← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1378–1417 · переход к 1383.

стр. 1378

حتى انتهَى بصرُه إلى العرشِ، وفُرِجَتْ له الأرَضون السبعُ فنظَر إلى ما فيهنَّ؛ ذكَره حجَّاج، عن ابن جُريج، قال: أخبَرني القاسمُ بن أبي بزَّةَ، عن مجاهدٍ (١). وذكَره معمر، عن قتادةَ، قال: ملكوتُ السَّماواتِ: الشمسُ، والقمرُ، والنجومُ، وملكوتُ الأرضِ: الجبالُ، والشجرُ، والبحارُ (٢). والظاهرُ في هذا الحديثِ أنه رأى الجنةَ والنارَ رُؤيةَ عينٍ، واللهُ أعلمُ، وتناوَل من الجنةِ عنقودًا على ما ذكَر ﷺ ، ويؤيِّدُ ذلك قولُه: "فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ". فالظاهرُ الأغلبُ أنّها رُؤيةُ عينٍ (٣)؛ لأنّ الرَّؤيةَ والنَّظرَ إذا أُطلِقا فحقُّهما أنْ يُضافَا إلى رُؤيةِ العينِ إلّا بدليل لا يَحتمِلُ تَأويلًا، وإلّا فظاهرُ الكلام وحقيقتُه أوْلى، إذا لم يَمنعْ منه مانع دليلٌ يجبُ التسليمُ له. وفي الحديث أيضًا من ذكرِ الجنةِ والنارِ دليلٌ على أنّهما مخلوقتان، وعلى ذلك جماعةُ أهل العلم، وأنّهما لا يَبيدانِ من بين سائرِ المخلوقات، وأهلُ البدعِ يُنكرون ذلك. وأمّا قوله في العنقود: "ولو أخَذتُه لأكلتُم منه ما بقيَتِ الدنيا". فكما قال ﷺ . حدثني أحمدُ بن عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيس، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ السِّجسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عَمْرو بن يزيد (٤) البِكَاليِّ، عن

стр. 1379

عتبةَ بن عبدٍ السُّلميِّ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فسأله عن الجنة، وذكَر الحوضَ، فقال: قال: فيها فاكهةٌ؟ قال: "نعم، شجرةٌ تُدعَى طُوبَى". قال: يا رسول الله، أيَّ شجرٍ أرضِنا تُشْبِه؟ قال: "لا تُشبهُ شيئًا من شجرِ أرضِك، ائْتِ الشَّامَ، هناك شجرةٌ تُدعَى الجوق، تَنبُتُ على ساقٍ يُفترشُ أعلاها". قال: يا رسولَ الله، فما عِظَمُ أصلها؟ قال: "لو ارتحلْتَ جَذَعةٌ من إبلِ أهلِكَ ما أحاطت بأصلِها حتى تنكسِرَ تَرْقُوتُها هَرَمًا". قال: هل فيها عِنَبٌ؟ قال: "نعم". قال: فما عِظَمُ العنقود منها؟ قال: "مسيرةُ الغُرابِ شهرًا، لا يقَعُ ولا يُفتُرُ". قال: فما عِظَمُ حَبِّها؟ قال: "أمَا عمَد أبوك وأهلُك إلى جَذَعةٍ فذَبَحها، وسَلَخ إهابَها، فقال: افْرُوا لنا منها دلوًا". فقال: يا رسولَ الله، إنّ تلكَ الحبَّةَ لتُشبِعُني وأهلَ بيتي؟ قال: "نعم، وأهل عشيرتك" (١). قال أبو عُمر: رُوِّينا عن بعض الصحابة، لا أقِفُ على اسمِه في وَقْتي هذا، أنّه قال: كان يَسُرُّنا أن تأتيَ الأعرابُ يسألون رسولَ الله ﷺ ، فإنّهم كانوا يسألون عن أشياءَ لا نقدم نحن على السؤال عنها (٢). أو نحوَ هذا، وقال بعضُ

стр. 1380

أهل العلم: ليس في الدنيا شيءٌ ممّا في الجنة إلّا الأسماء (١). وأما قوله: "ورأيتُ النارَ، فلم أرَ كاليوم منظرًا قَطُّ، ورأيتُ أكثرَ أهلها النساءَ". فإنّه قد ثبَت عنه ﷺ من وجوهٍ أنّه قال: "اطَّلَعْتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثرَ أهلِها المساكين، واطَّلَعْتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ" (٢). حدَّثني أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ. وحدَّثني عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الترمذيُّ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا هَوذَةُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ، عن أسامةَ بن زيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قُمْتُ على باب الجنَّةِ، فإذا عامةُ من دَخَلها المساكينُ، وإذا أصحابُ الجَدِّ (٣) مَحبوسون، إلّا أصحابَ النّار فقد أُمِرَ بهم إلى النار، وقُمتُ على باب النار، فإذا عامةُ مَن دَخَلها النساءُ" (٤). وأمّا قوله في الحديث: قالوا: لمَ يا رسولَ الله؟ قال: "لِكُفرهنَّ". قيل: أيكْفُرْنَ بالله؟ قال: "وَيكْفُرنَ العَشيرَ، وَيكْفُرنَ الإحسانَ". فهكذا رواه يحيى بن

стр. 1381

يحيى: قال: "ويَكْفُرنَ العَشيرَ" بالواو (١). قالوا: وقد تابعه بعضُ من يُعَدُّ عليه ذلك أيضًا غَلَطًا كما عُدَّ على يحيى (٢)، والمحفوظ فيه عن مالك، من روايةِ ابن القاسم (٣)، وابن وهبٍ (٤)، والقعنبي (٥)، وعامة رواةِ "الموطأ" (٦)، قال: "يَكْفُرْنَ العشير". بغير واوٍ، وهو الصحيحُ في المعنى. وأما روايةُ يحيى، فالوجه فيها، والله أعلم، أن يكونَ السائلُ لَمَّا قال: أيَكْفُرْنَ بالله؟ لم يُجِبْه على هذا جوابًا مكشوفًا؛ لإحاطة العلم بأنّ من النساء من يَكْفُرْنَ بالله، كما أنّ من الرجال من يَكفُرُ بالله، فلم يَحتَجْ إلى ذلك، لأن المقصودَ في الحديث إلى غير ذلك، كأنّه قال: وإن كان من النساء من يَكْفُرْنَ باللّه، فإنهنّ كُلَّهُنَّ في الغالب من أمرهنَّ يَكْفُرْنَ الإحسانَ، ألا ترَى إلى قوله ﷺ للنساء المؤمنات: "تَصَدَّقْنَ، فإنِّي رَأيْتُكُنّ أكثرَ أهلِ النار". قرأتُ على خلفِ بن القاسم، أنّ الحُسينَ بن جعفرٍ الزيّاتَ حدَّثهم بمصرَ، قال: حدَّثنا يوسفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن

