← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1238–1277 · переход к 1243.

стр. 1238

حديثٌ سابعٌ لربيعةَ مُرسَلٌ منقطعٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ كانت مضطجِعَةً مع رسولِ الله ﷺ في ثَوْبٍ، وأنَّها وثَبَتْ وثْبَةً شَدِيدةً، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "ما لكِ؟ لَعلَّكِ نَفِسْتِ". يعني الحَيْضَةَ. قالت: نعم. قال: "شُدِّي على نَفْسِكِ إزارَكِ، ثم عُودِي إلى مَضْجَعِكِ". هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ" كما تَرَى (٢)، مُنْقَطِعٌ. ويتَّصِلُ معناه من حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ عن النبيِّ ﷺ (٣)، ولا أعلمُ أنَّه رُوِيَ من حديثِ عائشةَ بهذا اللفظِ ألبَتَّةَ. وسنَذْكُرُ في هذا البابِ ما رُوِيَ عن عائشةَ وسائرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ إن شاء الله. ولم يَختلِفْ رُواةُ "الموطَّأ" في إرسالِ هذا الحديثِ كما رُوِيَ (٤). وروَى حَبِيبٌ (٥)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُضاجِعُ أُمُّ سَلَمَةَ وهي حائض عليها بعضُ الإزارِ. وما انْفَرَدَ به حَبيبٌ لا يُحْتَجُّ به. وفيه من الفقه: نومُ الرجلِ الشَّريفِ مع أهلِه في ثوبٍ واحدٍ وسَرِيرٍ واحدٍ. وفيه أنَّ الحيضَ قد يأتي فجأةً دونَ مُقَدِّمَةٍ من العَلاماتِ لبعضِ النِّساءِ، وبعضُهُنَّ ترَى قَبْلَه صُفْرَةً أو كُدْرَةً كما ترَى بعدَه.

стр. 1239

وفيه أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يكنْ يَعلَمُ من الغَيْبِ إلَّا ما عَلَّمَه اللهُ؛ لقولِه: "ما لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ". وقولُه: "لعلَّكِ نَفِسْتِ". يقولُ: لعَلَّكِ أُصِبْتِ بالدَّم؛ يعْني الحَيْضَةَ. والنَّفْسُ: الدمُ، ألا ترَى إلى قولِ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وهو عَرَبيٌّ فَصِيحٌ: كلُّ ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ يَموتُ في الماءِ لا يُفسدُه (١)؛ يَعْنِي دَمًا سائلًا. وفيه أنَّ الحائضَ يجوزُ أن يُباشَرَ منها ما فوقَ الإزار؛ لقوله: "ثم عُودي إلى مَضجعِكِ". ومعلومٌ أنَّها إذا عادَتْ إليه في ثَوْبٍ واحِدٍ معه أنَّه يُباشِرُها، فإذا كان ذلك كذلك، كان هذا الحديثُ يُفسِّرُ قولَ الله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأَنَّه يَحتَمِلُ قولُه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾. أي: لا تكونوا مَعَهُنَّ في البُيُوتِ. ويَحْتَمِلُ: اعْتَزِلُوا وَطْئَهنَّ لا غيرُ. فأتَتِ السُّنَّة مُبَيِّنَةً مُرادَ الله من قولِه ذلك. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بن يحيَي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال (٢): حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادٌ، قال: حَدَّثَنَا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ اليهودَ كانت إذا حاضَتْ منهم امرأةٌ أخرجُوها من البيت، ولم يُؤاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجامِعُوها في البَيْتِ، فسُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ

стр. 1240

قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية. فقال رسولُ الله ﷺ : "جامِعُوهُنَّ في البيوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شيءٍ غيرَ النِّكاح". فقالَتِ اليهودُ: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أن يَدَعَ شيئًا من أمْرِنا إلَّا خالَفَنا فيه. فجاءَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالا له: يا رسولَ الله، إنَّ اليهودَ تقولُ كذا وكذا، أفَلا نَنْكِحُهُنَّ في المحِيض؟ فتَغَيَّرَ وجْهُ رسولِ الله ﷺ حتى ظَنَنَّا أنَّه قد وَجَد عليهما، فخَرَجا فاستقبلَتْهُما هديَّةٌ من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعَث في أثَرهما فسَقاهُما، فظَنَنَّا أنَّه لَمْ يَجِدْ عليهما. أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا وهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاحٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيْبَة (٢)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بِشرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: كنتُ مع رسولِ الله ﷺ في لِحافِه، فوَجَدْتُ ما يَجدُ النساءُ من الحَيضةِ، فانْسَلَلْتُ من اللِّحافِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَنَفِسْتِ؟ ". قلتُ: وجَدْتُ ما يَجِدُ النِّساءُ من الحَيضة. قال: "ذلك ما كتَب اللهُ على بَناتِ آدَمَ". قالت: فانْسَلَلْتُ فأصلحْتُ من شأْنِي، ثم رجَعْتُ، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "تَعالَيْ فادخُلي في اللِّحاف". قالت: فدخَلتُ معه. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابِقٍ، قال: حَدَّثَنَا شَيْبانُ، عن يحيى بن أبي

стр. 1241

كثيِرٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ حدَّثتْه، أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: حِضْتُ وأنا مع رسولِ الله ﷺ في الخَمِيلَةِ. قالت: فانْسَلَلْتُ، فخَرَجْتُ منها، فأخَذْتُ ثِيابَ حَيْضَتِي فلَبِسْتُها، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "أَنَفِسْتِ؟ ". قالت: قلتُ: نعم. فدَعاني فأدْخَلَنِي معه في الخَمِيلَة (١). هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ثابتٌ في معنَى حديثِ رَبِيعَةَ، عن عائشةَ، رَواه عن يحيى بنِ أبي كثير جماعَةٌ هكذا. ورَواه محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ كما ذكَرنا. والقولُ عندَهم قولُ يحيى بن أبي كثيرٍ، وهو أثْبَتُ من محمدِ بن عمرٍو في أبي سَلَمَةَ، وقد أدخَل بينَ أبي سَلَمَةَ وأمِّ سَلَمَةَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ، وهو الصَّوابُ. وحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب القاضِي، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانَةَ، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها كانتْ تَنامُ مع رسولِ الله ﷺ وهي حائضٌ، وبينَهما ثَوْبٌ (٢).

стр. 1242

وعُمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ كان شُعْبَةُ يُضعِّفُه (١)، وليس بالحافظ، وإسنادُ يحيي، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، صحيحٌ عندَهم، وإسنادُ حديثِ عائشةَ أيضًا وميمونةَ في هذا الباب صحيحٌ، والحمدُ للّه. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣): حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأمُرُ إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَتَّزِرَ، ثم يُضاجِعُها زوجُها. وقال مرَّةً: يُباشِرُها. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (٤): حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ مسكين قِراءةً عليه وأنا أسمَعُ، عن ابن وهْبٍ، عن يونسَ واللَّيْثِ، عن ابنِ شهاب، عن حَبيبٍ مولَى عُروةَ، عن بُدَيَّةَ - وكان اللَّيْثُ يقولُ: نُدْبَةَ - مَوْلاةِ مَيْمُونَةَ، عن

стр. 1243

ميمونةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُباشِرُ المرأةَ من نِسائِه وهي حائضٌ إذا كان عليها إزارٌ يَبْلُغُ أنْصافَ الفَخِذَين والرُّكْبَتَين. وفي حديثِ اللَّيْث: مُحْتَجِزَتَه. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (١): حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حَبِيبٍ مولَى عُروةَ، عن نُدْبَةَ مَوْلاةِ مَيْمُونَةَ، عن مَيْمُونَةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُباشِرُ امرأتَه وهي حائضٌ، إذا كان عليها إزارٌ إلى أنصافِ الفَخِذَين أو الرُّكْبَتَين تَحْتَجِزُ به. قال أبو داودَ: يونسُ يقولُ: بُدَيَّةَ. ومَعْمَرٌ يقولُ: نُدْبَةَ. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٢): حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن عبدِ الرَّحمن بن الأسْوَدِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأمُرُنا في فوْحِ حَيْضَتِنا (٣) أن نَتَّزِرَ، ثم يُباشِرُنا، وأيُّكم يَملِكُ إرْبَه كما كان رسولُ الله ﷺ يَملِكُ إرْبَه؟ وذَكَر دُحيمٌ (٤)، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهيعةَ، عن يزيدَ، عن سُويد بن قيسٍ التُّجيبي، أن قرط بن عوف حدَّثه، أنَّه سأل عائشةَ فقال: يا أمَّ المؤمنين، أكان رسولُ الله ﷺ يُضاجعُك وأنتِ حائض؟ فقالت: نعم، إذا شدَدْتُ عليَّ إزاري، وذلك إذ لَمْ يكنْ إلَّا فراشٌ واحدٌ، فلمّا رزَقَنا الله فراشَينِ

стр. 1244

اعتَزلَ رسولُ الله ﷺ (١). وهذا لا نعلم يُروى إلَّا من حديث ابنِ لهيعةَ وليس بحُجَّةٍ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ حمّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحدِ وحفصُ بنُ غِياثٍ، وهذا لفظُ حديثِ عبد الواحدِ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ شدَّادٍ، عن مَيْمُونَةَ قالت: كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يُباشِرَ امرأةً من نِسائِه وهي حائضٌ، أمَرَها فاتَّزَرَت" (٢). وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (٣): أخبرنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيل، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يأمُرُ إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَشُدَّ إزارَها ثم يُباشِرُها.

