← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1273–1312 · переход к 1278.

стр. 1273

حَدَّثَنَا القَعْنبيُّ، قال: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْديُّ، عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن عِكرمةَ، عن ابن عبّاس، قال: كان الناسُ ليس لبيوتهم ستورٌ ولا حِجال، فأمَرَهم اللهُ بالاستئذان ثم جاءهم اللهُ بالسُّتور والخير، فلم أرَ أحدًا يعملُ بذلك بعد. وقد أوضحنا هذا المعنى في باب صفوانَ بن سُليم، والحمدُ للّه. وأنكَر رسولُ الله ﷺ على جابرٍ حينَ دَقَّ البابَ على رسولِ الله ﷺ ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "مَن؟ "، فقال جابرٌ: أنا، فأنكَر ذلك عليه رسولُ الله ﷺ ، وقال: "أنا، أنا! "، مرَّتَيْن أو ثلاثًا، إنكارًا لذلك. ورواه شُعبةُ وغيرُه، عن محمد بن المُنكدِر، عن جابر بن عبد الله، أنه ذهب إلى النبيِّ ﷺ في دَيْن أبيه، قال: فدققتُ الباب، فقال: "من هذا؟ "، قلت: أنا، قال: "أنا، أنا"، فكرِهه (١).

стр. 1274

حديثٌ عاشرٌ لربيعةَ مُنقَطِعٌ يتَّصل من وُجُوهٍ صِحاح مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، أنَّه قال: قدِم على أبي بكرٍ الصديقِ مالٌ من البحرين، فقال: مَن كان له عندَ رسولِ الله ﷺ وَأْيٌ أو عِدَةٌ فلْيَأتني. فجاءَ جابرُ بنُ عبدِ الله، فحفَن له ثلاثَ حَفَناتٍ. هذا الحديثُ يتَّصِلُ من وجوهٍ ثابتةٍ عن جابرٍ، رواه عنه جماعةٌ؛ منهم أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ، ومحمدُ بنُ المُنْكَدِر، وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عَقيل، وأبو الزُّبيرِ، والشَّعْبيُّ. وسنذكُرُ وجوهَ هذا الحديثِ وطُرُقَه بعدَ الفراغِ من القولِ في معانِيه إن شاء اللهُ. وفيه من الفقه: أنَّ العِدةَ واجبٌ الوفاءُ بها وجوبَ سُنَّةٍ وكرامةٍ، وذلك من أخلاقِ أهلِ الإيمان، وقد جاءَ في الأثر: "وَأْيُ المؤمنِ واجبٌ" (٢). أي: واجبٌ في أخلاقِ المؤمنين. وإنَّما قلنا: إنَّ ذلك ليس بواجبٍ فرضًا؛ لإجماعِ الجميع على أنَّ من وُعِدَ بمالٍ ما كان، لَمْ يَضِربْ به مع الغُرماء، فلذلك قلنا: إيجابُ الوفاءِ به حَسَنٌ في المروءةِ، ولا يُقْضَى به. ولا أعلمُ خلافًا أنَّ ذلك مُسْتَحْسَنٌ، يستَحِقُّ صاحبُه الحمدَ والشكرَ على الوفاءِ به، ويستَحِقُّ على الخُلْفِ في ذلك الذَّمَّ، وقد أثنَى اللهُ على من صدَق وعدَه، ووفَّى بنَذْرِه، وكفَى بهذا مَدْحًا، وبما خالَفَه ذَمًّا،

стр. 1275

ولم تَزَلِ العربُ تَمْدَحُ بالوفاءِ، وتَذُمُّ بالغَدْرِ والخُلْفِ، وكذلك سائرُ الأُمَم، واللّهُ أعلمُ. قال سابقُ بنُ خُريم (١): متى ما يَقُلْ حُرٌّ لطالبِ حاجَةٍ ... نعم يَقْضِها والحُرُّ للوِأْيِ ضامِنُ والوأْيُ: العِدَةُ. ولمَّا كان هذا من مكارمِ الأخلاق، وكان رسولُ الله ﷺ أوْلَى الناسِ بها وأبدَرَهم إليها، وكان أبو بكرٍ خليفتَه - أدَّى ذلك، وقامَ فيه مقامَه، في المَوْضِع الذي كان رسولُ الله ﷺ يُقِيمُه. وقد اختلَف الفقهاءُ فيما يلزَمُ من العِدَةِ وما لا يَلْزَمُ منها، وكذلك اختلَفوا في تأخيرِ الدَّيْنِ الحالّ، هل يلزَمُ أم لا يلزَمُ؟ وهو من هذا الباب؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: مَن أقْرَضَ رجُلًا مالًا؛ دنانيرَ أو دراهمَ، أو شيئًا ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ، أو غيرَ ذلك، إلى أجَلٍ، أو منَح مِنْحَةً، أو أعارَ عاريَّةً، أو أسْلَف سَلَفًا، كلُّ ذلك إلى أجل، ثم أرادَ الانصرافَ في ذلك وأخْذَه قبلَ الأجَلِ، لَمْ يكنْ ذلك له؛ لأنَّ هذا ممّا يُتَقَرَّبُ به إلى الله ، وهو من بابِ الحِسْبَة. قال أبو عمر: ومن الحُجَّةِ لمالكٍ ﵀ في ذلك عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقولِه ﵇: "كلُّ معروفٍ صدقة" (٢). وأجْمعوا أنَّه لا يُنصَرَفُ في الصَّدَقاتِ، وكذلك سائرُ الهِباتِ. قال مالكٌ: وأمَّا العِدَةُ مثلُ أنْ يَسألَ الرَّجلُ الرجلَ أنْ يَهَبَ له الهِبَةَ، فيقولَ له: نعم. ثم يبدُو له الَّا يَفعلَ، فما أرَى ذلك يَلْزَمُه. قال مالكٌ: ولو كان ذلك في قضاءِ دَيْنٍ، فسَألَه أن

стр. 1276

يَقْضِيَه عنه، فقال: نعم. وثَمَّ رجالٌ يَشْهَدُون عليه، فما أحْرَاه أنْ يلْزَمَه إذا شهِد عليه اثْنان. وقال ابنُ القاسم: إذا وعَد الغُرماءَ، فقال: أشْهِدُكم أنِّي قد وهَبْتُ لهذا من أين يُؤَدِّي إليكم. فإنَّ هذا يَلْزَمُه، وأمَّا أنْ يقولَ: نعم، أنا أفعلُ. ثم يبدُو له، فلا أرَى ذلك عليه. وقال سُحْنُونٌ (١): الذي يلزَمُه من العِدَةِ في السَّلَفِ والعارِيَّةِ، أنْ يقولَ للرَّجل: اهْدِمْ دارَكَ وأنا أُسْلِفُكَ ما تَبْنِيها به. أو: اخرُجْ إلى الحجِّ وأنا أُسْلِفُكَ ما يُبَلِّغُكَ. أو: اشْترِ سلعةَ كذا. أو: تَزَوَّجْ، وأنا أُسْلِفُكَ ثمنَ السِّلعةِ، وصداقَ المرأةِ. وما أشْبَهَه ممَّا يُدخلُه فيه، وينْشِبُه به، فهذا كلُّه يلزَمُه. قال: وأمَّا أنْ يقولَ: أنا أُسْلِفُك. و: أنا أُعْطِيكَ. بغيرِ شيءٍ يُلزِمُه المأمورُ نفسَه، فإنَّ هذا لا يلزَمُه منه شيءٌ. قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وعبيدُ الله بنُ الحسن (٢)، وسائرُ الفقهاءِ: أمَّا العِدَةُ فلا يلزَمُه منها شيءٌ؛ لأنَّها مَنافعُ لَمْ يَقْبِضْها في العاريَّةِ لأنَّها طارئةٌ، وفي غيرِ العاريَّةِ هي أشخاصٌ وأعيانٌ موهوبةٌ لَمْ تُقْبَضْ، ولصاحبِها الرجوعُ فيها (٣). وأمَّا القَرْضُ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: سواءٌ كان القَرْضُ إلى أجلٍ أو إلى غيرِ أجَلٍ، له أنْ يأخُذَه متى أحَبَّ، وكذلك العاريَّةُ وما كان مثلَ ذلك كلِّه، ولا يَجوزُ تأخيرُ القَرْضِ البَتَّةَ بحالٍ. ويجوزُ عندَهم تأخيرُ المغصوبِ وقِيَمِ