стр. 1382

جعفرٍ، عن عَمْرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ انصرَف من صلاةِ الصبح، فأتى النساءَ في المسجد، فوقَف عليهنَّ، فقال: "يا معشرَ النساء، تصَدَّقْنَ، فما رأيتُ من نواقصِ عقلٍ قطُّ ودينٍ أذهَبَ لقلوب ذوي الألباب منكنَّ، وإنِّي رأيتُكنّ أكثرَ أهل النارِ يومَ القيامة، فتقَرَّبْنَ إلى الله بما استَطَعتُنَّ". وكان في النساء امرأةُ ابن مسعودٍ. فساق الحديث، فقالت: فما نقصانُ دينِنا وعقولِنا يا رسولَ الله؟ قال: "أما ما ذَكَرتُ من نقصانِ دينكُنّ، فالحيضةُ التي تُصيبُكنّ، تَمْكُثُ إحداكُنَّ ما شاء اللهُ أن تمكُثَ، لا تصلِّي ولا تصومُ، فذلك نُقصانُ دينِكُنَّ، وأمّا ما ذكرتُ من نقصانِ عُقولِكُنَّ، فشهادةُ المرأةِ نصفُ شهادةِ الرجل" (١). وأمّا قولُه: "يَكْفُرْنَ العشيرَ، ويكْفُرنَ الإحسانَ"؛ فالعشيرُ في هذا الموضع عند أهل العلم: الزَّوجُ. والمعنى عندَهم في ذلك كُفرُ النساءِ لحُسنِ معاشرةِ الزوج، ثم عطَف على ذلك كُفرَهنَّ بالإحسان جملةً في الزوج وغيره، وقال أهل اللغة: العشيرُ: المخالِطُ، منَ المعاشرة، ومنه قولُ الله : ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣]. قال الشاعر: وتلك التي لم يَشْكُها في خَليقةٍ ... عشيرٌ وهل يشكو الكريمَ عشيرُ (٢)

стр. 1383

وقال آخَرُ: سَلا هل قَلاني مِن عَشيرٍ صَحِبْتُه ... وهل ذَمَّ رَحْلي في الرِّفاق دخيلُ (١) حدَّثني سعيدُ بن نصر قراءةً عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا منصورٌ، قال: حدَّثنا ذَرٌّ الهَمْدانيُّ، عن وائل بن مَهانةَ، عن عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تصَدَّقْنَ يا معشرَ النساء ولو من حُليِّكنَّ، فإنكنَّ من أكثرِ أهلِ النار"، فقامت امرأةٌ ليست من عِلْيَةِ النساء فقالت: لمَ يا رسولَ الله؟ فقال: "لأنّكنّ تُكثِرنَ اللعنَ، وتَكْفُرْنَ العشيرَ". ثم قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: ما وُجد من ناقص العقل والدين أغلَبُ للرجالِ ذَوِي الرَّأي على أمورِهم من النساء. قال: فقيل: يا أبا عبد الرحمن، فما نقصانُ عقلِها ودينِها؟ فقال: أما نقصانُ عقلِها، فجَعلَ اللهُ شهادةَ امرأتين كشهادةِ رجلٍ، وأما نقصانُ دينِها، فإنّها تمَكُثُ كذا وكذا يومًا لا تُصلِّي للّه فيه سجدةً (٣).

стр. 1384

قال أبو عُمر: رواه شعبةُ، عن الحكمِ، عن ذرٍّ (١)، عن وائلِ بن مَهانةَ، عن عبد الله، عن النبيِّ ﷺ نحوَه، قال: وقال عبدُ الله: وما رأيتُ من ناقصات الدينِ والعقلِ أغْلَبَ للرجالِ ذَوِي الأمرِ منهنّ. ثم ذكَره إلى آخِرِه (٢). ورواه المسعوديُّ، عن الحكمِ، عن ذرٍّ، عن وائلِ بن مَهانةَ، عن عبدِ الله موقوفًا (٣). والصوابُ فيه روايةُ منصورٍ، عن ذرٍّ. واللهُ أعلمُ، وقد رُوي كلامُ ابن مسعودٍ هذا مرفوعًا، وقد ذكرناه (٤).

стр. 1385

وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا عبد الله بن رجاء الغُدَانيُّ، قال: أخبرنا عِمْرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن عبدِ الله بن عَمْرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنظُرُ اللهُ يومَ القيامةِ إلى امرأةٍ لا تَشكُرُ لزوجِها وهي لا تَسْتَغْني عنه" (١). وكذلك رواه سعيدُ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَنظُرُ الله إلى امرأةٍ لا تَعرِفُ

стр. 1386

حقَّ زوجِها وهي لا تَسْتَغْنِي عنه" (١). رواه شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن عبد الله بن عمرٍو موقوفًا؛ حدَّثناه عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بن مرزوقٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن عبد الله بن عمرٍو قال: "لا يَنظُرُ اللهُ إلى امرأةٍ لا تَشكُرُ لزوجِها وهي لا تَستغني عنه" (٢). وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بن زكرياء ببيتِ المقدس، قال: حدَّثنا محمدُ بن يعقوبَ بن الفرج، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا هشامُ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا القاسمُ بن فيّاضٍ، عن خلّاد (٣) بن عبد الرحمن بن جُندة (٤)، عن سعيد بن المسيِّب، أنّه سمِع ابنَ عباس يقول: إن امرأةً قالت: يا رسولَ الله، ما خيرُ ما أعدَّت المرأةُ؟ قال: "الطاعةُ للزوج، والاعترافُ بحقِّه" (٥).

стр. 1387

حديثٌ سابعٌ لزَيْد بن أسْلَم مُسنَدٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عبد الله بن عباسٍ: أن رسولَ الله ﷺ أكَلَ كتِفَ شاةٍ، ثم صلّى ولم يتوضأ. عندَ عطاءِ بن يسارٍ في هذا الباب أيضًا حديثٌ عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ﷺ ، ذكَره عبدُ الرزاق (٢)، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثني محمدُ بن يوسفَ، أنّ عطاءَ بن يسارٍ أخبَره، أن أمّ سلمةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبرتْه، أنها قرَّبتْ لرسولِ الله ﷺ جَنْبًا (٣) مَشوِيًّا، فأكَل منه، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضَّأ. وليس هذا باختلافٍ على عطاءِ بن يسارٍ في الإسناد، وهما حديثان صحيحان. قال أبو عُمر: رُوي عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "توضَّئوا ممّا غيَّرت النارُ". و: "توضّئوا ممّا مسّت النار" (٤). وذهب بعضُ مَن تكلَّم في تفسير حديث النبيِّ ﵇ إلى أنّ قولَه ﵇: "توضَّئوا ممّا مسَّت النارُ" أنّه عنَى به غَسلَ اليدِ؛ لأن الوُضوءَ مأخوذٌ من الوَضاءةِ، وهي النظافةُ، فكأنه قال: نَظِّفُوا أيديَكم من غَمَرِ (٥) ما مسَّت النارُ، ومن دَسَم ما مسَّت النارُ. وهذا لا معنَى له عندَ

стр. 1388

أهل العلم، ولو كان كما ظنَّ هذا القائلُ لكان دَسَمُ ما لم تمسَّه النارُ ووَدَكٌ (١) ما لم تمَسَّه النارُ لا يُتنظَّفُ منه، ولا تُغسَلُ منه اليدُ، وهذا لا يصحُّ عندَ ذي لُبٍّ، وتأويلُه هذا يدُلُّ على ضَعفِ نظرِه وقِلَّةِ علمِه بما جاءَ عن السلفِ في هذه المسألة، والله أعلمُ. وقوله ﷺ : "توضَّئوا ممّا مسَّت النارُ" أمرٌ منه بالوضوءِ المعهودِ للصلاةِ لمَن أكَل طعامًا مسَّتْه النارُ، وذلك عندَ أكثرِ العلماءِ منسوخٌ بأكلِه ﷺ طعامًا مسَّتْه النارُ، وصَلاتِه بعدَ ذلك دونَ أن يُحدِثَ وُضوءًا، فاستدلَّ العلماءُ بذلك على أن أمرَه بالوُضوء ممّا مسَّت النارُ منسوخٌ (٢). وأشكَل ذلك على طائفةٍ كثيرةٍ من أهلِ العلم بالمدينةِ والبصرةِ، ولم يقِفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، أو لم يَعرِفوا منه غيرَ الوجهِ الواحدِ، فكانوا يُوجِبونَ الوُضوءَ ممّا مسَّت النارُ، ويتوضَّئون من ذلك. وممن رُوِي عنه ذلك زيدُ بن ثابتٍ (٣)، وأبو موسى (٤)، وأبو هريرة (٥)،

