← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1658–1697 · переход к 1663.

стр. 1658

وهو مُحرِمٌ إلّا من احتلامٍ (١). قال مالكٌ (٢): فإذا رَمَى المُحْرِمُ جَمْرَةَ العَقَبة جاز له غَسْلُ رأسِه - وإنْ لم يَحلِقْ - قبلَ الحَلْق؛ لأنّه إذا رمَى جَمْرَةَ العَقبة، فقد حلَّ له قَتْلُ القَمْلِ، وحَلْقُ الشَّعرِ، وإلقاءُ التَّفَثِ (٣)، ولُبسُ الثِّياب. قال: وهذا الذي سمِعْتُ من أهلِ العلم. وعندَ جُوَيْرِيةَ في هذا الباب عن مالكٍ حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، حدَّثناه عبدُ الرّحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ. وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن محمدٍ الصَّفّارُ، قالا: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال (٤): حدَّثنا سَوَّارُ بن سهلٍ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن ثعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرَظيِّ: أنّه رأى قيسَ بن سعدِ بن عُبادةَ غَسَل أحدَ شِقَّيْ رأسِه بالشَّجَرَةِ، ثم الْتَفَتَ فإذا هَدْيُه قد قُلِّدَتْ، فقام فأهَلَّ قبلَ أنْ يَغسِلَ شِقَّ رأسِه الآخرَ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بن حنبل،

стр. 1659

وأبو ثَوْر، وداودُ: لا بأسَ بأنْ يَغسِلَ المُحرِمُ رأسَه بالماء (١). وكان عمرُ بن الخطّابِ يَغْسِلُ رأسَه بالماء وهو مُحرِمٌ، ويقولُ: لا يَزِيدُه الماءُ إلّا شَعَثًا (٢). ورُوِيت الرُّخصةُ في ذلك أيضًا عن ابنِ عباسٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، وعليه جماعةُ التّابعين، وجمهورُ فقهاءِ المسلمين (٣). وقد أجمَعوا أنّ المُحْرِمَ يَغسِلُ رأسَه من الجَنابةِ، وأتباعُ مالكٍ في كراهيتِه للمُحرِم غَسلَ رأسِه بالماء قليل، وقد كان ابن وَهْبٍ وأشهبُ يتغاطَسان وهما مُحرِمان مخالفةً لابن القاسم في إبايَتِه من ذلك. وكان ابنُ القاسم يقولُ: إنّ مَن غَمَس رأسَهُ في الماءِ أطعَم شيئًا. خوفًا من قتلِ الدَّوابِّ، ولا بأسَ عندَ جميعِهم أن يَصُبَّ الماءَ على رأسِه المُحرِمُ لحَرٍّ يَجِدُه. وكان أشهبُ يقولُ: لا أكْرَهُ للمُحْرِم غَمسَ رأسِه في الماء. قال: وما يُخافُ في الغَمسِ يَنبغي أنْ يُخافَ مثلُه في صبِّ الماءِ على الرأسِ من الحَرِّ (٤). وأمّا غَسلُ المُحرِم رأسَه بالخَطْميِّ (٥) والسِّدْرِ، فالفقهاءُ على كراهيةِ ذلك، هذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأصحابهم، وكان مالكٌ وأبو حنيفةَ يَرَيان الفِدْيَةَ على المُحرِم إذا غسَل رأسَه بالخَطْميِّ (٦).

стр. 1660

وقال أبو ثورٍ: لا شيءَ عليه إذا فعَل ذلك (١). وكان عطاءٌ، وطاووسٌ، ومجاهدٌ يُرَخِّصون للمُحرِم إذا كان قد لَبَّدَ رأسَه في غسلِ رأسِه بالخَطْميِّ لِيَلينَ (٢). ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنّه كان يفعلُ ذلك (٣)، ويَحتمِلُ أن يكونَ هذا من فعل ابن عمرَ بعدَ رَمْي جَمرَةِ العَقَبَة (٤)، وكان ﵁ إذا لَبَّدَ حلَق، فإنّما كان فِعلُه ذلك، واللهُ تعالى أعلمُ، عَوْنًا على الحَلْق. واحتَجَّ بعضُ المُتأخِّرين على جوازِ غَسْلِ المُحرِم رأسَه بالخَطْمِيِّ بأنّ النبيَّ ﷺ أمَر بالمُحرم المَيِّتِ أنْ يَغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وأمَرهم أن يُجَنِّبُوه ما يَجتنِبُ المُحرِمُ (٥). قال: فدلَّ ذلك على إباحةِ غسلِ رأسِ المُحرِم بالسِّدْرِ. قال: والخَطْميُّ في معناه. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ اختلَف الفقهاءُ في القول به، وليس هذا موضعَ الكلام فيه. واختلَفوا أيضًا في دخولِ المُحرِم الحَمّامَ؛ فكان مالكٌ وأصحابُه يكْرَهون ذلك ويقولون: مَن دخَل الحمّامَ، فتدلَّك وأنْقَى الوسَخَ، فعليه الفِدْيَةُ (٦). وكان الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ،

стр. 1661

وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، لا يَرَوْن بدخولِ المُحرِم الحمَّامَ بأسًا (١). ورُوِيَ عن ابن عباسٍ من وجهٍ ثابتٍ: أنّه كان يَدْخلُ الحمَّامَ وهو مُحرِمٌ (٢). وفي هذا الحديث أيضًا استتارُ الغاسِل عندَ الغُسْل، ومعلومٌ أنّ الذي كان يَسْتُرُه بالثَّوْبِ لا يَطَّلِعُ منه على ما يَسْتترُ به عن مثلِه، فالسُّتْرَةُ واجبةٌ على القريبِ والبعيدِ، قال رسولُ الله ﷺ : "اسْتُرْ عورتَك إلّا عن زوجتِك أو أمَتِك" (٣). وهذا معناه عندَ الحاجة إلى ذلك لا غيرُ. وسيأتي في سَترِ العورة ما فيه كفايةٌ، في باب ابنِ شهابٍ، إن شاء الله تعالى. وأما قولُه: "يغتسل بين القَرْنين"، فقال ابنُ وَهْب: القَرْنان: العَمُودان المبنيان اللذان فيهما السَّانية على رأس الجُحْفَة. وقال غيرُه: هما حَجَران مُشْرفان أو عمودان على الحوض يقومُ عليهما السُّقاةُ.

