← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1623–1662 · переход к 1628.

стр. 1623

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن ربيعةَ، عن ابن جُرَيْج، فذكَره. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٢): أخبَرنا الحسينُ بن حُرَيْثٍ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عبدِ الله بن بُريدةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ العهدَ الذي بينَنا وبينهم الصلاةُ، فمَن ترَكها، فقد كَفَر". وذكَر إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريعٍ، قال: حدَّثنا المسعوديُّ، قال: أنبأَني الحسنُ بن سعدٍ (٣)، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: قيل لعبد الله: إنّ الله يُكثرُ ذكرَ الصلاةِ في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]. فقال عبدُ الله: على مواقيتِها. فقال: ما كنّا نرَى إلّا أنْ تُتْرَكَ. فقال عبدُ الله: تَرْكُها الكفرُ (٤).

стр. 1624

وفي هذه المسألة قولٌ ثانٍ؛ قال الشافعيُّ: يقولُ الإمامُ لتاركِ الصلاة: صلِّ. فإنْ قال: لا أصلِّي. سُئِلَ؛ فإنْ ذكَر عِلَّةً بجسمِه (١) أُمِرَ بالصلاةِ على قدرِ طاقَتِه، فإنْ أبَى من الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها قتَله الإمامُ، وإنّما يُسْتَتابُ ما دام وقتُ الصلاةِ قائمًا، فيُستَتابُ في أدائِها وإقامَتِها، فإنْ أبَى قُتِلَ ووَرِثه وَرَثَتُه (٢). وهذا قولُ أصحابِ مالكٍ ومذهبُهم، وبعضُهم يروِيه عن مالك (٣). وروَى محمدُ بن عليٍّ البَجَليُّ (٤)، قال: حدَّثنا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: سمِعْتُ ابنَ وَهْبٍ يقولُ: قال مالكٌ: مَن آمَن بالله وصَدَّق المرسلينَ وأبَى أنْ يُصلِّي قُتِلَ (٥). وبه قال أبو ثورٍ وجميعُ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهو قولُ مكحولٍ، وحمادِ بن زيدٍ، ووكيع. ومن حجَّةِ مَن ذهَب هذا المذهبَ أنّ أبا بكرٍ الصديقَ استَحَلَّ دماءَ مانعِي الزّكاة، وقال: والله لأُقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاةِ والزَّكاةِ. فقاتلَهم على ذلك في جمهورِ الصحابةِ، وأراقَ دماءَهم لمَنْعِهم الزَّكاةَ وإباءَتِهم من أدائِها. فمَن امتنَع من الصلاةِ وأبَى من إقامَتِها كان أحرَى بذلك، ألا ترَى أنّ أبا بكرٍ شَبَّهَ الزَّكاةَ بالصلاةِ، ومعلومٌ أنّهم كانوا مُقِرِّين بالإسلام والشهادةِ، يُوَضِّحُ لكَ ذلك قولُ عمرَ لأبي بكرٍ: كيف تُقاتِلُهم وقد قال رسولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ

стр. 1625

الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلّا بحَقِّها، وحسابُهم على الله"؟ فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها، والله لو مَنَعُوني عَنَاقًا أو عِقالًا ممّا كانوا يُعْطُون رسولَ الله ﷺ لقاتَلْتُهم على ذلك (١). ولو كفَر القومُ، لقالَ أبو بكرٍ: قد ترَكوا لا إلهَ إلا اللهُ، وصارُوا مُشرِكين. وقد قالوا لأبي بكرٍ بعدَ الإسار: ما كفَرنا بعدَ إيمانِنا، ولكن شَحَحنا على أموالِنا. وذلك بَيِّنٌ في شِعْرِهم؛ قال شاعرُهم (٢): ألا فاصْبَحِينا قبلَ نائِرَةِ الفجرِ (٣) ... لعَلَّ مَنايانَا قريبٌ وما نَدْرِي أَطَعنا رسولَ الله ما كان بَيْنَنا ... فيا عجبًا ما بالُ مُلْكٍ أبي بكرِ فإنَّ الذي سأَلوكمُ فمَنَعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أو أشهَى إليهم من التَّمْرِ فرأى أبو بكرٍ في عامّة الصحابةِ ومعه عمرُ قتالهَم، وبعَث (٤) خالدَ بن الوليد وغيرَه إلى قتالِ مَن ارْتَدَّ.

стр. 1626

هذا كلُّه احتجَّ به الشِّافعيُّ ﵀، وقال: ففي هذا دلالةٌ على أنّ مَن امتَنع ممّا افترَض اللهُ عليه كان على الإمام أخْذُه به وقتالُه عليه، وإنْ أبَى ذلك على نفسه. وأمّا تَوْريثُ ورثتِهم أموالَهم فلأنّ عمرَ بن الخطّاب لمّا وُلِّيَ رَدَّ على وَرَثَةِ مانعِي الزَّكاةِ كلَّ ما وُجِدَ من أموالِهم بأيدِي الناس. وقد كان أبو بكرٍ سبَاهم كما سبَى أهلَ الرِّدَّة، فخالَفه في ذلك عمرُ لصلاتِهم وتوحيدِهم، ورَدَّ إلى ورَثَتِهم أموالَهم في جماعةِ الصحابة، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه أحدٌ. وقال أهلُ السِّيَر: إنّ عمرَ لمّا وُلِّيَ أرسَل إلى النِّسوةِ اللَّاتي كان المسلمون أحْرَزُوهنَّ (١)، فخيَّر هنَّ أنْ يَمْكُثْنَ عندَ من هُنَّ عندَه بتَزْويجٍ وصداقٍ، أو يَرْجِعْنَ إلى أهْلِيهِنَّ بالفِداء، فاخْتَرْن أنْ يَمْكُثْنَ عندَ من كُنَّ عندَه، فمكَثنَ عندَهم بتزويجٍ وصَداقٍ. قال: وكان الصَّداقُ الذي جعَل لمَن اختارَ أهلَه عَشْرَ أواقٍ لكلِّ امرأةٍ، والأُوقيَّةُ أربعون درهمًا. فاحْتَجَّ الشَّافعيُّ بفعلِ عمرَ هذا في جماعةِ الصحابةِ أيضًا من غيرِ نكيرٍ. وروَى سفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن محمدِ بن طلحةَ بن يزيدَ، قال: قال عمرُ بن الخطّاب: لأنْ أكونَ سألتُ رسولَ الله ﷺ عن ثلاثٍ أحبُّ إليّ من حُمْرِ النَّعَم: الخليفةِ بعدَه، وعن قوم أقرُّوا بالزَّكاةِ ولم يُؤَدُّوها، أيَحِلُّ لنا قتالُهم؟ وعن الكَلالة (٢).

стр. 1627

وروَى حمّادُ بن زيدٍ، عن عَمْرِو بن مالكٍ النُّكْريِّ، عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عبّاس، قال: قواعدُ الدِّين ثلاثةٌ: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، والصلاةُ وصومُ رمضانَ. ثم قال ابنُ عبّاسٍ: تَجِدُه كثيرَ المالِ ولا يُزَكِّي، فلا يُقالُ لذلك: كافرٌ، ولا يَحِلُّ دَمُه، وتجدُه (١) كثيرَ المالِ لا يحُجُّ، فلا نَراه بذلكَ كافرًا ولا يحلُّ دمُه (٢). وقد ذكَوْنا هذا الحديثَ بإسنادِه في كتابِ الزَّكاةِ من كتابِ "الاستذكار". ومن حُجَّتِه أيضًا ما حدَّثناه عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفر بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا هشامُ بن حسّانَ، عن الحسن، عن ضَبَّةَ بن مِحْصَنٍ، عن أُمِّ سلمةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّه سيكونُ أمراءُ تَعْرفون وتُنْكِرون، فمَن أنكَر فقَدْ برئَ، ومن كَرِه فقد سلِم، ولكنْ مَن رَضِيَ وتابَع". قالوا: يا رسولَ الله، ألا نُقاتِلُهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا الخَمْسَ".