стр. 1389

وعائشة (١) وأمُّ حَبيبة أُمّا المؤمنين (٢). واختُلِف فيه عن أبي طلحةَ الأنصاريِّ، وعن ابن عمرَ، وأنس بن مالكٍ (٣). وبه قال خارجةُ بن زيدِ بن ثابتٍ، وأبو بكر بن عبد الرحمنِ، وابنُه عبدُ الملك، ومحمدُ بن المُنكدرِ، وعمرُ بن عبد العزيز، وابنُ شهابٍ الزهريُّ (٤)، فهؤلاء كلُّهم مدنيون. وقال به (٥) من أهلِ العراق: أبو قلابةَ، وأبو مِجْلَزٍ، والحسنُ البصريُّ، ويحيى بن يَعمَرَ، وهؤلاء كلُّهم بصريُّون (٦). وكان ابنُ شهاب ﵀ قد عرَف الوجهين جميعًا في ذلك، وروَى الحديثين المتعارضين في هذا الباب، وكان يَذهبُ إلى أنّ قولَه ﷺ : "تَوضَّئوا ممّا غيَّرت النارُ" ناسخٌ لفعلِه المذكور في حديث ابن عباسٍ (٧) هذا ومثلِه. وهذا ممّا غَلِط فيه الزهريُّ مع سَعَةِ علْمِه، وقد ناظَره أصحابُه في ذلك، فقالوا: كيف يَذهَبُ الناسِخُ على أبي بكرٍ وعُمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وهم الخلفاءُ الراشدون؟! فأجابهم بأنْ قال: أعيا الفقهاءَ أنْ يَعرِفُوا ناسخَ حديثِ رسولِ الله ﷺ من منسوخِه.

стр. 1390

حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ (٢)، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، عن أبي رَزِينٍ، قال: سمعتُ الزهريَّ يقولُ: أعْيا الفقهاءَ وأعجزَهم أنْ يعرِفُوا ناسخَ حديثِ رسولِ الله ﷺ من منسوخِه (٣). ورَوَى أبو عاصم النَّبيلُ - وهو الضحاكُ بن مخَلَدٍ - عن بن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكرٍ، عن خارجةَ بن زيدِ بن ثابتٍ، عن أبيه زيدِ بن ثابتٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تَوضَّئوا ممّا غيَّرت النارُ" (٤). وجاء عن أبي هريرةَ في هذا الباب نحوُ مذهبِ ابن شهابٍ؛ لأنّ أبا هريرةَ ممن روَى عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "تَوضَّئوا ممّا مسَّت النارُ". ورَوى عنه أيضًا أنّه أكَل كَتِفَ شاةٍ، فمَضمَضَ، وغسَل يديه، وصلَّى (٥)، فكان أبو هريرةَ يتَوضَّأُ ممّا مسَّت النارُ، فدلّ ذلك على أنّ مذهبَه ومذهبَ ابن شهابٍ في ذلك سواءٌ، وأنّه اعتقدَ أنّ الناسخَ قولُه ﷺ : "توضَّئوا ممّا مسَّتِ النّارُ".

стр. 1391

فأما حديثُه في الرخصةِ في ذلك، فرواه سُهيلُ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ الله ﷺ أكَل كَتِفَ شاةٍ، فمَضمضَ، وغسَل يديه، وصلّى. ذكَره الأثرمُ (١)، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا سُهيلٌ. وذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن ابن جُريج، عن محمد بن يوسفَ، عن سُليمانَ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ: أنّه كان يتوضَّأُ ممّا مسَّتِ النارُ. وأخبرنا أحمدُ بن عبد الله وأحمدُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا مَسلمةُ (٣) بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسن العباسُ بن محمدٍ الجَوهَريُّ، ببغدادَ، قال: حدَّثنا عمِّي القاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن سُليمان، قال: حدَّثنا فُليحُ بن

стр. 1392

سُليمانَ، قال: سألنا الزُّهريَّ عن الوُضوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ، فذكَر فيه عن أبي هريرةَ، وخارجةَ بن زيدٍ، وعُمرَ بن عبدِ العزيز، وعبدِ الملكِ بن أبي بكرِ بن عبد الرحمن، وغيرِهم، أنّهم كانوا يتوَضَّئُون ممّا غيَّرتِ النارُ، فقلتُ له: إنّ هاهنا شيخًا من قريشٍ يقالُ له: عبد الله بن محمدِ بن عقيلٍ يُحدِّثُ عن جابر بن عبد الله، يقول: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ إلى أهلِ سعدِ بن الربيع، فأُتينا بخُبزٍ ولحمٍ، فأكَل وأكَلنا، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ولم يتَوضَّأْ. وأنّه رجَع مع أبي بكرٍ في خلافتِه بعدَ المغرب، فأتى أهلَه فابتَغَى عَشاءً، فقيل: ما عندنا عشاءٌ، إلَّا أنّ هذه الشاةَ ولَدَتْ، فاحتلبَ لنا من لَبَنِها ثم طَبَخ، فأكل وأكَلنا، فقال لي: ما قال لكَ؟ يعني النبيَّ ﷺ ؟ قال: قال لي: "إذا جاءَنا مالٌ أعطَيناك هكذا وهكذا وهكذا". فحَفنَ لي ثلاثَ حَفَناتٍ، ثم قُمنا إلى الصلاة، فصلَّينا ولم يَمسَّ أحدٌ منّا ماءً. وكان عمرُ بن الخطابِ ربما صَنع لنا في ولايتِه الخُبزَ واللَّحمَ، فأكَل وما يتوضَّأُ أحدٌ منا. فقال الزهريُّ: أهذا تُريدونَ؟ حدَّثني عليُّ بن عبد الله بن عباسٍ، أنّ أباهُ أخبَره، أنه رأى رسولَ الله ﷺ أكَلَ عُضوًا وصلَّى ولم يتَوضَّأْ. قال: وحدَّثني جعفرُ بن عمرِو بن أُميَّةَ الضَّمريُّ، عن أبيه، أنّه رأى رسولَ الله ﷺ أكَل عُضوًا، وصلَّى ولم يتوضَّأْ. فقلتُ للزهريِّ: فما بعد هذا؟ قال: إنّه يكونُ الأمرُ، ثم يكونُ بعدَه الأمرُ (١).

стр. 1393

قال أبو عُمر: فهذا يدُلُّكَ على أنّ ابنَ شهاب كان يذهبُ إلى أنّ الناسخَ في هذا الباب أمرُه ﷺ بالوُضوءِ ممّا مسَّت النارُ، وأظنُّه كان يقولُ: إنّ أُمَّهاتِ المؤمنينَ لا يَخفَى عليهنَّ الآخِرُ من فِعلِه ﷺ . فبهذا استدلَّ - والله أعلمُ - على أنه الناسخُ، وقد كان عندَه في ذلك ما ذكَره عبدُ الرزاق (١)، عن معمرٍ وابن جُريج، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمَةَ بن عبد الرحمن، عن أبي سفيانَ بن المغير بن الأخنس: أنّه دخَل على أمِّ حَبيبةَ فسَقَتْه سَويقًا، ثم قام يُصلِّي، فقالت: توضَّأْ يا ابنَ أخي؛ فإنّي سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "توضَّئُوا ممّا مسَّتِ النارُ". قال معمر: قال الزهريُّ: وبلَغني أنّ زيدَ بن ثابتٍ وعائشةَ كانا يتوضَّآن ممّا مسَّتِ النارُ. قال أبو عُمر: وجاء عن عائشةَ ﵂ مثلُ مذهبِ ابن شهابٍ في أنّ الناسخَ أمرُه بالوُضوءِ ممّا مسَّتِ النارُ. قرأتُ على خلفِ بن القاسم، أنّ عبدَ الله بن جَعفرِ بن الوَردِ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن عبدِ الله بن عبدِ الرحيم البَرقيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يوسفَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبد العزيز، عن عبد العزيز بن عِمْران، عن ابنٍ

