← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1343–1382 · переход к 1348.

стр. 1343

يَعْنِي صلاتَي الليلِ وصلاتَي النهارِ؛ الظهرَ والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ (١). وهذا القولُ للشافعيِّ في هذه المسألةِ أشهرُ أقاويلِه عندَ أصحابِه فيها وأصَحُّها عندَهم، وهو الذي لم يَذْكُرِ البُوَيْطِيُّ (٢) غيرَه. وللشافعيِّ في هذه المسألةِ قولانِ آخَرانِ؛ أحدُهما، مثلُ قولِ مالكٍ سواءً؛ في مراعاةِ قَدْرِ خَمْسِ رَكَعاتٍ للظهرِ والعَمْرِ، وما دونَ ذلك (٣) إلى رَكْعةٍ للعصرِ، ومقدارِ أربَعِ رَكَعاتٍ للمغربِ والعِشَاءِ، وما دونَ ذلك للعِشاءِ، وآخرُ الوقتِ عندَه في هذا القولِ لآخرِ الصلاتينِ. والقولُ الآخرُ، قاله في الكتابِ المِصريِّ؛ قال في المُغمَى عليه: إنّه إذا أفاقَ وقد بَقِيَ عليه مِن النهارِ قدرُ ما يُكَبِّرُ فيه تكبيرةَ الإحرامِ، أعادَ الظُّهرَ والعصرَ، ولم يُعِدْ ما قبلَهما؛ لا صُبْحًا ولا مَغْربًا ولا عشاء. قال: وإذا أفاق وقد بَقِيَ عليه من الليلِ قبلَ أن يَطلُعَ الفجرُ قدرُ تكبيرةٍ واحدةٍ، قضَى المغربَ والعشاءَ، وإذا أفاق قبلَ طلوعِ الشمسِ بقدرِ تكبيرةٍ قضَى الصُّبحَ، وإذا طَلعَتِ الشمسُ قبلَ أن يُفيقَ لم يَقضِها. قال: وكذلك الحائضُ والرَّجُلُ يُسلِمُ. وقال فيمن جُنَّ بأمرٍ لا يكونُ به عاصيًا فذَهب عقلُه: لا قضاءَ عليه، ومن كان زوالُ عقلِه بما يكونُ به عاصيًا، قضَى كلَّ صلاةٍ فاتتْه في حالِ زوالِ عقلِه، وذلك مِثلُ السَّكرانِ وشاربِ السُّمِّ والسكرانِ عامدًا لإذهابِ عقلِه (٤).

стр. 1344

قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "مَن أدْرَكَ رَكْعةَّ مَن الصُّبْحِ". أو: "من العَصْرِ" على ما في هذا الحديثِ، يقتضِي فسادَ قولِ مَن قال: مَن أدرك تكبيرةً؛ لأن دليلَ الخِطابِ في ذلك أنَّ مَن لم يُدرِكْ من الوقتِ مقدارَ رَكْعةٍ فقد فاتَه، ومَن فاتَه الوقتُ بعُذرٍ يَسْقُطُ عنه فيه الصلاةُ، كالحائضِ وشِبهِها، فلا شيءَ عليه، واللهُ أعلمُ. وما (١) احتَجَّ به بعضُ أصحابِ الشافعيِّ بذه القَولَة، حيثُ قالوا: إنّما أراد رسولُ الله ﷺ بذِكرِ الرَّكْعةِ البعضَ من الصَّلاةِ؛ لأنَّه قد رُويَ عنه: "مَن أدرَكَ رَكْعتين من العَصْرِ" (٢). فأشار إلى بعضِ الصلاةِ مرَّةً برَكْعةٍ ومرَّةً برَكْعتين، والتكبيرُ في حُكم الرَّكْعةِ؛ لأنّه (٣) بعضُ الصلاةِ، فمَن أدرَكها فكأنه أدرَك رَكْعةً من الصلاةِ - فليس بشيءٍ؛ لأنَّه يَنتَقضُ عليه أصلُه في الجُمُعةِ، ولم يَختَلِفْ قولُه فيها أنَّ مَن لم يُدركْ منها رَكْعةً تامةً فلم يُدرِكْها، وهو ظاهرُ الخبَرِ؛ لأنّ

стр. 1345

قولَه في جماعةِ أصحابِه: من لم يُدرِكْ من صلاةِ الجُمُعةِ رَكْعةً بسجدتَيها أتَمَّها ظُهرًا. وهذا يقضِي عليه، على سائرِ أقوالِه، وهو أصَحُّها، واللهُ أعلمُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وهو قولُ ابن عُليَّةَ (١): مَن طهُرَ من الحُيَّضِ، أو بَلَغَ من الصِّبيانِ، أو أسلَم من الكُفارِ، لم يكنْ عليه أن يُصلِّيَ شيئًا ممّا فات وقتُه، وإنما يَقضِي ما أدرك وقتَه بمقدارِ رَكْعةٍ فما زاد. وهم لا يقولون بالاشتراكِ في الأوقاتِ؛ لا في صلاتَي الليلِ، ولا في صلاتَي النهارِ، ولا يَرونَ لأحدٍ الجمعَ بينَ الصلاتينِ، لا لمسافرٍ، ولا لمريضٍ، ولا لعُذرٍ من الأعذارِ، في وقتِ إحداهما، لا يجوزُ ذلك عندَهم في غيرِ عَرَفةَ والمزدلفةِ (٢). وسيأتي ذِكرُ مذاهبِ العلماءِ في الجمعِ بينَ الصلاتينِ في بابِ أبي الزُّبيرِ إن شاء اللهُ. وقولُ حمادِ بن أبي سُليمانَ (٣) في هذه المسألةِ كقولِ أبي حنيفةَ. ذكَره غُندرٌ، عن شعبةَ، قال: سألتُ حمادًا عن المرأةِ تَطهُرُ في وقتِ العصرِ، قال: تُصلِّي العصرَ فقط (٤).

стр. 1346

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه فيمن أُغمِيَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فأقلَّ منها ثم أفاقَ، أنّه يقضِيها، ومن أُغمِيَ عليه أكثرَ من ذلك ثم أفاق لم يَقضِه. وهذا قولُ الثوريِّ، إلا أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يَقضِيَ (١). وقال الحَسَنُ بن حَيٍّ: إذا أُغمِيَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فما دونَها، قضَى ذلك كلَّه إذا أفاق، وإن أُغمِيَ عليه أيامًا، قضَى خمسَ صَلَواتٍ فقط، ينظُرُ حينَ يُفيقُ فيقضِي ما يَلِيه (٢). وقال زُفرُ في المُغمَى عليه يُفيقُ، والحائضِ تطهُرُ، والنَّصرانيِّ يُسلِمُ، والصَّبيِّ يَحتَلِمُ: إنه لا يجبُ على واحدٍ منهم قضاءُ صلاةٍ إلا بأن يُدْركوا من وقتِها مقدارَ الصلاةِ كلِّها بكمالِها، كما لا يجبُ عليه من الصيام إلا ما أدرَك وقتَه بكمالِه (٣). قال أبو عُمر: قولُه ﷺ : "مَن أدرَك رَكْعةً" (٤). على ما في حديثِ هذا البابِ يرُدُّ قولَ زُفَرَ هذا، واللّهُ المستعانُ. وقال أبو ثَورٍ في المُغمَى عليه: لا يَقضِي إلا صلاةَ وقتِه، مثلَ أن يُفيقَ نهارًا قبلَ غروبِ الشَّمْسِ، فيقضيَ الظهرَ والعصرَ، ولا يُصلِّيَ الفجرَ، وإن أفاقَ قبلَ الفجرِ صلَّى المغربَ والعشاءَ لا غيرُ، وإن أفاقَ بعدَ طلوعِ الفجرِ، لم يجِبْ عليه من صلاةِ الليلِ شيءٌ، فإن أفاق بعدَ طلوعِ الشَّمْسِ، فليس عليه صلاةُ الصبح.