стр. 1662

حديثٌ واحدٌ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسْندٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي يونسَ مولى عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ (٢)، أنّه قال: أمرَتني عائشةُ أن أكتُبَ لها مُصحفًا، ثم قالت: إذا بلَغْتَ هذه الآيةَ فآذنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فلمّا بَلغْتُها آذنتُها، فأمْلَتْ عليّ: "حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصر وقُوموا لله قانتين". ثم قالت: سَمِعتُها من رسولِ الله ﷺ . في هذا الحديث من الفقه: جوازُ دخولِ مملوكِ المرأةِ عليها. وفيه ما يَدلُّ على مذهبِ مَن قال: إنّ القرآنَ نُسِخَ منه ما ليس في مصحفنا اليومَ. ومن قال بهذا القول يقولُ: إنّ النسخَ على ثلاثة أوجُه في القرآن: أحدُها: ما نُسِخَ خطُّه وحكمُه وحفظُه ونُسيَ؛ يعني: رُفعَ خطُّه من المصحف، وليس حفظُه على وجهِ التِّلاوةِ ولا يُقْطعُ بصِحَّته على الله، ولا يَحكمُ به اليومَ أحدٌ، وذلك نحوُ ما رُوِيَ أنّه كان يُقرأُ: "لا تَرْغَبوا عن آبائكم، فإنّه كفرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبائكم" (٣).

стр. 1663

ومنها: "لو أنّ لابن آدمَ واديًا من ذهبٍ لابْتَغَى إليه ثانيًا، ولو أنّ له ثانيًا لابتغَى إليه ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلّا الترابُ، ويتُوبُ اللهُ على من تابَ" (١). قيلَ: إنّ هذا كان في سورة "ص". ومنها: "بَلِّغوا قوجمَنا أنّا قد لَقِينا رَبَّنا فرَضيَ عنّا ورَضِينا عنه". وهذا من حديث مالكٍ، عن إسحاقَ (٢)، عن أنسىٍ، أنّه قال: أنزَل اللهُ في الذين قُتِلوا ببِئْرِ مَعونةَ قُرآنا قرَأْناه ثم نُسِخَ بعدُ: "بلِّغُوا قومَنا" (٣)، وذكَره. ومنها قولُ عائشةَ: كان فيما أنزَل اللهُ من القرآن عشرُ رَضَعاتٍ، ثم نُسِخْنَ بخَمْسٍ معلوعاتٍ، فتوفِّي رسولُ الله ﷺ وهن ممّا يُقرَأُ (٤) إلى أشياءَ في مُصْحَفِ أُبيٍّ، وعبدِ الله، ومصحفِ حفصةَ، وغيرِهم ممّا يطولُ ذِكرُه.

стр. 1664

ومن هذا الباب قولُ من قال: إنّ سورةَ "الأحزاب" كانت نحوَ سورةِ "البقرة" أو "الأعراف". روَى سفيانُ وحمّادُ بن زيدٍ، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش قال: قال لي أُبَيُّ بن كعب: كأيِّنْ تَقرأُ سورةَ الأحزاب، أو كأيِّنْ تعُدُّها؟ قلتُ: ثلاثًا وسبعينَ آيةً. قال: قَطْ، لقد رأيْتُها وإنّها لتعادِلُ البقرةَ، ولقد كان فيما قَرَأْنا فيها: "الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهما ألبَتّةَ نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيمٌ" (١). وقال مسلمُ بن خالدٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، قال: كانت سورةُ الأحزاب تُقارِنُ سورةَ البقرةِ. وروَى أبو نُعيم الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا سيفٌ (٢)، عن مجاهدٍ، قال: كانت "الأحزابُ" مثلَ سورةِ "البقرة" أو أطولَ، ولقد ذهَب يومَ مُسيلِمةَ قرآنٌ كثيرٌ، ولم يذهَبْ منه حلالٌ ولا حرامٌ (٣). أخبَرنا عيسى بن سعيدِ بن سعدانَ المقرئ، قال: أخبرنا أبو القاسم إبراهيمُ بن أحمدَ بن جعفرٍ الخِرَقيُّ المقرئُ، قال: أخبَرنا أبو الحسن صالحُ بن

стр. 1665

أحمدَ القِيراطيُّ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن محمدِ بن يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ، قال: أخبَرني يحيى بنُ آدمَ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن الأجْلَح، عن أبيه، عن عديِّ بن عديِّ بن عَميرةَ بن فَروةَ، عن أبيه، عن جدِّه عَميرةَ بن فَروةَ، أنّ عمرَ بن الخطاب قال لأُبيٍّ وهو إلى جَنْبِه: أوليس كُنّا نَقرأُ فيما نقرَأُ من كتابِ الله: "إنّ انتفاءَكم من آبائِكم كفرٌ بكم"؟ فقال: بلَى. ثم قال: أوليس كنّا نقرأ: "الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ". فيما فَقَدْنا من كتاب الله؟ فقال أُبيٌّ: بلَى (١). والوجه الثاني: أنْ يُنسَخَ خطُّه ويبقَى حكمُه، وذلك نحوُ قولِ عمرَ بن الخطاب: لولا أنْ يقولَ قومٌ: زادَ عمرُ في كتابِ الله لكَتَبْتُها بيدِي: "الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيَا فارْجُموهما ألبَتّةَ بما قَضَيا من اللَّذَّةِ نكالًا من الله واللهُ عزيزٌ حكيمٌ"، فقد قَرَأناها على عهدِ رسولِ الله ﷺ (٢). فهذا ممّا نُسِخَ ورُفِعَ خطُّه من المصحفِ وحكمُه باقٍ في الثَّيِّبِ من الزُّناة إلى يوم القيامةِ إن شاء اللهُ عندَ أهل السُّنَّة.