стр. 1277

المُسْتَهلكاتِ، إلَّا زُفَرَ فإنَّه لا يُجوِّزُ التَّأْجيلَ في القَرْضِ ولا في الغَصْبِ (١). واضْطرَبَ قولُ أبي يوسُفَ في هذا الباب (٢). وقال الشافعيُّ (٣): إذا أخَّرَه بدَيْنٍ حالٍّ فله أنْ يَرجِعَ متى شاءَ، وسواءٌ كان من قَرْضٍ أو غيرِ قرضٍ، أو من أيِّ وجهٍ كان، وكذلك العارِيَّةُ وغيرُها، لأنَّ ذلك من بابِ العِدَةِ والهبةِ غيرِ المقْبُوضةِ، وهبةِ ما لَمْ يُخْلَقْ. قال أبو عمر: في هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنْ يَقضِيَ الإنسانُ عن غيرِه بغيرِ إذْنِه، فيَبْرَأ، وأنَّ المَيِّتَ يسْقُطُ عنه ما كان عليه بقَضَاءِ من قَضى عنه، واللّهُ أعلمُ. قال أبو عمر: أمَّا الآثارُ المُتَّصِلَةُ في معنَى حديثِ ربيعةَ هذا فحَدَّثَنَا خَلَفُ ابنُ قاسمٍ الحافظ قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ أبا أحمدَ الحسينَ بنَ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيدَ القَراطِيسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ المُنْكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله - قال سفيانُ: وحدَّثني عمرُو بنُ دينارٍ، عن محمدِ بنِ عليٍّ، عن جابر، يزيدُ أحدُهما على الآخر - قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "لو قدِم مالٌ من البَحرَينِ لأعْطَيْتُك هكذا، وهكذا، وهكذا". فما قدِم مالُ البحرينِ حتى قُبِضَ النبيُّ ﷺ ، فلمَّا قدِم مالُ البحرينِ قال أبو بكر: مَن كان له على رسولِ الله ﷺ دَيْنٌ أو عِدَةٌ فلْيَأْتِنا. قال جابرٌ: فأتيْتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: إنَّ رسولَ الله ﷺ وعَدني: "إذا قدِم

стр. 1278

مالٌ من البَحْرينِ أعطَيتُكَ هكذا، وهكذا، وهكذا". قال: فحثَى لي أبو بكرٍ حَثْيَةً، ثم قال لي: عُدَّها. فإذا هي خمسُ مئةٍ، قال: خُذْ مثلَها مرَّتَيْن. وزادَ فيه ابنُ المُنْكَدِر: ثم أتَيْتُ أبا بكرٍ بعدَ ذلك فرَدَّني، فسأَلْتُه فردَّني، فقلتُ في الثالثة: سألتُكَ مَرَّتَيْن فلم تُعْطِني. قال: إنَّك لَمْ تأتني مَرَّةً إلَّا وأنا أريدُ أنْ أُعطِيَكَ، وأيُّ داءٍ أدْوَأُ من البخل؟ (١) وحدَّثني أبو عبد الله محمدُ بنُ رَشِيقٍ ﵀، قال: حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ عبدِ الله الحاكمُ الخُراسانيُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ محمدِ بنِ حمدانَ، قال: حَدَّثَنَا أَحْيَدُ بنُ الحسين، قال: حَدَّثَنَا مُقاتِلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا نوحُ بنُ أبي مريمَ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: دخَلتُ على النبيِّ ﷺ فقال: "لو جاءنا مالٌ لَحَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك". قال: فقُبِض رسولُ الله ﷺ ، فأتيْتُ أبا بكرٍ فحَدَّثْتُه، فقال: ونحنُ لو جاءَنا مالٌ لحَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك. قال: فأتَاه مالٌ، فحثَى لي، ثم حثَى لي، ثم حثَى لي، ثم قال: ليس عليك فيها صدقَةٌ حتى يحُولَ الحَوْلُ. فوزَنتُها فكانت ألفًا وخمسَ مئةِ درهم (٢). وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيَي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقَ

стр. 1279

البزَّارُ، قال (١): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جابرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا مجُالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ، قال: لمَّا قُتِلَ أبي دَعاني رسولُ الله ﷺ ، فقال: "أتُّحِبُّ الدَّراهمَ؟ ". قلتُ: نعم. قال: "لو جاءَني مالٌ لأعطيْتُكَ هكذا، وهكذا". قال: فمات رسولُ الله ﷺ قبلَ أنْ يُعْطِيَني، فلمَّا اسْتُخْلِفَ أبو بكرٍ أتَاه مالٌ من البحرين، فقال: خُذْ كما قال لك رسولُ الله ﷺ . فأخَذْتُ. ورواه سعيدُ بنُ سليمانَ سعدُويَةُ، عن فُليح بن سليمانَ، عن عبدِ الله بن محمدِ بنِ عَقيلٍ، عن جابرٍ، نحوَه بمعناه (٢). وذكَر أهلُ السِّيَرِ أنَّ النبيَّ ﷺ وعَد عمرَو بنَ العاصِ حينَ بعَثه إلى المنذرِ بنِ ساوَى أنْ يَسْتعمِلَه على صدقاتِ سعدِ هُذَيْم، فلمَّا قدِم بعدَ وفاةِ رسولِ الله ﷺ اسْتَعْمَلَه عليها أبو بكرٍ إنْفاذًا لرَأْيِ رسولِ الله ﷺ (٣).

стр. 1280

حديثٌ حاديَ عشَرَ لربيعةَ مُنقَطعٌ متَّصل من وجُوهٍ شتّى مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّه قدِم من سفَرٍ، فقدَّمَ إليه أهلُه لحمًا، فقال: انظُروا أن يكونَ هذا من لحوم الأضحى. فقالوا: هو منها. فقال أبو سعيدٍ: ألم يكنْ رسولُ الله ﷺ نهَى عنها؟ فقالوا: إنَّه قد كان من رسولِ الله ﷺ بعدَك فيها أمرٌ. فخرَج أبو سعيدٍ فسأل عن ذلك، فأُخْبِر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "نَهَيْتكُم عن لحوم الأضاحيِّ بعد ثلاثٍ، فكُلوا، وتصدَّقوا، وادَّخِروا، ونَهَيْتُكم عن الانتِباذِ، فانْتَبِذوا، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فزُورُوها، ولا تقولوا هُجْرًا"، يعني لا تقولوا سُوءًا. قال أبو عمر: لَمْ يَسمَعْ ربيعةُ من أبي سعيدٍ الخدريِّ، وهذا الحديثُ يتِّصِلُ من غير حديثِ ربيعة (٢)، ويُسْنَدُ إلى النبيِّ ﷺ من طُرُقٍ حسانٍ من حديثِ عليِّ بن

стр. 1281

أبي طالبٍ، وأبي سعيدٍ، وبُرَيْد الأسْلَميِّ، وجابرٍ (١)، وأنسٍ (٢)، وغيرِهم، وهو حديثٌ صحيحٌ. وفيه من الفقه: تَرْكُ الإقدام على ما في النَّفْسِ منه شَكٌّ، حتى يَسْتَبْرِئَ ذلك بالسُّؤالِ والبحثِ والوقوفِ على الحقيقة. وفيه أنَّ حديثَ رسولِ الله ﷺ فيه النَّاسِخُ والمنسوخُ، كما في كتابِ الله ، وهذا إنّما يكونُ في الأوامرِ والنواهي من الكتابِ والسُّنة، وأمَّا في الخبرِ عن الله أو عن رسولِه ﷺ ، فلا يجوزُ النَّسخُ في الأخبارِ البَتَّةَ بحالٍ، لأنَّ المخْبِرَ عن الشيءِ أنَّه كان أو يكونُ، إذا رجَع عن ذلك لَمْ يَخْلُ من السَّهْوِ أو الكذبِ، وذلك لا يُعْزَى إلى الله ولا إلى رسولِه ﷺ فيما يُخْبِرُ به عن رَبِّه في دينِه، وأمَّا الأمرُ والنَّهْيُ فجائزٌ عليهما النسخُ؛ للتَّخْفيفِ، ولِما شاء اللهُ من مصالح عبادِه، وذلك من حكمتِه لا إلهَ إلَّا هو. وقد أنكَر قومٌ من الرَّوافِضِ والخوراج النسخَ في القرآنِ والسُّنةِ، وضاهَوا

