← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1588–1627 · переход к 1593.

стр. 1588

والسُّترةُ في الصلاةِ سُنَّةٌ مَسْنونةٌ معمولٌ بها. روَى عُبيدُ الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا خرَج يومَ العيدِ أمَر بالحَرْبةِ فتُوضَعُ بين يدَيه، فيُصلِّي إليها، والناسُ وراءَه، وكان يَفعلُ ذلك في السَّفَر. قال: فمِن ثمَّ اتّخَذَها الأمراءُ. ذكَره البخاريُّ وجميعُهم (١). وروَى شعبةُ (٢)، عن عونِ بن أبي جُحَيْفَة، عن أبيه، أنّه شهد النبيَّ ﷺ صلَّى بالبطحاءِ الظُّهرَ والعصرَ ركْعَتَيْن ركْعَتَين، وبين يدَيه عَنزةٌ تمُرُّ من ورائِها المرأةُ والحمارُ. وصلَّى الظهرَ رسولُ الله ﷺ إلى شجرةٍ، من حديث شعبةَ أيضًا، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن عليٍّ (٣). وأخبَرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ العَبديُّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن

стр. 1589

موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ بن عُبيدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا جعَلتَ بينَ يديكَ مثلَ مُؤخِرَةِ الرَّحْل (١)، فلا يَضُرُّكَ مَن مرَّ بينَ يدَيْك". وحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا العبّاسُ بن محمدٍ الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يزيدَ المُقرئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْحٍ، عن أبي الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت: سُئِل رسولُ الله ﷺ في غزوةِ تبُوكَ عن سُترةِ المُصلِّي؟ فقال: "مثلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل". وأمَر رسولُ الله ﷺ بالدُّنُوِّ من السُّترة. رواه سهلُ بن أبي حَثْمةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم إلى سُترةٍ فلْيَدْنُ منها، لا يقْطَعُ الشيطانُ عليه صلاتَه". وهو حديثٌ مختلَفٌ في إسنادِه، ولكنَّه حديثٌ حسنٌ، ذكره النسائيُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما (٣).

стр. 1590

ومقدارُ الدُّنُوِّ من السُّترةِ موجودٌ في حديث مالكٍ (١)، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن بلالٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ حين (٢) صلَّى في الكعبةِ جعَل عَمُودًا عن يسارِه، وعَمُودَيْن عن يَمِينِه، وثلاثةَ أعْمدةٍ وراءَه، وكان البيتُ يومَئذٍ على ستَّةِ أعمدةٍ، وجعَل بينَه وبينَ الجدارِ نحوَ ثلاثةِ أذْرُع. هكذا رواه ابنُ القاسم وجماعةٌ عن مالك (٣). وقد ذكَرنا ذلك في باب نافعٍ، وإليه ذهَب الشافعيُّ وأحمدُ، وهو قولُ عطاءٍ. قال عطاءٌ: أقلُّ ما يكْفيكَ ثلاثةُ أذرُع (٤). والشافعيُّ، وأحمدُ، يستَحِبّان ثلاثةَ أذْرُع ولا يُوجبانِ ذلك. ولم يَحُدَّ مالكٌ فيه حدًّا (٥). وكان عبدُ الله بن مغفَّلٍ يَجعلُ بينَه وبينَ السُّترة ستَّةَ أذْرُع (٦). وقال عكرمةُ: إذا كان بينَك وبينَ الذي يَقطعُ الصلاةَ قَذْفةُ حَجَرٍ لم يَقْطع الصلاةَ (٧). وروى سهلُ بن سعدٍ السَّاعديُّ، قال: كان بين مُقام النبيِّ ﷺ وبينَ القبلةِ مَمَرُّ عَنْزٍ:

стр. 1591

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا القَعْنَبيُّ والنُّفيليُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ العزيز بن أبي حازم، قال: حدَّثني أبي، عن سَهْل بن سعدٍ، قال: كان بينَ مُقام النبيِّ ﷺ وبينَ القبلةِ مَمرُّ عَنْزٍ. قال أبو عُمر: حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن بلالٍ: أنّ رسولَ الله ﷺ جعَل بينَه وبينَ الجدار في الكعبةِ ثلاثةَ أذْرُعٍ، أصحُّ من حديث سهلِ بن سعدٍ من جهةِ الإسناد، وكلاهما حسنٌ. وأمّا استقبالُ السُّترة والصَّمْدُ إليها (٢)، فلا تحديدَ في ذلك عندَ العلماء، وحَسْبُ المُصلِّي أنْ تكونَ سُتْرَتُه قُبالةَ وجهِه. وقد رَوَينا عن المقدادِ بن الأسود، قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى إلى عُودٍ، ولا عمودٍ، ولا شجررة، إلّا جعَله على حاجبِه الأيمَنِ، أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا. أخرجه أبو داود (٣). فهذا ما جاء من الآثار التي عوَّل (٤) العلماءُ عليها، ولا أعلَمُ اختلافَهم في العمل بها، ولا أنكَر أحدٌ منهم شيئًا منها، وإنْ كان بعضُهم قد استَحسن شيئًا، واسْتَحسن غيرُه ما يَقْرُبُ منه، وهذا كلُّه بحمدِ الله سواءٌ، أو قريبٌ من السَّواءِ إن شاء الله.

стр. 1592

وأمّا صفةُ السُّتْرةِ، وقدرُها في ارتفاعِها وغِلَظِها، فقد اختَلَف العلماءُ في ذلك؛ فقال مالكٌ: أقلُّ ما يُجْزِئُ في السُّترةِ غلظُ الرُّمْحِ، وكذلك السَّوْطُ والعَصا، وارتفاعُها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراع، هذا أقلُّ ما يُجزئُ عنده (١). وهو قولُ الشافعيِّ في ذلك كلِّه (٢). وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: أقلُّ السُّترة قَدْرُ مُؤخِرَةِ الرَّحل، ويكونُ ارتفاعُها على ظَهْرِ الأرضِ ذراعًا (٣). وهو قولُ عطاءٍ (٤). وقال قتادةُ: ذِراعٌ وشبرٌ (٥). وقال الأوزاعيُّ: قَدرُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ. ولم يَحُدَّ ذِراعًا، ولا عَظْمَ ذراع، ولا غيرَ ذلك، وقال: يُجْزِئُ السَّهْمُ، والسَّوْطُ، والسَّيفُ. يعني في الغِلَظ (٦). واختلَفوا فيما يُعْرَضُ ولا يُنْصبُ، وفي الخطِّ، فكُلُّ من ذكَرنا قولَه أنّه لا يُجْزِئُ عندَه أقلُّ من عَظْمِ الذِّراع، أو أقلُّ من ذراع، لا يُجيزُ الخَطَّ، ولا أنْ يَعْرِضَ العَصا والعُودَ في الأرضِ فيُصَلِّيَ إليهما، وهم: مالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ

стр. 1593

وأصحابُه، كلُّهم يقولُ: الخطُّ ليسَ بشيءٍ، وهو باطلٌ. ولا يَجوزُ عند واحدٍ منهم إلّا ما ذكَرنا (١). وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ (٢). وقال أحمدُ بن حنبلٍ، وأبو ثورٍ: إذا لم يَجعَلْ تلقاءَ وجهِه شيئًا، ولم يجدْ عصًا يَنصِبُها، فلْيَخُطَّ خطًّا. وكذلك قال الشافعيُّ بالعراق. وقال الأوزاعيُّ: إذا لم يَنْتَصِبْ له عرَضَه بينَ يدَيْه، وصلَّى إليه، فإنْ لم يَجِدْ خَطَّ خطًّا. وهو قولُ سعيدِ بين جبيرٍ (٣). قال الأوزاعيُّ: والسَّوْطُ يَعْرِضُه أحبُّ إليَّ من الخَطِّ. وقال الشافعيُّ بمصرَ: لا يَخُطُّ الرجلُ (٤) بينَ يَديْهِ خطًّا، إلّا أنْ يكونَ في ذلك حديثٍ ثابتٍ فيُتَّبَع (٥). قال أبو عُمر: احتجَّ من ذهَب إلى الخطِّ بما أخبَرناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بن الأشعث، قال (٦): حدَّثنا مُسدَّدٌ،