стр. 1628

وفيه دليلٌ على (١) أنّهم إنْ لم يُصلُّوا الخمسَ قُوتِلوا، ومن حُجَّتِهم أيضًا قولُه ﷺ : "نُهِيتُ عن قتلِ المصلِّين" (٢)، وفي ذلك دليلٌ على أنّ من لم يُصَلِّ لم يُنْهَ عن قَتْلِه، واللهُ أعلمُ، ألا ترَى إلى قولِه ﷺ لأصحابِه الذين شاوَرُوه في قتلِ مالكِ بن الدُّخْشُم: "أليس يصلِّي؟ ". قالوا: بلى، ولا صلاةَ له (٣). فنَهاهُم عن

стр. 1629

قتلِه لصَلاتِه، إذ قالوا (١): بَلَى إنّه يُصَلِّي، ولو قالوا: إنّه لا يُصَلِّي، ما نَهاهم عن قتلِه، واللهُ أعلمُ. ولم يَحْتَجَّ عليهم في المنعِ من قتلِه إلا بالشَّهادةِ والصَّلاةِ؛ لأنّه قال لهم: "أليس يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله؟ ". قالوا: بلَى، ولا شهادةَ له. فقال: "أليس يُصَلِّي؟ ". قالوا: بلَى، ولا صلاةَ له. قال: "أولئك الذين نَهاني اللهُ عن قَتْلِهم". وقد قال في غير ذلك الحديث: "نُهِيتُ عن قتلِ المصَلِّين". واضَلُّوا في دفعِ الآثارِ المرويَّةِ في تكفيرِ تاركِ الصلاةِ بأن قالوا: معناها فيمن ترَك الصلاةَ جاحِدًا لها، مُعانِدًا (٢)، مُستكبِرًا، غيرَ مُقِرٍّ بفَرْضِها. قالوا: ويَلزَمُ مَن كَفَّرَهم بتلك الآثارِ وقَبِلَها على ظاهِرها فيهم أنْ يُكَفِّرَ الزَّانيَ، وشارِبَ الخمرِ، والسارقَ، والمُنْتَهِبَ، ومَن رَغِبَ عن نَسَبِ أبيه؛ فقد صحَّ عنه ﷺ أنّه قال: "سبابُ المسلم فسوقٌ، وقِتَالُه كفرٌ" (٣). وقال: "لا يَزْني الزَّاني حين يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرِقُ السارقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشرَبُ الخمرَ حينَ يَشْرَبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَنتَهِبُ نُهْبَةً ذاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ الناسُ إليه فيها أبصارَهم حين يَنتَهِبُها وهو مؤمنٌ" (٤).

стр. 1630

وقال: "لا تَرْغَبوا عن آبائِكم، فإنّه كفرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبائِكم" (١). وقال: "لا تَرْجِعوا بَعدِي كفّارًا؛ يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ (٢). إلى آثارٍ مثلِ هذه لا يُخرجُ بها العلماءُ المؤمنَ من الإسلام، وإنْ كان بفعلِ ذلك فاسقًا عندَهم، فغيرُ نكيرٍ أنْ تكونَ الآثارُ في تاركِ الصلاةِ كذلك. قالوا: ومعنى قوله: "سبابُ المسلم فُسوقٌ، وقتالُه كفرٌ": أنّه ليس بكفرٍ يُخرِجُ عن الملَّة، وكذلك كلُّ ما ورَد من تكفيرِ مَن ذكَرنا ممَّن يَضْرِبُ بعضُهم رقابَ بعضٍ، ونحو ذلك. وقد جاء عن ابن عباسٍ، وهو أحدُ الذين رُوِيَ عنهم تكفيرُ تاركِ الصَّلاة، أنّه قال في حكم الحاكم الجائرِ: كفرٌ دونَ كُفْرٍ. حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن هشام بن حُجَيْر، عن طاووسٍ، قال: قال ابنُ عباس: ليس بالكفرِ الذي تذهبون إليه، إنّه ليس بكفرٍ يَنقلُ عن الملَّةِ، ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (٣).

стр. 1631

واحتجُّوا أيضًا بقولِ عبد الله بن عمرَ: لا يَبلُغُ المرءُ حقيقةَ الكُفرِ حتى يَدعوَ مثنَى مثنَى. وقالوا: يَحتَمِلُ قولُه ﷺ : "لا يَزْني الزَّاني حينَ يَزْني وهو مؤمنٌ". يريدُ مُستكمِلَ الإيمان؛ لأنّ الإيمانَ يزيدُ بالطَّاعةِ، وَينقُصُ بالمعصيةِ، وكذلك السارقُ، وشاربُ الخمر، ومَن ذُكِرَ معهم. وعلى نحو ذلك تأوَّلوا قولَ عمرَ بن الخطّاب: لا حَظَّ في الإسلام لمن ترَك الصلاة (١). قالوا: أراد أنه لا كبير حَظٍّ له، ولا حظًّا كاملًا له في الإسلام. ومثلُه قولُ ابن مسعودٍ وما أشْبَهَه، وجعَلوه كقوله: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلّا في المسجدِ" (٢) أي: أنّه ليس له صلاةٌ كاملةٌ. ومثلُه الحديثُ: "ليس المسكينُ بالطَّوّاف عليكم" (٣) يريدُ ليس هو المسكينَ حقًّا؛ لأنّ هناك من هو أشدّ مَسْكنةً منه، وهو الذي لا يسألُ، ونحوُ هذا ممّا اعْتَلُّوا به. وقد رأى مالكٌ استتابةَ الإباضيّةِ والقَدَريّة، فإنْ تابوا وإلّا قُتِلوا؛ ذكَر ذلك إسماعيلُ القاضي، عن أبي ثابتٍ، عن ابن القاسم (٤)، وقال: قلتُ لأبي ثابتٍ:

стр. 1632

هو رأيُ مالكٍ في هؤلاء حَسْبُ؟ قال: بل في كلِّ أهل البدع. قال القاضي: وإنّما رأى مالكٌ ذلك فيهم لإفسادِهم في الأرض، وهم أعظمُ إفسادًا من المحاربين؛ لأنّ إفسادَ الدِّين أعظمُ من إفسادِ المال، لا أنّهم كفّارٌ. قال أبو عُمر: فهذا مالكٌ يُريقُ دماءَ هؤلاء وليسوا عندَه كفّارًا؛ فكذلك تاركُ الصلاةِ عندَه من هذا الباب قتلُه، لا من جهةِ الكُفرِ. وممّا يدلُّ على أنّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ كفرًا يَنقُلُ عن الإسلام إذا كان مؤمنًا بها، مُعتَقِدًا لها، حديثُ ابن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أُمِرَ بعبدٍ من عبادِ الله أن يُضْرَبَ في قبرِه مئةَ جلدةٍ، فلم يَزَلْ يَسألُ اللهَ ويدعُوه، حتّى صارَتْ جَلْد واحدةً فامْتَلأ قبرُه نارًا، فلمّا أفاقَ، قال: علامَ جَلَدْتمُوني؟ قالوا: إنّك صَلَّيْتَ صلاةً بغَيرِ طُهورٍ، ومرَرْتَ على مظلوم فلم تَنْصُرْه" (١). قال الطحاويُّ: في هذا الحديث ما يَدلُّ على أنّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ؛ لأنّ مَن صلَّى صلاةً بغيرِ طُهورٍ لم يُصَلِّ، وقد أُجِيبَتْ دَعْوَتُه ولو كان كافرًا ما أُجِيبَتْ له دعوةٌ؛ لأنّ اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. وقد ذكَرنا إسنادَ حديثِ ابن مسعودٍ هذا في بابِ يحيى بن سعيدٍ، عندَ قوله ﷺ : "خمسُ صلواتٍ كتَبهُنَّ اللهُ على العباد". ثم قال: "ومَن لم يَأْتِ بهنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ؛ إنْ شاءَ عَذَّبَه، وإن شاء غفَر له" (٢). وممّا يدُلُّ على أنّ الكفرَ منه ما لا يَنْقُلُ عن الإسلام قولُه ﷺ : "يَكْفُرْنَ العشيرَ، وَيكْفُرْنَ الإحسانَ" (٣).

стр. 1633

وكافرُ النعمةِ يُسَمَّى كافرًا، وأصلُ الكفرِ في اللغة: السَّتْرُ، ومنه قيلَ للَّيلِ: كافرٌ، لأنّه يَسْتُرُ؛ قال لَبيدٌ: في ليلةٍ كفَر النُّجومَ غَمَامُها (١) أي: ستَرَها. وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ قاله ابنُ شهابٍ؛ رواه شُعَيْبُ بن أبي حمزةَ عنه، قال: إذا ترَك الرجلُ الصلاةَ، فإن كان إنّما ترَكها لأنّه ابتدَع دينًا غيرَ الإسلام قُتِلَ، وإنْ كان إنما هو فاسقٌ فإنّه يُضْرَبُ ضرْبًا مُبَرِّحًا ويُسْجَنُ حتى يَرجِعَ. قال: والذي يُفْطِرُ في رمضانَ كذلك (٢). قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: وهو قولُنا، وإليه يذهَبُ جماعةٌ من سَلَفِ الأُمَّةِ من أهلِ الحجازِ والعراق (٣). قال أبو عُمر: بهذا يقولُ داودُ بن عليٍّ، وهو قولُ أبي حنيفةَ في تاركِ الصَّلاةِ: إنّه يُسْجَنُ ويُضْرَبُ ولا يُقْتَلُ. وابنُ شهابٍ القائلُ ما ذكَرنا هو القائلُ أيضًا في قولِ النبيِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلّا الله" (٤): كان ذلك في أوّل الإسلام، ثم