стр. 1347

وقال أحمدُ بن حنبلٍ: إذا طهُرتِ الحائضُ، أو أسلَم الكافرُ أو بلَغ الصبيُّ، قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ، صلَّوُا الظهرَ والعصرَ، وإن كان ذلك قبلَ أن يَطلُعَ الفجرُ صلَّوُا المغربَ والعشاءَ (١). وقال أحمدَ بن حنبلٍ أيضًا في المُغمَى عليه: فإنّه (٢) يجبُ عليه عندَه أن يقضِيَ الصلواتِ كلَّها التي كانت في إغمائِه (٣). وهو قولُ عُبيدِ الله بن الحَسَنِ العَنبَريِّ قاضي البَصْرةِ (٤)، لا فَرقَ عندَهما بينَ النائم وبينَ المُغمَى عليه في أن كلَّ واحدٍ منهما يقضِي جميعَ ما فاته وقتُه وإن كثُرَ. وهو قولُ عطاءِ بن أبي رباحٍ. وروِي ذلك عن عمارِ بن ياسرٍ وعِمْرانَ بن حُصَينٍ. وروَى ابن رُسْتُمَ، عن محمدِ بن الحسنِ: أن النائمَ إذا نام أكثرَ من يوم وليلةٍ فلا قضاءَ عليه (٥). قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال هذا القولَ في النائم غيرَ محمدِ بن الحَسَنِ، فإن صحَّ هذا عنه فهو خلافُ السنةِ؛ لأنه قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نَسيَها فلْيُصَلِّها إذا ذكَرها" (٦). وأجمَعوا أنَّ من نامَ عن خمسِ صلواتٍ قضَاها، فكذلك في القياسِ ما زاد عليها. وأما قولُ مَن قال: يقضِي

стр. 1348

المُغمَى عليه إذا أُغميَ عليه خمسَ صلواتٍ فدُونَ، ولا يقضِي أكثرَ. فقولٌ ضعيفٌ لا وجْهَ له في النَّظَرِ؛ لأنه تحكُّم لا يجبُ امتثالُه، إلا لو كان قولَ من يجبُ التسليمُ له. وأصحُّ ما في هذا البابِ في المُغمَى عليه يُفيقُ، أنه لا قضاءَ عليه لِما فاتَه وقتُه. وبه قال ابن شهابٍ، والحسنُ، واين سيرينَ، وربيعةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ. وهو مذهَبُ عبدِ الله بن عمرَ: أُغميَ عليه فلم يَقضِ شيئًا ممّا فات وقتُه (١). وهذا هو القياسُ عندي، واللهُ أعلمُ؛ لأن الصلاةَ تجبُ للوقتِ، فإذا فات الوقتُ لم تَجبْ إلا بدليلٍ لا تنازُعَ فيه، ومن لم يُدركْ من الوقتِ مقدارَ رَكْعةٍ، وفاتَه ذلك بقَدَرٍ من الله، فلا قضاءَ عليه. والأصولُ مختلفةٌ في قضاءِ ما يجبُ من الأعمالِ في أوقاتٍ معيَّنةٍ إذا فاتتْ أوقاتُها. فمنها أنّ صومَ رمضانَ في وقتٍ بعينِه، فإذا منَع المسلمَ من صيامِه عِلَّةٌ، كان عليه أن يأتيَ بعدَّتِه من أيام أُخرَ. ومنها أنّ أعمالَ الحجِّ أوقاتٌ معَيَّنةٌ، فإذا فات وقتُها لم تُعملْ في غيرِها؛ كالوقوفِ بعرفةَ وبمُزْدلفةَ، وغيرِ ذلك من أعمالِ الحجِّ، وكرَمْي الجِمارِ في أيامِها، وكالضحايا في أيامِها، لا يُعملُ شيءٌ من ذلك في غيرِها، قام دليلُ الإجماع على ذلك، وقام الدليلُ من القرآنِ على ما ذكَرنا في قضاءِ الصيام (٢)، فلما احتمَلتِ الصلاةُ الوجهينِ جميعًا طلَبنا الدليلَ على ذلك، فوجَدْنا رسولَ الله ﷺ قد بيَّنَ

стр. 1349

مرادَ الله منها فيمَن نامَ أو نسِيَ أنه يَقضِي، ورأينا العاجزَ عن القيام في الصلاةِ أنه يَسقُطُ عنه، وكذلك إن عجَز عن الجلوسِ ونحوه حتى يُومئَ إيماءً، فإذا لم يقدِرْ على الإيماءِ فهو المُغْمَى (١) عليه، ووجَب سقوطُ ذلك عنه بخروج الوقتِ. ودليلٌ آخرُ من الإجماعِ، وذلك أنهم أجمعَوا على أن المجنونَ المُطبَقَ لا شيءَ عليه بخروج الوَقْت من صلاةٍ ولا صيام، إذا أَفاقَ من جنونِه وإطباقِه، فكان المُغمَى عليه أشبهَ به منه بالنائمِ، إذ لا يجتَذِبُه غيرُ هذينِ الأصلينِ، ووجدناه لا يَنتَبِهُ إذا نُبِّه، فكان ذلك فرقًا بينَه وبينَ النائمِ. وفرق آخرُ: أن النومَ لذةٌ ونعمةٌ، والإغماءَ عِلَّةٌ ومرضٌ من الأمراضِ، فحالُه بحالِ مَن يُجَنُّ أشبَهُ منه بحالِ النائم. ولقولِ أحمدَ بن حنبلٍ وعُبيدِ الله بن الحسنِ وجوهٌ في القياسِ أيضًا، مع الاحتياطِ واتِّباعِ رَجُلينِ من الصحابةِ. وأما قولُ مَن قال: يقضِي خمسَ صلواتٍ ولا يقضِي ما زاد، فقولٌ لا بُرهانَ له به، ولا وَجْهَ (٢) يجبُ التسليُم له. وقالت طائفةٌ من العلماءِ، منهم ابن عُليَّةَ، وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ، وهو المشهورُ عنه في "البُويطيِّ" وغيرِه: إذا طهُرت الحائضُ في وقتِ صلاةٍ وأخَذتْ في غُسلِها، فلم تَفْرُغْ حتى خرَج وقتُ تلك الصلاةِ، وجَب عليها قضاءُ تلك الصلاةِ؛ لأنّها في وقتِها غيرُ حائضٍ (٣)، وليس فوتُ الوقتِ عن الرجلِ بمُسقِطٍ عنه الصلاةَ إن اشتغل بوُضوئِه أو غُسْلِه حتى فاته الوقتُ، وكذلك الحائضُ إذا

стр. 1350

طَهُرت، لا تسقُطُ عنها الصلاةُ من أجلِ غُسلها؛ لأن شُغلَها بالاغتسالِ لا يُضِيعُ عنها ما لزِمَها من فرضِ الصلاةِ، وإنما تسقُطُ الصلاةُ عن الحائضِ ما دامَت حائضًا، فإذا طهُرت فهي كالجُنُبِ، ولزِمَها صلاةُ وقتِها التي طهُرت فيه. قال الشافعيُّ: وكذلك المُغمى عليه يُفيقُ، والنصرانيُّ يُسلمُ، قبلَ غروبِ الشَّمْسِ، أو قبلَ طلوعِ الفَجْرِ، أو قبلَ طلوعِ الشَّمْسِ برَكْعةٍ، ثم اشتغَل بالوضوءِ حتى خرَج الوقتُ. قال: ولا يقضِي أحدٌ من هؤلاء شيئًا من الصلواتِ التي فاتَ وقتُها (١): وقال الشافعي وابن عُليَّةَ: لو أنّ امرأةً حاضَت في أولِ وقتِ الظُّهرِ بمقدارِ ما يُمكنُها فيه صلاةُ الظهرِ، ولم تكنْ صلَّت، لَزِمها قضاءُ صلاةِ الظهرِ؛ لأن الصلاةَ تجبُ بأول الوقتِ، وليس تَسْقُطُ عنها، لما كان لها من تأخيرِ الصلاةِ إلى آخرِ وقتِها، ما وجَب عليها من الصلاةِ بأوله. قالوا: والدليلُ على أنّ الصلاةَ تجبُ بأولِ الوقتِ أن مسافرًا لو صلَّى في أولِ الوقتِ قبلَ أن يدخُلَ المصرَ، ثم دخَل المِصرَ في وقتِه أجزأَه. فإن حاضت وقد مضَى من الوقتِ قَدْرُ ما لا يُمكنُها فيه الصلاةُ بتمامِها، لم يجِبْ قضاؤُها؛ لأنه لم يأتِ عليها من الوقتِ ما يُمكنُها فيه الصلاةُ، كما لو حاضَت وهي في الصلاةِ في أولِ وقِتها، لم تكنْ عليها إعادتُها؛ لأن اللهَ منَعها أن تصلِّيَ وهي حائضٌ (٢). وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لم يجُزْ أن يُجعَلَ أولُ الوقتِ هاهنا كآخرِه (٣)، فيلزمَها بإدراك رَكْعةٍ الصلاةُ كلُّها أو الصلاتان؛ لأن البناءَ في آخرِ