стр. 1594

قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفضَّل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أُميَّة، قال: حدَّثني أبو عَمْرِو بن محمدِ بن حُرَيثٍ، أنّه سمِع جدَّه حُريثًا، يُحَدِّثُ عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكم فلْيجْعَلْ تِلقاءَ وجهِه شيئًا، فإنْ لم يَجِدْ، فليَنصِبْ عَصاه، فإنْ لم يكنْ معه عصًا، فليَخُطَّ خطًّا، ولا يضُرُّه مَن مرَّ بينَ يَدَيْه". وهذا الحديثُ عند أحمدَ بن حنبلٍ (١) ومن قال بقوله حديث صحيح، وإليه ذهَبوا، ورأيتُ أنَّ عليَّ بن المدينيِّ كان يُصَحِّحُ هذا الحديثَ ويَحتجُّ به. وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٢) إذْ ذكَر هذا الحديثَ: أبو عَمْرو بن محمدِ بن حُريثٍ هذا مجهولٌ، وجدُّه أيضًا مجهولٌ، ليس لهما ذكرٌ في غير هذا الحديث، ولا يُحتجُّ بمثلِ هذا من الحديث. واختلف القائلون بالخطِّ في هيئةِ الخَطِّ؛ فقالت منهم طائفةٌ: يكونُ عَرْضًا. منهم الأوزاعيُّ. وقالت طائفةٌ: يكونُ طُولًا كالعَصا يُقيمُها، منهم عبدُ الله بن داودَ الخُرَيبيُّ (٣). وقالت طائفةٌ: يكونُ كالهلالِ والمِحْراب، منهم أحمدُ بن حنبلٍ (٤).

стр. 1595

حديث ثامن عَشَر لزيد بن أسلم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "الخيلُ ثلاثة (٢): لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمّا الذي هي له أجْرٌ، فرجلٌ رَبَطها في سبيل الله فأطال لها في مَرْجٍ أو روضةٍ، فما أصابَتْ في طيَلِها ذلك من المَرْجِ أو الرَّوضةِ كانت له حَسَناتٌ، ولو أنّها قَطَعَتْ طِيَلَها ذلك فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفين، كانت آثارُها وأرواثُها حسناتٍ له، ولو أنّها مرّتْ بنَهَرٍ فشرِبَتْ منه ولم يُرِدْ أن يَسْقيَ به، كان ذلك له حسناتٍ، فهي لذلك أجرٌ. ورجلٌ ربَطها تَغَنِّيًا وتَعفُّفًا، ولم يَنْسَ حَقَّ الله في رقابِها ولا ظُهورِها، فهي لذلك سترٌ. ورجلٌ ربَطها فَخْرًا ورياءً ونِواءً لأهلِ الإسلام، فهي على ذلك وِزْرٌ". وسُئِلَ عن الحُمُرِ فقال: "لم يُنْزَل عليَّ فيها شيءٌ إلّا هذه الآيةُ الجامعةُ الفاذّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ " [الزلزلة]. أبو صالح السَّمَّانُ اسْمُه ذَكْوانُ، وهو والدُ سُهيلِ بن أبي صالح، مدنيٌّ، نزَل الكوفةَ، ثقةٌ مأمونٌ على ما روَى وحَمَل من أثرٍ في الدِّين، من خيارِ التابعين، وهو مولًى لجُويريةَ، امرأةٍ من غَطَفان، روَى عنه من أهل المدينة سُمَيٌّ، وزيدُ بن أسلمَ، والقعقاعُ بن حكيمٍ، وعبدُ الله بن دينارٍ، وابنُه سُهيلٌ، وروَى عنه من أهل الكوفة: الأعمشُ، والحكمُ بن عُتَيبةَ، وعاصمُ بن أبي النَّجُودِ، وتُوُفِّي أبو صالحٍ

стр. 1596

السَّمَّانُ بالمدينة سنةَ إحدَى ومئةٍ، وكان أبو هريرةَ إذا نظَر إلى أبي صالحٍ هذا قال: ما على هذا ألّا يكونَ من بني عبدِ منافٍ (١). وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الأعيانَ لا يُؤْجَرُ المرءُ في اكتِسابها، إنّما يُؤْجَرُ في استعمالِ ما ورَد الشرعُ بعملِه مع النِّيّة التي تَزْكُو بها الأعمالُ، إذا نوَى بها صاحبُها وجهَ الله والدارَ الآخرةَ وما يُقَرِّبُه من ربِّه، إذا كان ذلك على سنَّةٍ، إلّا ترَى أنّ الخَيْلَ أجر لمن اكتَسَبها، ووِزْرٌ على مَن اكتَسَبها، على ما جاء به الحديثُ، وهي جِنْسٌ واحدٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]، وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧، الملك: ٢]، وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. وفيه أن الحَسَناتِ تُكتَبُ للمَرْءِ إذا كان له فيها سَبَبٌ، وإنْ لم يَقْصدْ قَصْدَها، تفَضُّلًا من الله تعالى على عبادِه المؤمنين، ورحمةً منه بهم، وليس هذا حكمَ اكتساب (٢) السَّيِّئاتِ إن شاء اللهُ؛ يدُلُّك على ذلك أنّه لم يَذْكُرْ في هذا الحديثِ حرَكاتِ الخَيْل وتَقَلُّبَها في سيئاتِ المُفْتَخِر بها، كما ذكَر ذلك في حَسَنات المُحتسِب (٣) المريد بها البِرَّ، ألا ترى أنّها لو قطَعَتْ حَبْلَها نهارًا فأفسَدَتْ زرعًا، أو رَمَحَتْ فقتَلتْ أو جَنَتْ، أنّ صاحبَها بَريءٌ من الضَّمانِ عندَ جميع أهل العلم. ويُبيِّنُ ذلك أيضًا قولُه في هذا الحديث: "ولو أنّها مرّتْ بنهَرٍ فشرِبَتْ منه ولم يُرِدْ أنْ يَسْقِيَها، كان ذلك له حسناتٍ". وفي هذا دليلٌ على أنّ المُسلمَ إذا صنَع شيئًا

стр. 1597

يُريدُ به اللهُ ، فكلُّ ما كان بسببٍ منه وإليه كان له حُكمُه في الأجرِ، واللهُ أعلم. ومن هذا الباب قولُه ﷺ : "من كان مُنتظِرًا الصلاةَ فهو في صلاةٍ" (١)، وقال ﷺ : "انتظارُ الصلاة بعدَ الصلاةِ، فذلكم الرِّباطُ" (٢)؛ لأن انتظارَ الصلاةِ سببُ شُهودِها، وكذلك انتظارُ العدُوِّ في الموضع المَخُوف، فيه إرصادٌ للعدُوِّ، وقُوَّةٌ لأهلِ الموضع، وعُدَّةٌ للقاءِ العدُوِّ، وسبَبٌ لذلك كلِّه. ومنه قولُ معاذِ بن جبل: وأحتسِبُ في نَوْمَتي مثلَ ما أحتَسِبُ في قومَتي (٣)؛ وكان ينامُ بعضَ الليل ويقومُ بعضَه، وبالنوم كان يقوَى على القيام، وكذلك يقوَى برَعْي الخَيْل وأكْلِها وشُربِها على ملاقاةِ العدُوِّ إذا احتيجَ إليها، وهذا كلُّه تَعظيمُ فضلِ (٤) الرِّباط؛