стр. 1634

نزَلتِ الفرائضُ بعدُ. وقولُه هذا يَدُلُّ على أنّ الإيمانَ عندَه قولٌ وعملٌ، واللهُ أعلمُ، وهو قولُ الطَّائفتين اللَّتين ذكَرْنا قولَهم قبلَ قول ابن شهابٍ، كلُّهم يقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ. وقد اختلَفوا في تاركِ الصلاةِ كما رأيتَ، واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ، أعني مذهبَ ابن شهابٍ، في أنّه يُضْرَبُ ويُسْجَنُ ولا يُقْتَلُ - بقول رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إلهَ إلّا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلّا بحَقِّها". قالوا: وحقُّها الثلاثُ التي قال النبيُّ ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمان، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قَتْلُ نفسٍ بغير نفسٍ" (١). قالوا: والكافرُ جاحدٌ، وتاركُ الصلاةِ المقرُّ بالإسلام ليس بجاحدٍ ولا كافرٍ، وليس بمستكبرٍ ولا معاندٍ، وإنّما يُكَفَّرُ بالصلاةِ مَن جحَدها واسْتَكبَر عن أدائها. قالوا: وقد كان مؤمنًا عندَ الجميع بيَقينٍ قبلَ تركِه للصلاة، ثم اختلَفوا فيه إذا ترَك الصلاةَ، فلا يَجِبُ قتلُه إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف، فالواجبُ القولُ بأقلِّ ما قيل في ذلك، وهو الضربُ والسَّجنُ، وأمّا القتلُ ففيه اختلافٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ. واحتجُّوا أيضًا بقولِه ﷺ : "سيكونُ عليكم بعدِي أمراءُ يُؤخِّرُون الصلاةَ عن ميقاتِها، فصلُّوا الصلاةَ لوَقْتِها واجْعَلُوا صلاتَكم معهم

стр. 1635

سُبْحَةً" (١). قالوا: وهذا يدُلُّ على أنّهم غيرُ كُفّارٍ بتأخيرِها حتى يَخرُجَ وقتُها، ولو كفروا بذلك ما أمَرهم بالصَّلاةِ خَلْفَهم بسُبْحةٍ ولا غيرِها. قال أبو عُمر: هذا قولٌ قد قال به جماعةٌ من الأئمةِ ممن يقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ. وقالت به المرجئةُ أيضًا، إلّا أنّ المرجئةَ تقولُ: المؤمنُ المُقِرُّ مُسْتكمِلُ الإيمان. وقد ذكَرنا اختلافَ أئمّةِ أهل السُّنَّةِ والجماعةِ في تاركِ الصلاةِ، فأمّا أهلُ البدعِ؛ فإنّ المرجئةَ قالتْ: تاركُ الصلاةِ مؤمنٌ مُستكمِلُ الإيمان إذا كان مُقِرًّا غيرَ جاحدٍ، ومُصدِّقًا غيرَ مُسْتكبِر. وحُكِيَتْ هذه المقالةُ عن أبي حنيفةَ وسائرِ المرجئةِ، وهو قولُ جَهْم. وقالت المعتزلةُ: تاركُ الصلاةِ فاسقٌ، لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، وهو مخُلَّدٌ في النارِ إلّا أن يتوبَ. وقالت الصُّفريّةُ والأزارقةُ من الخوارج: هو كافرٌ حلالُ الدَّم والمال. وقالت الإباضيّة (٢): هو كافرٌ، غيرَ أنّ دمَه ومالَه مُحَرَّمان. ويُسَمُّونه: كافرَ نعمةٍ. فهذا جميعُ ما اختلَف فيه أهلُ القبلة في تاركِ الصلاة. وفي هذا الحديث أيضًا: أنّ من صلَّى في بيته ثم دخَل المسجدَ فأُقيمَتْ عليه تلك الصلاةُ، أنّه يُصلِّيها معهم، ولا يَخرُجُ حتى يُصلِّي وإنْ كان قد صلَّى في جماعةِ أهلِه أو غيرِهم، لأنّ في حديثنا في هذا الباب: بلى يا رسولَ الله، ولكنِّي

стр. 1636

قد صَلَّيْتُ في أهلي. فأمَره (١) رسولُ الله ﷺ أنْ يُصلِّيَ وإنْ كان قد صلَّى في أهلِه، ولم يُبَيِّنْ أنَّه كان صلَّى مُنفَردًا، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه؛ فقال جمهورُ الفقهاء: إنّما هذا لمن صلَّى وحدَه، وأمّا من صلَّى في بيتِه أو غير بيته في جماعةٍ فلا يُعيدُ تلك الصّلاةَ؛ لأنّ إعادَتَها في جماعةٍ لا وجهَ له، وإنّما كانت الإعادةُ لفضلِ الجماعة، وهذا قد صلَّى في جماعةٍ، فلا وجهَ لإعادَتِه في جماعةٍ أخرى، ولو جاز أنْ يُعيدَ في جماعةٍ أخرى مَن صلَّى في جماعةٍ، لَلَزِمَه أنْ يُعيدَ في جماعةٍ أخرى ثالثةٍ ورابعةٍ، إلى ما لا نهايةَ له في تلك الصَّلاة، وهذا لا يجوزُ أنْ يقولَ به أحدٌ، واللهُ أعلمُ، واحتجُّوا بقوله ﷺ : "لا تُعادُ صلاةٌ في يوم مرَّتَين" (٢). وقالوا: معنى هذا الحديث أنّ مَن صلَّى في جماعةٍ لا يُعيدُ في جماعةٍ. وممّن قال بهذا القول: مالكُ بن أنسٍ، وأبو حنيفةَ، والشّافعيُّ، وأصحابُهم. أخبرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبد الواحدِ البزَّارُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا حُسينٌ، وهو المُعلِّمُ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن سُليمان مولَى ميمونةَ، قال: أتَيْتُ على ابن عُمرَ وهو على البَلاط (٣)، وهم يصلُّون، فقلتُ: ألا تُصَلِّي معهم؟ قال: إنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرَّتَين" (٤).

стр. 1637

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن عَمْرو بن شُعيب، عن سُليمانَ بن يسارٍ، قال: مرَرْتُ بابن عمرَ وهو جالسٌ على البَلاط، والقومُ يُصلُّون. قال: فقلتُ: ألا تُصلِّي معهم؟ قال: قد صلَّيْتُ. قال: قلتُ: القومُ يُصلُّون. قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرَّتَين" (١). وقال أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهُويَةَ، وهو قولُ داودَ: جائزٌ لمن صلَّى في جماعةٍ ثم دخَل المسجدَ فأُقيمَتْ تلك الصلاةُ أنْ يُصلِّيَها ثانيةً في جماعةٍ. قال أحمدُ: ولا يجوزُ له أنْ يَخْرُجَ إذا أُقيمَتْ عليه الصلاةُ حتى يُصلِّيَها وإن كان قد صلَّى في جماعةٍ (٢). واحتجَّ بحديثِ أبي هريرةَ" قوله في الذي خرَج عندَ الإقامةِ من المسجدِ: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣). ورُوِيَ عن أبي موسى الأشعريِّ، وحذيفةَ بن اليَمان، وأنسِ بن مالكٍ، وصِلَةَ بن زُفَرَ، والشَّعْبيِّ، والنَّخَعيِّ إعادةُ الصلاةِ في جماعةٍ لمن صلّاها في جماعةٍ (٤)، وبه

стр. 1638

قال حمّادُ بن زيدٍ، وسليمانُ بن حربِ، حكَى ذلك أبو بكرٍ الأثرمُ، عن أحمد (١)، وعن سائرِ مَن ذكرْنا، كما ذكَرْنا بالأَسانيد، فمِن ذلك أنْ قال: حدَّثنا عبدُ الله بن بكرٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ: قَدِمْنا مع أبي موسى حين بعَثه عمرُ على البَصْرةِ، فصلَّى بنا الغَداةَ في المِرْبَدِ (٢)، فانْتَهَينا إلى المسجدِ الجامعِ فأُقيمت الصلاةُ علينا، فصلَّيْنا مع المغيرةِ بن شعبة (٣). قال: وأخبَرنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، وسفيانَ بن وكيع، قالا: حدَّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن نُعَيم بن أبي هندٍ، عن رِبْعيِّ بن حِراشٍ، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، قال: انْطَلَقْتُ مع حذَيفةَ في حاجةٍ فأتَينا على مسجدٍ وهم يُصلُّون الظهرَ، فصَلَّينا معهم؛ ثم خرَجْنا فأتَينا على مسجدٍ يُصلُّون الظهرَ، فصلَّيْنا معهم. وذكَر مثلَ ذلك في العصرِ والمغرب؛ من إعادتِهما في جماعةٍ، قال: فذهَبْتُ أقومُ في الثالثة فأجلَسَني (٤). قال: وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن إسماعيلَ بن سالم، عن عامرٍ، قال: إذا دخلْتَ المسجدَ وقد صلَّيْتَ صلاةً وحدَك، أو في جماعةٍ، فأُقيمَتْ تلك الصلاةُ وأنتَ في المسجدِ، فإنِّي أكرَهُ أن تَخْرُجَ كما تَخْرُجُ اليهودُ والنَّصارَى، ولكن صلِّها معهم فتكونُ صلاتُك التي قد صَلَّيْتَ قبلَ ذلك الفريضةَ، وصلاتُك هذه التَّطوُّعَ؛ صلِّها معهم وإن كان العصرَ. حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: صلَّيْتُ ثم أتيتُ مسجدَ حمّادِ بن زيدٍ، وذلك في صلاةِ العصرِ، وقد عَلِمَ حمّادُ بن زيدٍ أنّي أصلِّي بهم هاهنا، فأُقيمتِ الصلاةُ،