стр. 1282

في ذلك قولَ اليهودِ، ولو أنْعَموا النَّظَرَ لعَلِموا أنَّ ذلك ليس من بابِ البَدَاءِ (١) كما زعَموا، ولكنّه من بابِ الموتِ بعدَ الحياة، والكِبَرِ بعدَ الصِّغَرِ، والغِنَى بعدَ الفقرِ، إلى أشْبَاهِ ذلك من حكمةِ الله تعالى، ولكنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يشاءُ ويهدي مَن يشاءُ، وليس هذا مَوضِعَ الكلام في هذا المعنَى؛ لئلَّا نخرُجَ عمَّا قصَدْنَاه. وفيه أنَّ النَّهْيَ حُكْمُه إذا ورَد أن يُتَلَقَّى باستعمالِ تركِ ما نُهِي عنه والامتناعِ منه، وأنَّ النَّهيَ محمولٌ على الحَظْرِ والتَّحْريمِ والمنعِ، حتى يَصْحبَه دليلٌ من فَحْوَى القصَّةِ والخطابِ، أو دليلٌ من غير ذلك يُخْرِجُه من هذا البابِ إلى بابِ الإرشادِ والنَّدْبِ. وفيه أنَّ الآخِرَ من أمْرِ رسولِ الله ﷺ ناسِخٌ لما تقدَّمَ منه، إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِعْمالُه، وصَحَّ تَعارُضُه، ولذلك لا خِلافَ عَلِمْتُه من العلماءِ في إجازةِ أكْلِ لحومِ الأضاحيِّ بعدَ ثلاثٍ وقبلَ ثلاثٍ، وأنَّ النَّهْيَ عن ذلك مَنْسُوخٌ على ما جاء في هذا الحديث، لا خلافَ بينَ فقهاءِ المسلمين في ذلك. وقد رَوَتْ عَمْرَةُ، عن عائشةَ بَيانَ العِلَّةِ في النَّهْيِ عن أكْلِ لُحومِ الأضاحِيِّ بعدَ ثلاثٍ، وأنَّ ذلك إنَّما كان محبَّةً في الصدقةِ من أجلِ الدَّافَّةِ التي كانت قد دَفَّتْ عليهم. يعني الجماعةَ من الفقراءِ القادمةَ عليهم. وروَى ذلك مالكٌ (٢)، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ. وسنذكُرُه في موضعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله. وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال:

стр. 1283

حَدَّثَنَا سليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (١): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حَدَّثَنَا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن أبي المَليح، عن نُبَيْشَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّا كُنَّا نَهَيْناكم عن لُحُومِها أن تَأكُلُوها فوقَ ثلاثٍ لكي تَسَعَكم، فقد جاء اللهُ بالسَّعَة، فكُلوا، وادَّخِروا، وائتَجِروا، أَلا وإنَّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله ". قال أبو عمر: هكذا في حديثِ نُبَيْشَةِ الخير، عن النبيِّ ﷺ : "فكُلوا، وادَّخِروا، وائتَجِروا". ومعناه: اتَّخِذوا الأجْرَ فيما تتَصدَّقُون به منها. يُبَيِّنُ ذلك حديثُ عمرةَ، عن عائشةَ المتَقدِّمُ ذِكْرُه؛ فيه: "فكلوا، وتَصَدَّقوا، وادَّخِروا" ومعناهما عندي واحدٌ، واللّهُ أعلمُ. وأمَّا قولُه: "فكُلوا، وتَصَدَّقوا، وادَّخِروا" على لفظِ الأمرِ، فإنَّ معناه الإباحَةُ لا الإيجابُ، وهكذا كلُّ أمرٍ يأتي في الكتابِ والسُّنَّةِ بعدَ حَظْرٍ ومَنع تقَدَّمَه، فمعناه الإباحةُ لا غيرُ، ألا ترَى أنَّ الصَّيدَ لما حُظِرَ على المحرم، ومُنِع منه، ثم قيل له بعدَ أنْ حَلَّ: اصْطَدْ إذا حَلَلْتَ. كان ذلك إباحةً له في الاصطيادِ، لا إيجابًا لذلك عليه؟ قال اللهُ : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ومثلُ ذلك: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وهو كثيرٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ. والحمدُ للّه. وهذا أصلٌ جَسيمٌ في العلم، فقِفْ عليه. وإذا كان هذا كما ذكَرْنا، فجائزٌ للمُضَحِّي أنْ يأكُلَ أُضْحِيّتَه كلَّها، وجائز أنْ يَتَصَدَّقَ بها كلَّها، وجائزٌ أنْ يَدَّخِرَ وألَّا يَدَّخِرَ، وعلى هذا جماعةُ العلماءِ، إلّا أنَّهم يَسْتَحِبُّون للمُضَحِّي أنْ يأكُلَ ويتصدَّقَ، ويكرَهون له ألا يَتصدَّقَ منها بشيءٍ.

стр. 1284

وكان الشافعيُّ ﵀ يَسْتَحِبُّ أنْ يأكُلَ من أُضْحِيَّته ثُلثَها، ويتصدَّقَ بثُلُثٍ، ويدَّخِرَ ثُلُثًا، على ما جاءَ في الحديث. وكان غيرُه يَسْتَحِبُّ أن يتَصدَّقَ بنصفٍ، ويأكُلَ نِصْفًا؛ لقولِ الله في البُدْنِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وأمَّا مالكٌ ﵀، فلم يَحُدَّ في ذلك حدًّا، وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يأكُلَ منها ويتصدَّقَ من غيرِ أن يَحُدَّ في ذلك حدًّا (١). حدَّثني أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: حَدَّثَنَا مَعنُ بنُ عيسى، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أبي الزَّاهِريَّة، عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن ثوبانَ قال: ذبَح رسولُ الله ﷺ ضَحِيَّتَه، ثم قال: "يا ثوبانُ، أصلِحْ لَحْمَ هذه الأُضحِيةِ". فلم أزلْ أُطْعِمُه منها حتى قدِم المدينةَ (٢). ففي هذا الحديثِ ادِّخارُ لَحْمِ الأُضحية، وفيه الضَّحيَّةُ في السَّفَر. وأما قولُه: "ونَهيْتُكم عن الانْتِباذِ، فانْتَبِذوا، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" فإنَّ ذلك عندَ أهلِ العلم محمولٌ على أنَّ النَّهْيَ عنها معناه لسُرعةِ الشِّدَّةِ فيها، ولهذا ثبَت على كراهيةِ الانْتِباذِ فيها جماعةٌ من العلماءِ؛ لقوله ﷺ في الحديثَ النَّاسِخ: "وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (٣). وكرِهوا الانْتباذَ فيها خَوْفًا من مواقعةِ المسكرِ، واللّهُ أعلمُ.

стр. 1285

فإنِ انْتَبَذ أحدٌ في شيءٍ منها ولم يَشْرَبْ مُسْكِرًا، فلا حرجَ عليه. والأوعِيَةُ التي نُهِيَ عن الانتباذِ فيها هي: الدُّبَّاءُ (١)، والنَّقِيرُ (٢)، والحَنتمُ (٣)، والمُزَفَّتُ (٤)، والمقَيَّرُ، والجَرُّ (٥)، وما كان مثلَها. وبذكرِ هذه الأوعيةِ ورَدتِ الآثارُ في كراهيةِ النَّبيذِ فيها. وكان عبدُ الله بنُ عمرَ وعبدُ الله بنُ عباسٍ لا يرَيانِ الانْتِباذ في شيءٍ منها بحالٍ، لِما رَوَيا عن النبيِّ ﷺ من النَّهْي عنها وعن نَبِيذِ الجَرِّ، وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: الجَرُّ كلُّ ما يُصنعُ من مَدَرٍ (٦). وكانا لا يُجِيزانِ النَّبيذَ إلَّا في الجُلودِ، بعضُهم يقولُ: أسْقيَةُ الأدَم. وبعضُهم يقولُ: الجِلْدُ الموكَأُ عليه. ونحوُ هذا. وابنُ عباسٍ هو الذي روَى حديثَ وَفْدِ عبدِ القَيْسِ، وفيه النَّهْيُ عن الشرب في الدّبّاءِ، والنَّقيرِ، والمقَيَّرِ، وبعضُهم يقولُ: المُزَفَّتِ والحَنْتَم. وفي ذلك الحديثِ أَنَّهم قالوا: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنِ اشْتَدَّ في الأسْقِيةِ؟ قال: "فصُبُّوا عليه الماءَ". قالوا: يا رسولَ الله! فقال لهم في الثالثةِ أو الرابعة: "أهريقوه". ثم قال: "إنَّ اللهَ حرَّم الخمرَ والميسرَ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (٧).