стр. 1598

لأنّه جُلوسٌ وانتظارٌ واستعدادٌ للعدُوِّ، مع ما فيه من الخوفِ والرَّوْعات أحيانًا. وقد يُكتبُ للرجل عملُه الذي كان يَعمَلُه إذا حبَسه عنه عذرٌ من مرضٍ أو غيرِه، وفي ذلك المعنى شعبةٌ من هذا المبنى (١). وقد أتَيْنا بما رُوِيَ فيه من الآثارِ في بابِ محمدِ بن المنكَدرِ، والحمدُ لله. وروَى يحيى بن سلام، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: مَنِ ارتبَطَ فرسًا في سبيل الله كان بولُه ورَوْثُه في أجرِه (٢). وروَى صالحُ بن يحيى بن المِقْدام بن مَعْدي كَرِبَ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من ارتبَط فَرسًا في سبيلِ الله كان عَلفُه وشُربُه وبولُه ورَوْثُه في ميزانِه يومَ القيامة" (٣). وأمّا قولُه: "ربَطها في سبيل الله" فإنّه يعني: ارْتَبَطَها، من الرِّباط، قال الخليل (٤): الرِّباطُ ملازمةُ الثُّغُورِ ومواظبةُ الصلاةِ أيضًا. قال: والرِّباطُ الشيءُ الذي يُرْبَطُ به ويَرْبُطُ أيضًا. وقال أبو حاتم، عن أبي زيدٍ: الرِّباطُ من الخيل: الخمسُ فما فوقَها، وجماعةٌ

стр. 1599

رُبُطٌ، وهي التي تَرتبِطُ، يقال منه: رَبَط يَربِطُ رَبْطًا، وارتبَط يَرتَبِطُ ارتباطًا، ومَربِطُ الخيلِ، ومَرابطُ الخيل. قال الشاعر (١): أمَر الإلهُ برَبْطِها لعدُوِّه ... في الحربِ إنّ اللهَ خيرُ مُوفِّقِ وقالت ليلى الأخْيليّةُ (٢): لا تَقْرَبَنَّ الدهرَ آلَ مُحرِّقٍ ... إنْ ظالمًا أبدًا وإنْ مظلُومَا قومٌ رباطُ الخيلِ حولَ بيُوتِهم ... وأسِنَّةٌ زرقٌ تُخَلْنَ نُجومَا (٣) ويُنشَدُ لابن عباسٍ من قوله: أحِبُّوا الخيلَ واصْطَبِروا عليها ... فإنّ العِزَّ فيها والجَمالا إذا ما الخيلُ ضيَّعَها أُناسٌ ... ربَطْناها فشاركَتِ العِيَالا نُقاسِمُها المعيشةَ كلَّ يومٍ ... ونَكْسُوها البَراقِعَ والجِلالا (٤)

стр. 1600

وقال مكحولُ بن عبد الله (١): تَلُومُ على ربطِ الجِيادِ وحَبْسِها ... وأوصَى بها اللهُ النبيَّ محمَّدا وقال الأخطل (٢): ما زالَ فينا رباطُ الخيلِ نعْرِفُه ... وفي كُليبٍ رباطُ اللُّؤمِ والعارِ وأمّا قولُه ﷺ : "فما أصابَتْ في طِيَلها"، فالطِّيَلُ: الحَبْلُ يُطَوَّلُ فيه للدَّابَّة، وهو مكسورُ الأوَّلِ، وقلَّما يأتي في الأفعال، وأمّا الأسماءُ فكثيرٌ، مثلُ قِمَعٍ، وضِلَعٍ، ويطَعٍ، وعِنَبٍ، وشِبَعٍ، وسِرَرِ الصَّبِيِّ (٣)، وطِيَلِ الدابّةِ. قال القُطاميُّ، واسمُه عُميرُ بن شُيَيم التَّغْلبيُّ (٤): إنّا مُحَيُّوك فاسلَمْ أيُّها الطَّلَلُ ... وإنْ بَلِيتَ وإن طالَتْ بك الطِّيَلُ وفيه لغةٌ أخرى: طِوَلٌ (٥)، يقالُ: طال طِوَلُكَ. و: طال طِيَلُكَ. جميعًا مكسورةَ الأولِ مفتوحةَ الثاني، قال طَرفة (٦):

стр. 1601

لَعَمْرُكَ إنّ الموتَ ما أخطَأ الفَتَى ... لَكالطِّوَلِ المُرْخَى وثنْياه باليَدِ ولا يقالُ في الخيلِ إلّا بكسرِ الأوّلِ وفتحِ الثاني، يقالُ: أرْخِ للفَرَسِ من طِوَلِه (١)، ومن طِيَلِه. وأمّا طوالُ الدَّهرِ وما كان مثلَه، فيُقالُ بالضَّمِّ والفتحِ، وكذلك الطّولُ والطَّوالُ من الطُّول. وأمّا قولُه: "من المَرْجِ أو الروضة". فقيلَ: المَرْجُ موضِعُ الكلأ، وأكثرُ ما يكونُ ذلك في المُطْمَئِنِّ من الأرض. والرَّوضةُ: الموضعُ المرتَفِعُ من الأرض. وأما قولُه: "فاسْتَنَّتْ شرَفًا أو شرَفَيْن" فإنّ الاسْتِنانَ أنْ تَلِجَّ في عَدْوِها؛ في إقبالِها وإدْبارِها، يقالُ: جاءتِ الإبلُ سَنَنًا؛ أي: تَسْتَنُّ في عَدوِها وتُسْرِعُ، أنشَد يعقوبُ بن السِّكِّيتِ لأبي قلابةَ الهُذَليِّ (٢): ومنّا عُصبةٌ أُخرَى سراعٌ ... زَفَتْها الرِّيحُ كالسَّنَنِ الطِّرابِ أي: كابلٍ تَسْتَنُّ في عَدْوِها. قال: وزَفَتْها: اسْتَخَفَّتْها. قال: والطِّرابُ التي قد طَرِبتْ إلى أولادِها. وقال عَدِيُّ بنُ زيدٍ: * فَارِهَ البالِ لَجُوجًا في السَّنَنْ (٣) * فَارِ البال، أي: ناعمُ البالِ.

стр. 1602

وقال عوفُ بن الخَرع (١): بَثَّوا المغيرةَ في السَّوادِ كأنّها ... سَنَنٌ تحيَّر حولَ حَوضِ المُبكِرِ قال يعقوبُ: يقولُ: فرَّقوا الخيلَ، فكأنّها إبلٌ جاءَتْ سَنَنًا، ثم تفَرَّقَتْ حولَ حَوْض المُبكِرِ، والمبْكِرُ: الذي يَسْقِي إبِلَه بُكرَةً، يقالُ: أبكَر الرجلُ، وبكَّر وابْتَكر. ومن هذا أيضًا حديثُ عُبيدِ بن عُميرٍ قال: إنّ في الجنّةِ لشجرةً لها ضُروعٌ كضروعِ البَقَر، يُغَذَّى بها ولدانُ الجنَّةِ، حتى إنّهم ليَسْتَنُّون كاسْتِنانِ البِكارةِ (٢). والبِكارةُ: صِغارُ الإبل. ومن هذا أيضا قولُهم في المثلِ السائرِ: اسْتَنَّتِ الفِصالُ حتى القرْعَى (٣). يُضْرَبُ هذا المثلُ للرجلِ الضعيفِ يرَى الجُلَداءَ يفعَلون شيئًا فيَفعلُ مثلَه. فكأنه قال: ولو قطَعَتْ حَبلَها الذي رُبِطَتْ به، فجعَلَتْ تَجري وتعدُو من شَرَفٍ إلى شَرَفٍ - يريدُ من كُدْيَةٍ إلى كُدْيَةٍ (٤) - كان ذلك كلُّه حسناتٍ لصاحبِها؛ لأنّه أراد باتِّخاذِها وجهَ الله. وأما قولُه: "شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ" فالشَّرَفُ: ما ارتفَع من الأرض. وأما قولُه: "تَغَنِّيًا وتَعفُّفًا"، فإنّه أراد استغناءً عن الناس وتعفُّفًا عن السُّؤال،

