← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1483–1522 · переход к 1488.

стр. 1483

وروَى هذا الحديثَ محمدُ بن سيرينَ، عن مسلم بن يسارٍ وعبد الله بن عُبيدٍ، عن عُبادةَ. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن سلمةَ بن علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: حدثني مسلمُ بن يسارٍ وعبدُ الله بن عُبيدٍ - وقد كان يُدعَى ابنَ هُرمزَ - قالا: جمَع المنزلُ بين عُبادةَ بن الصامتِ وبينَ معاويةَ، إمّا في بيعةٍ أو في كنيسةٍ، فقام عبادةُ فقال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن الذَّهب بالذَّهب. فذكَر نحوَ ما تقدَّم، وزاد: وأمَرنا أنْ نبيعَ الذَّهبَ بالفضَّة، والفضَّةَ بالذَّهبِ، والبُرَّ بالشَّعيرِ، والشَّعيرَ بالبُرِّ، يدًا بيدٍ، كيف شئنا (١). حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسَّانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن رجلين أحدُهما مسلمُ بن يسارٍ، عن عُبادةَ بن الصامتِ نحوَه (٢).

стр. 1484

وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (١)، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُدعانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن مسلم بن يسارٍ، عن عُبادةَ بن الصَّامتِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهبِ، مثلًا بمثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ، مِثلًا بمِثلٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، مِثلًا بمِثلٍ، والحِنطةُ بالحِنطةِ، مثلًا بمِثلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، مِثلًا بمِثلٍ" - حتى خصَّ الملحَ بالملحِ، مِثلًا بمِثلٍ - "فمن زاد أو ازداد فقد أربَى". واللفظ لحديث الحُميديّ. وروَى هذا الحديثَ بكرٌ المزَنيُّ، عن مسلم بن يسارٍ، عن عُبادةَ، كما رواه محمدُ بن سيرينَ. حدَّثنا عبد الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مباركُ بن فَضالةَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الله المزَنيُّ، عن أبي عبد الله مسلم بن يسارٍ، قال: خطَب معاويةُ بالشام، فقال: ما بالُ أقوام يزعُمون أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الصَّرفِ، وقد شَهِدنا النبيَّ ﷺ ، ولم نسمَعْه نهَى عنه؟ فقام عبادةُ بن الصامتِ، فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ ينهى أن يُباعَ الذَّهبُ بالذَّهبِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ - وذكَر ستَّةَ أشياءَ، البُرَّ، والتَّمْرَ، والشَّعيرَ، والمِلْحَ، إلّا مِثلًا بمثلٍ - لَنُحدِّثَنَّ بما سمِعنا وإنْ كرِهتَ يا معاويةُ، لَندعَنَّك ولَنلحَقَنَّ بأميرِنا عمرَ. فقال: أيُّها الرجلُ، أنتَ وما سمِعتَ (٢).

стр. 1485

حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم السِّمَّريُّ (١)، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن مُسلم بن يسارٍ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، أنّه قام فقال: أيُّها الناسُ، إنّكم قد أحدَثتُم بُيُوعًا لا أدري ما هي، وإنّ الذَّهبَ بالذَّهبِ، وزنًا بوزنٍ، تِبرَه وعَينَه، يدًا بيدٍ - زاد محمدُ بن الجهم: والفضةَ بالفضةِ، وزنًا بوزنٍ، يدًا بيَدٍ، تِبرَها وعَينَها. ثم اتَّفَقا - ولا بأسَ ببيعِ الذَّهبِ بالفضةِ والفضةُ أكثرُهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلُحُ نَساءً، والبُرَّ بالبُرِّ مُدْي بمُدْيٍ (٢)، يدًا بيَدٍ، والشعيرَ بالشعيرِ، مُدْيٍ بمُدْيٍ، يدًا بيدٍ، ولا بأسَ ببيعِ الشعيرِ بالبُرِّ والشعيرُ أكثرُهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلُحُ نسيئةً، والتَّمرَ بالتَّمرِ - حتى عدَّ المِلحَ بالمِلح - مِثلًا بمِثلٍ، يدًا بيدٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى (٣). قال قتادةُ: وكان عبادةُ بدريًّا عَقَبِيًّا، أحدَ نُقباءِ الأنصارِ، وكان بايَع رسولَ الله ﷺ على ألّا يَخافَ في الله لومةَ لائم. هكذا روَاه ابنُ أبي عَروبةَ، عن قَتادةَ، عن مسلم بن يسارٍ موقوفًا، فذَكَر

стр. 1486

الحديثَ. وتابَع هشامٌ الدَّستُوائيُّ سعيدَ بن أبي عَروبةَ على هذا الإسناد، عن قتادةَ، عن مُسلم بن يسارٍ (١). ورواه همّامٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مُسلم المكيِّ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصامت، عن النبيِّ ﷺ مثلَه بمعناه (٢). وسعيدٌ وهشامٌ كلاهما عندَهم أحفظُ من همّام. فهذا ما بلَغنا في قصَّة معاويةَ مع عُبادةَ في بيع الآنيةِ بأكثرَ من وزنِها، ذهبًا كانت أو فضةً، وذلك عندَ العلماءِ معروفٌ لمعاويةَ مع عُبادةَ لا مع أبي الدَّرداء، واللهُ أعلمُ. ومُمكِنٌ أن يكونَ له مع أبي الدَّرداء مثلُ هذه القصة أو نحوُها، ولكنَّ الحديثَ في الصَّرفِ مَحفوظٌ لعُبادةَ، وهو الأصلُ الذي عوَّل عليه العلماءُ في باب الرِّبا، ولم يختلِفوا أنّ فعلَ معاويةَ في ذلك غيرُ جائزٍ، وأنّ بيعَ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضَّةِ بالفضَّةِ، لا يجوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، تِبرِهما وعَينِهما ومَصوغِهما، وعلى أيِّ وجهٍ كانت، وقد مضَى في باب حُميدِ بن قيسٍ حديثُ ابن عمرَ في الصائغ الذي أراد أن يأخُذَ فضلَ يدِه، فقال ابنُ عمرَ: لا، هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وعهدُنا إليكم (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بن معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهبُ بالذَّهب، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ،

стр. 1487

والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلح، مِثلًا بمِثلٍ، سواء بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلَفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتُم إذا كان يدًا بيدٍ" (١). وقرأتُ على عبد الوارث، أنّ قاسمًا حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا أُمَيٌّ الصَّيرَفيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح (٢) سنةَ مئةٍ، قال: كتَب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ إلى عُمّالِه: ألّا تشتروا الذَّهبَ بالذَّهب إلّا مِثلا بمِثلٍ، ولا الفضّةَ بالفضةِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الحِنطةَ بالحِنطةِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا التَّمرَ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ. قال أبو عُمر: على هذا مذهبُ الصحابة، والتابعين، وجماعةِ فقهاءِ المسلمين، إلّا في البُرِّ والشعير، فإنَّهم اختلَفُوا في ذلك، فلا وجهَ للإكثارِ فيه. حدَّثني خلفُ بن القاسم بن سهل الحافظ، قال: حدَّثنا أبو الميمون البَجَليُّ عبدُ الرحمن بن عُمرَ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن المبارك، عن يحيى بن حمزةَ، عن بُرْدِ بن سِنانٍ، عن إسحاقَ بن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ، عن أبيه،

стр. 1488

أنّ عُبادةَ أنكَر على معاويةَ شيئًا، فقال له: لا أُساكنُك بأرضٍ أنت بها. ورحَل إلى المدينة، فقال له عمرُ: ما أقدَمَك؟ فأخبَره، فقال له: ارجِعْ إلى مكانِك، فقبَّح اللهُ أرضًا لستَ فيها ولا أمثالُك. وكتب إلى معاويةَ: لا إمارةَ لك عليه. قال أبو عُمر: فقولُ عُبادةَ: لا أُساكِنُك بأرضٍ أنت بها. أو قولُ أبي الدَّرداء على ما في حديثِ زيدِ بن أسلمَ، يَحتملُ أن يكونَ القائلُ ذلك قد خافَ على نفسِه الفتنةَ لبقائِه بأرضٍ يَنفُذُ فيها في العلم قولٌ خلافُ الحقِّ عندَه، وربَّما كان ذلك منه أنَفةً لمجاورةِ من رَدَّ عليه سُنَّةً عَلِمَها من سُننِ رسولِ الله ﷺ برأيِه، وقد تضيقُ صدورُ العلماءِ عندَ مثل هذا، وهو عندَهم عظيمٌ؛ رَدُّ السُّننِ بالرَّأي. وجائزٌ للمرءِ أن يهجُرَ من خاف الضَّلالَ عليه، ولم يسمَعْ منه ولم يُطِعْه، وخاف أن يُضلَّ غيرَه، وليس هذا من الهجرةِ المكروهةِ، ألا ترى أنّ رسولَ الله ﷺ أمَر الناسَ ألّا يُكلِّموا كعبَ بنَ مالكٍ حينَ أحدَث في تخلُّفِه عن تبوكَ ما أحدَث، حتى تاب اللهُ عليه (١)؟ وهذا أصلٌ عندَ العلماء في مجانبةِ من ابتدَع، وهجرتِه، وقطعِ الكلام معه. وقد حلَف ابنُ مسعودٍ ألّا يُكلِّمَ رجلًا رآه يَضحَكُ في جِنازةٍ. أخبرنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن بحرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن هارونَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن الوليدِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد الرحمن بن حُميدٍ الرُّؤاسيِّ، عن رجلٍ من عَبْسٍ، أنّ ابنَ مسعودٍ رأى رجلًا يضحَكُ في جنازةٍ، فقال: تضحَكُ وأنت في جنازةٍ؟! والله لا أُكلِّمُك أبدًا (٢). وغيرُ نكيرٍ أن يجهلَ معاويةُ ما قد عَلِم أبو الدَّرداءِ وعُبادةُ؛ فإنّهما جليلان من فقهاءِ الصَّحابةِ وكُبَرائِهم.

