← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1518–1557 · переход к 1523.

стр. 1518

أنّ النبيَّ ﷺ قال له: "تَعَفَّفْ" (١). قال: وسمِعتُ أبا عبد الله، وذكَر حديثَ عُبيد الله بن عَدِيِّ بن الخِيار، عن رَجُلين أتيا النبيَّ ﷺ ، فسألاه من الصَّدَقة، فقال لهما: "إن شِئتُما، ولا حقَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكتَسِبٍ" (٢)، فقال: هذا أجْوَدُها إسنادًا. ثم قال: قد يكونُ قويًّا ولا يكونُ مُكتَسِبًا، لا يكونُ في يدِه حِرْفةٌ، ولا يَقدِرُ على شيء، فهذا تَحلُّ له الصَّدقةُ وإن كان قَويًّا، إذا كان غيرَ مُكتَسِبٍ، فإن كان يَقْدِرُ على أنْ يَكتَسِبَ، فهو مُضَيَّقٌ عليه في المسألة، فإذا غُيِّبَ عنك أمرُه فلم تَدْرِ أيَكْتَسبُ أم لا، أعْطَيْتَه، وأخْبَرْتَه بما يَحرُمُ عليه. قال أبو بكر (٣): وسمِعْتُه يُسْألُ عن قوله: "ذي مرَّةٍ قَويٍّ". قال: هو الصحيحُ. ثم قال: ما أحْسَنَه وأجْوَدَه من حديثٍ - يعني حديثَ عُبيدِ الله بن عَديِّ بن الخِيار (٤). قال: وسمِعْتُ أبا عبدِ الله يقولُ: لا تَحِلُّ المسألةُ إلّا لأحدِ ثلاثةٍ،

стр. 1519

على حديثِ قَبيصَةَ بنِ المُخارِقِ (١) "حتى يُصيبَ قِوامًا أو سِدادًا من عيشٍ"، قيل له: وما السِّدادُ؟ قال: ما يُعَشِّيه. قال أبو عُمر: هذا على نحو جواب مالكٍ في هذا الباب (٢). قال أبو بكر: وسَمِعْتُه - يعني أحمدَ بن حنبل - يُسألُ عن الرجل الذي لا يَجِدُ شيئًا، أيَسألُ أم يأكُلُ الميتةَ؟ فقال: أيَأْكُلُ الميْتَةَ وهو يَجِدُ من يَسألُه؟ هذا شنيعٌ. قال: وسمِعْتُه يُسألُ: هل يَسألُ الرجلُ لغيره؟ فقال: لا، ولكن يُعَرِّضُ، كما قال النبيُّ ﷺ حينَ جاءَه قوم مُجْتابي النِّمار، فقال: "تَصدَّقوا" (٣). ولم يقل: أعْطُوهم. قال أبو عُمر: قد قال رسولُ الله ﷺ : "اشْفَعوا تُؤْجَروا" (٤). وفيه إطلاقُ السُّؤال لغيرِه، واللهُ أعلم، وقال: "ألا رجلٌ يَتصدَّقُ على هذا فيُصَلِّيَ معه؟ " (٥).

стр. 1520

قال أبو بكر: قيل له - يعني أحمدَ بن حنبل -: فالرجلُ يذكُرُ الرجلَ فيقولُ: إنّه مُحتاجٌ؟ فقال: هذا تعريضٌ، وليس به بأسٌ، إنّما المسألةُ أنْ تقولَ: أعْطِه. ثم قال: لا يُعْجِبُني أنْ يَسألَ المرءُ لنَفسِه، فكيفَ لغيرِه؟ والتَّعريضُ هاهنا أعجَبُ إليّ (١). قلت لأبي عبد الله: رجلٌ سأل وهو ممّن تَحِلُّ له المسألةُ، فجاءَه رجلٌ بمئة درهمٍ؟ فقال: هذا رزقٌ ساقَه اللهُ إليه، فإن كان من الزَّكاة، فهذا يَضيقُ على المُعطي والمعطَى، وإن كان من عُرْض مالِه فلا بأسَ به. قال أبو عبد الله: لا يَأخُذُ من الصدقةِ من له خمسون درهمًا، ولا يأخُذُ منها أكثرَ من خمسين درهمًا. قيل له: وما الأصلُ في أنْ لا يُعطَى أكثرَ من خمسين؟ قال: لأنّه إذا أخَذ خمسين صارَ غنيًّا، إلّا أن يكونَ له عِيالٌ، أو يكونَ غارِمًا، أو يكونَ عليه دَيْنٌ (٢). ثم قال: حديثُ عبد الله بن مسعودٍ في هذا حديثٌ حسنٌ (٣)، وإليه نَذهَبُ في الصدقة. قلت له: ورَواه زُبَيْدٌ أو هو لحكيم بن جُبير فقط؟ فقال: رواه زُبَيدٌ فيما قال يحيى بن آدم: سمِعتُ سفيانَ يقولُ: حدَّثنا زُبَيْدٌ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن يزيدَ. قلتُ لأبي عبد الله: لم يُخبِرْ (٤) به محمدُ بن عبد الرحمن؟ فقال: لا (٥). قال: وسمِعْتُه، وذكَر حديثَ أبي سعيد الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ سأل وله أُوقيّةٌ، أو قيمَةُ أُوقيّةٍ، فهو مُلحِفٌ" (٦). فقال: هذا يُقَوِّي حديثَ

стр. 1521

عبد الله بن مسعودٍ. قيلَ لأبي عبد الله (١): من حديث مَنْ هو؟ فقال: من حديثِ عُمارةَ بن غَزِيّة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه. قال: قلتُ: فإن كان رجلٌ له عيالٌ؟ قال: يُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم خمسين خمسين، ومن كان له خمسون، لم يُعْطَ منها شيئًا، وإن كان له دون خمسين، يُبلَّغُ الخمسين. قيل له: فإن كانت الخمسون لا تَكْفيه من سنةٍ إلى سنةٍ، إنّما تَكْفيه ثلاثةَ أشهرٍ أو نحوَها، وهو يَشتَهي ألا يُحْوِجَه إلى أحد؟ فقال: لا يَنبَغي أن يُعْطِيَه أكثرَ من خمسين. فقلتُ أنا للذي سأله: إذا فَنِيَتِ الخمسون، أعطاه خمسين أخرى؟ قال: نعم، إذا فَنِيَتْ أعطاه أخرى (٢). قال أبو عُمر: أمّا اللِّقحةُ المذكورةُ في حديث هذا الباب (٣)، قول الأسَدي: فقلتُ: لَلِقْحةٌ لنا خيرٌ من أوقيّةٍ. فاللِّقْحةُ: النَّاقةُ اللَّبُونُ. وذكَر الحربيُّ (٤)، عن أبي نَصْرٍ، عن الأصْمَعيِّ، أنّه قال: لِقاحُ الإبل أن تَحمِلَ سنةً وتُجِمَّ سنةً (٥). قال أبو عُمر: قال أُحَيْحَةُ بن الجُلاح: تَبُوعٌ لِلْحَليلةِ حيثُ كانت ... كما يَعتادُ لِقْحَتَه الفَصيلُ (٦)

