← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1448–1487 · переход к 1453.

стр. 1448

ومن الحُجَّةِ له أيضًا ما صَحَّ عن رسولِ الله ﷺ أنّه كان يقولُ في سُجُودِه: "سجَد وجْهي للذي خلَقه فشَقَّ سَمعَه وبصَرَه" (١)، فأضاف السَّمعَ إلى الوَجْهِ. وهذا كلُّه مُحتَمِلٌ للتأويل، يُمكِنُ فيه الاعْتراضُ. وحُجَّةُ الشافعيِّ في قوله: إنّ مَسْحَ الأُذنَين سُنَّةٌ على حيالها، وليستا من الوَجْه ولا من الرأس (٢). إجماعُ القائلينَ بإيجابِ الاسْتيعابِ في مَسْحِ الرأسِ أنّه إنْ ترَك مَسْحَ أُذنَيْه وصَلَّى لم يُعِدْ، فبطَل قولهُم: إنّهما من الرأس؛ لأنّه لو ترَك شيئًا من رَأسِه عندَهم لم يُجْزِئْه، وإجْماعُ العلماءِ أنّ الذي يجبُ عليه حلقُ رأسه في الحجِّ ليس عليه أنْ يأخُذَ ما على أُذنَيْه من الشَّعَر، فدلَّ ذلك على أنّهما ليستا من الرأس، وأنّ مَسْحَهما سُنّةٌ على الانفرادِ كالمضمضةِ والاسْتِنْشَاق. ولكلِّ طائفةٍ منهما اعتلالٌ من جهةِ الأثَرِ والنَّظَرِ ترَكْتُ ذلك خَشْتةَ الإطالَةِ، وأنّ الغرضَ والجُملةَ ما ذكَرْنا، وبالله توفيقنا. قال أبو عُمر: المعنى الذي يجبُ الوقوفُ على حقيقتِه في الأُذُنين: أنّ الرأسَ قد رَأينا له حُكْمَين، فما واجَهَ منه كان حُكْمُه الغَسْلَ، وما عَلا منه وكان مَوْضِعًا لنباتِ الشَّعَرِ كانَ حُكْمُه المَسْحَ. واختلافُ الفقهاءِ في الأُذنَين إنّما هو: هل حُكْمُهما المَسْحُ كحُكْم الرأسِ، أو حُكْمُهما الغَسْلُ كغَسْلِ الوَجْهِ، أو لهما من

стр. 1449

كلِّ واحدٍ منهما حُكْمٌ، أو هما من الرأسِ فيُمْسَحانِ معه؟ فلمّا قال ﷺ في هذا الحديث، حديث الصُّنابِحيِّ: "فإذا مسَح برأسِه خرَجت الخطايا من أُذنَيه". فأتَى (١) بذِكْرِ الأُذنَين مع الرأس، ولم يقل: إذا غسَل وجهَه خرَجَتِ الخطايا من أُذنَيه، عَلِمْنا أنّ الأُذنَين ليس لهما من حُكم الوجهِ شيءٌ؛ لأنّهما لم يُذْكَرَا معه، وذُكِرَا مع الرأس، فكانَ حُكْمُهما المَسْحَ كحُكْم الرأس، فليس يَصِحُّ من الاختلافِ في ذلك عندي إلّا مَسْحُهما مع الرأسِ بماءٍ واحدٍ، واستِئنافُ الماءِ لهما في المَسْح، فإنّ هذين القولَين مُحتَمِلان للتأويل. وأمّا قولُ مَن أمَر بغَسْلِهما، أو غَسْلِ بعضِهما - فلا معنى له، وذلك مَدفوعٌ بحديثِ الصُّنَابِحيِّ هذا، مع ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في مَسْحِهما، وبالله التوفيق. واستدلَّ بعض من لم يُجِز الوُضوءَ بالماءِ المُسْتَعْمَل بحديث الصُّنابحيِّ هذا، وقال: الماءُ إذا تُوُضِّئَ به مغ خرَجتِ الخَطايا معه، فوجَب التَّنزُّهُ عنه؛ لأنّه ماءُ الذُّنُوب. وهذا عندي لا وَجْهَ له؛ لأنّ الذُّنُوبَ لا تُنَجِّسُ الماءَ؛ لأنّها لا أشخاصَ لها ولا أجْسامَ (٢) تُمازِجُ الماءَ فتُفسِدُه، وإنّما معنى قوله: "خرَجتِ الخطايا مع الماء": إعلامٌ منه بأنّ الوُضوءَ للصلاةِ عمَل يُكَفِّرُ اللهُ به السَّيِّئاتِ عن عبادِه المؤمنين؛ رَحْمَةً منه بهم، وتفضُّلًا عليهم، أُعْلِمُوا بذلك ليَرْغَبُوا في العمل به. واختَلَفَ الفقهاءُ في الوُضوءِ بالماءِ المُسْتَعْمَل، وهو الذي قد تُوُضِّئَ به مرَّةً؛ فقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما (٣): لا يُتوَضَّأُ به، ومَن توضَّأ به أعادَ؛

стр. 1450

لأنّه ليس بماءٍ مُطلقٍ، ويتَيَمَّمُ واجِدُه؛ لأنّه ليس بواجِدٍ ماءً. ومن حُجَّتِهم في ذلك على الذين أجازُوا الوُضوءَ به عندَ عدَم غيرِه: أنّه لمّا كان مع الماءِ الذي يُستعمل كَلا مَاءٍ، كان عندَ عَدَمِه أيضًا كَلا ماءٍ، ووجَب التَّيَمُّمُ. وقال بقولهم في ذلك أصبَغُ بن الفَرَج، وهو قولُ الأوزاعيِّ (١). وأمّا مالكٌ فقال: لا يتَوضَّأُ به إذا وجَد غيرَه من الماء، ولا خَيرَ فيه. ثم قال: إذا لم يَجِدْ غيرَه توضَّأَ به ولم يَتَيَمَّمْ؛ لأنّه ماءٌ طاهرٌ لم يُغَيِّرْه شيءٌ (٢). وقال أبو ثَورٍ، وداودُ (٣): الوُضوءُ بالماءِ المستعمل جائزٌ؛ لأنه ماءٌ طاهرٌ لا يَنضافُ إليه شيءٌ، فوجَب أنّ يكونَ مُطَهِّرًا لطَهارتِه، ولأنّه لا يُضافُ إلى شيءٍ، وهو ماءٌ مُطلَقٌ. واحْتجُّوا بإجماعِ الأُمَّة على طَهارَتِه إذا لم يكن في أعضاءِ المُتَوضِّئ نجاسةٌ. وإلى هذا ذهَب أبو عبد الله المَرْوَزيُّ محمدُ بن نَصْرٍ (٤). ومن حُجَّتهم أنّ الماءَ قد يُستعمَلُ في العُضْوِ الواحدِ لا يَمتنِعُ من ذلك أحدٌ ولا يَسْلَمُ من ذلك. واختُلِفَ عن الثَّوريِّ (٥) في هذه المسألة، فرُوِيَ عنه أنّه قال: لا يَجوزُ الوُضوءُ بالماءِ المُسْتَعمل. وأظُنُّه حُكِيَ عنه أيضًا أنّه قال: هو ماءُ الذُّنوب. وقد رُوِيَ عنه خلافُ ذلك؛ وذلك أنّه أفْتَى مَن نَسِيَ مسْحَ رأسِه أن يأخذَ من بَلَلِ لِحْيَتِه فيَمْسَحُ

стр. 1451

به رأسَه. وهذا واضِحٌ في استِعمالِ الماءِ المستعمَل. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عُمَرَ، وأبي أُمامةَ، وعطاءِ بن أبي رباح، والحسن البصريِّ، والنَّخعيِّ، ومكْحولٍ، والزهريِّ، أنهم قالوا فيمن نسِي مسحَ رأسِه فوجَد في لِحْيَتِه بلَلًا: أنّه يُجْزِئُه أن يَمسحَ بذلك البَلَل رأسَه (١). فهؤلاء كلّهم أجازوا الوُضوءَ بالماءِ المُستعمل. وأما مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومن قال بقولهم، فلا يجوزُ عندَهم لمَن نَسي مسحَ رأسِه ووجَد في لحيتِه بَلَلًا أن يَمسحَ رأسَه بذلك البَلَلِ، ولو فعَل لم يُجْزِئْه، وكان كمن لم يَمسحْ، وكان عليه الإعادةُ لكلِّ ما صلَّى بذلك الوُضوءِ عندَهم؛ لأنّه ماءٌ قد أُدِّيَ به فرضٌ فلا يُؤَدَّى به فرض آخَرُ كالجِمارِ وشِبْهِها. قال أبو عُمر: الجِمارُ مختلفٌ في ذلك منها. وقال بعضُ المُنتَمِينَ إلى العِلم من أهل عصرِنا: إنّ الكبائرَ والصغائرَ تكَفِّرُها الصلاةُ والطهارةُ، واحتجَّ بظاهرِ حديث الصُّنابحيِّ هذا، وبمثله من الآثار، وبقوله ﷺ : "فما ترَون ذلك يُبْقي من دَرَنِه؟ " (٢)، وما أشْبَه ذلك. وهذا جَهْلٌ بَيِّنٌ، ومُوافَقةٌ للمُرجِئة فيما ذهَبوا إليه من ذلك، وكيف يجوزُ لذي لُبٍّ أن يَحملَ هذه الآثارَ على عُمومِها وهو يسمَعُ قولَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقوله ﵎: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] في آي كثير من كتابه.