стр. 1666

ومن هذا الباب قولُه في هذا الحديث: "وصلاة العصر"، في مذهب مَن نفَى أن تكونَ الصلاةُ الوسطَى هي صلاةَ العصر. وقد تأوَّلَ قومٌ في قول عمر: قَرَأناها على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، أي: تلَوناها، والحكمةُ تُتْلَى، بدليل قول الله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. وبينَ أهلِ العلم في هذا نزاعٌ (١) يطولُ ذكرُه. والوجه الثالثُ: أنْ يُنْسَخَ حكمُه ويبقَى خطُّه يُتْلَى في المصحفِ، وهذا كثيرٌ نحوُ قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، نسَخَتْها: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]. وهذا من الناسخِ والمنسوخِ المُجتَمَع عليه. وقد أنكَر قومٌ أن يكونَ هذا الحديثُ في شيءٍ من معنى الناسخ والمنسوخ، وقالوا: إنما هو من معنى السبعةِ الأحرفِ التي أنزلَ الله القرآنَ عليها، نحوَ قراءةِ عمرَ بن الخطاب، وابن مسعودٍ (٢)، رحمهما اللهُ: "فامْضوا إلى ذكرِ الله"، وقراءةِ

стр. 1667

ابنِ مسعودٍ: "فلا جُناحَ عليه ألّا يطَّوَّفَ بهما" (١)، وقراءةِ أُبيٍّ وابن عباسٍ: "وأمّا الغلامُ فكان كافرًا وكان أبواه مُؤمنَين" (٢)، وقراءة ابن مسعودٍ وابن عباسٍ: "فلمّا خَرَّ تَبيَّنَتِ الإنسُ أن لو كان الجنُّ يَعلَمونَ الغيبَ" (٣)، ونحو هذا من القراءاتِ المُضافَة إلى الأحرُفِ السبعةِ، وقد ذكَرْنا ما للعلماءِ من المذاهبِ في تأويلِ قولِ رسولِ الله ﷺ : "أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرُفٍ" (٤) في باب ابن شهابٍ، عن عروةَ، من هذا الكتاب. وقد أبَتْ طائفةٌ أن يكونَ شيءٌ من القرآن إلّا ما بينَ لَوْحَيْ مصحفِ عثمانَ؛ واحتحوا بقولِ الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] إلى أشياءَ احتجُّوا بها يطُولُ ذكرُها. وأجمَع العلماءُ أنّ ما في مصحفِ عثمانَ بن عفانَ، وهو الذي بأيْدِي المسلمينَ اليومَ في أقطارِ الأرض حيثُ كانوا، هو القرآنُ المحفوظُ الذي لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يتَجاوَزَه، ولا تَحِلُّ الصلاةُ لمسلم إلّا بما فيه، وأنّ كلَّ ما رُوِيَ من القراءات

стр. 1668

في الآثارِ عن النبيِّ ﷺ ، أو عن أُبَيٍّ، أو عمرَ بن الخطاب، أو عائشةَ، أو ابنِ مسعودٍ، أو ابنِ عباسٍ، أو غيرهم من الصحابةِ ممّا يُخالِفُ مصحفَ عثمانَ المذكورَ، لا يُقطعُ بشيءٍ من ذلك على الله ، ولكنّ ذلك في الأحكام يَجري في العملِ مَجرَى خبرِ الواحد. وإنّما حَلَّ مصحفُ عثمانَ ﵁ هذا المَحَلَّ؛ لإجْماع الصحابةِ وسائرِ الأُمَّةِ عليه، ولم يُجْمِعوا على ما سِواه، وبالله التوفيقُ. ويُبيِّنُ لك هذا أنّ مَن دفَع شيئًا ممّا في مصحفِ عثمانَ كفَر، ومن دفَع ما جاءَ في هذه الآثارِ وشِبْهِها من القراءاتِ لم يَكْفُرْ. ومثلُ ذلك مَن أنكَر صلاةً من الصلواتِ الخمسِ واعتقَد أنّها ليستْ واجبةً عليه كَفَر، ومَن أنكَر أنْ يكونَ التَّسليمُ من الصلاة، أو قراءةُ أُمِّ القرآنِ أو تكبيرةُ الإحرام فرضًا لم يَكْفُرْ، ونُوظِرَ، فإن بانَ له فيه الحُجَّةُ وإلّا عُذِرَ إذا قامَ له دَليلُه، وإنْ لم يَقُمْ له على ما ادَّعاه دليلٌ مُحتَمِلٌ هُجِرَ وبُدِّعَ، فكذلك ما جاء من الآيات المُضافاتِ إلى القرآنِ في الآثارِ، فقِفْ على هذا الأصل، فإنّه (١) أصلٌ عظيمٌ في معناه. وفي هذا الحديث: دليلٌ على أنّ الصلاةَ الوسطَى ليستْ صلاةَ العصر؛ لقوله فيه: "وصلاةِ العصرِ". وهذه الواوُ تُسمَّى الواوَ الفاصلة (٢).

стр. 1669

وحديثُ عائشةَ هذا صحيحٌ لا أعلمُ فيه اختلافًا. وقد رُوِيَ عن حفصةَ في هذا نحوُ حديثِ عائشةَ سواءً؛ رواه مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَمْرِو بن رافع، أنّه قال: كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصةَ أُمِّ المؤمنين، فقالت: إذا بَلَغْتَ هذه الآيةَ فآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ هو [البقرة: ٢٣٨]. فلمّا بَلَغْتُها، آذَنْتُها فأمْلَتْ عليَّ: "حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ وقوموا لله قانتين". هكذا رواه مالكٌ موقوفًا، وحديثُ حفصةَ هذا قد اختُلِفَ في رفعِه وفي مَتْنِه أيضًا، وممّن رفَعه عن زيدٍ هشامُ بن سعدٍ (٢). حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المطَّلبُ بن شعيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدّثني هشامٌ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَمْرو بن رافع، أنّه قال: أمَرَتْني حفصةُ أنْ أكتُبَ طا مُصحفًا، فقالت: إذا بلَغْتَ آيةَ الصلاةِ من "البقرة" فتعالَ أُمْلِها عليك. قال: فلمّا بلَغْتُها جِئتُها، فقالت: "حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ". هكذا سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ (٣). وذكَر إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، أنّ حفصةَ أمرَتْ أنْ يُكتَبَ