стр. 1522

حديث ثالث عشر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ (٢)، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، مثلَ حديث أبي النَّضْر في الحمار الوحشيِّ (٣)، إلّا أنّ في حديث زيدِ بن أسلمَ قال (٤): "هل معكم من لحمِه شيءٌ؟ ". هكذا هو في "الموطأ"، وسيأتي حديثُ أبي النَّضْر في بابه إن شاء الله. وفي قوله ﷺ : "هل معكم من لحمه شيءٌ؟ " دليل على أنّ صيدَ البَرِّ للمُحرِم حلالٌ إذا لم يَصِدْه، إلّا أنّ في هذا المعنى، وفيما يُصادُ من أجْل المُحرِم، كلامٌ وتَعليلٌ واختلافٌ بين العلماء، يأتي ذلك إن شاء الله في باب حرف الميم، عند ذكرِ حديثِ ابن شهابٍ، عن عُبيد الله بن عبد الله (٥)، وفي حرف السِّين، عندَ ذكر أحاديثِ أبي النَّضر سالم مولَى عمرَ بن عُبيد الله (٦)، وبالله العونُ. واختُلِفَ في اسم أبي قتادةَ صاحبِ رسول الله ﷺ ، وقد ذكرْناه في كتاب "الصحابة" (٧)، والحمدُ لله كثيرًا.

стр. 1523

حديثٌ رابع عشر لزَيْد بن أسْلَم صحيحٌ متَّصل مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عِياضِ بن عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْحٍ العامِريِّ، أنّه سمع أبا سعيدٍ الخُدْريَّ يقول: كُنّا نُخرِجُ زكاةَ الفِطْرِ صاعًا من طعام، أو صاعًا من شَعِير، أو صاعًا من تَمْرٍ، أو صاعًا من زَبِيبٍ، أو صاعًا من أقِطٍ (٢). قد ذكَرنا عبدَ الله بن سعدِ بن أبي سَرْح في كتاب "الصحابة" (٣) بما يُغْني عن ذكْره هاهنا، وتُوفِّي بفلَسْطينَ سنةَ ستٍّ وثلاثين (٤)، وكان أخَا عثمانَ لأمِّه من رَضَاع (٥)، وابنُه عياضٌ ثقةٌ مأمونٌ (٦). هكذا روَى مالكٌ هذا الحديثَ في "موطَّئه" عندَ جماعةِ رُواتِه فيما عَلِمْتُ (٧)، ولم يقل فيه: على عهدِ رسول الله ﷺ . وهو حديثٌ قد خرَّجه في المسنَدِ جماعةُ المُصَنِّفين من أهلِ العلم بالحديث؛ لأنّه قد صَحَّ فيه عن أبي سعيدٍ أنّ ذلك

стр. 1524

كان منه على عهدِ رسول الله ﷺ ، رُوِيَ ذلك عنه من وُجوهٍ، وشرطُنا ألّا نترُكَ ذكرَ مثلَ هذا في كتابِنا. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدّثنا محمدُ بن بكرِ بنِ عبدِ الرزاق، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمةَ القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن قيسٍ، عن عياضِ بن عبدِ الله، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كُنّا نُخْرِجُ - إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ - زكاةَ الفِطْرِ عن كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ، حُرٍّ أو مملوكٍ، صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من أقِطٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، فلم نزلْ نُخْرِجُه حتى قَدِم معاويةُ حاجًّا أو معتمِرًا، فكلَّم الناسَ على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناسَ أنْ قال: إنِّي أرَى أنّ مُدَّيْن من سَمْراءِ الشام تَعْدِلَ صاعًا من تمَرٍ. فأخَذ الناسُ بذلك. قال أبو سعيدٍ: فأمّا أنا، فلا أزالُ أُخْرِجُه أبدًا ما عِشْتُ. قال أبو داود (٢): رواه ابنُ عُلَيّةَ وعَبْدةُ وغيرُهما عن ابن إسحاقَ، عن

стр. 1525

عبدِ الله بن عبدِ الله بن عثمانَ، عن عياضٍ، عن أبي سعيدٍ بمعناه، وذكَر فيه رجلٌ واحدٌ عن ابن عُلَيّة: "أو صاعًا من حِنْطَةٍ"، وليس بمحفوظٍ. قال أبو داود (١): وقد حدّثناهُ مُسَدَّدٌ، عن إسماعيلَ ابن عُلَيّةَ، ليس فيه ذكرُ الحِنطَةِ. قال أبو داود: وقد ذكَر معاويةُ بن هشام في هذا الحديث، عن الثَّوريِّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عياضٍ، عن أبي سعيدٍ: نِصْفَ صاعٍ من بُرٍّ. وهو وهمٌ من معاويةَ بنِ هشام، أو ممّن روَى عنه. قال أبو داود (٢): وحدّثناه حامدُ بن يحيى، عن سفيانَ بن عُيينةَ، عن ابن عَجْلانَ، سمِع عِياضًا، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مثلَه، وزادَ فيه: أو صاعًا من دقيقٍ. قال حامدٌ: فأنكَروا ذلك على سُفيانَ فترَكه. قال أبو داودَ: هذه الزيادةُ وَهْمٌ من ابن عُيينة. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٣): أخبَرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ (٤)،

стр. 1526

قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، قال: سمِعتُ عِياضَ بن عبدِ الله يُخْبِرُ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: لم نُخْرِجْ على عهدِ رسولِ الله ﷺ إلّا صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من زبيب (١)، أو صاعًا من دقيقٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من سُلْتٍ (٢). ثم شكَّ سفيانُ، فقال: من دقيقٍ أو سُلْتٍ. قال أبو عُمر: لم يَذْكُرْ فيه ابنُ عُيينَةَ صاعًا من طعام. وكذلك روَاه يحيَى القطَّانُ، عن داودَ بن قيسٍ، لم يَذْكُرِ الطعام (٣). وكذلك رواه عبدُ الله بن (٤) عبدِ الله بن عثمانَ، عن عياضٍ، عن أبي سعيدٍ، ليس فيها: من طعام (٥). وكذلك رواه الحارثُ بن أبي ذُبابٍ، عن عِياضٍ، عن أبي سعيدٍ، ليس فيها ذِكْرُ الطعام (٦).