стр. 1286

قال أبو عمر: ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النَّهْيَ عن ذلك خَشْيَةَ مُواقعةِ الحرام، واللّهُ أعلمُ، وإذا كان ذلك كذلك، فواجبٌ أن تكونَ الكراهية باقيةً على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ الخشيةَ أبدًا غيرُ مرتفعةٍ، ويكونُ على هذا المعنَى قولُه ﷺ : "فانْتَبِذوا فيما بَدا لكم" كشفًا عن المراد، لا أنَّه نَسْخٌ أباح فيه ما حَرَّمَ قبلُ، هذا ما يَحْضُرُني من التأويلِ فيه، وباللّه التوفيقُ. وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الوَجْهَ ما ذكَرْنا، ما خرَّجه أبو داودَ (١)، عن مُسَدَّدٍ، عن يحيى القَطَّانِ، عن الثوريِّ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: لما نهَى رسولُ الله ﷺ عن الأوعيةِ قالت الأنصارُ: إنَّه لا بُدَّ لنا، قال: "فلا إذنْ". وهذا حديثٌ صحيحٌ، وَيدُلُّ على ذلك أيضًا اختِلافُ الفقهاءِ في هذا الباب، مع عِلْمِهم بهذا الحديثِ وروايَتِهم له. وذكَر ابنُ القاسم (٢)، عن مالكٍ، أنَّه كَرِه الانْتِباذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّتِ، ولا يَكْرَهُ غيرَ ذلك. قال أبو عمر: هذا لِما خَشِيَ من سُرعةِ الفسادِ إلى النَّبيذِ في هذينِ الظَّرْفَين. واللّهُ أعلمُ. وكَرِهَ الثورِيُّ الانتِباذَ في الدُّبَّاءِ والحَنتمِ، والنَّقيرِ، والمُزَفَّتِ. وقال الشافعيُّ: لا أكرَهُ من الأنْبِذَةِ، إذا لَمْ يكنِ الشرابُ يُسكِرُ، شيئًا بعدَ ما سُمِّي في الآثار؛ من الحَنْتَم، والنَّقِيرِ، والدُّبَّاءِ، والمُزَفَّت (٣). قال أبو عمر: قد أحاط عِلْمُنا بأنَّ مالكًا، والثوريَّ، والشافعيَّ، روَوُا الآثارَ الناسخةَ المذكورةَ في هذا الباب، وعنهم رَوَيْناها، فلا وجهَ لكَراهِيَتِهم الانتِباذَ

стр. 1287

في هذه الأوعيةِ مع دُرْعَتِهم إلى القولِ بما صَحَّ عندَهم من الآثارِ المسندةِ، إلَّا ما ذكَرْنا، وباللّه التوفيقُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا بأسَ بالانتِباذِ في جميع الأواني (١). وحجَّتُهم الآثارُ التي ذُكِر فيها النَّسْخُ لما قبلَها، ورَوَوْا عن إنس أنَّه كان يُنْبَذُ له في جَرَّةٍ خَضْرَاءَ (٢). وهو أحدُ من روَى النَّهْيَ عن نَبِيذِ الجَرِّ، فدَلَّ ذلك على أنَّه مَنْسُوخٌ. فأمَّا الآثارُ في هذا الباب، فحَدَّثَنَا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو العُتْواريِّ، قال: حدَّثني أبي، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرِ مرَّ به، فقال له: أين أصبحْتَ غاديًا يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: أردْتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ. قال: فانطَلَقْتُ معه، فقال له ابنُ عمرَ: يا أبا سعيدٍ، ما حديثٌ بلَغَني عنك أنَّك تُحَدِّثُه عن رسولِ الله ﷺ في لحوم الأضَاحِيِّ وادِّخَارِها بعدَ ثلاثٍ، وفي زيارةِ القبورِ، وفي الأنْبِذَةِ؟ فقال أبو سعيدٍ: سمِعتُ رسولَ الله يقولُ: "نَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ وادِّخارِها بعدَ ثلاثٍ، فقد جاء اللهُ بالسَّعَةِ، فكُلوا، وادَّخِروا ما بدَا لكم، وكنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فإن زُرْتُموها فلا تقولوا هُجْرًا، ونهَيتُكم عن الأنبذَةِ،

стр. 1288

فاشرَبوا كما بَدا لكم، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (١). وروَى واسعُ بنُ حَبَّانَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٢). وأخبَرني أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا وهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بن زيدٍ، قال: حَدَّثَنَا فَرقد السَّبَخيُّ، قال: حَدَّثَنَا جابرُ بنُ يزيدَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، وإنَّه قد أُذِنَ لمحمدٍ في زيار قبرِ أُمِّه، فزورُوها تُذَكِّرْكم الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن هذه الأوعية، وإنَّ الأوعيةَ لا تُحِلُّ شيئًا ولا تُحَرِّمُه، فاشْرَبوا فيها، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ فوقَ ثلاثٍ، فاحبِسوا ما بدا لكم".

стр. 1289

وأخبَرني عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (١): حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا مُعَرِّفُ بنُ واصلٍ، عن محاربِ بنِ دِثَارٍ، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "نَهَيتُكم عن ثلاثٍ، وإني آمرُكم بهنَّ؛ عن زيارة القبورِ، فزُوروها، فإنَّ في زيارتها تذكِرَةً، ونَهَيتُكم عن الأشربةِ أن تشرَبوا إلَّا في ظروفِ الأدَم، فاشرَبوا في كلِّ وعاءٍ غيرَ ألَّا تشرَبوا مسكرًا، ونَهَيْتُكم عن لحوم الأضاحِيِّ أنْ تأكلُوها بعدَ ثلاثٍ، فكُلُوا، واستمتِعوا بها في أسْفارِكم". وروَى الثوريُّ، عن علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سليمانَ بنِ بُرَيْد، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، قال: "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارة القبورِ، فقد أُذِن لمحمَّدٍ في زيار قبرِ أُمِّهِ، فزُورُوها ما بَدا لكم؛ فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحِيِّ أن تأكلُوها فوقَ ثلاثٍ، وإنَّما أردْنا بذلك أنْ يوسِّعَ أهلُ السَّعَةِ على من لا سعَةَ له، فكُلوا ممَّا بَدا لكم، ونَهَيْتُكم عن الظُّروفِ، وإنَّ الظُّروفَ لا تُحِل شيئًا ولا تُحرِّمُه، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (٢). قال أبو عمر: قد تقدَّم القولُ في أنَّ هذا القولَ إباحةٌ، فمَن شاء انتبَذ، ومَن شاء لَمْ يَنْتَبِذْ، ومَن شاء زارَ القبورَ، ومَن شاء لَمْ يَزُرْ. وروَى عبدُ الرَّحمن بنُ جابر، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كنتُ قد

стр. 1290

نَهَيْتُكم أنْ تَنتَبِذوا في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والمُقَيَّرِ، والمُزَفَّتِ، فانْتَبِذوا، ولا أُحِلُّ مسكرًا" (١). وروَى أبو بُرْدَةَ بنُ نِيارٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه أو نحوَه (٢).

