← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1553–1592 · переход к 1558.

стр. 1553

وفي قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ" نصٌّ ودليلٌ، فالنصُّ (١): طهارةُ الإهابِ بالدِّباغ، والدَّليلُ منه أنّ كلَّ إهابٍ لم يُدْبَغْ فليس بطاهرٍ، وإذا لم يكنْ طاهرًا فهو نَجِسٌ، والنَّجَسُ رِجْسٌ مُحَرَّمٌ، فبهذا عَلِمنا أنّ المقصودَ بذلك القولِ جلودُ الميْتَة. وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديثُ مُعارِضًا لروايةِ من روَى في الشاةِ الميْتَة: "إنّما حُرِّم أكلُها" (٢)، ولرواية من روَى: "إنّما حُرِّم لَحْمُها" (٣)، ومبيِّنًا لمراد الله تعالى في قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. كما كان قولُه ﷺ : "لا قَطْعَ إلّا في رُبُع دينارٍ فصاعدًا" (٤)، بيانًا لقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وبطَل بنَصِّ هذا الحديث قولُ مَن قال: إنّ الجِلْدَ من الميتةِ لا يُنتَفَعُ به بعدَ الدِّباغ، وبطَل بالدَّليل منه قولُ مَن قال: إنّ جلدَ الميتةِ وإن لم يُدْبَغْ يُستَمْتَعُ به ويُنتَفَعُ؛ وهو قولٌ رُوِي عن ابن شهابٍ والليث بن سعدٍ، وهو مشهورٌ عنهما، على أنّهما قد رُوِيَ عنهما خلافُه، والأشْهَرُ عنهما ما ذكرنا (٥). ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٦)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله،

стр. 1554

عن ابن عباسٍ، حديثَ شاةِ مَيمونةَ، وهو أن رسولَ الله ﷺ مرَّ على شاةٍ لمَيْمونة مَيتةً (١)، فقال: "ألَا اسْتَمتَعْتم بإهابِها؟ "، قالوا: وكيف يا رسولَ الله وهي مَيتةٌ؟ قال: "إنّما حُرِّمَ لَحْمُها". قال معمرٌ: وكان الزهريُّ يُنْكِرُ الدِّباغَ، ويقولُ: يُسْتَمْتَعُ به على كلّ حال (٢). قال أبو عبد الله المرْوَزيُّ: وما عَلِمْتُ أحدًا قال ذلك قبلَ الزُّهريِّ. وروَى الليثُ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سألتُ ابنَ شهابٍ عن جلدِ الميْتَةِ، فقال: حدَّثني عبيدُ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ الله ﷺ وجَد شاةً ميِّتةً أُعْطِيَتْها مَولاةٌ لميمونةَ من الصَّدقة، فقال رسولُ الله ﷺ : "هلّا انْتَفَعْتم بجِلْدِها؟ ". قالوا: إنّها مَيْتةٌ. قال: "إنّما حُرِّم أكلُها" (٣). قال ابنُ شهابٍ: فلذلك لا نرى منها بالسِّقاء بأسًا، ولا ببَيْع جلدِها، وابْتِياعِه، وعمَل الفِراء منها. قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ معمرٌ، ويونسُ، ومالكٌ (٤)، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ في قصَّة شاةِ ميمونةَ، لم يَذكُروا

стр. 1555

الدِّباغَ، وذَكَر الدِّباغَ فيه ابنُ عُيينةَ (١)، والأوزاعيُّ (٢)، وعُقيلٌ (٣)، والزُّبَيْديُّ (٤)، وسُليمانُ بن كثير (٥)، وزيادةُ مَنْ حَفِظَ مَقبُولةٌ. وذِكْرُ الدِّباغِ أيضًا موجودٌ في هذه القصَّة من حديثِ عطاءٍ، عن ابن عباسٍ. روَى ابنُ عُيينةَ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس، أن رسولَ الله ﷺ مرَّ بشاةٍ مطروحةٍ منَ الصَّدقة، قال: "أفَلا أخَذوا إهابَها فدَبَغُوه فانتفَعُوا به؟ " (٦). وقال ابنُ جُريج، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: أخبَرَتْني ميمونةُ أن شاةً ماتَتْ، فقال النبيُّ ﷺ : "ألَا دَبَغْتم إهابَها؟ " (٧).

стр. 1556

فجاء ذكرُ الدِّباغ في هذا الحديث عن ابن عباسٍ من وُجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ. وكان ابنُ شهابٍ يذهَبُ إلى ظاهرِ الحديث في قوله: "إنّما حُرِّم أكْلُها". وكان الليثُ بن سعدٍ يقولُ بقولِ ابن شهاب في ذلك؛ ذكَر الطحاويُّ، قال: وقال الليثُ بن سعدٍ: لا بأسَ ببَيْعِ جلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ إذ ثبَتَ أنّ (١) رسولَ الله ﷺ أذِنَ في الانتفاعِ بها، والبيعُ من الانتفاع. قال أبو جعفر الطحاويُّ (٢): ولم نَجِدْ عن واحدٍ من العلماءِ جوازَ بيعِ جُلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ إلّا عن اللَّيث. قال أبو عُمر: يَعْني من الفقهاء أئمَّة الفَتوَى بالأمصارِ بعدَ التابعين، وأمّا ابنُ شهاب فذلك عنه صحيحٌ على ما تقدَّم ذِكْرُه (٣)، وهو قولٌ يَأباه جمهورُ العُلماء (٤). وقد ذكَر ابنُ عبد الحكم عن مالكٍ ما يُشْبِهُ مذهبَ ابن شهابٍ في ذلك، وذكَره ابنُ خُوَيْزِمَنْدَادَ في كتابه عن ابن عبدِ الحكم أيضا، قال: مَن اشتَرى جلدَ ميْتةٍ فدبَغه، وقطَّعه نِعالًا، فلا يَبِعْه حتى يُبَيِّنَ. فهذا يَدُلُّ على أن مذهبَه جوازُ

стр. 1557

بيعِ جلدِ الميتةِ قبلَ الدِّباغِ وبعدَ الدِّباغ. قال ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وهو قولُ الزهريِّ والليثِ بن سعدٍ. قال: والظاهرُ من مذهبِ مالكٍ غيرُ ما حكاه ابنُ عبدِ الحكم: وهو أنّ الدّباغَ لا يُطَهِّرُ جلدَ الميْتةِ، ولكنْ يُبيحُ الانتفاعَ به في الأشياء، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُؤكلُ فيه، هذا هو الظاهرُ من مذهب مالكٍ. وفي "المدوَّنة" (١) لابن القاسم: من اغْتَصَب جلدَ ميْتةٍ غيرَ مدبوغ فأتلَفه، كان عليه قيمَتُه، وحكَى أنّ ذلك قولُ مالكٍ. وذكَر أبو الفَرج أن مالكًا قال: مَن اغْتصَب لرجلٍ جلدَ مَيْتةٍ غيرَ مَدْبوغ، فلا شيءَ عليه. قال إسماعيلُ: إلّا أن يكونَ لمجوسيٍّ (٢). قال أبو عُمر: ليس في تَقصيرِ مَن قصَّر عن ذكرِ الدِّباغ في حديث ابن عباسٍ حُجّة على مَن ذكَره؛ لأنّ من أثبَت شيئًا هو حجّةٌ على مَن لم يُثْبِتْه، والآثارُ المتواتِرَة عن النبيِّ ﷺ بإباحةِ الانتفاع بجلدِ الميتَةِ بشرطِ الدِّباغ كثيرةٌ جدًّا؛ منها ما ذكَرنا عن ابن عباسٍ، من روايةِ ابن وَعْلَة، ومن روايةِ عطاءٍ. ومنها حديثُ عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ أمَر أن يُسْتَمْتَع بجُلودِ الميتةِ إذا دُبِغَت. رواه مالكٌ (٣)، عن يزيدَ بن قُسَيْطٍ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ، عن أُمِّه، عن عائشةَ. وروى إسرائيلُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "دباغُ جلْدِ الميْتةِ ذَكاتُها" (٤).

стр. 1558

ورواه شريكٌ، عن الأعمش، عن عُمارةَ بن عُمَيْرٍ، عن الأسود، عن عائشة (١). ومنها حديثُ ميمونةَ من غير حديثِ ابن عباس: روَى ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بن الحارث والليثُ بن سَعْد، عن كثيرِ بن فَرْقَدٍ، أنّ عبدَ الله بنَ مالكِ بن حُذافَةَ حدَّثه، عن أُمِّه العاليةِ بنتِ سُبَيْع، أنَّ مَيمونةَ زوجَ النبيِّ ﷺ حدَّثَتْها، أنّه مرَّ برسولِ الله ﷺ رجالٌ من قريشٍ يَجُرُّون شاةً لهم مثلَ الحِمارِ، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "لو اتَّخَذْتم إهابَها؟ " قالوا: إنّها مَيْتةٌ. فقال رسولُ الله ﷺ : "يُطَهِّرُها الماءُ والقَرَظُ" (٢).