стр. 1670

لها مُصحفٌ، فقالت: إذا أتَيْتَ على ذكرِ الصلواتِ فلا تَكْتُبْ حتى أُمْلِيَها عليك كما سَمِعْتُها من رسولِ الله ﷺ : "حافِظُوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصر". قال نافعٌ: فرأيتُ الواوَ فيها. قال عُبيدُ الله: وكان زيدُ بن ثابتٍ يقولُ: صلاةُ الوسطَى صلاةُ الظهر (١). قال أبو عُمر: هذا إسنادٌ صحيحٌ جيد في حديثِ حفصة (٢)، ووجدتُ في أصلِ سماعِ أبي ﵀، بخَطِّه، أنّ أبا عبدِ الله محمدَ بن أحمدَ بن قاسم بن هلالٍ حدَّثهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزوقٍ، قال: أخبَرنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمة، عن عُبيد الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أنّها قالت لكاتبِ مصحفِها: إذا بلَغْتَ مواقيتَ الصلاةِ فأخبِرْني حتى أُخْبِرَك ما سمِعْتُ من رسولِ الله ﷺ يقولُ. فلمّا أخبَرْتُها قالت: اكْتُبْ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصر" (٣). وروَى هُشيمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن إياسٍ، عن رجلٍ حدَّثه، عن سالم بن عبد الله، أنّ حفصةَ أُمَّ المؤمنينَ أمرَتْ رجلًا يَكتبَ لها مصحفًا، فقالت: إذا بَلغتَ هذه الآيةَ فآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلمّا بلَغْتُها أعْلمْتُها

стр. 1671

ذلك، فقالت له: اكتُبْ: "حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى صلاةِ العصر". هكذا ذ كره سُنيدٌ وغيرُه، عن هُشيم (١). ففي هذا الحديث أنّها جَعَلَتْ صلاةَ العصر بدلًا من الصلاةِ الوسطَى، إذ لم تأتِ فيه بالواو، فلو صحَّ هذا كانت صلاةُ العصر هي الصلاةَ الوسطَى. واحْتَجَّ بعضُ من زعَم أنّ الصلاةَ الوسطَى صلاةُ العصرِ بحديثِ هُشيم هذا وما كان مثلَه، وقال: إنّ سقوطَ الواوِ وثُبُوتَها في مثل هذا من كلام العربِ سواءٌ. واحتجَّ بقولِ الشاعر (٢): إلى الملكِ القَرْمَ (٣) وابنِ الهُمَامِ ... ولَيثِ الكَتيبةِ في المزدحَمْ يريدُ: الملكَ القَرْمَ ابنَ الهُمَام ليثَ الكَتيبةِ (٤). والعربُ تقولُ: اشترِ ثوبًا

стр. 1672

ثوبًا قُطْنًا، كتّانًا صُوفًا. وقالوا: إنّ من هذا الباب قولَ الله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]؛ أي: فيهما فاكهةٌ نخلٌ ورمّان. وكذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، يريدُ: وملائكتِه جبريلَ وميكائيلَ. وهذا خلافُ ما تقدَّم، وخلافُ ما رُوِيَ عن عائشةَ، وحديثُ عائشةَ أصحُّ. وكذلك روايةُ من أثْبَتَ (الواو) في حديثِ حفصةَ أصحُّ إسنادًا، واللهُ أعلمُ، وحسبُك بقولِ نافع: فرأيْتُ الواوَ فيها. وقد اختلَف العلماءُ في الصلاة الوسطَى، فقالت طائفةٌ: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الصُّبْح. وممّن قال بهذا عبدُ الله بن عباسٍ، وهو أصَحُّ ما رُوِىَ عنه في ذلك إن شاء الله، وعبدُ الله بن عمرَ وعائشةُ على اختلافٍ عنهم في ذلك (١). وروَى زهيرُ بن محمدٍ ومُصْعَبُ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن عمرَ قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الصُّبحِ. وذكر إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن حمزةَ وعليُّ بنُ المَدينيِّ، واللَّفظُ له، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيز بن محمدٍ، قال: حدَّثني زيدُ بن أسلَمَ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الصُّبح (٢). قال أبو عُمر: وهذا قولُ طاووسٍ، وعطاءٍ، ومجاهدٍ (٣)، وبه قال مالكُ بن أنسٍ وأصحابُه (٤).

стр. 1673

ذكَر إسماعيلُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: أخبَرنا عبدُ العزيز بن محمدٍ، عن ثورٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنّه كان يقولُ: الصلاةُ الوسطى صلاةُ الصُّبْح، تُصَلَّى في سَوادٍ من الليلِ وبياضٍ من النهارِ، وهي أكثرُ الصلوات تَفوتُ الناسَ (١). قال إسماعيلُ: وحدَّثنا به محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ، عن ثورِ بن زيدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه. قال إسماعيلُ: الرِّوايةُ عن ابن عباسٍ في ذلك صحيحةٌ، ويدُلُّ على مذهبِه قولُ الله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. فخُصَّتْ بهذا النَّصِّ مع أنّها منفردةٌ بوَقْتِها لا يُشارِكُها غيرُها في هذا الوقت، فدَلَّ ذلك على أنّها الوسطَى، واللهُ أعلمُ. وزادَ غيرُه: أنّها لا تَجتَمِعُ مع غيرِها لا في سفرٍ ولا حضرٍ، وأنّ رسولَ الله ﷺ لم يَضُمَّها إلى غيرِها في وقتٍ واحدٍ. قال أبو عُمر: وقال قائلون: إنّ الصلاةَ الوسطَى صلاةُ الظهر. رُوِيَ ذلك عن زيدِ بن ثابتٍ، وهو أثْبَتُ ما رُوِيَ عنه. ورُوِىَ ذلك أيضًا عن عبدِ الله بن عمرَ، وعائشةَ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، على اختلافٍ عنهم. ورُوِيَ أيضًا عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، وعُروةَ بن الزبير: أنّها الظهرُ (٢).

стр. 1674

أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: أخبَرنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، قال: حدَّثني عَمْرُو بن أبي حكيمٍ، قال: سمعتُ الزِّبرِقان (٢) يُحدِّثُ عن عُروةَ بن الزبير، عن زيدِ بن ثابتٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الظهرَ بالهاجرة، ولم يكنْ يُصلِّي صلاةً أشدَّ على أصحابه منها، فنزَلتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وقال: "إنّ قبلَها صلاتَيْنِ وبعدَها صلاتينِ". وروَى شعبةُ أيضًا (٣)، عن سعدِ بن إبراهيمَ، قال: سمِعتُ حفصَ بن (عاصم) (٤) بن عُمر يُحدِّثُ عن زيدِ بن ثابتٍ قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الظهر. وشعبةُ (٥)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، عن ابن عمرَ (٦)، عن زيدِ بن ثابتٍ مثلَه.