стр. 1291

وقال عبدُ الله بنُ المغَفَّل: شَهِدْتُ رسولَ الله ﷺ في حينَ نهَى عن نبيذِ الجَرِّ، وشَهِدْتُه حينَ أمَر بشُرْبِه، فقال: "اجْتَنِبوا المسكرَ" (١). أخبَرنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاقَ محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ العباس، قال: حَدَّثَنَا ابنُ الطائيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا زُهيرُ بنُ عبَّاد، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ، عن عثمانَ بنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه، أن رسولَ الله ﷺ أحلَّ نَبِيذَ الجَرِّ بعدَ أن حَرَّمَه (٣). حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا حجَّاجُ بنُ منهالٍ وسليمانُ بنُ حربٍ، قالا:

стр. 1292

حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيد، عن ربيعةَ بنِ النابِغَةِ، عن أبيه، عن عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كنتُ نَهَيْتُكم عن الأوعيةِ، فانْتَبِذُوا فيما بَدا لكم، وإيَّاكم والمسكرَ، فكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فإن زُرْتُموها فلا تقولوا هُجْرًا" (١). وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفضلِ الخفَّافُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الدَّقَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَهْلِ بنِ عسكرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرزاقِ، قال (٢): حَدَّثَنَا معمرٌ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن عبدِ الله بنِ بريْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فزُورُوها فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن نَبِيذِ الجَرِّ، فانْتَبِذوا في كلِّ وعاءٍ، واجتَنِبوا كلَّ مسكرٍ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحِيِّ فوقَ ثلاثٍ، فكُلوا، وادَّخِروا، وتَزَوَّدوا". وحدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا شَريكُ بنُ عبدِ الله، عن سِماكِ بنِ حَرْب، عن ابنِ بُرَيْد، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن زيارةِ القبورِ، ولحومِ الأضاحيِّ أنْ تُحْبَسَ فوقَ ثلاثٍ، وعن الدُّبَّاءِ، والحَنْتَم، والنَّقِير، والمُزَفَّتِ، ثم قال: "إنِّي كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُوروها فإنَّها تُذَكِّرُ الآخرةَ، ونَهَيْتُكم عن لحومِ الأضاحيِّ فوقَ

стр. 1293

ثلاثٍ، فكُلوا، وأطعِموا، وادَّخِرُوا، ونَهَيْتُكم عن الظُّروفِ، فانْتَبِذوا فيما بَدا لكم، واجْتَنِبوا كلَّ مسكرٍ" (١). وروَى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن ابنِ بُرَيدةَ، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ رخَّصَ في الظُّروفِ بعدَ أنْ نهَى عنها (٢). وانفرَد به محمدُ بنُ إسحاقَ، عن سلمةَ بن كُهَيْل، وليس لسلمةَ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عيرُ هذا الحديث (٣). قال أبو عمر: احتجَّ بعضُ مَن أجاز شربَ النَّبيذِ الصلْبِ بأحاديثِ هذا الباب، وقالوا: هذه الأحاديثُ تَدُلُّ على أنَّ الذي نُهِيَ عنه من شربِ النَّبيذِ هو ما أُسكِرَ شاربُه منه، وما لَمْ يُسْكِرْه فليس بحرامٍ عليه. قالوا: والمسكِرُ مثلُ المحَنْتَم من الأطعمةِ، والمُبْشِم، والمُوخِم، والمُشْبع، وهو ما أشْبَعَ من الأطعمةِ وأتْخَمَ، ولا يقالُ لمن أكَل لُقْمَةً واحدةً: أكَل ما يُتْخِمُه ويُشْبِعُه. وأكثَروا من القولِ في هذا المعنَى ممَّا لا وجهَ لإيرادِه هاهنا. وقالوا: قد قال رسولُ الله ﷺ : "اشْرَبوا في الظُّروفِ كلِّها ولا تَسْكَروا" (٤). بعد أنْ كان نَهاهم عن الانْتِباذِ في بعضِها. قالوا: ومُحالٌ أن يقولَ رسولُ الله: اشرَبوا ما لا يُسْكِرُ قليلُه ولا كثيرُه، وإيَّاكم أن تَسْكَروا، لأنَّ هذا غيرُ جائزٍ أن يُضافَ مثلُه إليه؛ لأنَّ الحلوَ الذي لا

стр. 1294

يُسْكِرُ كثيرُه ولا قليلُه، ليس يقالُ في مثلِه: اشرَبْ منه، ولا تَسْكَرْ. وأتَوْا بضُروبٍ من خَطَإ القولِ والتَّعَسُّفِ في الاحتجاج بما لا يلزَمُ. وفي قولِه ﷺ : "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (١) و"ما أسكَر كثيرُه فقليلُه حرامٌ" (٢) ما يَرفَعُ الإشكالَ فيما ذكَرُوه ويُوهِمُ أنّ النَّهْيَ عن شربِ قليلِ الجِنْسِ من المسكرِ وكثيرِه، لا عن الفعلِ من فِعْلِ الشارب، وخرَجَ القولُ في نَبيذِ الظُّرُوفِ على خَوْفِ الشِّدَّةِ فيه على ما وصَفْنا، وقد بَيَّنَّا هذا المعنَى في بابِ إسحاق. وأما قولُه ﷺ في الحديث: "ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُوروها، ولا تقولوا هُجْرًا" فإنَّ العلماءَ اخْتَلَفوا في ذلك على وجْهَين: أحدُهما: أنَّ الإباحةَ في زيارة القبورِ إباحةُ عموم، كما كان النَّهيُ عن زيارتِها نَهْيَ عموم، ثم ورَد النَّسْخُ بالإباحةِ على العموم، فجائزٌ للنساءِ والرجالِ زيارةُ القبورِ على ظاهرِ هذا الحديث، لأنَّه لَمْ يَسْتَثْن فيه رجلًا ولا امرأةً. حدَّثني خلفُ بنُ القاسم الحافظ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليٍّ سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ الربيع الخَزَّازُ، قال: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ اليمان، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن علقَمَةَ بنِ مَرثدٍ، عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ زار قبرَ أُمِّه في ألفِ مُقَنَّع. قال: فما رأيتُ يومًا كان أكثرَ باكيًا من يومئذٍ (٣). قال أبو عليٍّ: قال لي ابنُ صاعدٍ: كان حُمَيْدٌ لا يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ إلَّا في كلِّ سنةٍ مرَّةً (٤).

стр. 1295

قال أبو عمر: زعَم قومٌ أنَّ يحيَى بنَ اليمانِ انفرَد بهذا الحديثِ؛ لأنَّ سائرَ أصحابِ الثوريِّ يَرْوُونَه، عن الثوريِّ، عن علقمةَ (١) مرسلًا، والذي قال: إنَّ حُميدَ بنَ الربيع انفرَد بتَوصيلِه؛ لأنَّ البَزَّارَ ذكَره، قال (٢): حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن علقمةَ مرسلًا. وذكَره البزَّارُ أيضًا (٣)، عن حُميدِ بن الربيع مُتَّصِلًا كما ذكَرنا. وقال آخرون: إنَّما اقْتَضَتِ الإباحةُ زيارةَ القبورِ للرِّجالِ دونَ النساءِ، فجائزٌ للرجالِ زيارةُ القبور، وغيرُ جائزٍ ذلك للنِّساء؛ لِمَا خُصصَ بهِ في ذلك. واحتجُّوا لِما ذهبُوا إليه ممّا ذكَرنا عنهم، بحديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ . وهو ما حَدَّثَنَاه أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبيدِ بنِ آدمَ بن أبي إياسٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو معنٍ ثابتُ بنُ نعيم، قال: حَدَّثَنَا آدمُ بنُ

стр. 1296

أبي إياسٍ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ عن محمدِ بنِ جُحادَةَ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، قال: لعَن رسولُ الله ﷺ الزَّائراتِ للقبورِ، والمتَّخِذِينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ (١). وحَدَّثَنَا أبو القاسم عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباس، قال: لعَن رسولُ الله ﷺ زَوَّاراتِ القبورِ، والمتَّخِذين عليها المساجدَ والسُّرُجَ" (٢). وحَدَّثَنَاه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣): حَدَّثَنَا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ. فذكَره سواءً. قال أبو عمر: ممكنٌ أنْ يكونَ هذا قبلَ الإباحةِ، وتَوَقِّي ذلك للنِّساءِ المتجالَّاتِ أحبُّ إليَّ، وأمَّا الشَّوابُّ فلا تُؤمَنُ الفتنةُ عليهنَّ وبهنَّ حيثُ خرَجن،

