← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1413–1452 · переход к 1418.

стр. 1413

حديثٌ ثامنٌ لزَيْد بن أَسْلَم يَجْري مَجْرى المُتصل وهو صحيحٌ من وجوه مالكٌ (١)، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبد الله الصُّنَابحيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ الشَّمْسَ تطلُعُ ومعها قَرْنُ الشَّيطان، فإذا ارتَفَعَتْ فارقَها، ثم إذا اسْتَوَتْ قارَنَها، فإذا زَالتْ فَارقَها، فإذا دَنَتْ للغُروبِ قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارقَها". ونَهَى رسولُ الله ﷺ عن الصلاةِ في تلك الساعات. هكذا قال يحيَى في هذا الحديث عن مالكٍ: عن عبدِ الله الصُّنابِحيُّ. وتابَعَه القَعْنَبيُّ (٢) وجمهورُ الرُّواةِ عن مالكٍ (٣). وقالت طائفة، منهم مُطَرِّفٌ، وإسحاقُ بن عيسَى (٤) الطبَّاعُ، فيه: عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن عطاءٍ، عن أبي عبد الله الصُّنَابِحيِّ (٥). واختُلِفَ عن زيدِ بن أسلمَ في ذلك من حديثِه هذا؛ فطائفةٌ قالتْ عنه في ذلك: عبدُ الله الصُّنابحيُّ. كما قال مالكٌ في أكثرِ الرِّوايات عنه، وقالت طائفةٌ أخرى: عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابحيِّ. وممّن قال ذلك معمرٌ، وهشامُ بن سعدٍ، والدَّراوَرديُّ، ومحمدُ بن مُطَرِّفٍ أبو غسّان، وغيرُهم.

стр. 1414

ذكَر عبد الرزاق (١)، عن مَعْمَرٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابحيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الشمسَ تَطلُعُ بين قَرْنَي الشيطان - أو قال: يَطْلُعُ معها قَرْنُ الشيطان - فإذا ارتفَعَتْ فارقَها، فإذا كانت في وسطِ السماءِ قارَنَها، فإذا دَلَكَتْ - أو قال: زالَتْ - فارَقَها، فإذا دَنَتْ للغرُوب قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارقَها (٢)، فلا تُصلُّوا هذه الثلاثَ ساعات". وقال البخاريُّ (٣)، عن ابن أبي مريمَ، عن أبي غسّانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن الصُّنابحيِّ أبي عبد الله، عن النبيِّ ﷺ في الوضوءِ وفَضلِه. وكذلك قال اللَّيْثُ بن سعدٍ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي عبد الله الصُّنابِحيِّ، فذكَر حديثَ النَّهْي عن الصلاة في الثلاثِ ساعات (٤). والصوابُ عندَهم قولُ مَن قال فيه: أبو عبد الله، وهو عبدُ الرحمن بن عُسَيْلَة، تابعيٌّ ثقةٌ، ليسَتْ له صحبةٌ. وروَى زُهيرُ بن محمدٍ هذا الحديثَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ، عن عبد الله الصُّنابِحيِّ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ . فذكَره (٥). وهو خطأٌ عند أهل العلم، والصُّنابِحيُّ لم يَلْقَ رسولَ الله ﷺ ، وزهيرُ بن محمدٍ لا يُحْتَجُّ به، وقد

стр. 1415

صَحَّفَ فجعَلَ كُنيَتَه اسمَه (١)، وكذلك فعَل كلُّ مَن قال فيه: عبدُ الله؛ لأنّه أبو عبدِ الله. وقد قال فيه الصَّلْتُ بنُ بهْرامَ: عن الحارثِ بن وَهْب، عن أبي عبدِ الرحمن الصُّنابحيِّ (٢). فهذا صَحَّفَ أيضًا؛ فجعَل اسمَه كُنيتَه، وكلُّ هذا خطأٌ وتصحيفٌ. والصوابُ ما قاله مالكٌ فيه في رواية مطَرِّفٍ وإسحاقَ بن عيسى الطبّاع، ومَن رواه كروايَتِهما، عن مالكٍ، في قولهم في عبد الله الصُّنابحيِّ: أنّ كُنيَتَه أبو عبد الله، واسمَه عبدُ الرحمن. والله المستعانُ. وقد رُوِيَ عن ابن مَعينٍ أنّه قال: عبدُ الله الصُّنابحيُّ يَرْوي عنه المدَنيُّون، يُشبِهُ أنْ تكونَ له صحبةٌ (٣). وأصَحُّ من هذا عن ابن مَعينٍ أنه سُئِلَ عن أحاديث الصُّنابِحيِّ عن النبي ﷺ ، فقال: مرسلةٌ، ليستْ له صُحْبة. قال أبو عُمر: صدَق يحيى بن معين، ليسَ في الصحابةِ أحَدٌ يقالُ له: عبدُ الله الصُّنابحيُّ، وإنما في الصَّحابة الصُّنابحُ الأحْمَسيُّ، وهو الصُّنَابحُ بن الأعسرِ، كوفيٌّ، روَى عنه قيس بن أبي حازم أحاديثَ؛ منها حديثُه في الحَوضِ (٤)،

стр. 1416

ولا في التابعين أيضًا أحدٌ يقالُ له: عبدُ الله الصُّنابِحيُّ. فهذا أصحَّ قولَ مَن قال: إنّه أبو عبد الله. لأنّ أبا عبد الله الصُّنابحيَّ مشهورٌ في التابعين، كبيرٌ مِن كُبرائهم، واسمُه عبدُ الرحمن ابنُ عُسَيْلَةَ، وهو جليلٌ، كان عُبادةُ بن الصامت كثيرَ الثناء عليه (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهير، قال: حدَّثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ (٢)، قال: حدَّثنا رجاءُ بن أبي سلمةَ والعلاء بن هارونَ، عن ابن عَوْنٍ (٣)، عن رجاءِ بن حَيْوَةَ، عن محمودِ بن الرَّبيع، قال: كنّا عندَ عُبادةَ بن الصامت نَعُودُه، إذ جاء أبو عبد الله الصُّنابِحيُّ، فلمّا رآه عُبادةُ قال: لئن شُفِّعْتُ لأشْفَعَنَّ لك، ولئنْ قَدَرْتُ لأنْفَعَنَّك، ولئنْ سُئِلْتُ لأشْهَدنَّ لك. ثم قال: مَن سَرّه أن ينظُرَ إلى رجلٍ كأنّه رُفِعَ فوقَ سبعِ سماواتٍ ثم رُدَّ، فعمِل على ما رأى، فلْينظُرْ إلى أبي عبدِ الله؛ يعني: الصُّنابِحيَّ. قال أحمدُ بن زهيرٍ: وحدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن محمدِ بن عَجلانَ، عن محمدِ بن يحيَى بن حبَّانَ، عن ابن مُحَيْريزٍ، عن الصُّنابحيِّ، قال: دخَلتُ

стр. 1417

على عُبادةَ بن الصامتِ وهو في الموت، فبكَيتُ، فقال: مهْلًا، لِمَ تَبْكي؟ فوالله لئنْ استُشْهِدْتُ لأشْهَدَنَّ لك (١). وذكَر نحوَه، وحديثُ ضَمْرَةَ أتمُّ. وذكَر ابنُ وَهْبٍ (٢)، عن عمرِو بن الحارث، عن ابن أبي حبيبٍ، عن أبي الخَيْر (٣)، عن الصُّنابحيِّ، أنّه قال له: متى هاجَرْتَ؟ قال: خرَجْنا من اليمن مُهاجرينَ، فقدِمْنا الجُحْفَةَ، فأقبَل راكبٌ، فقلتُ: الخَبَرَ؟ فقال: دَفَنّا النبيَّ ﷺ منذُ خَمْس. وقال ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن مَرْثَدِ بن عبد الله اليَزَنيِّ، عن عبد الرحمن بن عُسَيْلَةَ، قال: لم يكُنْ بيني وبين وفاةِ رسولِ الله ﷺ إلّا خَمسُ ليالٍ، توفِّيَ وأنا بالجُحْفَة، فقدِمتُ وأصحابُه مُتوافرون، فسألتُ بلالًا عن ليلة القدر؟ فقال: ليلةُ ثلاثٍ وعشرين (٤). قال أبو عُمر: قدِم الصُّنابحيُّ هذا يومئذٍ المدينةَ، فصلَّى وراءَ أبي بكر الصِّديق المغربَ، فسمِعه يقرأُ في الركعةِ الآخرةِ بعدَ أُمِّ القرآن: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (٥). وهو معدودٌ في تابعي أهلِ الشام، وبها تُوفِّي. وأحاديثُه التي في "الموطَّأ" مشهورةٌ، جاءتْ عن النبيِّ ﷺ من طُرُقٍ شتَّى من حديثِ أهل الشام، وممَّن رَواها عن النبيِّ ﷺ : عُقبةُ بن عامرٍ، وعَمْرُو بن عَبَسةَ، وأبو أمامةَ