стр. 1675

ومالكٌ (١)، عن داودَ بن الحُصين، عن ابن يربوعٍ المَخْزُوميِّ، سمِع زيدَ بن ثابتٍ، مثلَه. وقال إسماعيلُ: من قال: إنّها الظُّهْرُ. ذهَب إلى أنّها وسطَ النهارِ، أو لعلَّ بعضَهم روَى في ذلك أثرًا فاتَّبَعَه. قال أبو عُمر: وقال آخرونَ: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصر. وممن قال بذلك عليُّ بن أبي طالبٍ (٢)، لا خلافَ عنه من وجهٍ معروفٍ صحيحٍ. وقد رُوِيَ من حديثِ حُسين بن عبد الله بن ضُمَيْرةَ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، أنّه قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الصُّبح، وحسينٌ هذا متروكُ الحديث (٣)، مَدَنيٌّ، ولا يصحُّ حديثُه بهذا الإسناد. وقال قومٌ: إنّ ما أرسَله مالكٌ ﵀ في "مُوطَّئِه" (٤) عن عليٍّ بن أبي طالبٍ في الصلاةِ الوسطَى: أنّها الصُّبْحُ، أخَذه من حديثِ ابن ضُميرةَ هذا؛ لأنه لا يوجدُ عن عليٍّ إلّا من حديثه. والصحيحُ عن عليٍّ من وجوهٍ شتَّى صحاحٍ أنّه قال في الصلاةِ الوسطَى: صلاةُ العصرِ. ورَوَى ذلك عن النبيِّ ﷺ ؛ روَاه عنه جماعة من أصحابِه؛ منهم عَبيدَةُ السَّلْمانيُّ، وشُتَيرُ بن شَكَلٍ، ويحيى بن الجَزّار، والحارثُ والأحاديثٌ عنه في ذلك صحاحٌ ثابتةٌ أسانيدُها حسان (٥). ذكَر إسماعيلُ القاضي، قال: أخبَرنا محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا يحيى

стр. 1676

وعبدُ الرحمن بن مهدي، عن سفيانَ، عن عاصم، عن زِرٍّ، قال: قلتُ لعَبيدةَ: سَلْ عليًّا عن الصلاةِ الوسطَى، فسألَه، قال: كنّا نُراها الفجرَ، حتى سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ يومَ الأحزاب: "شغَلونا عن الصلاة الوسطى، مَلأ اللهُ قُبورَهم وأجْوافَهم وبُيوتَهم نارًا" (١). وممن قال أيضًا: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصر: أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ، وأبو هريرةَ الدوسيُّ، وأبو سعيدٍ الخدريُّ. وهو قولُ عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، والحَسَن البَصْريِّ، ومحمدِ بن سيرينَ، والضحَّاكِ بن مُزاحم، وسعيدِ بن جُبيرٍ (٢). وهو قولُ الشافعيِّ (٣)، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهم، وأكثرِ أهلِ الأثرِ، وإليه ذهَب

стр. 1677

عبدُ الملك بنُ حبيب (١). ورُوِىَ ذلك أيضًا عن ابن عباسٍ، وابن عمرَ، وعائشةَ، على اختلافٍ عنهم كما ذكَرنا. وأمّا حديثُ ابن عمرَ، فرَواه شعبةُ (٢)، عن حيّانَ (٣)، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ سُئِلَ عن الصلاةِ الوسطَى فقال: هي العصرُ. وأمّا حديثُ عائشةَ، فرواه وكيعٌ، عن محمدِ بن عَمْرٍو، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ قالت: هي العصرُ (٤). وروَى ذلك إسماعيلُ أيضًا، عن محمدِ بن أبي بكرٍ، عن ابن مهديٍّ، عن محمدِ بن عَمْرٍو، عن القاسم، عن عائشةَ. واحتجَّ من قال: إنّها العصرُ بما حدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): أخبَرنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، قال: أخبَرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدةَ ويزيدُ بن هارونَ، عن هشام بن حسانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ، عن عليٍّ أنّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ الخندَق: "حَبَسُونا عن الصلاةِ الوسطَى صلاةِ العصر، ملأَ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا".

стр. 1678

وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: أخبَرنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا قتادةُ، أنَّ أبا حسانَ أخبَره عن عَبِيدةَ السَّلمانيِّ، أنّه سمِع عليًّا قال: إنّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ الخندق: "اللهمَّ امْلأْ بُيوتَهم وقبورَهم نارًا كما حبَسونا عن الصلاةِ الوسطَى حتى غابَتِ الشمسُ" (١). ورواه شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي حسّانَ، عن عَبيدةَ، عن عليٍّ، مثلَه مرفوعًا (٢). وذكَر إسماعيلُ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشام بن حسّانَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ السَّلمانيِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنّه قال يومَ الخندق: "شغَلونا عن الصلاةِ الوسطَى حتى غرَبتِ الشمسُ، ملأَ اللهُ قلوبَهم وقبورَهم نارًا" (٣). قال القاضي: أحسنُ الأحاديثِ المرفوعةِ في هذا الباب عن عليٍّ حديثُ هشام بن حسّانَ، عن محمدٍ، عن عَبِيدةَ. وحدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا

стр. 1679

أحمدُ بن شُعيب، قال (١): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا عيسَى، عن الأعمش، عن مسلمٍ (٢)، عن شُتَيرِ بن شَكَلٍ، عن عليٍّ، قال: شغَلوا النبيَّ ﷺ عن صلاةِ العمرِ حتى صلَّاها بينَ صلاتَي العشاءَين، فقال: "شغَلونا عن صلاةِ الوسطَى، ملأ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا". وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: أخبرنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى (٣)، عن سفيان (٤)، قال: حدَّثني الأعمشُ، عن مُسلم أبي الضُّحى، عن شُتَيرِ بن شَكَل، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ الأحزاب: "شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطَى صلاةِ العصرِ حتى غابَتِ الشمسُ، ملأ اللهُ قلوبَهم وأجوافَهم نارًا" (٥). وروَى شعبةُ أيضًا، عن الحكم، عن يحيى بن الجزَّارِ، عن عليٍّ، قال: كان النبيُّ ﷺ على فُرْضَةٍ من فُرَضِ الخندق (٦)، فقال: "شغَلونا عن الصلاةِ