стр. 1297

ولا شيءَ للمرأةِ أفضلُ من لُزومِ قعرِ بيتِها، ولقد كرِه أكثرُ العلماءِ خُروجَهُنَّ إلى الصلواتِ، فكيف إلى المقابر؟! وما أظنُّ سقوطَ فرضِ الجمُعةِ عنهنَّ إلَّا دليلًا على إمساكِهِنَّ عن الخروج فيما عدَاها، واللّهُ أعلمُ. واحتجَّ مَن أباحَ زيارةَ القبورِ للنساءِ بما حَدَّثَنَاه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المنهال، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثَنَا بِسطامُ بنُ مسلمٍ، عن أبي التَّيَّاح يزيدَ بنِ حُميد، عن عبدِ الله بن أبي مُليكةَ، أنَّ عائشةَ أقبلَتْ ذاتَ يومٍ من المقابرِ، فقلتُ لها: يا أُمَّ المؤمنينَ، من أين أقبلتِ؟ قالت: من قبرِ أخي عبدِ الرَّحمن بنِ أبي بكرٍ. فقلتُ لها: أليس كان رسولُ الله ﷺ نهَى عن زيار القبورِ؟ قالت: نعم، كان نهَى عن زيارتِها، ثم أمَر بزيارتِها (١).

стр. 1298

قال أبو بكرٍ: وحَدَّثَنَا قَبيصةُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكةَ، قال: زارَتْ عائشةُ قبرَ أخيها في هَودج (١). قال أبو بكرٍ: وحَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا نوحُ بنُ درَّاج، عن أبانَ بن تَغلِبَ، عن جعفرِ بنِ محمد، قال: كانت فاطمةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ تزورُ قبرَ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ كلَّ جمُعةٍ، وعلَّمتْه بصخرةٍ (٢). قال أبو بكرٍ: وسمِعتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ، يُسألُ عن المرأةِ تزورُ القبرَ، فقال: أرجُو إن شاء اللهُ ألا يكونَ به بأسٌ؛ عائشةُ زارَتْ قبرَ أخيها.

стр. 1299

قال: ولكنَّ حديثَ ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ لعَن زَوَّارَاتِ القبورِ. ثم قال: هذا أبو صالح ماذا؟ كأَنّه يُضعِّفُه. ثم قال: أرجو إن شاء اللهُ إلا يكونَ به بأسٌ، عائشةُ زارَتْ قبرَ أخيها. فقيل لأبي عبدِ الله: فالرجالُ؟ قال: أمَّا الرجالُ فلا بأسَ به (١). قال أبو عمر: قد رُوِيَ حديثُ لعْنِ زوَّاراتِ القبورِ من غيرِ روايةِ أبي صالحٍ ومن غيرِ حديثِ ابنِ عباسٍ. حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ بحرٍ، قال: حَدَّثَنَا موسَى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانةَ، عن عمرَ بنِ أبي سلمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لعَن رسولُ الله ﷺ زوَّارَاتِ القبورِ (٢). وبه عن موسى بنِ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الجبارِ بنُ الوردِ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي مُليكةَ يقول: ركِبَتْ عائشةُ، فخرَج إلينا غُلامُها، فقلتُ: أين ذهبَتْ أُمُّ المؤمنين؟ قال: ذهَبت إلى قبرِ أخيها عبدِ الرَّحمنِ تُسلِّمُ عليه (٣).

стр. 1300

حديثٌ ثانيَ عشرَ لربيعة مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمن، عن غيرِ واحدٍ من عُلمائِهم، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَطَعَ (٢) لبلالِ بنِ الحارثِ المُزَنيِّ معادِنَ القَبَليَّةِ (٣)، وهي من ناحيةِ الفُرْع (٤)، فتلك المعادنُ لا يُؤخَذُ منها إلَّا الزكاةُ إلى اليوم. هكذا هو في "الموطَّأ" عندَ جميع الرواةِ مرسلًا، ولم يُختلَفْ فيه عن مالكٍ (٥). وهذا الحديثُ روَاه الدَّراوَرْدِيُّ، عن ربيعةَ، عن الحارثِ بنِ بلالِ بنِ الحارثِ المُزَنيِّ، عن أبيه، حَدَّثَنَاهُ إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ سَلمان، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراوردِيُّ، عن ربيعةَ. فذكَره (٦).

стр. 1301

وروَاه كثيرُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرِو بن عوفٍ المزنيُّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ . وكثيرٌ مُجتمَعٌ على ضعفِه، لا يُحتجُّ بمثلِه. ذكَره البزَّارُ (١)، ولفظُه عن النبيِّ ﷺ : أنَّه أقطَع بلالَ بنَ الحارثِ المعادنَ القَبَليَّةَ جَلْسيَّها وغَوريَّها (٢)، وحيثُ يصلُحُ الزرعُ من قُدْسٍ (٣)، ولم يُعطِه حقَّ مُسلم. روَاه أبو أُوَيْسٍ، عن كثيرٍ، عن أبيه، عن جدِّه (٤)، وعن ثورِ بنِ زيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ (٥)، وليس يرويه عن أبي أُويس، عن ثورٍ. وانفرَد أبو سَبْرةَ المدنيُّ (٦)، عن مُطرِّفٍ، عن مالكٍ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقمةَ، عن أبيه،

стр. 1302

عن بلالِ بنِ الحارثِ بمثلِه سواءً. ولم يُتابَعْ أبو سَبرةَ على هذا الإسنادِ، وإسنادُ ربيعةَ فيه صالحٌ حسنٌ، وهو حُجَّةٌ لمالكٍ ومَن ذهَب مذهبَه في المعادن. واختلَف العلماءُ فيما يَخرُجُ من المعادن؛ فقال مالكٌ (١): لا شيءَ فيما يَخرُجُ من المعادنِ غيرَ الذَّهبِ والفضةِ، ولا شيءَ فيما يَخرُجُ منها من الذَّهبِ والفضةِ حتى يكونَ الذَّهبُ عشرينَ مثقالًا، والفضةُ مئتي درهم، فتجبُ فيها الزكاةُ مكانَه، وما زادَ فبحسابِ ذلك ما دام في المعدِن نَيلٌ، فإنِ انقطَع ثم جاءَه بعدَ ذلك نَيلٌ، فإنَّه يُبتَدَأُ فيه مقدارُ الزكاةِ مكانَه. قال (٢): والمعدِنُ بمنزلةِ الزرع، لا يُنتظرُ به حولٌ. قال: وما وُجدَ في المعدِنِ من الذَّهبِ والفضةِ من غيرِ كبيرِ عملٍ، فهو بمنزلةِ الرِّكازِ، فيه الخُمُسُ. قال (٣): والمعدِنُ في أرضِ العربِ والعجمِ سواءٌ. قال (٤): والمعدِنُ في أرضِ الصُّلحِ لأهلِها، لهم أنْ يصنَعوا فيه ما شاؤوا، ويُصَالحون لمن أذِنوا له فيه على ما شاؤوا، من خُمُسٍ أو غيرِه. قال: وما افتُتِح عَنوةً فهو إلى السُّلطانِ يصنَعُ فيها ما شاءَ. واختلَف قولُ الشافعيِّ فيما يخرُجُ من المعادنِ؛ فمرَّةً قال بقولِ مالكٍ في ذلك، ومرَّةً قال: ما يَخرُجُ منها فائدةٌ يُستأنفُ بها حولٌ. وهو قولُ اللَّيثِ بنِ سعدٍ (٥).

стр. 1303

وقال الأوزاعيُّ (١): في ذهبِ المعدنِ وفضَّتِه الخمسُ، ولا شيءَ فيما يَخرُجُ منه غيرَهما. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: في الذَّهبِ، والفضةِ، والحديدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، الخُمُسُ. واختلَف قولُه - أعني أبا حنيفةَ - في الزِّئْبقِ يَخرُجُ من المعادنِ؛ فمرَّةً قال: فيه الخُمُسُ. ومرَّةً قال: ليس فيه شيءٌ؛ كالقيرِ، والنِّفْط (٢). وقد أوضَحنا هذه المسألةَ في بابِ ابنِ شهابٍ، عندَ قولِه ﷺ : "والمعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" (٣). وتقصَّيْنا القولَ فيها هنالكَ، والحمدُ لله. [أَخرُ المجلّد الثاني من هذه الطبعة المحقَّقة، والحمدُ لله وحدَه، وصَلَواته على من لا نبيَّ بعدَه. ويليه المجلّد الثالث، وأوله: بابُ الزاي، يسَّر الله إتمامَه].