стр. 1418

الباهليُّ، ومُرَّةُ بن كعبٍ البَهْزيُّ، وقيل: كعبُ بن مُرَّةَ. وسنذكرُها في هذا الباب على شرطِنا في توصيلِ المُرسلات، وبالله العونُ لا شريكَ له. وأما قولُه ﷺ في هذا الحديث: "إنّ الشمسَ تَطلُعُ ومعها قَرْنُ الشيطان". وقولُه في غير هذا الإسنادِ: "تَطلُعُ على قَرْنِ الشيطان"، و"تَطْلُعُ بين قَرْنَي الشيطان" (١). ونحوُ هذا، فإنّ للعلماءِ في ذلك قولين: أحدُهما: أنّ ذلك اللفظَ على الحقيقة، وأنّها تَغْرُبُ وتطلُعُ على قَرْن شيطانٍ، وعلى رأسٍ شيطانٍ، وبينَ قَرْنَي شيطانٍ، على ظاهرِ الحديث، حقيقةً لا مجازًا، من غيرِ تكييفٍ؛ لأنّه لا يُكيَّفُ ما لا يُرَى. واحتجَّ من قال بهذا القول بما أخبرَنا عبدُ الله بن محمد بن يوسفَ، قال: أخبَرنا أبو الفتح الفارسيُّ إبراهيمُ بن علي بمصرَ - قال أبو عُمر: وقد كتَب إلينا أبو الفتح بإجازة ما رواه، وأباحَ لنا أنْ نُحَدِّثَ عنه، وكتب ذلك بخطِّه - قال: أخبرنا محمدُ بن القاسم بن بشّار النَّحويُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو مسلم عبدُ الرحمن بن حمزةَ بن عفيفٍ البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمْرو بن أبي عَمْرو الشَّيبانيُّ، عن أبي عَمْرو الشَّيبانيِّ (٢)، عن أبي بكر الهُذليِّ، عن عكرمةَ،

стр. 1419

قال: قلتُ لابن عباس: أرأيتَ ما جاءَ عن النبيِّ ﷺ في أميّة بن أبي الصَّلت: "آمَنَ شِعرُه وكفَر قلبُه"؟ قال: هو حقٌّ، فما أنكَرْتُم من ذلك؟ قلت: أنكَرْنا قولَه: والشَّمسُ تطلُعُ كلَّ آخرِ ليلةٍ ... حمراءَ يُصبحُ لونُها يتوَرَّدُ ليست بطالعةٍ لهم في رِسْلِها ... إلّا مُعذَّبةً وإلّا تُجْلَدُ (١) فما بالُ الشمس تُجْلَدُ؟ قال: والذي نفسي بيدِه، ما طَلَعَتِ الشمسُ قَطُّ حتى ينْخُسَها سبعون ألفَ ملكٍ، فيقولون لها: اطْلُعي اطْلُعي. فتقول: لا أطلُعُ على قوم يعبُدونَني من دون الله، فيأتيها ملَكٌ عن الله تعالى يأمُرُها بالطلوع، فتستقلُّ (٢) لضياءِ بني آدم، فيأتيها شيطانٌ يريدُ أن يَصُدَّها عن الطُّلوع، فتطْلُعُ بين قَرْنَيْه، فيَحْرِقُه اللهُ بحرِّها، وما غرَبتِ الشمسُ قطُّ إلَّا خرَّتْ لله ساجدةً، فيأتيها شيطانٌ، فيُريدُ أنْ يَصُدَّها عن السجود، فتغْرُبُ بين قَرْنَيْه، فيَحرِقُه اللهُ تحتَها، وذلك قولُ رسول الله ﷺ : "ما طَلَعَتْ إلَّا بينَ قَرْنَيْ شيطانٍ، ولا غرَبتْ إلَّا بين قَرْنَيْ شيطانٍ" (٣). وأخبرنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا عَبدَةُ بن سُليمانَ،

стр. 1420

عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يعقوبَ بن عُتْبةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ صدَّقَ أُميّةَ بن أبي الصَّلْت في بيتين من شعرِه، قال: رجُلٌ وثَوْرٌ تحتَ رجلِ يمينِه ... والنَّسْرُ للأخرَى وليثٌ مُرصَدُ فقال النبيُّ ﷺ : "صدَق". قال: والشمسُ تطْلُعُ كلَّ آخرِ ليلةٍ ... حمراءَ يُصبِحُ لونُها يتَوَرَّدُ تأبَى فما تطْلُعْ لنا في رِسْلِها (١) ... إلَّا مُعَذَّبَةً وإلّا تُجْلَدُ فقال النبيُّ ﷺ : "صدَق" (٢). وحدَّثني أبو محمدٍ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيْسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مَرْزوقٍ، قال: حدَّثنا وهبُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سِمَاكٍ، قال: سمِعتُ المُهَلَّبَ بن أبي صُفْرَةَ يُحَدِّثُ، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تُصلُّوا عند طلوع الشمس، ولا عندَ غروبها، فإنّها تطْلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ - أو على قَرْنَي شيطانٍ - وتَغْرُبُ بين قَرْنَي شيطانٍ - أو على قَرْنَي شيطانٍ". شكَّ شعبةُ. قال أبو عُمر: بلَغَني أنّ أبا محمدٍ عبدَ الله بنَ إبراهيمَ سُئِلَ عن تأويلِ حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا، فقال: ممكِنٌ أن يكونَ للشَّيطانِ قَرْنٌ يُظْهِرُه عندَ طلوع الشَّمْسِ وعندَ غُروبها على ظاهرِ الحديث. وما صنَع أبو محمدٍ، ﵀،

стр. 1421

في جوابِه هذا شيئًا، وأظُنُّه أشارَ إلى نحوِ القولِ المذكورِ من حَمْل الكلام على حقيقَتِه دونَ مجازِه (١)، واللهُ أعلمُ. وقال قومٌ من العلماء: وَجْهُ هذا الحديث ومعناه عندَنا: حملُه على مجازِ اللفظِ، واستعارةِ القول، واتِّساع الكلام، وقالوا: أرادَ بذكرِه ﷺ قرنَ الشَّيْطان أُمَّةً تعبدُ الشمسَ، وتسجُدُ لها وتُصَلِّي في حين طُلوعِها وغُروبِها من دون الله، وكان ﷺ يَكْرَهُ التَّشَبُّهَ بالكُفَّارِ ويُحِبُّ مُخالَفتَهم، وبذلك وَرَدَتْ سُنَّتُه ﷺ ، وكأنّه أرادَ، واللهُ أعلمُ، أنْ يَفْصلَ دِينَه من دينِهم؛ إذْ هم أولياءُ الشيطان وحزبُه، فنهَى عن الصّلاة في تلك الأوقات لذلك، وهذا التّأويلُ جائزٌ في اللُّغة، معروفٌ في لسان العرب؛ لأنّ الأمّة تُسَمَّى عندَهم قَرْنًا، والأمم قرُونًا، قال اللهُ : ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]، وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ [الإسراء: ١٧]، وقال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]. وقال ﷺ : "خيرُ الناسِ قَرْني" (٢). وحدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ الله بنُ محمدٍ بنِ ناصحٍ الدِّمَشقيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سعيدٍ القاضي، قال:

стр. 1422

حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيْبَة، قال (١): حدَّثنا يزيدُ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْل، عن خَبّاب بن الأرَتِّ، أنّه رأى ابنَه عبدَ الله يَقُصُّ، فلما رجَع اتَّزَر وأخَذ السَّوْطَ، وقال: أمعَ العَمالقَةِ أنتَ؟ هذا قَرْنٌ قد طلَع (٢). فهذا خبّابٌ قد سمَّى القَصّاصَ قرنًا طالعًا، إنكارًا منه للقَصَص، وخبّابٌ من كبارِ الصحابة رضوانُ الله عليهم، وهم أهلُ الفصاحة والبيان، وإنّما قال ذلك خبّابٌ؛ لأنّ القَصَصَ أُحْدِثَ عليهم، ولم يكونوا يَعرفونه، وكان عبد الله بن عمرَ يُنكِرُه، ويقولُ: لم يكُنْ على عهدِ النبيِّ ﷺ ، ولا على عهدِ أبي بكرٍ، ولا على عهدِ عمرَ، ولا على عهد عثمانَ، وإنما كانت القصصُ حين كانت الفِتنةُ (٣). وجائزٌ أنْ يضافَ القرنُ إلى الشيطان؛ لطاعَتِهم في ذلك للشَّيطان، وقد سمَّى اللهُ الكُفّار حزبَ الشيطان، وهذا أعرفُ في اللغة مِن أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكْثار.

стр. 1423

وحُجَّةُ من قال بهذا التَّأْويل (١) ما أخبَرناه أبو عبد الله عُبَيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ (٢)، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكين، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني معاويةُ بن صالح، عن أبي يحيى سُليم بن عامرٍ الخَبائريِّ، وضَمْرَةَ بنِ حبيبٍ، وأبي طلحةَ نُعَيم بن زيادٍ، كلُّ هؤلاء سمِعه من أبي أُمامةَ الباهليِّ صاحبِ رسول الله ﷺ ، قال: سمِعتُ عَمْرَو بنَ عَبَسَة السُّلَميَّ يقول: أتَيْتُ رسولَ الله وهو نازلٌ بعُكاظٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، من معك في هذا الأمر؟ قال: "معي رَجلان؛ أبو بكرٍ وبلالٌ". قال: فأسلَمْتُ عندَ ذلك، فلقدْ رأيتُني رُبُعَ الإسلام. قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، أمْكُثُ معكَ أمْ الْحَقُ بقومِي؟ فقال: "بل الْحَقْ بقومِك؛ فيُوشكُ أنْ يَفيءَ الله بمن تَرى إلى الإسلام". ثم أتَيْتُه قُبيلَ فتح مكّة، فسَلَّمْتُ عليه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أنا عَمْرو بن عَبَسَةَ، أُحِبُّ أنْ أسألَك عمّا تَعلمُ وأجهلُ، وعمّا يَنفَعُني ولا يضُرُّك. فقال: "يا عَمْرَو بن عَبَسةَ، إنّك تُريدُ أنْ تسألَني عن شيءٍ ما سألني عنه أحدٌ ممن ترَى، ولن تسألَني عن شيءٍ إلَّا أنبأتُك به إن شاء الله". فقلتُ: يا رسولَ الله، فهل من ساعةٍ أقربُ من أخرى، أو ساعةٍ يَبقَى ذكرُها؟ قال: "نعم، إنّ أقربَ ما يكونُ الرَّبُّ من الدُّعاء جوفُ الليل الآخرِ، فإن استطَعْتَ أنْ تكونَ ممَّن يَذْكُرُ اللهَ في تلك الساعةِ فكُنْ، فإنّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ إلى طلوعِ الشمس، فإنّها تطلُعُ بين قرنَي الشيطان، وهي ساعةُ صلاةِ الكُفّار، فدَعِ الصلاةَ حتى تَرْتفعَ قَدْرَ رُمْحٍ ويذهَبَ شُعاعُها، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَعتدِلَ الشمسُ اعتدالَ الرُّمْحِ لنصفِ النهار، فإنّها ساعةٌ تُفَتَّحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ وتُسَجَّرُ، فدَع الصلاةَ حتى يَفيءَ الفيءُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ

стр. 1424

حتى تَغيبَ الشمسُ، فإنّها تغرُبُ بين قرْنَي الشيطان، وهي ساعةُ صلاةِ الكُفّار". فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا في هذا، فكيف في الوُضوء؟ قال: "أمّا الوُضوءُ، فإنّك إذا توَضَّأتَ". . . وذكَر الحديث (١). أخبرنا أبو محمدٍ (٢) عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن محمدِ بن عبد الرزاقِ البَصْريُّ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجسْتانيُّ، قال (٣): حدَّثنا إبراهيمُ بن خالدٍ الكَلْبيُّ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بن هارونَ، قال: أخبرنا حريزُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا سُليمُ بن عامرٍ، عن أبي أمامةَ، عن عمرو بن عَبَسَةَ، قال: أتَيْتُ رسولَ الله ﷺ وهو بعُكاظٍ، قلتُ: من معكَ على هذا الأمر؟ قال: "حُرٌّ وعبدٌ". ومعه أبو بكرٍ وبلالٌ، ثم قال: "فارْجِعْ حتى يُمكِّنَ اللهُ لرسولِه". قال: فأتَيْتُه بعدُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، جعلَني اللهُ فِداكَ، شيئًا تَعْلَمُه وأجْهَلُه، لا يَضُرُّكَ وَينْفعُني اللهُ به؛ هل من ساعةٍ أفضلُ من ساعةٍ؟ وهل من ساعةٍ لا يُصلَّى فيها؟ قال: "لقد سألْتني عن شيءٍ ما سَألَني عنه أحدٌ، إنّ اللهَ ﵎ يتَدَلَّى (٤) في جوفِ الليل فيَغفرُ، إلَّا ما كان من الشِّرك والبَغْي، والصلاةُ مشهودةٌ، فصَلِّ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، فإذا طَلَعَتْ فأقْصِرْ، فإنّها تَطْلُعُ على قَرْنِ شيطانٍ، وهي صلاةُ الكفار، حتى تَرتفعَ، فإذا استقَلَّتِ الشمسُ فصَلِّ، فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ، حتى يعتَدِلَ النهارُ، فإذا اعتَدَل النهارُ فأقْصِرْ عن الصلاةِ، فإنّها ساعةٌ

стр. 1425

تُسَجَّرُ فيها جهنَّمُ، حتى يَفيءَ الفَيْءُ، فإذا فاءَ الفَيْءُ فصلِّ، فإنّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ، حتى تَدْنوَ الشمسُ للغروب، فإذا تَدَلَّتْ فأقْصِرْ عن الصلاة؛ فإنّها تَغيبُ على قرنِ شيطانٍ، وهي صلاةُ الكفّارِ" (١). قال أبو عُمر: فقد قال في هذا الحديث عندَ طلوع الشمس وعند غُروبها: "هي صلاةُ الكفّار". وفي غير هذا الإسناد في هذا الحديث: "ويُصلِّي لها الكُفّارُ" (٢). وفي غيره في هذا الحديث أيضًا: "وهي ساعةُ صلاةِ الكفَّار" (٣). وبعضُهم يقولُ فيه أيضًا: "وحينئذٍ يسجدُ لها الكفَّارُ" (٤). كلُّ هذه الألفاظ قد رُوِيتْ في حديث

стр. 1426

عَمْرو بن عَبَسةَ هذا، وهو حديثٌ صحيحٌ من حديث الشاميِّين، رواه أبو أُمامةَ الباهليُّ، عن عَمْرو بن عَبَسةَ، ورواه جماعةٌ عن أبي أُمامةَ، منهم أبو سلام الحَبَشيُّ، وقد سَمِعَه أبو سلام أيضًا من عمرو بن عَبَسةَ، وسَمِعَه من عمرو بن عَبَسةَ يَزيدُ بن طلقٍ (١) وغيرُه، وهو حديثٌ طويلٌ في إسلام عمرِو بن عَبَسةَ، فيه معاني حديث الصُّنابحيِّ في النَّهْي عن الصلاة في الثلاث ساعاتٍ وفي فَضلِ الوضوءِ جميعًا، وسنَذكرُه بتَمامه في الباب الذي يأتي بعد هذا إن شاء الله. وقد رُوِيَ عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ مُختَصَرًا: حدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن المِسْوَر، قال: حدَّثنا مِقدَامُ بن داودَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مَعْبد (٢) بن شَدّاد (٣)، قال: حدَّثنا موسى بن أعْيَنَ، عن ليثٍ، عن عبد الرحمن بن سابطٍ، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُصَلُّوا عندَ طلوع الشمس؛ فإنّها تَطلُعُ بين قَرنَيْ شيطانٍ، وكُلٌّ كافرٍ يَسجدُ لها، ولا تُصلُّوا عندَ غروب الشمس، فإنها تَغْرُبُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وكلُ كافرٍ يسجُدُ لها، ولا تُصَلُّوا وسَطَ النهار، فإنّ جهنَّمَ تُسَجَّرُ عند ذلك" (٤).

стр. 1427

وهذه الأحاديثُ في ظاهرها حُجَّةٌ للقولين جميعًا، والله أعلمُ، لقوله فيها: "بين قَرْنيْ شيطانٍ" على ما رُوِيَ عن ابن عباس في تأويلِه. وأجمَع العلماء أنّ نَهْيَه ﷺ عن الصلاة عندَ طلوع الشمس وعندَ غروبِها صحيحٌ غيرُ منسوخ إلّا أنّهم اختَلَفوا في تأويلِه: فقال علماء الحجاز: معناه المنعُ من صلاةِ النَّافلة دونَ الفريضة، هذه جملةُ قولهم. وقال العراقيُّون: كلُّ صلاةٍ؛ فريضةً أو نافلةً أو جنازةً، فلا تُصَلِّي ذلك الوقتَ، لا عندَ طلوع الشمس، ولا عندَ الغروب، ولا عندَ الاستواء، لأنّ الحديثَ لم يَخُصَّ نافلةً من فريضةٍ، إلّا عصرَ يومِه (١)؛ لقوله ﷺ : "مَن أدْرَك ركعةً من العصرِ فقد أدْرَك العصرَ" (٢). وقد مضَى الرَّدُّ عليهم فيما ذهَبوا إليه من ذلك في هذا الكتاب، ويأتي القولُ في الصلاةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصبح مُمَهَّدًا مبسوطًا بما للعلماءِ في ذلك من المذاهب، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حبَّانَ إن شاء الله، ونَذكرُ هاهنا أقاويلَ الفقهاءِ في الصلاةِ عندَ استواءِ الشمسِ في كَبدِ السماءِ؛ لأنّه أوْلَى المواضعِ بما في ذلك، وبالله العون. فأمّا مالكٌ وأصحابُه، فلا بأسَ عندَهم بالصلاةِ نِصفَ النهارِ؛ قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: لا أكْرَهُ الصلاةَ نصفَ النهار إذا استَوتِ الشمسُ في وسطِ السماءِ، لا في يوم الجمعة ولا في غيرِه، ولا أعرفُ هذا النَّهْيَ، وما أدْرَكْتُ أهلَ

стр. 1428

الفضلِ إلّا وهم يَجتهدون (١) ويُصَلُّون نصفَ النهار (٢). فقد أبانَ مالكٌ حُجَّتَه في مذهبِه هذا؛ أنّه لم يَعْرِف النَّهْيَ عن الصلاةِ وسطَ النهارِ، وقد رُوِيَ عن مالكٍ أنّه قال: لا أكْرَهُ التَّطوُّعَ نصفَ النهارِ إذا استوَتِ الشمسُ، ولا أُحِبُّه. ومَحْمَلُ هذا عندي أنّه لم يَصحَّ عندَه حديثُ زيدِ بن أسلمَ المذكورُ في هذا الباب، عن عطاءٍ، عن الصُّنَابحيِّ (٣)؛ لأنّه قد رَواه، أو صحَّ عندَه ونُسِخ منه واستُثْنيَ الصلاةُ نصفَ النهار بما ذكرنا من العملِ الذي لا يجوز أنْ يكونَ مثلُه إلّا توقيفًا، واللهُ أعلمُ. وقد روَى مالكٌ (٤)، عن ابن شهابٍ، عن ثَعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ، أنّهم كانوا في زمن عمرَ بن الخطاب يُصلُّون حتى يَخرُجَ عمرُ، فإذا خرَج عمرُ وجلَس على المِنْبَر وأَذَّنَ المؤذِّنون (٥)، جلَسوا يتَحدَّثُون، حتى إذا سكَت المؤذِّن (٦) وقام عمرُ، سكَتوا فلم يَتكلَّمْ أحَدٌ. وخروجُ عمرَ إنّما كان بعدَ الزَّوال، بدليل حديثِ طِنْفِسَةِ عَقيل بن أبي طالبٍ (٧)، وإذا كانَ خروجُه بعدَ الزوال، وقد كانوا يُصَلُّون إلى أنْ يَخرُجَ، فقد كانوا يُصلُّون وقتَ استواءِ الشمسِ، والله أعلم.