стр. 1351

الوقتِ يَتهيَّأُ على الرَّكْعةِ، ولا يتَهيَّأُ البناءُ في أولِ الوَقْتِ؛ لأن تقديمَ ذلك قبلَ دخولِ الوقتِ لا يجوزُ. وروى ابن وَهْبٍ عن اللَّيثِ، في الرجلِ يزُولُ عليه الشمسُ وهو يُريدُ سَفَرًا فلا يصلِّي حتى يخرُجَ، قال: يصلِّي صلاةَ المقيمِ؛ لأن الوَقْتَ دخَل عليه قبلَ الخروج، ولو شاء أن يُصلِّيَ صلَّى (١). والكلامُ في تعليلِ هذه المسائلِ يطولُ، وقد ذكَرنا منه أُصولَ معانيه، وما مدارُه عليه، والحمدُ للّه. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، وأصحابُهم: لا شيءَ على المرأةِ إذا حاضَتْ في بقيةٍ من الوقتِ. على ما قدَّمنا عنهم أنّ الحائضَ لا صلاةَ عليها، وقد كانت مُوسَّعًا لها في الوقتِ. ومسائلُ هذا البابِ تكثر جدًّا، وهذه أُصولُها التي تُضبَطُ بها. وأصلُ هذا البابِ كلِّه الحديثُ المذكورُ في أولِه، وبالله العونُ والتوفيقُ لا شريكَ له. وأما الوجهُ الثالثُ من معاني حديثِ هذا البابِ: وهو جوازُ مَن صلَّى صلاةَ الصبحِ عندَ طلوعِ الشمسِ، أو العصرِ عندَ غروبِ الشمسِ، ممّن نامَ أو نسِيَ، فإنّ العلماءَ اختلَفوا في ذلك؛ فقال الكوفيون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يقضِي أحد صلاةً عندَ طلوعِ الشمسِ، ولا عندَ قيام قائم الظهيرةِ، ولا عندَ غروبِ الشمسِ، غيرَ عصرِ يومِه خاصةً، فإنه لا بأسَ أن يُصليَها عندَ غروبِ الشَّمْسِ من يومِه؛ لأنه يخرُجُ إلى وقتٍ تجوزُ فيه الصلاةُ. قالوا: ولو دخَل في صلاةِ الفجرِ فلم يُكمِلْها حتى طلَعت عليه الشمسُ، بطَلت عليه، واستقبَلها

стр. 1352

بعد ارتفاعِ الشمس. ولو دخَل في صلاةِ العصرِ فاصفرَّتِ الشمسُ، أتمَّها إذا كانت عصرَ يومِه خاصةً (١). واحتجُّوا لما ذهَبوا إليه في هذا الباب بحديثِ الصُّنابحيِّ (٢)، وحديثِ عَمْرِو بن عَبَسَةَ (٣)، وحديثِ عُقبةَ بن عامرٍ (٤)، عن النبيِّ ﷺ في النهي عن الصلاةِ عندَ طلوعِ الشَّمْسِ، وعندَ غروبِها، وعندَ استوائِها. وجعَلوا نهيَه عن الصلاةِ في هذه الأوقاتِ نهيَ عمومٍ، كنهيِه عن صيام يوم الفطرِ ويوم النَّحرِ؛ لأنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يقضِيَ فيها فرضًا من صيامٍ، ولا تطوُّعٌ بصيامِها، وهذا إجماعٌ. قالوا: فكذلك نهيُه عن الصلاةِ عندَ طُلوعِ الشمسِ وعندَ غروبِها واستوائِها، يقتضِي صلاةَ النافلةِ والفريضةِ. ومنهم مَن زعَم أن حديثَ هذا البابِ منسوخٌ بأحاديثِ النهي عن الصلاةِ في تلك الأوقاتِ (٥). واحتجُّوا أيضًا بأنّ رسولَ الله ﷺ إذْ نام عن الصلاةِ واستيقَظ

стр. 1353

في حينِ طلوعِ الشمسِ، أخَّرَ الصلاةَ حتى ارتفعَت (١). قالوا: وبهذا تَبيّنَ أن نهيَه عن الصلاةِ في تلك الأوقاتِ ناسخ لحديثِ البابِ. فذكَروا حديثَ الثوريِّ، عن سعيدِ بن إسحاقَ بن كَعْبِ بن عُجْرةَ، عن رجل من وَلَدِ كعبِ بن عُجْرةَ، أنه نامَ عن الفجرِ حتى طلَعتِ الشَّمْسُ. قال: فقُمتُ أُصلِّي، فدعاني فأجلَسني - أعني كعبَ بن عُجْرةَ - حتى ارتفَعتِ الشمسُ وابيَضَّت، ثم قال: قُمْ فصلِّ (٢). وحديثَ معمرٍ والثوريِّ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، أنّ أبا بكرةَ أتاهم في بستانٍ لهم، فنام عن العصرِ، قال: فرَأيناه أنه صلَّى، ولم يكنْ صلَّى، فقام فتوضّأ، ولم يُصلِّ حتى غابَتِ الشمسُ (٣). قال أبو عُمر: أما الخبرُ عن كعبِ بن عُجْرةَ، فلا تقومُ به حجةٌ؛ لأنه عن رجلٍ مجهولٍ من وَلَدِه. وأما حديثُ أبي بكرةَ، فهم يخالِفونه في عصرِ يومِه، ويرونَ جوازَ ذلك. وقد أجمَعوا أنّ السنةَ لا ينسَخُها إلا سنة مثلُها، ولا تُنسَخُ سنةُ رسولِ الله ﷺ بقولِ غيرِه؛ لأنه مأمورٌ باتِّباعِه، ومحظورٌ من مخالفِته. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وداودُ، والطبريُّ: مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، أو فاتَته بأيِّ سببٍ كان، فليُصَلِّها بعدَ الصبحِ، وبعدَ العصرِ، وعندَ الطلوعِ، وعندَ الاستواءِ، وعندَ الغروبِ، وفي كلِّ وقتٍ ذكَرها فيه. وهو قولُ أكثرِ التابعين بالحجازِ واليمنِ والعراقِ (٤).

стр. 1354

وذكر عبدُ الرزاقِ (١)، عن الثوريِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: صلِّها حينَ تذكُرُها، وإن كان ذلك في وقتٍ تُكرَهُ فيه الصلاةُ. وحجتُهم قولُه ﷺ : "من أدرَكَ ركْعةً من العصرِ قبلَ أن تغرُبَ الشمسُ فقد أدرَك العصرَ، ومَن أدرَك رَكْعةً من الصبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبحَ" (٢). فهذا الحديثُ يُبيحُ الصلاةَ في حينِ الطلوع والغروبِ لمَن ذكَر صلاةً بعدَ نسيانٍ أو غفلةٍ أو تفريطٍ. ويُؤيِّدُ هذا الظاهرَ أيضًا قولُه ﷺ : "مَن نام عن صلاةٍ أو نسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكرَها" (٣). ولم يخُصَّ وقتًا من وقتٍ، فذلك على كلِّ حالٍ لمَن نام أو نسِيَ. حدَّئنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرحمنِ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا رَوحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبَة، عن قتادةَ، عن خِلَاسٍ، عن أبي رافع، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن صلَّى من الصُّبْح رَكْعةً قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ وطلَعت، فلْيُصلِّ إليها أخرى" (٤). وهذا نصٌّ في إبطالِ قولِ أبي حنيفةَ ومَن تابعَه. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا همامٌ،

стр. 1355

عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن نسِيَ صلاةً (١) فَلْيُصلِّها إذا ذكَرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك". ولا وجهَ لقولِ مَن ادَّعى النسخَ في هذا البابِ؛ لأن النسخَ إنما يكونُ فيما يتعارَضُ ويتضادُّ، ولو جاز لقائلٍ أن يقولَ: إنّ نهيَه عَن الصلاةِ في تلك الأوقاتِ ناسخ لقولِه: "مَن أدرَك رَكْعةً من الصُّبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ فقد أدرَك الصُّبحَ، ومَن أدرَك رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تغرُب الشمسُ فقد أدرَك العصرَ". وناسخٌ لقولِه: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسِيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرها"، ولا يأتي على ذلك بدليلٍ لا مُعارِضَ له - لجَاز لقائلٍ أنّ يقولَ: إن هذينِ الحديثينِ قد نَسَخا نهيَه عن الصَّلاةِ في تلك الأوقاتِ. وهذا لا يجوزُ لأحدٍ أن يدَّعيَ النسخَ فيما ثبَت بالإجماعِ، وبدليلٍ لا مُعارضَ له، فلهذا صحَّ قولُ مَن قال: إنّ النهيَ إنما ورَد في النَّوافلِ دونَ الفرائضِ؛ لِيَصحَّ استعمالُ الآثارِ كلِّها، ولا يُدفَعَ بعضُها ببعضٍ وقد أمكَن استعمالُها؛ ألا ترَى أنه ﷺ لو قال في مجلسٍ واحدٍ: لا صلاةَ بعدَ العصرِ، ولا بعدَ الصُّبحِ، ولا عندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعندَ استوائِها وغروبِها، إلا مَن نسيَ صلاةً وجَبت عليه، أو نامَ عنها، ثم فَزِع إليها. لم يكنْ في هذا الكلام تناقضٌ ولا تعارضٌ، وكذلك هو إذا ورَد هذا اللفظُ في حديثينِ لا فَرقَ بينَه وبينَ أن يَرِدَ في حديثٍ واحدٍ، ولا فرقَ أن يكونَ ذلك في وقتِ أو وقتينِ. فمَن حمَل قولَه ﷺ : "مَن أدرَك ركعةً من العصرِ أو الصبحِ قبلَ الطلوعِ والغروبِ، فقد أدرَك" على الفرائضِ، ورتَّبه على ذلك، وجعَل نَهيَه عن الصلواتِ في تلك الأوقاتِ مُرتَّبًا على النَّوافِل - فقد استعمَل جميعَ الآثارِ والسُّننِ، ولم يُنسَبْ إليه أنه ردَّ سنةً من سُننِ رسولِ الله ﷺ . وعلى هذا التأويلِ في هذه الآثارِ عامَّةُ علماءِ

