← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1308–1347 · переход к 1313.

стр. 1308

وقد زعَم أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ أنّ زيدَ بن أسلَمَ لَمْ يسمَعْ من ابن عمرَ، وهذا غَلَطٌ، وقد بان لك في حديثِ ابن عُيينةَ هذا سَماعُه (١)، وممّا يَدُلُّ على ذلك أيضًا ما ذكَره ابن وَهْبٍ في كتابِ "المجالسِ"، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ، عن أبيه، أنّ أباه أسلمَ أرسَلَه إلى عبدِ الله بن عُمرَ يكتُبُ له إلى قيِّمِه بخَيبرَ أنْ يصنعَ له خَصَفَتَيْنِ (٢) للأقِطِ. قال: فجِئْتُه فقلتُ: أألِجُ؟ فقال: ادخُلْ. فلمّا دخَلْتُ قال: مرحبًا بابن أخِي، لا تقلْ: أألِجُ ولكن قل: السلامُ عليكم. فإذا قالوا: وعليك. فقلْ: أأدْخُلُ؟ فإذا قالوا: ادْخُلْ. فادخُلْ. فقال له زيدٌ: إنَّ أبي يقرَأُ عليك السلامَ، ويقولُ: اكتُبْ إلى قَيِّمِكَ بخيبرَ أنّ يصنَعَ له خَصَفَتَيْن للأقطِ. فقال: نعم وكرامةً، اكتُبْ يا غلامُ. فكتَب إلى قَيِّمِه يأمُرُه أنْ يَصنعَ لأبي (٣) خالد (٤) خَصَفَتَيْنِ جيِّدَتَيْنِ حَسنتَيْنِ. فلم يَأْلُ. قال زيدٌ؛ فبينَما هو يَكتُبُ إذ دخَل عليه عبدُ الله بن واقدٍ ابن ابنِه وهو مُلْتَحِفٌ، مُرْخٍ ثوبَه، فقال له: ارفَعْ ثوبَكَ. فرفَع، فقال: ارفَعْ، فرفَع، فقال: ارفَعْ، فرفَع، وقال: إنّ في رِجلَيَّ قُروحًا. فقال: وإن، فإنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ إلى مَن يَجُرُّ ثوبَه مِن الخيلاءِ يومَ القيامةِ". وهذا واضحٌ في كراهيةِ ابن عمرَ لجَرِّ الإنسانِ ثوبَه على كلِّ حالٍ؛ لأنّ عبدَ الله بن واقدٍ أخبَرَه أنّ في رِجْلَيْه قُروحًا، فقال: وإنْ.

стр. 1309

وقد روَى هذا الحديثَ عن ابن عمرَ جماعةٌ لَمْ يَختَلِفوا فيه؛ منهم نافعٌ (١)، وسالمٌ (٢)، وعبدُ الله بن دينارٍ (٣)، وعبدُ الله بن واقدٍ (٤)، وزيدُ بن أسلمَ (٥)، ومُحاربُ بن دِثارٍ (٦)، وجُبيرُ بن أبي سُليمانَ (٧)، وغيرُهم. ورَواه عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ؛ منهم ابن عمرَ، وأبو هريرةَ (٨)، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ (٩). حَدَّثَنَا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا عُبادةُ بن مسلم الفَزَارِيُّ، قال: حدَّثنِي جُبيرُ بن أبي سليمانَ بن جُبيرِ بن مُطْعِم، وزعَم أنّه كان جالسًا مع ابن عمرَ، إذ مرَّ به فَتًى شابٌّ، عليه جُبَّةٌ صَنْعانِيَّةٌ يَجُرُّها مُسْبِلًا، فقال: يا فَتَى، هَلُمَّ. فقال له الفتَى: ما حاجَتُك يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: ويحَك، أتُحِبُّ أنْ ينظُرَ اللهُ إليك يومَ القيامةِ؟ قال: سُبحانَ الله، وما يَمْنَعُني من ذلك؟ قال: إني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يَنظُرُ اللهُ إلى عبدٍ

стр. 1310

يومَ القيامةِ يَجُرُّ إزارَه خيلاءَ". قال: فلم يُرَ الفتَى إلّا مُشَمِّرًا بعدَ ذلك اليوم حتى مات (١). وقد ظنَّ قومٌ أنّ جَرَّ الثوبِ إذا لَمْ يكنْ خُيلاءَ فلا بأسَ به. واحتجوا لذلك بما حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن عثمانَ بن السَّكَنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يوسفَ، قال: حَدَّثَنَا البخاريُّ، قال (٢): أخبَرنا ابن مُقاتل، قال: أخبَرنا عبدُ الله، قال: أخبَرنا موسى بن عقبةَ، عن سالم بن عبدِ الله، عن عبدِ الله بن عُمَر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن جَرَّ ثوبَه خُيلاءَ لَمْ ينظُرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ". فقال أبو بكر: إنّ أحدَ شِقَّي (ثوبي) (٣) يَسْترخِي إلّا أنّ أتعاهدَ ذلك منه. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّك لست تَصنعُ ذلك خُيلاءَ". قال موسى: قلتُ لسالم: أَذَكَر عبدُ الله "مَن جَرَّ إزارَه"؟ قال: لَمْ أسْمَعْه إلّا ذكَر "ثَوبَه" (٤). وهذا إنّما فيه أنّ أحَدَ شِقَّيّ ثوبِه يَسترخِي لا أنّه تعمَّدَ ذلك خُيلاءَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : لستَ ممّن يَرضَى ذلك، ولا يتعمَّدُه، ولا يُظَنُّ بك ذلكَ. وقد مضَى ما فيه كفاية في هذا المعنَي، وسنَزِيدُه بَيانا في بابِ العلاءِ إن شاء اللهُ. وذكَر موسى بن هارونَ الحمَّالُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو معشَرٍ، عن أبي حازمٍ، قال: إنّ اللهَ ﵎ لا يَنظُرُ إلى عبدٍ يَجُرُّ ثوبَه من الخُيلاءِ حتى يضَعَ ذلك الثوبَ، وإن كان اللهُ يُحِبُّ ذلك العبدَ. قال أبو عُمر: روَى زيدُ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ أحاديثَ، منها هذا.

стр. 1311

ومنها حديثُ ابن عُمرَ، عن صُهَيْبٍ، عن النبيِّ ﷺ في رَدِّ السلام في الصلاةِ بالإشارةِ (١)، ومنها: "إنّ من البيانِ لَسحْرًا" (٢)، ومنها: "مَن نزَع يدًا من طاعةٍ" (٣). ومنها في حَلِّ الأزرار (٤)، ومنها: "تَشقيقُ الكلام من الشيطانِ" (٥)، كلُّها عن النبِيِّ ﷺ ، وكلُّها سمِعها زيدُ بن أسلمَ من عبدِ الله بن عمرَ، ولم نَذْكُرْ في هذا الموضعِ من هذا الكتابِ حديثَ مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : خطَب رجلانِ، فعجِب الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّ من البيانِ لسحرًا". أو: "إنّ بعضَ البيان لسحرٌ". وذكَرْناه في مراسلِ زيدِ بن أسلمَ من هذا الكتابِ، لأنّ يحيَى أرسَلَه، ولم يَذْكُرْ فيه ابن عمرَ، ولم يُتابَعْ يحيَى على ذلك (٦)، واللّه أعلمُ. وبه التوفيقُ.

стр. 1312

حديثٌ ثان لزَيْد بن أَسْلَم مُسْنَدٌ حَسَنٌ عن جابر قال أبو عُمر: قال قومٌ: لَمْ يَسْمع زيدُ بنُ أسْلَم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون: سَمِعَ منه، وسَمَاعُه من جابر غير مدفوع (١) عندي، وقد سمع من ابن عُمر، وتوفي ابنُ عُمر قبل جابر بن عبد الله بنحو أربعة أعوام، توفي جابر سنة ثمان وسبعين، وتوفي ابن عمر سنة أربع وسبعين (٢). مالك (٣)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن جابرِ بن عبدِ الله الأنصاريِّ، أَنَّه قال: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ في غزو بني أنْمارٍ. قال جابرٌ: فبَينا أنا نازلٌ تحتَ شجرةٍ إذا رسولُ الله ﷺ قالَ (٤)، فقلتُ: يا رسولَ الله، هلُمَّ إلى الظِّلِّ. قال:

стр. 1313

فنزَل رسولُ الله ﷺ ، فقُمتُ إلى غِرارَةِ (١) لنا، فالتَمَسْتُ فيها فوجَدتُ جِرْوَ قِثّاءٍ (٢)، فكسَرتُه، ثم قرَّبْتُه إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: "مِن أين لكم هذا؟ ". فقلتُ: خرَجنا به يا رسولَ الله مِن المدينةِ. قال جابرٌ: وعندَنا صاحبٌ لنا نُجَهِّزُه يذهبُ يَرْعَى ظَهْرَنا. قال: فجَهَّزْتُه، ثم أدْبَرَ يَذهبُ في الظَّهْرِ، وعليه بُرْدانِ له قد خَلَقا. قال: فنظَر رسولُ الله ﷺ فقال: "أمَا له ثوبان غيرُ هذين؟ ". فقلتُ: بلى يا رسولَ الله، ثوبانِ في العَيْبَةِ (٣) كَسَوتُه إيَّاهما. قال: "فادْعُه فمُرْه فلْيَلْبَسْهما". قال: فدعَوتُه فلَبِسَهما ثم ولَّى يذهَبُ. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "ما له؟ ضرَب اللهُ عُنقَه، أليس هذا خيرًا؟ ". قال: فسمِعه الرجلُ، فقال: يا رسولَ الله، في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "في سبيلِ الله". فقُتِل الرجلُ في سبيل الله. هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ"، لَمْ يَختلِفْ فيه الرُّواةُ (٤)، وقد حدَّث أبو نُعيم الحَلَبِيُّ عُبيدُ بن هشام، عن ابن المباركِ، عن مالكٍ بحديثٍ هو عندَهم خطأٌ إنْ أرادَ حديثَ زيدِ بن أسلمَ هذا. حَدَّثَنَا خلفُ بن قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسينِ عليُّ بن الحسينِ بن بُندَار، قال: حَدَّثَنَا أبو عثمانَ سعيدُ بن عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابن المباركِ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أَنَسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ

стр. 1314

قال لرجلٍ: "يا فلانُ، ضرَب اللهُ عُنُقَكَ". قال: في سبيلِ الله يا رسولَ الله؟ قال: "في سبيلِ الله". قال: وهي كانت نِيَّةَ رسولِ الله ﷺ (١). روَاه عن أبي نُعَيْم الحَلَبيِّ جماعةٌ هكذا بهذا الإسنادِ؛ منهم أبو عِمرانَ موسَى بن محمدٍ الأنْطاكِيُّ، وسعيدُ بن عبدِ العزيزِ بن مروانَ الحَلَبِيُّ. في هذا الحديثِ إباحةُ طلبِ الظِّلِّ والراحةِ، وأنّ الوقوفَ للشمسِ مع وجودِ الظِّلِّ ليس من البِرِّ، في غَزْوٍ كان ذلك أو غيرِه؛ لأنّهم كانوا غازينَ مُجاهدِين حِينئذٍ. وفيه الخروجُ بالزَّادِ، وفي ذلك رَدٌّ على مَن قال من الصُّوفِيَّةِ: لا يُدَّخَرُ لِغَدٍ. وفيه إكرامُ الرجلِ الجليلِ السَّيِّدِ بيَسيرِ الطعام، وقَبولُ الجِلَّةِ ليسيرِ ما يُدْعَوْن إليه. وفيه أنّ للرجل أنْ يسألَ: من أين هذا الطعامُ؟ إذا خافَ منه شيئًا، أو خافَ مِن صاحبِه غفلةً لمعنًى معهودٍ، فيُنَبِّهُه على ذلك، وكان جابر يومَئذٍ حَدَثًا، واللّهُ أعلمُ، بمعنَى سُؤالِ رسولِ الله ﷺ إيَّاه عن ذلك، ولم يكنْ جابر ممّن يُتَّهَمُ، ولكنَّ رسولَ الله بُعِث مُعَلِّمًا، ﷺ . وفيه أنّ مَن وسَّع اللهُ عليه، لم يَجُزْ له إدمانُ لُبْسِ الخَلَقِ مِن الثيابِ، وقال ﷺ : "إذا أنعَم اللهُ على عبدٍ بنِعمةٍ، أحبَّ أنْ يُرَى أثرُها عليه" (٢). وقال

стр. 1315

عمرُ بن الخطابِ ﵁: إذا وسَّعَ اللهُ عليكم فأوسِعوا على أنَّفسِكم، جمَع الرجلُ (١) عليه ثِيابَه (٢). حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن العباسِ الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبدِ الحميدِ الغَضائرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بن وكيع، قال: حدَّثني أبي، عن أشْعَثَ (٣)، عن بكرٍ المُزَنِيِّ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنّ اللهَ يُحبُّ أنْ يُرَى أثَرُ نعمتِه على عبدِه" (٤). وهذا الحديثُ يعارضُ ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "البَذاذةُ منَ الإيمانِ" (٥). والبَذاذةُ: رَثاثةُ الهيئة. وفيه إباحةُ الكلام بالمعارِيضِ (٦)، وبما فَحْواه يَسمُجُ (٧)، إذا كان المُتَكَلِّمُ به يريدُ به وجْهًا محمودًا، ألا ترَى إلى قولِه: "ما لَه؟ ضرَب اللهُ عنقَه"؟ وهو يريدُ بذلك الشهادةَ له، وكان ﷺ قَلَّما يقولُ مثلَ هذا إلّا كان كما قال. أَلَا تَرى إلى ما رُوِي عن أصحابِ رسولِ الله ﷺ أنهم قالوا حين بعَث رسولُ الله ﷺ بَعْثَه إلى مُؤْتَةَ، وأمَّرَ عليهم زيدَ بن حارثةَ، فقال: "إن قُتِلَ فجعفرُ بن أبي طالب، وإن قُتِل

стр. 1316

جعفرٌ فعبدُ الله بن رَواحةَ". قالوا: فلمّا. قال ذلك علِمْنا أنهم سيُقتَلون (١). ومثلُ هذا ما حَدَّثَنَاه سعيدُ بن نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن وضاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ (٢)، قال: حَدَّثَنَا هاشمُ بن القاسمِ، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ بن عمّار، قال: حدَّثني إياسُ بن سلمَةَ بن الأكوع، قال: أخبَرني أبي - في حديثٍ ذكَره - أنّ عامرَ بن الأكوَع حين خرَج إلى خيبَرَ، جعَل يَرْتجِزُ بأصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وفيهم النبيُّ ﷺ ، فجعَل يَسُوقُ بهم الرِّكابَ وهو يقولُ: تاللّه لولا اللهُ ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا إنَّ الذين قد بغَوا علينا إذا (٣) أرادوا فِتنةً أَبَيْنا ونحن عن فضلِك ما اسْتَغْنَيْنا فثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا وأنْزِلَنْ سكينةً علينا

стр. 1317

فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن هذا؟ ". قالوا: عامرٌ يا رسولَ الله. قال: "غفَر لك ربُّكَ". قال: وما استَغفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخُصُّه إلّا استُشْهِد. قال: فلمّا سمِع ذلك عمرُ بن الخطابِ قال: يا رسولَ الله، لو مَتَّعْتَنا بعامرٍ. فقام عامرٌ إلى الحربِ، فبارَزه مَرْحَبٌ اليَهودِيُّ، فاسْتُشْهِد. وذكَر تمامَ الحديثِ. أَلَا تَرى إلى قولِه: وما استغفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخُصُّه إلّا اسْتُشْهِد؟ وإلى قولِ عمرَ: لو مَتَّعْتَنا بعامرٍ؟ وهذا كلُّه في معنَى قولِه: "ما له؟ ضرَب اللهُ عُنقَه". وفيه إجابةُ دعوةِ رسولِ الله ﷺ ، ودعاؤُه كلُّه عندَنا مُجابٌ إن شاء اللهُ. وسيَأْتِي القولُ في معنَى حديثِه ﷺ : "فاخْتَبأْتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتِي" في موضِعِه من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ تعالى (١).

стр. 1318

حديثٌ ثالثٌ لَزْيد بن أسْلَم متصلٌ صحيحٌ مُسند مالك (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنَّه قال: سمِعتُ عمرَ بن الخطابِ وهو يقولُ: حمَلْتُ على فرسٍ عَتيقٍ في سبيلِ الله، وكان الرجلُ الذي هو عندَه قد أضاعَه، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَه منه، وظَنَنْتُ الله بائِعُه برُخْصٍ، فسألتُ عن ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: "لا تَشْتَره وإن أعطاكه بدرهم واحدٍ؛ فإنّ العائِدَ في صَدَقتِه كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئهِ". وروَى هذا الحديثَ ابن عُيينةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيهِ عن عمرَ مثلَه، وقال فيه: "لا تَشْتَرِهِ ولا شيئًا من نِتَاجِه". ذكَره الشافعيُّ (٢)، والحُميدِيُّ (٣)، عن ابن عُيينةَ. قال أبو عُمر: الفرسُ العتِيقُ: هو الفارِهُ عندَنا، وقال صاحِبُ "العينِ": عَتَقَتِ الفرسُ تَعْتِقُ: إذا سبَقَت، وفرسٌ عَتيقٌ: رائعٌ. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ إجازَةُ تَحْبِيسِ الخَيْلِ في سبيلِ الله. وفيه أنّ مَن حُمِل على فرسٍ في سبيل الله وغزَا به، فله أنْ يفعَلَ به بعدَ ذلك ما يفعَلُ في سائرِ مالِه (٤)، أَلَا تَرى أنّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يُنكِرْ على بائعِه بَيْعَه، وأنكَر على عُمرَ شِراءَه، ولذلك قال ابن عمرَ: إذا بلَغْتَ به وادِيَ القُرَى فشأنَكَ

стр. 1319

به (١). وقال سعيدُ بن المسَيِّبِ: إذا بلَغ به رأسَ مَغْزاتِه فهو له (٢). ويَحتمِلُ أنّ يكونَ هذا الفرسُ ضاعَ حتى عجَز عن اللَّحاقِ بالخَيْلِ، وضَعُفَ عن ذلك، ونزَل عن مَرَاتبِ الخَيْلِ التي يُقاتَلُ عليها؛ فأُجيزَ له بَيعُه لذلك. ومِن أهلِ العلم من يقولُ: يضَعُ ثَمَنَه ذلك في فرَسٍ عَتيقٍ إنْ وجَده، وإلّا أعانَ به في مثلِ ذلك. ومنهم مَن يقولُ: إنّه له كسائرِ مالِه إذا غزَا عليه. وأمّا اختِلافُ الفقهاءِ في هذا المعنَى؛ فقال مالكٌ: إذا أُعطِيَ فرسًا في سبيلِ الله فقيل له: هو لك في سبيلِ الله. فله أنْ يَبِيعَه، وإنْ قيلَ: هو في سبيلِ الله. ركِبَه ورَدَّه. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ: الفرسُ المحمولُ عليها في سبيلِ الله هي لمَن يُحْمَلُ عليها تَمْلِيكٌ. قالوا: ولو قال له: إذا بَلَغْتَ به رأسَ مَغْزاكَ فهو لك، كان تَمْلِيكًا على مُخاطرةٍ، ولم يَجُزْ. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: مَن أُعطِيَ فرسًا في سبيل الله لَمْ يَبِعْه حتى يبلُغَ مَغْزاه، ثم يَصنَعُ به ما شاءَ، إلّا أن يكونَ حَبْسًا فلا يُباعُ. وقال عُبيدُ الله بن الحَسَنِ: إذا قال: هو لك في سبيلِ الله. فرجَع به، رَدَّه حتى يَجعلَه في سبيلِ الله. وسيأتي هذا في بابِ نافع (٣)، والحمدُ للّه. وفيه أنّ كلَّ مَن يجوزُ تَصَرُّفُه في مالِه وبيعُه وشِراؤُه، فجائزٌ له بيعُ ما شاء من مالِه بما شاء من قليلِ الثَّمَنِ وكثيرِه، كان مِمّا يَتغابنُ الناسُ به أو لَمْ يكنْ؛ إذا كان ذلك مالَه ولم يكنْ وكِيلًا ولا وصِيًّا، لقولِه ﷺ في هذا الحديثِ: "ولو أعْطَاكَهُ بدرْهم".