стр. 1429

ويومُ الجُمُعة عندَ مالكٍ وغيرُ يوم الجُمُعة سواءٌ؛ لأنّ الفرقَ بينهما لم يَصِحَّ عندَه في أثرٍ ولا نَظَرٍ. وممَّن رخَّص في ذلك أيضًا: الحسنُ، وطاووسٌ، والأوزاعيُّ. وقال أبو يوسفَ، والشافعيُّ (١) وأصحابُه: لا بأسَ بالتَّطوُّع نصفَ النهارِ يومَ الجُمُعة خاصةً، وهي روايةٌ عن الأوزاعيِّ وأهلِ الشام (٢). وحجةُ الشافعيِّ ومَن قال بقوله هذا ما رواه الشافعيُّ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ، عن إسحاقَ بنِ عبد الله، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ حتى تَزولَ الشمسُ، إلّا يومَ الجمعة. واحتجَّ أيضًا بحديثِ مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بن أبي مالكٍ، وقد تقدَّم ذِكرُه، قال: وخبرُ ثعلبةَ عن عامَّة أصحابِ رسول الله ﷺ في دارِ الهجرةِ أنهم كانوا يُصَلُّون نصفَ النهار يومَ الجمعة. قال أبو عُمر: كأنّه يقولُ: النَّهيُ عن الصلاةِ عندَ استواءِ الشمس صحيحٌ، وخُصَّ منه يومُ الجُمُعة بما رُوِيَ من العملِ الذي لا يكونُ مثلُه إلّا توقيفًا، وبالخبرِ المذكورِ أيضًا، وبَقِيَ سائرُ الأيام موقوفةً على النَّهْي. وإبراهيمُ بن محمدٍ الذي روَى عنه الشافعيُّ هذا الخبرَ هو ابنُ أبي يحيى المدنيُّ، متروكُ الحديث، وإسحاقُ بعدَه في الإسناد، وهو ابنُ أبي فَرْوةَ، ضعيفٌ أيضًا، فكأنّه إنّما يَقوَى عندَه هذا الخبرُ بما رُوِيَ عن الصحابة في زمن عمرَ من الصلاةِ نصفَ النهارِ يومَ الجمعة، وبالله التوفيقُ. وقد حدَّثني عبدُ الرحمن بن مروانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ بن عُمرَ

стр. 1430

البغداديُّ، قال: حدَّثنا أبو اللَّيث نصرُ بن القاسم الفَرائضيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا حسانُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الليث، قال: حدَّثنا مجاهدٌ، عن أبي الخليل، عن أبي قتادةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الصلاةُ تُكْرَهُ نصفَ النهار إلّا يومَ الجُمُعة؛ فإنَّ جَهنَّمَ تُسَجَّرُ إلّا يومَ الجُمُعة" (١). وهذا الحديثُ منهم من يُوقِفُه. وحدَّثني سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله (٢) بن جعفرٍ الزُّهريُّ، عن إسماعيلَ بن محمد بن سعدِ بن أبي وقاصٍ، عن السائب بن يزيدَ، قال: النِّداءُ الذي ذكَر الله في القرآن إذا كان الإمامُ على المنبرِ زمنَ النبيِّ ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمرَ، حتى كان عثمانُ فكثُر الناسُ، واستُبْعِدَتِ البيوتُ، فزادَ النِّداءَ الثانيَ فلم يَعِيبُوه. قال السائبُ: وكان عمرُ إذا خرَج ترَك الناسُ الصلاةَ وجلَسوا، فإذا جلَس على المنبرِ صَمَتوا (٣). وكان عطاءُ بن أبي رباح يكرَهُ الصلاةَ نصفَ النهارِ في الصيف، ويُبيحُ

стр. 1431

ذلك في الشتاء (١). وقال أبو حنيفةَ، والثوريُّ، ومحمدُ بن الحَسَن، والحَسَنُ بن حَيٍّ، وعبدُ الله بنُ المبارك، وأحمدُ بن حنبلٍ: لا يجوزُ التَّطوُّعُ نصفَ النهارِ في شتاءٍ ولا صيفٍ، وكرِهوا ذلك (٢). ولا يجوزُ عند أبي حنيفةَ وأصحابِه أنْ تُصَلَّى فريضةٌ، ولا على جنازةٍ، ولا شيءٌ من الصلوات؛ لا فائتةٌ مذكورةٌ، ولا غيرُها، ولا نافلةٌ، عندَ استواءِ الشمسِ نصفَ النهار (٣). والحُجةُ لمَن قال بقول العراقيِّين في هذا الباب حديثُ الصُّنابِحيِّ المذكورُ في هذا الباب، وحديثُ عَمْرو بن عَبَسَة، وحديثُ عُقبةَ بن عامر. حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٤): أخبرنا عَمْرُو بن منصورٍ، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالحٍ، قال: أخبَرني أبو يحيى سُليمُ بن عامرٍ، وضمرةُ بن حبيبٍ، وأبو طلحةَ نُعيمُ بن زيادٍ، قالوا: سَمِعْنا أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: سمِعْتُ عَمْرَو بنَ عَبَسَةَ يقولُ: قلتُ: يا رسولَ الله، هل من ساعةٍ أقْرَبُ من الأخرَى؟ وهل ساعةٌ يُتَّقَى (٥) ذكرُها؟ قال: "نعم، إنّ

стр. 1432

أقربَ ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ جوفُ الليل الآخرِ، فإن استطَعْتَ أن تكونَ ممّن يذكُرُ الله في تلكَ الساعةِ فكنْ، فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ إلى طلوع الشمس، فإنّها تطلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وهي ساعةُ صلاةِ الكُفّار، فدَعِ الصلاةَ حتى تَرتَفِعَ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ، ويذهَبَ شُعاعُها، ثم الصلاةُ مشهودةٌ محضورةٌ حتّى تعتدِلَ الشمسُ اعتدالَ الرُّمْحِ نصفَ النهار، فإنّها ساعةٌ تُفَتَّحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ وتُسَجَّرُ، فدَعِ الصلاةَ حتى يَفيءَ الفَيءُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغيبَ الشمسُ، فإنّها تغيبُ بين قرْنَي شيطانٍ، وهي صلاةُ الكُفّار". قال أبو عُمر: في حديث عَمْرو بن عَبَسةَ هذا النَّهْيُ عن الصلاةِ عند طُلوع الشمس، وعندَ استوائِها، وعندَ غُروبِها، وفيه إباحةُ الصلاةِ بعدَ الفجر إلى طلوع الشمس، وبعدَ زوالها إلى الغروب، وتدَبَّرْه تَجِدْه كما ذَكَرْتُ لك، وهو حديثٌ صحيحٌ، وطُرُقُه كثيرةٌ حِسانٌ شاميّةٌ، إلّا أنّ قولَه في هذا الحديث: "ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تَغيبَ الشمسُ" قد خالفَه فيه غيرُه في هذا الحديث فقال: "ثم الصلاةُ مشهودةٌ مُتقبَّلَةٌ حتى يُصَلَّى العَصْر"، وهذا أشْبَه بالسُّنَن المأثورة في ذلك. وقد رُوِيَ في هذا الحديث أيضًا: "حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَتْ للغروب قِيدَ رُمْحٍ أو رُمْحَين". وسنذْكُرُ اختلافَ العلماءِ في الصلاةِ النافلةِ والفجرِ والعصر، وما رُوِيَ في ذلك من الآثار، في باب محمدِ بن يحيى بن حبّانَ مِنْ هذا الكتاب إن شاء الله. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١)، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ أبو سلمةَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن يعلى بن عطاءٍ، عن يزيدَ بن طَلْقٍ، عن عبد الرحمن بن البَيْلمانيِّ، عن

стр. 1433

عمرو بن عَبَسَة. قال أبو داودَ: حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، أنّ محمدَ بن جعفرٍ حدَّثهم، عن شعبةَ، عن يعلَى بن عطاءٍ، عن يزيدَ بن طلقٍ، عن عبد الرحمن بن البَيْلَمانيِّ، عن عَمْرِو بن عَبَسة - وهذا لفظُ أبي سلمةَ - قال: أتيتُ رسولَ الله فقلتُ: يا رسولَ الله، مَن أسلَم معك؟ قال: "حُرٌّ وعبدٌ". يعني أبا بكر وبلالًا. فقلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمْني ممّا تَعلَمُ وأجهلُ، هل من الساعاتِ ساعةٌ أفْضَلُ من أخرى؟ قال: "نعم، صلِّ من الليلِ الآخِرِ" - وفي حديث شعبةَ، قال: "نعم، جوفُ الليل" - "فصَلِّ ما بدَا لك حتى تُصلِّيَ الصُّبحَ" (١) - وفي حديثِ حمّادٍ: "فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ مُتقبَّلةٌ" - "ثم انتَهِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وما دامَتْ مثلَ الحَجَفَة (٢) حتى تَسْتقرَّ، فإنّها تطْلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، ويسجُدُ لها الكفّار، ثم صلِّ ما بدَا لك؛ فإنّها مشهودةٌ متقبَّلةٌ حتى يَستَويَ العمودُ على ظِلِّه، فإنّها ساعةٌ تُسَجَّرُ فيها الجَحيمُ، فإذا زالتِ الشمسُ فصَلِّ؛ فإنّها مشهودةٌ متقبَّلةٌ حتى تُصَلِّيَ العصرَ، ثم انْتَهِ حتى تغرُبَ الشمسُ؛ فإنّها تغرُبُ بين قرنَيْ شيطانٍ، ويَسجُدُ لها الكُفّارُ". وقد رُوِيَ من حديث البَهْزيِّ معنَى حديث عَمْرو بن عَبَسَة هذا، روَاه الثَّوْريُّ، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن رجلٍ من أهلِ الشام، عن