стр. 1603

يقالُ منه: تغَنَّيْتُ بما رزَقَني اللهُ تَغَنِّيًا، وتَغَانَيْتُ تَغانِيًا، واسْتَغْنَيْتُ استِغناءً. كلُّ ذلك قد قالَتْه العربُ في ذلك، قال الشاعر: كلانا غَنِيٌّ عن أخيه حَياتَه ... ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تَغانِيا (١) وقال الأعشى (٢): وكنتُ امْرَأً زمَنًا بالعراقْ ... عفيفَ المناخ طويلَ التَّغَنْ وعلى هذا المعنى كان ابنُ عُيينةَ ﵀ يُفسر قولَ رسولِ الله ﷺ : "ليس منّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" (٣)، يقولُ: يَسْتَغْني به (٤). وأمّا قولُه ﷺ : "ولم يَنسَ حقَّ الله في رقابِها"، فللعلماءِ في ذلك ثلاثةُ أقوالٍ: قال منهم قائلون: معناه حُسنُ مِلْكَتها، وتَعَهُّدُ شِبَعِها، والإحسانُ إليها، ورُكوبُها غيرَ مَشْقوقٍ عليها، كما جاء في الحديث: "لا تتَّخِذوا ظُهُورَها كراسيَّ" (٥).

стр. 1604

وخصَّ رِقابَها بالذِّكر؛ لأنّ الرِّقابَ والأعناقَ تُستَعارُ كثيرًا في موضع الحقوق اللّازمة والفُروض الواجبة، ومنه قولُه : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] المجادلة: ٣]، وقول رسول الله ﷺ : "مَن فارَق الجماعةَ فقد خلَع رِبْقةَ الإسلام من عُنُقه" (١). وكثُر عندهم استعمالُ ذلك واستعارَتُه، حتى جعَلوه في الرِّباع والأموال، إلا ترى إلى قولِ كُثَيِّرٍ (٢): غَمْرُ الرِّداءِ (٣) إذا تبَسَّم ضاحكًا ... غَلِقَتْ لضحْكَتِه رِقابُ المالِ قال أبو عُمر: ومن ذهَب في تأويل قوله ﷺ : "ولم يَنْسَ حقَّ الله في رقابِها" إلى حُسْنِ التَّملُّكِ والتَّعَهُّدِ بالإحسانِ، فهو، واللهُ أعلمُ، مذهبُ من قال: إنّ المالَ ليس فيه حقٌّ واجبٌ سوَى الزكاة، ولم يرَ في الخيل زكاةً، وهو قولُ جمهورِ العلماء.

стр. 1605

حدَّثنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونسَ، قال: حدَّثنا بَقيّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بن إسحاقَ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبَة، قال (١): حدَّثنا أبو الأحوَص، عن أبي إسحاقَ، عن عِكْرمة، عن ابن عباسٍ، قال: من أدَّى زكاةَ مالِه فلا جُناحَ عليه ألّا يَتَصَدَّقَ. وعلى هذا مذهبُ أكثر الفقهاء، أنّه ليس في الأموالِ حقٌّ واجبٌ غيرَ الزكاة. ومن حُجَّتِهم ما ذكَره ابنُ وَهْبٍ، عن عَمْرو بن الحارث، عن درَّاج أبي السَّمْح، عن ابن حُجَيْرَةَ الخَوْلانيِّ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا أدَّيْتَ زكاةَ مالِكَ فقد قَضَيْتَ ما عليك" (٢). وقال آخرون: معنى قولِه ذلك: إطراقُ فَحْلِها، وإفقارُ ظَهْرِها (٣)، وحَملٌ عليها في سبيلِ الله. وإلى هذا ونحوِه ذهَب ابنُ نافعٍ فيما أظُنُّ، لأنّ يحيى بن يحيى، قال: سألتُ عبدَ الله بن نافع عن حقِّ الله في رقابِها وظُهورِها، فقال: يُريدُ

стр. 1606

ألّا ينسَى أنْ يتَصَدَّقَ لله ببعض ما يَكتَسِبُ عليها. وهذا مذهبُ من قال: في المال حُقُوق سوَى الزكاة. وممَّن قال ذلك: مجاهدٌ، والشعبيُّ، والحسنُ. ذكَر إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا أبو بكر (١)، قال: حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ وابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]. قال: سوَى الزكاةِ. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ (٢) وعليٌّ، قالا: حدَّثنا ابنُ فُضيلٍ، عن بيانٍ، عن عامر قال: في المال حقٌّ سوَى الزكاة. وزادَ فيه إسماعيلُ بن سالم، عن الشعبيِّ قال: تَصِلُ القَرابَة، وتُعطي المساكين. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣): حدَّثنا ابنُ عُلَيّة، عن أبي حيَان، قال: حدَّثنا مُزاحِمُ بن زُفَر قال: كنتُ جالسًا عندَ عطاءٍ فأتاه أعرابيٌّ فسألَه: إنّ لي إبلًا، فهل عليَّ فيها حقٌّ بعدَ الصَّدقة؟ قال: نعم. قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الأعلى (٥)، عن هشامٍ (٦)، عن الحسن قال: في المال حقٌّ سوى الزكاةِ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن زيدٍ القاضي بمصرَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن رَوْحٍ أبو يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن قريبٍ الأصمعيُّ، قال: حدَّثنا المباركُ بن فَضالةَ،

стр. 1607

قال: سمِعْتُ الحسنَ يُحَدِّثُ، عن قيس بن عاصم المنْقريِّ، وكان ممّن نزَل البصرةَ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، أنّه لما قدِم على رسولِ الله ﷺ فرآه قال: "هذا سيِّدُ أهلِ الوَبَر". قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما خيرُ المال؟ قال: "نعمَ المالُ الأربعون، والأكثرُ الستُّون، وويلٌ لأصحاب المِئينَ، ويلٌ لأصحابِ المِئينَ، إلّا من أدَّى حقَّ الله في رَسْلِها ونَجْدَتِها (١)، وأفقَرَ ظَهْرَها، وأطْرَقَ فَحْلَها، ومنَح غزِيرَتها (٢)، ونحَر سَمِينَها، فأطعَم القانعَ والمعْتَرَّ". وذكَر تمامَ الحديث (٣). فقد جعَل رسولُ الله ﷺ في الماشيةِ حقًّا سوى الزكاةِ، وهذا بَيِّنٌ في حديثِ جابرٍ أيضًا. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ، حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ (٤)، قال: حدَّثنا يَعْلَى بن عُبَيدٍ، عن عبد الملكِ بن أبي سليمان، عن أبي الزُبير، عن جابرٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم، لا يُؤدِّي حَقَّها، إلّا أُقْعِدَ لها يومَ القيامة بقَاع قَرْقَرٍ، تَطَؤُه ذاتُ الظِّلْفِ بظِلْفِها، وتَنْطَحُه ذاتُ القَرْنِ بقَرْنِها، ليس فيها يومئذٍ جَمَّاءُ، ولا مكسورةُ القَرْنِ".