стр. 1559

وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن شاكرٍ وأحمدُ بن زهيرٍ (١)، قالا: حدَّثنا الحسينُ بن محمدٍ المروَزيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن الأعمش، عن عُمارةَ بن عُمَيْر، عن الأسود، عن عائشةَ، قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن جلودِ الميْتةِ، فقال: "دِباغُها طَهورُها". خالَف شريكٌ إسرائيلَ في إسنادِه (٢). ورَواه منصورٌ، عن الحَسَن، عن جَوْن بن قتادةَ، عن سلمةَ بن المُحبِّق (٣). ورواه شعبةُ (٤)، وهشامٌ (٥)، وغيرُهما، عن قتادةَ، عن الحَسَن، عن جَون بن

стр. 1560

قَتادةَ، عن سلمةَ بن المُحبِّق، أن النبيَّ ﷺ في غزوةِ تَبوكَ أتى أهلَ بيتٍ، فدَعا بماءٍ عندَ امرأةٍ، فقالت: ما عندي ماءٌ إلّا في قِربةِ مَيْتةٍ. فقال: "أوَ ليسَ قد دَبَغْتِيها (١)؟ ". قالت: بَلى. قال: "فإنَّ ذَكاتَه دِباغُه". هذا لفظُ حديث هشام. وفي حديث شعبةَ: "دِبَاغُه طَهورُه". وفي رواية منصورٍ، عن الحَسَن، قال: "ذكاةُ الأديمِ دِباغُه". حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، عن مِسعَرٍ، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أخيه، عن ابن عبّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ في جِلْدِ الميْتةِ: "إنّ دِباغَه أذهَبَ خَبَثَه ورِجْسَه، أو نَجَسَه" (٢). والآثارُ بهذا أيضًا عن الصحابةِ والتابعين وعُلماءِ المسلمين كثيرةٌ جدًّا، فلا وجهَ لمن قصَّر عن ذكر الدِّباغ، ولا لمن ذهَب إلى ذلك، ويقالُ لمن قال بما رُويَ عن ابن شهابٍ من إباحةِ الانتفاع بجلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ: أتقول: إنّ جلدَ الشاةِ لا يموتُ بموتِ الشاةِ، وإنّه كاللَّبنِ أو الصُّوف؟ فإن قال: نعم، بانَ جَهلُه، ولَزِمَه مثلُ ذلك في اللَّحم والشَّحْم، ومعلومٌ أنّ الجِلْدَ فيه دسَمٌ ووَدَكٌ، وأكْلَه لمن شاء

стр. 1561

ممكِنٌ كإمكانِ اللَّحم والشَّحم، ولا فرقَ بين الجِلْدِ واللَّحم في قياسٍ ولا نظرٍ ولا معقول؛ لأنّ الدَّمَ جارٍ (١) في الجلدِ كما هو جارٍ في اللَّحم. وإن قال: إنّ الجلدَ يموتُ بموتِ الشاةِ كما يموتُ اللحمُ. قيل له: فاللهُ قد حَرَّم الميْتةَ، وتَحريمُه على الإطلاقِ إلّا أن يَخُصَّ شيئًا من ذلك دليل، وقد خَصَّ الجلدَ بعد الدِّباغ، والأصلُ في الميْتةِ عمومُ التحريم، ولم يُخَصَّ إهابُها بشيءٍ يَصِحُّ وَيثْبُتُ إلّا بعدَ الدِّباغ، ألا ترَى إلى قوله ﷺ : "ذكاةُ الأديم طَهورُه"؟ وقوله ﵇: "دِباغُه أذْهَب خَبَثَه ونَجَسَه". وفي هذا دليلٌ بَيِّن على أنّه قبلَ الدِّباغ رِجْسٌ نَجِسٌ غيرُ طاهرٍ، وما كان كذلك لم يَجُزْ بَيْعُه ولا شِراؤُه، والأمرُ في هذا واضحٌ، وعليه فقهاءُ الحجاز، والعراق، والشام، ولا أعلمُ فيه خلافًا إلّا ما قد بيّنّا ذِكرَه عن ابن شهابٍ، واللَّيثِ (٢)، وروايةً شاذّةً عن مالكٍ. وفي هذه المسألة قولٌ ثالثٌ قالت به طائفةٌ من أهل الأثَرِ، وذَهب إليه أحمدُ بن حنبل (٣)، وهو في الشُّذوذِ قريبٌ من القولِ الأوّل، وذلك أنّهم ذهَبوا إلى تحريم الجلدِ وتَحرِيم الانتفاع به قبلَ الدِّباغ وبعدَه. واحتَجُّوا من الأثَرِ بما حدَّثناه أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ سليمانُ بن الأشعثِ، قال (٤):

стр. 1562

حدَّثنا حفصُ بن عمرَ النَّمَريُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم، قال: قُرِئَ علينا كتابُ رسولِ الله ﷺ بأرضِ جُهينةَ وأنا غلامٌ شابٌّ: "ألّا تَسْتَمْتِعوا من الميْتَة بإهابٍ ولا عَصَبٍ". وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ مولَى بني هاشم، قال: حدَّثنا الثَّقفيُّ،

стр. 1563

عن خالدٍ، عن الحَكَم بن عُتيبةَ: أنّه انطلَقَ هو وناسٌ معه إلى عبدِ الله بن عُكَيْم، رجلٍ من جُهينةَ، قال الحكمُ: فدخَلوا وقعَدْت على الباب، فخرَجوا إليَّ فأخْبَروني أنّ عبدَ الله بن عُكَيْم أخبَرهم أنّ رسولَ الله ﷺ كتَب إلى جُهينةَ قبل مَوتِه بشهرٍ: ألّا يَنْتَفِعوا من الميْتَةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ. قال أبو عُمر: هكذا قال خالدٌ الحذَّاءُ، عن الحَكَم، قال: انطَلَقْتُ مع الأشْياخ حتى أتَيْنا عبدَ الله بن عُكَيمٍ. وهذا لفظُ حديثِ مُعتَمرٍ بن سُليمانَ، عن خالدٍ (١)، والمعنى واحدٌ. وقال شُعبةُ، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، على ما تقدَّم. وكذلك رَواه منصورُ بن المعتمرِ، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم (٢). ورواه القاسمُ بن مُخَيْمِرَة، عن عبد الله بن عُكَيْم، قال: حدَّثنا مَشْيَخةٌ لنا، أنّ النبيَّ ﷺ كتب إليهم: ألّا يَنْتَفِعُوا من الميْتَةِ بشيءٍ (٣). وهذا اضطرابٌ كما ترَى يُوجبُ التَّوقُّفَ عن العملِ بمثلِ هذا الخَبَر.

стр. 1564

وقال أبو داودَ: سألتُ يحيىَ بنَ مَعينٍ عن هذا الحديث، فضعَّفه وقال: ليس بشيءٍ، إنّما يقولُ: حدَّثني الأشْياخُ (١). قال أبو عُمر: ولو كان ثابتًا لاحْتَمَل ألّا يكونَ مُخالفًا للأحاديثِ التي ذُكِرَتْ من رواية ابن عباس (٢)، وعائشةَ (٣)، وسلمةَ بن المحَبِّق (٤)، وغيرِهم، عن النبيِّ ﷺ أنّه أباحَ الانتفاعَ بجلُود الميْتةِ إذا دُبِغَتْ، وقال: "دِباغُها طَهُورُها"، لأنّه جائزُ أن يكونَ معنى حديثِ ابن عُكَيم ألّا يَنْتَفِعوا من الميْتةِ بإهابٍ قبلَ الدِّباغ، وإذا احتملَ ألّا يكونَ مُخالفًا له، فليس لنا أن نجعَلَه مُخالفًا، وعلينا أن نَسْتَعملَ الخَبَرْين ما أمكَن استعمالُهما، ومُمكِنٌ استِعمالهُما بأن نَجْعَلَ خبرَ ابنِ عُكَيْم في النَّهْي عن جُلود الميتةِ قبلَ الدِّباغ، ونَستَعْمِلَ خبرَ ابن عباسٍ وغيرِه في الانتفاع بها بعدَ الدِّباغ، فكأنّ قولَه ﷺ : "لا تَنْتَفعوا من الميْتةِ بإهابٍ": قبلَ الدِّباغ، ثم جاءَتْ رخصةُ الدِّباغ. وحديثُ عبدِ الله بن عُكَيْم وإن كان قبلَ موتِ رسولِ الله ﷺ بشهر كما جاء في الخبر (٥)، فممكنٌ أن تكونَ قصَّةُ ميمونَةَ وسَمماعُ ابن عباسٍ منه قوله: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر". قبلَ موتِه بجُمُعةٍ أو دونَ جُمُعةٍ، واللهُ أعلم.