стр. 1434

كعبِ بن مُرَّةَ البَهْزيِّ، قال: قال رجلٌ لرسولِ الله ﷺ : أيُّ الليلِ أسْمَعُ يا رسولَ الله؛ قال: "جوفُ الليل الآخرِ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تُصلِّيَ الفجرَ، ثم لا صلاةَ حتى تكونَ الشمسُ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى يقومَ الظِّلُّ قيامَ الرُّمْح، ثم لا صلاةَ حتى تَزولَ الشمسُ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَت للغُرُوبِ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين". وذكَر فَضْلَ الوضوءِ أيضًا (١). قال أبو عُمر: أحاديثُ هذا الباب عن عَمْرِو بن عَبَسَةَ كلُّها وحديثُ البَهزِيِّ، إنّما فيها ما يدُلُّ على صلاةِ التَّطوعِ لا الفرائضِ، وذلك بَيِّنٌ منها، واللهُ أعلمُ. وذكَر الأثْرَمُ، قال (٢): سألتُ أبا عبدِ الله، يعني أحمدَ بن حنبلٍ، عن الصلاةِ نصفَ النهارِ يومَ الجُمُعة، فقال: يُعْجِبُني أنْ تَتَوقَّاها. فذَكَرْتُ له حديثَ ثَعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ: كُنّا نُصَلِّي يومَ الجمعة حتى يَخْرُجَ عمرُ. قلتُ له: هذا يدُلُّ على الرُّخصةِ في الصلاةِ نصفَ النهار. فقال: ليسَ في هذا بيانٌ، إنّما جاءَ الكلامُ مُجْمَلًا: كنا نُصَلِّي. ثم قال: لا، ولكنّ حديثَ النبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ إنّما نَهَى عن الصلاةِ فصفَ النهارِ، وعندَ طلوعِ الشمس، وعندَ الغروبِ؛ حديثُ عَمْرو بن عَبَسَةَ وعُقْبَةَ بن عامرٍ، والصُّنَابِحيِّ (٣). وذكَر الأثْرَمُ، قال (٤): حدَّثنا مِنْجابُ بن الحارثِ، قال: أخبَرنا خالدُ بن

стр. 1435

سعيدِ بن عَمرِو بن سعيدِ بن العاص، عن أبيه، قال: كنتُ أرَى أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، فإذا زالَتِ الشمسُ يومَ الجمعةِ قاموا فصلَّوا أرْبَعًا. قال أبو عُمر: حديثُ ثعلبةَ بن أبي مالكٍ أقوَى من هذا الحديثِ وأبْيَنُ، وحديثُ السائبِ بن يَزيدَ مثلُه، واللهُ أعلمُ. وأمّا حديثُ عُقبةَ بن عامرٍ، فحدَّثَني أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضْرِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن مُوسى بن عُليِّ بن رباح، عن أبيه، عن عُقبةَ بن عامرٍ الجُهنيِّ، قال: ثلاثُ ساعاتٍ نهَى رسولُ الله ﷺ أنْ نُصَلِّيَ فيها، أو نَقْبُرَ فيها مَوْتانا؛ عندَ طُلوعِ الشمس حتى تَبيَضَّ، وعندَ انتِصافِ النهارِ حتى تزُولَ، وعندَ اصفرارِ الشمس وإضافَتِها حتى تَغِيبَ (١). وحدَّثنا عُبَيْدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن دُكَيْنٍ، قال: حدَّثنا موسى بن عُليِّ بن رباح اللَّخْميُّ المصريُّ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ أنّه سمِع عُقبةَ بن عامرٍ، قال: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله ﷺ يَنْهانا أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا؛ حين تَطلُعُ الشمسُ بازغةً حتى تَرتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتى تَميلَ الشمسُ، وحين تَضيَّفُ الشمسُ للغروبِ حتى تغرُبَ (٢). وأخبَرني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا

стр. 1436

أحمدُ بن شعيبٍ، قال (١): حدَّثنا سُويدُ بن نصر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن مُوسى بن عُليِّ بن رباح، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: سمِعتُ عُقبَة بن عامرٍ الجُهنيَّ يقولُ: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله ﷺ يَنْهانا أنْ نُصَلِّيَ فيها، أو نَقْبُرَ فيها مَوْتانا: حين تَطْلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ. فذكَره حرفًا بحرف. ورُوِيَ عن عمرَ بن الخطاب أنّه نهَى عن الصلاةِ نصفَ النهار (٢)، وقال ابنُ مسعود: كنّا نُنهَى عن ذلك (٣). وقال أبو سعيدٍ المَقبُريُّ: أدْركْتُ الناسَ وهم يتَّقُون ذلك (٤). وأمّا الصَّلاة على الجنائز في ذلك الوقت، فإنّ أهلَ العلم أيضًا اختَلفوا في ذلك؛ فقال مالكٌ: لا بأسَ بالصلاة على الجنائزِ بعدَ العَصْرِ ما لم تَصفرَّ الشمسُ، فإذا اصْفَرَّتْ لم يُصَلَّ على الجنازة، إلّا أنْ يكونَ يُخافُ عليها، فيُصَلَّى عليها حينَئذٍ، ولا بأسَ بالصلاةِ على الجنازةِ بعدَ الصبح ما لم يُسْفِرْ، فإذا أسفَرَ فلا تُصلُّوا عليها

стр. 1437

إلّا أنْ تخافوا عليها. هذه روايةُ ابن القاسم عنه (١). وذكَر ابنُ عبد الحكم (٢) عنه: أنّ الصلاةَ على الجنائزِ جائزة في ساعاتِ الليلِ والنهار؛ عندَ طلوع الشمس، وعندَ غروبها. ولا خلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أنّ الصلاةَ على الجنائز ودَفْنَها نصفَ النهارِ جائزٌ. وقال الثوريُّ: لا يُصَلَّى على الجنائزِ إلّا في مواقيتِ الصلاة، وتُكْرَهُ الصلاةُ عليها نصفَ النهار، وحينَ تَغِيبُ الشمسُ، وبعدَ الفجرِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ (٣). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يُصَلَّى على الجنائزِ عندَ الطّلوع، ولا عندَ الغروب، ولا نصفَ النهار، ويُصلَّى عليها في غيرها من الأوقات (٤). وقال اللَّيثُ: لا يُصَلَّى على الجنازةِ في الساعةِ التي تُكْرَهُ فيها الصلاةُ. وقال الأوزاعيُّ: يُصَلَّى عليها ما دامَ في ميقاتِ العصر، فإذا ذهَب عنهم ميقاتُ العصرِ لم يُصلُّوا عليها حتى تَغْرُبَ الشمسُ (٥). وقال الشافعيُّ (٦): يُصلَّى على الجنائزِ في كلِّ وقتٍ. والنَّهْيُ عندَه عن الصلاةِ في تلك الساعاتِ إنّما هو عن النوافلِ المُبتَدَءاتِ والتَّطوُّعِ، وأمّا عن صلاةِ فريضةٍ أو صلاةِ سُنَّةٍ فلا؛ لدلائلَ من الأثَرِ سأذْكُرُها في كتابي هذا إن شاء الله.

стр. 1438

حديثٌ تاسعٌ لزَيْد بن أسْلَم مثل الذي قبله مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عبد الله الصُّنَابِحيِّ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا توضَّأ العبدُ المؤمنُ فمَضمَضَ، خرَجتِ الخطايا من فيهِ، فإذا استَنْثَر خرَجتِ الخَطايا من أنفِه، فإذا غَسَلَ وجهَهُ خرَجتِ الخطايا من وجهِهِ، حتى تَخرُجَ من تحت أشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فإذا غسَل يدَيْه خرَجتِ الخطايا من يَدَيْه، حتى تَخرُجَ من تحتِ أظْفارِ يَدَيْه، فإذا مسَح رأسَه خرَجتِ الخطايا من رأسِه، حتى تَخرُجَ من أُذُنيْه، فإذا غسَل رِجْلَيْه خرَجتِ الخطايا من رِجْلَيْه، حتى تَخرُجَ من تحتِ أظْفارِ رِجْلَيْه، ثم كان مَشْيُه إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً له". قد تقدَّم القولُ في الصُّنابحيِّ وفيمن دُونَه في هذا الإسناد. وقال أبو عيسَى محمد بن عيسَى بن سَوْرَةَ التِّرمذيُّ (٢): سألْتُ أبا عبد الله محمدَ بن إسماعيلَ البخاريَّ عن حديث مالكٍ، عن زيد بن أسلَمَ، عن عطاءِ بن يَسَارٍ، عن عبد الله الصُّنابِحيِّ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ فمَضْمَضَ، خَرَجتِ الخطايا من فيهِ" الحديثَ. فقال: مالكُ بن أنسٍ وَهَمَ في هذا الحديث فقال: عبدُ الله الصُّنابحيُّ، وهو أبو عبد الله الصُّنابحيُّ، واسمُه عبدُ الرحمن بن عُسَيْلَة، ولم يَسمعْ من النبيِّ ﵇، والحديث مُرْسَلٌ، وعبدُ الرحمن هو الذي روَى عن أبي بكرٍ الصديق. قال أبو عُمر: يَسْتَنِدُ هذا الحديث أيضا من طُرقٍ حسانٍ من حديثِ عَمْرو بن عَبَسَةَ وغيرِه، وسنذكرها في آخر هذا الباب إن شاء الله.