стр. 1489

قال أبو عُمر: حديثُ عُبادةَ المذكورُ في هذا الباب، وإن كانوا قد اختلَفوا في إسنادِه، فهو عندَ جماعةٍ من فقهاءِ الأمصارِ أصلُ ما تدورُ عليه عندَهم معاني الرِّبا، إلّا أنّهم اختلَفت مذاهبُهم في ذلك، على ما أوضحناه في باب ابن شهابٍ، عن مالكِ بن أوسِ بن الحَدَثان، من هذا الكتاب (١)، والحمدُ لله. قال أبو عُمر: ولا يوجدُ عن النبيِّ ﷺ شيءٌ ذكَر فيه الرِّبا غيرَ هذه السِّتَّةِ الأشياءِ المذكورة في حديثِ عُبادةَ؛ وهي الذَّهبُ، والفضةُ، والبُرُّ، والشَّعيرُ، والتَّمرُ، والمِلحُ، فجعَلها جماعةُ علماءِ المُسلمين القائلين بالقياسِ أُصولَ الرِّبا، وقاسوا عليها ما أشبَهها وما كان في معناها، واستدلُّوا بقولِه في الحديث: حتى خصَّ المِلْحَ بالملح. فجعَلوا الملحَ أصلًا لكلِّ إدام، فحرَّموا التَّفاضلَ في كلِّ إدامٍ، وحرَّموا التَّفاضلَ في كلِّ مأكولٍ، على عِلَلٍ أُصولُها مُستنبطةٌ من هذا الحديث؛ فذهَب العراقيُّون إلى أنّ العلَّةَ فيها الكيلُ والوزنُ (٢)؛ لأنّ كلَّ ما ذُكِر من الأنواع السِّتّة لم تَخْلُ من كيلٍ أو وزنٍ، وكذلك جاءَ الحديثُ به نصًّا؛ قال في الذهب وفي الوَرِقِ: "وزنًا بوزنٍ". وقال في غير ذلك: "مُدْيٌ بمُدْي". ونحوَ ذلك. وجعَل الشافعيُّ (٣) العِلَّةَ في ذلك الأكلَ لا غيرُ، إلّا في الذَّهبِ والوَرِقِ فلم يَقِسْ عليهما غيرَهما؛ لأنّهما أثمانُ المبيعات، وقِيَمُ المُتلَفات (٤). وكذلك قولُ أصحابِ مالكٍ في الذهبِ والورِقِ، وعلَّلوا الأربعةَ بأنّها أقواتٌ مُدَّخَرةٌ (٥)، فأجازوا التَّفاضلَ فيما لا يُدَّخرُ إذا كان يدًا بيدٍ، ولا بأسَ عندَهم برُمّانةٍ برُمَّانتين،

стр. 1490

وتُفَّاحةٍ بتفَّاحتين، أو ما كان مثلَ ذلك، يَدًا بيدٍ. وذلك غيرُ جائزٍ عندَ الشافعيِّ؛ لأنّ العلَّةَ في ذلك عندَه الأكلُ، وسواءٌ عندَه ما يُدَّخَرُ وما لا يُدَّخرُ. والرِّبا عند جماعةِ العلماءِ في الصِّنفِ الواحدِ يدخُلُه من جهتَين، وهما النَّساءُ، والتَّفاضُلُ، فلا يجوزُ شيءٌ من الأنواع السِّتَّةِ بمثلِه إلّا يدًا بيدٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، على ما نصَّ عليه الرسولُ ﷺ ، فإذا اختلَف الجنسُ جاز فيه التَّفاضلُ، ولم يجُزْ فيه النَّساءُ؛ لقوله ﷺ : "بيعوا الذَّهبَ بالوَرِقِ كيف شئتُم، يدًا بيدٍ، وبيعوا البُرَّ بالشَّعيرِ كيف شئتُم، يدًا بيدٍ" (١). إلّا أنّ مالكًا جعَل البُرَّ والشَّعيرَ جنسًا واحدًا، فلم يُجِزْ فيه التَّفاضُلَ؛ لشيءٍ روَاه عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ (٢)، وعبد الرحمنِ بن الأسودِ بن عبد يغوثَ (٣)، من روايةِ سُليمانَ بن يَسَارٍ. وخالَفه في ذلك جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ. وسنذكُرُ هذا المعنى مجوَّدًا في باب عبد الله بن يزيدَ مولى الأسود بن سفيانَ، من كتابِنا هذا إن شاء الله. قال أبو عُمر: لا ربا عندَ العلماءِ في غير هذه الأنواع السِّتَّة وما كان في معناها، على عِلَلِهم وأُصولهم التي ذكَرنا، ولا حرامَ عندَهم في شيءٍ من البُيوع بعدَ ما تضمَّنت أُصولهُم المذكورةُ في هذا الباب على ما وصفنا، إلّا من طريق الزيادةِ في السَّلَف، والقولِ بالذَّرائع عندَ من قال بها؛ وهم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما. وكان سعيدُ بن المسيِّب، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وجماعةٌ (٤)، ذهَبوا إلى أنّ لا ربا إلّا في ذَهَبٍ أو وَرِقٍ، أو ما كان يُكالُ أو يُوزنُ ممّا يُؤكلُ أو يُشربُ. استدلالًا

стр. 1491

- واللهُ أعلمُ - بحديثِ عُبادةَ المذكورِ في هذا الباب، وكانوا ينفُون القولَ بالذَّرائع، ويقولون: لا يُحكَمُ على مُسلم أو غيرِه بظنٍّ، ولا تُشرَعُ الأحكامُ بالظُّنون، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بالمُسلم إلّا الخيرُ. ورُوِي عن عمرَ أنّه قال: إنّما الرِّبا على من أراد أن يُرْبي (١). فهذا ما في السُّنَّةِ من أُصولِ الرِّبا، وأمّا الرِّبا الذي ورَد به القرآنُ فهو الزِّيادةُ في الأجَل يكونُ بإزائِه زيادةٌ في الثَّمن، وذلك أنّهم كانوا يتبايعون بالدَّين إلى أجَلٍ، فإذا حلَّ الأجَلُ قال صاحبُ المال: إمّا أن تقضِيَ، وإما أن تُربيَ؛ فحرَّم اللهُ ذلك في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ ، واجتمعت عليه أمَّتُه. ومن هذا الباب عندَ العلماءِ: ضَعْ وتعجَّلْ (٢)؛ لأنّه عكسُ المسألةِ، ومَن رخَّص فيه لم يكنْ عندَه من هذا الباب، وجعَله من بابِ المعروف. وأمّا مَن نفَى القياسَ من العلماءِ، فإنَّهم لا يَرَون الرِّبا في غير السِّتَّة الأشياءِ المذكور في حديثِ عبادةَ بن الصَّامتِ، وما عداها عندَهم فحلالٌ جائزٌ بعُموم قولِ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وممّن يُروى عنه هذا القولُ قتادةُ، وما حفِظتُه لغيرِه، وهو مذهبُ داودَ بن عليّ وغيرِه (٣)، ولهذا البابِ تلخيصٌ يَطولُ شرحُه ويتَّسعُ القولُ فيه، وفيما ذكَرتُ لك كفايةٌ ومقنعٌ لمن تدبَّر وفَهِم، وبالله التوفيقُ. وقد ذكَرنا منه نُكَتًا مُوعبةً كافيةً في غير موضعٍ من كتابِنا هذا. والحمدُ لله.