стр. 1608

قالوا: يا رسولَ الله، وما حقُّها؟ قال: "إطراقُ فَحْلِها، وإعارةُ دَلْوِها، ومَنْحُها، وحَلْبُها على الماء، وحمل عليها في سبيلِ الله". وقال آخرون: أراد بقوله: "ولم ينسَ حقَّ الله في رقابِها ولا ظُهورِها": الزكاةَ الواجبةَ فيها. ولا أعلمُ أحدًا من فقهاءِ الأمصارِ أوجَب الزكاةَ في الخيل إلّا أبا حنيفةَ وشيخَه حَمّادَ بن أبي سُليمانَ. وخالَف أبا حنيفةَ في ذلك صاحِباه أبو يوسفَ ومحمدٌ، وسائرُ فقهاءِ الأمصار. فأمّا أبو حنيفةَ فكان يقولُ: إذا كانت الخيلُ سائمةً، ذُكورًا وإناثًا يَطْلُبُ نَسْلَها، فالزكاةُ فيها عن كلِّ فرسٍ دينارٌ. قال: وإن شاءَ قوَّمَها، وأعطَى عن كلِّ مِئتَي درهم خمسةَ دَراهم (١). قال أبو عُمر: هذا يدُلُّ على ضعفِ قولِه؛ لأنّ المواشيَ التي تَجِبُ فيها الزكاةُ لا يجوزُ تَقْويمُها عندَ أحدٍ من أهل العلم. وحُجَّةُ من لم يُوجبِ الزكاةَ في الخيلِ قولُه ﷺ : "ليس على المسلم في عَبدِه ولا في فَرسِهِ صدقةٌ". وسيأتي هذا الحديثُ في مَوضِعِه من كتابنا (٢) هذا إن شاء الله. وروى عليٌّ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "عَفَوْتُ لكم عن صَدَقةِ الخَيْلِ والرَّقيق" (٣). وقال الثوريُّ، عن عبدِ الله بن حسنٍ: نهَى رسولُ الله ﷺ أن يُؤْخَذَ من الخيلِ شيءٌ (٤). ولم يَبْلُغْنا أنّ أحدًا من الخلفاءِ الراشدين أخَذ من الخَيْل صدقةً، إلّا (٥)

стр. 1609

خبرٌ رُوِيَ عن عُمرَ بن الخطابِ فيه اضطرابٌ، وعن عثمانَ فيه خَبَرٌ مُنقطِعٌ. ورُوِيَ عن عليٍّ وابن عمرَ أنْ لا صدقةَ في الخيل. وبذلك قال علماءُ التابعين، وفقهاءُ المسلمينَ، إلّا ما ذكَرنا من قول أبي حنيفةَ، وهو قولٌ ضعيفٌ. فأمّا الذي رُوِي عن عُمرَ وعثمانَ؛ فروَى عبدُ الرزاق (١)، عن ابن جُريج، قال: أخبَرني عَمرُو بن دينارٍ (٢)، أنّ حُيَيَّ بن يعلى أخبَره، أنّه سمِع يَعلَى بن أميّةَ يقول: ابتاعَ عبدُ الرحمن بن أُميّةَ أخو يَعلَى بن أُميّةَ من رجلٍ من أهلِ اليمنِ فَرَسًا أُنثى بمئة قَلُوصٍ، فنَدِم البائعُ، فلحِق بعمرَ، فقال: غصَبَني يَعلَى وأخوه فرسًا لي. فكتب إلى يَعلَى أنِ ألْحَقْ بي. فأتاه، فأخبَره الخبرَ، فقال عمرُ بن الخطاب: إنّ الخيلَ لتَبْلُغُ هذا عندَكم؟ فقال: ما عَلِمْتُ فرسًا قبلَ هذا بلَغ هذا. فقال عمرُ: فنأخُذُ من أربعينَ شاةً شاةً ولا نأخُذُ من الخيل شيئًا! خُذْ من كلِّ فرسٍ دينارًا. قال: فضرَب على الخيل دينارًا دينارًا.

стр. 1610

وعن ابن جُرَيْج (١)، قال: أخبرني ابنُ أبي حُسين، أنّ ابنَ شهابٍ أخبَره، أنّ عثمانَ كان يُصَدِّقُ الخيلَ، وأنّ السائبَ بن يزيدَ أخبَره أنّه كان يأتي عمرَ بن الخطاب بصَدقةِ الخيل. قال ابنُ أبي حسين: قال ابنُ شهابٍ: لم أعْلَمْ أنّ رسولَ الله ﷺ سَنَّ صدقةَ الخيل. وقد ذكَر معمرٌ (٢)، عن أبي إسحاقَ وغيرِه كلامًا معناه: عن عُمرَ، أنّ أهلَ الشام ألحُّوا عليه في أخذِ الصدقةِ من خَيْلهم وعَبيدِهم، فكان يأخُذُها منهم، وكان يَرْزُقُهم مثل ذلك من الأجربة (٣). قال: فلمّا كان معاويةُ حسَب ذلك، فإذا الذي كان يُعطِيهم أكثرُ من الذي كان يأخُذُ منهم فتَرَك ذلك ولم يأخُذْ منهم شيئًا ولم يُعطِهم شيئًا. قال أبو عُمر: الخبرُ في صدقةِ الخيل عن عُمرَ غيرُ (٤) صحيحٍ من حديثِ الزهريِّ، وقد رُوِي من حديثِ مالكٍ أيضًا. حدَّثني محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا معاذُ بن المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، أنّ السائبَ بن يزيدَ أخبَره قال:

стр. 1611

لقد رأيتُ أبي يُقَيِّمُ الخيلَ، ثم يَدْفَعُ صدقتَها إلى عمرَ ﵁ (١). وهذا حُجَّةُ أبي حنيفةَ ومعنى قوله، واللهُ أعلمُ. تفَرَّدَ به جُوَيرِيةُ عن مالكٍ. وأمّا قولُه: "ورجلٌ ربَطها فَخْرًا ورياءً ونِواءً لأهل الإسلام" فالفخرُ والرِّياءُ معروفان، وأمّا النِّواءُ، فهو مصدرُ: ناوَأْتُ الرَّجل (٢) مُناوأةً وبواءً، وهي المُساماةُ (٣)، قال أهلُ اللغة: أصلُه من: ناءَ إليكَ ونُؤْتَ إليه، أي: نهَض إليكَ ونَهَضْتَ إليه، قال بشرُ بن أبي خازم (٤): بَلَّتْ قُتيبةُ في النِّواءِ بفارسٍ ... لا طائشٍ رَعِشٍ ولا وقَّافِ وقال أعشَى باهِلَة (٥): إمّا يُصِبْكَ عدوٌّ في مُناوَأةٍ ... يومًا فقد كنتَ تستَعْلي وتَنْتَصِرُ وقال أوسُ بن حُجرٍ (٦): إذا أنتَ ناوأتَ الرِّجالَ فلم تَنُؤْ ... بقَرْنَيْنِ عَزَّتْكَ القرونُ الكَواملُ