стр. 1527

ورواه الثوريُّ عن زيدِ بن أسلمَ، فقال فيه: من طعام. كما قال مالكٌ (١). أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ النَّسَويُّ، قال (٢): أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله بن المبارك، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عياض بن عبدِ الله، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: كنّا نُخْرِجُ زكاةَ الفطرِ إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ ، صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من أقِطٍ. قال أبو عُمر: هذا الثوريُّ، ومَوْضِعُه من الحفظِ مَوْضِعُه، قد ذكَر في هذا الحديثِ عن زيدِ بن أسلَمَ: كُنّا نُخْرِجُ زكاةَ الفِطْرِ إذْ كان فينا رسولُ الله ﷺ . وكذلك قال فيه كُلُّ مَن رواه، فلذلك ذكَرْناه في المسندِ كما ذكَره القومُ، وبالله التوفيقُ. وقال فيه الثوريُّ: صاعًا من طعام. كما قال مالكٌ، وكما قال داودُ بن قيس فيما رواه عنه القَعْنبيُّ (٣). ورواه يحيى القطَّانُ، عن داودَ بن قيسٍ، فلم يَذْكُرْ فيه الطعام: قرأتُ على عبد الوارث بن سفيانَ، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا داودُ بن قيسٍ، عن عياضٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: لم نزلْ نُخرِجُ على عهدِ

стр. 1528

رسولِ ﷺ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعو، أو صاعًا من أقِطٍ، فلم نزلْ كذلك حتى كان معاويةُ، فقال: أرى أن نصفَ صاعٍ من سَمراءِ الشام تعدِلُ صاعَ تمرٍ. فأخَذَ به الناسُ (١). خَالفَه وكيعٌ عن داودَ بن قيسٍ، فذكرَ فيه: صاعًا من طعام، كما قال القعنبيُّ، عن داودَ. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا هنّادُ بن السَّريِّ. وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٣)، قال: حدَّثنا مُوسى بن معاويةَ، قالا جميعًا: أخبَرنا وكيعٌ، عن داودَ بن قيسٍ الفَرّاء، عن عياضِ بن عبدِ الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: كنّا نُخْرِجُ زكاةَ الفطرِ إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ ، صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقِطٍ، فلم نزَلْ

стр. 1529

كذلك حتى قدِم معاويةُ من الشام، فكان فيما كلَّم به الناسَ، قال: ما أرَى مُدَّيْن من سمراءِ الشام إلّا تَعْدِلُ صاعًا من هذا. قال: فأخَذ الناسُ بذلك. دخل حديثُ بعضِهم في بعض، والمعنى سواءٌ. وفي حديث موسَى بن معاوية زيادةٌ، قال أبو سعيدٍ: فلا أزالُ أُخرِجُه كما كنتُ أخْرِجُه أبدًا ما عِشْتُ (١). حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو صالح. وحدّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٢): أخبرنا عيسى بن حمّادٍ، قالا جميعًا: أخبَرنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني يزيدُ بن أبي حبيبٍ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن عثمانَ بن حكيم، عن عياضِ بن عبد الله بن سعدٍ، حدَّثه أنّ أبا سعيدٍ الخُدريَّ، قال: كنّا نُخرِجُ في عهدِ رسولِ الله ﷺ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعا من أقِطٍ؛ لا نُخْرجُ غيرَه. زاد عبدُ الوارث: فلما كَثُر الطعامُ في زمن معاويةَ جعَلُوه مُدَّيْ حِنْطةٍ (٣). أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 1530

شعيبٍ، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن عليِّ بن حربٍ المَرْوَزيُّ، قال: أخبَرنا محُرِزُ بن الوضَّاح، عن إسماعيلَ بن أميّةَ، عن الحارثِ بن عبد الرحمنِ بن أبي ذُباب، عن عياضِ بن عبد الله بن أبي سَرح، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: فرَض رسولُ الله ﷺ صدقةَ الفِطْرِ صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من أقِطٍ. قال أبو عُمر: هذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنّ هذا الحديثَ مرفوعٌ، فلذلك ذكرناه في كتابِنا هذا على شرطِنا، وذكَر فيه زيدُ بن أسلمَ من رواية مالكٍ، والثوريِّ: صاعًا من طعام. وكذلك ذكَر فيه داودُ بن قيسٍ من روايةِ وكيعٍ والقعنبيِّ، وكلُّهم ذكَر فيه الشَّعيرَ، والتمرَ، والأقِطَ، وزادَ بعضُهم فيه الزَّبيب (٢). وتأوَّلَ أصحابُنا وغيرُهم في ذِكْر الطعام في حديث أبي سعيدٍ هذا أنّه الحنطةُ (٣)؛ لأنّه مقدَّمٌ في الحديث، ثم الشعيرُ والتَّمرُ والأقِطُ بعدَه. وكذلك اختلَف الحسنُ وابنُ سيرينَ عن ابن عباسٍ في حديثه في صدقةِ الفطر، فقال عنه ابنُ سيرينَ: صاعٌ من بُرٍّ (٤). وقال عنه الحسنُ: نصفُ صاعٍ

стр. 1531

من بُرٍّ (١). وقال أبو رجاء: سمِعْتُ ابنَ عباس يَخطُبُ على مِنبرِكم - يعني منبرَ البَصرة - يقول: صدقةُ الفِطْرِ صاعٌ من طعام (٢). فتأوَّلوه أيضا على أنّه البُرُّ، ولم يَسْمَع الحسنُ ولا ابنُ سيرينَ هذا الحديثَ من ابن عباسٍ، وقد سمِعَه منه أبو رجاء. وأمّا حديثُ ابن عمرَ فسيَأتي في باب نافع من كتابنا هذا باختلافِ ألفاظِه وتخريجِ معانِيه، ونَذكُرُ هناكَ إن شاء الله أحكامَ زكاةِ الفطرِ، ووُجوبَها على الصغير والكبير، والحُرِّ والعبدِ، وما للعلماءِ في ذلك من التَّنازُعِ والأقاويل بأتَمِّ ما يكونُ، إن شاء الله، ونذكُرُ هاهنا اختلافَهم في مَكيلَةِ صدقةِ الفطرِ، وما الذي يُخْرَجُ فيها من الحبوبِ وأصنافِ المأكولِ أو القيمةِ من العُروضِ وغيرِها، وما لهم في ذلك من الأقاويلِ والاعتلالِ، وباللّه الحولُ وهو المستعانُ. أجمَع العلماءُ أنّ الشعيرَ والتمرَ لا يُجزئُ من أحدِهما إلّا صاعٌ كاملٌ؛ أربعةُ أمدادٍ بمُدِّ النبيِّ ﷺ (٣). واختلفوا في البُرِّ: فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما: لا يُجزئُ من البُرِّ ولا من غيرِه أقلُّ

стр. 1532

من صاعٍ بصاعِ النبيِّ ﷺ ؛ أربعةُ أمدادٍ بمُدِّه ﷺ ، وهو قولُ البَصْريِّين، وبه قال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن راهُويه (١). وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه: يُجزئُ من البرِّ نصفُ صاعٍ. ورُوِيَ ذلك عن جماعةٍ من الصحابة، وجماعةٍ مِنَ التابعين بالحجاز والعراق (٢). وحُجَّةُ من قال بالصَّاعِ من البُرِّ وغيرِه، حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٣) هذا، وأنه ليس في شيءٍ من الأحاديثِ الصِّحاح نصفُ صاعٍ، وحديثُ الزُّهْريِّ عن ابنِ أبي صُعَيْرٍ (٤) عندَهم لا يصحُّ (٥). وفي حديثِ ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : "صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير" (٦). وكذلك حديثُ ابن عباسٍ، الصحيحُ فيه صاعٌ، لا نصفُ صاعٍ، والتَّمرُ والشَّعيرُ كان قُوتَ القوم في ذلك الوقتِ، فوجَب اعتبارُ القُوتِ في كلِّ زمانٍ، والقضاءُ منه بصاعٍ كاملٍ على ما في الآثارِ الصحاح عن ابن عُمرَ وغيرِه. وحجَّةُ من قال بنصفِ صاع من بُرٍّ، ما يُرْوَى عن ابن عمرَ أنّه قال بعدَ أنْ ذكَر أنّ رسولَ الله ﷺ فرَض صدقةَ الفِطْرِ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، قال: فعَدَل الناسُ به نصفَ صاع من بُرٍّ (٧)، والناسُ في ذلك الزمان كبارُ الصحابة.