стр. 1439

وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الوُضوءَ مَسْنونَه ومفروضَه جاءَ فيه مَجيئًا واحدًا، وأنّ من شرطِ المؤمن وما يَنبغي له إذا أراد الصلاةَ أن يأتيَ بما ذُكِرَ في هذا الحديث، لا يُقَصِّرُ عن شيءٍ منه، فإن قصَّر عن شيءٍ منه كان للمُفتَرَض حينئذٍ حُكْمٌ، وللمَسْنُونِ حُكْمٌ، إلّا أنّ العلماءَ أجمَعوا على أنّ غَسْلَ الوجهِ، واليَديْنِ إلى المِرفَقَين، والرِّجْلينِ إلى الكَعْبين، ومَسْحَ الرَّأس، فرضٌ ذلك كلُّه؛ لأمرِ الله به في كتابِه المسلمَ عندَ قيامِه إلى الصلاةِ إذا لم يكنْ متوضِّئًا، لا خلافَ عَلِمْتُه في شيءٍ من ذلك، إلّا في مسحِ الرِّجْلين وغَسْلِهما، على ما نُبَيِّنُه في بلاغاتِ مالكٍ إن شاء الله. واختَلَفُوا في المضمضةِ والاستنثارِ؛ فقالَت طائفةٌ: ذلك فرضٌ. وقال آخرون: ذلك سُنّةٌ. وقال بعضُهم: المضمضةُ سُنّةٌ، والاستِنْثارُ فَرْضٌ. وليس في مُسندِ حديثِ عمرِو بن يحيى، عن أبيه، عن عبدِ الله بن زيدِ بن عاصمٍ، في صِفَةِ وُضوءِ رسولِ الله ﷺ (١) ولا في "الموطأ" ذِكْرُ الأذُنين في الوُضوء في حديثٍ مسندٍ إلّا في حديثِ الصُّنابِحيِّ هذا. وقد استدلَّ بعضُ أهلِ العلم على أنّ الأُذُنَين من الرأس، وأنّهما يُمْسَحان بماءٍ واحدٍ مع الرأس بحديث الصُّنابِحيِّ هذا؛ لقوله فيه: "فإذا مسَح برأسِه خرَجتِ الخطايا من أُذُنَيْه". فنَذْكُرُ أقاويلَ الفقهاء في ذلك هاهنا، ونؤخر ذِكْرَ المِرْفَقَين إلى بابِ عمرِو بن يحيى، وذِكْرَ الكَعبَين إلى قوله ﷺ : "وَيْلٌ للأعْقابِ مِن النَّار" (٢). ونُرجئُ ذِكْرَ القولِ في مَسْحِ الرأس إلى باب عَمْرو بن يحيى أيضًا، في حديثِ عبدِ الله بن زيدِ بن عاصم إن شاء الله، وجاءَ في هذا الحديث ذِكْرُ الاستِنْثارِ، فنَذْكُرُه أيضًا بعَوْن الله.

стр. 1440

وكذلك لا أعلمُ في مسند حديث "الموطأ" ومَرْفوعِه مَوْضِعًا أشْبَهَ بالقول في الماءِ المستعملِ من هذا الحديث، ونحنُ ذاكِرُو ذلك كلِّه هاهنا، ونَذْكُرُ حُكْمَ المضمضةِ والاستِنْثارِ أيضًا هاهنا؛ لأنّهما مُتقاربانِ في المعنَى عندَ العلماء، وبالله توفيقُنا، وهو حَسْبُنا لا شريكَ له. فأمّا الاستِنْثارُ والاستِنْشاقُ فمعناهما واحدٌ مُتقارِبٌ، إلّا أنّ أخْذَ الماءِ بريحِ الأنفِ هو الاستِنْشاقُ، والاستِنْثارُ: رَدُّ الماء بعدَ أخْذِه بريح الأنفِ أيضًا وهذه حقيقةُ اللفظَتَيْن، وقد كان مالكٌ يرَى أنّ الاستِنْثارَ أنْ يجعَلَ يَدَه على أنفِه ويَستَنْثِرَ. وقد ذكَرْنا مذاهبَ العلماءِ في ذلك في بابِ أبي الزِّنَاد. وأكثرُ أهلِ العلم يَكْتَفُون في هذا المعنَى باللفظِ الواحدِ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ اللفظتان جميعًا، وذلك قولُه في هذا الحديث: "فإذا استَنْثَرَ"، وقولُه في حديثِ أبي هريرة: "إذا توضَّأَ أحدُكم فلْيَجعَلْ في أنفِه ماءً، ثم لْيَنْثُرْ - ولْيَنْتَثِرْ - أو ليَسْتَنْثِرْ" (١). ونحوُ هذا، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولُه في حديث أبي هريرةَ أيضًا: "مَن توضَّأ فلْيَسْتَنْثِرْ، ومَن استَجْمَرَ فليُوتِرْ" (٢)، ورُوِيَ من حديث أبي رَزينٍ العُقَيْليِّ أنّ رسولَ الله ﷺ قال له: "وبالِغْ في الاستِنْشاقِ إلّا أن تكونَ صائمًا" (٣). ومن

стр. 1441

حديثِ ابن عبّاس أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "استَنْثِرُوا مرَّتَين بالِغَتَيْن أو ثلاثًا" (١). ومن حديث هَمّامٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا توضَّأ أحدُكم فلْيَسْتَنْشِقْ بمَنْخرِه من الماء ثمَّ لِينْثُرْ" (٢). وقد ذكَرنا هذه الآثارَ بأسانيدِها في باب أبي الزِّنادِ، والحمدُ لله. فاللفظتان كما تَرى مروَّيتانِ تَتداخلانِ، وأهلُ العلم يُعَبِّرُون باللفظِ الواحد عن الثاني اكْتِفاءً وعلمًا بالمُراد. فأمّا اختلافُهم في حُكْمِهما؛ فإنّ مالكًا، والشَّافعيَّ، وأصحابَهما، يقولون: المضمضةُ والاستنشاقُ سُنّةٌ، ليستا بفرضٍ لا في الجنابةِ ولا في الوُضوء. وبذلك قال محمدُ بن جريرٍ الطَّبَريُّ. وهو قولُ الأوزاعيِّ، واللَّيْثِ بن سَعْدٍ. ورُوِيَ أيضًا عن الحسن البصريِّ، والزهريِّ، وربيعةَ، ويحيى بن سعيدٍ، وقتادةَ، والحكَم بن عُتَيْبة. فمَنْ توضَّأ وتركَهما وصَلَّى، فلا إعادةَ عليه عندَ واحدٍ من هؤلاء المذكورين (٣).

стр. 1442

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ: هما فَرْضٌ في الجنابةِ، سُنّةٌ في الوُضوء، فإنْ ترَكَهما في غُسْلِه من الجنابةِ وصَلَّى، أعاد، كمَن تَرَكَ لُمْعَةً، ومَن ترَكهما في وُضُوئِه وصَلَّى (١)، فلا إعادةَ عليه (٢). وقال ابنُ أبي ليلَى، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ، وهو قولُ إسحاقَ بن راهُوية (٣): هما فَرْضٌ في الغُسْلِ والوُضوءِ جميعًا. وروِي عن الزهريِّ وعطاءٍ مثلُ هذا القول أيضًا، ورُوِيَ عنهما مثلُ قول مالكٍ والشافعيِّ (٤). وكذلك اختلَف أصحابُ داودَ؛ فمنهم مَن قال: هما فرضٌ (٥) في الغُسْل والوُضوء جميعًا. ومنهم مَن قال: إنّ المضمضةَ سُنّةٌ، والاستِنْشاقَ فرضٌ. وكذلك اختُلِفَ عن أحمدَ بن حنبلٍ على هذين القولَين المذكورَين عن داودَ وأصحابِه. ولم يَختلِفْ قولُ أبي ثور وأبي عبيدٍ أنّ المضمضةَ سُنَّةٌ، والاسْتِنْشاقَ واجبٌ، قالا: فمَن ترَك الاسْتِنْشاقَ وصلَّى أعادَ، ومَن ترَك المضمضةَ لم يُعِدْ (٦).

стр. 1443

وكذلك القولُ عندَ أحمدَ بن حنبلٍ في روايةٍ، وعن بعض أصحابِ داودَ. وحُجَّةُ مَن لم يُوجِبْهما: أنّ اللهَ لم يذْكُرْهما في كتابِه، ولا أوْجَبَهما رسولُه ﷺ ، ولا اتَّفَقَ الجميعُ عليه، والفرائضُ لا تَثْبُتُ إلّا من هذه الوُجُوه. وحُجَّةُ مَن أوْجَبَهما في الغُسْل من الجنابةِ دونَ الوُضوءِ قولُه ﷺ : "تحتَ كلِّ شَعَرَةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرَةَ" (١). وفي الأنف ما فيه من الشَّعَرِ، وأنّه لا يُوصَلُ إلى غَسْلِ الأسنانِ والشَّفَتَين إلّا بالمضْمَضَةِ، وقد قال ﷺ : "العينان تَزنيان، والفمُ يَزني" (٢). ونحوُ هذا إلى أشياءَ يطولُ ذِكْرُها. وحُجَّةُ مَن أوجَبَهما في الوُضوءِ وفي غُسْل الجنابةِ جميعًا: أنّ الله قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، كما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فما وجَب في الواحدِ من الغُسْلِ وجَب في الآخَر، والنبيُّ ﷺ لم يُحْفَظْ عنه أنّه ترَك المضمضةَ والاستِنشاقَ في وُضوئِه ولا في غُسْلِه للجنابَة،