стр. 1565

وقد رُوِيَ من حديثِ ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلُ حديثِ ابنِ عُكَيْم (١)، وإسنادُه ليس بالقويِّ. قال بعضُ من ذهَب مذهبَ ابن حنبلٍ في هذا الباب: قد رُوي عن عمرَ، وابن عمرَ، وعائشةَ، ﵏، كراهيةُ لباسِ الفِراءِ من غيرِ الذَّكيِّ (٢). قال: وذلك دليلٌ على أنّ الدِّباغَ لا يُطَهِّرُ الجلدَ ولا يُذهِبُ نَجاسَتَه. وذكَر ما رواه إسحاقُ بن راهُويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَديٍّ، عن الأشعثِ، عن محمدٍ، قال: كان ممن يَكْرَهُ الصلاةَ في الجلدِ إذا لم يكنْ ذكيًّا: عُمرُ، وابنُ عُمرَ، وعائشةُ، وعِمْرانُ بن حُصَيْن، وأُسيرُ بن جابرٍ (٣). قال: وروَى الحَكَمُ وغيرُه، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: أتانا كتابُ عمرَ بنِ الخطاب ونحن بأذْرَبيجانَ: ألّا تَلْبَسُوا إلّا ذَكيًّا (٤). قال: وكانت عائشةُ تَكْرَهُ الصلاةَ في جلودِ الميتَةِ، وتَكْرَهُ لباسَ الفِراء منها، وقال لها محمدُ بن الأشعث: ألَا نُهْدي لك من الفِراء التي عندَنا؟ فقالت: أخشَى أن تكونَ مَيْتةً، فقال: ألا نَذْبَحُ لكِ من غَنَمِنا؟ قالت: بلى (٥).

стр. 1566

واحتجَّ بأنَّ الله حرَّم الميْتَةَ تحريمًا مُطلقًا لم يَخُصَّ منها شيئًا دونَ شيءٍ، فكان ذلك واقعًا على اللَّحم والجِلْدِ جميعًا. واحتجَّ أيضًا بقولِ الله لموسى ﵇: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، وبقولِ كعبٍ وغيرِه: كانت نَعْلا موسى من جِلْد حمارٍ مَيِّتٍ (١). هذا كلُّه ما احتَجَّ به بعضُ من ذَهَب مذهبَ أحمدَ بن حنبل في هذا الباب، وقال: إنّ حديثَ ابن عباسٍ مُختَلَفٌ فيه؛ لأنّ قومًا يقولون: عن ابن عباسٍ، عن ميمونةَ. وقومًا يقولون: عن ابن عباسٍ، عن سَوْدَة (٢). ومرَّة جعلوا الشاةَ لسَوْدَةَ، ومرَّةً جعَلوها لميمونةَ، ومرّةً جعلوها لمولاة مَيمونةَ. ومرةً قالوا: عن ابن عباسٍ: سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ . قال أبو عُمر: هذا كلُّه ليس باختلافٍ يَضُرُّ؛ لأنّ الغَرَضَ صحيحٌ، والمَقْصِدَ واضحٌ ثابتٌ، وهو أنّ الدِّباغَ يُطَهِّرُ إهابَ الميتةِ، وسواءٌ كانت الشاةُ لميمونةَ، أو لمولاةٍ لها (٣)، أو لسَوْدَةَ، أو لمن شاء اللهُ، ومُمكِنٌ أن يكونَ ذلك كلُّه أو بعضه. ومُمكنٌ أن يَسمعَ ابنُ عباسٍ بعدَ ذلك من رسولِ الله ﷺ ما حَكاه عنه ابنُ وَعْلَةَ قولَه: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ". وذلك ثابتٌ عنه ﷺ ، وإذا ثبَت ذلك فقد ثبَت تَخصيصُ الجلدِ بشرطِ الدِّباغِ من جملَةِ تحريم الميْتةِ، والسُّنَّةُ هي المبيِّنةُ عن الله مرادَه من مُجمَلاتِ خِطابِه. وأمّا ما رُوِيَ عن عمرَ، وابن عُمرَ،

стр. 1567

وعائشةَ، في كراهيةِ لباس ما لم يكنْ ذكيًّا من الفِراءِ، فمَحْمَلُ ذلك عندَنا على التَّنزُّه والاختيارِ والاستحباب؛ لأنّهم قد رُوِي عنهم خلافُ ما تقدَّم، وتَهذيبُ الآثار عنهم أن تُحْمَلَ على ما ذكَرنا. روَى شعبةُ، عن محمدِ بن عبد الرحمن، عن أبي يحيى (١) الهلاليِّ، عن أبي وائلٍ، عن عُمرَ، قال: دِباغُ الأديمِ ذَكاتُه (٢). وروَى هشامٌ وهمّامٌ، عن قتادةَ، عن حسَّانَ بن بلالٍ، عن ابن عمرَ، قال: دِباغُ الأديمِ ذَكاتُه (٣). وروَى جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ، أنّه سألها عن الفِراءِ، فقالت: لعلَّ دِباغَه طَهورُه (٤). وهذا أشْبَهُ عن عائشةَ وأوْلى؛ لأنَّ الأعمشَ يَرْوي عن إبراهيمَ وعُمارةَ بن عُمير جميعًا، عن الأسودِ، عن عائشةَ،

стр. 1568

عن النبيِّ ﷺ : "دباغُ الأديمِ ذكاتُه" (١). وأكثرُ أحوالِ الرِّواية عن عمرَ، وابن عمرَ، وعائشةَ، أنْ تُحمَلَ على الاختلاف فتُسْقِطُها، والحُجَّةُ فيما ثبَت عن النبيِّ ﷺ دونَ غيرِه. وأمّا ما ذكَروه من نَعْلَي موسى ﷺ فلا حجَّةَ فيه؛ لأنّهما لم يكونا من جلدٍ مدبوغٍ، وإنّما كانت الحجَّةُ تَلْزَمُ لو أنّهما كانتا من جلدِ مَيْتَةٍ مَدْبوغ، هذا على أنّ في شريعَتِنا ومنهاجِنا الذي أُمِرنا باتِّباعه قولَه ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر" (٢). وذكر الأثْرَمُ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله سُئل عن رجلٍ صلَّى بقومٍ (٣) وعليه جلُودُ الثَّعالب، أو غيرُها من جُلود الميتةِ المدبوغة، فقال: إن كان لَبِسَه وهو يتَأوَّلُ: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طهُر". فلا بأسَ أن يُصَلَّى خلفه. قيل له: فتَراه أنت جائزًا؟ قال: لا، نحن لا نَراه جائرا؛ لقول النبيِّ ﷺ : "لا تَنْتَفِعوا من الميْتَةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" (٤)، ولكنَّه إذا كان يتأوَّلُ، فلا بأسَ أن يُصَلَّي خَلْفَه (٥). فقيل له: كيف وهو مُخطِئٌ في تَأويلِه؟ فقال: وإن كان مُخطِئًا في تأويلِه، فليس مَن تأوَّل كمَن لا يتَأوَّلُ. ثم قال: كلُّ من تأوَّل شيئًا جاءَ عن النبيِّ ﷺ ، وعن أصحابِه، أو عن أحدِهم، فيَذهَبُ إليه، فلا بأسَ أنْ يُصَلَّى خلفَه، وإن قُلْنا نحن خلافَه من وجهٍ آخرَ؛ لأنّه قد تأوَّل. قيل له: فإنَّ من الناسِ من يقولُ: ليس جلدُ الثَّعالبِ بإهاب. فنفَض يَدَه، وقال: ما أدري أيُّ شيءٍ هذا القولُ؟ ثم قال أبو عبد الله: مَن تأوَّل فلا بأسَ أنْ يُصَلَّى خلفَه (٦). يعني: إذا كان تأويلُه له وجهٌ في السُّنَّة.