стр. 1533

وقد رُوِيَ: أنّ عمرَ عَدَل ذلك وقضَى به (١)، وقيل: إنّ ذلك إنّما كان في زمن معاويةَ. وقد ذكَرنا من روَى هذا في حديثِ ابن عمرَ من كتابِنا هذا، في باب نافع (٢)، والحمدُ لله، وكان الصحابةُ في زمن معاويةَ متوافرينَ، لا يجوزُ عليهم الغَلَطُ في مثل هذا. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ الزُّهريِّ، عن ابن أبي صعيرٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال في صدقةٌ الفطر: "صاعٌ من بُرٍّ عن كلِّ اثنَيْن، أو صاعٌ من شعيرٍ أو تمْرٍ عن كل واحدٍ، غنيًّا كان أو فقيرًا"، وهو حديثٌ مُضْطَربٌ لا يَثْبُتُ (٣).

стр. 1534

واحتَجَّ أيضًا من قال بنصفِ صاعٍ من بُرٍّ بما رُوِيَ عن سعيد بن المسَيِّب، قال: كانت صدقةُ الفِطْرِ تُعْطَى على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمرَ نصفَ صاعٍ من حِنطَةٍ (١).

стр. 1535

وحدَّثنا خلفُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مطرِّفٍ، قال: حدَّنا سعيدُ بن عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يوسفَ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عبد الرحمن بن خالدٍ الفَهْميِّ وعُقيلِ بن خالدٍ، عن ابن شهاب، عن سعيدِ بن المسيِّب، أنه قال: إن رسولَ الله ﷺ فرَضَ زكاةَ الفطرِ مُدَّيْن من حنطةٍ (١). ورُوِيَ عن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ مَسْعودٍ، وابنِ عبّاسٍ، وأبي هُرَيرة، وجابر، وابن الزُّبير، ومُعاويةَ: نصفَ صاع من بُرٍّ، وفي الأسانيد عن بعضهم ضَعْفٌ واختلافٌ. وكذلك روَى سعيدُ بن المسَيِّب، وعطاءٌ، وطاووسٌ، ومجاهدٌ، وعُمر بن عبد العزيز، وسعيدُ بنُ جُبير، وعروةُ بن الزُّبير، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، ومصعبُ بن سَعْد وغيرُهم: نصف صاع من بُرّ. وأمّا ابنُ عُمر فكانَ لا يُخْرجُ في زكاةِ الفِطْر إلّا التَّمر، إلّا مرةً واحدة أعوزَهُ التمرُ فأخرجَ شعيرًا. وجملةُ قول مالكٍ أنه يؤدِّي ما كانَ جُلَّ عيشِ أهلِ بَلَده: القَمْحَ، والشعيرَ، والسُّلْتَ، والذُّرةَ، والدُّخنَ، والأرزَّ، والزَّبيبَ، والتمرَ، والأقِطَ، قال: ولا أرى لأهل مصر أن يدفعوا إلا القَمْحَ، لأن ذلك جُلُّ عيشِهم، إلا أن يَعْلُوَ سِعرُهم فيكون عيشُهم الشَّعيرَ فيُعطونَه، قال: ويعطي صاعًا من كُلِّ شيءٍ ولا يعطي مكانَ ذلك عَرْضًا من العُروض.

стр. 1536

قال أشهَبُ: وسُئِلَ مالك عن الذي يؤدِّي الشَّعير في زكاةِ الفِطْر، فقال: لا يؤدِّي الشَّعيرَ إلا أن يكون يأكلُه، قيل: فيُنَقِّيهِ؟ قال: لا، بل يؤدِّيه على وَجهِه كما يأكلُه، قيل له: فإنّ الناسَ يقولون: مُدّانِ؟ فقال: القولُ ما قال رسولُ الله ﷺ ، قال: فذَكَرتُ له الأحاديث التي تُذكر عن النبيِّ ﷺ في المُدَّيْن من الحِنْطة، فأنكَرها (١). وقال الشافعيُّ: أيُّ قوتٍ كان الأغلبَ على رجلٍ، أدّى منه زكاة الفطر؛ إنْ كان حنطةً، أو ذُرَةً، أو سُلْتًا، أو شعيرًا، أو تَمْرًا، أو زَبيبًا، أدّى صاعًا بصاعِ النبيِّ ﷺ ، ولا يُؤدِّي إلّا الحَبَّ، لا يُؤَدِّي دقيقًا، ولا سَويقًا، ولا قيمةً. قال: فإنْ أدَّى أهلُ البادية الأقِطَ، لم يَبِنْ لي أنّ عليهم إعادةً (٢). وقال أبو حَنيفةَ: يُؤَدِّي نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو دقيقٍ، أو سَويقٍ، أو زَبيبٍ، أو صاعًا من تَمْرٍ، أو شعيرٍ. وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: الزَّبيبُ بمنزلة التمر والشعير، وما سوَى ذلك يُخرَجُ بالقيمة؛ قيمةِ ما ذكَرْنا من البُرِّ وغيرِه (٣). وقال الأوزاعيُّ: يُؤَدِّي كلُّ إنسانٍ مُدَّيْن من قمحٍ بمُدِّ أهلِ بلَدِه (٤). وقال

стр. 1537

الليثُ: مُدَّيْن من قمح بمُدِّ هشام، وأربعةَ أمدادٍ من التمر، والشعير، والأقِطِ. وقال أبو ثَور: الذي يُخرَجُ في زكاةِ الفِطْرِ صاع من تمرٍ، أو شعيرٍ، أو طعام، أو زبيبٍ، أو أقِطٍ، إن كان بدَويًّا، ولا يُعْطِي قيمةَ شيءٍ من هذه الأصنافِ وهو يَجِدُها (١). قال أبو عُمر: سكَت أبو ثورٍ عن ذكرِ البُرِّ، وكان أحمدُ بن حنبلٍ يَسْتَحِبُّ إخراجَ التَّمرِ (٢). والأصلُ في هذا الباب ومدارُه على وجهين: أحدُهما: اعتبارُ القُوتِ، وأنّه لا يجوزُ إلّا الصاعُ من كلِّ شيءٍ منه؛ لأنّه لا يثبُتُ عن النبيِّ ﷺ إلّا الصَّاعُ. وهذا قولُ مالكٍ والشافعيِّ (٣). والوجهُ الآخر: اعتبارُ التمر والشَّعير، وقيمتِهما، وعَدْلِهما على ما قال الكوفيُّون، وفي أخذِ البدلِ والقيمةِ في الزكاة، وفي صدقةِ الفطرِ كلامٌ يَطولُ، واعتلالٌ يكثُرُ، ليس هذا موضعَ ذكرِه، وبالله التوفيق.