стр. 1444

وهو المُبيِّنُ عن الله مُرادَه قَولًا وعَمَلًا، وقد بَيَّنَ أنّ من مرادِ الله بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾: المضمضةَ والاسْتِنشاقَ، مع غَسْلِ سائرِ الوَجْه. وحُجَّةُ مَن فَرَّقَ بينَ المضمضةِ والاستِنْشاقِ: أنّ النبيَّ ﷺ فعَل المضمضةَ ولم يأمُرْ بها، وأفعالُه مَنْدُوبٌ إليها ليست بواجِبَةٍ إلّا بدليلٍ، وفَعلَ الاسْتِنثارَ وأمَر به، وأمْرُه على الوُجُوبِ أبدًا إلّا أنْ يتَبيَّن غيرُ ذلك من مُرادِه. وهذا على أُصُولهم في ذلك. وأمّا اختلافُ العلماءِ في حكم الأُذُنَين في الطهارة؛ فإنّ مالكًا قال فيما روَى عنه ابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسم، وأشْهَبُ، وغيرُهم: الأُذُنانِ من الرأس، إلّا أنّه قال: يُسْتَأنَفُ لهما ماءٌ جديدٌ سِوَى الماءِ الذي يَمْسَح به الرأسَ (١). فوافَقَ الشافعيَّ في هذه؛ لأنّ الشافعيَّ قال: يَمْسَحُ الأُذنين بماءٍ جديدٍ (٢). كما قال مالكٌ، ولكنّه قال: هما سُنّةٌ على حِيَالِهما، لا من الوَجْهِ ولا من الرأس. وقولُ أبي ثَوْرٍ في ذلك كقولِ الشافعيِّ سواءً حرفًا بحَرْفٍ. وقولُ أحمدَ بن حنبلٍ (٣) في ذلك كقولِ مالكٍ سواءً، في قوله: الأُذُنان من الرأسِ، وفي أنّهما يُسْتَأنَفُ لهما ماءٌ جديدٌ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: الأُذُنان (٤) من الرأسِ يُمْسَحان مع الرأسِ بماءٍ جديد. ورُوِيَ عن جماعةٍ من السلف مثلُ ذلك القولِ من الصحابةِ والتابعين.

стр. 1445

وقال ابنُ شهابٍ الزهريُّ: الأُذُنان من الوجْهِ. وقال الشعبيُّ: ما أقبلَ منهما من الوَجْهِ، وظاهِرُهما من الرأس. وبهذا القول قال الحسنُ بن حَيٍّ، وإسحاقُ بن راهُويَةَ؛ أنّ باطِنَهما من الوِجْهِ، وظاهِرَهما من الرأس. وحكى ابنُ أبي هريرةَ هذا القولَ عن الشافعيِّ. والمشهورُ من مذهبِه ما تقدَّم ذِكْرُه، رواه المُزنيُّ، والرَّبيعُ، والزَّعْفَرانيُّ، والبُوَيْطِيُّ، وغيرُهم. وقد رُوِيَ عن أحمدَ بن حنبلٍ مثلُ قول الشعبيِّ وإسحاقَ في هذا أيضًا. وقال داودُ: إن مسَح أُذُنَيْه فحَسَنٌ، وإن لم يَمْسَحْ فلا شيءَ عليه (١). وأهلُ العلم يكْرَهُون للمُتَوضِّئ تَرْكَ مَسْحِ أُذُنَيْه، ويجعَلُونَه تارِكَ سُنّةٍ من سُنَنِ النبيِّ ﷺ ، لا يُوجِبُونَ عليه إعادَةً، إلّا إسحاقَ بن راهُويَةَ، فإنّه قال: إنْ ترَك مَسْحَ أُذُنَيْه عامِدًا لم يُجْزِئْه. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: إنْ ترَكَهما عَمْدًا أحْبَبْتُ أنْ يُعِيدَ (٢). وقد كان بعضُ أصحابِ مالكٍ يقولُ: مَن ترَك سُنّةً من سُنَنِ الوُضوءِ أو الصلاةِ عامِدًا أعادَ (٣). وهذا عندَ الفقهاءِ ضعيفٌ، وليسَ لقائله سَلَفٌ، ولا له حظٌّ من النَّظَر، ولو كان كذلك لم يُعْرَف الفرضُ الواجبُ من غيرِه. وقال بعضُهم: مَن ترَك مَسْحَ أُذُنَيْه فكأنّه ترَك مَسْحَ بعض رأسِه. وهو ممّن يقولُ بأنّ الفرضَ مَسْحُ بعض الرأسِ، وأنّه يُجْزِئُ المُتَوضِّئَ مَسْحُ بعضِه. وقولُه هذا كلُّه ليس على أصْل مذهبِ مالكٍ الذي يُقْتَدَى به. وسيأتي القولُ في مَسْحِ الرأس في باب عَمْرو بن يحيى إن شاء الله.

стр. 1446

واحتجَّ مالكٌ والشافعيُّ في أخْذِهما للأُذنَين ماءً جديدًا: بأنّ عبدَ الله بن عُمَرَ كان يفْعَلُ ذلك (١). وحُجَّةُ أبي حنيفةَ وأصحابه ومَن قال بقولهم: إنّ الأُذُنين يُمْسَحان مع الرأس بماءٍ واحدٍ: حديثُ زيدِ بن أسلَمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنّه كذلك فَعَلَ (٢). وذلك موجودٌ أيضًا في حديث عبيدِ الله الخَوْلانيِّ، عن ابن عباسٍ، عن عليٍّ في صِفَةِ وُضوءِ رسولِ الله (٣) ﷺ ، وفي حديث الرُّبيَعِّ بنتِ مُعَوِّذِ بن عَفْراءَ (٤)، وفي حديثِ طَلْحَة بن مُصَرِّفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ﷺ (٥). واحتجُّوا أيضًا بحديثِ الصُّنابحيِّ هذا؛ قوله ﷺ : "فإذا مسَح برأسِه خرَجتِ الخطايا من أُذنَيْه"، كما قال في الوجه: "من أشفارِ عَيْنَيْه"، وفي اليَدَين: "من تحتِ أظْفارِه" (٦). ومعلوم أنّ العَمَلَ في ذلك واحدٌ بماءٍ واحدٍ. واحتَجُّوا أيضًا بما أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٧):

стр. 1447

حدَّثنا الحَسَنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا عبّاد بن منصورٍ، عن عكرمةَ بن خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنّه رأى رسولَ الله ﷺ يتَوضَّأُ. فذكَر الحديثَ كلّه ثلاثًا ثلاثًا، وفيه: قال: ومسَح برأسِه وأُذنَيْه مَسْحَةً واحدةً. وأكثرُ الآثارِ على هذا وقد يَحتَمِلُ أنّه مسَح رَأسَه مرّةً واحدةً، وأُذنَيْه مرّةً واحدةً؛ لأنه ذكَر الوضوءَ ثلاثًا ثلاثًا إلّا الرأسَ والأُذنَين. وحُجَّةُ مَن قال: يُغْسَلُ باطِنُهما مع الوَجْه، ويُمْسَحُ ظاهِرُهما مع الرأس: أنّ اللهَ قد أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ، وهو مَأخُوذٌ من المُواجَهَة، فكُلُّ ما وَقَعَ عليه اسمُ وَجْهٍ وجَبَ عليه غَسْلُه، وأمَر بمَسْحِ الرأس، وما لم يُواجِهْك من الأُذنَين فمِن الرأس؛ لأنّهما في الرّأس، فوَجَب المَسْحُ على ما لم يُواجَهْ منهما مع الرأس. قال أبو عُمر: هذا قولٌ تَرُدُّه الآثارُ الثابتةُ عن النبيِّ ﷺ ؛ أنّه كانَ يَمسحُ ظُهورَ أُذنَيه وبُطُونَهما - من حديث عليٍّ، وعثمانَ (١)، وابن عباس، والرُّبَيِّع بنتِ مُعُوِّذ، وغيرِهم. وحُجَّةُ ابن شهابٍ في أنّهما من الوَجْه (٢)؛ لأنّ ما لم يَنْبُتْ عليه الشَّعَرُ فهو من الوَجْهِ لا من الرأس إذا أدْرَكَتْه المواجهةُ ولم يكنْ قَفًا، والله قد أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ أمْرًا مُطلقًا. ويُمْكنُ أنْ يُحْتَجَّ له بحديثِ ابن أبي مُلَيكَةَ أنّه رأى عثمانَ بن عفانَ، فذكَر صفَةَ وضُوءِ رسول الله ﷺ ثلاثًا ثلاثًا. قال: ثم أدْخَلَ يَدَه فأخَذَ ماءً فمَسَحَ به رأسَهُ وأُذنَيْه، فغَسَلَ ظُهُورَهما وبُطُونَهما (٣).