стр. 1304

باب الزاي زيدُ بنُ أَسْلَم (١)، مولى عُمر بن الخطاب ﵁ قال أبو عُمر: زيدُ بن أسْلَم، يُكْنَى أبا أُسامة، وأبوه أسلم يُكْنَى أبا خالد، بابنه خالد بن أسلم، وهو من سَبْي عين التَّمْر، وهو أول سَبْي دخلَ المدينةَ في خلافة أبي بكر، بَعثَ به خالدُ بن الوليد، فأسلموا وأنجبوا كُلُّهم، منهم: حُمران بن أبان، ويسار مولى قيس بن مَخْرَمة، وأفْلَح مولى أبي أيوب، وأسلمُ مولى عُمر. وكان أسلم من جِلَّة الموالي علمًا، ودينًا وثقةً. وزيدُ بن أسلم أحد ثقات أهل المدينة، وكان من العُلماء العبّاد الفُضلاء، وزعموا أنه كان أعلمَ أهل المدينة بتأويلِ القرآن بعد محمد بن كعب القُرَظيّ. وقد كان زيد بن أسلم يُشَاوَر في زمن القاسم وسالم. روَى ابن وَهْب، قال: أخبرني أسامة بن زيد بن أسلم أنّه كان جالسًا عند أبيه إذ أتاه رسولٌ من البَصْرة، وكان أميرًا لهم، فقال: إن الأمير يقول لك: كم عِدّة الأمة تحت الحُرِّ؟ وكم طلاقُه إياها؟ وكم عِدّة الحُرّة تحت العبد؟ وكم طلاقه إيّاها؟ قال أبي: عِدّة الأَمة المطلقة حيضتان، وطلاق الحر الأمةَ ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاث حِيَض. ثم قام الرسول، فقال أبي: إلى أين تَذْهب؟ فقال: أمرني أن آتيَ القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فأسألهما. فقال أبي: أقسمتُ عليك إلَّا ما رجعتَ إليَّ، فأخبرتني بما يقولان لك. قال: فذهب، ثم رجع، فأخبره أنهما قالا كما قال، وقال الرسول: قالا: قل له: ليس في كتاب الله، ولا سُنة من رسول الله، ولكن عَمِلَ به المُسلمون.

стр. 1305

وقال مالك: كان زيدُ بن أسلم من العُلماء الذين يَخْشَون الله، وكان يَنْبَسط إليَّ، وكان يقول: ابن آدم، اتقِ الله يحبكَ الناسُ وإن كَرِهوا. قال أبو عُمر: توفي زيد بن أسلم سنة ست وثلاثين ومئة، في عَشْر ذي الحجة، وفي هذه السنة استُخْلِف أبو جعفر المنصور. وكان علي بن حُسين بن علي يتخطى الحِلَق إلى زيد بن أسلم وكان نافع بن جُبير يثقل ذلك عليه، فرآه ذات يوم يتخطى إليه، فقال: أتتخطى مجالسَ قومك إلى عبد آل عُمر بن الخطاب؟ فقال عليُّ بن حُسين: إنّما يجالس الرجلُ من ينفعه في دينه. وكان عُمر بن عبد العزيز ﵀ يُدْني زيد بن أسلم ويقرّبه، ويجالسُه، وحجب الأحوص الشاعر يومًا، فقال: خليلي أبا حفص هل أنت مُخبري ... أفي الحق أن أُقصىَ ويُدْنَى ابنُ أسلما فقال عمر: ذلك الحق. أخبَرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن محمد بن عَمْرو القاضي المالكي، قال: حَدَّثَنَا محمد بن علي، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن المنذر الحِزامي قال: أخبرني زيد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لما وضعَ مالك "الموطأ"، جعل أحاديث زيد بن أسلم في آخر الأبواب، فأتيتُه، فقلت: أخَّرت أحاديث زيد بن أسلم، جعلتها في آخر الأبواب، فقال: إنّها كالسراج تُضِيءُ لما قبلها. لمالك عن زيد بن أسْلَم من مرفوعات "الموطأ" أحدٌ وخمسون حديثًا؛ منها مسندةٌ ثلاثة وعشرون حديثًا. ومنها حديثٌ منقطع؛ قصةُ معاوية مع أبي الدرداء؛ تتمة أربعة وعشرين. ومنها مُرْسلة سبعة وعشرون حديثًا؛ من مراسيل سعيد بن المُسَيِّب واحد، ومن مراسيل عطاء بن يسار خمسة عشر، ومن مراسيله عن نفسه أحد عشر حديثًا.

стр. 1306

حديث أول لزيد بن أسْلم مسندٌ صحيحٌ، عن ابن عمر مالك (١)، عن نافعٍ، وعبدِ الله بن دينارٍ، وزيد بن أسلمَ، كلُّهم يُخبِرُه عن عبدِ الله بن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَنظُرُ اللهُ يومَ القيامةِ إلى مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ". قال أبو عُمر: الخُيَلاءُ التَّكبُّرُ وهي الخُيَلاءُ والمَخِيلةُ، يُقالُ منه: رجلٌ خالٌ ومُخْتالٌ: شديدُ الخُيَلاءِ، وكلُّ ذلك من البَطَرِ والكِبْرِ، واللّهُ لا يُحبُّ المتكبِّرينَ (٢)، ولا يُحبُّ كُلَّ مُختالٍ فخورٍ. وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ مَن جَرَّ إزارَه من غيرِ خُيلاءَ ولا بطرٍ أنّه لا يَلحقُه الوعيدُ المذكورُ، غيرَ أنّ جَرَّ الإزارِ والقميصِ وسائرِ الثيابِ، مذمومٌ على كلِّ حالٍ، وأمّا المُسْتَكبِرُ الذي يَجُرُّ ثوبَه، فهو الذي ورَد فيه ذلك الوعيدُ الشديدُ، يُرْوَى عن النبي ﵇ فيما يَحكي عن ربِّه أنَّه قال: "الكِبْرياءُ رِدائِي، والعظمةُ إزارِي، مَن نازَعَني واحدةً منهما أدخلْتُه النارَ" (٣). وروى كُرَيْب بن إبراهيم، عن أبي رَيْحانة سمعه يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يَدْخلُ شيءٌ من الكِبْر الجنةَ" (٤). وتركُ التَّكبُّرِ واجبٌ فَرْضًا، وهيئة

стр. 1307

اللباس سُنّة (١)؛ قال ﷺ : "إزْرةُ المؤمنِ إلى أنْصاف ساقَيه، ولا جُناحَ عليه فيما بينَ ذلك إلى الكَعْبينِ، ما أسفلَ من ذلك ففي النارِ" (٢). يعني أنّ هذا يَسْتَحِقُّ من فعَل ذلك وهو عالمٌ بالنَّهْي، مستخِفٌّ بما جاءَه عن نبيِّه ﷺ ، وإنْ عَفا اللهُ عنه، فهو أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرةِ. وممّا يدُلُّ على أنَّ جَرَّ الإزارِ مذمومٌ على كلِّ حالٍ، ما ذكَره أبو زُرْعَةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن أبي عُمرَ، عن سُفيانَ بن عيينةَ، أنَّه أخبرَهم، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن عمرَ يقولُ لابن ابنِه عبدِ الله بن واقدٍ: يا بُنَيَّ، ارفَعْ إزَارَك؛ فإنِّي سمِعُت رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ يومَ القيامةِ إلى مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ". ألا ترَى أنّ ابن عمرَ لَمْ يقُلْ لابن ابنِه: هل تَجُرُّه خُيلاءَ؟ بل أرسَل ذلك إرسالًا؛ خوفًا منه أنّ يكونَ ذلك خُيلاءَ، ولو صَحَّ أنَّه ليس خُيلاءَ لَمْ ينهه إن شاء اللهُ. وذكَر الحَسَنُ الحُلْوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بن خِداشٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بن زيدٍ، قال: كان قميصُ أيوبَ يشَمُّ الأرضَ، هَرَوِيٌّ جيدٌ (٣).