стр. 1320

واختلَف الفقهاءُ في كَراهيةِ شِراءِ الرجلِ لصدقَتِه الفرضِ والتَّطَوُّع، إذا أخرَجها عن يَدِه لوَجْهِها ثم أرادَ شِراءَها من الذي صارتْ إليه، فقال مالكٌ: إذا حمَل على فرس فباعَه الذي حُمِل عليه، فوجَده الحامِلُ في يَدِ المشترِي، فلا يَشْتَرِه أبدًا، وكذلك الدَّراهمُ والثَّوبُ. قال أبو عُمر: ذكَره ابن عبدِ الحكم عنه، وقال في موضع آخرَ من كتابِه: ومَن حُمِلَ على فرسٍ فباعَه، ثم وجَده الحاملُ في يدِ الذي اشتَراه، فتَرْكُ شِرائِه أفضَلُ. قال أبو عُمر: كرِه (١) ذلك مالكٌ، والليثُ، والحسنُ بن حَيٍّ، والشافعيُّ، ولم يَرَوْا لأحدٍ أنّ يشْتَرِيَ صدَقَتَه، فإنِ اشْترَى أحدٌ صدقتَه لَمْ يَفسَخوا العقدَ ولم يَرُدُّوا البيعَ، ورأَوُا التَّنزُّهَ عنها. وكذلك قولُهم في شِراءِ الإنسانِ ما يُخرِجُه من كفَّارَةِ اليَمينِ، مثلُ الصَّدقةِ سَواءً. قال أبو عُمر: إنّما كَرِهوا بيعها (٢) لهذا الحديثِ، ولم يَفْسَخوها لأنّها راجِعَةٌ إليه بغيرِ ذلك المَعْنَى. وقد بَيَّنّا هذا في قصةِ هديَّةِ بَرِيرَةَ بما تُصُدِّقَ به عليها. ويَحتمِلُ هذا الحديثُ أن يكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ وقَطْعِ الذَّريعةِ إلى بيعِ الصَّدقةِ قبلَ إخراجِها، أو يكونَ مَوقوفًا على التَّطَوُّع في التَّنزُّهِ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعِيُّ: لا بأسَ لمن أخرَج زكاتَه وكفَّارةَ يَمِينِه أن يَشْتَرَيه بثَمَني يَدفَعُه إليه. وقال أبو جعفرٍ الطحاويُّ (٣): المصيرُ إلى حديثِ عمرَ في الفرسِ أولَى من

стр. 1321

قولِ مَن أباحَ شراءَ صَدَقتِه. وقال قتادةُ: البيعُ في ذلك فاسدٌ مرْدودٌ؛ لأنِّي لا أعْلَمُ القَيْءَ إلّا حرامًا (١). وكلُّ العلماءِ يقولون: إذا رجَعتْ إليه بالميراثِ طابَتْ له، إلّا ابن عمرَ، فإنّه كان لا يَحبِسُها إذا رجَعتْ إليه بالميراثِ (٢). وتابعه الحَسَنُ بن حيٍّ، فقال: إذا رجَعت إليه بالميراثِ وجَّهَها فيما كان وجَّهها فيه إذا كانت صدقةً، وأمّا الهِبَةُ فلا يُكرَهُ الرُّجوعُ فيها. قال أبو عُمر: يَحتمِلُ فعلُ ابن عمرَ في رَدِّ ما رجَع إليه من صدَقاتِه بالمِيراثِ أنْ يَكونَ على سبيلِ الوَرَع والتَّبَرُّعِ، لا أنه كان يرَى ذلك واجبًا عليه، وكثيرًا ما كان يَدَعُ الحلالَ ورَعًا، ولعلَّه لَمْ يَصِحَّ عندَه ما رُوي عن رسولِ الله ﷺ في ذلك ولم يَعلَمْه، وقد ورَدتِ السُّنةُ الثابتةُ عن رسولِ الله ﷺ بإباحَةِ ما رَدَّه الميراثُ من الصَّدَقاتِ. وقد ذكَرناها في بابِ ربيعةَ في قصةِ لَحم بَرِيرةَ (٣) وأوضَحنا المعنَى في ذلك بما لا وَجْهَ لإعادَتِه ههنا. وأكلُ رسولِ الله ﷺ ما أُهدِي إليه من الصدقةِ، وقولُه: "إنّ الصدقةَ تَحِلُّ لمن اشتَراها بمالِه من الأغنياءِ" (٤)

стр. 1322

يُوضِّحُ ما ذكَرنا؛ لأنّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لغَنِيٍّ إلّا لخمسةٍ: أحَدُهم، رجلٌ اشْتَراها بمالِه، فكما جاز له أنْ يَشْتَرِيَها بمالِه وهي صدقةُ غيرِه، فكذلك شِراءُ صدقتِه؛ لأنّ الشِّراءَ لها ليس برُجوعٍ فيها في المعنَي، على ما بَيَّنا في قصةِ لحم بَرِيرَةَ، وإنّما الرُّجوعُ فيها أن يتَصَرَّفَ فيما فعَله من صدقتِه أو هِبَتِه دُونَ أنْ يَبتاعَ (١) ذلك، ولكنَّ حديثَ عمرَ هذا أولَى أن يُوقَفَ عندَه؛ لأنَّه خَصَّ المتَصَدِّقَ بها فنَهَاه عن شِرائِها، وذلك نَهْيُ تَنَزُّهٍ إن شاء اللهُ. وأما قوله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني إلّا لخمسة" فسيأتي ذكره فيما يأتي من حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا وباللّه توفيقنا.

стр. 1323

حديثٌ رابعٌ لزيد بن أَسْلَم مسند يجري مجرى المتَّصل مالك (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله ﷺ كان يَسِيرُ في بعضِ أَسفارِه، وعمرُ بن الخطَّابِ يسيرُ معه ليلًا، فسَأَلَه عمرُ عن شيءٍ فلم يُجبْه، ثم سألَه فلم يُجبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، فقال عمرُ: ثَكِلتْكَ أُمُّك يا عمرُ (٢)، نَزَرْتَ رسولَ الله ﷺ ثلاثَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلك لا يُجِيبُك. قال عمرُ: فحرَّكْتُ بعيرِي، حتى إذا كنتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فيَّ قرآنٌ، فما نَشِبْتُ (٣) أنْ سمِعْتُ صارخًا يَصرُخُ بي. قال: فقلتُ: لقد خَشِيتُ أنْ يكونَ نزَل فيَّ قُرآنٌ. قال: فَجئتُ رسولَ الله ﷺ فسَلَّمْتُ عليه، فقال: "أُنزِلَ عليَّ (٤) هذهِ اللَّيلةَ سورَةٌ، لهي أحبُّ إليَّ ممّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ". ثم قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. هذا الحديثُ عندَنا على الاتِّصالِ؛ لأنّ أسلمَ رَواه عن عمرَ، وسماع أسلمَ من مَولاه عمرَ ﵁ صحيحٌ لا ريبَ فيه، وقد رواه محمدُ بن حربٍ (٥)، عن مالكٍ كما ذكَرنا. أخبَرنا خلفُ بن القاسم وعليُّ بن إبراهيمَ، قالا: حَدَّثَنَا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن رُزَيقٍ (٦) بن جامع. وحَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بن مروانَ، قال:

стр. 1324

حَدَّثَنَا الحسنُ بن عليِّ بن داودَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن زَبانٍ (١)، قالا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بن عبدِ الرحيم المروَزِيُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بن حربٍ، عن مالكِ بن أَنَسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ كان يَسيرُ في بعضِ أسفارِه، وعمرُ يسيرُ معه ليلًا، فسألَه عمرُ عن شيءٍ فلم يُجِبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، ثم سألَه فلم يُجِبْه، ثلاثًا، فقال عمرُ: ثَكِلتْكَ أُمُّكَ عمرُ، نَزَرْتَ رسولَ الله ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كلَّ ذلكَ لا يُجِيبُكَ. قال عمرُ: فحرَّكْتُ بَعيرِي حتى تقَدَّمْتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فيَّ قرآنٌ، فما نَشِبْتُ أنْ سمِعْتُ صارخًا يَصرُخُ بي. قال: فقُلْتُ له: لقد خَشِيتُ أنْ يكُونَ نَزل فيَّ قُرآنٌ. فجِئتُ رسولَ الله ﷺ فسَلَّمْتُ عليه، فقال لي: "لقد أنزَل اللهُ عليَّ اللَّيلةَ سُورةً؛ لهيَ أحَبُّ إليَّ ممّا طلَعتْ عليهِ الشمسُ". ثم قرَأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]. وهكذا رواهُ مسنَدًا روحُ بن عُبادةَ، ومحمدُ بن خالدِ بن عَثْمَةَ (٢)، جميعًا أيضًا عن مالكٍ كرِوايةِ محمدِ بن حَرْبٍ سواءً. ذكَره النَّسائيُّ عن محمدِ بن عبدِ الله بن المُباركِ (٣). في هذا الحديثِ جوازُ السَّفَرِ بالليلِ والمَشي على الدَّوابِّ بالليل، وذلك عندَ الحاجةِ مع استِعمالِ الرِّفْقِ؛ لأنّها بَهائمُ عُجمٌ، وقد أمَرَ رسولُ الله ﷺ بالرِّفْقِ