стр. 1394

لعبدِ الرحمن بن عوفٍ، عن عائشةَ، قالت: كان آخِرَ الأمرين من رسول الله ﷺ الوضوءُ ممّا مسَّتِ النارُ (١). فهذا كلُّه يعضُدُ مذهبَ ابن شهابٍ في هذا الباب. ذكَر ابنُ وهبٍ، عن يونسَ بن يزيدَ، وعبدُ الرزاق (٢)، عن معمرٍ، جميعًا عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه: أنه كان يتوضَّأُ ممّا مسَّتِ النارُ. وذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن معمرٍ، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، مثلَه. وعن ابن جُريج، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عمرَ: كان لا يَطعمُ طعامًا - مسَّته النارُ أو لم تَمسَّه - إلَّا توضَّأ، وإن شرِبَ سَوِيقًا توضَّأ. قال أبو عُمر: كان ابنُ عمرَ يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ (٤)، وقد رُوِيَ عن ابن عمرَ تركُ الوُضوءِ ممّا مسَّتِ النارُ؛ ذكَره أبو بكر بن أبي شيبةَ، عن هُشيم، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ (٥). وعن وكيع، عن مِسعرٍ، عن جَبلةَ، عن ابن عمرَ (٦). وروايةُ أهلِ المدينةِ عنه أصحُّ.

стр. 1395

وذكَر عبد الرزاق (١)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: أنها كانتْ تتوضَّأْ ممّا مسَّتِ النارُ. وعن معمر، عن الزهريِّ: أنّ عُمرَ بن عبد العزيز كان يتوضَّأُ ممّا مسَّتِ النارُ، حتى كان يتوضَّأُ من السُّكّر (٢). قال عبد الرزاق (٣): وكان معمرٌ والزهريُّ يتوضَّآنِ ممّا مسَّت النارُ. وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ بن يزيدَ، قال: قال لي ابنُ شهابٍ: أطعني وتوضَّأْ ممّا غيَّرتِ النارُ. فقلتُ: لا أُطيعُك وأدَعَ سعيدَ بن المسيِّب. فسكتَ. أخبرني أبو القاسم خلفُ بن القاسم الحافظ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن عمرَ بن راشدٍ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زرعة، قال (٤): حدَّثني الوليدُ (٥) بن عُتبةَ، عن أبي صالح، عن الليثِ بن سعدٍ، عن يونسَ، قال: قال لي ابنُ شهابٍ: أطِعني وتوضَّأْ ممّا مستِ النارُ. قال: قلتُ: لا أُطِيعُكَ وأدَعَ سعيدَ بن المُسيِّب. وأخبرني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن عمرَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعة، قال (٦): حدَّثنا عليُّ بن عيّاش (٧)، قال: حدَّثنا شُعيبُ بن أبي حمزةَ (٨)،

стр. 1396

قال: مَشيتُ بين الزهريِّ ومحمد بن المُنكدِرِ في الوُضوء ممّا مسَّتِ النارُ، وكان الزهريُّ يراه وابنُ المنكدِرِ لا يرَاه، واحتجَّ الزهريُّ بأحاديثَ، فلم أزلْ أختَلِفُ بينهما حتى رجَع ابنُ المُنكدرِ إلى قول الزهريِّ. وأخبَرني (١) أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن سَلْمان (٢) بن الحسن النَّجَّاد الفقيهُ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: كان معمرٌ يتوضَّأُ ممّا غيَّرت النارُ. فقال له ابنُ جريج: أنتَ شهابيٌّ يا أبا عُروة (٣). وقد روَى عفّانُ، عن همّام، عن قتادةَ، قال: قال لي سلمانُ بن هشام: إنّ هذا - يعني الزهريَّ - لا يدَعُنا إن كان شيء أمَرنا أنْ نتوضَّأْ - يعني ممّا مسَّتِ النارُ - فقلتُ له: سألتُ سعيدَ بن المسيِّب فقال: إذا أكَلتَه فهو طيِّبٌ، ليس عليك فيه وُضوءٌ، فإذا خرج وجَب عليك فيه الوُضوء (٤). حدَّثنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بن زَبّان (٦)، قال: حدَّثنا زكريا بن يحيى كاتبُ العُمريِّ، قال: حدَّثنا

стр. 1397

المفضَّل (١) بن فَضالةَ، عن عيَّاش بن عبَّاسٍ القِتْبانيِّ، أنّه كتب إلى يحيى بن سعيدٍ يسألُه: هل يُتوضَّأُ ممّا مسَّتْه النارُ؟ فكتَب إليه: هذا ممّا يُختَلَفُ فيه، وقد بلَغنا عن أبي بكرٍ وعُمرَ أنّهما أكَلا ممَّا مسَّتِ النارُ، ثم صلَّيا ولم يتوَضَّآ (٢). وأمّا عمرُ بن عبد العزيز، فإنّه كان عندَه في هذا الباب ما رواه معمرٌ وابنُ جُريج، عن الزُّهريِّ، عن عُمرَ بن عبد العزيز، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن قارظٍ، قال: مرَرتُ بأبي هريرةَ وهو يتوضَّأُ، فقال: أتدري ممَّ أتوضَّأُ؟ أتوضَّأُ من أثوارِ أقِطٍ أكَلتُها؛ لأنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "توضَّئوا ممّا مسَّتِ النارُ" (٣). ولعلَّ عمرَ بن عبد العزيز لم يُرَوَّ في هذا الباب غيرَ هذا الحديث فذهَبَ إليه، ولعلَّه كان وُضوؤُه من ذلك ابتغاءَ الفضلِ، وهروبًا من الخلاف، مع شِدَّةِ احتياطِه في الدِّين. قال أبو عُمر: لقُوَّةِ الاختلاف في هذه المسألة بالمدينةِ بين علمائها، أشبَعَ مالكٌ ﵀ في "موطَّئه" هذا البابَ وشدَّه وقوَّاه، فذكَر فيه عن النبيِّ ﷺ من حديثِ ابن عباسٍ وسُويدِ بن النُّعمان (٤)، وهما إسنادان صحيحان (٥)، وذكَر فيه

стр. 1398

عن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، و عبدِ الله بن عباسٍ، وعامرِ بن ربيعةَ وأبي طلحةَ الأنصاريِّ، وجابرِ بن عبد الله، وأُبيِّ بن كعب، أنّهم كانوا لا يتوضَّئون ممّا مسَّتِ النارُ. وما ذكَره مالكٌ في "مُوطَّئه" (١) عن أبي طلحةَ يدُلُّ على أنّ المنسوخَ أمرُ النبيِّ ﷺ بالوُضُوءِ ممّا مسَّتِ النارُ؛ لأنّ أبا طلحةَ روَى الأمرَ بالوُضوءِ من ذلك عن النبيِّ ﷺ ، وكان لا يتوضَّأُ، فدلَّ ذلك على أنه منسوخٌ عندَه؛ لأنّه يستحِيلُ أنّ يأخذَ بالمَنْسوخ ويدَعَ الناسخَ وقد عَلِمَه. وروايةُ أبي طلحةَ في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن القاسم البَصْريُّ بالبصرة، قال: حدَّثنا حاتمُ بن بُكيرِ بن بلالِ بن غَيلانَ، قال: حدَّثنا بشرُ بن عُمرَ الزَّهرانيُّ (٢)، قال: حدَّثنا همَّامٌ، عن مطر الورَّاق، عن الحسن، عن أنسِ بن مالكٍ، عن أبي طلحةَ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "توضَّئُوا ممّا غيَّرتِ النارُ" (٣).