стр. 1680

الوسطَى حتى غربَتِ الشمسُ، ملأ اللهُ قبورَهم وبطونَهم وبيوتَهم نارًا" (١). قال شعبةُ: لم يَسمَعْ يحيى بن الجزَّارِ من عليٍّ غيرَ هذا الحديث. وروَى سفيانُ الثوريُّ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصرِ، ويومُ الحجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر (٢). واحتجَّ مَن قال: إنّها الصبحُ بحديثِ مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي يونُسَ، عن عائشةَ المذكورِ في هذا الباب. ويَجوزُ أنْ يَحتَجَّ به أيضًا من قال: إنّها الظُّهْرُ؛ لأنّ قولَه: "والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصر" يقتَضي أنّ الوسطَى ليستْ صلاةَ الحصرَ. وقد عارَض بعضُ المُتأخِّرين حديثَ عائشةَ هذا بحديث زيدِ بن أرقم، قال: كنّا نتكلَّمُ في الصلاةِ حتى نزَلتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ

стр. 1681

الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). قال: فهذا زيدُ بن أرقمَ يَذكرُ أنّ الآيةَ هكذا أُنزِلَتْ ليس فيها: "وصلاةِ العصر" وهو الثابتُ بينَ اللَّوْحَيْن بنقلِ الكافَّة. واحتَجَّ أيضًا من قال: إنّها العصرُ. بقولِ رسولِ الله ﷺ : "الذي تَفُوتُه صلاةُ العصرِ فكانما وُتِر أهْلَه ومالَه" (٢). قالوا: فلم يَخُصَّها رسولُ الله ﷺ بالذِّكْرِ إلّا لأنَّها الوسطَى التي خَصَّها اللهُ بالتأكيد، واللهُ أعلم. ورُوِيَ عن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ، أنّه قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ المغرب، ألَا ترَى أنّها ليستْ بأقلِّها ولا أكثرِها، ولا تُقْصَرُ في السَّفرِ، وأنّ رسولَ الله ﷺ لم يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها، ولم يُعَجِّلْها (٣)؟ وهذا لا أعلمُه قالَه غيرُ قَبيصَةَ. قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا قد قيلَ فيما وصَفْنا، وبالله توفيقُنا، وهو أعلمُ بمُرادِه من قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وكلُّ واحدةٍ من الخمس وسطَى، لأنّ قبلَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ صلاتَيْن وبعدَها صلاتَيْن (٤)، كما قال زيدُ بن ثابتٍ في الظُّهر، والمحافظةُ على جَميعِهنَّ واجبٌ واللهُ المستعان.

стр. 1682

حديث ثانٍ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ مالكٌ (١)، عن زيد بن أسْلَمَ، عن عَمْرو بن مُعاذ الأشهليِّ (٢) الأنصاريِّ (٣)، عن جَدَّتِه أنها قالت: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "يا نِساءَ المُؤمناتِ، لا تَحْقِرَنَّ إحْداكُنَّ لجارتِها، ولو كراعَ شاةٍ مُحْرَقًا". قال صاحبُ "العينِ" (٤): الكُراعُ من الإنسانِ ومن الدَّوابِّ وسائرِ المواشي: ما دُونَ الكَعْبِ. وفي هذا الحديثِ الحَضُّ على الصِّلَةِ والهدِيَّةِ بقليلِ الشيءِ وكثيرِه، وفي ذلك دليلٌ على بِرِّ الجارِ وحفظِه، لأنَّ مَن نُدِبْتَ إلى أنْ تُهْدِيَ إليه وتَصِلَه، فقد مُنِعْتَ من أذاه، وأُمِرْتَ ببِرِّه. والآثارُ في الهدايا وحسنِ الجوارِ كثيرةٌ معروفةٌ، وفي ذكرِ القليلِ من ذلك ما يُنَبِّهُ على فضلِ الكثيرِ منه لمن فَهِم معنَى الخطاب، وبالله التوفيقُ، ولقد أحسَن القائلُ (٥):

стр. 1683

افعلِ الخيرَ ما استطعْتَ وإن كا ... ن قليلًا فلن تُطِيقَ بكُلِّهْ ومتى تَفْعَلُ الكثيرَ من الخيـ ... ـرِ إذا كنتَ تارِكًا لأقَلِّه وأحسنُ من هذا قولُ محمودٍ الورَّاقِ: لو قد رأيتَ الصغيرَ من عملِ الـ ... ـخيرِ ثوابًا عَجِبْتَ من كبَرِهْ أو قد رأيْتَ الحقيرَ من عملِ الشرِّ ... جزاءً أشْفَقْتَ من حذَرِهْ وجَدَّةُ عَمْرو بنِ معاذٍ هذا قيلَ: إنَّ اسمَها حوَّاءُ بنتُ يَزِيدَ بنِ السَّكَنِ. مَدنيَّةٌ، وقد قيلَ: إنّها جدَّةُ ابنِ بُجَيْدٍ أيضًا. وحديثُ كلِّ واحدةٍ منهما قد رُوِيَ عن صاحبته، وسنذكُرُ بعضَ ذلك الاختلافِ في البابِ الذي يَلِي هذا البابَ، في حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابن بُجَيْدٍ الأنصارِيِّ إن شاء اللهُ. حدَّثنا أحمد بن فتحٍ ﵀، قال: حدَّثنا عليُّ بن فارسِ بنِ أبي شُجاع (١) البغدادِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّار الصُّوفِيُّ، قال: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عمرُ بن عُبيدٍ، عن الأعمشِ (٢)، عن شقيقٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اقبَلوا الهديَّةَ، وأجِيبوا الدَّاعِيَ" (٣).

стр. 1684

حديث ثالث وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسْنَد مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن بُجَيْدٍ الأنصاريِّ ثم الحارثيِّ، عن جدَّتِه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رُدُّوا السائلَ ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ". هكذا رواه جماعةُ رُواةِ "الموطَّأ" عن مالك (٢)، وتابَع مالكًا على إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه ومعناه، معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ (٣). وكذلك رواه منصورُ بن حيَّانَ، وسعيدٌ المَقْبُريُّ، عن ابن بُجَيْدٍ، عن جدَّتِه، عن النبيِّ ﷺ ، بمعنَى حديثِ مالكٍ؛ رواه عن المقْبُريِّ، محمدُ بن إسحاق (٤)، وابن أبي ذئبٍ، واللَّيثُ (٥). ورواه عن منصورِ بن حيَّان سُفيانُ (٦).