стр. 1325

بها، والإحسانِ إليها. وفيه أنّ العالمَ إذا سُئِلَ عن شيءٍ لا يُحبُّ الجوابَ فيه أنْ يَسْكُتَ، ولا يُجِيبَ بنعمْ ولا بلا، ورُبَّ كلام جوابُه السُّكوتُ. وفيه من الأدبِ أنّ سكوتَ العالم عن الجوابِ يُوجِبُ على المُتَعَلِّم تَركَ الإلحاحِ عليه. وفيه النَّدَمُ على الإلحاحِ على العالم خوفَ غضبِه، وحِرمانِ فائدَتِه فيما يُستأْنْفُ، وقلَّما أُغضِبَ عالمٌ إلّا اختُرِمت فائدتُه. قال أبو سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ: لو رَفَقْتُ بابن عبَّاس لاسْتَخْرَجْتُ منه علمًا (١). وفيه ما كان عمرُ عليه مِن التقوَى، والوَجَل؛ لأنَّه خَشِيَ أنْ يكونَ عاصِيًا بسؤالِه رسولَ الله ﷺ ثلاثَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلك لا يُجِيبُه؛ إذ المَعْهودُ أنّ سُكوتَ المرءِ عن الجوابِ وهو قادرٌ عليه عالمٌ به، دَليلٌ على كراهيةِ السُّؤالِ. وفيه ما يدُلُّ على أنَّ السكوتَ عن السائلِ يَعِزُّ عليه، وهذا مَوجودٌ في طِباعِ الناسِ، ولهذا أرسَل رسولُ الله ﷺ في عمرَ يُؤَنِّسُه ويُبَشِّرُه، واللّهُ أعلمُ. وفيه أوضحُ الدليلِ على منزلةِ عُمرَ من قلبِ رسولِ الله ﷺ ، ومَوضعِه منه ومَكانَتِه عندَه. وفيه أنّ غُفرانَ الذُّنُوب خيرٌ للإنسانِ ممّا طلَعتْ عليه الشمسُ لو أُعطِيَ ذلك، وذلك تحقيرٌ منه ﷺ للدُّنيا وتَعْظيمٌ للآخرةِ، وهكذا يَنْبَغِي للعالم أنْ يُحَقِّرَ ما حقَّر اللهُ من الدُّنيا، ويزهِّدَ فيها، ويُعظِّمَ ما عظَّم اللهُ من الآخرةِ، ويرغَبَ فيها.

стр. 1326

وإذا كان غُفْرانُ الذُّنوب للإنسانِ خيرًا ممّا طلَعتْ عليه الشمسُ، ومعلُومٌ أنّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يُكَفَّرْ عنه إلّا الصَّغائرُ من الذُّنوبِ؛ لأنَّه لَمْ يَأتِ قَطُّ كبيرةً، لا هو ولا أحدٌ من أنبياءِ الله؛ لأنَّهم معصومون من الكبائرِ صَلواتُ الله عليهم، فعلى هذا الصَّلواتُ الخمسُ خيرٌ للإنسانِ منَ الدُّنْيا وما فيها؛ لأنّها تُكَفِّرُ الصَّغائرَ (١)، وباللّه التوفيقُ. وفيه أنّ نُزولَ القرآنِ كان حيثُ شاءَ اللهُ من حَضَرٍ وسَفَرٍ، ولَيلٍ ونهارٍ، والسَّفَرُ المَذكورُ في هذا الحَدِيثِ الذي نزَلتْ فيه سُورةُ "الفَتحِ" مُنصرَفَه من الحُدَيبيةِ، لا أعلمُ بينَ أهلِ العلم في ذلك خلافًا. قال أبو عُمر: قال معمرٌ، عن قتادةَ: نزَلتْ عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]. مرجِعَه من الحُدَيْبِيةِ، فقال النبيُّ ﷺ : "قد نَزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ ممّا على الأرضِ". ثم قرَأ عليهم، فقالوا: هَنيئًا مَريئًا يا رسولَ الله، قد بيَّن اللهُ لك ما يَفعلُ بك، فماذا يَفعلُ بنا؟ فنَزَلَتْ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢) [الفتح: ٥]. وقال ابن جريجٍ نحوَ ذلك، وزاد: فنزَل ما في "الأحزاب": ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وأنزَل: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. الآيتين إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

стр. 1327

وقال غيرُ ابن جُرَيْج (١): فقال المنافقون: وماذا يَفعلُ بنا؟ فنزَلتْ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. ونزَلَتْ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣]. فقال عبدُ الله بن أُبَيٍّ وأصحابُه: يَزعُم محمدٌ أنّه غُفِر له ذَنْبُه، وأنْ يَفْتحَ اللهُ عليه ويَنصُرَه نَصْرًا عزيزًا، هَيهاتَ هَيهاتَ، الذي بقي له أكثرُ؛ فارسُ والرومُ، أَيَظُنُّ محمدٌ أنّهم مثلُ مَن نزَل بينَ ظَهْرَيْه؟ فنزلَتْ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]. بأنَّه لا يُنْصَرُ، فبِئْسَ ما ظنُّوا، ونزَلتْ: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الفتح: ٧]. قال أبو عُمر: اختلَف أهلُ العلم في قولِه: ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾. فقال قومٌ: خَيبرُ. وقال قومٌ: الحُديبيةُ مَنْحَرُه وحَلْقُه. وقال ابن جُريج: ﴿فَتَحْنَا لَكَ﴾: حكَمْنا لك حُكْمًا بَيِّنًا، حينَ ارْتَحَل من الحُديبيةِ راجعًا. قال: وقد كان شَقَّ عليهم أنْ صُدُّوا عن البيت. وقال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. قالَ: أوَّلَه وآخرَه ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. قال: يُريدُ بذلك فتحَ مكَّةَ والطائفِ وحُنَينٍ؛ العَرَبَ، ولم يَكُنْ بَقِيَ في العربِ غيرُهم. وقال قتادةُ ومجاهدٌ: ﴿فَتَحْنَا لَكَ﴾: قَضَينا لك قضاءً مُبينًا؛ مَنْحَرَه وحَلقَه بالحُديبيةِ. ذكره معمرٌ، عن قتادةَ. وذكَره وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ (٢).

стр. 1328

وروَى شُعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس: ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال: الحُديبيةُ (١). وذكَر وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ الرَّازيِّ، عن قتادةَ، عن أَنَسٍ، قال: خيبرُ (٢). وكذلك اختلَف في ذلك قولُ مجاهدٍ أيضًا. وأمّا قولُه في الحديثِ: نَزَرْتَ رسولَ الله ﷺ ، فقال ابنُ وَهب: معناه أكْرَهْتَ رسولَ الله ﷺ بالمسألةِ، أيْ أَتَيتَه بما يَكرَهُ. وقال ابن حَبيبٍ (٣): مَعْناه: ألحَحْتَ، وكَرَّرْتَ السُّؤالَ، وأبْرَمْتَ رسولَ الله ﷺ . وذكَر حَبيبٌ (٤)، عن ما لك، قال: نَزَرْتَ: راجَعْتَه. وقال الأخْفَشُ: نَزَرْتُ وأنْزَرْتُ البئرَ. ودَفْعُ نَزُورٍ: أيْ يَأْتِي منها الشيءُ بعدَ الشيءِ (٥) مُنقطِعًا. قال: ومَعْنَى هذا الحديثِ أنّه سألَه حتى قطَع عنه كلامَه؛ لأنَّه تَبرَّمَ به.

стр. 1329

حديثٌ خامسٌ لزَيْد بن أسْلَم متصلٌ صحيحٌ مُسند مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، وعن بُسْرِ بن سعيدٍ، وعن الأعْرَج، كلّهم يُحَدِّثُه عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أدْرَكَ ركْعةً من الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ فقد أدْرَك الصُّبْحَ، ومَن أَدْرَك رَكعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ فقد أدْرَك العَصْرَ". قال أبو عُمر: عطاءُ بن يَسَارٍ قد تقدَّم ذِكْرُه والخبرُ عنه في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكِيم. وذكَر الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوَانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا ابن وَهْبِ، قال: حَدَّثَنَا أبو صخرٍ، عن هلالِ بن أسامةَ، قال: كان عطاءُ بن يَسَارٍ إذا جلَسَ يكونُ زيدُ بن أسلمَ عن يمينِه، وكنتُ عن يسارِه. وأمّا بُسْرُ بن سعيدٍ (٢)، فإنّه كان مولًى لحَضْرَمَوْتَ مِن أهلِ المدينةِ، وكان ثقةً فاضلًا مُسِنًّا، سمِع سعدَ بن أبي وقاصٍ، وجالَسه كثيرًا، ولم يُنْكِرْ يحيى القَطَّانُ أن يكونَ سمِع زيدَ بن ثابِتٍ. قال عليُّ بن المدينيِّ: قلتُ ليحيى بن سعيدٍ - يعني القطَّانَ -: بُسْرُ بن سعيدٍ لَقِيَ زيدَ بن ثابتٍ؟ قال: وما تُنْكِرُ أنْ يكونَ لَقِيَه؟ قلتُ: قد روَى عن أبي صالح عُبَيْدٍ مولى السَّفَّاحِ، عن زيدِ بن ثابتٍ. فقال: قد روَى شقيقٌ (٣)، عن رَجُلٍ، عن عبدِ الله (٤).