стр. 1245

قال أبو عمر: هذه الآثارُ كلُّها في معنَى حديثِ رَبِيعَةَ، عن عائشةَ، وظاهِرُها أنَّ الحائضَ لا يُباشَرُ منها إلّا ما فوقَ الإزارِ. واخْتَلَفَ الفقهاءُ في مُباشَرَةِ الحائضِ وما يُسْتَباحُ منها؛ فقال مالكٌ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: له منها ما فوقَ المِئْزَرِ (١). وممَّن رُوِيَ عنه هذا المعنى؛ القاسمُ، وسالِمٌ (٢). وحُجَّتُهم ما ذكَرنا في هذا البابِ من الآثارِ عن عائشةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، عن النبيِّ ﷺ . وقال الثوريُّ، ومحمدُ بنُ الحسن، وبعضُ أصحاب الشافعيِّ: يَجْتَنِبُ مَوضِعَ الدَّم (٣). وممن رُوِيَ عنه هذا المعنَى؛ ابنُ عباسٍ، ومَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وعكرمةُ (٤). وهو قولُ داودَ بن عليٍّ. ومن حُجَّتِهم حديثُ ثابتٍ، عن أنس؛ قولُه ﷺ : "جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ، واصنَعُوا كُلَّ شيءٍ ما خَلا النِّكاحَ". أو قال: "ما خَلَا الجِماعَ". وقد ذكَرْناه في هذا الباب (٥). ومن حُجَّتِهم أيضًا حديثُ عائشةَ؛ قولُه ﷺ : "إنَّ حَيْضَتَكِ ليست في يَدِكِ". أخبَرنا عبد الله بن محمد، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٦): حَدَّثَنَا مسدَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ثابتِ بن عُبيد،

стр. 1246

عن القاسم بن محمد، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ حَيْضتَكِ ليست في يدِكِ". وحَدَّثَنَا عمرُ بنُ الحُسَينِ بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ أحمدَ أبي جعفرٍ الطحاويِّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الرَّبيعُ بنُ سليمانَ المُرادِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أسَدُ بنُ موسَي، ووَجَدْتُ في أصْلِ سَماع أبي ﵀ بخَطِّه أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسمِ بن هلالٍ حدَّثَهم، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا أسَدُ بنُ موسَي، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن ثابتِ بن عُبَيْدٍ، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "ناوِليني الخُمْرَةَ من المسجدِ". قلتُ: إنِّي حائض. قال: "إنَّ حَيْضَتَكِ ليست في يِدِكِ" (١) (٢).

стр. 1247

قال أسَدُ بنُ موسَى: وحَدَّثَنَا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَهيِّ، عن ابنِ عمرَ، عن عائشةَ، عن رسولِ الله ﷺ مثلَه (١). قال أسدٌ: وحَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البَهِيِّ، عن عائشةَ مثلَه، ولم يَذْكُرِ ابنَ عمرَ (٢). قال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٣): فدَلَّ ما في هذا الحديثِ أنَّ كلَّ عُضْوٍ منها ليس فيه الحَيْضَةُ في الطَّهار؛ بمعنى ما كان عليه قبلَ الحيضِ، ودلَّ على أنَّ الحيضَ لَمْ يُغيِّرْ شيئًا من المرأةِ عما كانت عليه قبل الحيضِ غيرَ مَوْضِعِ الحيضِ وحدَه. وروَى أبو مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، عن مَسْرُوقٍ، قال: سألتُ عائشةَ: ما يَحِلُّ لي من امرأتي وهي حائضٌ؟ فقالت: كلُّ شيءٍ إلَّا الفَرْجَ. رواه أيوبُ، عن أبي مَعْشَرٍ (٤). وروَى أيوبُ أيضًا، عن أبي قِلابَةَ، عن عائشةَ مثلَه (٥).

стр. 1248

وأخبَرنا عمرُ بنُ حسينٍ، عن أبيه، قال: حدَّثَني عليُّ بنُ أبي جعفرٍ الطَّحاويِّ، عن أبيه، قال (١): حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمانَ المُرادِيُّ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بنُ اللَّيْثُ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن بُكَيْرِ بنِ الأشَجِّ، عن أبي مُرَّةَ مولى عَقِيلٍ، عن حكيمِ بنِ عقالٍ، قال: سألتُ عائشةَ: ما يَحرُمُ علَيَّ من امرأتِي إذا حاضَتْ؟ فقالت: فرْجُها (٢). ومن حُجَّةِ مَن قال بالقولِ الأوَّلِ ما رَواه زيدُ بنُ أسْلَمَ، أنَّ رَجلًا سألَ رسولَ الله ﷺ : ما يَحِلُّ لي من امرأتِي وهي حائضٌ؟ فقال: "لِتَشُدَّ عليها إزارَها، ثم شأْنَكَ بأعْلَاها" (٣). وحديثُ مَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعائشةَ، على ما ذكَرنا في هذا الباب، عن رسولِ الله ﷺ أنَّه لَمْ يكنْ يُباشِرُ امرأةً من نسائِه وهي حائضٌ إلَّا وهي مُتَّزِرَةٌ، وهو المُبَيِّنُ عن الله مُرادَه قولًا وعملًا ﷺ . قال أبو عمر: يَحْتَمِلُ أن يكونَ أمرُه ﷺ بمُباشَرَةِ الحائضِ وهي مُتَّزِرَةٌ، على الاحْتِياطِ والقَطْعِ للذَّرِيعَةِ، ولأنَّه لو أباحَ فخِذَيها كلّ ذلك ذَرِيعَةً إلى مَوْضِع

стр. 1249

الدَّمِ المُحَرَّمِ بإجْماع، فنَهَى عن ذلك احْتِياطًا، والمُحَرَّمُ بعيْنِه مَوْضِعُ الأذَى، ويَشْهَدُ لهذا ظاهِرُ القرآنِ، وإجماعُ معاني الآثارِ؛ لئلَّا تتضادَّ، وباللّه التوفيقُ. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا القَعْنَبيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله، يعني ابنَ عمرَ بنِ غانم، عن عبد الرَّحمن، يَعْني ابنَ زِيادٍ، عن عُمارَةَ بنِ غُرابٍ، أنَّ عمَّةً له حدَّثته، أنَّها سألَتْ عائشةَ قالت: إحْدانا تَحِيضُ وليس لها ولزَوْجِها إلّا فِراشٌ واحدٌ قالت: أُخْبِرُكِ بما صنعَ رسولُ الله ﷺ ؛ دخَل فمَضَى إلى المسجدِ - قال أبو داودَ: تَعْنِي مَسْجِدَ بَيْتِه - فلم يَنْصَرِفْ حتى غَلَبَتْني عَيْناي، وأوْجَعَه البَرْدُ، فقال: "ادْنِي مِنِّي". فقلتُ: إنِّي حائضٌ. فقال: "وإن، اكْشِفِي عن فخِذِكِ". فكَشَفْتُ، فوضَع خَدَّه وصَدْرَه على فخِذي، وحَنَيْتُ عليه حتى دَفِئَ ونامَ. واختَلَفَ الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائضٌ، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وهو قولُ رَبِيعَةَ، ويحيى بن سعيدٍ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ، ولا شيءَ عليه، ولا يعودُ. وبه قال داود (٢). ورُوِيَ عن محمدِ بن الحسنِ أنَّه قال: يتَصَدَّقُ بنِصْفِ دينارٍ (٣). وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: يَتصدَّقُ بدِينارٍ أو نصفِ دينارٍ. وقال أحمدُ: ما أحْسنَ

стр. 1250

حديثَ عبدِ الحَميدِ، عن مِقْسَم، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ : "يَتصدَّقُ بدينارٍ أو نصفِ دِينارٍ" (١). وقال الطبريُّ: يُستَحَبُّ له أن يَتصدَّقَ بدينارٍ أو نصفِ دِينارٍ، فإن لم يَفْعَلْ فلا شيءَ عليه. وهو قولُ الشافعيِّ ببغدادَ. وقالت فِرْقَةٌ من أهلِ الحديثِ: إنْ وَطِئَ في الدَّمِ فعليه دِينارٌ، وإن وَطِئَ في انقطاع الدَّم فعليه نصفُ دِينارٍ (٢). قال أبو عمر: حُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ ما رَواه عليُّ بنُ الحَكَم البُنانيُّ، عن أبي الحسنِ الجَزَرِيِّ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ مرفوعًا، قال: "إذا أصابَها في الدَّم فدِينارٌ، وإذا أصابَها في انقطاع الدَّم فنصفُ دِينارٍ" (٣). وكذلك رواه ابنُ جريجٍ، عن عبد الكريم، عن مقسم سواءً (٤).