стр. 1612

إذا ما استوَى قَرْناكَ لم يَهْتَضِمْهُما ... عزيزٌ ولم يَأكُلْ ضعيفَكَ آكلُ ولا يَستَوي قرنُ النِّطاحِ الذي به ... تَنوءُ وقَرنٌ كلَّما قُمْتَ مائلُ وقال جرير (١): إني امرُؤٌ لم أُرِدْ فيمن أناوِئُه ... للناسِ ظُلْمًا ولا للحربِ إدْهَانا وأمّا قولُه: "الآيةُ الجامعةُ الفاذَّةُ"، فالفاذُّ: هو الشّاذُّ، والفاذَّةُ: الشَّاذَّةُ، قال ابنُ الأعرابيِّ: يقالُ: ما يَدَعُ في الحرب فلانٌ شاذًّا ولا فاذًّا؛ أي: أنّه شُجاعٌ لا يَلْقاه أحدٌ إلّا قتَله، ويقال: فاذَّةٌ وفَذَّةٌ، وفاذٌّ وفَذٌّ، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "صلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفَذِّ" (٢). قال أبو عُمر: يعني، والله أعلمُ، أنّها آيةٌ منفرِدةٌ في الخيرِ والشَّرِّ، ولا أعلم آيةً أعمُّ منها؛ لأنّها آيةٌ تَعُمُّ كلَّ خيرٍ وكلَّ شرٍّ. فأمّا الخيرُ، فلا خلافَ بين المسلمين أنّ المؤمِنَ يرَى في القيامةِ ما عَمِل من الخَيْر، ويُثابُ عليه. وأمّا الشَّرُّ، فللّه أن يَعفوَ، وله أن يُعاقِبَ، قال الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ولما نزَلتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بكى أبو بكرٍ، وقال: يا رسولَ الله، أكلُّ ما نعملُ نُجزَى به؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "يا أبا بكرٍ، ألستَ تَمرَضُ؟ ألستَ تَنْصَبُ؟ ألستَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ فذلك ما تُجزَوْن به في الدنيا" (٣).

стр. 1613

وقال ﷺ : "المرضُ كفَّارةٌ" (١). و"ما يُصيبُ المؤمنَ من مصيبةٍ إلّا كفِّر بها من خطاياه" (٢). وقولُه في الحُمُر في هذا الحديث مثلُ قوله ﷺ : "في كلِّ ذي كَبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ" (٣). وكان الحُمَيْديُّ ﵀ يقولُ: إن اتَّخَذْت حمارًا فانظُرْ كيف تتَّخِذُه، أما الخيلُ فقد جاء فيها ما جاء.

стр. 1614

وفي هذا الحديث، واللهُ أعلمُ، دليلٌ على أنّ كلامَه ذلك في الخيل كان بوحيٍ من الله؛ لأنّه قال في الحُمُرِ: "لم يُنْزَلُ عليَّ فيها شيءٌ إلّا الآيةُ الجامعةُ الفاذّةُ". فكأنّ قولَه في الخيلِ نزَل عليه، واللهُ أعلمُ، ألا ترَى إلى قولِه: "لقد عُوتِبْتُ الليلةَ في الخيلِ" (١). وهذا يَعضُدُ قولَ من قال: إنّه كان (٢) لا يتكلَّمُ في شيءٍ إلّا بوحي، وتَلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، واحتجَّ بقولِه: "أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (٣)، وبقولِ عبدِ الله بن عمرٍو: يا رسولَ الله، أكتُبُ كلَّ ما أسمَعُ منك؟ قال: "نعم". قال: في الرِّضا والغضب؟ قال: "نعم، فإنِّي لا أقولُ إلّا حقًّا" (٤).

стр. 1615

حديثٌ تاسع عَشَر لزَيْد بن أسْلَم مُسْنَد مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن رجلٍ من بني الدِّيل يقالُ له: بُسْرُ بن مِحْجَنٍ، عن أبيه مِحْجَنٍ، أنّه كان في مجلسٍ مع رسول الله ﷺ فأُذِّنَ بالصَّلاة، فقامَ رسولُ الله ﷺ ، فصلّى ثم رجَع، ومحْجَنٌ في مجلسِه (٢)، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ما منَعكَ أن تُصَلِّيَ مع الناس؟ ألستَ برجلٍ مُسلم؟ " قال: بلى يا رسولَ الله، ولكنِّي قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إذا جِئْتَ فصلِّ مع الناس، وإن كنتَ قد صلَّيْتَ". اختَلَف الناسُ عن زيدِ بن أسلَمَ في اسْم هذا الرجل؛ فقال مالكٌ وأكثرُ الرُّواة عن زيدٍ فيه: بُسْرُ بن مِحْجَنٍ - بالسِّين المُهملة - كذلك هو في "الموطَّأ" عندَ جمهورِ رواتِه (٣)، وقال فيه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهْرانيُّ (٤): عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن بِشْرِ بن مِحْجَنٍ. فقيلَ له في ذلك، فقال: كان مالكُ بن أنسٍ يَرْوِي هذا الحديثَ قديمًا عن زيدِ بن أسلمَ، فيقولُ فيه: بِشْر. فقيلَ له: هو بُسْرٌ، فقال: عن بُسْرٍ أو بِشْرٍ. وقال بعدَ ذلك: عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابنِ مِحْجَنٍ. ولم يقل: بُسْرٌ ولا بِشْرٌ. وقال فيه الثوريُّ (٥)، عن زيدِ بن أسلمَ: بشرٌ - بالشِّين المَنقوطةِ - وكان أبو نُعيم يقولُ بالسين كما قال مالكٌ ومن تابَعه.

стр. 1616

ورواه الدَّراوَردِيُّ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، فقال فيه: عن بشرٍ. بالمنقوطةِ كما قال الثَّوريُّ. ورواه ابنُ جُرَيج (٢)، عن زيدِ بن أسلمَ، فقال فيه: بُسْرٌ، كما قال مالكٌ. وروَى هذا الحديثَ أيضًا حَنْظلةُ بن عليٍّ الأسلميُّ (٣)، عن بِشْرِ بن مِحْجَنٍ، ولم يَذْكُرْ أباه. ورَواه عبدُ الله بن جعفرٍ بن نَجِيح (٤)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن بِشْرِ بن مِحْجَنٍ، عن أبيه - بالمنقوطة - كما قال الثَّوريُّ في رواية أصحابِ الثَّوريِّ عنه. وقد قيلَ فيه عن الثّوريِّ: بُسْرٌ أيضًا (٥).

стр. 1617

وحدَّثني أحمدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن سلامةَ الأزديُّ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ بن أبي داودَ البُرُلُّسيَّ (١) يقولُ: سمعتُ أحمدَ بن صالحٍ في المسجدِ الجامعِ بمصرَ يقولُ: سألتُ جماعةً من وَلَده ومن رَهْطِه فما اختلَف عليَّ منهم اثنان أنّه بِشْرٌ كما قال الثَّوريُّ (٢). قال أبو عُمر: في هذا الحديث وُجوهٌ من الفقه: أحدُها: قولُه ﷺ لمِحْجَنٍ الدِّيليِّ: "ما منعكَ أن تُصَلِّي مع النّاسِ؟ ألستَ برجلٍ مُسلم؟ "، وفي هذا، واللهُ أعلمُ، دليلٌ على أنّ من لا يُصلِّي ليس بمُسلم وإنْ كان مُوحِّدًا، وهذا موضعُ اختلافٍ بين أهل العلم، وتقريرُ هذا الخطاب في هذا الحديثِ أنّ أحدًا لا يكونُ مُسلمًا إلّا أنْ يُصلِّيَ، فمَن لم يُصَلِّ فليسَ بمُسلم. وفيه أنّ مَن أقرَّ بالصلاةِ وبعملِها وإقامَتِها أنّه يُوكَلُ إلى ذلك إذا قال: إنِّي أُصلِّي؛ لأنّ مِحْجَنًا قال لرسولِ الله ﷺ : قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقَبِل منه. ولا حُجَّة في هذا الحديث لمن قال: إنّ الإقرارَ بالصَّلاة دُونَ إقامتِها يَحْقِنُ الدَّمِ؛ لأنّه لم يقلْ: إنِّي مؤمنٌ بالصلاةِ مُقِرٌّ بها، غيرَ إنِّي لا أُصلِّي، بل قال لي: قد صَلَّيْتُ. والظاهرُ أنّه لم يُنْجِه إلّا قولُه لرسولِ الله ﷺ : قد صَلَّيْتُ في أهلي.