стр. 1330

قال أبو عُمر: الحديثُ الذي رواه بُسْرُ بن سعيدٍ، عن أبي صالح عُبَيْدٍ مولى السَّفَّاحِ، عن زيدِ بن ثابتٍ وهو حديثُ: عَجِّلْ لي وأضَعَ عنكَ - ذكَره مالكٌ وغيرُه (١) وكان مالكٌ ﵀ يُثْنِي على بُسْرِ بن سعيدٍ ويُفَضِّلُه، ويَرْفَعُ به في ورعِه وفضلِه. وذكَر عليُّ بن المدينيِّ قال (٢): سمِعتُ يحيى بن سعيدٍ يقولُ: بُسْرُ بن سعيدٍ أحَبُّ إليَّ من عطاءِ بن يسارٍ. قال يحيى: كان بسرُ بن سعيدٍ يُذْكَرُ بخيرٍ. بُسْرُ بن سعيدٍ مَوْلَى الحَضْرَمِيِّينَ، كان مِن أهلِ الفضلِ، روَى عن أصْحاب النبيِّ ﷺ ، مات في خلافةِ عمرَ بن عبدِ العزيزِ. وأمّا الأعرجُ، فهو عبدُ الرحمنِ بن هُرْمُزَ (٣)، كان صاحبَ قرآنٍ وحديثٍ، قرَأ عليه نافِعٌ القارئُ، وكان ثقةً مأمونًا. قال مُصْعَبُ بن عبدِ الله: عبدُ الرحمنِ بن هُرْمُزَ الأعْرَجُ، مَوْلَى محمدِ بن ربيعةَ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، يُكْنَى أبا داودَ، روَى عنه ابن شهابٍ، وأبو الزِّنَادِ، ويحيى بن سعيدٍ، وغيرُهم، تُوُفِّيَ بالإسكندريةِ سنةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ومئةٍ.

стр. 1331

وقال المَدائِنِيُّ: مات أبو داودَ عبدُ الرحمنِ الأعْرَجُ مَوْلَى محمدِ بن ربيعةَ بالإسكندريةِ سنةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ومئةٍ (١). وأمّا أبو هريرةَ ﵁، فمذكورٌ في كتابِنا في "الصحابةِ" (٢) بما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ به، وباللّه التوفيقُ. وقد قيل: إنّ زيدَ بن أسْلَمَ روَى هذا الحديثَ أيضًا عن أبي صالحٍ مع هؤلاءِ كُلِّهم عن أبي هريرةَ. وحدَّثني خَلَفُ بن القاسِم، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن محمدٍ الدَّيْبُليُّ (٣)، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا حفصُ بن ميسرةَ الصَّنْعانِيُّ، عن زيدِ بن أسْلَمَ، عن الأعْرَج وبُسْرِ بن سعيدٍ وأبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ رَكْعةً من صلاةِ الصُّبْح قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فلم تَفُتْه، ومَن أدْرَكَ رَكْعَةً من صلاةِ العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فلم تَفُتْه" (٤).

стр. 1332

قال أبو عُمر: الإدراكُ في هذا الحديثِ إدراكُ الوَقْتِ، لا أنّ رَكْعةً من الصلاةِ مَنْ أدْرَكَها ذلك الوقتَ أجزأتْه مِن تمام صلاتِه. وهذا إجماعٌ من المُسلمين، لا يختلِفون في أنّ هذا المصلِّيَ فَرْضٌ عليه واجبٌ أنْ يأتيَ بتمام صلاةِ الصَّبْح وتمام صلاةِ العَصْرِ، فأغنَى ذلك عن الإكثارِ، وبان بذلك أنّ قولَه ﷺ : "فقد أدركَ الصلاةَ"، يريدُ: فقد أدرَك وقتَ الصلاةِ، إلّا أنّ ثَمَّ أدلةً تَدُلُّ على أنَّ الوقتَ المختارَ في هاتَيِنْ الصَّلاتينِ غيرُ ذلك الوقتِ؛ منها قولُه ﷺ في حديثِ عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاص: "وآخِرُ وقتِ العصرِ ما لَمْ تَصْفَرَّ الشمسُ" (١). يعني آخِرَ الوقتِ المختارِ؛ لئلا تتعارضَ الأحاديثُ. ومثلُ ذلك حديثُ العلاءِ عن أَنَسٍ مرفوعًا: "تلك صلاةُ المنافقين؛ يجلِسُ أحدُهم حتى إذا اصفرَّتِ الشمسُ وكانت بينَ قَرْنَي الشيطانِ، قام فنقَر أربعًا لا يذكُرُ اللهَ فيها إلّا قليلًا" (٢). وهذا التغليظُ على من ترَك اختيارَ رسولِ الله ﷺ لأُمَّتِه في الوقتِ، ورغِب عن ذلك، ولم يكنْ له عُذْرٌ مقبولٌ. والآثارُ في تَعْجيلِ العصرِ كثيرةٌ جدًّا، ومعناها كلِّها ما ذكَرناه، وبهذا كتَب عُمرُ بن الخطابِ إلى عُمّالِه: أنْ صَلُّوا العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ، قبلَ أنْ تَدْخُلَها صُفْرَةٌ (٣).

стр. 1333

هذا كلُّه على الاختيارِ؛ بدليلِ حديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في هذا البابِ. حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ (١)، قال: حَدَّثَنَا الأثْرَمُ (٢)، قال: قيل لأحمدَ بن حنبلٍ: قولُه ﷺ : "مَن أدْرَك رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ". فقال: هذا على الفَواتِ، ليس على أن يَتْرُكَ العصرَ إلى هذا الوقتِ، وذكَر حديثَ قتادةَ، عن أبي أيوبَ (٣)، عن عبدِ الله بن عَمْرٍو، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ووقتُ العصرِ ما لم تَصْفَرَّ الشَّمْسُ" (٤). فالأوقاتُ في ترتيما السُّنَنِ، واللّهُ أعلمُ، وَقْتانِ في الحَضَرِ: وقتُ رفاهيةٍ وسعَةٍ، ووقتُ عُذْرٍ وضرورةٍ. يُبَيِّنُ لك ذلك ما ذكَرْنا من الآثارِ، ويزيدُ لك في ذلك بيانًا أقاويلُ فقهاءِ أئمةِ الأمصارِ، فنذكرُ هنا أقاويلَهم في وقتِ الصبح والعصرِ؛ إذْ لَمْ يتَضَمَّنْ حديثُ هذا البابِ ذِكْرَ غيرِهما من الصلواتِ، ونذكُرُ في بابِ ابن شهابٍ، عن عروةَ، جُمْلَةَ مواقيتِ الصلاةِ، ونَبْسُطُ ذلك ونُمَهِّدُه هنالك إنْ شاء اللهُ. أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ أولَ وقتِ صلاةِ الصبْحِ طلوعُ الفجرِ الثاني إذا تَبَيَّنَ طلوعُه، وهو البياضُ المُنْتَشِرُ من أُفُقِ المَشْرقِ، والذي لا ظُلْمَةَ بعدَه. وقد ذكَرْنا أسماءَ الفجرِ في اللُّغَةِ، وشواهدَ الشِّعْرِ على ذلك، والمَعْنَى فيه عندَ الفقهاءِ، في أولِ حديثٍ من مراسيلِ عطاءٍ، ومن بابِ يزيدَ أيضًا، والحمدُ للّه.

стр. 1334

واختلَفوا في آخِرِ وقتِها؛ فذكَر ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: وقتُ الصبحِ مِن حينِ يَطْلُعُ الفجرُ إلى طلوعِ الشمسِ. وقال ابن القاسمِ، عن مالكٍ: وقتُ الصبحِ الإغْلاسُ والنُّجُومُ باديةٌ مشتبِكةٌ، وآخِرُ وقتِها إذا أَسْفَر (١). قال أبو عُمر: هذا عندَنا على الوقتِ المختارِ؛ لأنَّ مالكًا لَمْ يَخْتَلِفْ قولُه فيمن أدْرَك رَكْعةً منها قبلَ طُلوعِ الشمسِ، ممن له عُذْرٌ في سقوطِ الصلاةِ عند خروج الوقتِ، مثلَ الحائضِ تَطْهُرُ ومَن جَرَى مَجْرَاها، أنّ تلك الصلاةَ واجبةٌ عليها بإدراكِ مقدارِ رَكْعةٍ من وقتِها، وإنْ صَلَّتِ الرَّكْعةَ الثانيةَ مع الطُّلوعِ أو بعدَه. وقال الثوريُّ: آخِرُ وقتِها ما لَمْ تَطْلُعِ الشمسُ، وكانوا يستحبُّون أن يُسْفِرُوا بها. ومثلُ قولِ الثوريِّ قال أبو حنيفةَ وأصحابُه. وكذلك قال الشافعيُّ (٢): آخِرُ وقتِها طلوعُ الشمسِ، إلّا أنّه يسْتَحِبُّ التَّغْلِيسَ بها، ولا تَفُوتُ عندَه حتى تَطْلُعَ الشمسُ قبلَ أنْ يُصَلِّيَ منها رَكْعةً بسجدتيها، فمَن لَمْ يُكْمِلْ منها ركعةً بسجدتيها قبلَ طُلوع الشمسِ فقد فاتَتْه. وقال أحمدُ بن حنبلٍ مثلَ قولِ الشافعيِّ سَواءً، قال: وقتُ الصبحِ مِن طُلوع الفجرِ إلى أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، ومَن أدْرَك منها ركعةً قبلَ طلوع الشمسِ فقد أدْرَكَها مع الضرورةِ. وهذا كقولِ الشافعيِّ سواءً (٣).