стр. 1251

وحُجَّةُ مَن قال بقولِ محمدِ بنِ الحسنِ ما رواه خُصيفٌ، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وقَع بأهلِه وهي حائضٌ فلْيتصدَّقْ بنصفِ دينار" (١). وقال أبو داود (٢): كذلك قال عليُّ بنُ بَذيمَةَ، عن مِقْسَم، عن النبيِّ ﷺ ، مُرْسَلٌ. وحُجَّةُ مَن قال بقولِ أحمدَ بن حنبلٍ ما رَواه الحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ، عن عبدِ الحَميدِ بن عبدِ الرَّحمن، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، في الذي يأتِي امرأتَه وهي حائضٌ، قال: "يتَصدَّقُ بدينارٍ، أو بنصفِ دينارٍ" (٣). قال أبو داود (٤): هكذا الروايةُ الصحيحةُ: دِينارٌ أو نصفُ دينارٍ. قال: ورُبَّما لَمْ يَرْفَعْه شُعْبَةُ، عن الحَكَم. وقال الأوزاعيُّ: مَن وطِئَ امرأتَه وهي حائضٌ، تَصَدَّقَ بخُمُسَيْ دِينارٍ. ورواه عن يزيدَ بن أبي مالكٍ، عن عبدِ الحَميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه أمَره أن يَتَصَدَّقَ بخُمُسَيْ دِينارٍ (٥).

стр. 1252

قال أبو عمر: وحُجَّةُ مَن لَمْ يُوجِبْ عليه كفَّارةً إلّا الاستغفارَ والتوبةَ، اضْطِرابُ هذا الحديثِ عن ابن عباسٍ، وأنَّ مثلَه لا تقومُ به حُجَّةٌ، وأنَّ الذِّمَّةَ على البَراءَةِ، ولا يَجِبُ أن يَثْبُتَ فيها شيءٌ لمسكينٍ ولا غيرِه، إلّا بدليلٍ لا مَدْفَعَ فيه ولا مَطْعَنَ عليه، وذلك مَعْدُومٌ في هذه المسألة. واختَلَف الفقهاءُ أيضًا في وطْءِ الحائضِ بعدَ الطُّهْرِ وقبلَ الغُسْلِ، فقال مالكٌ وأكثرُ أهل المدينة: إذا انقطَع عنها الدمُ لَمْ يَجُزْ وطْؤُها حتى تَغْتَسِلَ. وبه قال الشافعيُّ، والطبريُّ، ومحمدُ بنُ مَسلمةَ (١). وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن انقطَع دَمُها بعدَ مُضِيِّ عشَرةِ أيام جاز له أن يَطَأَها قبلَ الغُسلِ، وإن كان انقطاعُه قبلَ العشَرةِ لَمْ يَجُزْ حتى تَغتسِلَ أو يَدخُلَ عليها وقْتُ صلاة (٢). قال أبو عمر: هذا تَحَكُّمٌ لا وجْهَ له، وقد حَكَمُوا للحائضِ بعدَ انقطاع دَمِها بحُكْمِ الحيضِ في العِدَّة، وقالوا: لزَوْجِها عليها الرَّجْعَةُ ما لَمْ تَغْتَسِلْ. فعلى قياسِ قولِهم هذا لا يَجبُ أن تُوطأَ حتى تَغتسِلَ، وهو الصَّوابُ مع مُوافَقَةِ أهلِ المدينةِ، وباللّه التوفيقُ. فإن قيل: إنَّ في قولِ الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بعدَ قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، دليلًا على أنَّ المَحِيضَ إذا زالَ وطَهَرْنَ، جاز إتيانُهُنَّ من حيثُ أُمِرْنا باجْتِنابِهِنَّ. فالجَوابُ أنَّ في قولِ الله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ دليلًا على بَقاءِ تَحريم الوطءِ بعدَ الطُّهرِ

стр. 1253

حتى يَتطهَّرْنَ بالماء؛ لأنَّ "تَطَهَّرْنَ" "تَفَعَّلْنَ" مأْخُوذٌ من قولِ الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. يريدُ الاغْتِسالَ بالماءِ. وقد يقَعُ التحريمُ بالشيءِ ولا يَزولُ بزَوالِه لعِلَّةِ أُخرى؛ دليلُ ذلك قولُ الله في المَبْتُوتَة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وليس تَحِلُّ له بنِكاح الزوجِ حتى يَمسَّها ويُطَلِّقَها، وكذلك لا تَحِلُّ الحائضُ للوطءِ بالطُّهرِ حتى تَغْتَسِلَ. ومثلُ ذلك قولُ رسولِ الله ﷺ : "لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تَضع، ولا حائِلٌ حتى تَحِيضَ" (١). ومَعْناه: حتى تضَع وتَطْهُرَ من دَمِ نِفاسِها أو حَيْضَتِها وتَغْتَسِلَ. ومن هذا المعنَى أيضًا أنَّ الإحرامَ يَمنعُ من الطِّيبِ واللِّباسِ والصَّيدِ والنِّساءِ، وقد يقَعُ الحِلُّ من ذلك كلِّه قبل أن يقَعَ من وطْءِ النساءِ حتى يَكمُلَ الخُروجُ من الحَجِّ، فيَحِلَّ حينئذٍ الوطْءُ، فكذلكَ الحيضُ، يُوجبُ تَحْريمَ الصلاةِ والصومِ وإتيانِ الزوج، فإذا انقطَعَ الدمُ انحَلَّ عنها بعضُ ذلك بإباحَةِ الصَّوْمِ لها، وبَقِيَ تَحريمُ الصلاةِ إلى أن تأتِيَ بالطهارة، فكذلك حُكْمُ الجِماع، يَبْقَى تَحريمُه حتى لا يَبقَى للحيضِ حُكْمٌ، واللّهُ أعلمُ. وفي المسألةِ اعْتِراضاتٌ، وفيما ذكَرنا كفايةٌ، والحمدُ للّه.

стр. 1254

حديثٌ ثامنٌ لربيعةَ مُنقَطِعٌ يتَّصل من وُجُوهٍ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أصابَتْه مُصيبةٌ فقال كما أَمَره اللهُ: إنَّا للّه وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أجُرْنِي في مُصِيبتي، وأعْقِبْني خيرًا منها. إلّا فعَل اللهُ ذلك به". قالتْ أُمُّ سلَمةَ: فلمَّا تُوفِّي أبو سلَمةَ قلتُ ذلك، ثمَّ قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ فأَعْقَبَها اللهُ رسولَه ﷺ فتَزَوَّجَها. هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ، وتابَعَه جماعةٌ من رُواةِ "الموطَّأ" (٢). ورَواه ابنُ وهْبٍ، فقال: حدَّثني مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ربيعَةَ، أنَّ أبا سلَمةَ قال لأُمِّ سلَمةَ: لقد سَمِعْتُ من رسولِ الله ﷺ كلامًا ما أُحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النِّعَمِ، سمِعْتُه يقولُ: "ما من أحَدٍ تُصيبُه مُصِيبَة فيَقولُ ما أمَره اللهُ به: إنَّا للّه وإنَّا إليه راجِعون، اللهمَّ أجُرْنِي في مُصِيبَتي، وأَعْقِبْني خيرًا منها. إلّا فعَل اللهُ ذلك به". قالت: فلمَّا تُوفِّيَ أبو سلَمةَ قلتُ ذلك، ثم قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ ثم قُلْتُه، فأَعْقَبَني اللهُ رسولَه ﷺ . قال أبو عمر: هذا حديثٌ يَتَّصلُ من وجوهٍ شَتَّى، إلّا أنَّ بعضَهم يَجعَلُه لأُمِّ سلَمةَ، عن النبيِّ ﷺ وبعضُهم يَجعَلُه لأُمِّ سلَمةَ، عن أبي سلَمةَ، عن النبيِّ ﷺ . وكذلك اختُلِف فيه أيضًا عن مالكٍ على حسَبِ ما ذكَرْنَاه، وهذا ليس ممّا يَقْدَحُ في الحديثِ؛ لأنَّ رِوايةَ الصحابةِ بعضِهم عن بعضٍ، ورَفْعَهم ذلك إلى النبيِّ ﷺ ،

стр. 1255

سَواءٌ عندَ العلماءِ؛ لأنَّ جميعَهم مقبولُ الحديث، مأمونٌ على ما جاءَ به، بثَناءِ الله عليهم، وقد أوْضَحْنا هذا المعنَى في غيرِ هذا الموضِع. وأبو سلَمةَ ماتَ قبلَ النبيِّ ﷺ ، وقد ذكَرْنا ذلك في كتاب "الصحابة" (١)، فأغْنَى ذلك عن ذِكْرِه هاهنا. أخبَرني أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا وهبُ بنُ مَسَرَّةَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا حَضرْتُمُ الميِّتَ أو المريضَ فقولوا خيرًا؛ فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنُونَ على ما تقولون". قالت: فلمَّا ماتَ أبو سلَمةَ أتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سلَمةَ قد ماتَ. قال: "قولي: اللهُمَّ اغْفِرْ لي وله، وأعْقِبْني منه عُقْبَى حَسَنَة". قالت: ففعَلْتُ، فأَعْقَبني اللهُ مَن هو خيرٌ منه؛ رسولَ الله ﷺ . أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو أُسامةَ، عن سعدِ بنِ سعيد، قال: أخبرني عمرُ بنُ كثيرِ بنِ أفْلَحَ، قال: سمِعتُ ابنَ سَفِينَةَ يُحَدِّثُ، أنَّه سمِع أُمَّ سلَمةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَا من عبدٍ تُصِيبُه مُصيبةٌ فيقولُ: إنَّا للّه وإنَّا إليه راجِعون، اللهمَّ أجُرْني في مُصِيَبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها.