стр. 1538

حديث خامس عَشر لزَيْد بن أسْلم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن وَعْلةَ المصريِّ، أنّه سألَ ابنَ عباس عمّا يُعصَرُ من العِنَب؟ فقال ابنُ عباس: أهدَى رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ راويةَ خَمْرٍ، فقال له النبيُّ ﷺ : "هل (٢) عَلِمْتَ أنَّ اللهَ حرَّمَها؟ ". قال: لا. فسارَّه إنسان إلى جَنبِه، فقال ﷺ : "بِمَ سارَرْتَه؟ ". قال: أمَرْتُه ببيعِها (٣). فقال رسولُ الله ﷺ : "إنّ الذي حَرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها". ففتَح (٤) المَزادَتَيْن حتى ذهَب ما فيهما. ابنُ وعلةَ هذا: اسمُه عبدُ الرحمن بنُ وعلةَ السَّبئيُّ، أصلُه من مصرَ، ثم انتقلَ إلى المدينةِ وسكَنها، وهو معدودٌ من أهلِ المدينة، وكان ثقةً من ثقات التابعين، مأمونًا على ما روَى وحمَل. روَى عنه زيدُ بن أسلمَ، والقَعْقاعُ بن حَكِيم، وأبو الخَيْر اليَزَنيُّ وغيرُهم. ذكَر إسحاقُ بن منصورٍ، عن ابن مَعِينٍ قال (٥): عبدُ الرحمن بن وَعْلةَ ثقةٌ (٦). وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ ما يُعْصَرُ من العنبِ يُسمَّى خمرًا في لسانِ العرب، لكنَّ الاسمَ الشَّرعيَّ لا يَقعُ عليها إلّا أنْ تَغْليَ وتَرْميَ بالزَّبَد، ويُسْكِرَ

стр. 1539

كثيرُها أو قليلُها. وفي اللُّغة قد يُسمَّى العنبُ خَمْرًا (١)، لكنّ الحكمَ إنما يتَعلَّقُ بالاسم الشَّرعيِّ دونَ اللُّغويِّ. وفيه أنّ النهيَ من قِبَل الله إذا ورَد، فحكمُه التحريمُ البَحْتُ (٢)، إلّا أنْ يُزِيحَه عن ذلك دليلٌ يُبيِّنُ المرادَ منه، ألا ترَى إلى قول رسولِ الله ﷺ : "أمَا عَلِمْتَ أنَّ اللهَ حرَّمها؟ ". ثم قال: "إنّ الذي حرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها" فأطلَق عن الله تحريمَها. ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنّ تَحرِيمَها إنّما ورَد في سورةِ "المائدة" بلفظِ النَّهي، في قول الله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، إلى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وإلى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. وهذه الآيةُ نسَخَتْ كلَّ لفظٍ ورَد بإباحَتِها نصًّا أو دليلًا، فنَسَخَتْ ما جرَى من ذكرها في سور "البقرة" (٣)، وسورة "النّساء" (٤)، وسورة "النحل" (٥). والأمَّةُ مُجْمِعةٌ على أنّ

стр. 1540

خمرَ العِنَبِ حرامٌ في عَينِها، قليلِها وكثيرِها، فأغنَى ذلك عن الإكثار فيها، وقد تقدَّم في كتابِنا هذا، في باب إسحاق في ذلك ما فيه كفايةٌ (١)، إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث دليلٌ أنّ الخمرَ لم تكنْ حَرامًا حتى نزَل تحريمُها. وفي سياقةِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنّ ما سكَت اللهُ عن تحريمِه فحلالٌ، فإنّ أصلَ الأشياءِ على الإباحةِ حتى يَرِدَ المنعُ، ألا ترَى أنَّ المُهدِيَ لراويةِ الخَمْر في هذا الحديثِ إنّما أهداها اعتقادًا منه للإباحةِ، ولا خلافَ بينَ أهلِ الإسلام أنّ الخمرَ لم يُنزِّلِ اللهُ في كتابه أنّه أمَر بشربِها، ثم نسَخ ذلك بتحريمِها، وفي إجماعِهم على ذلك دليلٌ على صحَّةِ ما قُلْنا، وأنّ ما عفا اللهُ عنه وسكَت، فداخلٌ في باب الإباحة، ألا ترَى إلى قولِ سعيدِ بن جُبيرٍ حيثُ قال: كان الناسُ على أمر جاهليَّتِهم حتى يُؤْمَروا أو يُنْهَوا (٢). وسؤالُ الصَّحابةِ رسولَ الله ﷺ عن الخمرِ في أوَّلِ الإسلام إنّما كان لِما كانوا يُحْدِثونَه من الشَّرِّ والسَّفَهِ عندَ شُربِها، على ما جاءَ مَنصوصًا في الآثارِ في تفسيرِ قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وفيه أيضًا دليلٌ على أنّ كلَّ ما لا يجوزُ أكلُه أو شُرْبُه من المأكولاتِ والمشروبات، لا يجوزُ بيعُه، ولا يَحِلُّ ثمنُه؛ لقوله ﵇: "إنّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بيعَها". ويُوضِّحُ ذلك قولُ رسولِ الله ﷺ حيثُ قال: "لعَن اللهُ

стр. 1541

اليهودَ - ثلاثًا - حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ، فباعُوها وأكَلوا أثمانَها، وإنّ اللهَ إذا حرَّم على قوم أكْلَ شيءٍ حرَّم ثَمنَه" (١). وقد احتجَّ عمرُ بن الخطاب ﵁ بمثلِ هذا حينَ بلَغه أنّ سَمُرةَ باع خمرًا، فقال: لعَن اللهُ سَمُرةَ - أو: قاتَل اللهُ سَمُرَةَ - أوَما علِم وما سمِع أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لعَن اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها، فباعُوها، وأكَلوا أثمانَها" (٢). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن عطاءِ بن

стр. 1542

أبي رباحٍ، عن جابرِ بن عبد الله، أنّه سمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ عامَ الفتح وهو بمكَّةَ: "إنّ اللهَ حرَّم بيعَ الخَمْرِ، والمَيْتةِ، والخِنْزير، والأصنام". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، حدَّثنا محمدٌ، حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وهب، قال: حدَّثنا معاويةُ بن صالح، عن عبدِ الوهابِ بن بُختٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال: "إنّ اللهَ حرَّم الخَمْرَ وثَمَنَها، وحرَّم الميتةَ وثمنَها، وحرَّم الخنزيرَ وثَمَنَه". وقد أجمَع العلماءُ على تحريم بيع الدم والخَمْر، وفي ذلك دليلٌ على تحريم بيع العَذِرات، وسائرِ النجاسات وما لا يَحِلُّ أكلُه، ولهذا، واللهُ أعلم، كَرِه مالكٌ بيعَ زِبلِ الدَّوابِّ، ورخَّص فيه ابنُ القاسم؛ لِما فيه من المنفعة (٢). والقياسُ ما قاله مالكٌ، وهو مذهبُ الشافعيِّ (٣)، وظاهرُ هذا الحديثِ شاهدٌ لصحَّةِ ذلك، فلم أرَ وجهًا لذكرِ اختلافِ الفقهاءِ في بيع السِّرْجينِ (٤) والزُّبول هاهنا؛ لأنّ كلَّ قولٍ تُعارِضُه السُّنَّةُ وتَدْفَعُه، ولا دليلَ عليه من مثلِها، لا وجهَ له، قال اللهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦].