стр. 1618

واختلَف العلماءُ في حكم تاركِ الصَّلاةِ عامدًا وهو على فعلِها قادرٌ؛ فرُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وأبي الدَّرْداء، تَكفيرُ تاركِ الصَّلاةِ؛ قالوا: من لم يُصلِّ فهو كافرٌ (١). وعن عمرَ بن الخطّاب، أنّه قال: لا حظَّ في الإسلام لمن ترَك الصلاة (٢). وعن ابن مسعودٍ: مَن لم يُصلِّ فلا دِينَ له (٣). وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ، والحكمُ بن عُتيبةَ، وأيُّوبُ السَّخْتيانيُّ، وابنُ المباركِ، وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَة: من ترَك صلاةً واحدةً متَعَمِّدًا

стр. 1619

حتى يَخرجَ وقتُها لغيرِ عُذْرٍ، واصلى من قضائِها وأدائِها وقال: لا أُصلِّي، فهو كافرٌ، ودمُه ومالُه حلالُ، ولا يَرِثُه ورَثَتُه من المُسلمينَ، ويُسْتَتابُ فإنْ تاب، وإلّا قُتِل، وحكمُ مالِه ما وصَفنا كحُكم مالِ المُرتَدِّ (١). وبهذا قال أبو داودَ الطَّيالسيُّ، وأبو خَيثمةَ، وأبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢). وقال إسحاقُ بن راهُويةَ: وكذلك كان رأيُ أهل العلم من لَدُن النبيِّ ﷺ إلى زماننا هذا: أنّ تاركَ الصلاةِ عمدًا من غير عُذْرٍ حتى يَذهبَ وقتُها كافرٌ إذا أبَى من قَضائِها وقال: لا أُصَلِّيها. قال إسحاقُ: وذهابُ الوقتِ أن يُؤخِّرَ الظهرَ إلى غُروب الشَّمسِ، والمغربَ إلى طُلوع الفَجْر. قال: وقد أجمَع العلماءُ على أنّ من سبَّ الله ، أو سبَّ رسولَه ﷺ ، أو دفَع شيئًا أنزَله اللهُ، أو قتَل نبيًّا من أنبياءِ الله، وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أنزَل اللهُ - أنّه كافرٌ، فكذلكَ تاركُ الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها عامدًا. قال: ولقد أجمَعوا في الصلاةِ على شيءٍ لم يُجمِعوا عليه في سائرِ الشَّراع؛ لأنّهم بأجمَعِهم قالوا: مَن عُرِف بالكُفر ثم رَأوْه يُصلِّي الصلاةَ في وقتِها، حتى صلَّى صلواتٍ كثيرةً في وقتِها، ولم يَعلَموا منه إقرارًا باللِّسان، أنّه يُحْكَمُ له بالإيمان، ولم يَحْكُموا له في الصوم والزكاةِ والحجِّ بمثلِ ذلك. قال إسحاقُ: فمَن لم يَجعَلْ تاركَ الصلاةِ كافرًا فقد ناقَض وخالَف أصْلَه وقولَ غيرِه. قال: ولقد كفَر إبليسُ إذْ لم يَسجُد السجدةَ التي أُمِرَ بسُجودِها. قال: وكذلك تاركُ الصلاةِ عمدًا حتى يَذهبَ وقتُها كافرٌ إذا أبَى من قَضائِها (٣). وقال أحمدُ بن حنبل: لا يُكَفَّرُ أحدٌ بذنبٍ إلا تاركُ الصلاةِ عمدًا، ثم ذكَر اسْتِتابتَه وقتلَه (٤).

стр. 1620

وحُجَّةُ من قال بهذا القول ما رُوِيَ من الآثارِ عن النبيِّ ﷺ في تَكفير تاركِ الصلاةِ" منها حديثُ جابرٍ عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "ليسَ بينَ العبدِ وبينَ الكفرِ - أو قال: بينَ الشركِ - إلّا تركُ الصلاة" (١). وحديثُ بُريد عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "العهدُ الذي بَيْنَنا وبينَهم الصلاةُ، فمَن ترَكها فقد كَفَر" (٢). وقولُه ﷺ : "مَن ترَك صلاةَ العصرِ - يعني مُتعَمِّدًا - فقد حَبِط عملُه" (٣). هذا كلُّه ممّا احتجَّ به إسحاقُ بن راهُويَة في هذه المسألةِ لقوله المذكور، واحتجَّ أيضًا بأنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا غزَا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصْبحَ، فإذا أصبح كان إذا سمِع أذانًا أمسَك، وإذا لم يَسمعْ أذانًا أغارَ ووضَع السيفَ (٤).

стр. 1621

واحتجَّ أيضا بقول الله : ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وبقولِه : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، وبقوله : ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: ١٨]، وبقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وبآياتٍ نحو هذا كثيرةٍ وآثار. واحتجَّ غيرُه ممّن ذهَب مذهبَه في هذه المسألة بحديث أبي هريرة (١)، قال: "من ترَك الصلاةَ حُشِرَ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ" (٢)، وبحديثِ أنسٍ عن النبيِّ ﷺ : "من صَلَّى صلاتَنا واستقبَل قِبْلتنا فذلك المسلمُ" (٣). قالوا: هذا دليلٌ على أنّ من لم يُصلِّ صلاتَنا، ولم يَستقبِلْ قبلتَنا فليس بمسلم. وبما رواه شَهْرُ بن حَوْشَب، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرْداءِ، قال:

стр. 1622

أوصَاني خَليلي أبو القاسم ﷺ بسبعٍ: "لا تُشرِكْ بالله شيئًا وإنْ قُطِّعتَ وإن حُرِّقْتَ، ولا تَتْرُكْ صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا، فمن ترَكها فقد بَرِئَتْ منه الذِّمّةُ، ولا تَشْرَبِ الخمرَ؛ فإنّها مفتاحُ كلِّ شرٍّ، وأطِعْ والديكَ وإن أمَراكَ أنْ تَخْرُجَ لهما من دُنياكَ فافْعلْ، ولا تُنازع الأمرَ أهلَه وإنْ رأيتَ أنّك أنتَ، ولا تَفِرَّ من الزَّحفِ؛ فإنّ فيه الهلَكَةَ، وأنْفِقْ على أهلِكَ من طَوْلِكَ، وأخِفْهُمْ في الله، ولا تَرْفَعْ عَصاكَ عنهم" (١). وبما رُوِيَ عن الصحابةِ الذين قدَّمْنا الذكرَ عنهم بذلك. وجَدْتُ في كتاب أبي، ﵀، بخطِّه أنّ أحمدَ بن سعيد بن حَزْم حدّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن بدر الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو شُريح محمدُ بن زَكرِيا كاتِبُ العُمَريِّ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "بينَ العبدِ وبينَ الكفرِ تركُ الصلاةِ" (٢). ورواه ابنُ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه (٣).