стр. 1256

إلّا أجَرَه اللهُ في مُصيبتِه، وأخْلَفَ له خيرًا منها". قالت: فلمَّا تُوفِّيَ أبو سلَمةَ قلتُ كما أمَرَني رسولُ الله ﷺ ، فأَخْلَفَني اللهُ خيرًا منه، محمّدًا رسولَ الله ﷺ (١). قال أبو بكرٍ: وحَدَّثَنَا ابنُ نُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا سعدُ بنُ سعيدٍ، عن عمرَ بنِ كثيرِ بن أفْلَحَ، قال: أخبَرني عليُّ بنُ سَفِينَةَ (٢) مَوْلَى أُمِّ سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما من عبدٍ تُصيبُه مُصِيبَةٌ". فذكَر مِثلَه، إلّا أنَّه قال: فقلتُ: مَن هو خيرٌ من أبي سلَمةَ صاحبِ رسولِ الله ﷺ ؟ ثم عزَمَ لي، فقُلْتُها (٣). قال أبو عمر: هكذا يقولُ في هذا الحديثِ سعدُ بنُ سعيدٍ بإسنادِه عن أُمِّ سلَمةَ: سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ . وخالَفَه سعيدُ بنُ أبي هلالٍ في الإسنادِ، وجعَلَه عن أُمِّ سلَمةَ، عن أبي سلَمةَ، عن النبيِّ ﷺ ، ذكَرَه ابنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن عُمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفْلَحَ، عن أُمِّ أيمنَ مَولاةِ رسولِ الله ﷺ ، قالت: أخبَرتْني أُمُّ سلَمةَ زوجُ النبيِّ ﷺ ، أنَّ أبا سلَمةَ أتاها يومًا فقال: لقد سمعتُ اليومَ من رسولِ الله ﷺ كلامًا لهو أحَبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَم.

стр. 1257

قالت: وما هو يا أبا سلَمةَ؟ قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن رجَّعَ عندَ مصيبةٍ، ثم قال: اللهمَّ أجُرْني في مُصِيبَتي واخْلِفْ لي خيرًا منها. كان ذلك له بذلك". قالتْ: فلمّا أُصيبَ أبو سلَمةَ رَجَّعْتُ، ثم قلتُ: اللَّهُمَّ أْجُرْني في مُصِيبَتي. قالت: وهَمَمْتُ أنْ أقولَ: وأَخْلِفْ لي خيرًا منها. ثم قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ قالت: ورسولُ الله ﷺ أمامِي مُتَوَكِّئٌ على أبي بكرٍ، مُمْسِكٌ بيَدِه. قالت: ثم قُلتُها. قالت: فشَدَّ على يَدِ أبي بَكْرٍ. قال أبو عمر: هكذا قال سعيدُ بنُ أبي هلالٍ: عن عمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفْلَحَ، عن أُمِّ أيمنَ. وقال سعدُ بنُ سعيدٍ: عن عمرَ بن كثيرِ بنِ أفْلَحَ. عن عليِّ بن سَفِينَةَ. واللّهُ أعلمُ. وأمَّا إسْنادُه عن أبي سَلَمَةَ فهو الصحيح (١)، وباللّه التوفيقُ. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن وضاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٢): حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال:

стр. 1258

أخبَرنا عبدُ الملكِ بنُ قُدَامَةَ الجُمَحِيُّ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبي سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ أبا سلَمةَ حدَّثَها، أنَّه سمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما من مسلمٍ يُصابُ بمُصيبةٍ فيَفْزَعَ إلى ما أمَره اللهُ به من قولِ: إنا للّه وإنا إليه راجِعون، اللهمَّ عندَك أحْتَسِبُ مُصِيبَتي، فأْجُرْني فيها، وعِضْنِي خيرًا منها. إلَّا أجَرَه اللهُ عليها، وعَاضَه خيرًا منها". قالت: فلمَّا تُوفِّي أبو سلَمةَ ذكَرْتُ الذي حدَّثني عن رسولِ الله ﷺ فقلتُ: إنا للّه وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أحْتَسِبُ عندَك مُصيَبتي، فأْجُرْني عليها. فلمّا أردتُ أنْ أقولَ: وعِضْنِي خيرًا منها. قلتُ في نفسي: أُعاضُ خيرًا من أبي سلَمةَ؟ ثم قلتُها، فعاضني اللهُ محمدًا ﷺ ، وأَجَرَني في مُصِيبَتي. قال أبو عمر: عبدُ الملك بنُ قُدامَةَ هذا هو عبدُ الملكِ بنُ قُدامةَ بنِ محمدِ بن حاطبٍ الجُمَحيُّ، مَدَنيٌّ ثقةٌ شريفٌ (١). وأخبَرني أبو عبدِ الله عُبيدُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملك، قالا: أخبَرنا عبدُ الله بنُ مسورٍ العسَّالُ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بن حفصٍ العَيْشِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ أبي سلَمةَ بن عبدِ الأسدِ، عن أُمِّه أُمِّ سلَمةَ، أنَّ أبا سلَمةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أصابَ أحدَكم مُصِيبَةٌ فلْيقُلْ: إنا للّه وإنا إليه راجِعون، اللهمَّ عندَك احْتَسبْتُ مُصيبَتي، فأْجُرْني فيها، وأَبْدِلْني بها خيرًا منها". قالت: فلمَّا احْتُضِرَ أبو سلَمةَ بنُ عبدِ الأسدِ، قال: اللهمَّ أخْلِفْنِي في أهْلي بخير منِّي. فلمَّا قُبِضَ أبو سلَمةَ قلتُ: إنا للّه وإنا إليه راجعون، اللهمَّ عندَك احْتَسَبْتُ مُصِيبَتي، فأْجُرْني فيها. فكنتُ إذا أرَدْتُ أنْ أقولَ: وأبْدِلْني خيرًا منها. قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ فلم أَزَلْ حتى قلتُها. قال: فلمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خطَبها أبو بكرٍ فرَدَّتْه، ثم خطَبها عمرُ فرَدَّتْه،

стр. 1259

ثم بعَث إليها رسولُ الله ﷺ فخطَبها، فقالت: مرحبًا برسولِ الله ﷺ أو قالت: مرحبًا باللّه ورسولِه - أقْرِئْ رسولَ الله السلامَ، وأخْبِرْه أنِّي امْرَأةٌ غَيْرَى، وأنا مُصْبِيةٌ (١)، وليس أحدٌ من أوليائي شاهِدًا. قال: فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أمَّا قولُكِ: إنِّي غَيْرَى. فإنِّي سأدْعُو اللهَ أنْ يُذْهِبَ غَيْرَتَكِ، وأمَّا قولُك: إنِّي مُصْبِيَةٌ. فإنَّ اللهَ سيكفيكِ، وأمَّا أولياؤُكِ، فليس أحدٌ منهم شاهدًا ولا غائبًا إلّا سَيَرْضَاني". فقالت لابْنِها: قُمْ يا عمرُ، فزوِّجْ رسولَ الله ﷺ . فزَوَّجَها، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أمَا إنِّي لا أنْقُصكِ مما أعْطيتُ أُختَكِ فلانةَ؛ جرَّتين، ورَحًى، ووِسادةً من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ". قال: وكان رسولُ الله ﷺ يأتيها وهي تُرْضِعُ زينبَ، فكان إذا جاءَ رسولُ الله ﷺ أخَذَتْها فوَضَعَتْها في حَجْرِها تُرْضِعُها، وكان رسولُ الله ﷺ حَييًّا كريمًا، فرجَع، فنظَر إليها عَمَّارُ بنُ ياسرٍ، وكان أخاها من الرَّضَاعةِ، فأرادَ رسولُ الله ﷺ أن يأتيَها ذاتَ يوم، فجاءَ عمَّارٌ فدخَل عليها، فانْتشَط زينبَ من حَجْرِها، وقال: دَعِي هذه المقبوحةَ المَشقُوحَةَ (٢) التي قد آذَيْتِ بها رسولَ الله ﷺ . فجاءَ رسولُ الله ﷺ فدخَل، فجعَل يَلتَفِتُ يَنظُرُ في البيتِ ويقولُ: "أينَ زُنابُ؟ ما فعَلتْ زُنابُ؟ ما لي لا أرَى زُنابَ؟ ". فقالت: جاءَ عمارٌ فذهَب بها. فبَنَى رسولُ الله ﷺ بأهلِه، وقال لها: "إنْ سبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لنِسَائي" (٣).