стр. 1492

حديثٌ ثاني عشر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ ثابت مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ من بني أسَد، قال: نَزَلْتُ أنا وأهلي ببقيع الغَرْقد، فقال لي أهلي: اذهَبْ إلى رسول الله ﷺ ، فاسألْه لنا شيئًا نأكُلُه. وجعَلوا يَذكُرون مِن حاجتِهم، فذهَبتُ إلى رسولِ الله ﷺ ، فوجدْتُ عندَه رجلًا يسألُه، ورسولُ الله ﷺ يقولُ: "لا أجدُ ما أُعْطيك"، فتولَّى الرجلُ وهو مُغضَبٌ، ويقولُ: لَعَمْري، إنّك لتعطي مَنْ شئْتَ. فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّه لَيغضَبُ عليَّ ألّا أجدَ ما أُعطيه، مَن سأل منكم وله أُوقيَّةٌ أو عَدْلهُا فقد سأل إلحافًا". قال الأسَدِيُّ: فقلتُ: لَلَقْحَة لنا خيرٌ (٢) من أوقيّةٍ - قال [مالك] (٣): والأُوقيةُ أربعون درهمًا - فرجَعتُ ولم أسألْه، فقُدِمَ على رسولِ الله ﷺ بعدَ ذلك بشعيرٍ وزبيبٍ، فقسَم لنا منه حتى أغْنَانا الله. هكذا رواه مالكٌ، وتابعَه هشامُ بن سعدِ (٤) وغيرُه (٥)، وهو حديثٌ صحيحٌ، وليس حكمُ الصاحبِ إذا لم يُسَمَّ كحكم مَن دُونَه إذا لم يُسَمَّ عندَ العلماء؛ لارتفاع الجُرْحَة عن جَميعهم، وثبوتِ العدالةِ لهم؛ قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله أحمدَ بنِ حنبل: إذا قال رجل من التابعين: حدَّثني رجلٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ . ولم يُسَمِّه، فالحديثُ صحيحٌ؟ قال: نعم.

стр. 1493

وقد روَى عُمارةُ بن غَزِيّةَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوَ هذا الحديث الذي رواه عطاءُ بن يسارٍ، عن الأسَديِّ، قال أبو سعيدٍ: اسْتُشْهِدَ أبي يومَ أحدٍ، وتَرَكَنا بغير مالٍ، فأصابَتْنا حاجةٌ شديدةٌ، فقالت لي أمِّي: أي بُنَيَّ، ائْتِ النبيَّ ﷺ فاسألْه لنا شيئًا. قال: فجِئْتُ وهو في أصحابه جالسٌ، فسَلَّمْتُ وجَلَسْتُ (١)، فاستَقْبَلني، وقال: "من استَغنَى أغْناه اللهُ، ومن اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ، ومن استكْفَ كفاهُ اللهُ". قال: قلتُ: ما يُريدُ غيري. فرجَعْتُ ولم أُكَلِّمْه في شيءٍ، فقالت لي أُمِّي: ما فعَلْتَ؟ فأخبَرْتُها الخبرَ، فرزَقنا اللهُ شيئًا، فصبَّرَنا وبلَّغَنا حتى ألحَّتْ علينا حاجةٌ هي أشدُّ منها، فقالت لي أُمِّي: ائْتِ النبيَّ ﷺ فسألْه لنا شيئًا. قال: فجئتُه وهو في أصحابه جالسٌ، فاستَقْبَلني، فأعاد القولَ الأوّلَ، وزاد فيه: "مَن سأل وله أُوقيّةٌ، أو قيمةُ أُوقيّة، فهو مُلْحِفٌ". فقلتُ: الياقوتةُ (٢) خيرٌ من أُوقيّةٍ، فرَجَعْتُ ولم أسألْه (٣).

стр. 1494

هكذا رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي سعيدٍ، ورواه مالكٌ (١)، عن ابن شهابٍ، عن عطاءِ بن يَزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ بغيرِ هذا اللفظ، والمعنَى واحدٌ، إلّا أنّه لم يَذْكُرْ فيه: "مَن سأل وله أُوقيّةٌ" إلى آخرِه. وإنما هذا موجودٌ من رواية مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ من بني أسدٍ، على ما تقدَّمَ في هذا الباب. وهذا الحديثُ من حديثِ ابن شهابٍ محفوظٌ كما رواه مالكٌ، وليس يُحفظُ حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ المذكورُ فيه الأوقيّةُ إلّا بالإسنادِ المذكورِ عن عُمارةَ بن غَزيّة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه، وهو لا بأسَ به (٢). وقد احتجَّ به أحمدُ بن حنبلٍ، وسنَذْكُرُ قولَه في ذلك إن شاء الله تعالى. وفي حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا من الفِقْه: مَعرِفَةُ ما كان عليه رسولُ الله ﷺ من الحِلْم، وما كان القومُ فيه من الصَّبْرِ على الإقلالِ وقلَّةِ ذاتِ اليدِ. وأمّا قولُ الرجلِ فيه: والله إنّك لتُعْطي مَن شِئْتَ. فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ من الأعراب الجُفاة الذين لا يَدْرون حُدودَ ما أنزَل اللهُ على رسوله. وفي هذا الحديث (٣) دليلٌ على ما قال مالكٌ: إنّ من تَولَّى تَفريقَ الصَّدقاتِ لم يعْدَمْ مَن يَلُومُه (٤)، قال: وقد كنتُ أتوَلّاها بنفسي فأُوذيتُ، فترَكْتُ ذلك. وقد يجوزُ أن يكونَ منعُ النبيَّ ﵇ للرجلِ الذي منَعه حينَ سأله من الصدقةِ؛ لأنّه كان غنيًّا لا تَحِلُّ له، أو ممَّن لا يجوزُ له أخذُها لِمَعانٍ اللهُ أعلمُ بها.

стр. 1495

وفيه أنّ السُّؤالَ مَكروهٌ لمَن له أُوقيّةٌ من فِضَّةٍ. والأُوقيّةُ إذا أُطْلِقَت فإنّما يُرَادُ بها الفِضَّةُ دُونَ الذهب وغيره، هذا قولُ العلماء، ألا ترَى إلى حديثِ أبي سعيدٍ: "ليس فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقةٌ، وليس فيما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ صدقةٌ، ولا فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صدقةٌ" (١). فلم يختَلف العلماءُ أنّه لم يَعْنِ بذلك إلّا الفضةَ دُونَ غيرِها، وما عَلِمْتُ أنّ أحدًا قال في الأُوقيّةِ المذكور في هذا الحديث: إنّه أراد بها غيرَ الفضَّةِ، وفي ذلك كفايةٌ. والأُوقيّةُ أربعون درهمًا، وهي بدراهمِنا اليومَ ستُّون درهمًا أو نحوُها، فمَن سأل وله هذا الحدُّ (٢) والقَدْرُ من الفضَّة، أو ما يقومُ مقامَها ويكونُ عَدْلًا منها، فهو مُلْحِفٌ سألَ إلحافًا. والإلْحافُ في كلام العربِ: الإلحاحُ، لا خلافَ بينَ أهل اللغة في ذلك (٣)، والإلحاحُ على غيرِ الله مذمومٌ؛ لأنّه قد مدَح اللهُ سبحانه بضدِّه، فقال: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ولهذا قلتُ: إنّ السؤالَ لمن ملَك هذا المِقْدارَ مكروهٌ، ولم أقلْ: إنّه حرامٌ لا يَحِلُّ؛ لأنّ ما لا يَحِلُّ يَحرُمُ الإلحاحُ فيه وغيرُ الإلحاح، ويَحرُمُ التَّعرُّضُ له وفيه، وما عَلِمْتُ أحدًا من أهلِ العلم إلّا وهو يَكْرَهُ السؤالَ لمن ملَك هذا المقدارَ من الفِضّةِ، أو عَدْلهَا من الذهب، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ ملَك أربعين درهمًا، أو عَدْلَها من الذهب، أنْ يسألَ على ظاهرِ هذا الحديث. وما جاءَه من غير مسألةٍ فجائزٌ له أنْ يأكُلَه، إنْ كان من غيرِ الزكاة، وهذا ما لا أعلمُ (٤) فيه خلافًا، فإن كان من الزَّكاةِ، ففيه من الاختلافِ ما نُبيِّنُه إن شاء الله.

стр. 1496

ولا تَحِلُّ الزكاةُ لغنيٍّ إلّا لخمسةٍ، على ما ذكَرْنا في باب رَبيعةَ. وأمّا غيرُ الزَّكاة من التَّطوُّع كلِّه، فإنه جائزٌ للغنيِّ والفقير. وقد جعَل بعضُ أهل العلم الأربعينَ درهمًا حدًّا بينَ الغنَى والفَقْرِ، فقال: إنّ الصَّدقةَ - يعني الزكاةَ -: لا يَحِلُّ أخذُها لمن ملَك أربعين درهمًا؛ لأنّه غَنِيٌّ إذا ملَك ذلك. وأظُنُّه ذهَب إلى هذا الحديث واللهُ أعلم. ولسائر العلماء في هذا الباب مذاهبُ مختلفةٌ (١)، ونحن نذكُرُها هاهنا، وبالله توفيقنا. فأمّا مالكٌ ﵀، فروَى عنه ابنُ القاسم (٢) أنّه سئل: هل يُعْطَى من الزَّكاة مَن له أربعون درهمًا؟ فقال: نعم. وهو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ. وروى الواقديُّ، عن مالكٍ، أنّه قال: لا يُعْطَى من الزَّكاةِ مَن له أربعون درهمًا (٣). قال أبو عُمر: هذا يَحتمِلُ أن يكونَ قَوِيًّا مُكْتَسِبًا حَسَنَ (٤) التَّصرُّف في هذه المسألة، وفي الأولَى ضَعيفًا عن الاكتساب، أو مَن له عِيالٌ (٥)، واللهُ أعلم.