стр. 1399

وحدَّثني خلفُ بن سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز (١)، قال: حدَّثنا الحَوضيُّ أبو عُمرَ حفصُ بن عُمَرَ، قال: حدَّثنا همّامٌ، قال: قيل لمَطَرٍ وأنا عندَه: عمَّنْ أخذَ الحسنُ الوضوءَ مّما غيَّرتِ النارُ؟ فقال: أخذَه الحسَنُ عن أنسٍ، وأخَذَه أنسٌ عن أبي طلحةَ، وأخذَه أبو طلحةَ عن رسول الله ﷺ . وهذا يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ممن أخَذَ الحسنُ الحديثَ الذي كان يُحدِّثُ به عن النبيِّ ﷺ في الوضُوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ؟ فقال له: أخَذَه الحسَنُ عن أنس، وأخَذه أنسٌ عن أبي طلحةَ، وأخَذَه أبو طلحةَ عن النبيِّ ﷺ . وليس في هذا ما يدُلُّ على أنّ أبا طلحةَ عَمِل به بعدَ النبيِّ ﷺ . هذا على أنّ مطرًا الورَّاقَ ليس ممَّنْ يُحتجُّ به. ويعضُدُ هذا التأويلَ ما ذكَرَه مالكٌ في "مُوطَّئه" (٢)، عن موسى بن عُقبةَ، عن عبد الرحمن بن زَيْدٍ (٣) الأنصاريِّ، عن أنسٍ: أنّ أبا طلحةَ وأبيَّ بن كعبٍ

стр. 1400

أنكرا عليه الوُضُوءَ ممّا غيَّرتِ النارُ. فلو أنّ هذا الحديثَ عند أبي طلحةَ غيرُ منسوخ، لم يُنكِرْ ذلك على أنسٍ، والله أعلمُ. وقد رَوى (١) هذه القصةَ عن عبد الرحمنِ بن زيدٍ جماعةٌ من أهلِ المدينة. أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمد بن عليٍّ، قال: أخبَرني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطيسٍ، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني أسامةُ بن زيدٍ الليثيُّ، قال: حدَّثني عبد الرحمن بن زيدٍ الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أنسُ بن مالكٍ، قال: بينا أنا وأبو طلحة الأنصاريُّ وأُبيُّ بن كعبٍ أُتينا بطعام سُخنٍ، فأكَلتُ ثم قمتُ فتوضَّأتُ، فقال أحدُهما لصاحبه: أعراقيةٌ (٢)؟! ثم انتَهراني، فقلتُ: إنّهما أفقهُ منِّي (٣). وذكَر الطحاويُّ (٤)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داودَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريم، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوبَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن رافع (٥)، عن

стр. 1401

عبد الرحمن بن زيدٍ الأنصاريِّ، عن أنس بن مالكٍ، قال: أكلتُ أنا وأبو طلحةَ وأبو أيوبَ الأنصاريُّ طعامًا قد مسَّته النارُ، فقُمتُ لأتوضَّا، فقالا لي: أتتوضَّأُ من الطيبات؟ لقد جئتَ بها عراقيّةً. هكذا ذكَر الطحاويُّ هذا الخبرَ بهذا الإسناد، فقال فيه: "وأبو أيوبَ". والمحفوظ من رواية الثِّقات: "وأُبيُّ بن كعب" كما قال مالكٌ والأوزاعيُّ (١). وأظنُّ الوَهمَ فيه من يحيى بن أيوبَ، أو من إسماعيلَ بن رافع، والله أعلمُ. وقد رُوِيَ عن أنسٍ أنّه لم يكُنْ يتوضَّأُ من الطعام مثلَ وُضُوئه للصلاة، وذكَر العقيليُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد النَّوفليُّ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن الحسنِ المَروَزِيُّ، قال: حدَّثنا الهَيثمُ بن جَميلٍ (٢)، قال: حدَّثنا غالبُ بن فَرقدٍ، قال: صلَّيتُ مع أنس بن مالكٍ المغربَ، فلما انصرفنا دَعَا بمائدةٍ فتعشَّى، ثم دعَا بوَضوءٍ، فغسَل يدَيه، ومَضمَضَ فاهُ، وغسَل يدَيهِ وذراعيه ووجهَه، ثم جَلَسنا حتى حضَرَت العَتَمةُ، فصلَّى بذلك الوُضُوءِ ولم يغسِلْ رِجْلَيهِ. فهذا يدُلُّ على أنّ ذلك لم يكُنْ عندَه حدَثًا ينقُضُ الوُضوءَ. ورَوَى عن النبيِّ ﷺ ترْكَ الوُضُوء ممّا مسَّتْه النارُ: أُمُّ سلمَة، وميمونةُ، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وابنُ مسعودٍ، وضُباعةُ ابنةُ الزُّبير، وأبو رافع، وجابرٌ، وعَمرُو بن أُميّةَ، وأمُّ عامرٍ بنتُ يزيدَ بن السَّكن - وكانت من المبايعات - وابنُ عباسٍ، وسُويدُ بن النُّعمان، وكثيرٌ - رجلٌ من الصحابة (٣) - كلُّ هؤلاء رَوَوه

стр. 1402

عن النبيِّ ﷺ (١). ورُوِيَ أيضًا من حديث أبي هريرةَ (٢)، وقد ذكَرَناه. ومما يستبينُ به أنّ الأمرَ بالوُضُوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ منسُوخٌ، أنّ عبدَ الله بن عباسٍ شهِدَ رسولَ الله ﷺ أكَلَ لحمًا وخبزًا، وصلَّى ولم يتَوضَّأْ. ومعلومٌ أنّ حِفظَ ابنِ عباسٍ من رسول الله ﷺ متأخرٌ. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمان بن حرب (٣)، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ،

стр. 1403

عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن ابن عباسٍ: أنّ النبيَّ ﷺ تعرَّقَ كَتِفًا، ثم قامَ فصلَّى ولم يتوضَّأْ. وأخبرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمد بن عليٍّ، أنّ أباه أخبَره، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ (١)، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمد بن عَمْرو بن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بيتِ ميمونةَ، فجاء بلالٌ فآذنَه بالصلاة، فخَرجَ وخرَجنا معه، فاستقبلَتنا هديَّةٌ من خُبزٍ ولحمٍ، فرجع ورجعنا معه، فأكلَ وأكَلنا، ثم خرَجنا إلى الصلاة ولم يمسَّ ماء (٢). وذكر حمادُ بن سلمةَ أيضًا، عن هشام بن عروةَ، عن أبي نعيم وَهْبِ بن كيسانَ، عن محمدِ بن عَمْرو بن عطاءٍ، عن ابن عباس نحوَه (٣).