стр. 1260

قال أبو عمر: ليس في حديثِ أُمِّ سلَمةَ من روايةِ مالكٍ معنًى يُشْكِلُ، ولا موضعٌ تَنازَعَه العلماءُ في التأويل، وإنّما هو دعاءٌ واستِرْجاعٌ وتَعَزٍّ. ومعنَى قولِه: "إنا للّه"؛ أي: نحنُ للّه عبيدٌ، وخلْقٌ خُلِقْنا للفناء، "وإنا إليه راجعون". أي: وإليه نصيرُ ونرْجِعُ؛ لأنَّه تباركَ اسْمُه إليه يَرجِعُ الأمرُ كلُّه، والخلقُ كلُّه، فلا بُدَّ من الموتِ والرجوع إلى الله، أيْ: فما لنا نَجْزَعُ ممَّا لا بُدَّ لنا منه، ولا مَحِيدَ عنه؟ وهذا أحسنُ شيءٍ وأبلغُه في حُسْنِ العزاءِ، وفيه إيمانٌ وإخلاصٌ وإقرارٌ بالبعث، والحمدُ للّه.

стр. 1261

حديثٌ تاسع بيعةَ مُنقَطعٌ يتَّصلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، عن غيرِ واحدٍ من علمائِهم، أنَّ أبا موسَى الأشعريَّ جاء يَستأذِنُ على عمرَ بن الخطاب، فاستَأذَن ثلاثًا، ثم رجَع، فأرسَل عمرُ بنُ الخطابِ في أثَرِه، فقال: ما لكَ لَمْ تَدْخُلْ؟ فقال أبو موسى: سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الاستِئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ، وإلا فارجعْ". فقال عمرُ بنُ الخطاب: ومَن يَعلَمُ هذا؟ لئن لَمْ تأتِني بمن يَعلمُ ذلك لأفْعلنَّ بك كذا وكذا. فخرَج أبو موسى حتى جاء مجلسًا في المسجدِ يُقالُ له: مجلسُ الأنصار. فقال: إنِّي أَخْبَرْتُ عمرَ بنَ الخطاب أنّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الاستِئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ، وإلّا فارجعْ". فقال: لئن لمْ تأتِني بمَن يَعلمُ هذا لأفعلنَّ بك كذا وكذا. فإنْ كان سمِع ذلك أحدٌ منكم فلتقُمْ معي. فقالوا لأبي سعيدٍ الخدريِّ: قُمْ معه. وكان أبو سعيدٍ أصغرَهم، فقام معه، فأخبَرَ ذلك عمرَ بنَ الخطاب، فقال عمرُ لأبي موسى: أمَا إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولكنِّي خَشِيتُ أن يَتقَوَّلَ الناسُ على رسولِ الله ﷺ . قال أبو عمر: رُوِيَ هذا الحديثُ متصلًا مُسنَدًا عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ؛ من حديثِ أبي موسى (٢)، وحديثِ أُبَيٍّ بنِ كعبٍ (٣)، وحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريّ (٤).

стр. 1262

وقال بعضُهم في هذا الحديث: كلُّنا سَمِعَه (١). وقد روَى قومٌ هذا الحديث عن أبي سعيدٍ، عن أبي موسى (٢). وإنّما هذا من النَّقَلَةِ؛ لاخْتِلاطِ الحديثِ عليهم، ودخولِ قصةِ أبي سعيدٍ مع أبي موسى في ذلك، واللّهُ أعلمُ، كأنَّهم يقولون: عن أبي سعيدٍ، عن قصةِ أبي موسى. على نحوِ روايةِ عُمَيرِ بنِ سلمةَ، عن البَهْزِيِّ، يريدُ: عن قصةِ البَهْزِيِّ. وقد أوْضَحْنا هذا المعنَى عندَ ذكرِ البَهْزِيِّ، في باب يحيَى بن سعيدِ من كتابِنا هذا (٣)، والحمدُ للّه. ومن أحسنِ طُرُقِ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ في هذه القصة ما حَدَّثَنَاه أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمدِ بن مسرورٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ أبي سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا سُحْنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهب، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارث، عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ، أنَّ بُسْرَ بن سعيدٍ حدَّثه، أنَّه سمِع أبا سعيدٍ الخُدْرِيَّ يقولُ: كنا في مجلسِ أُبَيٍّ بنِ كعبٍ، فأتَى أبو موسى مُغْضَبًا حتى وقَف، وقال: أنْشُدُكم اللهَ، هل سمِع أحدٌ منكم رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الاستِئذانُ ثلاث، فإن أُذِنَ لك، وإلّا فارجِعْ"؟ قال أُبَيٌّ: وما ذاك؟ قال: استأذنْتُ على عمرَ أمسِ ثلاثَ مراتٍ، فلم يُؤذَن لي، فرجَعْتُ، ثم جِئْتُ اليومَ،

стр. 1263

فدخلْتُ عليه، فأخبَرتُه أنِّي جِئْتُ أمسِ فسلَّمْتُ ثلاثًا ثم انصرَفْتُ. فقال: قد سمِعناكَ ونحنُ حينئذٍ على شُغلٍ، فلو استأذَنتَ حتى يُؤْذنَ لكَ؟ قال: استأذَنْتُ كما سمِعتُ رسولَ الله ﷺ . فقال: واللّه لأُوجِعَنَّ ظهْرَكَ وبطنَكَ، أو لتَأْتِيَنِّي بمَن يَشهَدُ لك على هذا. فقال أُبَيٌّ: واللّه لا يَقومُ معكَ إلَّا أحدَثُنا سِنًّا، الذي يُجِيبُكَ، قُمْ يا أبا سعيدٍ. فقُمْتُ حتى أتَيْتُ عمرَ، فقلتُ: قد سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ هذا (١). قال ابنُ وَهْب: وقال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحبُّ أن يزيدَ أحدٌ عليها إلّا من عَلِمَ أنه لَمْ يَسْمعْ، فلا أرى بأسًا أن يزيد إذا استيقن أنه لَمْ يسمع. قال: وقال مالك: الاستئناس فيما نرى واللّه أعلم: الاستئذان (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عيسى، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ محمدٍ ببغدادَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَوِيُّ، قال (٣): حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجَعْدِ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن سعيدٍ الجُرَيريِّ، سمِع أبا نضْرَةَ يُحَدِّثُ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: جاء أبو موسى، فاستَأذَن على عمرَ ثلاثًا، فلم يُؤذَنْ له، فرجَع، فقال عمرُ: لئِن لَمْ تأتِني ببيِّنَةٍ أو لأفعلنَّ بك. فأتَى الأنصارَ، فقال: ألسْتُم تَعلَمون أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا استَأْذَن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤذَنْ له فليَرْجِعْ". قال: فقالوا: لا يشهَدُ لك إلّا أصغرُنا. قال أبو سعيدٍ: فأتيتُه فشَهِدْتُ له.

стр. 1264

قال عليٌّ (١): أخبَرنا شعبةُ، عن أبي مَسْلَمةَ سعيدِ بنِ يَزيدَ، سمِع أبا نضْرةَ يُحدِّثُ، عن أبي سعيدٍ مثلَ ذلك. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حَدَّثَنَا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن أبي مَسْلَمةَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إنَّ أبا موسى استأْذَن على عمرَ. قال: واحدةً، ثِنْتَيْن، ثلاثًا، ثم رجَع أبو موسى، فقال له عمرُ: لتَأْتِيَنَّ على هذا ببَيِّنَةٍ، أو لأفعَلنَّ بك. كأنَّه يقولُ: أجْعَلُه نَكالًا في الآفاق. قال: فانْطلَق أبو موسى إلى مجلسٍ فيه الأنصارُ، فذكَر ذلك لهم، فقال: ألم تَعلَموا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا استأْذَن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له، فليَرْجِعْ"؟ قالوا؛ بلي، لا يَقومُ معك إلَّا أصغرُنا. قال: فقام أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ إلى عمرَ، فقال: هذا أبو سعيدٍ. فخلَّى عنه. قال أبو عمر: رواه معمرٌ، عن الجُرَيريِّ بإسنادِه، فلم يَأْتِ بالقصةِ بتَمامِها (٣)، ورَوَاه عن أبي نَضْرَةَ أيضًا؛ داودُ بنُ أبي هندٍ، وروايةُ أبي مَسْلَمةَ أحْسنُ سياقةً، وأتمُّ معنًى. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤): حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بن أبي هندٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ،