стр. 1356

الحجازِ وفقهائِهم وجميعُ أهلِ الأثرِ. وهذا أصلٌ عظيمٌ جَسيمٌ في ترتيبِ السُّننِ والآثارِ، فتدبَّرْهُ، وقِفْ عليه، ورُدَّ كلَّ ما يرِدُ عليك من بابِه إليه. ومن قبيح غلَطِهم في ادِّعائِهم النَّسخَ في هذا البابِ، أنهم أجازوا لمن غفَل أو نامَ عن عصرِ يومِه أن يُصلِّيَها في الوقتِ المنهيِّ عنه، فلم يقُودُوا أصلَهم في النَّسخِ، ولا فرقَ بينَ عصرِ يومِه وغيرِ يومِه في نظرٍ ولا أثرٍ، ولو صحَّ النَّسخُ دخَل فيه عصرُ يومِه وغيرِ يومِه. وفي قولِهم هذا إقرارٌ منهم بالخصوصِ في أحاديثِ النَّهي، والخصوصُ أن يُقتصَرَ بها على التطوعِ دونَ ما عدَاه من الصلواتِ المنسيَّاتِ المكتوباتِ (١). هذا قولُ مالكٍ وأصحابِه، وزاد الشافعيُّ وأصحابُه المسنُوناتِ (٢). وأما قولُهم: إن رسولَ الله ﷺ أخَّر الفائتةَ حينَ انتبه عندَ طلوعِ الشمسِ، فليس كما ظنُّوا؛ لأنّا قد روَينا أنهم لم ينتَبِهُوا يومَئذٍ إلا لحرِّ الشَّمسِ، والشَّمسُ لا تكونُ لها حرارةٌ إلا في وَقتٍ تحِلُّ فيه الصلاةُ إن شاء اللهُ. أخبرنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن نافع بن جبيرِ بن مطعِم، عن أبيه، أن رسولَ الله ﷺ كان في سفرٍ فقال: "مَن يكلَؤُنا الليلةَ لا نرقُدُ عن صلاةِ الفجر؟ ". فقال بلالٌ: أنا. فاستقبَل

стр. 1357

مطلِعَ الشمسِ، فضُرِب على آذانِهم حتى أيقظَهم حرُّ الشمسِ، ثم قاموا، فقادُوا رِكابَهم فتوضَّئُوا، ثم أذَّنَ بلالٌ، ثم صلَّوا رَكْعتي الفجرِ، ثم صلَّوُا الفجرَ (١). وسنذكُرُ أحاديثَ النوم عن الصلاةِ في بابِ مُرسلِ زيدِ بن أسلمَ، وبابِ ابن شهابٍ، عن ابن المُسيِّبِ إن شاء اللهُ، ونذكُرُ أحاديثَ النَّهي عن الصلاةِ عندَ طلوعِ الشمسِ وقبل غروبِها واستوائِها، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصنابِحيِّ، ونُبيِّنُ معناها عندَ العلماءِ. ونذكُرُ حديثَ نَهيِه عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبَّانَ. ونذكرُ أحاديث النَّوم عن الصلاة في باب مُرْسل زيد بن أسلم. ونُوردُ في كلِّ بابٍ من هذه الأبوابِ ما للعلماءِ في ذلك من المذاهبِ والتَّنازُعِ إن شاء اللهُ.

стр. 1358

حديثٌ سادسٌ لزَيْد بنِ أسْلَم مُرْسل صحيح مالك (١)، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عبدِ الله بن عباسٍ، أنَّه قال: خَسَفتِ الشمسُ فصلَّى رسولُ الله ﷺ والناسُ معه، فقامَ قيامًا طويلًا. قال: نحوًا من سورةِ البقرةِ. قال: ثم رَكَعَ ركوعًا طويلًا، ثم رفَعَ رأسَهُ مِن الركوعِ (٢)، فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم ركَعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأوَّلِ، ثم سجَدَ، ثم قامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم رَكَعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم رَفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّلِ، ثم رَكلع رُكوعًا طويلًا وهو دونَ الرُّكوع الأوَّل، ثم سَجَد، ثم انصرَف وقد تَجلَّتِ الشمسُ، فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلكَ فاذكروا اللهَ". قالوا: يا رسولَ الله، رأيناك تَناوَلْتَ شيئًا في مَقامِك هذا، ثم رأيناك تَكَعْكَعْتَ (٣). فقال: "إنِّي رأيتُ الجنةَ، فتنَاوَلْتُ منها عُنقودًا، ولو أخَذتُه لأكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا، ورأيتُ النارَ، فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ". قالُوا: ولمَ يا رسولَ الله؟ قال: "لكُفْرِهنَّ". قالوا: أيَكْفُرْنَ بالله؟ قال: "يَكفُرْنَ العَشِيرَ (٤)، ويَكفُرْنَ الإحسانَ، لو أحْسنْتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه، ثم رأتْ منك شيئًا، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ".

стр. 1359

هذا من أصحِّ حديثٍ يُروَى عن النبيِّ ﷺ في صلاةِ الكُسوفِ، وهي رَكْعتانِ، في كلِّ ركعةٍ رُكُوعانِ، فحصَلتْ أربعُ رَكَعاتٍ، وأربعُ سجداتٍ. وكذلك روَى ابن شهابٍ، عن كَثيرِ بن عباسٍ (١)، عن عبدِ الله بن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ (٢). وكذلك روَتْ عائشةُ، عن النبيِّ ﷺ ، وحديثُها أيضًا في ذلك أثبتُ حديثٍ وأصحُّه، رواه مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ (٣)، وعن يحيَى بن سعيدٍ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ (٤)، بمعنًى واحدٍ، عن النبيِّ ﷺ في صلاةِ الكسوفِ، رَكْعتانِ، في كلِّ ركعةٍ ركوعانِ. وكذلك رواه ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ (٥). وبه يقولُ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما. وهو قولُ أهلِ الحِجازِ وقولُ اللَّيثِ بن سعدٍ. وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ وأبو ثورٍ (٦). فأمّا قولُه في هذا الحديثِ: وهو دونَ القيام الأوَّلِ، فإنّه أرادَ بقولِه أنّ القيامَ الأوَّلَ أطولُ من الثاني، وكذلك الركوعُ الأولُ أطولُ من الثاني في الرَّكْعةِ الأولى. وأرادَ، واللهُ أعلمُ، في الركعةِ الثانيةِ، أنّ القيامَ الأولَ فيها دونَ القيام الأولِ في الركعةِ الأولى، والركوعَ الأولَ فيها دونَ الركوع الأولِ في الركعةِ الأولى.

стр. 1360

وأرادَ، واللهُ أعلمُ، بقولِه في القيام الثاني (١) في الركعةِ الثانيةِ، أنّ القيامَ الأوَّلَ فيها، وكذلك ركوعُه الثاني فيها، دونَ ركوعِه الأوَّلِ فيها. وقد قيل غيرُ هذا، وهذا أصحُّ ما قيلَ في ذلكَ عندي، واللّهُ أعلمُ؛ لتكونَ الرَّكْعتان مُعْتَدِلَتَين في أنفسِهما، وكما نقَص القيامُ الثاني في الركعةِ الأولَى عن القيام الأولِ فيها، والركوعُ الثاني أيضًا في الأولى عن الركوعِ الأولِ فيها نفسِها، فكذلك يَجِبُ أنّ تكونَ الركعةُ الثانيةُ ينقُصُ قيامُها الثاني عن قيامِها الأوَّلِ، وركوعُها الثاني عن ركوعِها الأولِ فيها نفسِها، ويكونَ قيامُها الأولُ دونَ القيام الأوَّلِ في الركعةِ الأولى، وركوعُها الأولُ دونَ الركوع الأوَّلِ في الركعةِ الأُولى. وجائز على هذا القياسِ أن يكونَ القيامُ الأولُ في الركعةِ الثانيةِ مثلَ القيام الثاني في الركعةِ الأولى، وجائزٌ أنّ يكونَ دونَه، وحسْبُه أنّ يكونَ دونَ القيام الأولِ في الركعةِ الأولى، والقولُ في الركوعِ على هذا القياسِ، فتَدَبَّرْه. وبالله التوفيقُ. وقال مالكٌ: لم أسمَعْ أنّ السجودَ يطولُ في صلاةِ الكسوفِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ (٢). ورأتْ فرقةٌ من أهلِ الحديثِ تطويلَ السُّجودِ في ذلك، ورَوَتْه عن ابن عُمر (٣).