стр. 1308

وقد زعَم أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ أنّ زيدَ بن أسلَمَ لَمْ يسمَعْ من ابن عمرَ، وهذا غَلَطٌ، وقد بان لك في حديثِ ابن عُيينةَ هذا سَماعُه (١)، وممّا يَدُلُّ على ذلك أيضًا ما ذكَره ابن وَهْبٍ في كتابِ "المجالسِ"، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ، عن أبيه، أنّ أباه أسلمَ أرسَلَه إلى عبدِ الله بن عُمرَ يكتُبُ له إلى قيِّمِه بخَيبرَ أنْ يصنعَ له خَصَفَتَيْنِ (٢) للأقِطِ. قال: فجِئْتُه فقلتُ: أألِجُ؟ فقال: ادخُلْ. فلمّا دخَلْتُ قال: مرحبًا بابن أخِي، لا تقلْ: أألِجُ ولكن قل: السلامُ عليكم. فإذا قالوا: وعليك. فقلْ: أأدْخُلُ؟ فإذا قالوا: ادْخُلْ. فادخُلْ. فقال له زيدٌ: إنَّ أبي يقرَأُ عليك السلامَ، ويقولُ: اكتُبْ إلى قَيِّمِكَ بخيبرَ أنّ يصنَعَ له خَصَفَتَيْن للأقطِ. فقال: نعم وكرامةً، اكتُبْ يا غلامُ. فكتَب إلى قَيِّمِه يأمُرُه أنْ يَصنعَ لأبي (٣) خالد (٤) خَصَفَتَيْنِ جيِّدَتَيْنِ حَسنتَيْنِ. فلم يَأْلُ. قال زيدٌ؛ فبينَما هو يَكتُبُ إذ دخَل عليه عبدُ الله بن واقدٍ ابن ابنِه وهو مُلْتَحِفٌ، مُرْخٍ ثوبَه، فقال له: ارفَعْ ثوبَكَ. فرفَع، فقال: ارفَعْ، فرفَع، فقال: ارفَعْ، فرفَع، وقال: إنّ في رِجلَيَّ قُروحًا. فقال: وإن، فإنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ إلى مَن يَجُرُّ ثوبَه مِن الخيلاءِ يومَ القيامةِ". وهذا واضحٌ في كراهيةِ ابن عمرَ لجَرِّ الإنسانِ ثوبَه على كلِّ حالٍ؛ لأنّ عبدَ الله بن واقدٍ أخبَرَه أنّ في رِجْلَيْه قُروحًا، فقال: وإنْ.

стр. 1309

وقد روَى هذا الحديثَ عن ابن عمرَ جماعةٌ لَمْ يَختَلِفوا فيه؛ منهم نافعٌ (١)، وسالمٌ (٢)، وعبدُ الله بن دينارٍ (٣)، وعبدُ الله بن واقدٍ (٤)، وزيدُ بن أسلمَ (٥)، ومُحاربُ بن دِثارٍ (٦)، وجُبيرُ بن أبي سُليمانَ (٧)، وغيرُهم. ورَواه عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ؛ منهم ابن عمرَ، وأبو هريرةَ (٨)، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ (٩). حَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا عُبادةُ بن مسلم الفَزَارِيُّ، قال: حدَّثنِي جُبيرُ بن أبي سليمانَ بن جُبيرِ بن مُطْعِم، وزعَم أنّه كان جالسًا مع ابن عمرَ، إذ مرَّ به فَتًى شابٌّ، عليه جُبَّةٌ صَنْعانِيَّةٌ يَجُرُّها مُسْبِلًا، فقال: يا فَتَى، هَلُمَّ. فقال له الفتَى: ما حاجَتُك يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: ويحَك، أتُحِبُّ أنْ ينظُرَ اللهُ إليك يومَ القيامةِ؟ قال: سُبحانَ الله، وما يَمْنَعُني من ذلك؟ قال: إني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ إلى عبدٍ

стр. 1310

يومَ القيامةِ يَجُرُّ إزارَه خيلاءَ". قال: فلم يُرَ الفتَى إلّا مُشَمِّرًا بعدَ ذلك اليوم حتى مات (١). وقد ظنَّ قومٌ أنّ جَرَّ الثوبِ إذا لَمْ يكنْ خُيلاءَ فلا بأسَ به. واحتجوا لذلك بما حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عثمانَ بن السَّكَنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يوسفَ، قال: حَدَّثَنَا البخاريُّ، قال (٢): أخبَرنا ابن مُقاتل، قال: أخبَرنا عبدُ الله، قال: أخبَرنا موسى بن عقبةَ، عن سالم بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن عُمَر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ لَمْ ينظُرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ". فقال أبو بكر: إنّ أحدَ شِقَّي (ثوبي) (٣) يَسْترخِي إلّا أنّ أتعاهدَ ذلك منه. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّك لست تَصنعُ ذلك خُيلاءَ". قال موسى: قلتُ لسالم: أَذَكَر عبدُ الله "مَن جَرَّ إزارَه"؟ قال: لَمْ أسْمَعْه إلّا ذكَر "ثَوبَه" (٤). وهذا إنّما فيه أنّ أحَدَ شِقَّيّ ثوبِه يَسترخِي لا أنّه تعمَّدَ ذلك خُيلاءَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : لستَ ممّن يَرضَى ذلك، ولا يتعمَّدُه، ولا يُظَنُّ بك ذلكَ. وقد مضَى ما فيه كفاية في هذا المعنَي، وسنَزِيدُه بَيانا في بابِ العلاءِ إن شاء اللهُ. وذكَر موسى بن هارونَ الحمَّالُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو معشَرٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إنّ اللهَ ﵎ لا يَنظُرُ إلى عبدٍ يَجُرُّ ثوبَه من الخُيلاءِ حتى يضَعَ ذلك الثوبَ، وإن كان اللهُ يُحِبُّ ذلك العبدَ. قال أبو عُمر: روَى زيدُ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ أحاديثَ، منها هذا.

стр. 1311

ومنها حديثُ ابن عُمرَ، عن صُهَيْبٍ، عن النبيِّ ﷺ في رَدِّ السلام في الصلاةِ بالإشارةِ (١)، ومنها: "إنّ من البيانِ لَسحْرًا" (٢)، ومنها: "مَن نزَع يدًا من طاعةٍ" (٣). ومنها في حَلِّ الأزرار (٤)، ومنها: "تَشقيقُ الكلام من الشيطانِ" (٥)، كلُّها عن النبِيِّ ﷺ ، وكلُّها سمِعها زيدُ بن أسلمَ من عبدِ الله بن عمرَ، ولم نَذْكُرْ في هذا الموضعِ من هذا الكتابِ حديثَ مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : خطَب رجلانِ، فعجِب الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّ من البيانِ لسحرًا". أو: "إنّ بعضَ البيان لسحرٌ". وذكَرْناه في مراسلِ زيدِ بن أسلمَ من هذا الكتابِ، لأنّ يحيَى أرسَلَه، ولم يَذْكُرْ فيه ابن عمرَ، ولم يُتابَعْ يحيَى على ذلك (٦)، واللّه أعلمُ. وبه التوفيقُ.

стр. 1312

حديثٌ ثان لزَيْد بن أَسْلَم مُسْنَدٌ حَسَنٌ عن جابر قال أبو عُمر: قال قومٌ: لَمْ يَسْمع زيدُ بنُ أسْلَم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون: سَمِعَ منه، وسَمَاعُه من جابر غير مدفوع (١) عندي، وقد سمع من ابن عُمر، وتوفي ابنُ عُمر قبل جابر بن عبد الله بنحو أربعة أعوام، توفي جابر سنة ثمان وسبعين، وتوفي ابن عمر سنة أربع وسبعين (٢). مالك (٣)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن جابرِ بن عبدِ الله الأنصاريِّ، أَنَّه قال: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ في غزو بني أنْمارٍ. قال جابرٌ: فبَينا أنا نازلٌ تحتَ شجرةٍ إذا رسولُ الله ﷺ قالَ (٤)، فقلتُ: يا رسولَ الله، هلُمَّ إلى الظِّلِّ. قال:
следующие страницы →