стр. 1452

ولو كانت الطَّهارةُ والصلاةُ وأعمالُ البرِّ مُكَفِّرةً للكبائر، والمُتطَهِّرُ المُصَلِّي غير ذاكرٍ لذنبِه الموبِق، ولا قاصدٍ إليه، ولا حضَره في حينِه ذلك الندمُ عليه، ولا خطَرت خَطيئتُه المُحيطةُ به ببالِه - لما كان لأمرِ الله بالتوبةِ معنًى، ولكان كلُّ مَن توضَّأ وصلَّى يُشهَدُ له بالجنة بإثرِ سَلامِه من الصلاة، وإن ارتكَب قبلَها ما شاء من الموبقاتِ الكبائر. وهذا لا يقولُه أحدٌ ممّن له فَهْمٌ صحيحٌ. وقد أجمَع المسلمون أنّ التوبةَ على المُذْنب فرضٌ، والفُروضُ لا يَصِحُّ أداءُ شيءٍ منها إلّا بقَصْدٍ ونيّةٍ واعتقادِ أن لا عَوْدةَ، فَأمّا أنْ يُصلِّيَ وهو غيرُ ذاكِر لما ارْتَكَبَ من الكبائر، ولا نادم على ذلك، فمُحالٌ، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (١). وقال ﷺ : "الصَّلَواتُ الخمسُ، والجُمُعة إلى الجُمُعة، كفَّارةٌ لما بينهنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ". حدَّثنا يونُسُ بن عبد الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ (٢)، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجمُعةُ إلى الجمُعة، كَفّارةٌ لما بينَهُنَّ من الخطايا ما لم تُغشَ الكبائرُ" (٣).

стр. 1453

وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بَكرِ محمدُ بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا عمرُ بن سعيدٍ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصين، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "الجمُعةُ إلى الجمُعةِ كفَّارةٌ لما بينَهما لمن اجْتَنَبَ الكبائرَ" (١). وروى عبد الرزاق (٢) قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ الله بن مسعودٍ: الصَّلواتُ الخمسُ كفَّارةٌ لما بَينَهنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. قال (٣): وأخبَرني الثوريُّ عن أبيه، عن المُغير بن شُبيلٍ، عن طارق بن شهابٍ، سمِع سَلْمان الفارسيَّ يقول: حافِظُوا على هذه الصلواتِ الخَمْس، فإنَّهنَّ (٤) كفَّارةٌ لهذه الجراح ما لم تُصَبِ المَقْتَلةُ. وحدَّثنا سعيدٌ (٥)، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٦)، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاحٍ (٧)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٨): حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن مُغيرةَ، عن زيادِ بن كُلَيْبٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمَة (٩)، عن سَلْمان (١٠)، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ألا

стр. 1454

أُحَدِّثُكم عن يوم الجمعةِ؟ لا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ ثم يأتي الجمعةَ فيَجْلِسُ ويُنْصِتُ حتى يَقْضِيَ الإمامُ صلاتَه، إلّا كانت له كفّارةَ ما بينَ الجمعةِ إلى الجمعةِ ما اجْتُنِبتِ الكبائرُ". قال أبو بكر (١): وحدَّثنا إسحاقُ بن منصور، عن أبي كُدَيْنَةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عَلقمةَ، عن القَرْثَع (٢)، عن سَلْمانَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أُحَدِّثُكَ عن يوم الجمعة، مَن تَطَهَّرَ وأتَى الجمعةَ، ثم أنْصَتَ حتى يَقْضِيَ الإمامُ صلاتَه، كانت كفّارةً لما بينَها وبينَ الجمعةِ التي تَليها ما اجْتُنِبَت المَقْتَلَةُ". قال (٣): وحدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرَةَ، عن أبي مَعْشَرٍ زيادِ بن كُلَيْبٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ، عن القَرْثَع، عن سَلْمانَ، عن رسولِ الله ﷺ ، مثلَ حديثِ إسحاقَ بن منصورٍ، عن أبي كُدَيْنَة. وهذا يُبَيِّنُ لك ما ذكَرْنا، ويُوضِّحُ لك أنّ الصغائرَ تُكفَّرُ بالصلواتِ الخمس لمَن اجْتَنَبَ الكبائرَ، فيكونُ على هذا معنى قول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]: الصَّغائرَ بالصلاةِ والصوم والحجِّ وأداءِ الفرائضِ وأعمالِ البِرِّ، وإن لم تَجتَنِبوا الكبائرَ ولم تتوبوا منها لم تَنْتَفِعُوا بتكْفيرِ الصغائرِ إذا واقَعْتُم المُوبقاتِ المُهلكاتِ، والله أعلمُ. وهذا كلُّه قبلَ الموت، فإن مات صاحبُ الكبير فمَصيرُه إلى الله؛ إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبه، فإن عذَّبه فبجُرمِه، وإن عَفا عنه فهو أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرة. وإن تابَ قبلَ الموتِ وقبلَ حضورِه ومُعايَنتِه، وندِم، واعتقَد ألّا يَعودَ، واستغفَر ووَجِل، كان كمن لم يُذنِبْ. وبهذا كلِّه الآثارُ الصِّحاحُ عن السَّلَفِ قد

стр. 1455

جاءت، وعليه جماعةُ علماءِ المسلمين، ولو تَدبَّر هذا القائلُ الحديثَ الذي فيه ذكرُ خروجِ الخطايا من فَمِه وأنفِه ويدَيه ورِجْليه ورأسِه (١)، لعلِم أنّها الصغائرُ في الأغلب، ولعلِم أنّها مَعْفُوٌّ عنها بتَرْكِ الكبائرِ؛ دليلُ ذلك قولُه ﷺ : "العينان تَزْنيان، واليَدان تَزْنيان، والفمُ يَزْني، ويُصَدِّقُ ذلك كُلُّه الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه". يريدُ، واللهُ أعلمُ، أنّ الفَرْجَ بعملِه يُوجِبُ المَهلكَةَ، وما لم يكنْ ذلك فأعمالُ البِرِّ يَغْسلْنَ ذلك كلَّه. وقد كنتُ أرغَبُ بنفسِي عن الكلام في هذا الباب لولا قولُ ذلك القائل، وخَشِيتُ أن يَغتَرَّ به جاهلٌ فيَنْهَمِكَ في المُوبقاتِ اتِّكالًا على أنّها تُكَفِّرُها الصلواتُ الخمسُ دونَ الندم عليها والاستغفارِ والتوبةِ منها، واللهُ أعلم، ونسألُه العِصمةَ والتوفيق. حدَّثني سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا الحجَّاجُ بن المِنْهال، قال: حدَّثنا حمادُ بن سَلَمَة، عن ثابتٍ، وعليِّ بن زيدٍ، وحُميدٍ، وصالح المُعلِّم، ويونسَ، عن الحَسَن، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "الصلواتُ الخمسُ والجمُعةُ إلى الجمُعة، كفّارةٌ لما بَينهُنَّ ما اجْتُنبَتِ الكبائرُ" (٢). وأما حديثُ عَمْرو بن عَبَسَةَ في هذا الباب - ومنه قام حديثُ الصّنابحيِّ واللهُ أعلمُ.

стр. 1456

فحدَّثنا (١) أبو عبد الله محمدُ بن خليفةَ ﵀، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسين الآجُرِّيُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، حدَّثنا أبو أيوبَ سليمانُ بن عبد الرحمنِ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسينٍ، عن شهْرِ بن حَوْشَبٍ، أنّه لَقِيَ أبا أُمامةَ الباهليَّ، فسأله عن حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ السُّلَميِّ حينَ حدَّث شُرَحْبيلَ بن السِّمْطِ وأصحابَه أنّه سمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن رمَى بسَهم في سبيل الله فبلَغ، أخطَأ أو أصاب، كان سَهْمُه ذلك كعِدْلِ رَقبةٍ من ولَدِ إسماعيلَ، ومَن خرَجت له شَيْبةٌ في سبيل الله كانت له نورًا يومَ القيامة، ومَن أعتَقَ رَقَبةً مُسلمةً كانت له فِكاكًا من جَهنَّم، ومَن قام إلى الوضوء يَراه حقًّا عليه فمَضمَضَ غُفِرتْ له ذنوبُه مع أولِ قطرةٍ من طهورِه، فإذا غسَل وجْهَه فمِثْلُ ذلك، فإذا غَسَل رِجْليه فمثلُ ذلك، فإن جلَس جلَس سالِمًا، وإن صَلَّى تُقُبِّلَ منه" (٢).

стр. 1457

قال شَهْرٌ: فحدَّثني أبو أُمامةَ، عن عمرِو بن عَبَسةَ بهذا الحديث، سمِعه من رسولِ الله ﷺ ، إلّا أنّ إسماعيلَ بن عيّاشٍ أجمَعوا أنّه ليس بحجّةٍ فيما يَنفرِدُ به (١). وحدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مروانَ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ عيّاشٍ، هو إسماعيلُ، قال: حدَّثَني يحيى بن أبي عَمْرٍو السَّيبانيّ (٢)، عن أبي سَلّام الحَبَشيِّ وعمرِو بن عبد الله، أنَّهما سَمِعا أبا أُمامةَ الباهليَّ يُحَدِّثُ عن عمرِو بن عَبَسَةَ السلميِّ، قال: رَغِبْتُ عن آلهةِ قومي في الجاهليّة، ورأيتُ أنّها آلهةُ باطلٍ؛ كانوا يَعبُدُون الحجارةَ، والحجارةُ (٣) لا تَضرُّ ولا تَنفَعُ. قال: فلَقِيتُ رَجُلًا من أهلِ الكتاب، فسألتُه عن أفضلِ الدِّين، فقال: رَجُلٌ يخرُجُ من مكّةَ، ويَرْغَبُ عن آلهةِ قومِه، ويَدْعُو إلى غيرِها، وهو يَدْعُو إلى أفضل (٤) الدِّين، فإذا سَمِعْتَ به فاتَّبِعْه. فلم يكنْ لي هَمٌّ إلّا مكَّةَ آتِيها (٥) فأسألُ: هل حدَث فيها حدثٌ أو أمْرٌ؟ فيقولون: لا. فأنصَرِفُ إلى أهلي، وأهلي بالطَّريق غيرُ بعيدٍ، فأعتَرضُ خارجي مكَّةَ، فأسألُهم: هل حَدَثَ فيها حَدَثٌ أو أمْرٌ؟ فيقولون: لا. فإنِّي قاعِدٌ على الطَّريقِ إذ مَرَّ بي راكبٌ، فقلتُ: من أينَ جئتَ؟ فقال: من مكّةَ. قلتُ: حَدَثَ فيها حَدَثٌ؟ قال: نعم، رجلٌ رغِب عن آلهةِ قومِه، ويَدْعو (٦) إلى غيرِها. قلتُ: صاحبي الذي أُريدُ. فشَدَدْتُ راحلَتي برَحْلِها، فجئتُ منزلي الذي كنتُ أنْزِلُ فيه، فسألتُ عنه، فوجَدْتُه مُسْتَخْفِيًا بشَأنِه، ووجَدْتُ قريشًا عليه جُرَآءَ، فتلطَّفتُ حتى دخَلتُ،