стр. 1569

قال أبو عُمر: ما أنكَره أحمدُ من قولِ القائل: إنّ جُلودَ الثعالبِ لا يُقالُ للجلدِ منها: إهابٌ. هو قولٌ يُحكَى عن النَّضر بن شُمَيل، أنّه قال: إنّما الإهابُ جلدُ ما يُؤكَلُ لحمُه من الأنعام، وأمّا ما لا يُؤكَلُ لحمُه فإنّما هو جلدٌ ومَسْكٌ (١). وقد أنكَرت طائفة من أهلِ العلم قولَ النَّضر بن شُميل هذا، وزعَمت أن العربَ تُسَمِّي كلَّ جلدٍ إهابًا، واحتَجَّت بقولِ عَنْترة (٢): فشَكَكْتُ بالرُّمح الطَّويل إهَابَه ... ليس الكَريمُ على القَنا بمُحَرَّمِ واختَلَف الفقهاءُ أيضًا بعدَ ما ذكَرْناهُ في حُكْم طَهارةِ الجِلْدِ المذكورِ بعدَ الدِّباغ، هل هي طهارةٌ كاملةٌ في كلِّ شيءٍ كالمُذَكَّى؟ أو هي طهارَةُ ضرورةٍ تُبيحُ الانتفاعَ به في شيءٍ دونَ شيءٍ؟ فذكَر أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نصرٍ المرْوَزِيُّ قال: وإلى جوازِ الانتفاع بجلودِ الميْتَةِ بعدَ الدِّباغ في كلِّ شيءٍ من البيع وغيرِه، وكراهيةِ الانتفاع بها قبلَ الدِّباغ، ذهَب أكثرُ أهلِ العلم من التابعين، وهو قولُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ وعامَّةِ علماءِ الحجاز. وقال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، عن حَيوةَ بن شُريح، عن خالدِ بن أبي عِمْرانَ، قال: سألتُ القاسمَ وسالمًا عن جُلُود الميتةِ إذا دُبِغت، أيَحِلُّ ما يُجْعَلُ فيها؟ قالا: نعم، ويَحِلُّ ثمَنُها إذا بَيَّنْتَ ممّا كانت (٣).

стр. 1570

قال: وحدَّثنا إبراهيمُ بن الحسنِ العلّافُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، قال: لا يُختلَفُ عندَنا بالمدينة أنّ دِباغَ جلودِ الميتةِ طَهورُها. قال: وقد رُوي عن الزهريِّ مثلُ ذلك. حدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا الوليدُ بن الوليدِ بن زيدٍ العَنْسِيُّ (١)، مولًى لهم، دمَشْقيٌّ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ عن جلودِ الميتة، فقال: حدَّثني الزُّهريُّ أنّ دِباغَها طَهورُها (٢). قال أبو عبد الله: وكذلك قال الأوزاعيُّ والليثُ بن سعدٍ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ وأهل الكوفة، وكذلك قال الشافعيُّ وأصحابُه، وابنُ المبارك، وإسحاقٌ بن إبراهيمَ، وهو قولُ مالك بن أنسٍ، إلّا أنّ مالكًا من بين هؤلاء كان يُرَخِّصُ في الانتفاع بها بعدَ الدِّباغ، ولا يرَى الصلاةَ فيها، وَيكْرَهُ بَيعَها وشِراءَها. قال أبو عبد الله: وسائرُ مَن ذكَرنا جعَلها طاهرةً بعدَ الدِّباغ، وأطلَق الانتفاعَ بها في كلِّ شيءٍ، وهو القولُ الذي نَخْتارُه، ونَذهبُ إليه. قال أبو عُمر: قولُه: أطلَق الانتفاعَ بها في كلِّ شيءٍ، يعني: الوُضوءَ فيها، والصلاةَ فيها، وبيعَها وشِراءَها، وسائرَ وُجوهِ الانتفاع بها وبثَمنِها كجلودِ المذكَّاةِ سواءً، وعلى هذا أكثرُ أهل العلم بالحجاز والعراق من أهل الفقهِ والحديث. وممّن قال بهذا: الثوريُّ، والأوزاعيُّ، وعبيدُ الله بن الحسن العَنْبَريُّ، والحسنُ بن حَيٍّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهما. وهو قولُ داودَ بن عليٍّ والطبريِّ.

стр. 1571

وإليه ذهَب ابنُ وَهْبٍ صاحبُ مالكٍ. كلُّ هؤلاء يقولون: دِباغُ الإهاب طَهورُ؛ للصلاةِ، والوضوء، والبيع، وكلِّ شيء (١). ذكر ابن وَهْب في "مُوطَّئه"، عن ابن لَهيعةَ وحَيْوةَ بن شُريحٍ جميعًا، عن خالدِ بن أبي عِمْرانَ، قال: سألتُ القاسمَ بن محمد وسالمَ بن عبدِ الله عن جُلُود الميتةِ إذا دُبِغَت؛ أيَحِلُّ ما جُعِلَ فيها؟ قالا: نعم، وَيحِلُّ ثمَنُها إذا بَيَّنْتَ ممّا كانت (٢). قال ابنُ وَهْب: وأخبَرنا محمدُ بن عَمْرٍو، عن ابن جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ (٣): الفَرْوُ من جُلُودِ الميتةِ، يُصَلَّى فيه؟ قال: نعم، وما بَأْسُه وقد دُبغ (٤). قال ابن وَهْبٍ: وسمِعْتُ الليثَ بن سعدٍ يقولُ: لا بأسَ بالصلاة في جُلُودِ الميْتةِ إذا دُبِغَتْ، ولا بأسَ بالنِّعال من جلودِ الميتةِ إذا دُبِغَتْ، ولا بأسَ بالاسْتِقاءِ بها، والشُّرْبِ منها، والوضوءِ فيها. قال أبو عُمر: فهذه الروايةُ عن اللَّيثِ خلافُ ما تقدَّم عنه في أول هذا الباب، وإذا كان يُجيزُ الانتفاعَ بها قبلَ الدِّباغ، فهو أحرَى وأولَى بمثل هذا مِن القول فيها بعدَ الدِّباغ. قال ابنُ وَهْب: وقال يحيى بن سعيدٍ: لقد بلَغني أنّ بعضَ الناسِ يرَى بيعَها وإنْ لم تُدْبَغْ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر أنْ يُنْتَفَعَ بها.

стр. 1572

قال أبو عُمر: هذا القولُ مأخوذٌ واللهُ أعلمُ عن ابن شهابٍ، وقد مضَى القولُ بما فيه كفاية. والحمدُ لله. ومن حُجَّةِ من ذهَب إلى أنّ الطهارةَ بالدِّباغ في جُلودِ الميْتةِ طَهارةٌ كامِلةٌ في الأشياء الرَّطْبةِ واليابسة، وأجاز الشُّربَ منها والاستقاءَ بها، والصلاةَ عليها، وسائرَ ما يجوزُ في الجُلود المذَكَّاة، ما حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ (١)، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوبَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ربيعةَ، أنّ أبا الخير حدَّثه، قال: حدَّثني ابنُ وَعْلَةَ السَّبَئيُّ، قال: سألْتُ عبدَ الله بن عباسٍ، فقلتُ: إنّا نكونُ بالمغرب، فيَأتينا المجوسُ بالأسْقيةِ فيها الماءُ والوَدَكُ (٢)؟ فقال: اشْرَبْ. فقُلْتُ: رَأي تَراه؟ فقال ابنُ عباسٍ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "دِباغُها طَهورُها" (٣). وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم، قال: حدَّثنا يَعلَى بن عُبَيْدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن القَعْقاع بن حَكيمٍ، عن عبدِ الرحمن بن وَعْلَةَ، قال: سألْتُ ابنَ عباسٍ عن جلودِ الميْتَةِ، فقال: قال رسولُ الله ﷺ : "دِباغُها طَهورُها" (٤).