стр. 1543

حدَّثني عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبد الواحد، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدّثنا أبو غسّانَ محمدُ بن مُطَرِّفٍ المدنيُّ، قال: حدَّثني زيدُ بن أسلمَ مولَى عمرَ بن الخطاب، عن عبدِ الرحمن بن وَعْلةَ - رجلٌ من أهل مصرَ - أنّه جاءَ إلى عبد الله بن عبّاسٍ فقال: إنّ لنا كُرومًا، فكيف ترَى في بيع الخَمْر؟ فقال ابنُ عباس: رأيْتُ رجلًا من دَوس جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أهْدَيْتُ لك هدِيّةً. فقال رسولُ الله ﷺ : "وما هي؟ ". قال: راويةُ خَمْرٍ. فقال رسولُ الله ﷺ : "شَعَرْتَ أنّ اللهَ تعالى قد حرَّم الخمرَ بعدَك؟ ". فأمَر الدَّوْسيُّ بها غلامَه يَبيعُها، فلمّا وَلّى بها، قال رسولُ الله ﷺ : "ماذا أمَرْتَ بها؟ ". قال: أمَرْتُ ببَيْعِها. فقال رسولُ الله ﷺ : "شَعَرْتَ أنّ الذي حرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها" (١). وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنّ الإثمَ مرفوعٌ عمَّن لم يَعلَمْ، قال اللهُ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ومَن أمكَنَه التعلُّمُ ولم يتعَلَّمْ، أثِمَ، واللهُ أعلمُ. وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على أنّ الخمرَ لا يَجوزُ لأحدٍ تخليلُها، ولو جاز تخليلُها ما كان رسولُ الله ﷺ لِيَدَعَ الرجلَ أن يفْتَحَ المَزَادَتَيْنِ حتى ذهَب ما فيهما، لأنّ الخَلَّ مالٌ، وقد نهَى رسولُ الله ﷺ عن إضاعةِ المال (٢)، بل كان

стр. 1544

رسولُ الله ﷺ يأمُرُه أنْ يُخَلِّلَها؛ لقوله ﷺ : "نِعْمَ الإدامُ الخَلَّ" (١). ولأنه ﷺ أنْصحُ الناسِ للناسِ، وأدَلُّهم على قليل الخيرِ وكثيرِه. وذكَر ابنُ وضَّاح أنّ سُحْنُونًا كان يذْهَبُ هذا المذهب (٢). وقد اختلَف الفقهاءُ في تخليل الخمر؛ فقال مالكٌ فيما روَى عنه ابنُ القاسم وابنُ وَهْبٍ: لا يَحِلُّ لمسلم أنْ يُخَلِّلَ الخَمْرَ، ولكنْ يُهَرِيقُها، فإن صارَتْ خلًّا بغيرِ علاجٍ فهو حلالٌ لا بأسَ به (٣). وهو قولُ الشافعيِّ (٤)، وعُبيدِ الله بن الحسنِ العَنْبريِّ البَصْري (٥)، وأحمدَ بن حنبل (٦). وروَى أشْهَبُ، عن مالكٍ، قال: إذا خلَّل النصرانيُّ خمرًا فلا بأسَ بأكْلِه، وكذلك إن خَلَّلَها مسلمٌ واستغفرَ اللهَ. وهذه الروايةُ ذكَرها ابنُ عبد الحكم في

стр. 1545

"كتابه" (١). وقال ابنُ وَهْب: سمِعْتُ مالكًا يقولُ في رجلٍ اشتَرَى قِلالَ خلٍّ، فوجَد فيها قُلَّةَ خَمرٍ، قال: لا يَجْعَلُ فيها شيئًا ليُخَلِّلَها (٢). قال: ولا يَحِلُّ لمُسلم أن يُعالِجَ الخمرَ حتى يَجعلَها خلًّا، ولا يَحِلُّ بيعُها، ولكن يُهَرِيقُها، فإن فاتَ علاجُها، وصارت خلًّا بعدَ أن كانت خمرًا بغير علاج، فإنّها حلالٌ لا بأسَ بها إن شاء الله. قال ابن وَهْب: وهو قولُ عمرَ بن الخطاب، والزهريِّ، وربيعةَ. وكان أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعي (٣)، واللَّيثُ بن سعدٍ، لا يَرونَ بأسًا بتخليل الخمر (٤). وقال أبو حنيفةَ: إن طرَح فيها السَّمكَ والملحَ، فصارَتْ مُرِّيًّا (٥)، وتحَوَّلَتْ عن حال الخمرِ، جاز. وخالَفه محمدُ بن الحسنِ في المرِّيِّ، وقال: لا يُعالِجُ الخمرَ بغير تحويلِها إلى الخلِّ وحدَه (٦). قال أبو عُمر: الصحيحُ عندي في هذه المسألة ما قاله مالكٌ في روايةِ ابن القاسم وابن وَهْبٍ عنه، والدليلُ على ذلك ما رواه الثوريُّ، عن السُّديِّ، عن أبي هُبيرةَ، عن أنسٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ وفي حَجْرِه يَتيمٌ، وكان عندَه

стр. 1546

خمرٌ له حينَ حُرِّمَتْ، فقال: يا رسولَ الله، أصنَعُها خَلًّا؟ قال: "لا". فصَبَّها حتى سالَ الوادي (١). وروَى مجالَدٌ، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: كان عندي خمرٌ لأيتام، فلمّا نزَل تحريمُ الخمرِ أمَرنا رسولُ الله ﷺ أنْ نُهَريقَها (٢). أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمن بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا زهيرُ بن حرب، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن السُّدِّيِّ، عن أبي هُبيرةَ، عن أنس بن مالكٍ، أنّ أبا طلحةَ سألَ النبيَّ ﷺ عن أيتام وَرِثوا خمرًا، قال: "أهْرِقْها". قال: أفلا أجْعَلُها خلًّا؟ قال: "لا".

стр. 1547

قال أبو عُمر: أبو هُبَيْرَة هذا هو يحيى بن عبّادٍ، ثقةٌ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهديٍّ، عن سفيان، عن السُّديِّ، عن يحيى بن عبّاد، عن أنس بن مالك، قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن الخمرِ تُتَّخَذُ خلًّا؟ قال: "لا" (١). وأخبَرني عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصائغُ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ (٢) في سنة مِئتَينِ بعدَ قتل أبي السَّرايا (٣) بأشهرٍ (٤)، قال: حدَّثنا مجالدُ بن سعيدٍ، عن أبي الوَدَّاك (٥)، عن أبي سعيدٍ، قال: كان عندَنا خمرٌ ليتيم، فلمّا نزَلتِ الآيةُ التي في سورة "المائدة"، سألْنا رسولَ الله ﷺ فقلنا: إنّه ليتيم. فقال: "أهْرِيقُوه" (٦).