стр. 1458

فسَلَّمْتُ عليه، ثم قلتُ: ما أنتَ (١)؟ فقال: "أنا نبيٌّ". فقلتُ: وما النبيُّ؟ قال: "رسولُ الله". قلتُ: مَن أرسلَك؟ قال: "الله". قلتُ: فَبِمَ أرسَلَك؟ قال: "بأنْ تُوصَلَ الأرحامُ، وتُحْقَنَ الدِّماءُ، وتأمَن السُّبُلُ، وتُكَسَّرَ الأوثانُ، ويُعْبَدَ اللهُ وحدَه لا يُشْرَكُ به شيءٌ". قلتُ: نِعْمَ ما أرْسَلَك، فاشْهَدْ أنِّي قد آمَنْتُ بكَ، وصدَّقْتُ بك، أمْكُثُ معك، أم ماذا ترَى؟ قال: "قد ترَى كراهِيةَ الناس لِما جئتُ به، فامكُثْ في أهلِك، فإذا سمِعتَ بأنِّي خَرَجْتُ مَخْرَجي فائتِني". فلمّا سمِعتُ به خرَج إلى المدينةِ سِرْتُ حتى قدِمتُ عليه، قلتُ: يا نبيَّ الله، تَعرِفُني؟ قال: "نعم، أنتَ السُّلَميُّ الذي جئتَني، فقلْتَ لي كذا وكذا". فاغْتَنَمْتُ ذلك المجلسَ، وعرفتُ أنّه لا يكونُ لي أفرغَ قلبًا منه (٢) في ذلك المجلسِ، قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الساعاتِ أسَمَعُ؟ قال: "جَوْفُ اللَّيل الآخِرِ، والصلاةُ مشهودةٌ متقَبَّلةٌ حتى تخرُجَ الشَّمْسُ، فإذا رأيْتَها خرَجتْ حمراءَ فأقْصِرْ عنها؛ فإنّها تَخرُجُ بين قَرْنَيْ شيطانٍ، وتُصَلِّي لها الكفارُ، فإذا ارتفَعتْ قَدْرَ رُمْح أو رُمْحَين فصلِّ، فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ متقبَّلةٌ حتى يَسْتَوِيَ الرُّمْحُ بالظِّلِّ، فإذا استوَى الرُّمْحُ بالظِّلِّ فأقْصِرْ عنها، فإنّه حينَ تُسْجَرُ أبوابُ جهنَّمَ، فإذا فاءَ الظِّلُّ (٣) فصلِّ، فإنّ الصلاةَ مَشهودةٌ مُتقبَّلةٌ حتى تَغرُبَ الشَّمْسُ، فإذا رأيتَها حَمْراءَ فأقْصِرْ عنها، فإنّها تغرُبُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وتُصلِّي لها الكفارُ". ثم أخَذَ في الوُضوءِ، وقال: "إذا توضَّأتَ فغسَلتَ يَدَيْكَ خرَجتْ خطايا يَدَيْكَ من أطرافِ أنامِلكَ مع الماء، فإذا غسَلتَ وجْهَكَ ومَضْمَضْتَ واستَنْثَرْتَ خَرَجتْ خطايا وجهِكَ من فيكَ وخَياشِيمِكَ مع الماء، فإذا مَسَحْتَ برأسكَ وأُذنَيْكَ خرَجتْ خطايا رأسكَ وأُذنَيكَ من أطرافِ شَعَرِكَ مع الماء، فإذا

стр. 1459

غسَلتَ رجليكَ خرَجتْ خطايا رِجْلَيكَ وأنامِلِكَ مع الماءِ، فصَلَّيتَ فحمِدْتَ ربَّكَ بما هو أهلُه انْصَرَفْتَ من صلاتِكَ كيومَ ولَدَتْكَ أمُّكَ" (١). قال أبو داود: وقرَأْتُ على المُؤَمَّل بن إهابٍ، قال: حدَّثنا النَّضْرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عِكْرمةُ بن عمّار العِجْليُّ، قال: حدَّثنا شَدَّادُ بن عبد الله أبو عمَّارٍ ويحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي أُمامةَ - قيل لعكرمةَ: ولَقِيَ شدَّادٌ أبا أُمامةَ؟ قال: نعم، وواثلَةَ، وصَحِبَ أنسَ بن مالكٍ إلى الشام - قال: قال عَمْرُو بن عَبَسةَ السُّلَميُّ: كنتُ في الجاهليّة أظنُّ أنّ الناسَ على ضلالةٍ، وأنّهم ليسوا على شيءٍ وهم يَعبُدونَ الأوثانَ. قال: فسَمِعتُ برَجُلٍ بمكَّةَ. فساقَ الحديثَ بمعنى ما تقدَّم. قال: فقَدِمْتُ المدينةَ، فدخَلتُ عليه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أتَعْرِفُني؟ قال: "نعم، ألستَ الذي لَقِيتَني بمكّةَ؟ ". قال: فقلتُ: بلى. وقلتُ: يا نبيَّ الله، أخبِرْني عمّا علَّمك اللهُ وأجْهَلُه، أخبِرْني عن الصلاة. قال: "صلِّ صلاةَ الصُّبْح، ثم أقْصِرْ عن الصلاةِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وحتى تَرتَفِعَ، فإنّها تَطلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكفارُ، ثم صلِّ، فإنَّ الصلاةَ مَشهوةٌ مَحْضُورةٌ حتى يَستقلَّ (٢) الظِّلُّ بالرُّمْح،

стр. 1460

ثم أقْصِرْ عن الصلاةِ، فإنه حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّمُ، فإذا أقبَل الفَيْءُ فصَلِّ، فإنّ الصلاةَ مَشْهودَةٌ محَضورَةٌ حتى تُصَلَّيَ العصرَ، ثم أقْصِرْ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، فإنّها تَغْرُبُ بينَ قَرْنَي شيطانٍ، وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكفارُ". فقلتُ: أيْ نبيَّ الله، الوضوءُ؛ حدِّثْني عنه؟ قال: "ما منكم من رجلٍ يُقرِّبُ وَضُوءَه، فيتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِقُ ويَسْتَنْثِرُ، إلّا خرَجتْ خطايا وجهِه وفيهِ وخَياشِيمِه مع الماء، ثم إذا غسَل وجهَه كما أمَره اللهُ خرَجتْ خطايا وجهِه من طَرَفِ لِحْيَتِه مع الماء، ثم يَغسِلُ يدَيْه إلى المِرْفَقَين إلّا خرَجتْ خطايا يدَيْه من أنامِلِه مع الماء، ثم يَمسحُ برأسِه إلّا خرَجتْ خطايا رأسِه من أطرافِ شَعَرِه مع الماء، ثم يَغْسِلُ قَدَمَيْه إلى الكَعْبَين إلّا خرَجتْ خطايا رِجْليه من أنامِلِه مع الماء، فإن هو قام فصَلَّى فحَمِد اللهَ، وأثْنَى عليه، ومَجَّدَه بالذي هو أهلُه إلّا انصرَف من خَطيئَتِه كيومَ ولَدَتْه أُمُّه" (١). وذكَر باقي الكلام. قال (٢): وحدَّثنا أبو تَوْبَةَ الرَّبيعُ بن نافع، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُهاجِرِ، عن العبّاسِ بن سالمٍ، عن أبي سلّام، عن أبي أُمامةَ، عن عَمْرِو بن عَبَسةَ السُّلَميِّ أنّه قال: أتَيْتُ رسولَ الله ﷺ في أوّلِ ما بُعِثَ وهو بمكَّةَ، وهو حينَئذٍ مُسْتَخفٍ، فقلتُ: مَن أنتَ؟ قال: "أنا نبيٌّ". قلتُ: وما النبيُّ؟ فذكَر الحديثَ. وقال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمْني ممّا عَلَّمَكَ اللهُ. فقال: "سَلْ عمّا شِئْتَ". فقلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الليلِ أفضلُ؟ قال: "جَوْفُ الليلِ الآخِرِ، فصلِّ ما شِئْتَ، فإنَّ الصلاةَ مَشهودَةٌ مَكتوبةٌ حتى تُصلِّيَ الصُّبحَ، ثم أقْصِرْ حتى تَطْلُعَ الشمسُ وتَرتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ

стр. 1461

أو رُمْحَين، فإنّها تَطْلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وتُصلِّي لها الكُفّارُ، ثم صلِّ ما شِئْتَ، فإنّ الصلاةَ مَشهودَةٌ مَكتوبةٌ حتى يَعْتدِلَ رُمْحٌ بظِلِّه، ثم أقْصِرْ، فإنّ جهنَّمَ تُسْجَرُ وتُفْتَحُ أبوابُها، فإذا زاغَتِ الشمسُ فصلِّ ما شِئْتَ، فإنّ الصلاةَ مَكتوبةٌ مَشهودَةٌ حتى تُصلِّيَ العصرَ، ثمَّ أقْصِرْ حتى تَغرُبُ الشمسُ، فإنّها تَغرُبُ بينَ قَرْنَي شيطانٍ وتُصَلِّيَ لها الكفارُ، فإذا توضَّأتَ فاغْسِلْ يَدَيْكَ، فإنّك إذا غسَلتَ يَدَيْكَ خرَجتْ خطاياكَ من أطرافِ أنامِلِكَ، ثم إذا غسَلتَ وَجْهَكَ خرَجتْ خطاياكَ من وجْهِكَ، ثم إذا مَضْمَضتَ واسْتَنْثَرْتَ خرَجتْ خطاياك من فِيْكَ ومناخِرك، ثم إذا غَسَلْتَ ذِراعَيْكَ خرَجتْ خطاياكَ من ذِراعَيكَ، ثم إذا مسَحْتَ برأسِك خرَجتْ خطاياك من أطرافِ شَعَرِكَ، ثم إذا غسَلتَ رِجْلَيكَ خرَجتْ خطاياكَ من أطرافِ أنامِلِ رِجْليكَ، فإن ثَبَتَّ في مَجْلِسِكَ كان لك حَظُّكَ من وُضُوئِكَ، فإن قُمْتَ فَذَكَرْتَ ربَّكَ وحَمِدْتَ، ورَكَعْتَ له رَكْعَتَين تُقْبِلُ عليهما بقَلْبِكَ - كُنتَ (١) من خطاياكَ كيومَ ولَدَتْكَ أُمُّكَ". حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيْس، قال: حدَّثنا أبو يزيدَ شَجَرَةُ بن عيسَى، قال: حدَّثنا عليُّ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن رَجلٍ من أهل الشام، عن كعبِ بن مُرَّةَ البَهْزيِّ، قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله، أيُّ الليلِ أسْمَعُ؟ قال: "جَوفُ اللَّيلِ الآخِرِ، ثم الصلاةُ مَقبولةٌ حتى تُصلِّيَ الفجرَ، ثم لا صلاةَ حتّى تكونَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين، ثم الصلاةُ مَقبولَةٌ حتى يَقُومَ الظِّلُّ قَيامَ الرُّمْح، ثم لا صلاةَ حتى تَزولَ الشمسُ، ثم الصلاةُ مَقبولةٌ حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَتْ للغُروبِ قَدْرَ رُمْح أو رُمْحَين،

стр. 1462

فإذا غسَلتَ وجْهَكَ خرَجتْ خطاياكَ من وجهِكَ، وإذا غسَلتَ ذِراعَيْكَ خرَجتَ الخطايا من ذِراعَيْكَ، وإذا غسَلتَ رجليكَ خرَجتِ الخطايا من رجليكَ" (١). قال أبو عُمر: ليس في شيءٍ من هذه الآثار: "فإذا مسَح برأسِه خرَجتِ الخطايا من أُذُنَيه"، وذلك موجودٌ في حديثِ الصُّنابحيِّ، وسائرُ حديثِ الصُّنابِحيِّ كلِّه على ما في حديثِ عَمْرو بن عَبَسَةَ المذكورِ في هذا الباب، والحمدُ لله، وإنّما ذكَرْناها ليَتَبيَّنَ بها حديثُ الصُّنابحيِّ وَيتَّصِلَ ويَسْتَنِدَ؛ فلذلك ذكَرْناها لتَقِفَ على حُجَّة نَقْلِها وتُسْكُنَ إليها، وبالله التوفيق.

стр. 1463

حديثٌ عاشرٌ لزَيْد بن أسْلَم مُسْندٌ ثابت مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي رافعٍ مولَى رسولِ الله ﷺ قال: اسْتَسْلَف رسولُ الله ﷺ بَكْرًا، فجاءَتْه إبلٌ من الصَّدَقة. قال أبو رافع: فأمَرني رسولُ الله ﷺ أن أقضِيَ الرجلَ بَكْرَه، فقلتُ: لم أجِدْ في الإبل إلّا جملًا خِيارًا رَباعيًا. فقال رسولُ الله ﷺ : "أعْطِه إيّاه، فإنّ خِيارَ الناس (٢) أحسنُهم قضاءً". قال أهلُ اللغة: البَكْرُ من الإبل: الفَتيُّ، والخِيارُ: المختارُ الجيِّدُ. قال صاحبُ "العين" (٣): ناقةٌ خِيار، وجملٌ خِيارٌ، والجمعُ خِيارٌ أيضًا. ويقالُ: أربَعَ الفَرَسُ، وأربعَ الجملُ: إذا ألقَى رَبَاعِيَته (٤)، فهو رَباعٌ، والأنثَى رَباعِيَةٌ. قال أبو عُمر (٥): معلومٌ أنّ اسْتِسْلافَ رسولِ الله ﷺ الجملَ البَكْرَ المذكورَ في هذا الحديث لم يكن لنفسِه؛ لأنّه قَضاه من إبل الصَّدَقة، ومعلومٌ أنّ الصدقةَ مُحَرَّمةٌ عليه، لا يَحِلُّ له أكلُها ولا الانتفاعُ بها، وقد مضَى بيانُ هذا في بابِ (٦) ربيعةَ، ولهذا عَلِمْنا أنّه لم يكنْ ليؤَدِّيَ عن نفسِه من مالِ المساكين، وإذا صحَّ هذا، عَلِمْنا أنّه إنّما اسْتَسْلَف الجملَ للمساكين واسْتَقْرَضه عليهم؛ لِما

стр. 1464

رأى مِن الحاجة، ثم ردَّه من إبل الصَّدَقة، كما يَسْتَقْرِضُ وَلِيُّ اليتيم عليه نظرًا له، ثم يَرُدُّه من مالِه إذا طرَأ له مالٌ، وهذا كلُّه لا يُنازع فيه، والحمدُ لله. وقد اختلَف العلماءُ في حال المسْتَقْرَضِ منه الجملُ المذكورُ في هذا الحديث؛ فقال منهم قائلون: لم يكن المسْتَقْرَضُ منه ممَّن تجِبُ عليه صدقةٌ، ولا يَلْزَمُه زكاةٌ؛ لأنّه قد رَدَّ عليه رسولُ الله ﷺ صدقَتَه، ولم يَحتَسِبْ له بها، وقتُ أخْذِ الصدقاتِ وخروجِ السُّعاةِ وقتًا واحدًا يَستوي الناسُ فيه، فلمّا لم يَحْتَسِبْ له بما أخَذ منه صدقةً، عُلِم أنّه لم يكنْ ممَّن تلْزَمُه صدقةٌ في ماشيتِه؛ لقصورِ نصابِها عن ذلك، واللهُ أعلم. هذا قولُ من لم يُجِزْ تعجيلَ الزكاةِ قبلَ محِلِّها. وقال آخرون: جائرٌ أن يكون المسْتَقْرَضُ منه في حين رَدِّ ما اسْتُقْرِضَ منه إليه ممَّن لا تَجِبُ عليه الصدقةُ؛ لجائِحَةٍ لحِقَتْه في إبلِه ومالِه قبلَ تمام الحولِ، فوجَب ردُّ ما أُخِذ منه إليه. ومثالُ ذلك الاسْتِسْلافِ في هذا الموضع عندَ هؤلاء، أن يقولَ الإمامُ للرجل: أقْرِضْني على زكاتِكَ لأهلِها، فإن وجَبتْ عليك زكاةٌ بتمام مِلْكِك للنِّصابِ حَوْلًا فذاك، وإلّا فهو دَينٌ لك أرُدُّه عليك من الصَّدقة. وهذا كلُّه على مذهب مَن أجاز تعجيلَ الزكاةِ قبلَ وقتِ وُجوبِها. وقد اختلَف الفقهاءُ في تعجيلِ الزَّكَواتِ قبلَ حُلولِ الحَوْلِ، فأجاز ذلك أكثرُ أهل العلم. وممّن ذهَب إلى إجار تعجيلِ الزكاةِ قبلَ الحُلول: سفيانُ الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ بن راهُويةَ، وأبو عُبيدٍ. ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وإبراهيمَ النخَعيِّ، وابن شهابٍ، والحَكَم بن عُتيبةَ، وابن أبي ليلى (١).

стр. 1465

وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ (١): يجوزُ تَعجيلُ الزكاةِ لما في يَدِه، ولما يَستَفيدُه في الحول وبعدَه بسنين. وقال زُفَرُ: التعجيلُ عمّا في يَدِه جائزٌ، ولا يجوزُ عمّا يَسْتَفيدُه. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يجوزُ تَعجيلُ الزكاةِ لسنتين (٢). وقال مالكٌ (٣): لا يجوزُ تَعْجيلُها قبل الحلول إلّا بيسيرٍ. وقالت طائفةٌ: لا يجوزُ تَعْجيلُها قبلَ محِلِّها بيَسيرٍ ولا كثيرٍ، ومَن عجَّلها قبلَ محَلِّها لم يُجْزِئْه، وكان عليه إعادَتُها، كالصلاة، ورُوِي ذلك عن الحسنِ البصريِّ (٤). وهو قولُ بعض أصحابِ داودَ (٥)، وروى خالدُ بن خِداشٍ وأشهَبُ، عن مالكٍ مثلَ ذلك. قال أبو عُمر: مَنْ لم يُجِزْ تَعْجيلَها قاسَها على الصلاةِ وعلى سائر ما يَجبُ مُؤقّتًا؛ لأنه لا يُجزئُ مَن فعَله قبلَ وَقْتِه، ومَن أجاز تَعجِيلَها قاس ذلك على الدُّيون الواجبةِ لآجالِ محدودةٍ، أنّه جائزٌ تَعْجيلُها، وفرَّق بين الصلاةِ والزكاة، بأن الصلاةَ يستوي الناسُ كلُّهم في وقتِها، وليس كذلك أوقاتُ الزكاة؛ لاختلاف أحوالِ الناس فيها، فأشْبَهتِ الدُّيونَ إذا عُجِّلتْ. وقد استدَلَّ الشافعيُّ على جوازِ تَعجيلِ الزكاةِ بهذا الحديث (٦). وفي قضاءِ رسولِ الله ﷺ المستَسْلَفَ منه البَكْرُ جَمَلًا جيِّدًا، دليلٌ على أنّه لم يكنْ ممن عليه