стр. 1497

وقد قال مالكٌ في صاحبِ الدَّارِ التي ليس فيها فضلٌ عن سُكناه، ولا في ثَمنها فَضْل إن بيعَتْ يعيشُ فيه بعدَ دارٍ تَحمِلُه: أنّه يُعطَى من الزكاةِ. قال: وإن كانت الدَّارُ في ثمنِها ما يُشْتَرَى له به مسكنٌ، ويَفْضُلُ له فضلٌ يعيشُ به: أنّه لا يُعطَى من الزكاةِ. والخادِمُ عندَه كذلك (١). وقولُه أيضا هذا في الدَّارِ والخادم، يَحْتمِلُ التأويلَيْن جميعًا، إلّا أنّ المعروفَ من مذهبِه أنّه لا يَحُدُّ حَدًّا لا يُتجاوزُ، إلّا على قدرِ الاجتهادِ والمعروفِ من أحوالِ الناس، وكذلك يَرُدُّ ما يُعطَى المسكينُ الواحِدُ من الزكاةِ أيضًا إلى الاجتهادِ من غير توقيتٍ (٢). فأمّا الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ، وأحمدُ بن حنبلٍ، والطَّبريّ، فكلُّهم يقولون فيمَن له الدارُ والخادِمُ، وهو لا يَسْتَغْني عنهما: إنّه يأخُذُ من الزكاةِ، وتَحِلُّ له (٣). ولم يُفَسِّرُوا هذا التَّفْسيرَ الذي فسَّره مالكٌ، إلّا أنّ الشافعيَّ قال في كتاب الكَفّارات (٤): مَن كان له مسكن لا يَسْتَغْني عنه هو وأهلُه، وخادمٌ، أُعْطِيَ من كفّارةِ اليمين، والزكاة، وصدقةِ الفطر. قال: وإن كان مَسكنُه يَفْضُلُ عن حاجَته وحاجَةِ أهلِه، الفَضْلَ الذي يكونُ بمثلِه غَنيًّا، لم يُعطَ من ذلك شيئًا. فهذا القولُ يُضارِعُ قولَ مالكٍ، إلّا أنّ مالكًا قال: يَفضُلُ له من ذلك فضلٌ يعيشُ به (٥). ولم يقُلْ كم يَعيشُ به. والشافعيُّ قال: يَفْضُلُ له من ذلك فَضلٌ يكونُ به غَنِيًّا.

стр. 1498

وروَى سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن الحَسَن، قال: يُعطَى من الزَّكاةِ من له المسكنُ والخادمُ (١). ورواه الربيعُ، عن الحَسَن (٢). وفسَّرَه أبو عُبَيدٍ على نحو ما قال الشافعيُّ. وعن إبراهيمَ النَّخَعيِّ نحوَ قولِ الحَسَن في ذلك، وعن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه (٣). واختَلَفوا في المقدار الذي تَحرُمُ به الصدقةُ لمن ملَكه من الذَّهبِ والفضَّةِ وسائرِ العُروضِ: فأمّا مالك فقد ذكَرْنا قولَه في الأربعين درهمًا، والاختلافَ عنه في ذلك. وكان الحسنُ البصريُّ يقولُ: من له أربعون درهمًا فهو غَنِيٌّ (٤). وحجَّةُ من ذهَب إلى أنْ يَحُدَّ في هذا أربعين درهمًا حديثُ الأسَديِّ المذكورُ في هذا الباب، وهو حديث ثابتٌ. وقد رواه عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص أيضًا: حدَّثنا يَعيشُ بن سعيدِ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن بَشَّار، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن داودَ بن شَابُورَ، عن عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن سألَ وله أربعون دِرْهَما، أو قِيمَتُها فهو مُلحِفٌ" (٥). وذكر كلامًا فيه تغليظٌ على السائلِ إذا ملَك ذلك.

стр. 1499

وقد ذكَرنا حديثَ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ بمثلِ ذلك أيضًا (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا تَحِلُّ الصدقةُ لمن له مئتا درهم، ولا بأسَ أن يأخذَها من له أقلُّ منها. ويَكْرَهون أن يُعطَى إنسانٌ واحدٌ من الزكاةِ مئتَي درهم، فإنْ أُعْطِيَها أجْزَأتْ عن المعطي عندَهم، ولا بأسَ أنْ يُعطَى أقلَّ من مئتَي درهمٍ (٢). وهو قولُ ابن شُبْرُمةَ. وروَى هشامٌ، عن أبي يوسفَ، في رجلٍ له على رجلٍ مئةٌ وتسعةٌ وتسعون درهمًا، فيتَصَدَّقُ عليه من زكاتِه بدِرْهَمَين: أنّه يَقْبَلُ واحدًا، ويَرُدُّ واحدًا. ففي هذا إجازةُ أنْ يَقْبَلَ تمَامَ المئتين، وكَراهيةُ أن يَقْبَلَ ما فوقَها (٣). وحُجَّتُهم في ذلك قولُ رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن آخُذَ الصَّدقةَ من أغْنيائِكم وأرُدَّها في فُقَرائِكم" (٤). والغنيُّ من له مئتا درهمٍ، لوُجوب الزَّكاةِ عليه فيها؛ لأنّها لا تُؤْخَذُ إلّا من غَنِيٍّ. وكان الثوريُّ، والحَسَنُ بن صالح بن حَيٍّ، وابنُ المبارك، وأحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهُوَيةَ، يقولون: لا يُعطَى من الزكاة من له خمسون درهمًا أو عَدْلهُا

стр. 1500

من الذَّهَب (١). واحتجُّوا في ذلك بحديثِ عبدِ الله بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن سأل وهو غنيٌّ، جاءَتْ مسألتُه يومَ القيامةِ خُدُوشًا، وخُمُوشًا، أو كُدُوحًا في وجههِ". قيل: وما غِناه. أو: ما الغنَى يا رسولَ الله؟ قال: "خمسون درهمًا أو عَدْلهُا مِنَ الذَّهَبِ" (٢). وهذا الحديثُ إنّما يَدُورُ على حكيم بن جُبير، وهو متروكُ الحديث، هكذا رواه جماعةُ أصحاب الثوريِّ؛ منهم ابنُ المبارك وغيرُه، عن الثوريِّ، عن حَكيم بن جُبيرٍ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن يزيدَ، عن أبيه، عن ابن مسعودٍ، إلّا يحيَى بن آدمَ، فإنّه جعَل فيه مع حكيم بن جُبيرٍ زُبَيدَ الإياميَّ (٣). ولا يجوزُ عندَ الثوريِّ، وأحمدَ بن حنبلٍ، والحَسَن بن صالح، ومن قال

стр. 1501

بقولهم: أن يُعطَى أحدٌ من الزكاةِ أكثرَ من خمسين درهمًا (١)؛ لأنّه الحدُّ بين الغنيِّ والفقيرِ عندَهم، والزكاةُ إنّما جعَلها اللهُ للفقراءِ والمساكين، وحرَّمها على الأغنياءِ، إلّا الخمسةَ الذين ذكَرهم رسولُ الله ﷺ ، وسيأتي ذكرُهم في كتابنا هذا في موضعِه إن شاء الله تعالى. وقال عُبيدُ الله بن الحسن: من لا يكونُ له ما يُقيمُه ويَكْفيه سنةً، فإنّه يُعطَى من الزَّكاة (٢). وما أعلم لهذا القول وجهًا، إلّا أن يكونَ صاحبُه عساهُ أخَذه من حديثِ ابن شهابٍ، عن مالكِ بن أوسِ بن الحدَثان، عن عمرَ بن الخطّاب: أنّ رسولَ الله ﷺ كان يَدَّخِرُ مما أفاءَ اللهُ عليه قُوتَ سنةٍ، ثم يَجعَلُ ما سوَى ذلك في الكُرَاع والسِّلاح (٣)، مع قولِ الله : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]. وقال الشافعيُّ: يُعطَى الرجلُ على قَدْرِ حاجتِه حتى يُخرِجَه ذلك من حدِّ الفَقْر إلى حدِّ الغِنَى، كان ذلك تَجِبُ فيه الزكاةُ أو لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولا أَحُدُّ في ذلك حدًّا؛ ذكَره المزَنيُّ والربيعُ جميعًا عنه (٤)، ولا خلافَ عنه في ذلك. وكان الشافعيُّ يقولُ أيضًا: قد يكونُ الرجلُ بالدِّرهم غَنيًّا مع كَسْبِه، ولا يُغْنِيه الألفُ مع ضَعْفِه في نفسِه وكثرةِ عِيالِه. وقال الطبريُّ: لا يأخُذُ من الزكاةِ من له خمسون درهمًا أو عَدْلهُا ذهبًا، إذا