стр. 1548

وروَى معمرٌ، عن ثابتٍ وقتادةَ، عن أنسٍ، قال: لما حُرِّمَت الخمرُ جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: كان عندي مالُ يتيم، فاشْتَرَيْتُ به خمرًا، أفَتأْذَنُ لي أن أبيعَها، فأرُدَّ على اليتيم مالَه؟ فقال النبيُّ ﷺ : "قاتَل اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الثُّروبُ (١)، فباعُوها وأكَلوا أثمانَها". ولم يأذَنْ لهم النبيُّ ﷺ في بيعِ الخمرِ (٢). وذكر أبو عبد الله المروَزيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو بكير الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، قال: حدَّثني شَهْرُ بن حوشبٍ، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن تميم الدَّاريِّ، أنّه كان يُهدي (٣) إلى رسولِ الله ﷺ راويةَ من خمرٍ، فلمّا كان العامُ الذي حُرِّمَتْ جاءَ براويةٍ، فلمّا نظَر إليه ضحِك، وقال: "هل شَعَرْتَ أنّها قد حُرِّمَتْ؟ ". فقال: يا رسولَ الله، أفلا أبِيعُها وأنْتَفِعُ بثَمَنِها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "العَن اللهُ اليهودَ - ثلاثَ مرّاتٍ - انطَلَقوا إلى ما حرَّم اللهُ من شُحوم البقرِ والغنم، فأذابوه، وجعَلوهُ إهالةً (٤)، فابتاعُوا به ما يأكُلون، وإنّ الخمرَ حرامٌ، وثمنَها حرامٌ" (٥).

стр. 1549

قال أبو عبد الله (١): وحدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشرٍ، قال: حدَّثنا مُطيعٌ الغَزَّالُ، عن الشَّعبيِّ، عن عبدِ الله بن عمرَ، عن أبيه عُمرَ بن الخطاب، قال: لا تَحِلُّ التجارةُ في شيءٍ لا يَحِلُّ أكلُه وشربُه (٢). قال: وحدَّثنا يحيى بن يحيى، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن مُطيع بن عبد الله، قال: سمِعْتُ الشعبيَّ يُحَدِّثُ عن ابن عمرَ، عن عمرَ، فذكَره. فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنّ مَن وَرِث خَمْرًا من المُسلمين، وصارَتْ بيدِه، أهْرَاقَها ولم يَحبِسْها، ولا يُخلِّلُها، وذلك دليلٌ على فسادِ قولِ مَن قال بتَخْلِيلها. فأمّا إذا تَخَلَّلَتْ من ذاتِها بغيرِ صُنعِ آدَميٍّ، فقد رُوِيَ فيها عن عُمرَ ﵁ ما تَسْكُنُ النَّفْسُ إليه، وقال به مالكٌ، والشافعيُّ، وأكثرُ فُقهاءِ الحجاز (٣)، على ما قدَّمْنا ذِكرَه في باب إسحاقَ. والحمدُ لله وحدَه. واحْتَجَّ العراقيُّون في تَخليلِ الخَمْر بحديثِ أبي الدَّرْداء، وهو حديثٌ يُرْوَى عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي الدَّرْداء، من وجهٍ ليس بالقويِّ: أنّه كان

стр. 1550

يأكُلُ المُرِّيَّ الذي جُعِلَ فيه الخَمْرُ، ويقولُ: ذَبَحته (١) الشمسُ والملحُ (٢). وهذا ومثلُه لا حجَّةَ في شيءٍ منه، إذ كان مخالفًا لما ثبَت عن رسولِ الله ﷺ . وقد ذكَرنا كثيرًا من معاني هذا الباب مُجوَّدًا في باب إسحاقَ، وذلك يُغْني عن تكريرِه ها هنا. وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابن شهابٍ، قال: لا خيرَ في خَلٍّ من خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ الذي يُفْسِدُها (٣). قال: وحديثُ ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن أسلَمَ مولى عُمرَ بن الخطاب، عن عمرَ بن الخطاب، قال: لا تُؤكَلُ خمرٌ أُفْسِدَتْ، ولا شيءٌ منها، حتى يكونَ اللهُ الذي أفسَدَها (٤).

стр. 1551

وروى الحَسَن بن أبي الحَسَن، عن عثمانَ بنِ أبي العاص، أنّ تاجرًا اشترى خَمْرًا، فأمرَه أن يَصُبَّها في دِجْلة، فقالوا: ألا تأمرُه أن يَجْعلَها خَلًّا؟ فنَهاه عن ذلك (١). فهذا عُمر بنُ الخطاب وعُثمانُ بن أبي العاص يُخالفانِ أبا الدرداء في تَخليل الخَمْرِ، وليس في أحدٍ حُجةٌ مع السُّنّةِ، وبالله التوفيق. وقد يُحتمل أن يكونَ المنع من تَخليلها كانَ في بَدْءِ الأمرِ عند نزولِ تَحريمِها، لئلا يُسْتَدام حَبْسُها بقُرب العَهْد بشُربها إرادةً لقطعِ العادةِ في ذلك؛ وإذا كانَ هذا هكذا لم يكنْ في النَّهي عن تَخْليلها حينئذٍ والأمرِ بإراقتها ما يمنعُ من أكلِها إذا تَخلَّلتْ، ولم يُسْأل عن خمرٍ تخلَّلَت فنَهى عنها (٢)، واللهُ تعالى الموفِّق للصَّواب (٣).

стр. 1552

حديث سادس عَشَر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن وعْلَةَ المصريِّ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُرَ" (٢). قد تقدَّم القولُ في هذا الإسناد (٣)، وسماعُ ابن وَعْلةَ من ابن عباس صحيحٌ. روَى هذا الحديثَ عن زيدِ بن أسلمَ جماعةٌ، منهم: ابنُ عيينة (٤)، وهشامُ بن سعدٍ (٥)، وسُليمانُ بن بلالٍ (٦). ورواه عن ابن وعْلَةَ جماعةٌ، منهم: القَعْقاعُ بن حكيم (٧)، وأبو الخير اليَزَنيُّ (٨)، وزيدُ بن أسلمَ. ومعلومٌ أنّ المقصودَ بهذا الحديث ما لم يكن طاهرًا من الأُهُب؛ كجُلودِ الميْتَات، وما لا تَعْمَلُ فيه الذَّكاةُ من السِّباع عندَ مَن حرَّمها؛ لأن الطّاهرَ لا يَحتاجُ إلى الدِّباغ للتَّطْهير، ومُسْتَحيلٌ أن يُقالَ في الجلدِ الطاهر: إنّه إذا دُبغ فقد طَهُرَ. وهذا يكادُ عِلْمُه يكونُ ضرورة.