стр. 1265

قال: استأذَن أبو موسى على عمرَ ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فلَقِيَه عمرُ، فقال: ما شأنُكَ رجَعْتَ؟ فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن أستأذَن ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له، فليَرْجعْ". فقال: لتَأْتِيَنَّ ببيِّنةٍ، أو لأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ. فائى مجلسَ قومِه فنَاشَدَهم اللهَ، فقلتُ: أنا أشْهَدُ معك. فشَهِدْتُ بذلك، فخلَّى سبيلَه. وأمَّا روايةُ من روَى هذا الحديثَ عن أبي موسى الأشعرِيِّ، فحدَّثني عبد الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن داودَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المستأْذِنُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له، فليَرْجعْ" (١). وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قال: حَدَّثَنَا ابنُ داودَ، عن طلحةَ بن يحيى، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، أنَّه أتَى عمرَ، فاستَأذَن ثلاثًا، فقال: يستأذِنُ أبو موسى، يستأذِنُ الأشعريُّ، يستأذِنُ عبدُ الله بنُ قيسٍ. فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فبعَث إليه عمرُ، فقال: ما رَدَّكَ؟ فقال: قال رسولُ الله ﷺ : "ليستأْذِنْ أحدُكم ثلاثًا، فإن أُذِن له، وإلَّا فليرجِعْ". قال: ائتِني ببيِّنةٍ على هذا. فقال: هذا أُبَيٌّ. فانطَلَقْنا إلى عمرَ، فقال: نعم يا عمرُ، لا تكنْ عذابًا على أصحاب رسولِ الله ﷺ . فقال عمرُ: لا أكونُ عَذابًا على أصحاب رسولِ الله ﷺ (٢).

стр. 1266

وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بن مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قالا (١): حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبَيدِ بنِ عميرٍ، أنَّ أبا موسى استأْذَنَ على عمرَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فقال: الم أسْمَعْ صوتَ عبدِ الله بنِ قيس أَنِفًا؟ قالوا: بلى. قال: فاطْلُبوه. قال: فدُعِيَ، فقال: ما حمَلكَ على ما صَنَعْتَ؟ قال: اسْتَأْذَنْتُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ لي، فرَجَعْتُ، كُنَّا نُؤْمَرُ بهذا. فقال: لتَأْتِيَنَّ عليه بالبيِّنةِ، أو لأفعلنَّ. فأتَى مجلسَ أو مسجدَ الأنصار، فقالوا: لا يشْهَدُ لك إلّا أصغرُنا. فقام أبو سعيدٍ، فشهِد له، فقال عمرُ: خَفِيَ عليَّ هذا من أمْرِ رسولِ الله ﷺ ، ألْهَاني عنه الصفْقُ في الأسواقِ. واللَّفظُ لحديثِ عبدِ الله، والمعنَى سواءٌ. قال أبو عمر: في هذا الحديثِ من الفقهِ إيجابُ الاستِئْذانِ، وهو يُخرَّجُ في تفسيرِ قولِ الله : ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. والاسْتِئناسُ في هذا الموضع هو الاستِئذانُ، كذلك قال أهلُ التَّفسيرِ، وكذلك في قراءةِ أُبَيٍّ، وابنِ عباسٍ: (حتى تَسْتَأْذِنوا وتُسَلِّموا على أهلِها) (٢).

стр. 1267

أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ أبو جعفرٍ الصَّائغُ، قال: حَدَّثَنَا عفَّانُ (١)، قال: حدَّثني ثابتُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثَنَا عاصمٌ الأحوَلُ، عن عكرمةَ، قال: في قراءةِ أُبَيٍّ بنِ كعب: (حتى تُسَلِّموا وتستأذِنوا). قال: وتعلَّمَ منه ابنُ عباس. وفيه أنَّ السُّنَّةَ في الاستئذانِ ثلاثُ مراتٍ، لا يُزادُ عليها. ويَحتمِلُ أن يكونَ ذلك على معنَى الإباحةِ والتَّخْفيفِ على المستأذنِ، فمَن استأْذنَ أكثرَ من ثلاثِ مراتٍ لَمْ يَحْرَجْ، واللّهُ أعلمُ. وقال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ الاستئذانَ ثلاثَ مراتٍ مأخوذٌ من قولِ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]. قال: يريدُ ثلاثَ دَفَعَاتٍ، فورَد القرآنُ في المماليكِ، والصِّبيانِ، وسُنَّةُ رسولِ الله ﷺ في الجميع (٢). قال أبو عمر: ما قالَه من هذا فإنَّه غيرُ معروفٍ عن العلماءِ في تفسيرِ الآيةِ التي نزَع بها، والذي عليه جمهورُهم في قوله فيها: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾؛ أي: في ثلاثةِ أوقاتٍ، يدُلُّ على صحةِ هذا القولِ ذِكْرُه فيها: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾. وللكلام في هذه الآية موضِعٌ غيرُ هذا.

стр. 1268

وجاء في هذا الحديثِ عن أبي موسى أنَّه كان استئذانُه يومَئذٍ بأن قال: يستأذِنُ عبدُ الله بنُ قيسٍ، يستأذِنُ أبو موسى. ونحوُ هذا. قال أبو عمر: وفيه أنَّ الرجلَ العالمَ الحَبْرَ قد يُوجَدُ عندَ مَن هو دونَه في العِلْمِ ما ليس عندَه من العلم، إذا كان طريقُ ذلك العلم السَّمْعَ، وإذا جاز مثلُ هذا على عمرَ على موضعِه في العلم، فما ظَنُّك بغيرِه بعدَه؟ وروَى وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لو أنَّ علمَ عمرَ وُضِعَ في كِفَّةٍ، ووُضِع علمُ أحياءِ الأرضِ في كِفَّةٍ أُخرَي، لرجَح علمُ عمرَ بعلمِهم. قال الأعمشُ: فذكَرتُ ذلك لإبراهيمَ، فقال: لا تَعْجَبْ من هذا، فقد قال عبدُ الله: إنِّي لأحسَبُ تسعةَ أعشارِ العلمِ ذهَب يومَ ذهَب عمرُ (١). وجاءَ عن حُذيفةَ مثلُ قولِ عبدِ الله (٢). قال أبو عمر: زعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ مذْهبَ عمرَ الَّا يقبلَ خبرَ الواحدِ. وليس كما زعَموا؛ لأنَّ عمرَ ﵁ قد ثبَت عنه استعمالُ خبرِ الواحدِ وقبولُه، وإيجابُ الحكْم به، أليس هو الذي نَشَد الناسَ بمِنًى: مَن كان عندَه علمٌ برسولِ الله ﷺ في الدِّيَةِ، فليُخْبِرْنا؟ وكان رأيُه أنَّ المرأةَ لا تَرِثُ من دِية زوجِها؛ لأنَّها ليست من عَصَبَتِه الذين يعقِلُون عنه، فقام الضَّحَّاكُ بنُ سفيانَ الكِلابيُّ، فقال: كتَب إليَّ رسولُ الله ﷺ أنْ أُوَرِّثَ امرأةَ أشْيَمَ الضِّبَابيِّ من دِيةِ زوجِها (٣).

стр. 1269

وكذلك نَشَد الناسَ في دِيَةِ الجَنين: مَن عندَه فيه عن رسولِ الله ﷺ عِلْمٌ؟ فأخبرَه حَمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغَةِ أنَّ رسولَ الله ﷺ قضى فيه بغُرَّةٍ عبدٍ أو أمةٍ، فقضَى به عمرُ (١). ولا يشُكُّ ذُو لُبٍّ، ومن له أقلُّ منزلةٍ في العلم، أنَّ موضِعَ أبي موسى من الإسلام، ومكانَه من الفقهِ والدين، أجلُّ من أنْ يُرَدَّ خبرُه، ويُقبلَ خبرُ الضَّحَّاكِ بنِ سفيانَ الكِلابيِّ وحَمَلِ بنِ مالكٍ الأعرابيِّ، وكلاهما لا يُقاسُ به في حالٍ، وقد قال له عمرُ في حديثِ ربيعةَ هذا: أمَا إنِّي لَمْ أتَّهِمْك، ولكنِّي خَشِيتُ أنْ يَتقوَّلَ الناسُ على رسولِ الله ﷺ . فدَلَّ ذلك على اجتهادٍ كان من عمرَ ﵁ في ذلك الوقتِ لمعنًى اللهُ أعلمُ به. وقد يَحتمِلُ أنْ يكونَ عمرُ ﵁ كان عندَه في ذلك الحين من لَمْ يَصْحَبْ رسولَ الله ﷺ من أهلِ العراقِ وأهل الشام؛ لأنَّ اللهَ فتَح عليه أرضَ فارسَ والروم، ودخَل في الإسلام كثيرٌ ممَّن يَجوزُ عليهم الكَذِبُ؛ لأنَّ الإيمانَ لَمْ يَسْتَحْكمْ في قلوب جماعةٍ منهم، وليس هذه صفةَ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنَّ اللهَ قد أخبَر أنَّهم خيرُ أُمَّةٍ أُخْرجَتْ للناس، وأنَّهم أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رحماءُ بينَهم، وأثنَى عليهم في غيرِ موضعٍ من كتابِه. وإذا جاز الكَذِبُ وأمكَن في الدَّاخِلين في الإسلام، فممكِنٌ أن يكونَ عمرُ مع احْتِياطِه في الدِّين يخشَى أنْ يَخْتلِقوا الكذبَ على رسولِ الله ﷺ عندَ الرَّغبةِ والرَّهْبَةِ وطلبًا للحُجَّةِ، وفِرارًا إلى المَلْجَإِ والمخرَج ممَّا دخَلوا فيه، لقِلَّةِ عِلْمِهم بما في ذلك عليهم، فأراد عمرُ أنْ يُرِيَهم أنَّ من فعَل