стр. 1335

ولا خلافَ بينَ العلماءِ في ذلك، إلّا أنّ منهم مَن جعَل آخِرَ وقتِها إدْرَاكَ رَكْعةٍ منها قبلَ طلوعِ الشمسِ لضرورةٍ وغيرِ ضرورةٍ. وهو قولُ داودَ وإسحاقَ (١). وأما سائرُ العلماءِ فجَعَلوا هذا وقتًا لأصحابِ العُذْرِ والضَّروراتِ. وممن ذهَب إلى هذا: مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ. واختلَفوا في أولِ وقتِ العصرِ وآخِرِه؛ فقال مالكٌ: أولُ وقتِ العصرِ إذا كان الظِّلُّ قامَةً بعدَ القَدْرِ الذي زالتْ عنه الشمسُ. وَيسْتَحِبُّ لمساجدِ الجماعاتِ أنْ يُؤَخِّرُوا ذلك قليلًا. قال: وآخِرُ وقتِها أنْ يكونَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه. هذه حكايةُ ابن عبدِ الحَكَم وابن القاسمِ (٢) عنه، وهذا عندَنا على وقتِ الاختيارِ؛ لأنَّه قد روي عنه أن مُدْرِكَ ركعةٍ (٣) منها قبلَ الغروبِ ممن كانتِ الصلاةُ لا تجبُ عليه لو خرَج وقتُها لحالَةٍ، كالمُغْمَى عليه عندَه والحائضِ ومَنْ كان مِثْلَهما، تجبُ عليه صلاةُ العصرِ فَرْضًا بإدْراكِ مقدارِ رَكْعةٍ منها قبلَ غروبِ الشمسِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ وقتَها عندَه إلى غروبِ الشمسِ. وكذلك ذكَر ابن وَهْبٍ أيضًا عن مالكٍ: وقتُ الظهرِ والعصرِ إلى غروبِ الشمسِ. وهذا عندَنا أيضًا على أصحابِ الضرورات؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ جمَع بينَ الصلاتين في السفرِ في وقتِ إحداهما لضرورةِ السفرِ، فكلُّ ضرورةٍ وعُذْرٍ فكذلك. وسنذكُرُ وجهَ الجمع بينَ الصلاتينِ في السفرِ والمطرِ في بابِ أبي الزُّبَيْرِ إنْ شاءَ اللهُ.

стр. 1336

وقد قال الأوزاعيُّ: إن ركَع رَكْعةً من العصرِ قبلَ غروبِ الشمسِ ورَكْعةً بعدَ غروبِها فقد أدْرَكَها. والصبحُ عندَه كذلك. وقال الثوريُّ: أولُ وقتِ العصرِ إذا كان ظِلُّك مِثْلَك، إلى أن يكونَ ظِلُّك مِثْلَيْك، وإنْ أخَّرْتَها ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ أجْزَأَك. وقال الشافعيُّ: أولُ وقتِها في الصيفِ إذا جاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَه بشيءٍ ما كان، ومَن أخَّرَ العصرَ حتى يُجاوِزَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ في الصَّيْفِ، أو قَدْرَ ذلك في الشتاءِ، فقد فاته وقتُ الاختيارِ، ولا يجوزُ أنْ يقالَ: قد فاته وقتُ العصرِ مطلقًا. كما جاز على الذي أخَّرَ الظهرَ إلى أن جاوزَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه. قال: وإنما قلتُ ذلك لحديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "مَن أدْرَكَ رَكْعةً مِن العصرِ قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدركَها" (١). قال أبو عُمر: قولُ الشافعيِّ ههنا في وقتِ الظهرِ يَنْفِي الاشتراكَ بينها وبينَ العصرِ في ظاهرِ كلامِه، وهو شيءٌ يَنْقُضُه ما بنَى عليه مذهبَه في الحائض تَطْهُرُ، والمُغْمَى عليه يُفِيقُ، والكافرِ يُسْلِمُ، والصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ؛ لأنَّه يُوجِبُ على كلِّ واحِدٍ منهم إذا أدْرَكَ رَكْعةً واحدةً قبلَ الغروبِ أنّ يُصَلِّيَ الظُّهرَ والعصرَ جميعًا. وفي بعضِ أقاويلِه: إذا أدْرَكَ أحَدُ هؤلاءِ مقدارَ تكبيرةٍ واحدةٍ قبلَ الغروبِ، لزِمه الظهرُ والعصرُ جميعًا. فكيف يَسُوغُ لمَن هذا مَذْهَبُه أن يقولَ: إن الظهرَ يَفُوتُ فَوَاتًا صحيحًا بمجاوزةِ ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَه أكثرَ مِن فَواتِ العصرِ بمجاوزَةِ ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه؟ وأما قولُه في وقتِ العصرِ: إذا جاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه فقد جاوز وقتَ الاختيارِ. فهذا أيضًا فيه شيءٌ؛ لأنه هو وغيرُه مِن العلماءِ يقولون: مَن صَلَّى العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ فقد صَلَّاها في وقتِها

стр. 1337

المختارِ، لا أعْلَمُهم يختلِفون في ذلك (١). فقِفْ على ما وصَفتُ لك، يَبِنْ لك بذلك سَعةُ الوقتِ المختارِ أيضًا، وباللّه التوفيقُ. وقال أبو ثَوْرٍ: أوَّلُ وقتِها إذا صار ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه بعدَ الزَّوَالِ، وزاد على الظِّلِّ زيادةً تتبَيَّنُ إلى أنْ تَصْفَرَّ الشمسُ، وهو قولُ داودَ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ في أنّ وقتَ العصرِ لا يدخُلُ حتى يَزيدَ الظِّلُّ على القَامَةِ زيادةً تَظْهَرُ، فمُخالِفٌ لحديثِ إمامةِ جبريلَ ﵇؛ لأنّ حديثَ إمامةِ جبريلَ (٢) يَقْتَضِي أنْ يكونَ آخِرُ وقتِ الظهرِ هو أوَّلَ وقتِ العصرِ بلا فَصْلٍ، ولكنه مأخوذٌ مِن حديثِ أبي قتادةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنّما التفريطُ على مَن لَمْ يُصَلِّ الصلاةَ حتى يَدْخُلَ وقتُ الأُخرى" (٣). وقد بيَّنا اختِلافَ العلماءِ في هذا المعني، وذكَرْنا عِلَلَ أقاويلِهم فيه، في بابِ ابن شهابٍ، عن عُروةَ، من هذا الكتابِ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ في هذه المسألةِ مثلَ قولِ الشافعيِّ أيضًا، قال: وإذا زاد ظِلُّ كُلِّ شيءٍ على (٤) مِثْلِه شيئًا وجَبَتِ العصرُ، فإذا صار ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه خرَج وقتُ الاختيارِ، ومَن أَدْرَك منها ركعةً قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَها. قال: وهذا مع الضرورةِ. هذه حكايةُ الخِرَقِيِّ عنه (٥).

стр. 1338

وأمّا (١) الأثْرَمُ فقال: سمِعتُ أبا عبدِ الله يقولُ: آخِرُ وقتِ الظهرِ هو أولُ وقتِ العَصْرِ. قال لي ذلك غيرَ مَرَّةٍ، وسمِعتُه يقولُ: آخِرُ وقتِ العصرِ تَغَيُّرُ الشمسِ. قيل له: ولا تقولُ (٢) بالمِثْلِ والمِثْلَيْنِ؟ قال: لا، هذا أكْثَرُ عندِي (٣). وقال أبو حنيفةَ: لا يَدْخُلُ وقتُ العصرِ حتى يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْه (٤). فخالَفَ الآثارَ وجماعةَ العلماءِ في ذلك، وجعَل وقتَ الظهرِ إلى أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، وجعَل بَيْنَهما واسطةً ليست منهما، وهذا لَمْ يَقُلْه أحَدٌ. هذه روايةُ أبي يوسفَ عنه. وللحسنِ (٥) بن زيادٍ اللُّؤْلُؤيِّ: أنَّ الظِّلَّ إذا صارَ مِثْلَه خرَج وقتُ الظهرِ، وإذا خرَج تَلَاهُ وقتُ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ وزُفَرُ: آخِرُ وقتِ الظهر أن يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه، وهو أوَّلُ وقتِ العصرِ إلى أنْ تتَغَيَّرَ الشمسُ (٦). وقال إسحاقُ بن راهُوْيَة: آخِرُ وقتِ العصرِ أن يُدْرِكَ المُصَلِّي منها ركعةً قبلَ الغروبِ (٧). وهو قولُ داودَ، لكلِّ الناسِ؛ معذورٍ وغيرِ معذورٍ، والأفضلُ عندَهما أَوَّلُ الوقتِ.