стр. 1553

وفي قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ" نصٌّ ودليلٌ، فالنصُّ (١): طهارةُ الإهابِ بالدِّباغ، والدَّليلُ منه أنّ كلَّ إهابٍ لم يُدْبَغْ فليس بطاهرٍ، وإذا لم يكنْ طاهرًا فهو نَجِسٌ، والنَّجَسُ رِجْسٌ مُحَرَّمٌ، فبهذا عَلِمنا أنّ المقصودَ بذلك القولِ جلودُ الميْتَة. وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديثُ مُعارِضًا لروايةِ من روَى في الشاةِ الميْتَة: "إنّما حُرِّم أكلُها" (٢)، ولرواية من روَى: "إنّما حُرِّم لَحْمُها" (٣)، ومبيِّنًا لمراد الله تعالى في قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. كما كان قولُه ﷺ : "لا قَطْعَ إلّا في رُبُع دينارٍ فصاعدًا" (٤)، بيانًا لقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وبطَل بنَصِّ هذا الحديث قولُ مَن قال: إنّ الجِلْدَ من الميتةِ لا يُنتَفَعُ به بعدَ الدِّباغ، وبطَل بالدَّليل منه قولُ مَن قال: إنّ جلدَ الميتةِ وإن لم يُدْبَغْ يُستَمْتَعُ به ويُنتَفَعُ؛ وهو قولٌ رُوِي عن ابن شهابٍ والليث بن سعدٍ، وهو مشهورٌ عنهما، على أنّهما قد رُوِيَ عنهما خلافُه، والأشْهَرُ عنهما ما ذكرنا (٥). ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٦)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله،

стр. 1554

عن ابن عباسٍ، حديثَ شاةِ مَيمونةَ، وهو أن رسولَ الله ﷺ مرَّ على شاةٍ لمَيْمونة مَيتةً (١)، فقال: "ألَا اسْتَمتَعْتم بإهابِها؟ "، قالوا: وكيف يا رسولَ الله وهي مَيتةٌ؟ قال: "إنّما حُرِّمَ لَحْمُها". قال معمرٌ: وكان الزهريُّ يُنْكِرُ الدِّباغَ، ويقولُ: يُسْتَمْتَعُ به على كلّ حال (٢). قال أبو عبد الله المرْوَزيُّ: وما عَلِمْتُ أحدًا قال ذلك قبلَ الزُّهريِّ. وروَى الليثُ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سألتُ ابنَ شهابٍ عن جلدِ الميْتَةِ، فقال: حدَّثني عبيدُ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ الله ﷺ وجَد شاةً ميِّتةً أُعْطِيَتْها مَولاةٌ لميمونةَ من الصَّدقة، فقال رسولُ الله ﷺ : "هلّا انْتَفَعْتم بجِلْدِها؟ ". قالوا: إنّها مَيْتةٌ. قال: "إنّما حُرِّم أكلُها" (٣). قال ابنُ شهابٍ: فلذلك لا نرى منها بالسِّقاء بأسًا، ولا ببَيْع جلدِها، وابْتِياعِه، وعمَل الفِراء منها. قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ معمرٌ، ويونسُ، ومالكٌ (٤)، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ في قصَّة شاةِ ميمونةَ، لم يَذكُروا

стр. 1555

الدِّباغَ، وذَكَر الدِّباغَ فيه ابنُ عُيينةَ (١)، والأوزاعيُّ (٢)، وعُقيلٌ (٣)، والزُّبَيْديُّ (٤)، وسُليمانُ بن كثير (٥)، وزيادةُ مَنْ حَفِظَ مَقبُولةٌ. وذِكْرُ الدِّباغِ أيضًا موجودٌ في هذه القصَّة من حديثِ عطاءٍ، عن ابن عباسٍ. روَى ابنُ عُيينةَ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس، أن رسولَ الله ﷺ مرَّ بشاةٍ مطروحةٍ منَ الصَّدقة، قال: "أفَلا أخَذوا إهابَها فدَبَغُوه فانتفَعُوا به؟ " (٦). وقال ابنُ جُريج، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: أخبَرَتْني ميمونةُ أن شاةً ماتَتْ، فقال النبيُّ ﷺ : "ألَا دَبَغْتم إهابَها؟ " (٧).

стр. 1556

فجاء ذكرُ الدِّباغ في هذا الحديث عن ابن عباسٍ من وُجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ. وكان ابنُ شهابٍ يذهَبُ إلى ظاهرِ الحديث في قوله: "إنّما حُرِّم أكْلُها". وكان الليثُ بن سعدٍ يقولُ بقولِ ابن شهاب في ذلك؛ ذكَر الطحاويُّ، قال: وقال الليثُ بن سعدٍ: لا بأسَ ببَيْعِ جلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ إذ ثبَتَ أنّ (١) رسولَ الله ﷺ أذِنَ في الانتفاعِ بها، والبيعُ من الانتفاع. قال أبو جعفر الطحاويُّ (٢): ولم نَجِدْ عن واحدٍ من العلماءِ جوازَ بيعِ جُلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ إلّا عن اللَّيث. قال أبو عُمر: يَعْني من الفقهاء أئمَّة الفَتوَى بالأمصارِ بعدَ التابعين، وأمّا ابنُ شهاب فذلك عنه صحيحٌ على ما تقدَّم ذِكْرُه (٣)، وهو قولٌ يَأباه جمهورُ العُلماء (٤). وقد ذكَر ابنُ عبد الحكم عن مالكٍ ما يُشْبِهُ مذهبَ ابن شهابٍ في ذلك، وذكَره ابنُ خُوَيْزِمَنْدَادَ في كتابه عن ابن عبدِ الحكم أيضا، قال: مَن اشتَرى جلدَ ميْتةٍ فدبَغه، وقطَّعه نِعالًا، فلا يَبِعْه حتى يُبَيِّنَ. فهذا يَدُلُّ على أن مذهبَه جوازُ

стр. 1557

بيعِ جلدِ الميتةِ قبلَ الدِّباغِ وبعدَ الدِّباغ. قال ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وهو قولُ الزهريِّ والليثِ بن سعدٍ. قال: والظاهرُ من مذهبِ مالكٍ غيرُ ما حكاه ابنُ عبدِ الحكم: وهو أنّ الدّباغَ لا يُطَهِّرُ جلدَ الميْتةِ، ولكنْ يُبيحُ الانتفاعَ به في الأشياء، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُؤكلُ فيه، هذا هو الظاهرُ من مذهب مالكٍ. وفي "المدوَّنة" (١) لابن القاسم: من اغْتَصَب جلدَ ميْتةٍ غيرَ مدبوغ فأتلَفه، كان عليه قيمَتُه، وحكَى أنّ ذلك قولُ مالكٍ. وذكَر أبو الفَرج أن مالكًا قال: مَن اغْتصَب لرجلٍ جلدَ مَيْتةٍ غيرَ مَدْبوغ، فلا شيءَ عليه. قال إسماعيلُ: إلّا أن يكونَ لمجوسيٍّ (٢). قال أبو عُمر: ليس في تَقصيرِ مَن قصَّر عن ذكرِ الدِّباغ في حديث ابن عباسٍ حُجّة على مَن ذكَره؛ لأنّ من أثبَت شيئًا هو حجّةٌ على مَن لم يُثْبِتْه، والآثارُ المتواتِرَة عن النبيِّ ﷺ بإباحةِ الانتفاع بجلدِ الميتَةِ بشرطِ الدِّباغ كثيرةٌ جدًّا؛ منها ما ذكَرنا عن ابن عباسٍ، من روايةِ ابن وَعْلَة، ومن روايةِ عطاءٍ. ومنها حديثُ عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ أمَر أن يُسْتَمْتَع بجُلودِ الميتةِ إذا دُبِغَت. رواه مالكٌ (٣)، عن يزيدَ بن قُسَيْطٍ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ، عن أُمِّه، عن عائشةَ. وروى إسرائيلُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "دباغُ جلْدِ الميْتةِ ذَكاتُها" (٤).
следующие страницы →