стр. 1639

فقال لي حمّادٌ: صلِّ. قلتُ: قد صلَّيْتُ. قال: صلِّ. فصلَّيْتُ. قلتُ لسليمانَ: مَن صلَّى في جماعةٍ أيُعِيدُ؟ قال: نعم. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ، قال: حدّثنا الخضرُ بن داودَ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ. فذكَر الأحاديثَ إلى آخرِها. واتَّفَقَ أحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهُويَة (١) على أنّ معنَى حديثِ ابن عمرَ الذي قدَّمنا ذِكْرَه عن النبيِّ ﷺ : "لا تُصلُّوا صلاةً في يوم واحدٍ مرّتَيْن"، قالا: إنّما ذلك أن يُصلِّي الإنسانُ الفريضةَ، ثم يقومَ فيُصلّيها ثانيةً يَنْوي بها الفرضَ مرّةً أخرى يَعتَقِدُ ذلك، فأمّا إذا صلّاها مع الإمام على أنّها سُنّةٌ تطوُّعًا فليس بإعادةٍ للصَّلاة. قال أبو عُمر: قد عَلِمْنا أنّ رسولَ الله ﷺ إنَّما أمَر الذي صلَّى في أهلِه وحدَه أنْ يُعيدَ في جماعةٍ من أجلِ فضلٌ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ؛ ليَتَلافَى ما فاتَه من فضلِ الجماعةِ إذا كان قد صلَّى مُنْفردًا، والمصلِّي في جماعةٍ قد حصَل له الفرضُ والفضلُ، فلم يكُنْ لإعادتِه الصلاةَ وجهٌ إلّا أنْ يتَطَوَّعَ بها، ولسُه التطَوُّع أنْ يُصلِّي رَكْعتين رَكْعتين (٢). وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "صلاةُ الليلِ والنهارِ مَثنَى مَثنَى" (٣). يعني في التَّطوُّع. ورُوِيَ عنه أنَّه نهَى عن

стр. 1640

القَصْدِ إلى التَّطوُّعِ بعدَ العصرِ والصُّبْح (١)، فمِنْ هاهنا لم يكُنْ لإعادةِ الصلاةِ لمن صلّاها في جماعةٍ وجهٌ، واللهُ أعلمُ، والأحاديثُ عن السلفِ تَدُلُّ على ذلك لفضلِ الجماعةِ، واللهُ أعلمُ. روَى مالكٌ (٢) عن عَفيفِ بن عَمْرٍ و (٣) السَّهْميِّ، عن رجلٍ من بَني أسَدٍ، أنّه سأل أبا أيوبَ الأنصاريَّ، فقال: إنِّي أصلِّي في بَيتي ثم آتي المسجدَ، فأجدُ الإمامَ يُصلِّي أفأُصلِّي معه؟ فقال أبو أيوبَ: نعم، فصلِّ معه، ومَن صنَع ذلك فإنّ له سَهْمَ جِمْع، أو مثلَ سَهْم جَمْع. قال ابنُ وَهْبٍ: يعني يُضعَّفُ له الأجرُ.

стр. 1641

قال أبو عُمر: قولُ ابن وهْبٍ هذا، واللهُ أعلمُ، خيرٌ من قولِ من قال: إنّ الجمعَ هاهنا الجيشُ (١)، وإنّ له أجرَ الغازِي أو الغُزاة؛ من قولِه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١]، يعني: الجيشين. وليس هذا عندِي بشيءٍ، والوجهُ ما قالَه ابنُ وَهْب، وهو المعروفُ عن العرب. أخبَرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسن، قال: حدَّثنا الزبيرُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثني عمِّي مصعبُ بن عبد الله، أنّ في وصيةِ المنذر بن الزبير: إنّ لفلانٍ بَغْلَتي الشَّهباءَ، ولفلانٍ عشَرةَ آلافِ درهمٍ، ولفلانٍ سهمَ جَمْعٍ. قال مُصعبٌ: فسألْتُ عبدَ الله بن المنذر بن الزبير: ما يَعني بسَهْم جَمْع؟ قال: نصيبُ رجلين (٢). واختَلف الفقهاءُ أيضًا فيما يُعادُ من الصَّلواتِ مع الإمام لمن صلّاها في بَيته، فقال مالكٌ (٣): تُعادُ الصَّلواتُ كُلُّها (٤) مع الإمام إلّا المغربَ وحدَها؛ فإنّه لا يُعيدُها لأنّها تَصيرُ شَفْعًا. قال: ومن صلَّى في جماعةٍ ولو مع واحدٍ فإنّه لا يُعيدُ تلكَ الصلاةَ إلّا أنْ يُعيدَها في مسجدِ النبيِّ ﷺ ، أو المسجدِ الحرام، أو بيتِ المقدس (٥). قال: وإنْ دخَل الذي صلَّى وحدَه المسجدَ فوجَدهم جُلوسًا في آخر صلاتِهم فلا يَجْلِسُ معهم، ولا يَدْخُلُ في صلاتِهم حتى يَعلَمَ أنّه يُدْرِكُ منها ركعةً. ومن قولِ مالكٍ أنّه لا يَدْرِي أيُّ الصلاتين (٦) فَريضَتُه، وإنّما ذلك عندَه إلى الله يَجعَلُها أيَّتَهما شاء، ولا يقولُ: إنّها نافلةٌ.

стр. 1642

ورُوِي عن ابن عمر (١) وسعيدِ بن المسيِّب (٢) مثلُ قوله هذا: ذلك إلى الله يَجعَلُ أيَّتهما شاء. واختَلفت أجوبَتُه وأجوبةُ أصحابِه فيمَن أحدَث في الثانية مع الإمام، أو ذكَر بعدَ فراغِه منها أنّ الأولى على غير وضُوءٍ، أو أسْقَط منها سجدةً، بما لم أرَ لذِكْرِه وَجْهًا في هذا الموضع. وقال ابنُ وَهْبٍ في "المُوطَّأ" (٣): قال مالكٌ: من أحدَث في هذه فصلاتُه في بَيْته هي صلاتُه. قال أبو عُمر: هذا هو الصحيحُ من قوله وقول غيره في هذه المسألة، وقال أبو حَنيفة وأصحابُه (٤): لا يُعيدُ المُصَلِّي وحدَه العصرَ مع الإمام، ولا الفجرَ، ولا المغربَ، ويُصلِّي معه الظهرَ والعشاءَ، ويجعَلُ صلاتَه مع الإمام نافلةً. قال محمدُ بن الحسن: لأنّ النافلةَ بعدَ العصرِ والصبح لا تجوزُ، ولا تُعادُ المغربُ لأنّ النافلةَ لا تكونُ وترًا في غيرِ الوتر (٥). وقال الأوزاعيُّ (٦): يُعيدُ مع الإمام جميعَ الصَّلواتِ إلّا المغربَ والفجرَ. وهو قولُ عبد الله بن عمرَ (٧).

стр. 1643

وحجَّةُ من قال هذا القول أنّ الوترَ في صلاةِ النافلةِ غيرُ جائزٍ؛ لقول رسولِ الله ﷺ : "صلاةُ الليل مَثنَى مَثنَى" (١). ولإجماعِ العلماءِ أنّ النافلةَ غيرَ الوترِ لا تكونُ وترًا، وقال رسولُ الله ﷺ :"لا وِتْرانِ في ليلةٍ" (٢). وقال رسولُ الله ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ الصبح حتّى تَطْلُعَ الشمسُ" (٣)، وصلّى بعدَ العصرِ رَكْعَتين (٤). وجاء عن جماعةٍ من السلف أنّهم كانوا يتَطوَّعون بعدَ العصر ما كانت الشمسُ بيضاءَ نقيَّةً (٥)، ولم يَجِئْ ذلك عن واحدٍ منهم في الصلاةِ بعدَ الصّبح، والنَّهْيُ عندَ ابن عمرَ ومَن قال بقوله عن الصلاةِ بعدَ العصرِ معناه: إذا اصْفَرَّتِ الشمسُ وكانت على الغُروبِ، وأمّا إذا كانت بيضاءَ نقيّةً فلا بأسَ عندَهم بصلاةِ النافلة. وللقولِ في هذا التأويل موضعٌ من كتابِنا غيرُ هذا، يأتي ذكرُه في باب محمدِ بن يحيى بن حبّانَ إن شاء الله، فلذلك لم يرَ ابنُ عمرَ بإعادةِ العصرِ بأسًا، وكَرِهَ إعادةَ الصُّبح.