стр. 1466

صدقةٌ؛ لأنّه لم يَحْتَسِبْ له بذلك؛ قضاه وبَرِئَ إليه منه. ولا حُجَّةَ للشافعيِّ فيما اسْتَدَلَّ به من هذا الحديث في جوازِ تعجيلِ الزكاة. وقد احتَجَّ بعضُ من نصَر مذهبَه على ما ذكَرْناه بأن قال: جائزٌ أن يكونَ الذي اسْتَقْرَض منه البَكْرَ ممَّن تَحِلُّ له الصدقةُ، فأعطاه النبيُّ ﷺ غيرَ بَعيرِه بمقدارِ حاجتِه، وجمَع في ذلك وضعَ الصدقةِ في موضعِها وحُسنَ القضاءِ. قال: وجائزٌ أنْ يَسْتَسْلِفَ الإمامُ للفقراءِ ويَقضيَ من سَهمِهم أكثرَ ممّا أخذ لما يرَاه من النَّظرِ والصلاح إذا كان ذلك من غيرِ شرطٍ ولا منفعةِ تعجيل. ثم نعودُ إلى القول في معنَى الاسْتِسْلافِ المذكورِ في هذا الحديث، فنقولُ: إن قال قائلٌ: لا يجوزُ أن يكونَ الاستَقراضُ المذكورُ على المساكين؛ لأنّه لو كان قرضًا على المساكين لما أعطَى رسولُ الله ﷺ من أموالهم أكثرَ ممّا استقرَضَ لهم. قيل له: لمّا بَطَل أنْ يَستقرِضَ رسولُ الله ﷺ على الصَّدَقة لغنيٍّ، وأن لا يَسْتَقرِضَها لنفسِه، لم يَبقَ إلّا أنّه استقرَضها لأهلِها؛ وهم الفقراءُ ومَن ذُكِر معهم، وكان في هذا الحديث دليلٌ على أنّه جائز للإمام إذا اسْتَقْرَض للمساكينِ أنْ يَرُدَّ من مالهم أكثرَ ممّا أخَذ على وجهِ النَّظَر والصلاح، إذا كان من غيرِ شرطٍ، ووجهُ النَّظرِ في ذلك والمصلحةِ معلومٌ، فإنّ منفعةَ تعجيلِ ما أخَذه لشدّةِ حاجةِ الفقير إليه أضعافُ ما يَلحَقُهم في ردِّ الأفضل؛ لأنّ مَيْلَ الناسِ إلى العاجلِ من أمر الدُّنيا أكثرُ (١) من ميلِهم إلى الآجل. فإن قيل: إن المُستَقْرَضَ منه غنيٌّ، فكيف نُعطيه أكثرَ ممّا أُخِذَ منه، والصدقةُ لا تَحِلُّ لغنيٍّ؟ فالجوابُ عن هذا: أنّه جائزٌ ممكن أن يكونَ المُستَقْرَضُ منه قد ذهَبتْ إبلُه بنوعٍ من جَوائح الدنيا، وكان في وقتِ صرفِ ما أُخِذَ منه إليه

стр. 1467

فقيرًا تَحِلُّ له الزكاةُ، فأعْطاه النبيُّ ﷺ خيرًا من بعيرِه بمقدارِ حاجَتِه، وجمَع في ذلك وضعَ الصدقةِ في موضعِها، وحُسنَ القَضاءِ، وجائزٌ أن يكونَ غارِمًا أو غازِيًا ممّن تَحِلُّ له الصدقةُ مع الغِنى (١)، فيعطيه لذلك أفضلَ ممّا أخَذ منه، فيجمَعُ في ذلك حسنَ القضاء ووضْعَ الصدقةِ موضِعَها، والله أعلمُ، وسيأتي في ذكر الخمسةِ الأغنياءِ الذين تَحِلُّ لهم الصَّدَقةُ فيما بعدُ من حديث زيد بن أسلمَ إن شاء الله. وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه: إثباتُ الحيوان في الذِّمَّة، وإذا صحَّ ثُبوتُ الحيوانِ في الذمَّةِ بما صحَّ مِن جوازِ اسْتِقْراضِ الحيوان، صحَّ فيه السَّلَمُ على الصِّفَةِ، وبَطَل بذلك قولُ من لم يُجِزْ الاسْتِقْراضَ في الحيوان، ولا أجازُوا السَّلَم فيه. واختلَف الفقهاءُ في السَّلَم في الحيوان، وفي اسْتِقْراضِه، فذهَب العراقيُّون إلى أن السَّلَمَ في الحيوانِ لا يجوزُ. وممّن قال بذلك: أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والحَسَن بنُ صالح (٢). ورُوِيَ ذلك عن ابن مسعودٍ، وحذيفةَ، وعبدِ الرحمن بن سَمُرَة (٣). وحُجَّةُ من قال بهذا القول: أن الحيوانَ لا يُوقَفُ على حقيقةِ صِفتِه؛ لأنّ

стр. 1468

مَشْيَه وحَركاتِه ومَلاحَتَه وخُبرتَه (١)، كلُّ ذلك لا يُدْرَكُ وَصفُه، وكلُّ ذلك يَزِيدُ في ثمنِه ويَرفَعُ من قِيمتِه. فادَّعَوا النسخَ في حديثِ أبي رافع المذكورِ وما كان مثلَه، وقالوا: نسَخه ما قضَى به رسولُ الله ﷺ ، في أنّه أوجَب على المُعْتِق نَصيبَه مِن عبدٍ بينَه وبينَ آخَرَ، إذ أوْجَب عليه قيمةَ نَصيبِ شريكِه (٢)، ولم يُوجِبْ عليه نصفَ عبدٍ مثلِه. وقال داودُ بن عليٍّ وأصحابُه: لا يجوزُ السَّلَمُ في الحيوان، ولا في شيءٍ من الأشياء، إلّا في المكيلِ والموزونِ خاصةً، وما خرَج عن المكيلِ والموزونِ فالسَّلَمُ فيه غيرُ جائزٍ عندَهم؛ لحديثِ ابن عباسٍ، عن رسولِ الله ﷺ أول قال: "مَن أسلَم فليُسلِمْ في كيلٍ معلوم، ووَزْنٍ مَعلُوم، إلى أجلٍ معلوم" (٣)، ولنَهيِه عن بيعِ ما ليس عندَك؛ قالوا: فكلُّ ما لم يكنْ مَكيلًا أو موزونًا فداخلٌ في بيعِ ما ليس عندَك. قال أبو عُمر: بنَوا هذا على ما أصَّلُوا من أن كلَّ بيع جائزٌ بظاهرِ قولِ الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، إلّا بيع ثبَت في السُّنةِ النهيُ عنه، أو أجمَعتِ الأُمَّةُ على فسادِه. وقال أهلُ المدينة، ومالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ

стр. 1469

وأصحابُه: السَّلَمُ في الحيوانِ جائزٌ بالصِّفة (١)، وكذلك كلُّ ما يُضْبَطُ بالصفَةِ في الأغلب. وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ أبي رافع هذا؛ لما فيه من ثبوتِ الحيوانِ في الذِّمَّة، ومثلُه حديثُ أبي هريرة في اسْتِقْراضِ رسولِ الله ﷺ الجَملَ (٢). ومن حُجَّتِهم أيضًا إيجابُ رسولِ الله ﷺ دِيَةَ الخطأ في ذمَّةِ مَن أوْجَبها عليه، وهي أخماسٌ؛ عشرونَ بنتَ مخاضٍ، وعشرونَ بنتَ لَبُونٍ، وعشرونَ ابنَ لَبُونٍ، وعشرونَ حِقَّةً، وعشرونَ جَذَعَةً، ودِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ، وذلك مِن الإبلِ ثلاثون جَذَعَةً، وثلاثونَ حِقَّةً، وأربعون خَلِفَةً في بُطونها أولادُها (٣). فجعَل الحيوانَ دَيْنًا في الذِّمَّةِ إلى أجَل، وقد كان ابنُ عمرَ يُجِيزُ السَّلَمَ في الوُصَفاءِ (٤)، وأجازَ أصحابُ أبي حنيفةَ أن يُكاتِبَ الرجلُ عبدَه على مملُوكٍ، وهذه مناقضةٌ منهم، وأجاز الجميعُ النكاحَ على عبدٍ موصوفٍ. وذكَر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، قال: قلتُ لربيعةَ: إنّ أهلَ أنْطابُلُسَ (٥) حدَّثوني أنّ خيرَ بن نُعيم (٦) كان يَقْضي عندَهم بأنه لا يَجوزُ السَّلَفُ في الحيوان، وقد كان يُجالِسُك، ولا أحسَبُه قضَى به إلّا عن رأيك؟ فقال لي ربيعةُ: قد كان

стр. 1470

ابنُ مسعودٍ يقولُ ذلك. قال يحيى: فقلتُ: وما لنا ولابن مسعودٍ في هذا، قد كان ابنُ مسعودٍ يتَعَلَّمُ منا ولا نتَعَلَّمُ منه، وقد كان يَقْضِي في بلادِه بأشياءَ، فإذا جاءَ المدينةَ وجَد القضاءَ على غير ما قضَى به، فيَرْجِعُ إليه. وأمّا اعتِلالُ العراقيِّين بأنّ الحيوانَ لا يُمكِنُ صِفَتُه، فغيرُ مُسلَّم لهم؛ لأن الصِّفَةَ في الحيوانِ يأتي الواصفُ منها بما يَدْفع الإشكالَ، ويُوجِبُ الفَرْقَ بين الموصوفِ وغيرِه، كسائرِ الموصوفاتِ من غير الحيوان، وإذا أمكَنَتِ الصِّفَةُ في الحيوان، جاز السَّلَمُ فيه بظاهر قوله ﷺ : "لا تَصِفُ المرأةُ المرأةَ لزَوْجِها حتّى كأنّه يَنْظُرُ إليها" (١). فجعَل ﷺ الصِّفةَ تقومُ مقامَ الرُّؤية. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢): لا يجوزُ اسْتِقراضُ شيءٍ من الحيوان، كما لا يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنّ ردَّ المثلِ لا يُمْكِنُ؛ لتعَذُّرِ المماثلةِ عندَهم في الحيوان. وقال مالكٌ، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ: يجوزُ اسْتِقراضُ الحيوانِ كلِّه إلّا الإماءَ، فإنّه لا يجوزُ اسْتِقراضُهُنَّ (٣). وعندَ مالكٍ فيما ذكَر ابنُ الموَّاز: إنِ اسْتقْرَض أَمَةً ولم يَطَأْها رَدَّها بعَينِها، وإن وَطِئها لَزِمَته القيمةُ ولم يرُدَّها. وعندَ الشافعيِّ: يَرُدُّها ويَرُدَّ معها عُقْرَها (٤) - يعني صَداقَ مِثْلِها - وإن حمَلَتْ