стр. 1404

وذكَرَ عبدُ الرزاق (١)، عن ابن جُريج، قال: سمعتُ محمدَ بن إسحاقَ يُحدِّثُ عن خالِه (٢)، قال: كان ابنُ عباسٍ يومَ الجمعة يُبسَط له (٣) في بيت خالتِه ميمونةَ فيحدِّثُ، فقال له رجلٌ (٤): أخبرني عمّا مسَّتِ النارُ (٥)؟ فقال ابنُ عباس: لا أخبرُك إلّا بما رأيتُ من رسول الله ﷺ ، كانَ هو وأصحابُه في بيته، فجاءَه المُؤذِّنُ، فقام إلى الصلاة، حتى إذا كان بالباب لُقيَ بصَحْفَةٍ فيها خُبزٌ ولحمٌ، فرَجَعَ بأصحابِه، فأكَلَ وأكلوا، ثم رَجَع إلى الصلاة ولم يتَوضَّأ (٦). يقولون: إنّ خالَ محمدِ بن إسحاقَ محمدُ بن عَمْرو بن حَلحَلة الدِّيليُّ؛ فإنْ كان كذلك، فبينَ محمدِ بنِ إسحاقَ وبينَ محمدِ بن عمرو بن عطاءٍ العامريِّ في هذا الحديث محمدُ بن عمرو بن حَلحَلةَ، ولمحمد بن عمرو بن حَلحلةَ عن محمد بن عمرو بن عطاءٍ أحاديث (٧) (٨).

стр. 1405

وذكَرَ عبدُ الرزاق أيضًا (١) عن ابن جُريج، قال: أخبرني محمدُ بن يوسفَ، أنّ سُليمانَ بن يَسارٍ أخبَرَه، أنّه سمِعَ أبا هريرةَ وابن عباس ورأى أبا هريرةَ يتوضَّأُ، ثم قال أبو هريرة: بُنَيَّ عباس، أتدري بُنيَّ عباس ممَّ أتوضَّأُ؟ توضَّأتُ من أثوارِ أقِطٍ أكَلتُها. فقال ابن عباسٍ: ما أُبالي ممّا توضَّأتَ، أشهدُ لرأيتُ رسولَ الله ﷺ أكَلَ كتِفَ لحمٍ، ثم قام إلى الصلاةِ وما توضَّأ. وقد روَى هذا الحديثَ عن ابن عباسٍ: عطاءُ بن يسارٍ، وسُليمانُ بن يسارٍ، ومحمدُ بن عَمْرو بن عطاءٍ، وعُمرُ بن عطاءِ بن أبي الخُوارِ، وابنُه عليُّ بن عبد الله بن عباسٍ، وعكرمةُ مولاه، ومحمدُ بن سيرينَ، وغيرُهم (٢)، إلَّا أنّ عكرمةَ ذكر في هذا الحديث لفظةً زائدةً (٣). حدَّثنا خلف بن سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جامع (٤)؛ قالا: حدَّثنا

стр. 1406

عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ (١)، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن سِماكٍ، عن (٢) عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ أكَلَ كَتِفًا مَهريَّةً - يعني نَضِجةً - ثم مسَح يدَه، ثم صلَّى (٣). هكذا جاءَ في هذا الحديث تفسيرُ "مهريّةً"، وهو أولَى ما قيل في ذلك إن شاءَ الله. وذَكرَ أبو عُبيدٍ (٤) "مُؤَرَّبَةً" بالهمز، وفسَّرها أنّها مُوفَّرةٌ، ثم قال: هو مأخوذٌ من الإرْب؛ يعني: العُضْو (٥). فهذه طُرقُ حديث ابن عباسٍ أو بعضُها، وهو حديثٌ قد رواه معه مَن تقدَّمَ ذكرُنا له من وُجوهٍ صِحاحٍ كلِّها، والحمدُ لله. وقد قال جابرٌ: إنّ الناسخَ في هذا الباب ترْكُ الوُضُوءِ ممّا مسَّتِ النارُ. وخالفَتْهُ في ذلك عائشةُ. أخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا ابن أبي العَقِبِ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ عبدُ الرحمن بن عمرٍو الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عيّاش، قال: حدَّثنا شُعيبُ بن أبي حمزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبد الله، قال: كان آخرَ الأمرينِ من رسول الله ﷺ ترْكُ الوُضوءِ ممّا غيَّرتِ النارُ (٦).

стр. 1407

وقد ذكَرنا حديثَ محمدَ بنَ المُنكدر بما يجبُ القولُ فيه في كتابنا هذا في باب محمدِ بن المُنكدِرِ؛ لأنّ مالكًا أرسله عنه، ووَصَله غيرُه، وقد ذكَرناه على شَرطِنا، وبالله التوفيقُ. فهذا وَجهُ القولِ في هذا الباب من جهة الآثار. وأمّا طريقُ النَّظر، فإنَّ الأصلَ ألّا يُنتَقَضَ وُضوءٌ مجُتمعٌ عليه إلَّا بحَدَث (١) مُجتمعٍ عليه، أو بدليلٍ من كتابٍ أو سُنّةٍ لا مُعارِضَ له. حدَّثنا (٢) عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ، عن رجاءٍ قال: سألتُ الوليدَ بن هشام عمّا غيَّرتِ النارُ، فقال: إنِّي لستُ بالذي أُسألُ. قلتُ: عليَّ ذلك. قال: كان مكحُولٌ - وكان أعظمَ فِقهًا - يتوضَّأُ منه، فلقِيَ مَن أثبتَ له الحديثَ أنّه ليس فيه وُضُوءٌ، فتركَ الوُضوءَ (٣). أخبَرنا (٤) أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْل، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن هشام البَيروتيُّ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: سألتُ ابنَ شهابٍ عن الوُضوء ممّا غيَّرتِ النارُ، فقال لي: توضَّأ. قلتُ: عمَّن؟ قال: عن ابن عمرَ، وأبي سعيد الخُدريِّ، وأبي هريرةَ، وزيد بن ثابتٍ، وأنسِ بن مالكٍ، وعائشةَ، وأمِّ سلمةَ. قلتُ: فأبو بكرٍ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فعمرُ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فعثمانُ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فعليٌّ؟ قال:

стр. 1408

لم يكُنْ يتوضَّأُ. قلتُ: فابنُ عباسٍ؟ قال: لم يكُنْ يتوضَّأُ. قال: فقلتُ له: أرأيتَ إن سألتُكَ رجالًا مِثلَ رجالي؟ فقال: إذًا لأتيتُكَ بهم (١). حدَّثنا أبو الفضل أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبد الرحمن، وأبو عثمانَ يعيشُ بن سعيدِ بن محمدٍ الورَّاقُ الإمامُ، وأبو عبد الله محمدُ بن حكمٍ، قالوا: أخبَرنا أبو بكرٍ محمدُ بن معاويةَ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بن الحُبابِ الجُمحيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسلمَةَ القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن مسلم القَسْمَليُّ، عن اليزيدِ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسَم، قال: بينما نحنُ عندَ ابن عباس إذ أُتِيَ بجَفْنَةٍ فيها ثَريدٌ، قال: خُذُوا باسم الله، وكُلُوا من نَواحيها وذَرُوا الذِّروةَ؛ فإنّ في الذِّروَةِ البَرَكةَ. فأكلنا، ثم دعا بماءٍ فشرِبَه، ثم قام إلى الصلاةِ، فقلتُ: يا ابنَ عباسٍ، إنّ الناسَ يقولون: إنّ فيما غيَّرتِ النارُ من الطعام الوُضوءَ. فقال: لولا النارُ ما أكَلناه، وما زادَتهُ النارُ إلا طيبًا، وإنما الوُضوءُ فيما يخرُجُ، وليس فيما يدخُلُ، وصلَّى بنا على بساطٍ (٢). وممّن قال بإسقاطِ الوُضوءِ ممّا مسَّت النارُ؛ أبو بكرٍ الصِّديقُ، وعمرُ بن الخطاب، وعثمانُ بن عفانَ، وعليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وعبدُ الله بن