стр. 1573

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بن شُعيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني هشامٌ، قال: حدَّثني زيدُ بن أسلَمَ، عن ابن وَعْلَةَ السَّبَئيِّ، أنّه قال: سألتُ عبدَ الله بن عباس عن أسقيةٍ نَجِدُها بالمغرب في مغازِينا، فيها السَّمْنُ والزَّيتُ لعلَّها تكونُ مَيْتةً، أفنَأْكلُ منها؟ قال: لا أدْري، ولكن سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ" (١). فهذه الآثارُ كلُّها عن ابن عباسٍ تَدُلُّ على أنّه فَهِمَ من الخبرِ معنَى عمومِ الانتفاع به، وحمَل الحديثَ على ظاهرِه وعُمومِه، وإنّما سُئِل عن الشربِ فيها ونحوِ ذلك، فأطْلَق الطهارةَ عليها إطلاقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بشيءٍ، ولم تَختَلِفْ فَتْوَى ابن عباسٍ وأصحابِه: أنّ دِباغَ الأديم طَهورُه. وكذلك لم يَختَلِفْ قولُ ابن مسعودٍ وأصحابه في ذلك (٢). وكان مالكٌ وأصحابُه حاشا ابنَ وهبٍ يَرَوْن أن يُنْتَفَعُ بجلودِ الميتةِ إذا دُبِغَتْ في الجلوس عليها، والعمل والامتهانِ في الأشياءِ اليابسةِ؛ كالغَرْبَلةِ وشِبْهها، ولا تُباعُ، ولا يُتَوضَّأُ فيها، ولا يُصَلَّى عليها؛ لأنّ طَهارتَها ليست بطهارةٍ كاملةٍ (٣). ومن حُجَّتِهم أنّ اللهَ حرَّم الميْتةَ، فثَبَت تحريمُها بالكتاب، وأباحَ رسولُ الله ﷺ الاستِمتاعَ بجِلْدِها والانتفاعَ به بعدَ الدِّباغ. وروَى مالكٌ (٤)، عن يزيدَ بن قُسَيْطٍ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ،

стр. 1574

عن أُمِّه، عن عائشةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ أمَر أنْ يُسْتَمْتَعَ بجلودِ الميْتةِ إذا دُبِغَتْ. وفَهِمَتْ عائشةُ المُرادَ من ذلك، فكانت تَكْرَهُ الفِراءَ من الجُلودِ التي ليست مُذكّاةً. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا مطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن القاسم بن محمدٍ، أنّه قال لعائشةَ: ألَا نَجْعَلُ لكِ فَرْوًا تَلْبَسِينَه؟ قالت: إنِّي لأكْرَهُ جلودَ الميْتةِ. قال: إنّا لا نَجْعَلُه إلّا ذَكِيًّا. فجعَلْناه، فكانت تَلْبَسُه (١). وروَى مجاهدٌ ونافعٌ، عن ابن عمرَ، أنّه كان لا يَلْبَسُ إلّا ذَكِيًّا (٢). وقد تقدَّم عن عُمرَ وغيرِه من الصحابة مثلُ ذلك. وفي نَعْلَي مُوسى ﵇ ما يُحْتَجُّ به هاهنا (٣). فهذا ما في طهار جلودِ الميْتةِ عندَ العلماءِ قديمًا وحديثًا. والحمدُ للّه. وأما قولُه ﷺ :"أيُّما إهابٍ" فإنّما يقتَضي عُمومَ جميع الأُهُبِ، وهي الجُلودُ كلها؛ لأنّ اللفظَ جاءَ في ذلك مَجيءَ عُموم لم يَخُصَّ شيئًا منها، وهذا أيضًا

стр. 1575

مَوْضِعُ اختلافٍ وتنازُعٍ بين العلماء؛ فأمّا مالكٌ وأكثرُ أصحابِه، فالمشهورُ من مذهبِهم أنّ جلدَ الخنزيرِ لا يدخُلُ في عُموم قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ"، لأنَّه مُحَرَّمُ العَينِ حيًّا ومَيْتًا، جلدُه مثلُ لحمِه، لا يُعمَلُ فيه الدِّباغُ، كما لا تَعْمَلُ في لَحْمِه الذَّكاةُ، ولهم في هذا الأصلِ اضطرابٌ (١). أخبَرنا أحمدُ بن سعيدِ بن بشير، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا الصُّمادحِيُّ، عن مَعْن بن عيسى، قال: سمِعْتُ مالكًا وسُئِلَ عن جلدِ الخنزيرِ إذا دُبغ، فقال: لا يُنْتَفَعُ به. حدَّثني عبدُ الله بن محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَمْرِو بن أبي زيدٍ يقولُ: سمِعتُ ابنَ وَضَّاح يقولُ: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، عن مَعْنِ بن عيسى، عن مالكٍ، أنّه قال: لا يُنْتَفَعُ بجلدِ الخنزيرِ وإن دُبِغَ. قال: وقال لي سُحْنونٌ: لا بأسَ به. وأخبَرنا سعيدُ بن سيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بن معاويةَ، عن معنِ بن عيسى، عن مالكٍ، أنّه سئِل عن جلدِ الخنزيرِ إذا دُبغ، فكَرِهه. قال ابنُ وضّاحٍ: وسمِعْتُ سُحْنُونَ يقولُ: لا بأسَ به. قال أبو عُمر: قول سُحنون هذا هو قول محمدِ بن عبدِ الله بنِ عبد الحكَم وقول داودَ بن عليٍّ وأصحابِهم (٢)؛ وحُجَّتُهم ما حدَّثناه أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: حدَّثنا أبو غسّانَ محمدُ بن مُطَرف، قال: حدَّثنا زيدُ بن أسلَمَ،

стр. 1576

عن عبد الرحمن بن وَعْلَةَ، أنّه قال لابن عبّاسٍ: إنّا قومٌ نَغْزُو أرضَ المغرب، وإنّما أسْقيَتُنا جلودُ الميْتةِ؟ فقال ابنُ عبّاس: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أيُّما مَسْكٍ (١) دُبغ فقد طَهُرَ" (٢). حمَلُوه على العُموم في كلِّ جِلْدٍ. قال أبو عُمر: يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بهذا القول عُمومَ الجُلُود المعهود الانتفاعُ بها، وأمّا جلدُ الخِنْزيرِ فلم يَدْخُلْ في هذا المعنى؛ لأنّه لم يدخُلْ في السُّؤَال؛ لأنّه غيرُ معهودٍ الانتفاعُ بجِلْدِه، إذ لا تَعملُ فيه الذَّكاةُ، وإنَّما دخَل في هذا العُموم، واللهُ أعلمُ، من الجلود ما لو ذُكِّيَ لاسْتَغنَى عن الدِّباغ، وأمّا جلدُ الخِنْزير فالذَّكاةُ فيه والميْتةُ سواءٌ؛ لأنّه لا تَعملُ فيه الذَّكاةُ. ودليلٌ آخرُ، وهو ما قاله النَّضْرُ بن شُمَيل: أنّ الإهابَ جلدُ البقرِ والغنم والإبل، وما عداها فإنّما يقال له: جلدٌ، لا إهَابٌ (٣).

стр. 1577

وذكر ابنُ القاسم، عن مالكٍ، أنّه خفَّفَ الذَّكاةَ في جُلودِ السِّباع، وكَرِه جُلودَ الحميرِ المذَكّاة. قال ابنُ القاسم: أمّا جلدُ السَّبُع والكلب إذا ذُكِّيَ، فلا بأسَ ببَيْعه، والشُّرب فيه، والصَّلاة به (١). قال أبو عُمر: الذَّكاةُ عندَ مالكٍ وابن القاسم عاملةٌ في السِّباع لجلودِها، وغيرُ عاملةٍ في الحميرِ والبغالِ لجلودِها، والنَّهْيُ عندَ جمهورِ أهلِ العلم عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِن السِّباع أقوَى من النَّهْيِ عن أكلِ لحومِ الحُمُر؛ لأنّ قومًا قالوا: إنّ النَّهْيَ عن الحُمُرِ إنّما كان لقِلَّةِ الظَّهْر. وقال آخرون: إنّما نُهي منها عن الجَلّالة. ولم يَعْتَلّ بمِثْل هذه العِلَل في السِّباع. وقال عبدُ الملك بن حَبيب: لا يجوزُ بيعُ جلودِ السِّباعِ ولا الصلاةُ فيها وإن دُبِغَتْ إذا لم تُذَكَّ. قال: ولو ذُكِّيتْ لجلودِها لحَلَّ بيعُها والصلاةُ فيها (٢). جعَل التَّذكِيَة في السِّباع لجلودِها أكملَ طهارةً من دِباغِها، وهذا على ما ذكَرنا من أصولِهم في أنّ الذَّكاةَ عاملةٌ في السِّباع لجُلُودِها، وأنّ طَهارةَ الدِّباغ ليست عندَهم طهارةً كاملةً، ولكنّها مُبيحةٌ للانتفاع فيما ذكَروه على ما تقدَّم ذِكرُه في هذا الباب. وهذا هو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ وأصحابِه. وأمّا أشهَبُ، فقال: جِلْدُ الميْتةِ إذا دُبغ لا أكْرَهُ الصلاةَ فيه ولا الوضوءَ منه، وأكْرَهُ بَيْعَه ورَهْنَه، فإنْ بِيع أو رُهِن لم أفْسَخْه. قال: وكذلك جلودُ السِّباع إذا ذُكِّيَتْ ودُبِغَتْ، وهي عندي أخفُّ لموضع الذَّكاةِ مع الدِّباغ، فإن لم تُذَكَّ جلودُ السِّباع، فهي كسائر جُلودِ الميتةِ إذا دُبِغَتْ. قال أشهَبُ: وأمّا جلودُ السِّباع إذا ذُكِّيَتْ ولم تُدْبَغْ، فلا يجوزُ بيعُها، ولا ارتهانُها، ولا الانتفاعُ بشيءٍ منها، ويُفْسَخُ البيعُ فيها