стр. 1471

ردَّها بعدَ الولادة، وقيمةَ ولدِها إن وُلدوا أحياءً يومَ سقَطوا، وما نقَصَتْها الولادةُ، وإن ماتَتْ لزِمه مثلُها، فإن لم يُوجَدْ مثلُها فقيمتُها. وحجَّةُ مَن لم يُجِزِ اسْتِقْراضَ الإماءِ - وهم جمهورُ العلماء - أن الفُروجَ محظورةٌ لا تُسْتَباحُ إلّا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ، ولأن القرضَ ليس بعقدٍ لازم من جهةِ المُقْتَرِضِ؛ لأنّه يَرُدُّه متى شاء، فأشْبَهَ الجاريةَ المشْتراةَ بالخِيار، ولا يجوزُ وطؤُها بإجماعٍ حتّى تَنْقَضيَ أيامُ الخِيار، فهذه قياسٌ عليها، ولو جازَ استِقْراضُ الإماءِ لحصلَ الوطءُ في غيرِ نكاحٍ ولا مِلْكٍ صحيح. وقال أبو إبراهيمَ المزنيُّ، وداودُ بن عليٍّ، وأبو جعفرٍ الطبريُّ (١): اسْتِقْراضُ الإماءِ جائزٌ. قال المزنيُّ والطبريُّ: قياسًا على بيعِها، وأنّ مِلْكَ المسْتَقْرِض صحيحٌ يجوزُ له فيه التَّصَرُّفُ كلُّه، وكلُّ ما جاز بَيْعُه جاز قرضُه في نفس القِياس. وقال داودُ: لم يَحْظُرِ اللهُ اسْتِقراضَ الإماءِ، ولا رسولُه، ولا اتَّفَق الجميعُ على المنع منه، وقد أباح الاسْتِسْلافَ للحيوان رسولُ الله ﷺ ، والأصلُ الإباحةُ حتى يَصِحَّ المنعُ من وجهٍ لا مُعارِضَ له (٢). واحتجَّ بهذا الحديث أيضًا كلُّ مَن أوجَب على منِ اسْتَهْلَك شيئًا من الحيوانِ مثلَه إن وُجِد له مِثلٌ لا قِيمتُه، قالوا: وكما كان يكونُ له مثلٌ في القضاءِ، فكذلك يكونُ له مِثْلٌ في الضَّمانِ عن الاستهلاك. وممَّن قال بالمثْلِ في المُسْتَهلكاتِ كلِّها الشافعيُّ، وأحمدُ، وداودُ، وجماعةٌ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأمّا مالكٌ ﵀، فقال (٣): منِ اسْتَهْلَك شيئًا من الحيوانِ بغيرِ إذنِ صاحبِه،

стр. 1472

فعليه قيمتُه، ليس عليه أن يُؤْخَذَ بمثلِه من الحيوانِ، ولكن عليه قِيمَتُه يومَ اسْتَهْلَكه؛ القيمةُ أعدَلُ فيما بينَهما في الحيوانِ والعُروض. قالوا: وأمّا الطعامُ فبمنزلةِ الذهبِ والوَرِقِ، وإذا اسْتَهْلَكه أحَدٌ بغيرِ إذنِ صاحبِه، فعليه مثلُ مَكِيلَتِه من صِنفِه. قال أبو عُمر: المكيلُ كلُّه، والموزونُ المأكولُ والمشروبُ هذا حُكْمُه عندَه، وأمّا ما لا يُؤْكَلُ، مثلَ الرَّصاص والقُطْنِ، وما أشْبهَ ذلك، فالذي اختاره إسماعيلُ (١) أن يكونَ فيه المثلُ؛ لأنّه يُضْبَطُ بالصِّفَة. قال: وقد احْتَجَّ عبدُ الملك (٢) في القيمةِ في الحيوانِ بأنّ رسولَ الله ﷺ قضَى فيمَن أعتَق نصفَ عبدٍ له بقيمةِ النصفِ الباقي للشريكِ ولم يَقْضِ بنصفِ عبدٍ مثلِه (٣). قال أبو عُمر: في حديثِ أبي رافع هذا ما يَدُلُّ على أنّ المُقرِضَ إن أعْطاه المُسْتَقْرِضُ أفضَلَ ممّا أقْرَضه؛ جِنْسًا، أو كَيْلًا، أو وزنًا، أنّ ذلك معروفٌ وأنّه يطيبُ له أخْذُه منه؛ لأنّه أثْنَى فيه على مَن أحسَن القضاءَ، وأطلَق ذلك ولم يُقَيِّدْه بصفةٍ. وروى سلمةُ بن كُهيلٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ يتَقاضاه، فأغلَظ له، فهَمَّ به أصحابُه، فنَهاهم وقال: "ألا كنتم مع الطَّالب؟ ". ثم قال: "دَعُوهُ، فإنّ لصاحبِ الحقِّ مَقالًا، اشتَرُوا له بعيرًا". فلم يَجِدوا إلّا فوقَ سِنِّه، فقال: "اشتَرُوا له فوقَ سِنِّه فأعْطُوه". فجاء إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "أخَذْتَ حَقَّك؟ ". قال: نعم. قال: "كذلك افعَلوا، خيرُكم أحسنُكم قضاءً" (٤).

стр. 1473

وهذا عندَ جماعةِ العلماءِ إذا لم يكنْ عن شرطٍ منهما في حين السَّلَف. وقد أجمَع المسلمون نَقْلًا عن نبيِّهم ﷺ : أنّ اشتَراطَ الزيادةِ في السَّلَفِ رِبًا، ولو كان قَبْضَةً واحدَةً من عَلَفٍ - كما قال ابنُ مسعودٍ -: أو حبّةً واحدة (١). وفيه دليلٌ على أنّ للإمام أن يَسْتَسْلِفَ للمساكين على الصدَقاتِ، ولسائرِ المسلمين على بيتِ المال؛ لأنّه كالوَصيِّ لجميعِهم، أو الوكيل. وفيه أنّ التَّدايُنَ في البِرِّ والطاعةِ والمباحاتِ جائزٌ، وإنّما يُكرَهُ التَّدايُنُ في الإسرافِ وما لا يجوزُ، وبالله العصمة (٢).

стр. 1474

حديثٌ حادي عَشَر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ يجري مجرى المتَّصل مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ: أنّ معاويةَ بن أبي سفيانَ باعَ سقايةً من ذَهَب أو وَرِقٍ بأكثرَ من وزنِها، فقال له (٢) أبو الدرداء: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَنْهَى عن مِثْل هذا إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ. فقال له معاويةُ: ما أرَى بهذا (٣) بأسًا. فقال أبو الدَّرداء: مَن يَعْذِرُني (٤) من معاوية؟ أنا أُخبرُه عن رسول الله ﷺ ويخبرُني (٥) عن رأيِه! لا أُساكِنُك أرضًا أنت بها (٦). ثم قدِم أبو الدَّرداء على عمرَ، فذكَر ذلك له، فكتب عمرُ إلى معاويةَ: ألّا يَبيعَ ذلك إلّا مِئْلا بمِثْلٍ، وَزْنًا بوَزْنٍ. قد ذكَرنا أبا الدَّرداءِ عُويمرًا ﵀، في كتاب الصحابة (٧) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا، وكذلك ذكَرنا معاويةَ هنالك (٨). والسِّقايةُ: الإناءُ، قيل: إنّه إناءٌ كالكأس وشِبْهِه يُشرَبُ به. وقال الأخفشُ: السِّقايةُ الإناءُ الذي يُشرَبُ به. وقال أبو عُبيدةَ (٩) في قولِ الله : ﴿جَعَلَ

стр. 1475

السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠]، قال: السِّقايةُ مكيالٌ كان يُسمَّى السِّقايةَ. وقال غيرُه: بل كان إناءً يُشْرَبُ فيه. وذكَر حبيبٌ (١)، عن مالكٍ، قال: السِّقايةُ البرَّادةُ يُبَرَّدُ فيها الماءُ، تُعلَّقُ. وقال الأخفشُ: أهلُ الحجازِ يُسَمُّون البَرَّادةَ سقايةً، ويُسمُّون الحوضَ الذي فيه الماءُ سَقايةً. وقال ابنُ وَهْب: بلَغني أنّها كانت قِلادةَ خَرَزٍ، وذهبٍ، ووَرِقٍ. وقال ابنُ حبيبٍ: من قال: إنّ السِّقايةَ قِلادةٌ، فقد وَهِمَ وأخطَأ، وهو قولٌ لا وجهَ له عندَ أهلِ العلم باللِّسان (٢). قال أبو عُمر: ظاهرُ هذا الحديثِ الانقطاعُ؛ لأنّ عطاءً لا أحفظُ له سماعًا من أبي الدَّرداءِ، وما أظنُّه سمِع منه شيئًا؛ لأنّ أبا الدَّرداءِ تُوفِّي بالشام في خلافةِ عثمانَ لسنَتَين بَقِيَتا من خلافتِه، وذكَر ذلك أبو زُرعةَ (٣)، عن أبي مُسْهِرٍ، عن سعيدِ بن عبد العزيز. وقال الواقديُّ (٤): تُوفِّي أبو الدَّرداء سنةَ اثنتين وثلاثين، ومولدُ عطاءِ بن يسارٍ سنةَ إحدى وعشرين. وقيل: سنةَ عشرين (٥). قال أبو عُمر: وقد روَى عطاءُ بن يسارٍ، عن رجلٍ من أهل مصرَ، عن أبي الدَّرداءِ حديثَ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس: ٦٤] (٦). وممكن أن يكونَ سمِع عطاءُ بن يسارٍ