стр. 1644

وقال الشافعيُّ (١): يُصَلِّي الرجلُ الذي صلَّى وحدَه مع الجماعة كلَّ صلاةٍ؛ المغربَ وغيرَها؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قال لمِحْجَن الدِّيليِّ: "إذا جئْتَ فَصَلِّ مع النّاسِ وإن كنتَ قد صَلَّيْتَ". ولم يَخُصَّ صلاةً من صلاةٍ. قال: والأولَى هي الفريضةُ والثانيةُ سُنَّةٌ تطوُّعًا، سنَّها رسولُ الله ﷺ . وهو قولُ داودَ بن عليٍّ (٢)، إلّا أنّ داودَ يرَى الإعادةَ في الجماعةِ على مَن صلَّى وحدَه فَرْضًا، ولا يَحْتَسِبُ عندَه بما صلَّى وحدَه، وفَرْضُه ما أدرَكه من صلاةِ الجماعة، وأمّا مَن صلَّى في جماعةٍ، ثم أدْرَك جماعةً أخرى، فالإعادةُ هاهنا عندَه استحبابٌ (٣). واختُلِفَ عن الثوريِّ؛ فرُوِي عنه أنّه يُعيدُ الصلواتِ كلَّها مع الإمام كقول الشّافعيِّ سواءً، ورُوِيَ عنه مثلُ قولِ مالكٍ، ولا خلافَ عن الثوريِّ أنّ الثانيةَ تطوُّعٌ وأنّ التي صلّى وحدَه هي المكتوبةُ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُعيدُها كلَّها إلّا الفجرَ والعصرَ، إلّا أنْ يكونَ في مسجدٍ فتُقامَ الصلاةُ، فلا يَخرُجْ حتى يُصلِّيَها؛ وحُجَّتُه النَّهيُ عن صلاةِ النافلةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصُّبح. فأمّا ما احتجَّ به مالكٌ (٤) من قول ابن عمرَ وسعيدِ بن المُسيِّب: ذلك إلى الله يَجْعلُ أيَّتَهما شاء. ولم يقلْ واحدٌ منهما أنّ الثانيةَ نافلةٌ، فإنّ ابنَ عمرَ وسعيدَ بن المُسيِّب قد اختُلِف عنهما في ذلك، وإنْ كان نَقْلُ مالكٍ أصَحَّ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا أبو عبد الملِك محمدُ بن عبدِ الله بن أبي دُليْمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ العَسْقلانيُّ، قال:

стр. 1645

حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن عثمانَ بن عبد الله، قال: سألتُ عبدَ الله بن عمرَ عن رجلٍ صلَّى العصرَ ثم أعادَ في الجماعةِ، أيَّتُهما المكتوبةُ؟ قال: الأولَى (١). حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بن أحمدَ الوَرَّاق، قال: حدَّثنا الخضرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثْرَمُ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا الثّقفيُّ (٣)، عن عبدِ الله بن عثمانَ، عن مُجاهدٍ، قال: خرَجْتُ مع ابنِ عمرَ من دارِ عبدِ الله بن خالدٍ حتى نظَرْنا إلى بابِ المسجد، فإذا الناسُ في صلاةِ العصرِ، فلم يَزَلْ واقفًا حتى صلَّى الناسُ، وقال: إنِّي قد صلَّيْتُ في البيت. وحدَّثنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدٍ، قراءةً منّي عليه، أنّ أباهُ حدَّثه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبَةَ. فذكَر بإسنادِه مثلَه. وذكَر أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن عمرَ، قال: حدَّثنا هَمّامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيِّب: إذا صَلَّيتُ وحدي ثم أدْرَكْتُ الجماعةَ؟ فقال: أعِدْ، غيرَ أنّك إذا أعَدْتَ المغرِبَ صَلَّيْتَ إليها رَكْعةً أُخرى تَشْفَعُ بها، واجْعَلْ صلاتَكَ وحدَكَ تَطَوُّعًا. وهذا حديثٌ لا وجهَ له، كيف يَشْفَعُ المغربَ وتكونُ الأولَى تَطوُّعًا، وقد أجمَع العلماءُ أنّ المغربَ لا تُشفَعُ برَكْعةٍ إذا نوَى بها الفريضةَ، وأنّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ وِتْرًا في غيرِ الوَتْرِ؟! وقد كان جماعةٌ من العلماءِ يُنكِرون أشياءَ كثيرةً من

стр. 1646

حديثِ قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيِّب، منها هذا، وأمّا ما جاء عن ابن عمرَ من روايةِ مالكٍ في "مُوَطَّئه"، وما قد ذكرناه عنه هاهنا، فإنّ الحديثين وإنْ تدافَعا فإنّه قد يَحتَمِلُ أنْ يُخَرَّجا على غير وجهِ التَّدافُع؛ بأنْ يُحْمَلا على أنّ قولَه: ذلك إلى الله. أنّه أرادَ بذلك القبولَ، أي: أنّه يتَقَبَّلُ أيَّتَهما شاء، فقد يتَقَبَّلُ اللهُ النافلةَ التَّطوُّعَ ولا يتَقَبَّلُ الفريضةَ، وقد يتَقَبَّلُ اللهُ الفريضةَ دونَ التَّطوُّع، وقد يتقبَّلُهما بفضلِه جميعًا، وقد لا يَقْبَلُ واحدةً منهما، وليس كلُّ صلاةٍ مقبولةً، وقد كان بعضُ الصالحين يقولُ: طُوبَى لمن تُقُبِّلَتْ منه صلاةٌ واحدةٌ. قال ذلك على جهةِ الإشْفاقِ، وقد رَوَيْنا عن ابن عمرَ مثلَ هذا ومَعْناه: أخبَرنا أحمدُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبيدٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن يحيى الغَسَّانيُّ، عن أبيه، قال: جاء سائلٌ إلى ابن عمرَ، فقال لابنه: أعْطِه دينارًا. فقال له ابنُه: تَقَبَّلَ اللهُ منكَ يا أبتاهُ. فقال: لو عَلِمْتُ أنّ اللهَ تَقَبَّلَ منِّي سجدةً واحدةً، أو صدقةَ درهم واحدٍ لم يَكنْ غائبٌ أحبَّ إليَّ من الموتِ، أتَدْرِي ممن يتَقَبَّلُ اللهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (١). فكان ابنُ عمرَ، واللهُ أعلمُ، وسعيدُ بن المُسيِّب إذا سألَ كلَّ واحدٍ منهما السَّائلُ: أيَّتُهما صلاتي؟ أي: أيَّتُهما التي يتَقَبَّلُ اللهُ منّي؟ أجابَه كلُّ واحدٍ منهما بأنّ ذلك ليس إليه عِلْمُه، وأنّ ذلك أمرٌ عِلْمُه إلى الله، وهو تأويلٌ مُحتمَلٌ صحيحٌ، وقد تأوَّل هذا التَّأويلَ عبدُ الملكِ بن الماجِشُون، وقال: إنّ الأولَى هي صلاتُه. والنَّظرُ يُصَحِّحُ ما قالَه؛ لإجماعِ الفقهاءِ القائلين بأنّ شهودَ الجماعةِ ليس بفرض واجبٍ،

стр. 1647

على أنّ الذي صلّى وحدَه لو لم يَدخُل المسجدَ فيُعيدَ مع الجماعةِ لم يَكُنْ عليه شيءٌ، وفي قولِ ابن عمرَ: تُعادُ مع الإمام كلُّ صلاةٍ إلّا المغربَ والفجرَ. دليلٌ على أنّ الأخرى عندَه تطَوُّعٌ وسنّةٌ. ويَشهدُ لما ذكَرْنا ما رواه ابنُ أبي ذِئبٍ، عن عثمانَ بن عُبيد الله عنه، أنّ الأولَى صلاتُه (١). وممّا يُصَحِّحُ هذا المذهبَ أيضًا ما رواه أبو ذرٍّ، وأبو هريرةَ (٢)، وجماعةٌ (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال: "سيكونُ عليكم بعدِي أمراءُ يُؤَخِّرُونَ الصلاةَ عن مواقِيتِها، فصلُّوا الصلاةَ لوقتِها، واجعَلوا صلاتَكم معهم سُبْحَةً"؛ أي: نافلةً. وحديثُ يزيدَ بن الأسودِ الخزاعيِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا صلَّيْتُما في رحالِكما ثمّ أتَيْتُما الناسَ وهم يُصلُّون فصَلِّيا معهم، فإنّها لكما نافلةٌ". وهذه الأحاديثُ تدُلُّ على أنّ الأولَى فرضُه والثانيةَ تطوُّعٌ له، وتدُلُّ أيضًا على أن إعادةَ الصلاةِ مع الإمام أنّه أمرٌ عامٌّ من غير تَخْصيصٍ ولا تَعيين. وذكر أبو بكرٍ الأثرمُ (٤)، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدّثنا جريرُ بن حازم، قال: سمِعتُ حمّادًا قال: كان إبراهيمُ يقولُ: إذا نوَى الرجلُ صلاةً وكتَبَتْها الملائكةُ، فمَن يَستطيعُ أنْ يُحَوِّلَها؟ فما صلَّى بعدَها فهو تطوُّعٌ.