стр. 1685

والظِّلْفُ في اللغةِ: الظُّفُرُ من ذوي الأظلافِ، وذلك معروفٌ؛ قال الفرزدقُ: وكان كعَنزِ السَّوءِ قامَتْ بظِلْفِها ... إلى مُدْيةٍ مدفونةٍ تَسْتَثِيرُها (١) وابن بُجيدٍ مدنيٌّ معروفٌ (٢)، روَى عنه زيدُ بن أسلمَ، وسعيدٌ المقْبُرِيُّ، ومنصورُ بن حيَّانَ، حديثَه هذا. وجدتُ في أصلِ سماعِ أبي ﵀ بخَطِّه، أنَّ محمدَ بن أحمدَ بن قاسم بن هلالٍ حدَّثهم، قال: أخبَرنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن أبي ذئبٍ، عن المقبُرِيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن بُجَيْدٍ، عن أُمِّ بُجَيْدٍ، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، والله إنَّ المسكينَ ليَقِفُ على بابي حتى أستَحيَ، فما أجِدُ ما أضعُ في يدِه، فقال: "ادفَعِي في يدِه ولو ظِلْفًا مُحتَرِقًا" (٣). وبهذا الإسنادِ عن أسدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ المقبُرِيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن بُجَيْدٍ أخي بني حارثةَ، عن جدَّتِه أُمِّ بُجَيْدٍ، أنّها حدَّثته - وكانت ممَّن بايَعَتْ رسولَ الله ﷺ أنّها قالت لرسولِ الله ﷺ : والله،

стр. 1686

إنّ المسكينَ ليقومُ على بابي، فما أجدُ له شيئًا أُعطِيه إيّاه، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "وإن لم تجدي له شيئًا تُعطيه إيّاه إلّا ظِلْفًا مُحرَقًا، فادفَعِيه إليه في يَدِه" (١). وخالَف حفصُ بن ميسرَةَ أبو عمرَ الصَّنْعانيُّ في إسنادِ هذا الحديثِ، وفي الذي قبلَه، فقلَبهما، وجعَل إسنادَ هذا في مَتنِ ذلك؛ رواه ابن وَهْب، ومعاذُ بن فَضالةَ، عن أبي عُمرَ الصَّنْعانيِّ حفصِ بن ميسرةَ، عن زيد بن أسلَمَ، عن عَمْرو بن معاذٍ الأشهَلِيِّ، عن جدَّتِه حوَّاءَ، قالت: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "رُدُّوا السائلَ ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ". وهذا لفظُ حديثِ ابن وَهْبٍ. وقال معاذٌ: "ولو بشيءٍ مُحْتَرِقٍ" (٢). وتابَعَه على هذا اللَّفظِ بهذا الإسنادِ، هشامُ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ (٣)، وهذا الحديثُ إنّما هو لابن بُجَيْدٍ.

стр. 1687

ورُوي أيضًا عن حفصِ بن مَيسرةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن بُجَيْدٍ، عن جدَّتِه أمِّ بُجَيْدٍ، سمِعَتِ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ" (١). وقد رُوي عن سعيدٍ المقبُرِيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن بُجَيْدٍ الأنصاريِّ، عن جدَّتِه، قالت: قال رسولُ الله ﷺ :"يا نساءَ المؤمناتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ". وهذا عندَ مالكٍ (٢) إنّما هو حديثُ عَمْرِو بن معاذٍ الأشْهَلِيِّ، إلّا أنّ لفظَ حديث مالكٍ ليس فيه ذكرُ "فِرْسِنٍ". وإنّما هو: "ولو كُرَاعٌ مُحْتَرِقٌ". قال صاحبُ "العينِ" (٣): فِرْسِنُ البعيرِ معروفٌ. وقال الأصمعيُّ في قولِه: "فِرْسِنَ شاةٍ": هذه استعارةٌ، وإنّما يُعْرَفُ الفِرْسِنُ للبعيرِ، والظِّلْفُ للشاةِ. قال: واستعارةُ الفِرْسِنِ لغيرِ البعيرِ هو كقولِ الشاعرِ: أشكُو إلى مولايَ من مولاتي ... تَرْبِطُ بالحبلِ أُكَيْرِعاتِي (٤) قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ الحضُّ على الصَّدَقةِ بكلِّ ما أمكَن من قليلِ الأشياءِ وكثيرِها، وفي قولِ الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، أوضحُ الدَّلائلِ في هذا البابِ. وتَصدَّقتْ عائشةُ ﵂

стр. 1688

بحَبّتين من عِنَبٍ، فنظَر إليها بعضُ أهلِ بيتِها، فقالت: لا تَعْجَبَنَّ، فكم فيها من مثقالِ ذرَّةٍ (١)؟ ومن هذا البابِ قولُ رسولِ الله ﷺ : "اتَّقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، ولو بكلمةٍ طيِّبةٍ" (٢). وإذا كان اللهُ يُرْبِي الصَّدقاتِ، وَيأخُذُ الصدقةَ بيَمِينِه، فيُرْبِيها كما يُرَبِّي أحدُنا فَلُوَّه أو فَصِيلَه (٣)، فما بالُ من عَرَفَ هذا يَغفُلُ عنه؟ وما التوفيقُ إلّا بالله. وفي سماعِ رسولِ الله ﷺ في حديثِ ابن بُجَيْدٍ هذا من روايةِ المَقْبُرِيِّ وغيرِه، قولَ جدَّةِ ابن بُجَيْدٍ له: إنّ المِسْكينَ لَيقِفُ على بابِي. ولم يُنكِرْ عليها، دليلٌ على أنّ قولَه ﷺ في حديثِ أبي هريرةَ: "ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ عليكم" (٤) لم يُرِدْ به اسمَ المَسْكَنةِ، ولكنَّه أراد معنًى منها ليس موجودًا في الطَّوَّافِ على الأبوابِ، وهو الصَّبْرُ على اللّأْوَاءِ والفَقْرِ مع تركِ السُّؤالِ، وكلاهما يَقعُ عليه اسمُ مسكينٍ بظاهرِ الحدِيثينِ، فكأنّه أراد، واللهُ أعلمُ: ليس المسكينُ على تمام المسكَنةِ، وعلى الحقيقةِ، إلّا الذي لا يَسألُ الناسَ. ومنه قولُه ﷺ : "ليس مِن البِرِّ الصيامُ في السَّفَرِ" (٥). أي: ليس البِرُّ كلُّه بتَمامِه؛ لأنّ الفِطرَ أيضًا في السَّفرِ في رمضانَ بِرٌّ؛ للأخذِ برُخصةِ الله وإباحتِه، وبالله التوفيقُ.