стр. 1361

وقال العراقيُّون؛ منهم أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ: صلاةٌ الكسوفِ كهيئةِ صلاتِنا؛ رَكْعتانِ نحوَ صلاةِ الصبحِ، ثم الدعاءُ حتى تَنْجَلِيَ. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ (١). قال أبو عُمر: رُوِيَ نحوُ قولِ العراقِيِّين عن النبيِّ ﷺ في صلاةِ الكسوفِ، من حديثِ أبي بكْرَةَ (٢)، وسَمُرةَ بن جُنْدُبٍ (٣)، وعبدِ الله بن عمرٍو (٤)،

стр. 1362

وقَبيصةَ الهلالِيِّ (١)، والنعمانِ بن بشيرٍ (٢)، وعبدِ الرحمن بن سمُرةَ (٣). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن أبي شعيبٍ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن عُميرٍ البصريُّ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن أبي قلابةَ، عن النُّعمانِ بن بَشيرٍ قال: كسَفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فجعَل يُصَلِّي رَكْعتين رَكْعتين، ويسألُ (٥)، حتى تَجَلَّتِ الشمسُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٦)، عن أحمدَ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمْرٍو (٧)، عن أيوبَ عن أبي قِلابةَ،

стр. 1363

عن قَبيصةَ الهلاليِّ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا انكسَفتِ الشمسُ أو القمرُ فصلُّوا كأحدثِ صلاةٍ صَلَّيْتُموها مكتوبةٍ" (١). قال أبو عُمر: الأحاديثُ في هذا الوجهِ في بعضِها اضطرابٌ، ترَكْتُ ذلك لشُهرتِه عندَ أهلِ الحديثِ، ولكراهةِ التطويلِ، والمصيرُ إلى حديثِ ابن عباس وعائشةَ من روايةِ مالكٍ أولى (٢)، لأنّها أصحُّ ما رُويَ في هذا البابِ من جهةِ الإسنادِ، ولأنّ فيها زيادةً في كيفيَّةِ الصلاةِ يجبُ قَبولُها واستعمالُ فائدتِها، ولأنّهما قد وصَفا صلاةَ الكُسُوفِ وصفًا يَرْتفِعُ معه الإشكالُ والوهمُ. فإن قيل: إنّ طاووسًا روَى عن ابن عباسٍ أنَّه صلَّى في صلاةِ الكُسُوفِ رَكْعتين، في كلِّ رَكْعةٍ ثلاثُ رَكَعاتٍ، ثم سجَد (٣)، وإنّ عُبيدَ بن عُصر روَى عن عائشةَ مثلَ ذلك (٤)، وإنّ عطاءً روَى عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، في صلاةِ الكسوفِ ستَّ رَكَعاتٍ في أربعِ سجَداتٍ (٥)، وإنّ أبا العاليةِ روَى عن أُبيِّ بن كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ عشرَ رَكعاتٍ في رَكْعتَي الكُسوفِ، وأربعَ سَجَداتٍ (٦). فلم يكنِ المصيرُ عندَك إلى زيادةِ هؤلاءِ أوْلى، قيلَ له: إنّما تُقْبَلُ الزيادةُ من الحافظِ إذا ثَبَتَتْ عنه،

стр. 1364

وكان أحفظَ وأتقَنَ ممّن قَصَّر، أو مثلَه في الحفظِ؛ لأنّه كأنّه حديثٌ آخرُ مستأنَفٌ، وأمّا إذا كانت الزيادةُ من غيرِ حافظٍ ولا مُتْقِنٍ، فإنّها لا يُلْتَفَتُ إليها، وحديثُ طاووسٍ هذا مضطرِب ضعيفٌ، رواه وكيعٌ، عن الثوريِّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن طاووسٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا (١). ورواه غيرُ الثوريِّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن ابن عباسٍ، لم يَذكُرْ طاووسًا. ووقَفه ابن عُيينةَ، عن سُليمانَ الأحولِ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عباس فِعْلَه، ولم يرفعْه (٢). وهذا الاضطرابُ يُوجبُ طرحَه. واختُلِف أيضًا في مَتْنِه؛ فقومٌ يَقولون: أربعَ رَكَعاتٍ في ركعةٍ. وقومٌ يقولون: ثلاثَ رَكَعاتٍ في ركعةٍ، ولا تقومُ بهذا الاختلافِ حجَّة. وأمّا حديثُ جابرٍ، فرواه أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، "أربعَ ركعاتٍ في أربعِ سجداتٍ" مثلَ حديثِ ابن عباسٍ هذا. ذكره أبو داود (٣)، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن هشام، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا أبو الزبيرِ. وأمّا حديثُ أُبيِّ بن كعبٍ، فإنّما يَدورُ على أبي جعفرٍ الرَّازِيِّ، عن الربيعِ، عن أنسٍ، عن أبي العاليةِ (٤)، وليس هذا الإسنادُ عندَهم بالقويِّ. وأمّا حديثُ عُبيدِ بن عُميرٍ، عن عائشةَ: أنّ النبيَّ ﷺ صلَّى الكسوفَ ثلاثَ رَكَعاتٍ، وسَجْدَتين في كلِّ ركعةٍ. فإنّما يَروِيه قتادةُ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ،

стр. 1365

عن عائشةَ (١). وسماعُ قتادةَ عندَهم من عطاءٍ غيرُ صحيح، وقتادةُ إذا لم يَقُلْ: سمِعْتُ، وخُولِفَ في نقلِه فلا تقومُ به حجةٌ؛ لأنّه يُدَلِّسُ كثيرًا عمَّن لم يَسمعْ منه، وربّما كان بينَهما غيرُ ثقةٍ، وليس مثلُ هذه الأسانيدِ يُعارَضُ بها حديثُ عروةَ وعَمْرةَ، عن عائشةَ، ولا حديثُ عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ (٢)؛ لأنّها من الآثارِ التي لا مَطْعَنَ لأحدٍ فيها، وقد كان أبو داودَ الطَّيالسِيُّ يروي حديثَ قتادةَ هذا، عن هشام، عن قتادةَ، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بن عُميرٍ، عن عائشةَ مَوقوفًا لا يرفعُه. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ ومحمدُ بن حَكَمٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن الحُبابِ القاضِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفُراتِ أبو مسعودٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا هشامٌ (٣)، عن قتادةَ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بن عميرٍ، عن عائشةَ قالت: صلاةُ الآياتِ ستُّ رَكَعاتٍ وأربعُ سجداتٍ (٤). قال أبو مسعودٍ (٥): لم يَرفعْه أبو داودَ، ورفَعه معاذُ بن هشام.

стр. 1366

قال أبو عُمر: قولُ ابن عباسٍ في حديثنا المذكورِ في هذا البابِ حيثُ قال: "نَحْوًا من سورة البقرةِ" (١). دليلٌ على أنّ سُنَّةَ القراءَةِ في صلاةِ الكسوفِ أن تكونَ سرًّا. وكذلك روَى ابن إسحاقُ، عن هشام بن عُروةَ وعبدِ الله بن أبي سَلَمةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالتْ: كَسَفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فخرَج فصلَّى بالناسِ، فقامَ فأطالَ القيامَ، فحَزَرْتُ قراءَتَه، فرأيتُ أنّه قرَأ سورةَ البقرةِ - وساق الحديثَ - وسجَد سجدَتَيْن، ثم قام، فحَزَرْتُ قراءَتَه، فرأيْتُ أنّه قرَأ سورةَ آلِ عمرانَ (٢). وهذا يدُلُّ على أنّ قراءَتَه كانت سرًّا، ولذلك روَى سَمُرةُ بن جُنْدُب، عن النبيِّ ﷺ أنّه لم يُسمَعْ له صوتٌ في صلاةِ الكسوفِ. وبذلك قال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، وهو قولُ أبي حنيفةَ واللَّيثِ بن سعدٍ، والحجَّةُ لهم ما ذكَرنا. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن يونسَ، قال: حدَّثنا زهيرٌ (٤)، قال: حدَّثنا الأسودُ بن قيسٍ، قال: حدَّثني ثعلبةُ بن عِبَادٍ العبدِيُّ من أهل البصرةِ، أنّه شهِد خُطبةً يومًا لسَمُرةَ فذكر حديثَ الكسوف بتَمامِه، وفيه: فصلَّى بنا، فقام كأطولِ ما قامَ بنا قطُّ لا نَسمَعُ له صوتًا، وذكَر الحديثَ.