стр. 1578

والرَّهْنُ، ويؤَدَّبُ فاعلُ ذلك، إلّا أن يُعْذَرَ بجَهالةٍ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ حرَّمَ كلَّ ذي نابٍ مِن السِّباع، فليستِ الذَّكاةُ فيها ذكاةً، كما أنّها ليست في الخنزير ذَكاة (١). قال أبو عُمر: قولُ أشهبَ هذا هو قولُ أكثرِ الفقهاء وأهلِ الحديث. وقال الشافعيُّ (٢): جلودُ الميْتةِ كلُّها تَطْهُرُ بالدِّباغ، وكذلك جِلدُ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه إذا دُبغَ، إلّا الكلبَ والخنزيرَ، فإنّ الذَّكاةَ والدِّباغَ لا يَعْمَلان في جُلودِهما شيئًا. قال أبو عُمر: ولا تَعملُ الذَّكاةُ عند الشافعيِّ في جلدِ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه، وقد تقدَّم في باب إسماعيلَ بن أبي حكيم اختلافُ العلماءِ فيما يُؤْكَلُ لحمُه وما لا يُؤْكَلُ من السِّباع. وحُكِيَ عن أبي حَنيفةَ أنّ الذَّكاةَ عندَه عاملةٌ في السِّباع والحُمُرِ لجُلُودِها، ولا تَعملُ الذَّكاةُ عندَه في جِلْدِ الخِنْزيرِ شيئًا، ولا عندَ أحدٍ من أصحابه. وكَرِه الثوريُّ جُلودَ الثَّعالبِ والهرِّ وسائرِ السِّباع، ولم يرَ بأسًا بجلودِ الحَمِير (٣). قال أبو عُمر: هذا في الذَّكاةِ دونَ الدِّباغ، وأمّا الدِّباغُ فهو عندَه مُطَهِّرٌ لجلودِ الثَّعالب وغيرِها. وقالت طائفةٌ من أهل العلم: لا يجوزُ الانتفاعُ بجلودِ السِّباع، لا قبلَ الدِّباغ ولا بعدَه، مَذبوحةً كانت أو ميِّتةً. وممّن قال هذا القولَ: الأوزاعيُّ، وابنُ المبارك، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ويزيدُ بن هارون (٤)، واحتجُّوا بأنّ رسولَ الله ﷺ إنّما

стр. 1579

أباحَ الانتفاعَ بجلدِ الميتةِ المدبوغِ إذا كان ممّا يُؤكلُ لحمُه؛ لأنّ الخطابَ الواردَ في ذلك إنّما خرَج على شاةٍ ماتَتْ لبعض أزواج النبيِّ ﷺ ، فدخَل في ذلك كلُّ ما يُؤكلُ لحمُه، وما لم يُؤكلْ لحمُه فداخلٌ في عموم تحريمِ الميتَةِ. واستدلُّوا بقولِ أكثرِ العلماء في المَنعْ من جلدِ الخِنْزير بعدَ الدِّباغ؛ لأنّ الذَّكاةَ غيرُ عاملةٍ فيه. قالوا: وكذلك السِّباع لا تَعمَلُ فيها الذَّكاةُ؛ لنَهْي رسولِ الله ﷺ عن أكْلِها (١)، ولا يَعمَلُ فيها الدِّباغُ؛ لأنّها مَيْتةٌ، لم يَصِحَّ خصوصُ شيءٍ منها. وزعَموا أنّ قولَ مَن أجاز الانتفاعَ بجلدِ الخنزيرِ بعدَ الدِّباغ شذوذٌ لا يُعَرَّجُ عليه. وحكَى إسحاقُ بن منصورٍ الكَوْسَجُ (٢)، عن النَّضْرِ بن شُمَيْل، أنّه قال في قول النبيِّ ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ": إنّما يقالُ الإهابُ للإبل (٣) والبقر والغنم، وأمّا السِّباعُ فجلودٌ. قال الكَوْسَجُ: وقال لي إسحاقُ بن راهُويَة: هو كما قال النَّضْرُ بنُ شُمَيل. وحجَّةُ الآخرين قولُه ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر" فعَمَّ الأُهُبَ كلَّها، فكلُّ إهابٍ داخلٌ تحتَ هذا الخطاب، إلّا أنْ يَصحَّ إجماعٌ في شيءٍ من ذلك فيَخْرُجَ من الجُملة. وبالله التوفيق.

стр. 1580

أخبَرنا عبدُ الرحمن بن يحيى ويحيى بنُ عبدِ الرحمن، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن الزَّرَّاد، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: سألتُ سُحْنُونًا عن لُبسِ الفِراءِ الفَنَكيات (١)، وقلتُ: إنّه بلَغني عنك فيها شيءٌ، وقلتُ: إنّهم ليس يَغسِلُونها، إنّما يَذْبحُونها فيَدْبُغُونها بذلك الدَّم. قال: وما ذلك الدَّمُ؟ قال: أليس يسيرًا؟ قلتُ: بلى. قال: أوليس يذهَبُ مع الدِّباغ؟ قلتُ: بلى. قال: لا بأسَ به، إذا دُبغَ الإهابُ فقد طَهُرَ. واختَلَف الفقهاءُ في الدِّباغ الذي يُطَهَّرُ به جُلودُ الميْتةِ، ما هو؟ فقال أصحابُ مالكٍ، وهو المشهورُ من مذهبه: كلُّ شيءٍ دُبِغ به الجلدُ من مِلْحٍ، أو قَرَظٍ، أو شَبٍّ (٢)، أو غيرِ ذلك، فقد جاز الانتفاعُ به. وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنّ كلَّ شيءٍ دُبغ به جلدُ الميْتةِ، فأزالَ شعَرَه ورائحتَه، وذهَب بدَسَمِه ونَشَّفَه، فقد طَهَّره، وهو بذلك الدِّباغ طاهر، وهو قولُ داودَ (٣). وذكَر ابنُ وَهْب، قال: قال يحيى بن سعيدٍ: ما دُبِغَتْ به الجُلودُ من دقيقٍ، أو قَرَظٍ، أو مِلح، فهو لها طَهُورٌ. وللشافعيِّ في هذه المسألة قولان: أحدُهما هذا، والآخرُ أنّه لا يُطَهِّرُه إلّا الشَّبُّ، أو القَرَظُ؛ لأنّه الدِّباغُ المعهودُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ الذي خرَج عليه الخطابُ (٤)، واللهُ الموفِّق.

стр. 1581

حديث سابع عشر لزَيد بن أسْلَم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسْلَمَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْريِّ، عن أبيه (٢)، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كان أحدُكم يُصلِّي، فلا يَدَعْ أحدًا يَمرُّ بينَ يَديْهِ، ولْيَدْرَأْه ما استطاع، فإن أبَى فلْيُقاتِلْه، فإنّما هو شيطانٌ". قيل: إنّ عبدَ الرحمن بن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ يُكْنى أبا جعفرٍ، تُوفِّي سنةَ اثنَتَيْ عشْرةَ ومئةٍ، وهو ابنُ سبع وسبعينَ سنةً (٣)، وقد ذكرنا أباه في كتاب الصحابة (٤) بما يُغْني عن ذكرِه ههنا، وعبدُ الرحمن من ثقاتِ التابعينَ بالمدينة. وهكذا روَى هذا الحديث جماعةُ رواةِ "الموطّأ"، فيما عَلِمْتُ (٥)، وليس عندَهم في هذا الحديث عن مالكٍ غير هذا الإسناد، إلّا ابنَ وَهْب (٦)، فإنّ عندَه في ذلك عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كان أحدُكم يُصلِّي فلا يدَعْ أحدًا يَمرُّ بين يَديْهِ" (٧).

стр. 1582

هذا آخرُ هذا الحديث عندَه، ولم يَرْوِه أحدٌ عن مالكٍ بهذا الإسناد إلّا ابنَ وَهْب. وعندَ ابن وهبٍ أيضًا عن مالكٍ حديثُ زيدِ بن أسلمَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه (١)، هذا المذكورُ في هذا الباب على حسبٍ ما ذكرناه. وحديثُ عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ أشهرُ، وحديثُ عطاءِ بن يسارٍ معروفٌ أيضًا (٢). حدَّثني سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن محمدٍ، عن صفوانَ بن سُليم، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيد الخُدْريِّ، أنّه كان يُصَلِّي ومرَّ بين يدَيْه ابنٌ لمروانَ بنِ الحكم، فضرَبه، فقال مروانُ: ضرَبْتَ ابنَ أخيكَ! قال: ما ضَرَبْتُ إلّا شيطانًا، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنْ أَبَى فرُدَّه، فإنْ أبَى فقاتِلْهُ، فإنّما هو شيطانٌ" (٣).