стр. 1339

قال أبو عُمر: فقد بان بما ذَكرْنا من أقاويلِ أئمةِ فقهاءِ الأمْصارِ، وما رَوَيْنا من الآثارِ في هذا البابِ، أنّ أول الوقتَ منه مختارٌ في الحَضَرِ للسَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ، ومنه وقتُ ضرورةٍ وعُذْرٍ، ولا يَلْحَقُ الاثْمُ واللَّوْمُ حتى يَخْرُجَ الوقتُ كلُّه، واللّهُ أعلمُ. وقد أفادنا قولُه ﷺ : "مَن أدْرَكَ رَكْعةً من الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فقد أدْرَكَ الصَّبْحَ، ومَن أدْرَكَ ركعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ العصرَ" معانِيَ ووُجُوهًا، منها أنّ المُدْرِكَ لرَكْعةٍ من الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ، أو لرَكْعةٍ من العصرِ قبلَ غُروبِها، كالمُدْرِكِ لوقتِ الصَّبْح ولوقتِ العصرِ الوقتِ الذي لا يأْثَمُ بالتأخيرِ إليه، كأنه قد أدْرَك الوقتَ مِن أوَّلِه، وهذا لمن كان له عُذْرٌ مِن نسيانٍ أو ضرورةٍ، على ما قَدَّمْنا ذِكْرَه. ومنها جوازُ صلاةِ مَن صَلَّى ذلك الوقتَ فَرْضَه، ممن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها؛ لأنه المرادُ بالخطابِ المذكورِ، والمأمورُ بالبِدَارِ إلى إدراكِ بَقِيَّةِ الوقتِ، وإن كان غيرُه يدخلُ في ذلك الخطابِ بالمعنى، فإن هذا هو المشارُ إليه فيه بالنَّصِّ إن شاء اللهُ، واللّهُ أعلمُ. ومنها أنه أفادنا في حُكْم مَن أسْلَمَ مِن الكفارِ، أو بلَغ مِن الصِّبْيانِ، أو طَهُرَ من الحُيَّضِ، في ذلك الوقتِ، أنه كمن أدْرَكَ الوقتَ بكمالِه في وجوبِ صلاةِ ذلك الوقتِ، وتَلْزَمُه تلك الصلاةُ بكمالِها، كما لو أدْرَكَ وقتَها من أوَّلِه ففَرَّطَ فيها. وكذلك حُكْمُ المسافرِ يَقْدَمُ الحَضرَ، وحُكْمُ الحَضَرِيِّ يَخْرُجُ مسافرًا في بَقِيَّةٍ من الوقتِ، أو بعدَ دخولِ الوقتِ، وحُكْمُ المُغْمَى عليه يُفِيقُ. وهذا الحديثُ أصْلُ هذا البابِ كلِّه، فقِفْ عليه، إلَّا (١) أن الفقهاءَ اختلَفوا هاهنا، فذهَب مالكٌ وأصحابُه إلى ظاهرِ هذا الحديثِ، فقالوا: مَن خرَج مسافرًا

стр. 1340

وقد بقِيَ عليه من النهارِ مقدارُ رَكْعةٍ بعدَ أن جاوز بيوتَ مِصْرِه أو قَرْيَتِه، صلَّى العَصْرَ رَكْعتينِ، ولو خرَج وقد بقِيَ عليه مقدارُ ثلاثِ رَكَعاتٍ، ولم يكنْ صلَّى الظهرَ والعصرَ، صلَّاهما جميعًا مقصورتينِ. وهذا عندَه حُكْمُ المغربِ والعشاءِ، يُراعِي منهما مقدارَ رَكْعةٍ من كلِّ واحدةٍ منهما، على أصْلِه فيمن سافر وقد بقِيَ عليه مقدارُ ركعةٍ، أنه يَقْصُرُ تلك الصلاةَ، ولو قدِم في ذلك الوَقْتِ مِن سفرِه أتَمَّ. وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه، والثوريُّ، والأوزاعيُّ: إذا خرَج من مِصْرِه قبلَ خروجِ الوقتِ صلَّى رَكْعتينِ، وإن قدِم قبلَ خروجِ الوقتِ آدمَّ. وهذا قولُ مالكٍ (١). وقال زُفَرُ: إن جاوز بيوتَ القرلة والمِصْرِ، ولم يَبْقَ من الوقت إلا رَكْعةٌ، فإنه مُفَرِّطٌ، وعليه أن يُصَلِّيَ العصرَ أربعًا، وإن قَدِم من سفرِه ودخَل مِصْرَه، ولم يَبْقَ من الوقتِ إلا رَكْعةٌ، أتَمَّ الصلاةَ. وقال الحسنُ بن حَيٍّ، والليثُ، والشافعيُّ (٢): إذا خرَج بعدَ دخولِ الوقتِ أتَمَّ، وكذلك إن قدِم المسافرُ قبلَ خَروجِ الوقتِ أتَمَّ. وستأتي زيادةٌ في هذا المعنى عن الشافعيِّ والليثِ ومن تابَعهما في آخِرِ هذا البابِ. وأما اختلافُ الفقهاءِ في صلاةِ الحائضِ والمُغْمَى عليه ومَن جَرَى مَجْرَاهما؛ فقال مالكٌ: إذا طَهُرَت المرأةُ قبلَ الغروبِ، فإن كان بَقِيَ عليها من النهارِ ما تُصَلِّي خَمْسَ رَكَعاتٍ، صَلَّت الظهرَ والعصرَ، وإن لم يكنْ بَقِيَ من النهارِ ما تُصَلِّي خمسَ رَكَعاتٍ، صَلَّت العصرَ، وإذا طَهُرَتْ قبلَ الفجرِ، وكان ما بَقِيَ

стр. 1341

عليها من الليلِ قَدْرَ ما تُصلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثلاثًا للمغربِ ورَكْعةً من العشاءِ، صَلَّت المغربَ والعشاءَ، وإن لم يَبْقَ عليها إلّا ما تُصلِّي فيه ثلاثَ رَكَعاتٍ، صَلَّتِ العشاءَ. ذكَرَه أشهَبُ، وابن عبدِ الحكَمِ، وابن القاسمِ، وابن وهبٍ، عن مالكٍ (١). قال أشْهَبُ: وسئِل مالكٌ عن النَّصْرانيِّ يُسْلِمُ، والمُغْمَى عليه يُفِيقُ، أهما مثلُ الحائضِ تَطْهُرُ؟ قال: نعم، يَقْضِي كلُّ واحدٍ منهما ما لم يَفُتْ وقتُه، وما فات وقتُه لم يَقْضِه (٢). قال ابن وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن المرأةِ تَنْسَى وتَغْفُلُ عن صلاةِ الظهرِ، فلا تُصَلِّيها حتى تَغْشَاها الحَيْضَةُ قبلَ غروبِ الشمسِ؟ فقال مالكٌ: لا أرَى عليها قضاءً، إلا أن تَحيضَ بعدَ غروبِ الشمسِ، فإن حاضَتْ بعدَ غروبِ الشمسِ (٣)، ولم تكنْ صَلَّتِ الظهرَ والعصرَ، رأيتُ عليها القضاءَ. وقال مالكٌ: إذا طَهُرَت قبلَ غروبِ الشمسِ، فاشْتَغلَتْ بالغُسْلِ، فلم تَزَلْ مجتهدةً حتى غَرَبَتِ الشمسُ، لا أَرَى أن تُصَلِّيَ شيئًا مِن صلاةِ النهارِ. وقال: المرأةُ الطَّاهِرُ تَنْسَى الظهرَ والعصرَ حتى تَصفَرَّ الشمسُ ثم تَحيضُ: فليس عليها قضاؤُهما، فإنْ لم تَحِضْ حتى غابتِ الشمسُ فعليها القضاءُ، ناسيةً كانت أو متعمِّدةً. قال مالكٌ: إذا رَأَتِ الطُّهْرَ عند الغروبِ، فأَرَى أن تَغْتَسِلَ، فإنْ فرَغَتْ مِن غُسْلِها قبلَ غروبِ الشمسِ، فإن كان فيما أدْرَكَتْ ما تُصلِّي الظهرَ ورَكْعةً من العصرِ، فَلْتُصَلِّ الظهرَ والعصرَ، وإن كان الذي بَقِيَ من النهارِ ليس فيه إلا قَدْرُ صلاةٍ واحدةٍ، صَلَّتِ العصرَ، وإن لم يَكُنْ بَقِيَ من النهارِ

стр. 1342

إلا قَدْرُ رَكْعةٍ واحدةٍ، فَلْتُصَلِّ تلك الركعةَ، ثم تَقْضِي ما بَقِيَ من تلك الصلاةِ. وقال مالكٌ: مَن أُغْمِيَ عليه في وقتِ صلاةٍ فلم يُفِقْ حتى ذهَب وقتُها - ظهرًا كانت أو عصرًا - قال: والظهرُ والعصرُ وقتُهما في هذا إلى مَغِيبِ الشمسِ، فلا إعادةَ عليه. قال: وكذلك المغربُ والعشاءُ، وقتُهما الليلُ كلُّه (١). وقولُ الليثِ بن سَعْد في الحائضِ والمُغْمَى عليه كقولِ مالكٍ هذا سواءً. وقال الأوزاعيُّ - وقد سُئِل عن الحائضِ تُصَلِّي رَكْعتينِ ثم تَحِيضُ -: وكيف وإن كانت أخَّرَتِ الصلاةَ؟ قال: إن أدركها المحيضُ في صلاةٍ انصرَفتْ عنها، ولا شيءَ عليها، وإن كانت أخَّرَتِ الصلاةَ حتى جاز الوقتُ ثم حاضتْ فعليها قضاؤُها (٢)، وإن كانت أَخَّرت الصلاةَ ولم يَذْهَبِ الوقتُ فلا شيءَ عليها. قال: وإذا طَهُرَتِ المرأةُ بعدَ العصرِ فأخَذَتْ في غُسْلِها، فلم تَفْرُغْ منه حتى غابَتِ الشمسُ، فلا شيءَ عليها. ذكَره الوليدُ بن يزيدَ، عن الأوزاعيِّ (٣). وقال الشافعيُّ: إذا طَهُرَتِ المرأةُ قبلَ مغيبِ الشمسِ برَكْعةٍ، أعادَتِ الظهرَ والعصرَ، وكذلك إن طَهُرَتْ قبلَ الفجر برَكْعةٍ أعادَتِ المغرَب والعشاءَ. واحْتَجَّ بقولِ النبيِّ ﷺ :"مَن أدْرَكَ رَكْعةً من الصُّبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فقد أدْرَكَ الصُّبحَ (٤)، ومَن أدْرَكَ رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ العصرَ". وبجَمْعِه ﷺ بينَ الصلاتين في أسْفَارِه وبعَرَفَةَ وبالمُزْدلفةِ في وقتِ إحداهُما.