стр. 1502

كان على التَّصرُّفِ بها قادِرًا، حتى يَسْتَغْنيَ عن الناس، فإذا كانَ كذلك حَرُمَتْ عليه الصدقةُ. وأمّا إذا صَرَف الخمسين دِرْهمًا في مسكنٍ، أو خادم، أو ما لا يَجِدُ منه بُدًّا، وليسَ له سواها، وكان على التَّصَرُّفِ بها غيرَ قادرٍ، حلَّتْ له الزَّكاةُ بحديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ في الخمسين درهمًا (١). وذكَر حديثَ قَبيصةَ بنِ المُخارِقِ: "لا تَحِلُّ المسألةُ لمن له سِدادٌ من عيشٍ أو قِوامٌ من عيشٍ" (٢). فكأنّه جعَل السِّدادَ الخمسين درهمًا المذكورةَ في حديث ابن مسعودٍ، والله أعلمُ، هذا المعنى من ظاهر قوله هذا. قال أبو عُمر: ليس عن النبيِّ ﷺ ولا عن الصحابةِ في هذا الباب شيءٌ يَرفَعُ الإشكالَ، ولا ذكَر أحدٌ عنه ولا عنهم في ذلك نصًّا غيرَ ما جاءَ عن النبيِّ ﷺ من كراهية السُّؤالِ، وتحريمِه لمن ملَك مقدارًا ما، في آثارٍ كثيرةٍ مختلفةِ الألفاظ والمعاني، فجعَلها قومٌ من أهلِ العلم حدًّا بين الغنيِّ والفقير، وأبَى ذلك آخرون، وقالوا: إنّما فيها تحريمُ السُّؤالِ أو كراهيتُه، فأمّا مَن جاءَه شيءٌ من الصَّدقاتِ عن غير مسألةٍ، فجائزٌ له أخذُه واكلُه، ما لم يكنْ غنيًّا الغِنَى المعروفَ عندَ الناس، فتَحرُمُ عليه حينئذٍ الزَّكاةُ دونَ التَّطوُّع. ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنّ الصدقةَ المفروضةَ لا تَحِلُّ لغَنيٍّ، إلّا ما ذُكِرَ في حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، على ما يأتي ذكرُه إن شاء اللهُ في موضعِه من كتابنا هذا (٣).

стр. 1503

واختلَفوا في صَدَقةِ التَّطوُّع هل تَحِلُّ للغنيِّ؟ فمنهم مَن رأى التَّنزُّهَ عنها، ومنهم مَن لم يرَ بها بأسًا إذا جاءَتْ من غير مسألةٍ؛ لقوله (١) ﷺ لعُمرَ: "ما جاءَك من غيرِ مسألةٍ، فكُلْه وتَمَوَّلْه؛ فإنَّما هو رزقٌ ساقَه اللهُ إليك" (٢)، مع إجماعِهم على أنّ السؤالَ لا يَحِلُّ لغنيٍّ معروف الغِنَى. وأكثرُ من كَرِه صدقةَ التَّطوُّع إنّما كَرِهَها من أجل الامتنان، ورأوا التَّنزُّهَ عن التَّطوُّع من الصَّدقات؛ لِمَا يَلْحقُ قابِضَها من ذُلِّ النَّفسِ والخضوع لمُعطِيها. ونزعوا، أو بعضُهم، بالحديث: "إنّ الصدقةَ أوساخُ الناسِ يَغسِلُونَها عنهم" (٣). فرأوا التَّنزُّهَ عنها، ولم يُجيزُوا أخذَها لمن اسْتَغْنَى عنها بالكَفاف، ما لم يُضْطَرُّوا إليها؛ حتى لقد قال سفيانُ ﵀: جوائزُ السلطان أحبُّ إليَّ من صِلاتِ الإخوان؛ لأنهم يَمُنُّون. قال أبو عُمر: ويَحتمِلُ مع هذا أنّه رأى أنّ له في بيتِ المالِ حقًّا. والآثارُ المرويّةُ عن النبيِّ ﷺ في كراهيةِ السؤالِ مطلَقًا، أو لمَن ملَك مقدارًا ما، كثيرةٌ جدًّا؛ منها: حديثُ الأسديِّ المذكورُ في هذا الباب لمالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ. ومنها: حديثُ أبي سعيدٍ على ما تقدَّم، وفيها جميعًا ذِكْرُ الأُوقيةِ أو عَدْلِها (٤).

стр. 1504

وحديثُ ابن مسعودٍ في الخمسين دِرْهمًا، أو عَدْلِها من الذَّهَب (١). وحديث سَهْل ابن الحنظليّة أنّه سمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ: "من سأل وعندَه ما يُغْنيه، فإنّما يَسْتَكثِرُ من نار جهنَّمَ". فقالوا: يا رسولَ الله، وما يُغْنِيه؟ قال: "ما يُغَدِّيه في أهلِه وما يُعَشِّيهم" (٢). وحديثُ عبدِ الحميد بن جعفرٍ، عن أبيه، عن رجلٍ من مُزَيْنةَ، أنّه سمِع النبيَّ ﷺ يَخطُبُ وهو يقولُ: "مَنِ اسْتَغْنَى أغناه اللهُ، ومن استَعَفَّ أعَفَّه اللهُ، ومن سأل الناسَ وله عَدْلُ خمسةِ أوساقٍ، سأل إلحافًا" (٣). وحديثُ قَبيصةَ بن المُخارِقِ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال له: "يا قَبيصةُ، إنّ المسألةَ لا تَحِلُّ إلّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٌ تَحمَّلَ حَمالةً، فحَلَّتْ له المسألةُ، فسأل حتى يُصِيبَها، ثم يُمْسِكُ، ورجلٌ أصابَتْه جائحةٌ فاجْتاحَتْ مالَه، فحَلَّتْ له المسألةُ، فسأل حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيشٍ - أو قال: سِدادًا من عَيشٍ - ورجلٌ أصابَتْه فاقَةٌ حتى يقولَ ثلاثةٌ من ذَوي الحِجَا من قومِه: لقد أصابَتْ فلانًا الفاقةُ، فقد

стр. 1505

حَلّتْ له المسألةُ، فسأل حتى يُصيبَ قِوامًا - أو قال: سِدادًا - من عَيشٍ، ثم يُمْسِكُ، وما سواهُنَّ من المسألةِ يا قَبيصَةُ سُحْت، يأكُلُها صاحبُها سُحْتًا" (١). وروَى الفِراسيُّ أنّه قال لرسولِ الله ﷺ : أَأَسألُ يا رسولَ الله؟ قال: "لا، وإن كنتَ لا بُدَّ سائلًا، فاسألِ الصالحينَ" (٢). وروَى عوفُ بن مالكٍ الأشجعيُّ: أنهم بايَعوا رسولَ الله ﷺ وهم سبعةٌ أو ثمانيةٌ، فأخَذ عليهم: أن يَعْبُدوا الله ولا يُشْرِكوا به شيئًا، ويُصَلُّوا الصَّلواتِ

стр. 1506

الخمسَ، ويَسْمَعوا ويُطِيعوا، ولا يَسألوا الناسَ شيئًا. قال (١): فلقد كان بعضُ أولئكَ النَّفَرِ يسْقُطُ سَوْطُه فما يسألُ أحدًا يُناوِلُه (٢). وحديثُ ثَوْبانَ، عن رسولِ الله ﷺ أنّه قال: "مَن تكَفَّل لي أن لا يسألَ الناسَ شيئًا تَكَفَّلْتُ له بالجنة" (٣). وروَى عمرُ بنُ الخطاب وغيرُه، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "إذا أُعْطِيتَ شيئًا من غيرِ أن تَسألَه فكُلْ وتصدَّقْ" (٤). وعنه ﷺ أنّه قال: "مَن آتاه اللهُ شيئًا من غيرِ مسألةٍ ولا استشرافٍ، فليأْكُلْ وليتَموَّلْ، فإنَّما هو رزقٌ ساقَهُ اللهُ إليه" (٥). وهذا معناه أن يكونَ فقيرًا، أو يكونَ

стр. 1507

الشيءُ الذي جاءَه من غيرِ مسألةٍ ليس من الزكاةِ إن كان غَنِيًّا، بدليل قوله ﷺ : "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مِغ سَوِيٍّ" (١). ويُرْوَى: "ولا لذِي مِرَّةٍ قَويٍّ" (٢). روَاه عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص. ورواه أيضًا عُبيدُ الله بن عَدِيِّ بن الخِيار، عن رَجُلَيْن من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، عن النبيِّ ﷺ (٣). وهذه كلُّها آثارٌ مشهورةٌ صحاحٌ معروفةٌ عندَ أهل الحديث، موجودةٌ في المسانيدِ والمصَنَّفاتِ وأُمَّهات الدَّواوين، ذكَرها أبو داودَ (٤) وغيرُه، كَرِهْتُ الإتيانَ بأسانيدِها لاشْتِهارِها.