стр. 1648

قرأتُ على عبدِ الوارث بن سفيان: حدَّثكم قاسمُ بن أصبغَ؟ قال: نعمْ، حدَّثنا، قال: حدّثنا عبيدُ بن عبد الواحد بن شريكٍ، قال: حدّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا هُشيمُ بن بَشيرٍ، قال: أخبَرنا يعلَى بن عطاءٍ، عن جابرِ بن يزيدَ بن الأسود، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه أُتِيَ برَجُلين بعدَما صلَّى الغَداةَ، كانا في آخرِ المسجدِ، لمْ يُصَلِّيا معه، قالا: كنا قد صَلَّيْنا في رِحالِنا. قال: "فلا تَفْعَلا، إذا صَلَّيْتُما في رِحالِكما ثم أَتَيْتُما مسجدَ جماعةٍ فصَلِّيا معهم، فإنّها لكما نافلة" (١). وهذا نصٌّ في موضع الخلاف يَقطَعُه، وبالله التوفيقُ. وروَى شُعبةُ (٢)، عن يَعلَى بن عطاءٍ، بإسنادِه مثلَه سواءً. والحُجّةُ لمالكٍ والقائلين بقَولِه: أنَّ الصَّلواتِ كلَّها تُعادُ مع الإمام إلّا المغربَ، قولُه ﷺ : "صلاةُ اللَّيل مثنَى مثنَى". وقولُه ﷺ : "لا وِتْران في ليلةٍ" (٣). ومعلومٌ أنّ المغربَ إنْ أعادَها كانت إحدَى صَلاتَيْه تَطوُّعًا، وسُنَّةُ التَّطوُّعِ أنْ تُصَلَّى رَكْعتَين، وغيرُ جائزٍ أنْ يكونَ وِتران في ليلةٍ؛ لأنّ ذلك لو كان صار شَفْعًا وبطَل معنَى الوترِ، فلمّا كان في إعادةِ المغربِ مخالفةٌ لهذين الحديثين منَع مالكٌ من إعادتِها، ولا يَدْخُلُ على مَن قال بقوله في إعادةِ العصرِ والصُّبحِ مع الإمام مخالفةٌ لحديث النَّهْي عن التَّطوُّع بالنافلةِ بعدَ الصبحِ والعصرِ؛ لأنّهم لا يقولون

стр. 1649

أنّ الثانيةَ نافلةٌ، بل يقولون: إنّا لا نَعلمُ أيَّ الصَّلاتَين فرضُه. ولا يَأمُرونه أنْ يدْخُلَ مع الإمام إلّا بنيةِ الفرض؛ ثم ذلك إلى الله يَجْعَلُها أيَّتَهما شاء، فأيَّتَهما جعَلها، فالأخرَى تَطَوُّعٌ. والأغلبُ عندَهم في الظَّنِّ أنّ الثانيةَ فرضُه؛ لفَضْلِ صَلاةِ الجماعة على صلاةِ الفَذِّ، وتأوَّلوا قولَ رسولِ الله ﷺ في حديثِ يزيدَ بن الأسود: "فإنّها لكما نافلةٌ". قالوا: معنى نافلةٍ: فضيلةٌ وزيادةُ خَيْرٍ، ولا يُوجِبُ أنْ يكونَ معنى قولِه ذلك أنْ يكونَ تطوُّعًا، واحتجُّوا بقولِ الله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]؛ أي: فضيلةً، وبقوله : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]؛ أي: فضيلةٌ. ومِنْ أدلِّ دليلٍ على أنّ الأولَى فرضُه والثانيةَ نَفلٌ على مذهَبِ مالكٍ وأصحابِه ممّا لم يَختلِفوا فيه: أنّهم لم يختَلِفوا أنّ من صلَّى وحدَه لا يكونُ إمامًا في تلك الصلاة، فدلَّ على أنّها غيرَ فريضةٍ، وإذا كانت غيرَ فريضةٍ كانت تطوُّعًا (١)، وبالله التوفيقُ.

стр. 1650

حديثٌ موفي عشرينَ لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ (٢)، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَيْنٍ، عن أبيه، أنّ ابن عباسٍ والمِسْوَرَ بن مَخرمةَ، اختلَفا بالأَبْواءِ (٣)؟ فقال ابنُ عباسٍ: يَغسلُ المُحرِمُ رأسَه. وقال المِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المُحرِمُ رأسَه. قال: فأرسَلني ابنُ عباس (٤) إلى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، فوَجَدتُه يَغتسِلُ بين القَرْنَيْن، وهو يُسْتَرُ بثوبٍ. قال (٥): فسلَّمْتُ عليه، فقال: من هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ الله بن حُنَيْنٍ، أرسَلَني إليك عبدُ الله بن عباسٍ أسألُك: كيف كان رسولُ الله ﷺ يَغسِلُ رأسَه وهو مُحْرِمٌ؟ قال: فوضَع أبو أيُّوبَ يدَه على الثَّوبِ، فطأَطأَه حتى بدَا لي رأسُه، ثم قال لإنسانٍ يَصُبُّ عليه: اصْبُبْ. فصَبَّ على رأسِه، ثم حرَّك رأسَه بيَدَيْه، فأقْبَل بهما وأدبَر، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعلُ. روى يحيَى بن يحيَى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن نافعٍ، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَيْنٍ، عن أبيه، فذكَره. ولم يُتابِعْه على إدخالِ نافع بين زيدِ بن أسلمَ وبين إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَينٍ، أحدٌ من رُواةِ "الموطَّأ" عن

стр. 1651

مالكٍ فيما عَلِمْتُ (١). وذِكرُ نافعٍ في هذا الإسنادِ عن مالك خطأٌ عندي لا أشُكُّ فيه؛ فلذلك لم أرَ لذِكرِه في الإسنادِ وجهًا، وطرَحْتُه منه كما طرَحه ابنُ وضَّاح (٢) وغيرُه، وهو الصوابُ إن شاء اللهُ، وهذا مما يُحْفَظُ من خطإ يحيى بن يحيى في "الموطّأ" وغَلَطِه. ومثلُ هذا من غَلَطِه الواضح أيضًا روايَتُه في كتاب الحجِّ أيضًا عن مالكٍ (٣)، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بن أبي بكرِ بن حَزْمٍ: أنّ رسولَ الله ﷺ أهدَى جَمَلًا كان لأبي جهلِ بن هشام. وهذا غلطٌ غيرُ مُشكِلٍ، وليس لذكرِ نافعٍ في هذا الإسنادِ وجهٌ؛ وإنّما رَواه مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، لا عن نافعٍ، وكذلكَ هو عند كلِّ من روَى الموطَّأ عن مالكٍ. وقد روَى عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَينٍ هذا ابنُ شهابٍ، ونافعٌ مولَى عبدِ الله بن عمرَ، وزيدُ بن أسْلَمَ، ومحمدُ بن عَمْرٍو، ومحمدُ بن إسحاقَ، والحارثُ بن أبي ذُبابٍ، ويزيدُ بن أبي حبيب، وأبو الأسودِ محمدُ بن عبد الرحمن، وموسَى بن عُبيدَة، وغيرُهم. وحُنَيْن جَدُّ إبراهيمَ هذا، يقالُ: إنّه مولَى العباسِ بن عبد المُطَّلب. وقيلَ: مولَى عليِّ بن أبي طالب، فاللهُ أعلمُ (٤).