стр. 1343

يَعْنِي صلاتَي الليلِ وصلاتَي النهارِ؛ الظهرَ والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ (١). وهذا القولُ للشافعيِّ في هذه المسألةِ أشهرُ أقاويلِه عندَ أصحابِه فيها وأصَحُّها عندَهم، وهو الذي لم يَذْكُرِ البُوَيْطِيُّ (٢) غيرَه. وللشافعيِّ في هذه المسألةِ قولانِ آخَرانِ؛ أحدُهما، مثلُ قولِ مالكٍ سواءً؛ في مراعاةِ قَدْرِ خَمْسِ رَكَعاتٍ للظهرِ والعَمْرِ، وما دونَ ذلك (٣) إلى رَكْعةٍ للعصرِ، ومقدارِ أربَعِ رَكَعاتٍ للمغربِ والعِشَاءِ، وما دونَ ذلك للعِشاءِ، وآخرُ الوقتِ عندَه في هذا القولِ لآخرِ الصلاتينِ. والقولُ الآخرُ، قاله في الكتابِ المِصريِّ؛ قال في المُغمَى عليه: إنّه إذا أفاقَ وقد بَقِيَ عليه مِن النهارِ قدرُ ما يُكَبِّرُ فيه تكبيرةَ الإحرامِ، أعادَ الظُّهرَ والعصرَ، ولم يُعِدْ ما قبلَهما؛ لا صُبْحًا ولا مَغْربًا ولا عشاء. قال: وإذا أفاق وقد بَقِيَ عليه من الليلِ قبلَ أن يَطلُعَ الفجرُ قدرُ تكبيرةٍ واحدةٍ، قضَى المغربَ والعشاءَ، وإذا أفاق قبلَ طلوعِ الشمسِ بقدرِ تكبيرةٍ قضَى الصُّبحَ، وإذا طَلعَتِ الشمسُ قبلَ أن يُفيقَ لم يَقضِها. قال: وكذلك الحائضُ والرَّجُلُ يُسلِمُ. وقال فيمن جُنَّ بأمرٍ لا يكونُ به عاصيًا فذَهب عقلُه: لا قضاءَ عليه، ومن كان زوالُ عقلِه بما يكونُ به عاصيًا، قضَى كلَّ صلاةٍ فاتتْه في حالِ زوالِ عقلِه، وذلك مِثلُ السَّكرانِ وشاربِ السُّمِّ والسكرانِ عامدًا لإذهابِ عقلِه (٤).

стр. 1344

قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "مَن أدْرَكَ رَكْعةَّ مَن الصُّبْحِ". أو: "من العَصْرِ" على ما في هذا الحديثِ، يقتضِي فسادَ قولِ مَن قال: مَن أدرك تكبيرةً؛ لأن دليلَ الخِطابِ في ذلك أنَّ مَن لم يُدرِكْ من الوقتِ مقدارَ رَكْعةٍ فقد فاتَه، ومَن فاتَه الوقتُ بعُذرٍ يَسْقُطُ عنه فيه الصلاةُ، كالحائضِ وشِبهِها، فلا شيءَ عليه، واللهُ أعلمُ. وما (١) احتَجَّ به بعضُ أصحابِ الشافعيِّ بذه القَولَة، حيثُ قالوا: إنّما أراد رسولُ الله ﷺ بذِكرِ الرَّكْعةِ البعضَ من الصَّلاةِ؛ لأنَّه قد رُويَ عنه: "مَن أدرَكَ رَكْعتين من العَصْرِ" (٢). فأشار إلى بعضِ الصلاةِ مرَّةً برَكْعةٍ ومرَّةً برَكْعتين، والتكبيرُ في حُكم الرَّكْعةِ؛ لأنّه (٣) بعضُ الصلاةِ، فمَن أدرَكها فكأنه أدرَك رَكْعةً من الصلاةِ - فليس بشيءٍ؛ لأنَّه يَنتَقضُ عليه أصلُه في الجُمُعةِ، ولم يَختَلِفْ قولُه فيها أنَّ مَن لم يُدركْ منها رَكْعةً تامةً فلم يُدرِكْها، وهو ظاهرُ الخبَرِ؛ لأنّ

стр. 1345

قولَه في جماعةِ أصحابِه: من لم يُدرِكْ من صلاةِ الجُمُعةِ رَكْعةً بسجدتَيها أتَمَّها ظُهرًا. وهذا يقضِي عليه، على سائرِ أقوالِه، وهو أصَحُّها، واللهُ أعلمُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وهو قولُ ابن عُليَّةَ (١): مَن طهُرَ من الحُيَّضِ، أو بَلَغَ من الصِّبيانِ، أو أسلَم من الكُفارِ، لم يكنْ عليه أن يُصلِّيَ شيئًا ممّا فات وقتُه، وإنما يَقضِي ما أدرك وقتَه بمقدارِ رَكْعةٍ فما زاد. وهم لا يقولون بالاشتراكِ في الأوقاتِ؛ لا في صلاتَي الليلِ، ولا في صلاتَي النهارِ، ولا يَرونَ لأحدٍ الجمعَ بينَ الصلاتينِ، لا لمسافرٍ، ولا لمريضٍ، ولا لعُذرٍ من الأعذارِ، في وقتِ إحداهما، لا يجوزُ ذلك عندَهم في غيرِ عَرَفةَ والمزدلفةِ (٢). وسيأتي ذِكرُ مذاهبِ العلماءِ في الجمعِ بينَ الصلاتينِ في بابِ أبي الزُّبيرِ إن شاء اللهُ. وقولُ حمادِ بن أبي سُليمانَ (٣) في هذه المسألةِ كقولِ أبي حنيفةَ. ذكَره غُندرٌ، عن شعبةَ، قال: سألتُ حمادًا عن المرأةِ تَطهُرُ في وقتِ العصرِ، قال: تُصلِّي العصرَ فقط (٤).

стр. 1346

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه فيمن أُغمِيَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فأقلَّ منها ثم أفاقَ، أنّه يقضِيها، ومن أُغمِيَ عليه أكثرَ من ذلك ثم أفاق لم يَقضِه. وهذا قولُ الثوريِّ، إلا أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يَقضِيَ (١). وقال الحَسَنُ بن حَيٍّ: إذا أُغمِيَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فما دونَها، قضَى ذلك كلَّه إذا أفاق، وإن أُغمِيَ عليه أيامًا، قضَى خمسَ صَلَواتٍ فقط، ينظُرُ حينَ يُفيقُ فيقضِي ما يَلِيه (٢). وقال زُفرُ في المُغمَى عليه يُفيقُ، والحائضِ تطهُرُ، والنَّصرانيِّ يُسلِمُ، والصَّبيِّ يَحتَلِمُ: إنه لا يجبُ على واحدٍ منهم قضاءُ صلاةٍ إلا بأن يُدْركوا من وقتِها مقدارَ الصلاةِ كلِّها بكمالِها، كما لا يجبُ عليه من الصيام إلا ما أدرَك وقتَه بكمالِه (٣). قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "مَن أدرَك رَكْعةً" (٤). على ما في حديثِ هذا البابِ يرُدُّ قولَ زُفَرَ هذا، واللّهُ المستعانُ. وقال أبو ثَورٍ في المُغمَى عليه: لا يَقضِي إلا صلاةَ وقتِه، مثلَ أن يُفيقَ نهارًا قبلَ غروبِ الشَّمْسِ، فيقضيَ الظهرَ والعصرَ، ولا يُصلِّيَ الفجرَ، وإن أفاقَ قبلَ الفجرِ صلَّى المغربَ والعشاءَ لا غيرُ، وإن أفاقَ بعدَ طلوعِ الفجرِ، لم يجِبْ عليه من صلاةِ الليلِ شيءٌ، فإن أفاق بعدَ طلوعِ الشَّمْسِ، فليس عليه صلاةُ الصبح.

стр. 1347

وقال أحمدُ بن حنبلٍ: إذا طهُرتِ الحائضُ، أو أسلَم الكافرُ أو بلَغ الصبيُّ، قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ، صلَّوُا الظهرَ والعصرَ، وإن كان ذلك قبلَ أن يَطلُعَ الفجرُ صلَّوُا المغربَ والعشاءَ (١). وقال أحمدَ بن حنبلٍ أيضًا في المُغمَى عليه: فإنّه (٢) يجبُ عليه عندَه أن يقضِيَ الصلواتِ كلَّها التي كانت في إغمائِه (٣). وهو قولُ عُبيدِ الله بن الحَسَنِ العَنبَريِّ قاضي البَصْرةِ (٤)، لا فَرقَ عندَهما بينَ النائم وبينَ المُغمَى عليه في أن كلَّ واحدٍ منهما يقضِي جميعَ ما فاته وقتُه وإن كثُرَ. وهو قولُ عطاءِ بن أبي رباحٍ. وروِي ذلك عن عمارِ بن ياسرٍ وعِمْرانَ بن حُصَينٍ. وروَى ابن رُسْتُمَ، عن محمدِ بن الحسنِ: أن النائمَ إذا نام أكثرَ من يوم وليلةٍ فلا قضاءَ عليه (٥). قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال هذا القولَ في النائم غيرَ محمدِ بن الحَسَنِ، فإن صحَّ هذا عنه فهو خلافُ السنةِ؛ لأنه قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نَسيَها فلْيُصَلِّها إذا ذكَرها" (٦). وأجمَعوا أنَّ من نامَ عن خمسِ صلواتٍ قضَاها، فكذلك في القياسِ ما زاد عليها. وأما قولُ مَن قال: يقضِي
следующие страницы →