стр. 1583

قال أبو عُمر: في هذا الحديث كراهيةُ المرورِ بين يَدَي المُصَلِّي إذا كان وحدَه وصلَّى إلى غيرِ سُترةٍ، وكذلك حكمُ الإمام إذا صلَّى إلى غير سُترةٍ. فأمّا المأمومُ، فلا يَضُرُّه مَن مرَّ بين يديه، كما أنّ الإمامَ والمنفَردَ لا يَضُرُّ أحدًا منهما ما مرَّ من وراءِ سُترته، وسُترةُ الإمام سُتر لمن خلفَه. وإنّما قلنا: إنّ هذا في الإمام وفي المنفرِد؛ لقوله ﷺ : "إذا كان أحدُكم يُصلِّي". ومعناه عندَ أهل العلم: يُصلِّي وحدَه؛ بدليل حديث ابن عباس، وبذلك قلنا: إنّ المأمومَ ليس عليه أنْ يَدفعَ من يَمُرُّ بين يدَيه؛ لأنّ ابنَ عباسٍ قال: أقبَلْتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهَزْتُ الاحتلامَ، ورسولُ الله ﷺ يُصلِّي بالناسِ بمِنًى، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنزَلْتُ (١)، وأرسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحد. هكذا رَواه مالكٌ (٢)، عن ابن شهابٍ، عن عُبيد الله، عن ابن عباسٍ. ألَا ترَى أنّه مرَّ بينَ يدَيْ بعض الصَّفِّ فلم يَدْرَأْه أحدٌ ولم يَدْفَعْه، ولا أنكَرَ عليه؟ فإذا كان الإمامُ أو المنفردُ مصَلِّيًا إلى سُترةٍ، فليس عليه أنْ يَدْفَعَ مَن يَمُرُّ من وراءِ سُترته. وهذه الجملةُ كلُّها على ما ذكَرْتُ لك، لا أعلمُ بين أهلِ العلم فيه اختلافًا والآثارُ الثابتةُ دالةٌ عليها. وفي هذا الحديث أيضًا دليل على أنّ العملَ في الصلاةِ جائزٌ، والذي يجوزُ عند العلماءِ منه القليلُ، نحو قَتْلِ البُرْغوث، وحَكِّ الجسَدِ (٣)، وقَتْلِ العَقْرَب بما خَفَّ من الضَّرْبِ، ما لم تكنِ المتابعةُ والطُّولُ، والمشي إلى الفُرَج (٤) إذا كان ذلك قريبًا،

стр. 1584

ودرءِ المارِّ بينَ يدَي المُصَلِّي. وهذا كلُّه ما لم يَكْثُرْ، فإنْ كَثُرَ أفسَد، وما عَلِمْتُ أحدًا من العلماءِ خالفَ هذه الجملةَ، ولا عَلِمْتُ أحدًا منهم جعَل بينَ القليل من العملِ الجائزِ في الصلاة وبين الكثيرِ المُفسدِ لها حدًّا لا يُتجاوزُ إلّا ما تَعارَفه الناسُ. والآثارُ المرفوعةُ في هذا الباب والموقوفةُ كثيرةٌ، وقد (١) ذكَرنا مِنْ فَتْل الدَّم (٢) وقتلِ القَمْلِ في الصلاةِ في باب هشامِ بن عروةَ ما فيه كفايةٌ (٣). ومن العمل في الصلاة شيءٌ لا يجوزُ منه فيها القليلُ ولا الكثيرُ؛ وهو الأكلُ، والشُّربُ، والكلامُ عَمدًا في غير شأنِ الصلاة، وكذلك كلُّ ما بايَنَها وخالَفها؛ مِن اللَّهو والمعاصي، وما لم تَرِدْ فيه إباحةٌ؛ قليلُ ذلك كلِّه وكثيرُه غيرُ جائزٍ شيءٌ منه في الصلاة. وقولُه في الحديث: "فإن أبَى فلْيُقاتِلْه" فالمُقاتلةُ هنا المُدافعةُ، وأظنُّه كلامًا خرَج على التَّغْليظ، ولكلِّ شيءٍ حَدٌّ. وأجمَعوا أنّه لا يُقاتِلُه بسَيْفٍ، ولا يُخاطبُه، ولا يَبلُغُ منه مَبلغًا تَفْسُدُ به صلاتُه، فيكونَ فعلُه ذلك أضرَّ عليه من مرورِ المارِّ بين يَدَيهِ، وما أظُنُّ أحدًا يبلُغُ بنفسِه إذا جهِل أو نسيَ فمرَّ بين يَدَيْ مصلٍّ، إلى اكثرَ من الدَّفع، وفي إجماعِهم على ما ذكَرنا ما يُبيِّنُ لكَ المرادَ من الحديث. وقد بلَغني أنّ عمرَ بن عبد العزيز، في أكثرِ ظنِّي، ضمَّن رجلًا دفَع آخرَ من (٤) بين يدَيْه وهو يُصَلِّي، فكسَر أنفَه - دِيَةَ ما جنَى على أنفِه. وفي ذلك دليلٌ على أنّه لم يَكنْ له أن يَبْلُغَ ذلك به؛ ولأنَّ ما تولَّد عن المُباح فهو مَعفوٌّ عنه. وقد كان

стр. 1585

الثوريُّ يَدْفعُ المارَّ بينَ يدَيْه إذا صلَّى دَفعًا عَنِيفًا، وذكَر عنه أبو داودُ أنّه قال (١): يَمُرُّ الرجل يتَبَخْتَرُ بين يدَيَّ وأنا أصلِّي فأدفَعُه، وَيَمرُّ الضعيفُ فلا أمنعُه. وهذا كلُّه يدُلُّكَ على أنّ الأمرَ ليسَ على ظاهرِه في هذا الباب. وذكَر ابنُ القاسم، عن مالك، قال: إذا جازَ المارُّ بين يَدَي المُصلِّي فلا يَرُدُّه. قال: وكذلك لا يَردُّه وهو ساجدٌ. وقال أشهبُ: إذا مرَّ قُدَّامَه فليَرُدَّه بإشارةٍ، ولا يَمْشي إليه؛ لأنّ مشيَه إليه أشدُّ من مرورِه بينَ يدَيْه، فإنْ مشَى إليه ورَدَّه لم تَفْسُدْ بذلك صلاتُه (٢). قال أبو عُمر: إن كان مشيًا كثيرًا فَسدَتْ صلاتُه، واللهُ أعلمُ. وإنّما ينبغي له أن يَمنَعَه ويَدرَأه منعًا لا يشتغل به عن صلاتِه، فإن غلَبَه فلْيَدَعْهُ يَبوءُ بإثْمِه؛ لأنّ الأصلَ في مُرُورِه أنّه لا يقْطَعُ على المُصلِّي صلاتَه. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبد الرزاق، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: أخبرنا أبو أسامةَ، عن مُجالدٍ، عن أبي الودَّاك (٤)، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَقطعُ الصلاةَ شيءٌ، وادْرَؤوا ما استَطعْتُم". وإذا لم يَقطع الصلاةَ شيءٌ، فإنّما هو تَغليظٌ على المارِّ، ولذلك جاء فيه ما جاء، والله أعلمُ.