стр. 1652

واختُلِف على إبراهيمَ بن عبدِ الله بن حُنَيْنٍ هذا في حديثه عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، في النَّهْي عن القراءةِ في الركوع، والتَّخَتُّم بالذَّهب، اختلافًا يَدُلُّ على أنّه لم يَكُنْ بالحافظِ (١)، واللهُ أعلمُ. وسنَذْكُرُ ذلك في باب حديثِ نافعٍ، من كتابِنا هذا إن شاء الله. وروَى هذا الحديثَ ابنُ عُيَيْنةَ، عن زيدِ بن أسلَمَ بإسنادِه، وقال في آخره: قال المِسْوَرُ بن مَخْرَمةَ لابن عباسٍ: والله لا مارَيْتُكَ أبدًا. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: حدَّثنا زيدُ بن أسلَمَ، عن إبراهيمَ بن عبد الله بن حُنَيْن، عن أبيه، قال: تَمارَى ابنُ عباس والمِسْوَرُ بن مَخرمةَ في المُحرِم يَغْسِلُ رأسَه بالماء، وهما بالعَرْج، فأرسَلُوني إلى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ أسألُه. قال: فأتيْتُه وهو يَغتسِلُ بين قَرْنَي البئرِ، فسَلَّمْتُ عليه، فرفَع رأسَه وضمَّ ثوبَه إلى صدرِه، حتى إنِّي لأنظُرُ إلى صدرِه، فقلتُ: أرسلَني إليك ابنُ أخيكَ عبدُ الله بن عباسٍ أسألُكَ: كيف كان رسولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رأسَه وهو مُحْرِمٌ؟ قال: فغرَف الماءَ على رأسِه، وأمَرَّ على رأسِه فأقبَل به وأدْبَر، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعلُ. فقال المِسْوَرُ: والله لا مارَيْتُكَ أبدًا (٢). وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الصحابةَ إذا اختلَفوا لم تكُنِ الحجَّةُ في قولِ واحدٍ منهم إلّا بدليلٍ يَجبُ التّسليمُ له من الكتابِ أو السُّنةِ؛ ألَا ترَى أنّ ابنَ عبّاسٍ والمِسْوَرَ بن مَخْرَمةَ - وهما من فقهاءِ الصحابة، وإن كانا من

стр. 1653

أصغرِهم سنًّا - اختَلَفا، فلم يَكُنْ لواحدٍ منهما حجّةٌ على صاحبِه، حتى أدلَى ابنُ عباسٍ بالسُّنَّة ففلَج (١)، وهذا يُبيِّنُ لك أنّ قولَ النبيِّ ﷺ : "أصحابي كالنُّجوم" (٢) هو على ما فسَّره المُزَنيُّ وغيرُه من أهلِ النَّظَرِ: أنّ ذلك في النَّقْل؛ لأنّ جميعَهم ثِقاتٌ مأمونٌ عدلٌ رضًى، فواجبٌ قَبولُ ما نقَل كلُّ واحدٍ منهم وشهِد به على نَبيِّه ﷺ ، ولو كانوا كالنُّجوم في رأيهم واجتهادِهم إذا اختلَفوا، لقال ابنُ عبّاسٍ للمِسْوَر: أنتَ نجمٌ وأنا نجمٌ، فلا عليكَ، وبأيِّنا اقتُديَ في قولِه فقد اهتُدِيَ، ولَمَا احتاجَ إلى طلبِ البَيِّنَةِ والبُرهان من السُّنَّة على صحَّةِ قولِه. وسائرُ الصحابة ﵃ إذا اختلَفوا، حُكْمُهم في ذلك كحُكم ابن عباسٍ والمِسْوَرِ بن مَخرمَةَ سواءً، وهم أوَّلُ من تلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. قال العلماءُ: إلى كتابِ الله، وإلى (٣) نَبيِّه ﷺ ، فإنْ قُبِضَ فإلى سُنَّتِه؛ ألا ترَى أنَّ ابنَ مسعودٍ قيلَ له: إنّ أبا موسَى الأشْعَريَّ قال في أُختٍ وابنةٍ، وابنةِ ابنٍ: إنّ للابنةِ النِّصفَ وللأختِ النِّصفَ، ولا شيءَ لبنتِ الابن، وأنَّه قال للسائل: ائتِ ابنَ مسعودٍ، فإنّه سيُتابِعُنا. فقال ابنُ مسعودٍ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦].

стр. 1654

بل أقضِي فيها بقضاءِ رسولِ الله ﷺ : للبنتِ النِّصفُ، ولبنتِ الابنِ السُّدُسُ تَكمِلَةَ الثُّلُثَين، وما بقي فللأخت (١). وبعضُهم لم يَرْفَعْ هذا الحديثَ، وجعَله موقوفًا على ابن مسعودٍ، وكلُّهم روَى فيه، أنّه تلا: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ الآية. وفي "الموطَّأ" (٢): أنّ أبا موسى أفتَى بجوازِ رَضاعِ الكبير، فردَّ ذلك عليه ابنُ مسعودٍ، فقال أبو موسى: لا تسألوني، ما دام هذا الحَبْرُ بين أظهُرِكم. وروَى مالكٌ (٣) أنّ ابنَ مسعودٍ رجَع عن قولِه في الرَّبيبةِ إلى قول أصحابِه بالمدينة.

стр. 1655

وهذا البابُ في اختلافِ الصحابة، ورَدِّ بعضِهم على بعضٍ، وطلبِ كلِّ واحدٍ منهم الدليلَ والبُرهانَ على ما قاله من الكتابِ والسُّنَّة - إذا خالَفه صاحبُه - أكثَرُ من أنْ يُجْمَعَ في كتابٍ، فضلًا عن أنْ يُكتَبَ في بابٍ، والأمرُ فيه واضحٌ. وإذا كان هذا محَلَّ الصحابةِ ﵃، وهم أولو العلم والدِّين والفضل، وخيرُ أمّةٍ أُخْرِجَتْ للناس، وخيرُ القرونِ، ومَن قد ﵃ وأخبَر بأنّهم رَضُوا عنه، وأثنَى عليهم بأنّهم الرُّحماءُ بينَهم، الأشدَّاءُ على الكفّار، الرُّكَّعُ السُّجَّدُ، وأنّهم الذين أوتوا العلمَ. قال مجاهدٌ وغيرُه (١) في قول الله : ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. قال: أصحابُ محمدٍ ﷺ . إلى كثيرٍ من ثَناءِ الله عليهم، واخْتيارِه إيّاهم لصُحبَةِ نبيّه ﷺ ، فإذا كانوا، وهم بهذا المَحَلِّ من الدِّينِ والعلمِ، لا يكونُ أحدُهم على صاحبِه حُجَّةً، ولا يَسْتَغني عند خلافِ غيرِه له عن حجَّةٍ من كتابِ الله أو سُنَّة رسولِه ﷺ ، فمَن دونَهم أولَى وأحرَى أن يَحتاجَ إلى أن يَعْضُدَ قولَه بوجهٍ يُوجبُ التَّسْليمَ له. حدَّثني أحمدُ بن فتحٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ بن عُتْبَةَ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمد (٢) بن عبد العزيز العُمَريُّ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن داودَ بن أبي زَنبَرٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن داودَ بن

стр. 1656

الحُصين، عن طاوُوسٍ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، قال: العلمُ ثلاثةُ أشياءَ: كتابٌ ناطقٌ، وسُنَّهٌ ماضيةٌ، ولا أدرِي (١). وروَى ابنُ وَهْبٍ (٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الرّحمن بن زيادٍ المَعافريُّ، عن عبد الرّحمن بن رافع التَّنُوخيِّ، عن عبد الله بن عَمْرِو بن العاصِ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "العلمُ ثلاثةٌ، فما سوَى ذلك فهو فَضْلٌ: آيةٌ محكمةٌ، وسُنَّةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ" (٣). وقال إسماعيلُ القاضي: حدَّثنا أبو ثابتٍ، عن ابن وَهْب، قال: قال مالكٌ: الحُكمُ حُكْمان: حُكْمٌ جاء به كتابُ الله، وحُكْمٌ أحْكَمَتْه السُّنةُ. قال: ومُجتهِدٌ رأيَه فلعلَّه يُوفَّقُ، قال: ومُتكلِّف، فطعَن عليه (٤). وذكر ابنُ وضَّاح، عن محمدِ بن يحيَى، عن ابن وَهْبٍ، قال: قال لي مالكٌ: الحُكْمُ الذي يَحكُمُ به الناسُ حُكْمان: ما في كتابِ الله أو أحْكَمَتْه السُّنةُ، فذلكَ الحُكْمُ الواجبُ، وذلك الصوابُ، والحكمُ الذي يَجْتَهِدُ فيه الحاكمُ برَأْيه، فلعلَّه يُوفَّقُ، وثالثٌ مُتَكَلِّفٌ، فما أحْراه ألّا يُوفَّقَ. قال: وقال لي مالكٌ: الحكمةُ والعلمُ.