стр. 1623

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن ربيعةَ، عن ابن جُرَيْج، فذكَره. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا الحسينُ بن حُرَيْثٍ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عبدِ الله بن بُريدةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ العهدَ الذي بينَنا وبينهم الصلاةُ، فمَن ترَكها، فقد كَفَر". وذكَر إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريعٍ، قال: حدَّثنا المسعوديُّ، قال: أنبأَني الحسنُ بن سعدٍ (٣)، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: قيل لعبد الله: إنّ الله يُكثرُ ذكرَ الصلاةِ في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]. فقال عبدُ الله: على مواقيتِها. فقال: ما كنّا نرَى إلّا أنْ تُتْرَكَ. فقال عبدُ الله: تَرْكُها الكفرُ (٤).

стр. 1624

وفي هذه المسألة قولٌ ثانٍ؛ قال الشافعيُّ: يقولُ الإمامُ لتاركِ الصلاة: صلِّ. فإنْ قال: لا أصلِّي. سُئِلَ؛ فإنْ ذكَر عِلَّةً بجسمِه (١) أُمِرَ بالصلاةِ على قدرِ طاقَتِه، فإنْ أبَى من الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها قتَله الإمامُ، وإنّما يُسْتَتابُ ما دام وقتُ الصلاةِ قائمًا، فيُستَتابُ في أدائِها وإقامَتِها، فإنْ أبَى قُتِلَ ووَرِثه وَرَثَتُه (٢). وهذا قولُ أصحابِ مالكٍ ومذهبُهم، وبعضُهم يروِيه عن مالك (٣). وروَى محمدُ بن عليٍّ البَجَليُّ (٤)، قال: حدَّثنا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: سمِعْتُ ابنَ وَهْبٍ يقولُ: قال مالكٌ: مَن آمَن بالله وصَدَّق المرسلينَ وأبَى أنْ يُصلِّي قُتِلَ (٥). وبه قال أبو ثورٍ وجميعُ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهو قولُ مكحولٍ، وحمادِ بن زيدٍ، ووكيع. ومن حجَّةِ مَن ذهَب هذا المذهبَ أنّ أبا بكرٍ الصديقَ استَحَلَّ دماءَ مانعِي الزّكاة، وقال: والله لأُقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاةِ والزَّكاةِ. فقاتلَهم على ذلك في جمهورِ الصحابةِ، وأراقَ دماءَهم لمَنْعِهم الزَّكاةَ وإباءَتِهم من أدائِها. فمَن امتنَع من الصلاةِ وأبَى من إقامَتِها كان أحرَى بذلك، ألا ترَى أنّ أبا بكرٍ شَبَّهَ الزَّكاةَ بالصلاةِ، ومعلومٌ أنّهم كانوا مُقِرِّين بالإسلام والشهادةِ، يُوَضِّحُ لكَ ذلك قولُ عمرَ لأبي بكرٍ: كيف تُقاتِلُهم وقد قال رسولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ

стр. 1625

الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلّا بحَقِّها، وحسابُهم على الله"؟ فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها، والله لو مَنَعُوني عَنَاقًا أو عِقالًا ممّا كانوا يُعْطُون رسولَ الله ﷺ لقاتَلْتُهم على ذلك (١). ولو كفَر القومُ، لقالَ أبو بكرٍ: قد ترَكوا لا إلهَ إلا اللهُ، وصارُوا مُشرِكين. وقد قالوا لأبي بكرٍ بعدَ الإسار: ما كفَرنا بعدَ إيمانِنا، ولكن شَحَحنا على أموالِنا. وذلك بَيِّنٌ في شِعْرِهم؛ قال شاعرُهم (٢): ألا فاصْبَحِينا قبلَ نائِرَةِ الفجرِ (٣) ... لعَلَّ مَنايانَا قريبٌ وما نَدْرِي أَطَعنا رسولَ الله ما كان بَيْنَنا ... فيا عجبًا ما بالُ مُلْكٍ أبي بكرِ فإنَّ الذي سأَلوكمُ فمَنَعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أو أشهَى إليهم من التَّمْرِ فرأى أبو بكرٍ في عامّة الصحابةِ ومعه عمرُ قتالهَم، وبعَث (٤) خالدَ بن الوليد وغيرَه إلى قتالِ مَن ارْتَدَّ.

стр. 1626

هذا كلُّه احتجَّ به الشِّافعيُّ ﵀، وقال: ففي هذا دلالةٌ على أنّ مَن امتَنع ممّا افترَض اللهُ عليه كان على الإمام أخْذُه به وقتالُه عليه، وإنْ أبَى ذلك على نفسه. وأمّا تَوْريثُ ورثتِهم أموالَهم فلأنّ عمرَ بن الخطّاب لمّا وُلِّيَ رَدَّ على وَرَثَةِ مانعِي الزَّكاةِ كلَّ ما وُجِدَ من أموالِهم بأيدِي الناس. وقد كان أبو بكرٍ سبَاهم كما سبَى أهلَ الرِّدَّة، فخالَفه في ذلك عمرُ لصلاتِهم وتوحيدِهم، ورَدَّ إلى ورَثَتِهم أموالَهم في جماعةِ الصحابة، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه أحدٌ. وقال أهلُ السِّيَر: إنّ عمرَ لمّا وُلِّيَ أرسَل إلى النِّسوةِ اللَّاتي كان المسلمون أحْرَزُوهنَّ (١)، فخيَّر هنَّ أنْ يَمْكُثْنَ عندَ من هُنَّ عندَه بتَزْويجٍ وصداقٍ، أو يَرْجِعْنَ إلى أهْلِيهِنَّ بالفِداء، فاخْتَرْن أنْ يَمْكُثْنَ عندَ من كُنَّ عندَه، فمكَثنَ عندَهم بتزويجٍ وصَداقٍ. قال: وكان الصَّداقُ الذي جعَل لمَن اختارَ أهلَه عَشْرَ أواقٍ لكلِّ امرأةٍ، والأُوقيَّةُ أربعون درهمًا. فاحْتَجَّ الشَّافعيُّ بفعلِ عمرَ هذا في جماعةِ الصحابةِ أيضًا من غيرِ نكيرٍ. وروَى سفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن محمدِ بن طلحةَ بن يزيدَ، قال: قال عمرُ بن الخطّاب: لأنْ أكونَ سألتُ رسولَ الله ﷺ عن ثلاثٍ أحبُّ إليّ من حُمْرِ النَّعَم: الخليفةِ بعدَه، وعن قوم أقرُّوا بالزَّكاةِ ولم يُؤَدُّوها، أيَحِلُّ لنا قتالُهم؟ وعن الكَلالة (٢).

стр. 1627

وروَى حمّادُ بن زيدٍ، عن عَمْرِو بن مالكٍ النُّكْريِّ، عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عبّاس، قال: قواعدُ الدِّين ثلاثةٌ: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، والصلاةُ وصومُ رمضانَ. ثم قال ابنُ عبّاسٍ: تَجِدُه كثيرَ المالِ ولا يُزَكِّي، فلا يُقالُ لذلك: كافرٌ، ولا يَحِلُّ دَمُه، وتجدُه (١) كثيرَ المالِ لا يحُجُّ، فلا نَراه بذلكَ كافرًا ولا يحلُّ دمُه (٢). وقد ذكَوْنا هذا الحديثَ بإسنادِه في كتابِ الزَّكاةِ من كتابِ "الاستذكار". ومن حُجَّتِه أيضًا ما حدَّثناه عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفر بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا هشامُ بن حسّانَ، عن الحسن، عن ضَبَّةَ بن مِحْصَنٍ، عن أُمِّ سلمةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّه سيكونُ أمراءُ تَعْرفون وتُنْكِرون، فمَن أنكَر فقَدْ برئَ، ومن كَرِه فقد سلِم، ولكنْ مَن رَضِيَ وتابَع". قالوا: يا رسولَ الله، ألا نُقاتِلُهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا الخَمْسَ".
следующие страницы →