стр. 1508

والسُّؤالُ عندَ أهلِ العلم مَكرُوهٌ لمن يَجِدُ منه بُدًّا على كلِّ حالٍ. رَوَينا عن ابن عباسٍ من وُجوهٍ أنّه أوصاه رسولُ الله ﷺ ، وكان في وَصِيَّتِه له: "إذا سَألْتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله" (١). وقال رسولُ الله ﷺ : "لأنْ يأخُذَ أحَدُكم حَبْلًا فيَحْتَطِبَ على ظَهْرِه، خيرٌ له من أن يَسْألَ الناسَ أعطَوه أو مَنَعوه" (٢). قال أبو عُمر: وما زال ذَوُو الهِمَم والأخطارِ من الرِّجال يتنَّزهُون عن السُّؤال. ولقد أحسنَ أبو الفضلِ أحمدُ بن المعَذَّلِ بن غَيْلانَ العَبْديُّ الفَقيهُ المالكيُّ حيث يقولُ: التَمِسِ الأرزاقَ عندَ الذي ... ما دُونَه إنْ سِيلَ من حاجبِ مَن يُبْغِضُ التارِكَ عن سُؤْلِه ... جُودًا ومَن يَرضَى عن الطالبِ ومَن إذا قال جرَى قولُه ... بغيرِ تَوقيعٍ إلى كاتبِ قال أبو عُمر: كان أحمدُ بن المعَذَّلِ شاعرًا فقيهًا ناسكًا، وكان أخُوه عبدُ الصَّمدِ شاعرًا ماجِنًا، ولأحمدَ قَصِيدَتُه المشهورةُ في فضلِ الرِّباط.

стр. 1509

ومن أحسنِ ما قيلَ نَظْمًا في الرِّضا والقناعةِ وذمِّ السُّؤالِ قولُ بعضِ الأعراب (١): عَلامَ سؤالُ الناسِ والرِّزْقُ واسعُ ... وأنتَ صحيحٌ لم تَخُنْكَ الأصابعُ وللعيشِ أوكارٌ وفي الأرضِ مذهبٌ ... عريضٌ ويابُ الرِّيق في الأرضِ واسِعُ فكنْ طالبًا للرِّزْقِ من رازقِ الغِنَى ... وخَلِّ سؤالَ الناسِ فاللهُ صانِعُ وقال مسلمُ بن الوليد (٢): أقولُ لِمَأْفُونِ (٣) البَدِيهةِ طائرٍ ... مع الحرصِ لم يغْنَمْ ولم يتَمَوَّلِ سَلِ الناسَ إنِّي سائلُ اللهَ وحدَه ... وصائنُ عِرْضِي عن فُلانٍ وعن فُلِ وقال عَبيدُ بن الأبرَص (٤): من يسْأَلِ الناسَ يَحْرِمُوه ... وسائلُ الله لا يَخِيبُ ومن قَصيدةٍ للحُسين بن حُميدٍ: وسائلُ الناسِ إنْ جادوا وإن بَخِلوا ... فإنّه برِداءِ الذُّلِّ مُشتَمِلُ وقال أبو العَتاهيةِ فأحسنَ (٥): أَتدْرِي أيَّ ذُلٍّ في السؤالِ ... وفي بذلِ الوُجوهِ إلى الرِّجالِ يَعِزُّ على التَّنَزُّهِ مَن رَعاه ... ويَسْتَغْني العفيفُ بغيرِ مالِ تعالَى اللهُ يا سَلْمَ بنَ عَمْرٍو ... أذلَّ الحِرْصُ أعْناقَ الرِّجالِ

стр. 1510

وما دُنياكَ إلّا مثل فَيءٍ ... أظلَّكَ ثم آذنَ بالزَّوالِ (١) إذا كان النَّوالُ ببَذْلِ وجهي ... فلا قُرِّبْتُ مِن ذاك النَّوالِ معاذَ الله مِن خُلُقٍ دَنيءٍ ... يكونُ الفضلُ فيه عليَّ لا لي تَوَقَّ يدًا تكونُ عليك فَضْلًا ... فصانِعُها إليك عليكَ عالِ يدٌ تعلُو يدًا بجَميلِ فِعْلٍ ... كما عَلَتِ اليمينُ على الشِّمالِ وُجوهُ العيشِ من سَعَةٍ وضيقٍ ... وحسبُكَ والتَّوسُّعَ في الحَلالِ أتنكِرُ أن تكونَ أخَا نعيمٍ ... وأنت تَصِيفُ في فَيْءِ الظِّلالِ وأنتَ تُصِيبُ قُوتَك في عَفافٍ ... ورِّيكَ إنْ ظَمِئْتَ من الزُّلالِ متى تُمْسِي وتُصْبِحُ مُستَريحًا ... وأنتَ الدَّهْرَ لا تَرْضَى بحالِ تُكابدُ جَمْعَ شيءٍ بعدَ شيءٍ ... وتَبْغي أنْ تكونَ رَخِيَّ بالِ وقد يَجرِي قليلُ المالِ مَجرَى ... كثيرِ المالِ في سَدِّ الخلالِ إذا كانَ القليلُ يَسُدُّ فَقْرِي ... ولم أجِدِ الكثيرَ فلا أُبالي هي الدُّنْيا رأيتُ الحُبَّ فيها ... عَواقِبُه التَّفَرُّقُ عن تَقَالِ تُسَرُّ إذا نظَرْتَ إلى هلالٍ ... ونَقْصُكَ أن نظَرْتَ إلى الهلالِ حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢):

стр. 1511

حدَّثنا حَفْصُ بن عمرَ النَّمَريُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبد الملك بن عُمير، عن زيدِ بن عُقْبَةَ الفَزَاريِّ، عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بها الرّجلُ وجهَه، فمَن شاء أبقَى على وجهِه، ومَنْ شاء ترَكَ، إلّا أن يسألَ الرجلُ ذا السلطان، أو في أمرٍ لا يَجِدُ منه بُدًّا". قال أبو عُمر: حديثُ سَمُرَةَ هذا من أثْبَتِ ما يُروَى في هذا الباب، وهو أصلٌ عندَهم في سؤالِ السلطان وقَبولِ جوائزِه، وعمومُه يَقْتَضِي كلَّ سُلطانٍ؛ لأنه لم يَخُصَّ من السَّلاطين صفةً دون صفةٍ، وقد كان يعلَمُ كثيرًا ممّا يكونُ بعدَه، ألا ترَى إلى قوله: "سيكونُ بعدي (١) أمراءُ" الحديثَ (٢)؟ فما لم يُعلم الحرامُ عندَهم بعَينِه جاز قَبولُه. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مسلم الطَّائفيُّ، عن أيوبَ بنِ موسى، عن نافعٍ: أنّ عبدَ الله بن عمرَ كان يقبَلُ الجوائزَ من الأمراء (٣).

стр. 1512

وقبِل جوائزَ الأمراء جماعةٌ، منهم: الشَّعْبيُّ، والحَسَنُ البَصْريُّ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، ويحيى بنُ سعيدٍ، ومالكُ بن أنسٍ، والأوزاعيُّ. وكان يحيى بن سعيدٍ في ديوانِ الوليد، وجماعةٌ من العلماء كانوا في ديوان بني أميّة وبني العبّاس في العطاء. ذكَر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ في كتابه "المعرفة"، قال: حدَّثنا أبو عُمير، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ (١)، عن ابن أبي حَمَلة (٢)، قال: ذكَر الوليدُ بن هشام لعمرَ بن عبد العزيز القاسمَ بن مُخَيمرةَ، قال: فأرسَل إليه، فلمّا دخَل عليه قال له عمرُ: سَلْ حاجَتكَ. قال: يا أميرَ المؤمنين، قد عَلِمْتَ ما جاءَ في المسألة. قال: ليس أنا ذلك، إنّما أنا قاسم، فسَلْ حاجَتَكَ. قال: يا أميرَ المؤمنين، اقْضِ دَيني (٣). قال: قد قَضَيْنا، فسَلْ حاجتَك. قال: يا أميرَ المؤمنين، وتُلْحِقُني في العطاء. قال: قد ألحقناك في العطاء. قال: فسَلْ حاجتَك. قال: تَحْمِلُني على دابّةٍ. قال: قد حَمَلْناك، فسَلْ حاجتَك. قال: يا أميرَ المؤمنينَ، أيُّ شيءٍ بَقي؟ قال: قد أمَرْنا لك بخادم، فخُذْها من عند الوليدِ بن هشام (٤). قال الحسنُ الحُلوانيُّ: وحدَّثنا عليُّ بن حَفْصٍ، قال: حدَّثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن منصور، قال: خرَج إبراهيمُ النَّخَعيُّ وتَميمُ بن سلمةَ إلى عامل حُلوانَ، فأعطاهما، قال: ففضَّلَ تميمًا على إبراهيمَ، فوجَد إبراهيمُ من ذلك في نفسِه (٥).

