولَ الله، ومَن فُقراءُ المهاجرين؟ قال: "الشُّعْثُ رُؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا يَنكِحون المُتَنعِّماتِ، ولا تُفتَحُ لهم أبوابُ السُّدَد، الذين يُعْطُون الحقَّ الذي عليهم، ولا يُعْطَوْنَ كلَّ الذي لهم" (١). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: حدَّثنا سعيدٌ، وهشامُ بنُ أبي عبدِ الله الدَّسْتُوائيُّ، عن قَتادة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ الغَطَفانيِّ، عن مَعْدانَ بنِ أبي طَلْحَة اليَعْمَرِيِّ، عن ثَوْبانَ مولى رسولِ الله ﷺ ، عن رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -، أنّه قال: "إنِّي لبِعُقْرِ الحَوْضِ (٢) يومَ القيامةِ أذُودُ الناسَ عنه لأهل اليَمَن، أضْرِبُهم بعَصايَ حتّى يرفَضَّ عليهم (٣) ". قال: فسُئِل رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - عن عَرْضِه، فقال: "مِن مقامي
следующие страницы →