стр. 1367

أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ (١) بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، عن أحمدَ بن شُعيبِ بن عليٍّ، قال (٢): أخبَرنا عَمرُو بن منصورٍ، قال: أخبَرنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن ثعلبةَ بن عِبَادٍ، عن سمُرةَ بن جُنْدُبٍ، أنّ النبيَّ ﷺ صلَّى بهم كُسُوفَ الشمسِ، لا يُسْمع له صوتٌ. وقد رُوِيَ عن ابن عباسٍ أنّه قال في صلاةِ الخُسُوف: كنتُ إلى جنبِ النبيِّ ﷺ فما سَمِعْتُ منه حرفًا (٣). ومن حُجَّةِ من ذهَب إلى هذا المذهبِ ما جاء في الخبرِ: "صلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ" (٤). ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنّهم حَزَروا قراءتَه بـ: "الروم"، و: "يَس"،

стр. 1368

أو: "العنكبوت" (١). ورُوِيَ عن أبانِ بن عثمانَ أنّه قرَأ في صلاةِ الكسوف ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (٢). والذي استحسَن مالكٌ والشافعيُّ، أن يَقرَأَ في الأولى بـ: "البقرة"، وفي الثانيةِ بـ: "آلِ عمرانَ"، وفي الثالثةِ بقدرِ مئةِ آيةٍ وخمسينَ آيةً من "البقرةِ"، وفي الرابعةِ بقدرِ خمسينَ آيةً من "البقرةِ"، وفي كلِّ واحدةٍ "أُمَّ القُرآنِ" لا بدَّ، وكلُّ ذلك لا يُسمَعُ للقارِئ فيه صوت (٣). وقال أبو يوسفَ ومحمدُ بن الحَسَن: يَجْهَرُ بالقراءَةِ في صلاةِ الكسوفِ (٤). ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب أنّه جهَر، وعن زيدِ بن أرقمَ (٥)

стр. 1369

والبَراءِ بن عازبٍ، وعبدِ الله (١) بن يزيدَ مثلُه (٢). وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهُويَة (٣). واحتجُّوا أيضًا بحديثِ سفيانَ بن حُسينٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنّ النبيَّ ﷺ جهَر بالقِراءَةِ في كسوفِ الشمس (٤) (٥). وسفيانُ بن حُسينٍ في الزهريِّ ليس بالقَويِّ، وقد تابَعه على ذلك عن الزهريِّ؛ عبدُ الرحمنِ بن نمِرٍ (٦) وسُليمانُ بن كثيرٍ (٧)، وكلُّهم لَيِّنُ الحديثِ عن الزهريِّ (٨).

стр. 1370

ومن حُجةِ من قالَ بالجهرِ في صلاةِ الكُسوفِ، إجماعُ العلماءَ على أنّ كلَّ صلاةٍ سُنَّتُها أن تُصَلَّى في جماعةٍ من صلواتِ السُّنَنِ، فسنَّتُها الجهرُ، كالعِيدَينِ والاستسقاءِ، فكذلك الكُسوفُ. وقال الطبريُّ: إن شاء جهَر في صلاةِ الكُسُوفِ، وإن شاء أسرَّ، وإن شاء قرَأ في كلِّ ركعةٍ مرَّتيْن، وركَع فيها ركوعينِ، وإن شاء أربعَ قراءات، وركَع أربعَ رَكَعاتٍ، وإن شاء ثلاثَ رَكَعاتٍ في ركعةٍ، وإن شاء ركعتَيْن كصلاةِ النافلةِ. واختلَف الفقهاءُ أيضًا في صلاةِ الكسوفِ؛ هل هي في كلِّ النَّهارِ أم لا؟ فروَى ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ قال: لا يُصَلَّى الكسوفُ إلّا في حين صلاةٍ. قال: فإن كسَفَتْ في غير حينِ الصلاةِ، ثم جاء حينُ الصلاةِ والشمسُ لم تَنْجَلِ صلَّوا، فإنْ تَجَلَّتْ قبلَ ذلك لم يُصلُّوا (١). وروَى ابن القاسم عنه قال: لا أرَى أنْ يُصَلَّى الكسوفُ بعدَ الزوالِ، وإنّما سُنَّتُها أن تُصَلَّى ضحًى إلى الزوالِ (٢). وقال الليثُ بن سعدٍ: يُصَلَّى الكسوفُ نصفَ النَّهارِ؛ لأنّ نصفَ النهارِ لا يَثْبُتُ لسرعةِ الشَّمْسِ. وقال الليثُ: حَجَجْتُ سنةَ ثلاثَ عشرةَ ومئةٍ، وعلى الموسم سُليمانُ بن هشامٍ، وبمكةَ عطاءُ بن أبي رباحٍ، وابن شهابٍ، وابن أبي مُليكةَ، وعكرمةُ بن خالدٍ، وعَمْرُو بن شُعيبٍ، وقتادةُ، وأيوبُ بن موسى، وإسماعيل بن أُميَّةَ، فكسَفتِ الشمسُ بعدَ العصرِ، فقاموا قيامًا يَدعُون اللهَ بعدَ العصرِ في المسجدِ، فقلتُ

стр. 1371

لأيُّوبَ بن موسى: ما لهم لا يُصَلُّون وقد صلَّى النبيُّ ﷺ في الكُسُوفِ؟ فقال: النَّهْيُ قد جاء عن الصلاةِ بعدَ العصرِ، فلذلك لا يُصلُّون، والنَّهْيُ يَقْطَعُ الأمرَ. ذكره الحُلوانيُّ، عن ابن أبي مريمَ وأبي صالحٍ كاتبِ اللَّيثِ جميعًا، عن اللَّيثِ (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والطبريُّ: لا تُصَلَّى صلاةُ الكسوفِ في الأوقاتِ المنهِيِّ عن الصلاةِ فيها (٢). وقال الشافعِيُّ: تُصلَّى نصفَ النهارِ، وبعدَ العصرِ، وفي كلِّ وقتٍ. وهو قولُ أبي ثورٍ. وقال إسحاقُ: تُصَلَّى في كلِّ وقتٍ إلّا في حينِ الطُّلوع والغروبِ (٣). والنَّهْيُ عندَ الشافعيِّ عن الصلاةِ بعدَ العصرِ إنّما هو على التَّطوُّع المُبْتَدأ، فَأمّا الفرائضُ والسُّننُ وما كان من عادةِ المرءِ أنْ يُصلِّيَه فلا (٤). وسيأتي اختلافُهم في هذا المعنَى في موضعِه من هذا الديوان إن شاء اللهُ، بحجَّةِ كلِّ واحدٍ منهم، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا بالله. وقال إسحاقُ بن راهُوية في صلاةِ الكسوفِ: إن شاء أربعَ ركَعاتٍ في رَكْعَتَيْنِ، وإن شاءَ سِتَّ ركَعاتٍ في رَكْعَتَيْن، كلُّ ذلك مُؤتلِفٌ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا؛ لأنّه إنّما كان يزيدُ في الركوعِ إذا لم يرَ الشمسَ قد تَجَلَّت، فإذا تَجَلَّت، سجَد. قال: فمِن ههنا زيادةُ الرَّكَعاتِ، ولا يُجاوِزُ بذلك أربعَ رَكَعاتٍ في كلِّ ركعةٍ؛ لأنَّه لم يأْتِنا عن النبيِّ ﷺ أكثرُ من ذلك (٥).

стр. 1372

قال أبو عُمر: رُوِيَ من حديثِ أُبيِّ بن كعب (١)، عن النبيِّ ﷺ ، خمسُ رَكَعاتٍ - على ما قدَّمنا ذكْرَه - في كلِّ ركعةٍ، وهو حديثٌ لَيِّنٌ. ومثلُه رُوِيَ عن عليٍّ ﵀، أنّه صلَّى في الكُسُوفِ خمسَ رَكَعاتٍ، وسجَد سجدَتَيْن، ثم قام، ففعَل في الرَّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذلك (٢). ورُوِيَ عن الحسنِ مثلُ ذلك (٣). وأصحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ ابن عباسٍ وعائشةَ، أربعُ رَكَعاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ، واللهُ أعلمُ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ بن حنبل، وقاله جماعةٌ من أصحابِ الشافعيِّ: أنّ الآثارَ المرويَّةَ عن النبيِّ ﷺ في صلاةِ الكسوفِ كلُّها حسانٌ، وبأيِّها عَمِل الناسُ جازَ عنهم. إلّا أنّ الاختيارَ عندَهم ما في حديثِ ابن عباسٍ هذا وما كان مثلَه (٤). واختلَفوا أيضًا في صلاةِ كسوفِ القمرِ؛ فقال العراقيُّون ومالكٌ وأصحابُه: لا يُجمَعُ في صلاةِ كسوفِ القمرِ، ولكن يُصَلِّي الناسُ أفْذاذًا رَكْعَتَيْنِ كسائرِ الصَّلواتِ (٥). والحُجَّةُ لهم قولُه ﷺ : "صلاةُ المرءِ في بَيْتِه أفضلُ إلّا المكتوبةَ" (٦). وخَصَّ صلاةَ كُسوفِ الشمسِ بالجَمْعِ لها، ولم يفعلْ ذلك في كسوفِ القمرِ، فخرَجتْ صلاةُ كسوفِ الشمس بدليلِها وما ورَد من التوفيقِ فيها، وبقِيَتْ صلاةُ كسوفِ القمر على أصل ما عليه النوافلُ.