стр. 1409

عباسٍ، وعامرُ بن ربيعةَ، وأُبيُّ بن كعبٍ، وأبو الدَّرداء، وأبو أُمامةَ (١). وقال بذلك من فقهاءِ الأمصار: مالكٌ، فيمَن قال بقوله من أهل المدينةِ وغيرهم، وسفيانُ الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بن حَيٍّ، وسائرُ أهل الكوفة، والأوزاعيُّ في أهل الشام، والليثُ بن سعدٍ، والشافعيُّ ومَن اتَّبعَه، وأحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وإسحاقُ بن راهُويَة، وأبو عُبيدٍ، وداودُ بن عليٍّ، ومحمدُ بن جريرٍ الطبريُّ، وجماعةُ أهلِ الأثر، إلّا أنّ أحمدَ بن حنبل وطائفةً من أهل الحديث يقولون: مَن أكَلَ لحمَ الجَزورِ خاصةً فقد وجَب عليه الوُضوءُ، وليس ذلك عليه في شيء مسَّتهُ النارُ غيرَ لحم الجَزور. وقال أحمدُ: فيه حديثان صحيحان؛ حديثُ البراءِ، وحديثُ جابر بن سَمُرة، يعني عن النبيِّ ﷺ . وكذلك قال إسحاقُ بن راهُوية. ذكَرَه الأثرمُ عن أحمدَ، وذكَره إسحاقُ بن منصورٍ الكَوسَجُ عن إسحاقَ (٢). قال أبو عُمر: حديثُ البَراء حدَّثناه سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٣):

стр. 1410

حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبد الله بن عبد الله الرازيِّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البَراء بن عازبٍ، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن الوُضوء من لُحوم الإبل، فقال: "توضَّئُوا منها". وحديثُ جابرِ بن سَمُرةَ رواه أبو عوَانةَ (١)، عن عثمانَ بن عبدِ الله بن مَوهبٍ، عن جعفرِ بن أبي ثورٍ، عن جابرِ بن سمُرةَ، أن رجلًا سأل رسولَ الله ﷺ : أتَوضَّأُ من لُحُوم الغَنم؟ قال: "إن شِئتَ فتَوضَّأْ، وإنْ شِئتَ فلا تتَوضَّأْ". قال: أتوضَّأُ من لُحوم الإبل؟ قال: "نعم، توضَّأْ من لُحوم الإبل". رواه شعبةُ، وزائدةُ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن جعفرِ بن أبي ثورٍ، عن جابرِ بن سَمُرَة، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٢).

стр. 1411

وممّن قال بقول أحمدَ هذا في لَحم الإبلِ خاصّةً: إسحاقُ بن راهُويَة، وأبو ثورٍ، ويحيى بن يحيى النَّيسابُوريُّ، وأبو خَيثَمة، وهو قولُ محمد بن إسحاق (١). وأما قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثوريِّ، والليث، والأوزاعيِّ، فكُلُّهم لا يَرَون في شيءٍ مَسَّتْه النارُ وُضُوءًا على مَن أكَلَه، سواءٌ عندَهم لحمُ الإبل في ذلك وغير الإبل؛ لأن في الأحاديث الثابتة أن رسولَ الله ﷺ أكلَ خُبزًا ولَحمًا وأكَل كَتِفًا - ونحوُ هذا كثير - ولم يَخُصَّ لحمَ جَزُورٍ من غيرِه، وصلَّى ولم يتَوضَّأْ، وهذا ناسخٌ رافعٌ عندَهم لمَا عارَضَه، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا له، وبالله التوفيق (٢). قال أبو عُمر: قد تأوَّلَ بعضُ الناسِ في هذا الحديث في قوله ﷺ : "توَضَّئُوا ممّا مسَّتِ النّارُ": أنّه أُريدَ به غَسلُ اليد، فلمّا سَمِع أبو هريرةَ قولَه هذا ورَاهُ ﷺ يتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، ظَنَّ أنّ ذلك أُرِيدَ به الوُضوءُ للصلاة. قال أبو عُمر: هذا ليس بشيءٍ، وقد تقدَّمَ ردُّ هذا القول، ودَفعُ هذا التأويل، وقد اجْتَلَبْنا في هذا الباب ما تبيّنَ به جهلُ هذا المُتكلِّفِ في تأويلِه هذا، وبالله التوفيق. حدَّثني أبو القاسم عبدُ الرحمن بن عبد الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن عبد الله بن صالح الأبْهريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عُميرٍ، قال: حدَّثنا عمرٌو (٣)، قال: حدَّثنا عُقبةُ بن عَلقَمةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: كان مَكحُولٌ

стр. 1412

يتَوضَّأُ ممّا مسَّتِ النارُ، حتى لَقِيَ عطاءَ بن أبي رباح فأخبَرَه عن جابر بن عبد الله، أنّ أبا بكرٍ الصديقَ أكَلَ ذِراعًا أو كَتِفًا ثم صلَّى ولم يتَوضَّأْ، فتَركَ مكحُولٌ الوُضوءَ، فقيل له: أتَرَكتَ الوُضوءَ ممّا مسَّتِ النارُ؟ فقال: لأنْ يقَعَ أبو بكرٍ من السماءِ إلى الأرضِ أحبُّ إليه من أن يُخالِفَ رسولَ الله ﷺ . وذكَرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عارِمٌ (١) وسليمانُ بن حَربِ، قالا: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: سمعتُ أيوبَ (٢) يقولُ لعثمانَ البَتِّيِّ: إذا سَمِعتَ أمرًا عن النبيِّ ﵇ أو بَلَغَكَ، فانظُرْ ما كان عليه أبو بكرٍ وعُمرُ فشُدَّ به يدَيك. قال: وحدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن خالدٍ الحَذَّاء، قال: كانوا يَرَون الناسخَ من حديثِ رسولِ الله ﷺ ما كانَ عليه أبو بكرٍ وعمرُ ﵄. قال حمادٌ: وكان رَأيُ خالدٍ أحبَّ إلينا من حديثه. قال: وحدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: كان أبو بكرٍ وعمرُ أتبَعَ الناس لهَدْيِ رسولِ الله ﷺ (٣). وقد روَى عِكْراش بن ذُؤيبٍ عن النبيّ ﷺ صفةَ الوضوء ممّا غيَّرت النارُ، ولم أرَ لذكره معنًى؛ لأنّ إسنادَه ضعيفٌ لا يُحْتجَّ بمثلِهِ، وأهلُ العِلْم ينكرونَهُ (٤).

стр. 1413

حديثٌ ثامنٌ لزَيْد بن أَسْلَم يَجْري مَجْرى المُتصل وهو صحيحٌ من وجوه مالكٌ (١)، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبد الله الصُّنَابحيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ الشَّمْسَ تطلُعُ ومعها قَرْنُ الشَّيطان، فإذا ارتَفَعَتْ فارقَها، ثم إذا اسْتَوَتْ قارَنَها، فإذا زَالتْ فَارقَها، فإذا دَنَتْ للغُروبِ قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارقَها". ونَهَى رسولُ الله ﷺ عن الصلاةِ في تلك الساعات. هكذا قال يحيَى في هذا الحديث عن مالكٍ: عن عبدِ الله الصُّنابِحيُّ. وتابَعَه القَعْنَبيُّ (٢) وجمهورُ الرُّواةِ عن مالكٍ (٣). وقالت طائفة، منهم مُطَرِّفٌ، وإسحاقُ بن عيسَى (٤) الطبَّاعُ، فيه: عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن عطاءٍ، عن أبي عبد الله الصُّنَابِحيِّ (٥). واختُلِفَ عن زيدِ بن أسلمَ في ذلك من حديثِه هذا؛ فطائفةٌ قالتْ عنه في ذلك: عبدُ الله الصُّنابحيُّ. كما قال مالكٌ في أكثرِ الرِّوايات عنه، وقالت طائفةٌ أخرى: عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابحيِّ. وممّن قال ذلك معمرٌ، وهشامُ بن سعدٍ، والدَّراوَرديُّ، ومحمدُ بن مُطَرِّفٍ أبو غسّان، وغيرُهم.