стр. 1270

شيئًا يُنكَرُ عليه، ففَرع إلى الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ فيه، ليُثْبِتَ له بذلك فعلَه، وجَب التَّثبُّتُ فيما جاء به إذا لَمْ تُعْرَفْ حالُه حتى يَصحَّ قولُه، فأراهم ذلك، ووافقَ أبا موسَى، وإن كان عندَه معروفًا بالعدالَةِ غيرَ مُتَّهَم؛ ليكونَ ذلك أصلًا عندَهم، وللحاكم أنْ يجتَهِدَ بما أمْكنَه إذا أراد به الخيرَ، ولم يَخْرُجْ عمَّا أُبيحَ له، واللّهُ أعلمُ بما أرادَ عمرُ بقولِه ذلك لأبي موسَى. وعلى هذا قولُ طاووسٍ، قال: كان الرجلُ إذا حدَّث عن رسولِ الله ﷺ أُخِذَ حتى يَجيءَ ببيِّنةٍ، وإلَّا عُوقِبَ (١). يعني: ممَّن ليس بمعروفٍ بالعدالةِ ولا مشهورٍ بالعلم والثِّقَةِ، ألا ترَى إلى إجماعِ المسلمين أنَّ العالمَ إذا حدَّث عن رسولِ الله ﷺ ، وكان مشهورًا بالعلم، أُخِذَ ذلك عنه، ولم يُنْكَرْ عليه، ولم يَحْتَجْ إلى بَيِّنَةٍ؟ ومن نحوِ قولِ طاووسٍ هذا قولُ سعدِ بنِ إبراهيمَ ﵀: لا يُحدِّثُ عن رسولِ الله ﷺ إلَّا الثِّقاتُ (٢). أيْ كلُّ مَن إذا وُقفَ أحالَ على مخرَجٍ صحيحٍ، وعلمٍ ثابتٍ، وكان مستورًا لَمْ تَظْهَرْ منه كبيرةٌ، وباللّه التوفيقُ. قال أبو عمر: وأمّا قولُ من قال: إنَّ عمرَ لَمْ يعرِفْ أبا موسى. فقولٌ خرَج عن غيرِ رَوِيَّةٍ ولا تَدَبُّرٍ، ومنزلةُ أبي موسى عندَ عمرَ مشهورةٌ، وقد عَمِل له، وبعَثه رسولُ الله ﷺ عاملًا وساعِيًا على بعض الصَّدَقاتِ، وهذه منزِلَةٌ رفيعةٌ في الثِّقَةِ والأمانَة. وفي قولِ عمرَ ﵁، في حديثِ عُبيدِ بنِ عميرٍ الذي ذكَرْناه في هذا الباب (٣): خَفِي عليَّ هذا من أمرِ رسولِ الله، ﷺ ألْهاني عنه الصَّفْقُ في الأسواقِ. اعترافٌ منه بجَهْلِ ما لَمْ يَعلمْ، وإنْصافٌ صحيحٌ، وهكذا يجبُ على كلِّ مؤمن.

стр. 1271

وفي قولِه: "ألْهاني عنه الصَّفْقُ بالأسواق" دليلٌ على أنَّ طلبَ الدُّنيا يمْنَعُ من استِفادةِ العلم، وأنَّ كلَّما ازْدادَ المرءُ طلبًا لها، ازدادَ جهلًا، وقلَّ عِلمُه، واللّهُ أعلمَ. ومن هذا قولُ أبي هريرةَ: أمَّا إخوانُنا المهاجِرون، فكان يَشْغَلُهم الصفْقُ بالأسواق، وأمَّا إخوانُنا من الأنصارِ فشَغَلَتْهم حوائِطُهم، ولَزِمْتُ رسولَ الله ﷺ على شِبَعِ بَطْنِي (١). هذا وكان القومُ عَرَبًا، في طبعِهم الحفظُ وقلَّةُ النِّسيانِ، فكيفَ اليومَ؛ وإذا كان القرآنُ الميَسَّرُ للذِّكْرِ كالإبلِ المُعَقَّلَةِ، من تعاهدَها أمسَكَها، فكيف بسائرِ العلوم؟ واللّهَ أسألُه علمًا نافعًا، وعملًا مُتقبَّلًا، ورزقًا واسعًا، لا شريكَ له. ومن أحسنِ حديثٍ يروَى في كيفيةِ الاستئذانِ، ما حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حَدَّثَنَا يحيى بنُ آدمَ، عن حسنِ بنِ صالح، عن أبيه، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: استأْذَن عمرُ على النبيِّ ﷺ ، فقال: السلامُ على رسولِ الله، السلامُ عليكم، أيَدخُلُ عمرُ؟

стр. 1272

وروَى منصور، عن رِبْعيِّ بنِ حِراشٍ، عن رجلٍ من بني عامرٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال له: "قل: السلامُ عليكم. أأدخُلُ؟ " (١). وقد ذكَرَ ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عَمْرو بن الحارث عن أبي الزُّبير، عن عُمر مولى آل عُمر، أنه حدَّثه أنه دخَل على عبد الله بن عُمر بمكةَ، قال: وقَفْتُ على الباب فقلت: السلامُ عليكم. ثم دخَلتُ، فنَظَر في وجهي ثم قال: اخرُجْ، ثم قلت: السلامُ عليكم، أأدخُل؛ قال: ادخُل الآنَ، من أنت؟ قلت: رجلٌ من مِصر. قال: وقال ابنُ جُرَيْج: قلت لعطاءٍ: كان يقالُ: إذا استأذَن الرجلُ ولم يُسلِّمْ فلا يؤذَنُ له حتى يأتيَ بمفتاح، قلت: السلام؟ قال: نعم. قال أبو عمر: تهذيبُ هذه الآثار كلِّها على ما جاء في حديثِ ابن عبّاس: السلامُ عليكم، أيدخُلُ عُمر؟ فمَن سلَّم ولم يقُلْ: أأدخُل أو: يَدخُلُ فلانٌ، أو قال: أدخُلُ أو يَدخُلُ فلانٌ ولم يُسلِّمْ، فليس بإذْنٍ يستحقُّ به أن يؤذَنَ له، واللّه أعلم؛ وقد أخبَرنا ابنُ عبّاس أنّ الاستئذانَ: ترَكَ العملَ به الناسُ، وأظُنُّ ذلك لقَرْع الأبوابِ اليومَ واللّهُ أعلم. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢):

стр. 1273

حَدَّثَنَا القَعْنبيُّ، قال: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْديُّ، عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن عِكرمةَ، عن ابن عبّاس، قال: كان الناسُ ليس لبيوتهم ستورٌ ولا حِجال، فأمَرَهم اللهُ بالاستئذان ثم جاءهم اللهُ بالسُّتور والخير، فلم أرَ أحدًا يعملُ بذلك بعد. وقد أوضحنا هذا المعنى في باب صفوانَ بن سُليم، والحمدُ للّه. وأنكَر رسولُ الله ﷺ على جابرٍ حينَ دَقَّ البابَ على رسولِ الله ﷺ ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "مَن؟ "، فقال جابرٌ: أنا، فأنكَر ذلك عليه رسولُ الله ﷺ ، وقال: "أنا، أنا! "، مرَّتَيْن أو ثلاثًا، إنكارًا لذلك. ورواه شُعبةُ وغيرُه، عن محمد بن المُنكدِر، عن جابر بن عبد الله، أنه ذهب إلى النبيِّ ﷺ في دَيْن أبيه، قال: فدققتُ الباب، فقال: "من هذا؟ "، قلت: أنا، قال: "أنا، أنا"، فكرِهه (١).