стр. 1586

وسنذكُرُ اختلافَ الناس فيما يَقْطَعُ الصلاةَ وما لا يَقطعُها في موضعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله. والصحيحُ عندَنا أنّ الصلاةَ لا يَقْطَعُها شيءٌ ممّا يَمُرُّ بينَ يَدَي المُصلِّي بوجهٍ من الوجوه، ولو كان خِنْزيرًا، وإنّما يقطعُها ما يُفسدُها من الحَدثِ وغيرِه ممّا جاءَتِ الشريعةُ به (١). وأمّا الحديثُ بأنّ الإمامَ سُترةٌ لمن خَلفَه، فحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ، قال: جئتُ أنا والفَضْلُ ونحن على أتانٍ، ورسولُ الله ﷺ يُصلِّي بعَرفةَ، فمَررنا ببعض الصَّفِّ، فنزلنا عنها، وتركناها تَرْتَعُ، ودخَلنا معه في الصَّفِّ، فلم يقلْ لنا النبيُّ ﷺ شيئًا (٢). فهذا دليلٌ على أنّ سُترةَ الإمام سُترةٌ لمَن خلفَه. وأوضحُ من هذا ما حدَّثناه خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ بن السَّكَن، قال: حدَّثنا الحسينُ بن إسماعيلَ المحامليُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن محمدِ بن ثَوابٍ (٣) الحَضْرميُّ، قال: حدَّثنا خلَّادُ بن يزيدَ الأرقَطُ، قال: حدَّثنا هشامُ بن الغاز، عن نافع، عن

стр. 1587

ابن عمرَ، قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ الظُّهْرَ أو العصرَ، فجاءتْ بَهْمَةٌ (١) لتمُرَّ بين يدَيْهِ، فجعَل يَدْرَؤُها، حتى رأيتُه ألصَقَ مَنكِبَه بالجدارِ فمرَّتْ خلفَه (٢). ألا ترَى أنّه كرِهَ أنْ تَمُرَّ بين يَديهِ، ولم يَكرَهْ أنْ تَمُرَّ خَلْفَه. وهذا الحديثُ خُولِفَ فيه خلّادٌ هذا، فرُوِيَ عن هشام بن الغاز، عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ . وبهذا الإسناد ذكَره أبو داود (٣). وقد حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا عيسى بن يونسَ، عن هشام بن الغاز، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أقبلْنا مع رسولِ الله ﷺ من ثَنِيّة أذاخِرَ (٤)، فحضرَتْهُ الصلاةُ إلى جدارٍ، فاتَّخذَه قِبلةً، ونحن خلفَه، فجاءتْ بَهْمَةٌ لِتَمُرَّ بينَ يدَيهِ، فما زالَ يَدْرؤها حتى ألصَق بَطنَه بالجدارِ ومرَّتْ من ورائه (٥). وكان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي إلى سُترةٍ في السَّفر والحضر، إنْ لم يكنْ جدارٌ نَصَبَ أمامَه شيئًا، وكان يأمُرُ بذاك ﷺ .

стр. 1588

والسُّترةُ في الصلاةِ سُنَّةٌ مَسْنونةٌ معمولٌ بها. روَى عُبيدُ الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا خرَج يومَ العيدِ أمَر بالحَرْبةِ فتُوضَعُ بين يدَيه، فيُصلِّي إليها، والناسُ وراءَه، وكان يَفعلُ ذلك في السَّفَر. قال: فمِن ثمَّ اتّخَذَها الأمراءُ. ذكَره البخاريُّ وجميعُهم (١). وروَى شعبةُ (٢)، عن عونِ بن أبي جُحَيْفَة، عن أبيه، أنّه شهد النبيَّ ﷺ صلَّى بالبطحاءِ الظُّهرَ والعصرَ ركْعَتَيْن ركْعَتَين، وبين يدَيه عَنزةٌ تمُرُّ من ورائِها المرأةُ والحمارُ. وصلَّى الظهرَ رسولُ الله ﷺ إلى شجرةٍ، من حديث شعبةَ أيضًا، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن عليٍّ (٣). وأخبَرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ العَبديُّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن

стр. 1589

موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ بن عُبيدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا جعَلتَ بينَ يديكَ مثلَ مُؤخِرَةِ الرَّحْل (١)، فلا يَضُرُّكَ مَن مرَّ بينَ يدَيْك". وحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا العبّاسُ بن محمدٍ الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يزيدَ المُقرئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْحٍ، عن أبي الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت: سُئِل رسولُ الله ﷺ في غزوةِ تبُوكَ عن سُترةِ المُصلِّي؟ فقال: "مثلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل". وأمَر رسولُ الله ﷺ بالدُّنُوِّ من السُّترة. رواه سهلُ بن أبي حَثْمةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم إلى سُترةٍ فلْيَدْنُ منها، لا يقْطَعُ الشيطانُ عليه صلاتَه". وهو حديثٌ مختلَفٌ في إسنادِه، ولكنَّه حديثٌ حسنٌ، ذكره النسائيُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما (٣).

стр. 1590

ومقدارُ الدُّنُوِّ من السُّترةِ موجودٌ في حديث مالكٍ (١)، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن بلالٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ حين (٢) صلَّى في الكعبةِ جعَل عَمُودًا عن يسارِه، وعَمُودَيْن عن يَمِينِه، وثلاثةَ أعْمدةٍ وراءَه، وكان البيتُ يومَئذٍ على ستَّةِ أعمدةٍ، وجعَل بينَه وبينَ الجدارِ نحوَ ثلاثةِ أذْرُع. هكذا رواه ابنُ القاسم وجماعةٌ عن مالك (٣). وقد ذكَرنا ذلك في باب نافعٍ، وإليه ذهَب الشافعيُّ وأحمدُ، وهو قولُ عطاءٍ. قال عطاءٌ: أقلُّ ما يكْفيكَ ثلاثةُ أذرُع (٤). والشافعيُّ، وأحمدُ، يستَحِبّان ثلاثةَ أذْرُع ولا يُوجبانِ ذلك. ولم يَحُدَّ مالكٌ فيه حدًّا (٥). وكان عبدُ الله بن مغفَّلٍ يَجعلُ بينَه وبينَ السُّترة ستَّةَ أذْرُع (٦). وقال عكرمةُ: إذا كان بينَك وبينَ الذي يَقطعُ الصلاةَ قَذْفةُ حَجَرٍ لم يَقْطع الصلاةَ (٧). وروى سهلُ بن سعدٍ السَّاعديُّ، قال: كان بين مُقام النبيِّ ﷺ وبينَ القبلةِ مَمَرُّ عَنْزٍ:

стр. 1591

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا القَعْنَبيُّ والنُّفيليُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ العزيز بن أبي حازم، قال: حدَّثني أبي، عن سَهْل بن سعدٍ، قال: كان بينَ مُقام النبيِّ ﷺ وبينَ القبلةِ مَمرُّ عَنْزٍ. قال أبو عُمر: حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن بلالٍ: أنّ رسولَ الله ﷺ جعَل بينَه وبينَ الجدار في الكعبةِ ثلاثةَ أذْرُعٍ، أصحُّ من حديث سهلِ بن سعدٍ من جهةِ الإسناد، وكلاهما حسنٌ. وأمّا استقبالُ السُّترة والصَّمْدُ إليها (٢)، فلا تحديدَ في ذلك عندَ العلماء، وحَسْبُ المُصلِّي أنْ تكونَ سُتْرَتُه قُبالةَ وجهِه. وقد رَوَينا عن المقدادِ بن الأسود، قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى إلى عُودٍ، ولا عمودٍ، ولا شجررة، إلّا جعَله على حاجبِه الأيمَنِ، أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا. أخرجه أبو داود (٣). فهذا ما جاء من الآثار التي عوَّل (٤) العلماءُ عليها، ولا أعلَمُ اختلافَهم في العمل بها، ولا أنكَر أحدٌ منهم شيئًا منها، وإنْ كان بعضُهم قد استَحسن شيئًا، واسْتَحسن غيرُه ما يَقْرُبُ منه، وهذا كلُّه بحمدِ الله سواءٌ، أو قريبٌ من السَّواءِ إن شاء الله.

стр. 1592

وأمّا صفةُ السُّتْرةِ، وقدرُها في ارتفاعِها وغِلَظِها، فقد اختَلَف العلماءُ في ذلك؛ فقال مالكٌ: أقلُّ ما يُجْزِئُ في السُّترةِ غلظُ الرُّمْحِ، وكذلك السَّوْطُ والعَصا، وارتفاعُها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراع، هذا أقلُّ ما يُجزئُ عنده (١). وهو قولُ الشافعيِّ في ذلك كلِّه (٢). وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: أقلُّ السُّترة قَدْرُ مُؤخِرَةِ الرَّحل، ويكونُ ارتفاعُها على ظَهْرِ الأرضِ ذراعًا (٣). وهو قولُ عطاءٍ (٤). وقال قتادةُ: ذِراعٌ وشبرٌ (٥). وقال الأوزاعيُّ: قَدرُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ. ولم يَحُدَّ ذِراعًا، ولا عَظْمَ ذراع، ولا غيرَ ذلك، وقال: يُجْزِئُ السَّهْمُ، والسَّوْطُ، والسَّيفُ. يعني في الغِلَظ (٦). واختلَفوا فيما يُعْرَضُ ولا يُنْصبُ، وفي الخطِّ، فكُلُّ من ذكَرنا قولَه أنّه لا يُجْزِئُ عندَه أقلُّ من عَظْمِ الذِّراع، أو أقلُّ من ذراع، لا يُجيزُ الخَطَّ، ولا أنْ يَعْرِضَ العَصا والعُودَ في الأرضِ فيُصَلِّيَ إليهما، وهم: مالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ
следующие страницы →