стр. 1414

ذكَر عبد الرزاق (١)، عن مَعْمَرٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابحيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الشمسَ تَطلُعُ بين قَرْنَي الشيطان - أو قال: يَطْلُعُ معها قَرْنُ الشيطان - فإذا ارتفَعَتْ فارقَها، فإذا كانت في وسطِ السماءِ قارَنَها، فإذا دَلَكَتْ - أو قال: زالَتْ - فارَقَها، فإذا دَنَتْ للغرُوب قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارقَها (٢)، فلا تُصلُّوا هذه الثلاثَ ساعات". وقال البخاريُّ (٣)، عن ابن أبي مريمَ، عن أبي غسّانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابحيِّ أبي عبد الله، عن النبيِّ ﷺ في الوضوءِ وفَضلِه. وكذلك قال اللَّيْثُ بن سعدٍ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابِحيِّ، فذكَر حديثَ النَّهْي عن الصلاة في الثلاثِ ساعات (٤). والصوابُ عندَهم قولُ مَن قال فيه: أبو عبد الله، وهو عبدُ الرحمن بن عُسَيْلَة، تابعيٌّ ثقةٌ، ليسَتْ له صحبةٌ. وروَى زُهيرُ بن محمدٍ هذا الحديثَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ، عن عبد الله الصُّنابِحيِّ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ . فذكَره (٥). وهو خطأٌ عند أهل العلم، والصُّنابِحيُّ لم يَلْقَ رسولَ الله ﷺ ، وزهيرُ بن محمدٍ لا يُحْتَجُّ به، وقد

стр. 1415

صَحَّفَ فجعَلَ كُنيَتَه اسمَه (١)، وكذلك فعَل كلُّ مَن قال فيه: عبدُ الله؛ لأنّه أبو عبدِ الله. وقد قال فيه الصَّلْتُ بنُ بهْرامَ: عن الحارثِ بن وَهْب، عن أبي عبدِ الرحمن الصُّنابحيِّ (٢). فهذا صَحَّفَ أيضًا؛ فجعَل اسمَه كُنيتَه، وكلُّ هذا خطأٌ وتصحيفٌ. والصوابُ ما قاله مالكٌ فيه في رواية مطَرِّفٍ وإسحاقَ بن عيسى الطبّاع، ومَن رواه كروايَتِهما، عن مالكٍ، في قولهم في عبد الله الصُّنابحيِّ: أنّ كُنيَتَه أبو عبد الله، واسمَه عبدُ الرحمن. والله المستعانُ. وقد رُوِيَ عن ابن مَعينٍ أنّه قال: عبدُ الله الصُّنابحيُّ يَرْوي عنه المدَنيُّون، يُشبِهُ أنْ تكونَ له صحبةٌ (٣). وأصَحُّ من هذا عن ابن مَعينٍ أنه سُئِلَ عن أحاديث الصُّنابِحيِّ عن النبي ﷺ ، فقال: مرسلةٌ، ليستْ له صُحْبة. قال أبو عُمر: صدَق يحيى بن معين، ليسَ في الصحابةِ أحَدٌ يقالُ له: عبدُ الله الصُّنابحيُّ، وإنما في الصَّحابة الصُّنابحُ الأحْمَسيُّ، وهو الصُّنَابحُ بن الأعسرِ، كوفيٌّ، روَى عنه قيس بن أبي حازم أحاديثَ؛ منها حديثُه في الحَوضِ (٤)،

стр. 1416

ولا في التابعين أيضًا أحدٌ يقالُ له: عبدُ الله الصُّنابِحيُّ. فهذا أصحَّ قولَ مَن قال: إنّه أبو عبد الله. لأنّ أبا عبد الله الصُّنابحيَّ مشهورٌ في التابعين، كبيرٌ مِن كُبرائهم، واسمُه عبدُ الرحمن ابنُ عُسَيْلَةَ، وهو جليلٌ، كان عُبادةُ بن الصامت كثيرَ الثناء عليه (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال: حدَّثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ (٢)، قال: حدَّثنا رجاءُ بن أبي سلمةَ والعلاء بن هارونَ، عن ابن عَوْنٍ (٣)، عن رجاءِ بن حَيْوَةَ، عن محمودِ بن الرَّبيع، قال: كنّا عندَ عُبادةَ بن الصامت نَعُودُه، إذ جاء أبو عبد الله الصُّنابِحيُّ، فلمّا رآه عُبادةُ قال: لئن شُفِّعْتُ لأشْفَعَنَّ لك، ولئنْ قَدَرْتُ لأنْفَعَنَّك، ولئنْ سُئِلْتُ لأشْهَدنَّ لك. ثم قال: مَن سَرّه أن ينظُرَ إلى رجلٍ كأنّه رُفِعَ فوقَ سبعِ سماواتٍ ثم رُدَّ، فعمِل على ما رأى، فلْينظُرْ إلى أبي عبدِ الله؛ يعني: الصُّنابِحيَّ. قال أحمدُ بن زهيرٍ: وحدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن محمدِ بن عَجلانَ، عن محمدِ بن يحيَى بن حبَّانَ، عن ابن مُحَيْريزٍ، عن الصُّنابحيِّ، قال: دخَلتُ

стр. 1417

على عُبادةَ بن الصامتِ وهو في الموت، فبكَيتُ، فقال: مهْلًا، لِمَ تَبْكي؟ فوالله لئنْ استُشْهِدْتُ لأشْهَدَنَّ لك (١). وذكَر نحوَه، وحديثُ ضَمْرَةَ أتمُّ. وذكَر ابنُ وَهْبٍ (٢)، عن عمرِو بن الحارث، عن ابن أبي حبيبٍ، عن أبي الخَيْر (٣)، عن الصُّنابحيِّ، أنّه قال له: متى هاجَرْتَ؟ قال: خرَجْنا من اليمن مُهاجرينَ، فقدِمْنا الجُحْفَةَ، فأقبَل راكبٌ، فقلتُ: الخَبَرَ؟ فقال: دَفَنّا النبيَّ ﷺ منذُ خَمْس. وقال ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن مَرْثَدِ بن عبد الله اليَزَنيِّ، عن عبد الرحمن بن عُسَيْلَةَ، قال: لم يكُنْ بيني وبين وفاةِ رسولِ الله ﷺ إلّا خَمسُ ليالٍ، توفِّيَ وأنا بالجُحْفَة، فقدِمتُ وأصحابُه مُتوافرون، فسألتُ بلالًا عن ليلة القدر؟ فقال: ليلةُ ثلاثٍ وعشرين (٤). قال أبو عُمر: قدِم الصُّنابحيُّ هذا يومئذٍ المدينةَ، فصلَّى وراءَ أبي بكر الصِّديق المغربَ، فسمِعه يقرأُ في الركعةِ الآخرةِ بعدَ أُمِّ القرآن: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (٥). وهو معدودٌ في تابعي أهلِ الشام، وبها تُوفِّي. وأحاديثُه التي في "الموطَّأ" مشهورةٌ، جاءتْ عن النبيِّ ﷺ من طُرُقٍ شتَّى من حديثِ أهل الشام، وممَّن رَواها عن النبيِّ ﷺ : عُقبةُ بن عامرٍ، وعَمْرُو بن عَبَسةَ، وأبو أمامةَ
следующие страницы →