стр. 1448

ومن الحُجَّةِ له أيضًا ما صَحَّ عن رسولِ الله ﷺ أنّه كان يقولُ في سُجُودِه: "سجَد وجْهي للذي خلَقه فشَقَّ سَمعَه وبصَرَه" (١)، فأضاف السَّمعَ إلى الوَجْهِ. وهذا كلُّه مُحتَمِلٌ للتأويل، يُمكِنُ فيه الاعْتراضُ. وحُجَّةُ الشافعيِّ في قوله: إنّ مَسْحَ الأُذنَين سُنَّةٌ على حيالها، وليستا من الوَجْه ولا من الرأس (٢). إجماعُ القائلينَ بإيجابِ الاسْتيعابِ في مَسْحِ الرأسِ أنّه إنْ ترَك مَسْحَ أُذنَيْه وصَلَّى لم يُعِدْ، فبطَل قولهُم: إنّهما من الرأس؛ لأنّه لو ترَك شيئًا من رَأسِه عندَهم لم يُجْزِئْه، وإجْماعُ العلماءِ أنّ الذي يجبُ عليه حلقُ رأسه في الحجِّ ليس عليه أنْ يأخُذَ ما على أُذنَيْه من الشَّعَر، فدلَّ ذلك على أنّهما ليستا من الرأس، وأنّ مَسْحَهما سُنّةٌ على الانفرادِ كالمضمضةِ والاسْتِنْشَاق. ولكلِّ طائفةٍ منهما اعتلالٌ من جهةِ الأثَرِ والنَّظَرِ ترَكْتُ ذلك خَشْتةَ الإطالَةِ، وأنّ الغرضَ والجُملةَ ما ذكَرْنا، وبالله توفيقنا. قال أبو عُمر: المعنى الذي يجبُ الوقوفُ على حقيقتِه في الأُذُنين: أنّ الرأسَ قد رَأينا له حُكْمَين، فما واجَهَ منه كان حُكْمُه الغَسْلَ، وما عَلا منه وكان مَوْضِعًا لنباتِ الشَّعَرِ كانَ حُكْمُه المَسْحَ. واختلافُ الفقهاءِ في الأُذنَين إنّما هو: هل حُكْمُهما المَسْحُ كحُكْم الرأسِ، أو حُكْمُهما الغَسْلُ كغَسْلِ الوَجْهِ، أو لهما من

стр. 1449

كلِّ واحدٍ منهما حُكْمٌ، أو هما من الرأسِ فيُمْسَحانِ معه؟ فلمّا قال ﷺ في هذا الحديث، حديث الصُّنابِحيِّ: "فإذا مسَح برأسِه خرَجت الخطايا من أُذنَيه". فأتَى (١) بذِكْرِ الأُذنَين مع الرأس، ولم يقل: إذا غسَل وجهَه خرَجَتِ الخطايا من أُذنَيه، عَلِمْنا أنّ الأُذنَين ليس لهما من حُكم الوجهِ شيءٌ؛ لأنّهما لم يُذْكَرَا معه، وذُكِرَا مع الرأس، فكانَ حُكْمُهما المَسْحَ كحُكْم الرأس، فليس يَصِحُّ من الاختلافِ في ذلك عندي إلّا مَسْحُهما مع الرأسِ بماءٍ واحدٍ، واستِئنافُ الماءِ لهما في المَسْح، فإنّ هذين القولَين مُحتَمِلان للتأويل. وأمّا قولُ مَن أمَر بغَسْلِهما، أو غَسْلِ بعضِهما - فلا معنى له، وذلك مَدفوعٌ بحديثِ الصُّنَابِحيِّ هذا، مع ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في مَسْحِهما، وبالله التوفيق. واستدلَّ بعض من لم يُجِز الوُضوءَ بالماءِ المُسْتَعْمَل بحديث الصُّنابحيِّ هذا، وقال: الماءُ إذا تُوُضِّئَ به مغ خرَجتِ الخَطايا معه، فوجَب التَّنزُّهُ عنه؛ لأنّه ماءُ الذُّنُوب. وهذا عندي لا وَجْهَ له؛ لأنّ الذُّنُوبَ لا تُنَجِّسُ الماءَ؛ لأنّها لا أشخاصَ لها ولا أجْسامَ (٢) تُمازِجُ الماءَ فتُفسِدُه، وإنّما معنى قوله: "خرَجتِ الخطايا مع الماء": إعلامٌ منه بأنّ الوُضوءَ للصلاةِ عمَل يُكَفِّرُ اللهُ به السَّيِّئاتِ عن عبادِه المؤمنين؛ رَحْمَةً منه بهم، وتفضُّلًا عليهم، أُعْلِمُوا بذلك ليَرْغَبُوا في العمل به. واختَلَفَ الفقهاءُ في الوُضوءِ بالماءِ المُسْتَعْمَل، وهو الذي قد تُوُضِّئَ به مرَّةً؛ فقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما (٣): لا يُتوَضَّأُ به، ومَن توضَّأ به أعادَ؛

стр. 1450

لأنّه ليس بماءٍ مُطلقٍ، ويتَيَمَّمُ واجِدُه؛ لأنّه ليس بواجِدٍ ماءً. ومن حُجَّتِهم في ذلك على الذين أجازُوا الوُضوءَ به عندَ عدَم غيرِه: أنّه لمّا كان مع الماءِ الذي يُستعمل كَلا مَاءٍ، كان عندَ عَدَمِه أيضًا كَلا ماءٍ، ووجَب التَّيَمُّمُ. وقال بقولهم في ذلك أصبَغُ بن الفَرَج، وهو قولُ الأوزاعيِّ (١). وأمّا مالكٌ فقال: لا يتَوضَّأُ به إذا وجَد غيرَه من الماء، ولا خَيرَ فيه. ثم قال: إذا لم يَجِدْ غيرَه توضَّأَ به ولم يَتَيَمَّمْ؛ لأنّه ماءٌ طاهرٌ لم يُغَيِّرْه شيءٌ (٢). وقال أبو ثَورٍ، وداودُ (٣): الوُضوءُ بالماءِ المستعمل جائزٌ؛ لأنه ماءٌ طاهرٌ لا يَنضافُ إليه شيءٌ، فوجَب أنّ يكونَ مُطَهِّرًا لطَهارتِه، ولأنّه لا يُضافُ إلى شيءٍ، وهو ماءٌ مُطلَقٌ. واحْتجُّوا بإجماعِ الأُمَّة على طَهارَتِه إذا لم يكن في أعضاءِ المُتَوضِّئ نجاسةٌ. وإلى هذا ذهَب أبو عبد الله المَرْوَزيُّ محمدُ بن نَصْرٍ (٤). ومن حُجَّتهم أنّ الماءَ قد يُستعمَلُ في العُضْوِ الواحدِ لا يَمتنِعُ من ذلك أحدٌ ولا يَسْلَمُ من ذلك. واختُلِفَ عن الثَّوريِّ (٥) في هذه المسألة، فرُوِيَ عنه أنّه قال: لا يَجوزُ الوُضوءُ بالماءِ المُسْتَعمل. وأظُنُّه حُكِيَ عنه أيضًا أنّه قال: هو ماءُ الذُّنوب. وقد رُوِيَ عنه خلافُ ذلك؛ وذلك أنّه أفْتَى مَن نَسِيَ مسْحَ رأسِه أن يأخذَ من بَلَلِ لِحْيَتِه فيَمْسَحُ

стр. 1451

به رأسَه. وهذا واضِحٌ في استِعمالِ الماءِ المستعمَل. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عُمَرَ، وأبي أُمامةَ، وعطاءِ بن أبي رباح، والحسن البصريِّ، والنَّخعيِّ، ومكْحولٍ، والزهريِّ، أنهم قالوا فيمن نسِي مسحَ رأسِه فوجَد في لِحْيَتِه بلَلًا: أنّه يُجْزِئُه أن يَمسحَ بذلك البَلَل رأسَه (١). فهؤلاء كلّهم أجازوا الوُضوءَ بالماءِ المُستعمل. وأما مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومن قال بقولهم، فلا يجوزُ عندَهم لمَن نَسي مسحَ رأسِه ووجَد في لحيتِه بَلَلًا أن يَمسحَ رأسَه بذلك البَلَلِ، ولو فعَل لم يُجْزِئْه، وكان كمن لم يَمسحْ، وكان عليه الإعادةُ لكلِّ ما صلَّى بذلك الوُضوءِ عندَهم؛ لأنّه ماءٌ قد أُدِّيَ به فرضٌ فلا يُؤَدَّى به فرض آخَرُ كالجِمارِ وشِبْهِها. قال أبو عُمر: الجِمارُ مختلفٌ في ذلك منها. وقال بعضُ المُنتَمِينَ إلى العِلم من أهل عصرِنا: إنّ الكبائرَ والصغائرَ تكَفِّرُها الصلاةُ والطهارةُ، واحتجَّ بظاهرِ حديث الصُّنابحيِّ هذا، وبمثله من الآثار، وبقوله ﷺ : "فما ترَون ذلك يُبْقي من دَرَنِه؟ " (٢)، وما أشْبَه ذلك. وهذا جَهْلٌ بَيِّنٌ، ومُوافَقةٌ للمُرجِئة فيما ذهَبوا إليه من ذلك، وكيف يجوزُ لذي لُبٍّ أن يَحملَ هذه الآثارَ على عُمومِها وهو يسمَعُ قولَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقوله ﵎: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] في آي كثير من كتابه.

стр. 1452

ولو كانت الطَّهارةُ والصلاةُ وأعمالُ البرِّ مُكَفِّرةً للكبائر، والمُتطَهِّرُ المُصَلِّي غير ذاكرٍ لذنبِه الموبِق، ولا قاصدٍ إليه، ولا حضَره في حينِه ذلك الندمُ عليه، ولا خطَرت خَطيئتُه المُحيطةُ به ببالِه - لما كان لأمرِ الله بالتوبةِ معنًى، ولكان كلُّ مَن توضَّأ وصلَّى يُشهَدُ له بالجنة بإثرِ سَلامِه من الصلاة، وإن ارتكَب قبلَها ما شاء من الموبقاتِ الكبائر. وهذا لا يقولُه أحدٌ ممّن له فَهْمٌ صحيحٌ. وقد أجمَع المسلمون أنّ التوبةَ على المُذْنب فرضٌ، والفُروضُ لا يَصِحُّ أداءُ شيءٍ منها إلّا بقَصْدٍ ونيّةٍ واعتقادِ أن لا عَوْدةَ، فَأمّا أنْ يُصلِّيَ وهو غيرُ ذاكِر لما ارْتَكَبَ من الكبائر، ولا نادم على ذلك، فمُحالٌ، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (١). وقال ﷺ : "الصَّلَواتُ الخمسُ، والجُمُعة إلى الجُمُعة، كفَّارةٌ لما بينهنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ". حدَّثنا يونُسُ بن عبد الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ (٢)، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجمُعةُ إلى الجمُعة، كَفّارةٌ لما بينَهُنَّ من الخطايا ما لم تُغشَ الكبائرُ" (٣).
следующие страницы →