стр. 1373

وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: لا يُجمَعُ في صلاةِ كسوفِ القمرِ، ولكنَّ الصلاةَ فيها كهيئةِ الصلاةِ في كُسوف الشمسِ. وهو قولُ عبدِ العزيزِ بن أبي سلمةَ. ذكَره ابن وَهْبٍ عنه (١)، وقال ذلك لقولِ رسولِ الله ﷺ :"إذا رأيتُم ذلك بهما فافزَعوا إلى الصلاةِ". وقال الشافعيُّ وأصحابُه، وأهلُ الحديثِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطبريُّ: الصلاةُ في كسوفِ القَمَرِ كهيَ في كسوفِ الشمسِ سواءً (٢). وهو قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ، وعطاءٍ (٣)؛ وحجَّتُهم في ذلك قولُه ﷺ في هذا الحديثِ: "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فاذكُروا اللهَ" (٤). قال الشافعيُّ ﵀: فكان الذِّكرُ الذي فَزِع إليه رسولُ الله ﷺ عندَ كسوفِ الشمسِ هو الصلاةَ المذكورةَ، فكذلك خسوفُ القمرِ، تُجمَعُ الصلاةُ عندَه على حسَبِ الصلاةِ عندَ كسوفِ الشمسِ؛ لأنه ﷺ قد جمَع بينَهما في الذِّكرِ، ولم يَخُصَّ إحداهما من الأُخرَى بشيءٍ، وقال ﷺ : "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فصلُّوا وادعُوا" (٥). وروَى عبدُ الله بن عباسٍ عنه، أنّه قال: "فافزَعوا إلى الصلاةِ إذا رأيتُم ذلك" (٦). وعَرَّفنا كيف الصلاةُ عندَ إحداهما، فكان في ليلًا على الصلاةِ عندَ الأخرَى.

стр. 1374

قال أبو عُمر: رُوِيَ عن ابن عباس (١)، وعُثمانَ بن عفانَ (٢)، أنّهما صلَّيا في كسوفِ القمرِ جماعةً رَكْعتينِ، في كلِّ ركعةٍ رُكُوعانِ. مثلَ قولِ الشافعيِّ، على حديثِ ابن عباسٍ المذكورِ في هذا البابِ. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ النَّسَويُّ، قال (٣): حدَّثنا عِمْرانُ بن موسى، قال: حدَّثنا عبُد الوارثِ (٤)، قال: حدَّثنا يونسُ (٥)، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ، قال: كنَّا عندَ رسولِ الله ﷺ ، فانكسفَتِ الشمسُ، فخرَج رسولُ الله ﷺ يَجُرُّ رداءَه، حتى انتهَى إلى المسجدِ، وثابَ إليه الناسُ، فصلَّى رَكْعتينِ، فلمّا انكَشفتِ الشمسُ قال: "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، يُخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه، وإنّهما لا يَخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فصلُّوا حتى يُكْشَفَ (٦) ما بكم". وذلك أنّ ابنًا له مات، يُقالُ له: إبراهيمُ. فقال ناسٌ في ذلك (٧).

стр. 1375

وقد رُويَ عن مالكٍ أنّه قال: ليس في صلاةِ كسوفِ القمرِ سُنَّةٌ، ولا صلاةَ فيها إلّا لمن شاء (١). وهذا شيءٌ لم يَقُلْه أحدٌ من العلماءِ غيرُه، واللهُ أعلمُ، وسائرُ العلماءِ يرَون صلاةَ كسوفِ القمرِ سُنّةً، كلٌّ على مذهبِه. واختلَفوا أيضًا في الخطبةِ بعدَ صلاةِ الكسوفِ؛ فقال الشافعِيُّ ومن اتَّبعَه (٢)، وهو قولُ إسحاقَ والطبريِّ: يَخطُبُ بعدَ الصلاةِ في الكسوفِ، كالعيدينِ والاستسقاءِ. واحتجَّ الشافعيُّ بحديثِ هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، في حديثِ الكسوفِ، وفيه: ثم انصرَف وقد تجلَّتِ الشمسُ، فخطَب الناسَ، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "إنّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله" الحديثَ. وبه احتجَّ كلُّ من رأى الخطبةَ في الكسوفِ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما: لا خُطبةَ في الكسوفِ (٣). واحتجَّ بعضُهم في ذلك بأنّ رسولَ الله ﷺ إنّما خطَب الناسَ لأنّهم قالوا: إنّ الشمسَ كَسَفتْ لموتِ إبراهيمَ ابن النبيِّ ﷺ . فلذلك خطَبهم يُعرِّفُهم أنّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته (٤).

стр. 1376

وكان مالكٌ والشافعيُّ لا يريان الصلاةَ عندَ الزَّلزلةِ، ولا عندَ الظُّلمةِ، والرِّيحِ الشديدةِ. ورآها جماعةٌ من أهلِ العلم؛ منهم أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور. ورُوِىَ عن ابن عباسٍ إنّه صلَّى في زلزلةٍ (١). وقال ابن مسعودٍ: إذا سمِعتم هدًّا من السماءِ فافزَعوا إلى الصلاةِ (٢). وقال أبو حنيفةَ: من فعَل فحَسَنٌ، ومن لا فلا حَرَجَ (٣). قال أبو عُمر: لم يأْتِ عن النبيِّ ﷺ من وجهٍ صحيح أنّ الزَّلزلةَ كانت في عصرِه، ولا صحَّتْ عنه فيها سُنَّةٌ، وقد كانَت في الإسلام (٤) في عهدِ عمرَ، فأنكَرها وقال: أحدَثتُم، والله لئن عادَتْ لأخْرُجنَّ من بينِ أظهرِكم. رواه ابن عُيينةَ، عن عُبيدِ الله بن عمرَ، عن نافع، عن صفيَّة (٥). قالت: زُلزلَتِ المدينةُ على عهدِ عمرَ حتى اصطكَّتِ السُّرُرُ، فقام فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: ما أسرعَ ما أحدَثتُم، والله لئنْ عادَتْ لأَخرُجنَّ من بينِ أظهرِكم (٦).

стр. 1377

روى حمَّادُ بن سلمةَ، عن قتادةَ، عن عبدِ الله بن الحارثِ (١) قال: زُلزلَتِ الأرضُ بالبصرةِ، فقال ابن عباس: والله ما أدري؛ أزُلزلَتِ الأرضُ أمْ بي أَرْضٌ؟ فقام بالناسِ فصلَّى. يعني مِثلَ صلاةِ الكسوفِ (٢). وأمّا قولُه في الحديثِ: رأيناك تَكَعْكعْتَ. فمعناه عندَ أهلِ اللُّغةِ: أخنسْتَ وتأخَّرْتَ. وقال الفقهاءُ: معناه: تَقهقرْتَ. والأمرُ كلُّه قريبٌ. وقال مُتمِّمُ بن نُويْرةَ (٣): ولكنَّنِي أمضِي على ذاك مُقْدِمًا ... إذا بعضُ من لاقَى الخطوبَ تكَعْكَعا وأمّا قولُه ﵊: "إنِّي رأيتُ الجنةَ - ورأيْتُ النارَ"، فإنّ الآثارَ في رُؤيتِه لهما ﷺ كثيرةٌ، وقد رآهُما مرارًا، واللهُ أعلمُ، على ما جاءَتْ به الأحاديثُ، وعندَ الله علمُ كيفيةِ رُؤيته لهما ﷺ ، فمُمْكِنٌ أن يُمثَّلا له فيَنظُرَ إليهما بعَينَيْ وجهِه، كما مُثِّلَ له بيْتُ المقدسِ حينَ كذَّبه الكفَّارُ بالإسراءِ، فنظَر إليه، وجعَل يُخبرُهم عنه (٤)، وممكنٌ أنْ يكونَ ذلك برؤيةِ القَلْب، قال اللهُ : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]. واختلَف أهلُ التَّفسيرِ في ذلك؛ فقال مجاهدٌ: فُرِجَتْ له السَّماواتُ فنظَر إلى ما فيهنَّ