стр. 1476

من مُعاويةَ؛ لأنّ معاويةَ تُوفِّي سنةَ ستِّينَ، وقد سمِع عطاءُ بن يسار من أبي هريرةَ، وعبدِ الله بنِ عَمْرو بن العاص، وعبدِ الله بنِ عُمرَ، وجماعةٍ من الصحابة هم أقدمُ موتًا من معاويةَ، ولكنّه لم يشهَدْ هذه القصةَ؛ لأنّها كانت في زمنِ عمرَ، وتُوفِّي عمرُ سنةَ ثلاثٍ وعشرين أو أربعٍ وعشرين من الهجرة. واختُلِف في وقتِ وفاةِ عطاءِ بن يسارٍ؛ فقال الهيثمُ بن عديٍّ: توفِّي سنةَ سبعٍ وتسعين. وقال الواقديُّ (١): توفِّي عطاءُ بن يسارٍ سنةَ ثلاثٍ ومئة، وهو ابنُ أربعٍ وثمانين سنةً، أخبَرني بذلك أُسامةُ بن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه. على أنّ هذه القصةَ لا يعرِفُها أهلُ العلم لأبي الدَّرداءِ إلّا من حديثِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، وأنكَرها بعضُهم؛ لأنّ شبيهًا بهذه القصةِ عرَضت لمعاويةَ مع عُبادة بن الصَّامت، وهي صحيحةٌ مشهورةٌ محفوظةٌ لعبادةَ مع معاويةَ من وجوهٍ وطرقٍ شَتّى (٢).

стр. 1477

وحديثُ تحريم التَّفاضُلِ في الوَرِقِ بالوَرِقِ، والذَّهَبِ بالذَّهَبِ، لعُبادةَ محفوظٌ عندَ أهل العلم، ولا أعلمُ أنّ أبا الدَّرداءِ روَى عن النبيِّ ﷺ في الصَّرفِ، ولا في بَيعِ الذَّهبِ بالذهبِ، ولا الوَرِقِ بالوَرِقِ حديثًا، واللهُ أعلمُ. وكان معاويةُ يذهَبُ إلى أنّ النهيَ والتحريمَ إنّما ورَد من رسول الله ﷺ في الدِّينار المَضْروب، والدِّرهم المَضْروبِ، لا في التِّبر من الذهبِ والفضةِ بالمَضْروب، ولا في المَصُوغ بالمَضْروب. وقيل: إنّ ذلك إنّما كان منه في المَصُوغ خاصَّةً، والله أعلمُ، حتى وقَع له مع عُبادةَ ما يأتي ذكرُه في هذا الباب، وقد سأل عن ذلك أبا سعيدٍ بعدَ حينٍ، فأخبَره عن النبيِّ ﷺ بتحريم التَّفاضُلِ في الفضَّةِ بالفضَّةِ، والذَّهبِ بالذَّهبِ؛ تِبرُهما وعَينُهما، وتِبرُ كلِّ واحدٍ منهما بعَينِه. وإنّما كان سؤالُه أبا سعيدٍ استثباتًا؛ لأنّه كان يعتقِدُ أنّ النَّهيَ إنّما ورَد في العَيْن، ولم يكنْ، واللهُ أعلمُ، عَلِمَ بالنَّهي حتى أعلَمه غيرُه. وخَفاءُ مثل هذا على مثلِه غيرُ نكيرٍ؛ لأنّه من عِلْم الخاصَّة، وذلك موجودٌ لغيرِ واحدٍ من الصحابة. ويَحتمِلُ أن يكونَ مذهبُه كان كمذهبِ ابن عبّاسٍ، فقد كان ابنُ عباسٍ - وهو بحرٌ في العلم - لا يرى بالدِّرهم بالدِّرهمين يدًا بيدٍ بأسًا حتى صرَفه عن ذلك أبو سعيد. وذكَر الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ عيسى، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرّةَ، قال: سأل رجلٌ ابنَ سيرينَ عن شيءٍ، فقال: لا علمَ لي به. فقال الرجلُ: إنِّي أحبُّ أن تقولَ فيه برأيك. قال: إنِّي أكرهُ أنْ أقولَ فيه برأي، ثم يَبدُوَ لي غيرُه فأطْلُبَكَ فلا أجِدَك، إنّ ابنَ عباسٍ قد رأى في الصَّرفِ رأيًا ثم رجع عنه. أخبرني عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 1478

بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن (١) سُليمانَ الرَّبَعيِّ، عن أبي الجَوزاء قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ وهو يأمرُ بالصَّرفِ؛ الدِّرهمُ بالدِّرهمين، والدِّينارُ بالدِّينارَين، يدًا بيدٍ، فقدِمتُ العراقَ، فأفتَيتُ الناسَ بذلك، ثم بلَغَني أنّه نزَل عن ذلك، فقدِمْتُ مكةَ فسألْتُه، فقال: إنّما كان ذلك رأيًا منِّي، وهذا أبو سعيدٍ يُحَدِّثُ عن النبيِّ ﷺ أنّه كان يَنْهَى عنه. قال أبو عُمر: حديثُ أبي سعيدٍ في الصَّرْفِ عندَ مالكٍ (٢)، عن نافع، عن أبي سعيدٍ، يأتي ذِكْرُه في باب نافع من هذا الكتاب إن شاء الله. فغيرُ نكيرٍ أنْ يَخْفَى على معاويةَ ما خَفِيَ على ابن عباسٍ. وقد رَوَيْنا عن معاويةَ، كما قدَّمْنا ذِكرَه، أنّه كان يذْهَبُ إلى أنّ الرِّبا في المَضْروبِ دونَ غيرِه، وهو شيءٌ لا وجهَ له عندَ أحدٍ من أهلِ العلم، وقد قلنا: إنّ قصتَه المذكورةَ في هذا الحديثِ مع أبي الدرداءِ لا تُوجدُ إلّا في حديثِ زيدٍ هذا. وإذا (٣) كان ابنُ عباسٍ، وعُمرُ قبلَه، وأبو بكرٍ قبلَهما، يَخْفَى عليهم ما يُوجدُ عندَ غيرِهم ممَّن هو دُونَهم، فمعاويةُ أحرَى أن يُوجدَ عليه مثلُ ذلك مع أبي الدَّرْداء. وأمّا قصَّةُ معاويةَ مع عُبادةَ في ذلك، فحدَّثني أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن حَكيم بن جابرٍ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، الكِفَّةُ بالكِفَّةِ،

стр. 1479

والفضةُ بالفضةِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، الكِفَّةُ بالكِفَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يدًا بيدٍ، والشعيرُ بالشعيرِ، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، والتمرُ بالتمرِ، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ". قال: حتى ذكَر: "الملحُ بالملح مثلًا بمثلٍ، يدًا بيَدٍ". فقال معاويةُ: إنّ هذا لا يقولُ شيئًا. فقال له عُبادةُ: إنِّي والله لا أُبالي ألّا أكونَ بأرضِكم هذه (١). وحدَّثنا (٢) عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّانُ، عن إسماعيلَ، قال: حدّثني حكيمُ بن جابرٍ، عن عُبادةَ بن الصَّامت، قال: سمِعت رسولَ الله ﷺ . فذكَر نحوَه إلى قوله: "المِلحُ بالمِلح". وقال: قال معاويةُ: إنّ هذا لا يقولُ شيئًا. فقال عبادةُ: إنِّي والله ما أُبالي ألّا أكونَ بأرضِ معاويةَ، أشهَدُ أنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ ذلك (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرْهَدٍ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بن سُليمانَ، عن خالدٍ الحذّاء،

стр. 1480

قال: أنبأني أبو قلابةَ، عن أبي أسماءَ (١)، عن عُبادةَ بن الصامت، أنّهم أرادوا بيعَ آنيةٍ من فضةٍ إلى العطاء، فقال عُبادةُ: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلح، يدًا بيدٍ، مثلًا بمثلٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى". هكذا قال المُعتمرُ: عن خالدٍ الحذّاء، عن أبي قلابةَ، عن أبي أسماءَ، وهو خطأٌ، والصَّوابُ في هذا الحديث ما قاله أيُّوبُ (٢): عن أبي قلابةَ، عن أبي الأشعث. وقولُ المعتمر: عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ، عن أبي أسماءَ خطأٌ، وقد خالَفه الثوريُّ (٣) وغيرُه (٤) عن خالدٍ. وأخطَأ أيضًا المعتمرُ في قولِه: إنّ الآنيةَ بيعَتْ إلى العطاء. وإنّما بيعت في أعطِياتِ الناسِ لا إلى العطاءِ، وإنّما الحديثُ لأبي قلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ، لا لأبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ. كذلك روَى الثوريُّ، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن أبي قِلابةَ.