стр. 1657

وقال مرّةً: والفِقْهُ نورٌ يهدِي اللهُ به من يشاءُ من خَلْقِه، ويؤتِيه مَن أحبَّ من عبادِه، وليس بكثرةِ المسائل (١). قال أبو عُمر: إجماعُ الصحابةِ حجَّةٌ ثابتةٌ، وعلمٌ صحيحٌ، إذا كان طريقُ ذلك الإجماع التَّوقِيفَ، فهو أقوَى ما يكونُ من السُّنن، وإن كان اجتهادًا، ولم يكنْ في شيءٍ من ذلك مُخالِفًا، فهو أيضًا علمٌ وحُجَّةٌ لازمةٌ؛ قال اللهُ : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] وهكذا إجماعُ الأُمَّة إذا اجْتَمَعتْ على شيءٍ، فهو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، لأنّها لا تَجتَمِعُ على ضلالٍ. وما عدا هذه الأصولَ، فكما قال مالكٌ ﵀. وقد تقَصيَّنا الأقاويلَ في هذا الباب، في كتابِنا "في العلم" (٢)، فمَن أحبَّه تأمَّله هناك، وبالله تعالى التوفيق. وفي هذا الحديث دليلٌ، واللهُ أعلمُ، على أنّ ابنَ عباسٍ قد كان عندَه في غَسْلِ المُحرِم رأسَه علمٌ عن رسولِ إللّه ﷺ ، أنبَأَه بذلك أبو أيُوبَ أو غيرُه؛ لأنَّه كان يأخُذُ علمَ أصحابِ رسولِ الله ﷺ في السُّنَن وغيرِها عن جميعِهم، وَيختَلِفُ إليهم؛ ألَا ترَى إلى قولِ عبدِ الله بن حُنين لأبي أيُّوبَ ﵀: أرسَلني إليكَ ابنُ عباس أسألُكَ: كيفَ كان رسولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رأسَه وهو مُحرمٌ؟ - ولم يقُلْ: هل كان رسولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رأسَه وهو مُحرمٌ؟ على حسَبِ ما اختلَفا فيه، فالظاهرُ، واللهُ أعلمُ، أنّه قد كان عندَه من ذلكَ علمٌ. واختلَف أهلُ العلم في غَسْلِ المُحْرِم رأسَه بالماء، فكان مالكٌ لا يُجيزُ ذلك للمُحرِم ويَكْرَهُه له، ومن حُجَّته أنّ عبدَ الله بن عُمرَ كان لا يَغْسِلُ رأسَه

стр. 1658

وهو مُحرِمٌ إلّا من احتلامٍ (١). قال مالكٌ (٢): فإذا رَمَى المُحْرِمُ جَمْرَةَ العَقَبة جاز له غَسْلُ رأسِه - وإنْ لم يَحلِقْ - قبلَ الحَلْق؛ لأنّه إذا رمَى جَمْرَةَ العَقبة، فقد حلَّ له قَتْلُ القَمْلِ، وحَلْقُ الشَّعرِ، وإلقاءُ التَّفَثِ (٣)، ولُبسُ الثِّياب. قال: وهذا الذي سمِعْتُ من أهلِ العلم. وعندَ جُوَيْرِيةَ في هذا الباب عن مالكٍ حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، حدَّثناه عبدُ الرّحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ. وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، قالا: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال (٤): حدَّثنا سَوَّارُ بن سهلٍ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن ثعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ: أنّه رأى قيسَ بن سعدِ بن عُبادةَ غَسَل أحدَ شِقَّيْ رأسِه بالشَّجَرَةِ، ثم الْتَفَتَ فإذا هَدْيُه قد قُلِّدَتْ، فقام فأهَلَّ قبلَ أنْ يَغسِلَ شِقَّ رأسِه الآخرَ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بن حنبل،

стр. 1659

وأبو ثَوْر، وداودُ: لا بأسَ بأنْ يَغسِلَ المُحرِمُ رأسَه بالماء (١). وكان عمرُ بن الخطّابِ يَغْسِلُ رأسَه بالماء وهو مُحرِمٌ، ويقولُ: لا يَزِيدُه الماءُ إلّا شَعَثًا (٢). ورُوِيت الرُّخصةُ في ذلك أيضًا عن ابنِ عباسٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، وعليه جماعةُ التّابعين، وجمهورُ فقهاءِ المسلمين (٣). وقد أجمَعوا أنّ المُحْرِمَ يَغسِلُ رأسَه من الجَنابةِ، وأتباعُ مالكٍ في كراهيتِه للمُحرِم غَسلَ رأسِه بالماء قليل، وقد كان ابن وَهْبٍ وأشهبُ يتغاطَسان وهما مُحرِمان مخالفةً لابن القاسم في إبايَتِه من ذلك. وكان ابنُ القاسم يقولُ: إنّ مَن غَمَس رأسَهُ في الماءِ أطعَم شيئًا. خوفًا من قتلِ الدَّوابِّ، ولا بأسَ عندَ جميعِهم أن يَصُبَّ الماءَ على رأسِه المُحرِمُ لحَرٍّ يَجِدُه. وكان أشهبُ يقولُ: لا أكْرَهُ للمُحْرِم غَمسَ رأسِه في الماء. قال: وما يُخافُ في الغَمسِ يَنبغي أنْ يُخافَ مثلُه في صبِّ الماءِ على الرأسِ من الحَرِّ (٤). وأمّا غَسلُ المُحرِم رأسَه بالخَطْميِّ (٥) والسِّدْرِ، فالفقهاءُ على كراهيةِ ذلك، هذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأصحابهم، وكان مالكٌ وأبو حنيفةَ يَرَيان الفِدْيَةَ على المُحرِم إذا غسَل رأسَه بالخَطْميِّ (٦).

стр. 1660

وقال أبو ثورٍ: لا شيءَ عليه إذا فعَل ذلك (١). وكان عطاءٌ، وطاووسٌ، ومجاهدٌ يُرَخِّصون للمُحرِم إذا كان قد لَبَّدَ رأسَه في غسلِ رأسِه بالخَطْميِّ لِيَلينَ (٢). ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنّه كان يفعلُ ذلك (٣)، ويَحتمِلُ أن يكونَ هذا من فعل ابن عمرَ بعدَ رَمْي جَمرَةِ العَقَبَة (٤)، وكان ﵁ إذا لَبَّدَ حلَق، فإنّما كان فِعلُه ذلك، واللهُ تعالى أعلمُ، عَوْنًا على الحَلْق. واحتَجَّ بعضُ المُتأخِّرين على جوازِ غَسْلِ المُحرِم رأسَه بالخَطْمِيِّ بأنّ النبيَّ ﷺ أمَر بالمُحرم المَيِّتِ أنْ يَغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وأمَرهم أن يُجَنِّبُوه ما يَجتنِبُ المُحرِمُ (٥). قال: فدلَّ ذلك على إباحةِ غسلِ رأسِ المُحرِم بالسِّدْرِ. قال: والخَطْميُّ في معناه. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ اختلَف الفقهاءُ في القول به، وليس هذا موضعَ الكلام فيه. واختلَفوا أيضًا في دخولِ المُحرِم الحَمّامَ؛ فكان مالكٌ وأصحابُه يكْرَهون ذلك ويقولون: مَن دخَل الحمّامَ، فتدلَّك وأنْقَى الوسَخَ، فعليه الفِدْيَةُ (٦). وكان الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ،

стр. 1661

وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، لا يَرَوْن بدخولِ المُحرِم الحمَّامَ بأسًا (١). ورُوِيَ عن ابن عباسٍ من وجهٍ ثابتٍ: أنّه كان يَدْخلُ الحمَّامَ وهو مُحرِمٌ (٢). وفي هذا الحديث أيضًا استتارُ الغاسِل عندَ الغُسْل، ومعلومٌ أنّ الذي كان يَسْتُرُه بالثَّوْبِ لا يَطَّلِعُ منه على ما يَسْتترُ به عن مثلِه، فالسُّتْرَةُ واجبةٌ على القريبِ والبعيدِ، قال رسولُ الله ﷺ : "اسْتُرْ عورتَك إلّا عن زوجتِك أو أمَتِك" (٣). وهذا معناه عندَ الحاجة إلى ذلك لا غيرُ. وسيأتي في سَترِ العورة ما فيه كفايةٌ، في باب ابنِ شهابٍ، إن شاء الله تعالى. وأما قولُه: "يغتسل بين القَرْنين"، فقال ابنُ وَهْب: القَرْنان: العَمُودان المبنيان اللذان فيهما السَّانية على رأس الجُحْفَة. وقال غيرُه: هما حَجَران مُشْرفان أو عمودان على الحوض يقومُ عليهما السُّقاةُ.

стр. 1662

حديثٌ واحدٌ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسْندٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي يونسَ مولى عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ (٢)، أنّه قال: أمرَتني عائشةُ أن أكتُبَ لها مُصحفًا، ثم قالت: إذا بلَغْتَ هذه الآيةَ فآذنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فلمّا بَلغْتُها آذنتُها، فأمْلَتْ عليّ: "حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصر وقُوموا لله قانتين". ثم قالت: سَمِعتُها من رسولِ الله ﷺ . في هذا الحديث من الفقه: جوازُ دخولِ مملوكِ المرأةِ عليها. وفيه ما يَدلُّ على مذهبِ مَن قال: إنّ القرآنَ نُسِخَ منه ما ليس في مصحفنا اليومَ. ومن قال بهذا القول يقولُ: إنّ النسخَ على ثلاثة أوجُه في القرآن: أحدُها: ما نُسِخَ خطُّه وحكمُه وحفظُه ونُسيَ؛ يعني: رُفعَ خطُّه من المصحف، وليس حفظُه على وجهِ التِّلاوةِ ولا يُقْطعُ بصِحَّته على الله، ولا يَحكمُ به اليومَ أحدٌ، وذلك نحوُ ما رُوِيَ أنّه كان يُقرأُ: "لا تَرْغَبوا عن آبائكم، فإنّه كفرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبائكم" (٣).
следующие страницы →