стр. 1378

حتى انتهَى بصرُه إلى العرشِ، وفُرِجَتْ له الأرَضون السبعُ فنظَر إلى ما فيهنَّ؛ ذكَره حجَّاج، عن ابن جُريج، قال: أخبَرني القاسمُ بن أبي بزَّةَ، عن مجاهدٍ (١). وذكَره معمر، عن قتادةَ، قال: ملكوتُ السَّماواتِ: الشمسُ، والقمرُ، والنجومُ، وملكوتُ الأرضِ: الجبالُ، والشجرُ، والبحارُ (٢). والظاهرُ في هذا الحديثِ أنه رأى الجنةَ والنارَ رُؤيةَ عينٍ، واللهُ أعلمُ، وتناوَل من الجنةِ عنقودًا على ما ذكَر ﷺ ، ويؤيِّدُ ذلك قولُه: "فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ". فالظاهرُ الأغلبُ أنّها رُؤيةُ عينٍ (٣)؛ لأنّ الرَّؤيةَ والنَّظرَ إذا أُطلِقا فحقُّهما أنْ يُضافَا إلى رُؤيةِ العينِ إلّا بدليل لا يَحتمِلُ تَأويلًا، وإلّا فظاهرُ الكلام وحقيقتُه أوْلى، إذا لم يَمنعْ منه مانع دليلٌ يجبُ التسليمُ له. وفي الحديث أيضًا من ذكرِ الجنةِ والنارِ دليلٌ على أنّهما مخلوقتان، وعلى ذلك جماعةُ أهل العلم، وأنّهما لا يَبيدانِ من بين سائرِ المخلوقات، وأهلُ البدعِ يُنكرون ذلك. وأمّا قوله في العنقود: "ولو أخَذتُه لأكلتُم منه ما بقيَتِ الدنيا". فكما قال ﷺ . حدثني أحمدُ بن عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيس، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ السِّجسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عَمْرو بن يزيد (٤) البِكَاليِّ، عن

стр. 1379

عتبةَ بن عبدٍ السُّلميِّ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فسأله عن الجنة، وذكَر الحوضَ، فقال: قال: فيها فاكهةٌ؟ قال: "نعم، شجرةٌ تُدعَى طُوبَى". قال: يا رسول الله، أيَّ شجرٍ أرضِنا تُشْبِه؟ قال: "لا تُشبهُ شيئًا من شجرِ أرضِك، ائْتِ الشَّامَ، هناك شجرةٌ تُدعَى الجوق، تَنبُتُ على ساقٍ يُفترشُ أعلاها". قال: يا رسولَ الله، فما عِظَمُ أصلها؟ قال: "لو ارتحلْتَ جَذَعةٌ من إبلِ أهلِكَ ما أحاطت بأصلِها حتى تنكسِرَ تَرْقُوتُها هَرَمًا". قال: هل فيها عِنَبٌ؟ قال: "نعم". قال: فما عِظَمُ العنقود منها؟ قال: "مسيرةُ الغُرابِ شهرًا، لا يقَعُ ولا يُفتُرُ". قال: فما عِظَمُ حَبِّها؟ قال: "أمَا عمَد أبوك وأهلُك إلى جَذَعةٍ فذَبَحها، وسَلَخ إهابَها، فقال: افْرُوا لنا منها دلوًا". فقال: يا رسولَ الله، إنّ تلكَ الحبَّةَ لتُشبِعُني وأهلَ بيتي؟ قال: "نعم، وأهل عشيرتك" (١). قال أبو عُمر: رُوِّينا عن بعض الصحابة، لا أقِفُ على اسمِه في وَقْتي هذا، أنّه قال: كان يَسُرُّنا أن تأتيَ الأعرابُ يسألون رسولَ الله ﷺ ، فإنّهم كانوا يسألون عن أشياءَ لا نقدم نحن على السؤال عنها (٢). أو نحوَ هذا، وقال بعضُ

стр. 1380

أهل العلم: ليس في الدنيا شيءٌ ممّا في الجنة إلّا الأسماء (١). وأما قوله: "ورأيتُ النارَ، فلم أرَ كاليوم منظرًا قَطُّ، ورأيتُ أكثرَ أهلها النساءَ". فإنّه قد ثبَت عنه ﷺ من وجوهٍ أنّه قال: "اطَّلَعْتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثرَ أهلِها المساكين، واطَّلَعْتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ" (٢). حدَّثني أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ. وحدَّثني عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الترمذيُّ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا هَوذَةُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ، عن أسامةَ بن زيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قُمْتُ على باب الجنَّةِ، فإذا عامةُ من دَخَلها المساكينُ، وإذا أصحابُ الجَدِّ (٣) مَحبوسون، إلّا أصحابَ النّار فقد أُمِرَ بهم إلى النار، وقُمتُ على باب النار، فإذا عامةُ مَن دَخَلها النساءُ" (٤). وأمّا قوله في الحديث: قالوا: لمَ يا رسولَ الله؟ قال: "لِكُفرهنَّ". قيل: أيكْفُرْنَ بالله؟ قال: "وَيكْفُرنَ العَشيرَ، وَيكْفُرنَ الإحسانَ". فهكذا رواه يحيى بن

стр. 1381

يحيى: قال: "ويَكْفُرنَ العَشيرَ" بالواو (١). قالوا: وقد تابعه بعضُ من يُعَدُّ عليه ذلك أيضًا غَلَطًا كما عُدَّ على يحيى (٢)، والمحفوظ فيه عن مالك، من روايةِ ابن القاسم (٣)، وابن وهبٍ (٤)، والقعنبي (٥)، وعامة رواةِ "الموطأ" (٦)، قال: "يَكْفُرْنَ العشير". بغير واوٍ، وهو الصحيحُ في المعنى. وأما روايةُ يحيى، فالوجه فيها، والله أعلم، أن يكونَ السائلُ لَمَّا قال: أيَكْفُرْنَ بالله؟ لم يُجِبْه على هذا جوابًا مكشوفًا؛ لإحاطة العلم بأنّ من النساء من يَكْفُرْنَ بالله، كما أنّ من الرجال من يَكفُرُ بالله، فلم يَحتَجْ إلى ذلك، لأن المقصودَ في الحديث إلى غير ذلك، كأنّه قال: وإن كان من النساء من يَكْفُرْنَ باللّه، فإنهنّ كُلَّهُنَّ في الغالب من أمرهنَّ يَكْفُرْنَ الإحسانَ، ألا ترَى إلى قوله ﷺ للنساء المؤمنات: "تَصَدَّقْنَ، فإنِّي رَأيْتُكُنّ أكثرَ أهلِ النار". قرأتُ على خلفِ بن القاسم، أنّ الحُسينَ بن جعفرٍ الزيّاتَ حدَّثهم بمصرَ، قال: حدَّثنا يوسفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن

стр. 1382

جعفرٍ، عن عَمْرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ انصرَف من صلاةِ الصبح، فأتى النساءَ في المسجد، فوقَف عليهنَّ، فقال: "يا معشرَ النساء، تصَدَّقْنَ، فما رأيتُ من نواقصِ عقلٍ قطُّ ودينٍ أذهَبَ لقلوب ذوي الألباب منكنَّ، وإنِّي رأيتُكنّ أكثرَ أهل النارِ يومَ القيامة، فتقَرَّبْنَ إلى الله بما استَطَعتُنَّ". وكان في النساء امرأةُ ابن مسعودٍ. فساق الحديث، فقالت: فما نقصانُ دينِنا وعقولِنا يا رسولَ الله؟ قال: "أما ما ذَكَرتُ من نقصانِ دينكُنّ، فالحيضةُ التي تُصيبُكنّ، تَمْكُثُ إحداكُنَّ ما شاء اللهُ أن تمكُثَ، لا تصلِّي ولا تصومُ، فذلك نُقصانُ دينِكُنَّ، وأمّا ما ذكرتُ من نقصانِ عُقولِكُنَّ، فشهادةُ المرأةِ نصفُ شهادةِ الرجل" (١). وأمّا قولُه: "يَكْفُرْنَ العشيرَ، ويكْفُرنَ الإحسانَ"؛ فالعشيرُ في هذا الموضع عند أهل العلم: الزَّوجُ. والمعنى عندَهم في ذلك كُفرُ النساءِ لحُسنِ معاشرةِ الزوج، ثم عطَف على ذلك كُفرَهنَّ بالإحسان جملةً في الزوج وغيره، وقال أهل اللغة: العشيرُ: المخالِطُ، منَ المعاشرة، ومنه قولُ الله : ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣]. قال الشاعر: وتلك التي لم يَشْكُها في خَليقةٍ ... عشيرٌ وهل يشكو الكريمَ عشيرُ (٢)
следующие страницы →