стр. 1513

وذكر ابن أبي حاتم (١): حدَّثنا (٢) أحمدُ بن منصورٍ الرَّماديُّ، عن القَعنبيِّ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سُلَيم الطَّائفيَّ يُحدِّث (٣) سفيانَ بن عيينةَ، أنّ محمدَ بن إبراهيمَ - يعني الهاشميَّ، واليًا كان على مكّةَ - بَعَث إلى سفيانَ الثوريِّ مئتي دينار، فأبى أنْ يقبَلَها، فقلتُ له: يا أبا عبد الله، كأنك لا تَراها حَلالًا؟ قال: بلَى، ولكنِّي أكْرَهُ أن أُذلَّ. وقال سفيانُ: جوائزُ السلطان أحبُّ إليَّ من صِلَةِ الإخوانِ؛ لأنّهم لا يَمُنُّون، والإخوانُ يَمُنُّون. قال الحُلوانيُّ: وحدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا مُعاذٌ، قال: حدَّثنا ابنُ عَونٍ، قال: أمَر عمرُ بن عبدِ العزيزِ بمالٍ للحسنِ ومحمدٍ، فلم يقبَلْ محمدٌ، وقَبِل الحسنُ (٤). قال: وحدَّثنا زيدُ بن الحُباب، عن سلّام بن مِسْكين، قال: بَعث عمرُ بن عبد العزيز إلى الحسن، ومحمدٍ، و (٥) ثابتٍ البُنانيِّ، وَيزيدَ الرَّقاشيِّ، ويزيدَ الضَّبيِّ، بثمانِ مئةِ ثمانِ مئةٍ، وحُلَّةٍ حُلَّةٍ، فقَبِلوا كلُّهم إلّا محمدَ بنَ سِيرينَ. قال: وحدَّثنا دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلم، قال: حدَّثنا ابنُ جابرٍ (٦)، قال: قدِم علينا سُليمانُ بن يسارٍ في زمنِ الوليد بن عبد الملك، فدَعاه الوليدُ

стр. 1514

إلى منزلِه، وصَنَع حمّامًا ودَخَّلَه، فاطَّلَى بنُورَةٍ، ثم خرَج، وانصرَف إلى المنزل، فتغَدَّى معه (١). أخبرنا محمدُ بن زكريّا، قال: أخبَرنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا مروانُ بن عبد الملك، قال: حدَّثنا المفضَّلُ بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن داودَ، عن الأعمش، عن حَبيب بن أبي ثابتٍ، قال: رأيتُ هدايا المختارِ تأتي ابنَ عبّاس وابنَ عمرَ، فيَقبَلانها (٢). قال مروانُ: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى الأزْديُّ، قال: حدَّثنا أبو نَصْرٍ التّمارُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبد العزيزِ التّنُوخيُّ، قال: قال الحسنُ: لا يَرُدُّ عطاياهم إلا أحمقُ أو مُرَاءٍ. حدَّثنا (٣) عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد العزيز، وكان فاضلًا، قال: سمِعتُ ابنَ عيينةَ يقولُ: من زَعَم أنّ سفيانَ لم يأخُذْ من السلطان؟ أنا أخَذْتُ له منهم.

стр. 1515

قال أبو عُمر: كان الثَّوريُّ يَحتَجُّ بقول ابنِ مسعودٍ: لك المَهْنَأُ، وعليه المَأْثَمُ (١). وهذا المعنى لولا خروجُنا بذكره عن معاني هذا الباب لذكَرنا من ذلك ما يَطولُ به الكتابُ، وقد جمَعه جماعة (٢)، منهم أحمدُ بن خالدٍ وغيرُه. ورُوِيَ عن بُكَير بن الأشجِّ: أنّه كان يَقبَلُ هديَّةَ امرأةٍ سوداءَ تَبيعُ المِزْرَ (٣) بمصرَ، قال: لأنّي كنتُ أراها تَغزل. وقال الليثُ: إنْ لم يكنْ له مالٌ سِوَى الخمرِ فلْيَكُفَّ عنه. قال (٤): وأكْرَهُ طَعامَ العُمَّال من جهة الورع، من غير تحريم. وقال القاسمُ بن محمدٍ: لو كانت الدُّنيا كلُّها حرامًا لما كان (٥) بُدٌّ من العيش فيها. وقال مالكٌ: فكلُّ مَن عمِل للسلطان (٦) عملًا، فله رِزْقُه من بيتِ المال. قال: ولا بأسَ بالجائزةِ يُجازُ بها الرجلُ، يراه الإمامُ بجائِزَتِه أهلًا؛ لعلمٍ، أو لدَيْنٍ عليه، ونحوِ ذلك. قال أبو عُمر: أمّا مَن حدَّ في الغنى حدًّا، خمسين درهمًا، أو أربعين درهمًا، أو مئتي درهم، وزَعموا أنّ المرءَ غَنيٌّ بمُلكِه هذا المقدار، على اختلافِهم فيه، ومن قال: إنّه لا يُعطَى أحَدٌ من الفقراءِ أكثرَ من مئتي درهم، أو اكثرَ من خمسين درهمًا من الزكاة، فإنّه يَدخُلُ على كلِّ واحدٍ منهم ما يَرُدُّ قولَه من حديث سَهْل بن أبي حَثْمة:

стр. 1516

أنّ رسولَ الله ﷺ وَدَى الأنصاريَّ المقتولَ بخيبرَ بمئة ناقةٍ من إبل الصَّدَقة، ودفَعها إلى أخيه عبد الرحمن (١) بن سهل (٢). وقد نزَع لهذا بعضُ أصحابِنا. وفي ذلك عندِي نظرٌ. فأمّا من جعَل المرءَ بمُلكِه ما تَجِبُ فيه الصدقةُ غَنِيًّا، لقوله ﷺ : "أُمِرْتُ أن آخُذَ الصَّدقةَ من أغنيائكم" (٣)، فإنّه يَدْخُلُ عليه الإجماعُ على أنّ مَن مَلَك خمسةَ أوسُقٍ من شعيرٍ قيمَتُها خمسةُ دراهمَ، أو نحوَها ممّا لا يكونُ غنًى عندَ أحدٍ، وكان مِلْكُه إيّاها بزرعِه لها في أرضِه، ولم يَمْلِكْ من حَصادِه غيرَها، أنّ الصدقةَ عليه فيها وإن لم يَمْلِكْ شيئًا سواها، وهذا عندَ جميعِهم فقيرٌ مسكينٌ غيرُ غَنيٍّ، وقد وجَبَتْ عليه الصَّدَقةُ، وهذا يَنقُضُ ما أصَّلُوه. وما ذهَب إليه مالكٌ والشافعيُّ أولَى بالصَّواب في هذا الباب، واللهُ أعلم. أخبرنا محمدُ بن عبد الملك، قال: حدَّثنا أبو سعيد بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا الزَّعفرانيُّ (٤) وسعيدُ (٥) بن نَصر، قال (٦): حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن

стр. 1517

هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عُبيد الله بن عَديِّ بن الخِيار، عن رَجُلينِ، قالا: أتيْنا رسولَ الله ﷺ وهو يَقْسِمُ نَعَمَ الصَّدَقة، فسألناه، فصَعَّدَ فينا البَصَرَ وصَوَّب، وقال: "ما شِئْتُما، فلا حقَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكْتَسِبٍ". ومن حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَحِلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَويٍّ" (١). وبعضُهم يقولُ فيه: "ولا لذي مِرَةٍ قَويٍّ" (٢). ومن أحسن ما رأيتُ من أجوبةِ (٣) أئمة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الوَرَعِ فيه، ما حكاه الأثرمُ عن أحمدَ بن حنبل: أخبرنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ الوَرَّاق، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكر الأثرمُ، قال: سَمِعتُ أبا عبد الله - يعني أحمدَ بن حنبل - يُسألُ عن المسألة متى تَحِلُّ؟ فقال: إذا لم يكنْ عندَه ما يُغَدِّيه ويُعشِّيه، على حديث سهلِ ابن الحَنظَليّة (٤). قيل لأبي عبد الله: فإن اضْطر إلى المسألة؟ قال: هي مُباحةٌ له إذا اضْطُرَّ. قيل له: فإن تَعفَّف؟ قال: ذلك خيرٌ له. ثم قال: ما أظُنُّ أحدًا يَموتُ من الجوع، الله يَأتيه برِزْقه. ثم ذكَر حديثَ أبي سعيدٍ الخدريِّ: "مَن اسْتَعفَّ أعَفَّه اللهُ" (٥)، وحديثَ أبي ذرٍّ،