стр. 1274

حديثٌ عاشرٌ لربيعةَ مُنقَطِعٌ يتَّصل من وُجُوهٍ صِحاح مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، أنَّه قال: قدِم على أبي بكرٍ الصديقِ مالٌ من البحرين، فقال: مَن كان له عندَ رسولِ الله ﷺ وَأْيٌ أو عِدَةٌ فلْيَأتني. فجاءَ جابرُ بنُ عبدِ الله، فحفَن له ثلاثَ حَفَناتٍ. هذا الحديثُ يتَّصِلُ من وجوهٍ ثابتةٍ عن جابرٍ، رواه عنه جماعةٌ؛ منهم أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ، ومحمدُ بنُ المُنْكَدِر، وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عَقيل، وأبو الزُّبيرِ، والشَّعْبيُّ. وسنذكُرُ وجوهَ هذا الحديثِ وطُرُقَه بعدَ الفراغِ من القولِ في معانِيه إن شاء اللهُ. وفيه من الفقه: أنَّ العِدةَ واجبٌ الوفاءُ بها وجوبَ سُنَّةٍ وكرامةٍ، وذلك من أخلاقِ أهلِ الإيمان، وقد جاءَ في الأثر: "وَأْيُ المؤمنِ واجبٌ" (٢). أي: واجبٌ في أخلاقِ المؤمنين. وإنَّما قلنا: إنَّ ذلك ليس بواجبٍ فرضًا؛ لإجماعِ الجميع على أنَّ من وُعِدَ بمالٍ ما كان، لَمْ يَضِربْ به مع الغُرماء، فلذلك قلنا: إيجابُ الوفاءِ به حَسَنٌ في المروءةِ، ولا يُقْضَى به. ولا أعلمُ خلافًا أنَّ ذلك مُسْتَحْسَنٌ، يستَحِقُّ صاحبُه الحمدَ والشكرَ على الوفاءِ به، ويستَحِقُّ على الخُلْفِ في ذلك الذَّمَّ، وقد أثنَى اللهُ على من صدَق وعدَه، ووفَّى بنَذْرِه، وكفَى بهذا مَدْحًا، وبما خالَفَه ذَمًّا،

стр. 1275

ولم تَزَلِ العربُ تَمْدَحُ بالوفاءِ، وتَذُمُّ بالغَدْرِ والخُلْفِ، وكذلك سائرُ الأُمَم، واللّهُ أعلمُ. قال سابقُ بنُ خُريم (١): متى ما يَقُلْ حُرٌّ لطالبِ حاجَةٍ ... نعم يَقْضِها والحُرُّ للوِأْيِ ضامِنُ والوأْيُ: العِدَةُ. ولمَّا كان هذا من مكارمِ الأخلاق، وكان رسولُ الله ﷺ أوْلَى الناسِ بها وأبدَرَهم إليها، وكان أبو بكرٍ خليفتَه - أدَّى ذلك، وقامَ فيه مقامَه، في المَوْضِع الذي كان رسولُ الله ﷺ يُقِيمُه. وقد اختلَف الفقهاءُ فيما يلزَمُ من العِدَةِ وما لا يَلْزَمُ منها، وكذلك اختلَفوا في تأخيرِ الدَّيْنِ الحالّ، هل يلزَمُ أم لا يلزَمُ؟ وهو من هذا الباب؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: مَن أقْرَضَ رجُلًا مالًا؛ دنانيرَ أو دراهمَ، أو شيئًا ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ، أو غيرَ ذلك، إلى أجَلٍ، أو منَح مِنْحَةً، أو أعارَ عاريَّةً، أو أسْلَف سَلَفًا، كلُّ ذلك إلى أجل، ثم أرادَ الانصرافَ في ذلك وأخْذَه قبلَ الأجَلِ، لَمْ يكنْ ذلك له؛ لأنَّ هذا ممّا يُتَقَرَّبُ به إلى الله ، وهو من بابِ الحِسْبَة. قال أبو عمر: ومن الحُجَّةِ لمالكٍ ﵀ في ذلك عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقولِه ﵇: "كلُّ معروفٍ صدقة" (٢). وأجْمعوا أنَّه لا يُنصَرَفُ في الصَّدَقاتِ، وكذلك سائرُ الهِباتِ. قال مالكٌ: وأمَّا العِدَةُ مثلُ أنْ يَسألَ الرَّجلُ الرجلَ أنْ يَهَبَ له الهِبَةَ، فيقولَ له: نعم. ثم يبدُو له الَّا يَفعلَ، فما أرَى ذلك يَلْزَمُه. قال مالكٌ: ولو كان ذلك في قضاءِ دَيْنٍ، فسَألَه أن

стр. 1276

يَقْضِيَه عنه، فقال: نعم. وثَمَّ رجالٌ يَشْهَدُون عليه، فما أحْرَاه أنْ يلْزَمَه إذا شهِد عليه اثْنان. وقال ابنُ القاسم: إذا وعَد الغُرماءَ، فقال: أشْهِدُكم أنِّي قد وهَبْتُ لهذا من أين يُؤَدِّي إليكم. فإنَّ هذا يَلْزَمُه، وأمَّا أنْ يقولَ: نعم، أنا أفعلُ. ثم يبدُو له، فلا أرَى ذلك عليه. وقال سُحْنُونٌ (١): الذي يلزَمُه من العِدَةِ في السَّلَفِ والعارِيَّةِ، أنْ يقولَ للرَّجل: اهْدِمْ دارَكَ وأنا أُسْلِفُكَ ما تَبْنِيها به. أو: اخرُجْ إلى الحجِّ وأنا أُسْلِفُكَ ما يُبَلِّغُكَ. أو: اشْترِ سلعةَ كذا. أو: تَزَوَّجْ، وأنا أُسْلِفُكَ ثمنَ السِّلعةِ، وصداقَ المرأةِ. وما أشْبَهَه ممَّا يُدخلُه فيه، وينْشِبُه به، فهذا كلُّه يلزَمُه. قال: وأمَّا أنْ يقولَ: أنا أُسْلِفُك. و: أنا أُعْطِيكَ. بغيرِ شيءٍ يُلزِمُه المأمورُ نفسَه، فإنَّ هذا لا يلزَمُه منه شيءٌ. قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وعبيدُ الله بنُ الحسن (٢)، وسائرُ الفقهاءِ: أمَّا العِدَةُ فلا يلزَمُه منها شيءٌ؛ لأنَّها مَنافعُ لَمْ يَقْبِضْها في العاريَّةِ لأنَّها طارئةٌ، وفي غيرِ العاريَّةِ هي أشخاصٌ وأعيانٌ موهوبةٌ لَمْ تُقْبَضْ، ولصاحبِها الرجوعُ فيها (٣). وأمَّا القَرْضُ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: سواءٌ كان القَرْضُ إلى أجلٍ أو إلى غيرِ أجَلٍ، له أنْ يأخُذَه متى أحَبَّ، وكذلك العاريَّةُ وما كان مثلَ ذلك كلِّه، ولا يَجوزُ تأخيرُ القَرْضِ البَتَّةَ بحالٍ. ويجوزُ عندَهم تأخيرُ المغصوبِ وقِيَمِ

стр. 1277

المُسْتَهلكاتِ، إلَّا زُفَرَ فإنَّه لا يُجوِّزُ التَّأْجيلَ في القَرْضِ ولا في الغَصْبِ (١). واضْطرَبَ قولُ أبي يوسُفَ في هذا الباب (٢). وقال الشافعيُّ (٣): إذا أخَّرَه بدَيْنٍ حالٍّ فله أنْ يَرجِعَ متى شاءَ، وسواءٌ كان من قَرْضٍ أو غيرِ قرضٍ، أو من أيِّ وجهٍ كان، وكذلك العارِيَّةُ وغيرُها، لأنَّ ذلك من بابِ العِدَةِ والهبةِ غيرِ المقْبُوضةِ، وهبةِ ما لَمْ يُخْلَقْ. قال أبو عمر: في هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنْ يَقضِيَ الإنسانُ عن غيرِه بغيرِ إذْنِه، فيَبْرَأ، وأنَّ المَيِّتَ يسْقُطُ عنه ما كان عليه بقَضَاءِ من قَضى عنه، واللّهُ أعلمُ. قال أبو عمر: أمَّا الآثارُ المُتَّصِلَةُ في معنَى حديثِ ربيعةَ هذا فحَدَّثَنَا خَلَفُ ابنُ قاسمٍ الحافظ قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ أبا أحمدَ الحسينَ بنَ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيدَ القَراطِيسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ المُنْكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله - قال سفيانُ: وحدَّثني عمرُو بنُ دينارٍ، عن محمدِ بنِ عليٍّ، عن جابر، يزيدُ أحدُهما على الآخر - قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "لو قدِم مالٌ من البَحرَينِ لأعْطَيْتُك هكذا، وهكذا، وهكذا". فما قدِم مالُ البحرينِ حتى قُبِضَ النبيُّ ﷺ ، فلمَّا قدِم مالُ البحرينِ قال أبو بكر: مَن كان له على رسولِ الله ﷺ دَيْنٌ أو عِدَةٌ فلْيَأْتِنا. قال جابرٌ: فأتيْتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ وعَدني: "إذا قدِم
следующие страницы →