стр. 1481

ذَكَر وكيعٌ (١)، وعبدُ الرَّزَّاق (٢)، وعبدُ الملكِ بن الصَّبَّاح (٣)، كلُّهم عن الثوريِّ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصَّامتِ قال: كان معاويةُ يبيعُ الآنيةَ من الفضةِ بأكثرَ من وزنها، فقال عبادةُ: سمِعت رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الذَّهب بالذَّهب، وزنًا بوزنٍ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، وزنًا بوزنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ، مِثْلًا بمِثْلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرُ مِثْلًا بمِثْلٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مِثلًا بمِثْلٍ، والمِلحُ بالمِلح، مِثلًا بمِثلٍ، وبيعُوا الذهبَ بالفضَّة يدًا بيدٍ كيف شئتُم، والبُرَّ بالشعير، يدًا بيدٍ كيفَ شئتُم، والتمرَ بالمِلح يدًا بيدٍ كيفَ شئتُم". هذا لفظُ حديثِ عبد الرَّزَّاق، وقال وكيعٌ: "إذا اختلَفتِ الأصنافُ فبيعوا كيف شئتُم"؛ يعني: يدًا بيدٍ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، حدَّثهم قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الوهّاب بن عبد المجيد، عن أيُّوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أبي الأشعث، قال: كنّا في غَزاةٍ وعلينا معاويةُ، فأصَبْنا ذهبًا وفضة، فأمَر معاويةُ رجلًا ببيعِها للناس في أعْطِيَاتهم، فتسارَع الناسُ فيها، فقام عُبادةُ فنهاهم، فردُّوها، فأتَى الرجلُ معاويةَ فشكا إليه، فقام

стр. 1482

معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يتحدَّثون عن رسولِ الله ﷺ أحاديثَ يكذِبُون فيها لم نسمَعْها؟ فقام عُبادةُ فقال: والله لنُحدِّثنَّ عن رسولِ الله ﷺ بما سمِعنا وإن كرِهَ معاويةُ، قال رسولُ الله ﷺ :"لا تبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، ولا الفضَّةَ بالفضَّة، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمرَ بالتَّمرِ، ولا المِلحَ بالمِلح، إلّا مِثْلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ". وحدَّثنا عبدُ الوارث، حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بن عمرَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ قال: كنتُ في حَلْقةٍ بالشام فيها مُسلمُ بن يسارٍ، فجاء أبو الأشعث، فقالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث. فجلَس، فقلتُ: حدِّثْ أَخانا حديثَ عُبادةَ بن الصَّامت. قال: نعم، غزَونا وعلى الناس معاويةُ، فغنِمنا غنائمَ كثيرةً، فكان فيما غنِمنا آنيةٌ من فضَّةٍ، فأمَر معاويةُ رجلًا ببيعِها في أعطياتِ الناس، فسارَع الناسُ في ذلك، فبلَغ عبادةَ بنَ الصَّامتِ ذلك، فقام فقال: إنِّي سمِعت رسولَ الله ﷺ ينهَى عن بيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضَّةِ بالفضَّة، والبُرِّ بالبُرِّ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والتَّمْرِ بالتَّمر، والمِلْح بالمِلْح، إلّا سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى. فردَّ الناسُ ما أخَذوا، فبلَغ ذلك معاويةَ، فقام خطيبًا فقال: ألا ما بالُ رجالٍ يُحدِّثون عن رسولِ الله ﷺ أحاديثَ، قد كنّا نشهَدُه ونصحَبُه فلم نسمعْها منه؟ فقام عبادةُ بن الصامتِ فأعادَ القصَّةَ، ثم قال: لَنُحدِّثَنَّ بما سمِعنا من رسولِ الله ﷺ وإن كرِه معاويةُ - أو قال: وإن رَغِمَ معاويةُ - ما أُبالي أن أصحبَه (١) في جُنْدِه ليلةً سوداءَ. قال حمّادٌ: هذا، أو نحوه (٢).

стр. 1483

وروَى هذا الحديثَ محمدُ بن سيرينَ، عن مسلم بن يسارٍ وعبد الله بن عُبيدٍ، عن عُبادةَ. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن سلمةَ بن علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: حدثني مسلمُ بن يسارٍ وعبدُ الله بن عُبيدٍ - وقد كان يُدعَى ابنَ هُرمزَ - قالا: جمَع المنزلُ بين عُبادةَ بن الصامتِ وبينَ معاويةَ، إمّا في بيعةٍ أو في كنيسةٍ، فقام عبادةُ فقال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن الذَّهب بالذَّهب. فذكَر نحوَ ما تقدَّم، وزاد: وأمَرنا أنْ نبيعَ الذَّهبَ بالفضَّة، والفضَّةَ بالذَّهبِ، والبُرَّ بالشَّعيرِ، والشَّعيرَ بالبُرِّ، يدًا بيدٍ، كيف شئنا (١). حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسَّانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن رجلين أحدُهما مسلمُ بن يسارٍ، عن عُبادةَ بن الصامتِ نحوَه (٢).

стр. 1484

وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (١)، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُدعانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن مسلم بن يسارٍ، عن عُبادةَ بن الصَّامتِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ، مثلًا بمثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ، مِثلًا بمِثلٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، مِثلًا بمِثلٍ، والحِنطةُ بالحِنطةِ، مثلًا بمِثلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، مِثلًا بمِثلٍ" - حتى خصَّ الملحَ بالملحِ، مِثلًا بمِثلٍ - "فمن زاد أو ازداد فقد أربَى". واللفظ لحديث الحُميديّ. وروَى هذا الحديثَ بكرٌ المزَنيُّ، عن مسلم بن يسارٍ، عن عُبادةَ، كما رواه محمدُ بن سيرينَ. حدَّثنا عبد الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مباركُ بن فَضالةَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الله المزَنيُّ، عن أبي عبد الله مسلم بن يسارٍ، قال: خطَب معاويةُ بالشام، فقال: ما بالُ أقوام يزعُمون أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الصَّرفِ، وقد شَهِدنا النبيَّ ﷺ ، ولم نسمَعْه نهَى عنه؟ فقام عبادةُ بن الصامتِ، فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ ينهى أن يُباعَ الذَّهبُ بالذَّهبِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ - وذكَر ستَّةَ أشياءَ، البُرَّ، والتَّمْرَ، والشَّعيرَ، والمِلْحَ، إلّا مِثلًا بمثلٍ - لَنُحدِّثَنَّ بما سمِعنا وإنْ كرِهتَ يا معاويةُ، لَندعَنَّك ولَنلحَقَنَّ بأميرِنا عمرَ. فقال: أيُّها الرجلُ، أنتَ وما سمِعتَ (٢).

стр. 1485

حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم السِّمَّريُّ (١)، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن مُسلم بن يسارٍ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، أنّه قام فقال: أيُّها الناسُ، إنّكم قد أحدَثتُم بُيُوعًا لا أدري ما هي، وإنّ الذَّهبَ بالذَّهبِ، وزنًا بوزنٍ، تِبرَه وعَينَه، يدًا بيدٍ - زاد محمدُ بن الجهم: والفضةَ بالفضةِ، وزنًا بوزنٍ، يدًا بيَدٍ، تِبرَها وعَينَها. ثم اتَّفَقا - ولا بأسَ ببيعِ الذَّهبِ بالفضةِ والفضةُ أكثرُهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلُحُ نَساءً، والبُرَّ بالبُرِّ مُدْي بمُدْيٍ (٢)، يدًا بيَدٍ، والشعيرَ بالشعيرِ، مُدْيٍ بمُدْيٍ، يدًا بيدٍ، ولا بأسَ ببيعِ الشعيرِ بالبُرِّ والشعيرُ أكثرُهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلُحُ نسيئةً، والتَّمرَ بالتَّمرِ - حتى عدَّ المِلحَ بالمِلح - مِثلًا بمِثلٍ، يدًا بيدٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى (٣). قال قتادةُ: وكان عبادةُ بدريًّا عَقَبِيًّا، أحدَ نُقباءِ الأنصارِ، وكان بايَع رسولَ الله ﷺ على ألّا يَخافَ في الله لومةَ لائم. هكذا روَاه ابنُ أبي عَروبةَ، عن قَتادةَ، عن مسلم بن يسارٍ موقوفًا، فذَكَر

стр. 1486

الحديثَ. وتابَع هشامٌ الدَّستُوائيُّ سعيدَ بن أبي عَروبةَ على هذا الإسناد، عن قتادةَ، عن مُسلم بن يسارٍ (١). ورواه همّامٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مُسلم المكيِّ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصامت، عن النبيِّ ﷺ مثلَه بمعناه (٢). وسعيدٌ وهشامٌ كلاهما عندَهم أحفظُ من همّام. فهذا ما بلَغنا في قصَّة معاويةَ مع عُبادةَ في بيع الآنيةِ بأكثرَ من وزنِها، ذهبًا كانت أو فضةً، وذلك عندَ العلماءِ معروفٌ لمعاويةَ مع عُبادةَ لا مع أبي الدَّرداء، واللهُ أعلمُ. ومُمكِنٌ أن يكونَ له مع أبي الدَّرداء مثلُ هذه القصة أو نحوُها، ولكنَّ الحديثَ في الصَّرفِ مَحفوظٌ لعُبادةَ، وهو الأصلُ الذي عوَّل عليه العلماءُ في باب الرِّبا، ولم يختلِفوا أنّ فعلَ معاويةَ في ذلك غيرُ جائزٍ، وأنّ بيعَ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضَّةِ بالفضَّةِ، لا يجوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، تِبرِهما وعَينِهما ومَصوغِهما، وعلى أيِّ وجهٍ كانت، وقد مضَى في باب حُميدِ بن قيسٍ حديثُ ابن عمرَ في الصائغ الذي أراد أن يأخُذَ فضلَ يدِه، فقال ابنُ عمرَ: لا، هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وعهدُنا إليكم (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بن معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهب، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ،

стр. 1487

والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلح، مِثلًا بمِثلٍ، سواء بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلَفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتُم إذا كان يدًا بيدٍ" (١). وقرأتُ على عبد الوارث، أنّ قاسمًا حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا أُمَيٌّ الصَّيرَفيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح (٢) سنةَ مئةٍ، قال: كتَب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ إلى عُمّالِه: ألّا تشتروا الذَّهبَ بالذَّهب إلّا مِثلا بمِثلٍ، ولا الفضّةَ بالفضةِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الحِنطةَ بالحِنطةِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا التَّمرَ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. قال أبو عُمر: على هذا مذهبُ الصحابة، والتابعين، وجماعةِ فقهاءِ المسلمين، إلّا في البُرِّ والشعير، فإنَّهم اختلَفُوا في ذلك، فلا وجهَ للإكثارِ فيه. حدَّثني خلفُ بن القاسم بن سهل الحافظ، قال: حدَّثنا أبو الميمون البَجَليُّ عبدُ الرحمن بن عُمرَ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن المبارك، عن يحيى بن حمزةَ، عن بُرْدِ بن سِنانٍ، عن إسحاقَ بن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ، عن أبيه،
следующие страницы →