стр. 1518

أنّ النبيَّ ﷺ قال له: "تَعَفَّفْ" (١). قال: وسمِعتُ أبا عبد الله، وذكَر حديثَ عُبيد الله بن عَدِيِّ بن الخِيار، عن رَجُلين أتيا النبيَّ ﷺ ، فسألاه من الصَّدَقة، فقال لهما: "إن شِئتُما، ولا حقَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكتَسِبٍ" (٢)، فقال: هذا أجْوَدُها إسنادًا. ثم قال: قد يكونُ قويًّا ولا يكونُ مُكتَسِبًا، لا يكونُ في يدِه حِرْفةٌ، ولا يَقدِرُ على شيء، فهذا تَحلُّ له الصَّدقةُ وإن كان قَويًّا، إذا كان غيرَ مُكتَسِبٍ، فإن كان يَقْدِرُ على أنْ يَكتَسِبَ، فهو مُضَيَّقٌ عليه في المسألة، فإذا غُيِّبَ عنك أمرُه فلم تَدْرِ أيَكْتَسبُ أم لا، أعْطَيْتَه، وأخْبَرْتَه بما يَحرُمُ عليه. قال أبو بكر (٣): وسمِعْتُه يُسْألُ عن قوله: "ذي مرَّةٍ قَويٍّ". قال: هو الصحيحُ. ثم قال: ما أحْسَنَه وأجْوَدَه من حديثٍ - يعني حديثَ عُبيدِ الله بن عَديِّ بن الخِيار (٤). قال: وسمِعْتُ أبا عبدِ الله يقولُ: لا تَحِلُّ المسألةُ إلّا لأحدِ ثلاثةٍ،

стр. 1519

على حديثِ قَبيصَةَ بنِ المُخارِقِ (١) "حتى يُصيبَ قِوامًا أو سِدادًا من عيشٍ"، قيل له: وما السِّدادُ؟ قال: ما يُعَشِّيه. قال أبو عُمر: هذا على نحو جواب مالكٍ في هذا الباب (٢). قال أبو بكر: وسَمِعْتُه - يعني أحمدَ بن حنبل - يُسألُ عن الرجل الذي لا يَجِدُ شيئًا، أيَسألُ أم يأكُلُ الميتةَ؟ فقال: أيَأْكُلُ الميْتَةَ وهو يَجِدُ من يَسألُه؟ هذا شنيعٌ. قال: وسمِعْتُه يُسألُ: هل يَسألُ الرجلُ لغيره؟ فقال: لا، ولكن يُعَرِّضُ، كما قال النبيُّ ﷺ حينَ جاءَه قوم مُجْتابي النِّمار، فقال: "تَصدَّقوا" (٣). ولم يقل: أعْطُوهم. قال أبو عُمر: قد قال رسولُ الله ﷺ : "اشْفَعوا تُؤْجَروا" (٤). وفيه إطلاقُ السُّؤال لغيرِه، واللهُ أعلم، وقال: "ألا رجلٌ يَتصدَّقُ على هذا فيُصَلِّيَ معه؟ " (٥).

стр. 1520

قال أبو بكر: قيل له - يعني أحمدَ بن حنبل -: فالرجلُ يذكُرُ الرجلَ فيقولُ: إنّه مُحتاجٌ؟ فقال: هذا تعريضٌ، وليس به بأسٌ، إنّما المسألةُ أنْ تقولَ: أعْطِه. ثم قال: لا يُعْجِبُني أنْ يَسألَ المرءُ لنَفسِه، فكيفَ لغيرِه؟ والتَّعريضُ هاهنا أعجَبُ إليّ (١). قلت لأبي عبد الله: رجلٌ سأل وهو ممّن تَحِلُّ له المسألةُ، فجاءَه رجلٌ بمئة درهمٍ؟ فقال: هذا رزقٌ ساقَه اللهُ إليه، فإن كان من الزَّكاة، فهذا يَضيقُ على المُعطي والمعطَى، وإن كان من عُرْض مالِه فلا بأسَ به. قال أبو عبد الله: لا يَأخُذُ من الصدقةِ من له خمسون درهمًا، ولا يأخُذُ منها أكثرَ من خمسين درهمًا. قيل له: وما الأصلُ في أنْ لا يُعطَى أكثرَ من خمسين؟ قال: لأنّه إذا أخَذ خمسين صارَ غنيًّا، إلّا أن يكونَ له عِيالٌ، أو يكونَ غارِمًا، أو يكونَ عليه دَيْنٌ (٢). ثم قال: حديثُ عبد الله بن مسعودٍ في هذا حديثٌ حسنٌ (٣)، وإليه نَذهَبُ في الصدقة. قلت له: ورَواه زُبَيْدٌ أو هو لحكيم بن جُبير فقط؟ فقال: رواه زُبَيدٌ فيما قال يحيى بن آدم: سمِعتُ سفيانَ يقولُ: حدَّثنا زُبَيْدٌ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن يزيدَ. قلتُ لأبي عبد الله: لم يُخبِرْ (٤) به محمدُ بن عبد الرحمن؟ فقال: لا (٥). قال: وسمِعْتُه، وذكَر حديثَ أبي سعيد الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ سأل وله أُوقيّةٌ، أو قيمَةُ أُوقيّةٍ، فهو مُلحِفٌ" (٦). فقال: هذا يُقَوِّي حديثَ

стр. 1521

عبد الله بن مسعودٍ. قيلَ لأبي عبد الله (١): من حديث مَنْ هو؟ فقال: من حديثِ عُمارةَ بن غَزِيّة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه. قال: قلتُ: فإن كان رجلٌ له عيالٌ؟ قال: يُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم خمسين خمسين، ومن كان له خمسون، لم يُعْطَ منها شيئًا، وإن كان له دون خمسين، يُبلَّغُ الخمسين. قيل له: فإن كانت الخمسون لا تَكْفيه من سنةٍ إلى سنةٍ، إنّما تَكْفيه ثلاثةَ أشهرٍ أو نحوَها، وهو يَشتَهي ألا يُحْوِجَه إلى أحد؟ فقال: لا يَنبَغي أن يُعْطِيَه أكثرَ من خمسين. فقلتُ أنا للذي سأله: إذا فَنِيَتِ الخمسون، أعطاه خمسين أخرى؟ قال: نعم، إذا فَنِيَتْ أعطاه أخرى (٢). قال أبو عُمر: أمّا اللِّقحةُ المذكورةُ في حديث هذا الباب (٣)، قول الأسَدي: فقلتُ: لَلِقْحةٌ لنا خيرٌ من أوقيّةٍ. فاللِّقْحةُ: النَّاقةُ اللَّبُونُ. وذكَر الحربيُّ (٤)، عن أبي نَصْرٍ، عن الأصْمَعيِّ، أنّه قال: لِقاحُ الإبل أن تَحمِلَ سنةً وتُجِمَّ سنةً (٥). قال أبو عُمر: قال أُحَيْحَةُ بن الجُلاح: تَبُوعٌ لِلْحَليلةِ حيثُ كانت ... كما يَعتادُ لِقْحَتَه الفَصيلُ (٦)

стр. 1522

حديث ثالث عشر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ (٢)، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، مثلَ حديث أبي النَّضْر في الحمار الوحشيِّ (٣)، إلّا أنّ في حديث زيدِ بن أسلمَ قال (٤): "هل معكم من لحمِه شيءٌ؟ ". هكذا هو في "الموطأ"، وسيأتي حديثُ أبي النَّضْر في بابه إن شاء الله. وفي قوله ﷺ : "هل معكم من لحمه شيءٌ؟ " دليل على أنّ صيدَ البَرِّ للمُحرِم حلالٌ إذا لم يَصِدْه، إلّا أنّ في هذا المعنى، وفيما يُصادُ من أجْل المُحرِم، كلامٌ وتَعليلٌ واختلافٌ بين العلماء، يأتي ذلك إن شاء الله في باب حرف الميم، عند ذكرِ حديثِ ابن شهابٍ، عن عُبيد الله بن عبد الله (٥)، وفي حرف السِّين، عندَ ذكر أحاديثِ أبي النَّضر سالم مولَى عمرَ بن عُبيد الله (٦)، وبالله العونُ. واختُلِفَ في اسم أبي قتادةَ صاحبِ رسول الله ﷺ ، وقد ذكرْناه في كتاب "الصحابة" (٧)، والحمدُ لله كثيرًا.
следующие страницы →