стр. 1689

حديثٌ رابعٌ وعشرون لزَيْد بن أسْلَم مُسنَدٌ مالكٌ (١)، عن زيد بن أسلمَ، عن رجلٍ من بني ضَمْرةَ، عن أبيه، أنّه قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن العَقِيقَةِ، فقال: "لا أُحِبُّ العُقُوقَ". وكأنّه إنّما كرِه الاسمَ، وقال: "من وُلِد له ولدٌ فأحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِه فلْيَفْعَلْ". روَى هذا الحديثَ ابن عيينةَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن رجلٍ من بني ضَمرةَ، عن أبيه، أو عن عمِّه، هكذا على الشك (٢). والقولُ في ذلك قولُ مالكٍ، واللهُ أعلمُ. ولا أعلمُه رُوي معنَى هذا الحديثِ عن النبيِّ ﷺ إلّا مِنْ هذا الوَجه، ومِنْ حديث عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عنِ النبيِّ ﷺ ، واختُلِف فيه على عَمْرِو بن شعيبِ أيضًا. ومن أحسنِ أَسانيدِ حديثه ما ذكَره عبدُ الرزاقِ (٣)، قال: أخبَرنا داودُ بن قيسٍ، قال: سمِعتُ عَمْرَو بن شعيب يُحدِّثُ، عن أبيه، عن جدِّه قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن العَقيقةِ، فقال: "لا أُحبُّ العُقوقَ". كأنّه كرِه الاسمَ، قالوا: يا رسولَ الله، يَنْسُكُ أحدُنا عن ولدِه؟ فقال: "مَن أحَبَّ منكم أن يَنْسُكَ عن ولدِه فلْيَفْعَلْ؛ عن الغلام شاتانِ مُكافِئتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ".

стр. 1690

وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ في العَقيقةِ آثارٌ سنذكُرُها ههنا إن شاء اللهُ تعالى. وفي هذا الحديثِ كراهيةُ ما يَقبُحُ معناه من الأسماء، وكان رسولُ الله ﷺ يُحبُّ الاسمَ الحسنَ، ويُعجِبُه الفأْلُ الحسَنُ (١). وقد جاء عنه في حربٍ، ومُرَّةَ، ونحوِهما، ما رواه مالكٌ (٢) وغيرُه، وذلك معروفٌ ستراه في بابِه من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ. وكان الواجبُ بظاهرِ هذا الحديثِ أن يُقالَ للذبيحةِ عن المولودِ: نَسِيكةٌ، ولا يقالَ لها: عَقيقةٌ، ولكنِّي لا أعلمُ أحدًا من العلماء مالَ إلى ذلك ولا قال به، وأظنُّهم، واللهُ أعلمُ، ترَكوا العملَ بهذا المعنَى المدلولِ عليه من هذا الحديثِ، لِما صَحَّ عندَهم في غيرِه من لفظِ العقيقةِ، وذلك أنّ سَمُرةَ بن جُندُبٍ روَى عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "الغلامُ مُرتهَنٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه". وروى سَلْمانُ الضَّبيُّ عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "مع الغلام عَقيقَتُه، فأهَرِيقوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذَى" (٣). وهما حديثانِ ثابتانِ، إسنادُ كلِّ واحدٍ منهما خيرٌ من إسنادِ حديثِ زيد بن أسلمَ هذا.

стр. 1691

حدَّثني عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: أملَى علينا عليُّ بن عبد العزيزِ بمكةَ في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا مُعلَّى بن أسدٍ، قال: أخبَرنا سلَّامُ بن أبي مُطيع، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الغلامُ مُرتَهَنٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ السابع، ويُحلَق رأسُه ويُسمَّى" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: أخبَرنا عفّانُ، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "كلُّ غلام مُرتَهَنٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه، ويُماطُ عنه الأذَى، ويُسمَّى" (٢). قال أحمدُ بن زهيرٍ: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا قُريشُ بن أنسٍ، عن حَبيبِ بن الشَّهيدِ، قال: قال لي ابن سيرينَ: سَلِ الحَسَنَ ممَّن سمِع حديثَ العَقيقةِ؟ فسألتُه عن ذلك، فقال: من سَمُرةَ (٣). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بن مِنهالٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، وقتادةُ، ويونسُ، وهشامٌ، وحبيبُ بن الشَّهيد، عن

стр. 1692

محمدِ بن سيرينَ، عن سَلْمانَ بن عامرٍ الضَّبيّ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مع الغلام عَقيقتُه، فأهَرِيقُوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذَى" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن عبد الله بن المختارِ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "الغلامُ مُرتَهَن بعَقِيقَتِه" (٢). فهذا لفظُ العقيقةِ قد صحَّ عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ ثابتةٍ أثْبَتَ من حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا، وعليها العلماءُ، وهو الموجودُ في كُتبِ الفقهاء وأهلِ الأثَرِ في الذَّبيحةِ عن المولودِ "العقيقةُ" دونَ "النَّسِيكَةِ". وأمَّا العَقيقةُ في اللُّغةِ، فزعَم أبو عُبيدٍ (٣)، عن الأصمعيِّ وغيرِه، أنّ أصلَها الشَّعَرُ الذي يكونُ على رأسِ الصبيِّ حينَ يُولَدُ. قال: وإنَّما سُمِّيتِ الشاةُ التي تُذبَحُ عنه عَقيقَةً؛ لأنَّه يُحلَقُ عنه ذلك الشَّعَرُ عندَ الذبح. قال: ولهذا قيل في الحديثِ: "وأميطُوا عنه الأذَى"، يعني بالأذَى ذلك الشَّعَرَ. قال أبو عُبيدٍ: وهذا ممّا قلتُ لك: إنّهم ربَّما سمَّوُا الشيءَ باسم غيرِه إذا كان معه، أو من سبَبِه،

стр. 1693

فسُمِّيتِ الشاةُ عقيقةً لعَقيقَةِ الشَّعَر، وكذلك كلُّ مولودٍ من البهائمِ، فإنّ الشَّعَرَ الذي يكونُ عليه حينَ يُولَدُ عقيقةٌ وعِقَّةٌ. قال زهيرٌ يَذكُرُ حمارَ وَحْشٍ (١): أذلك أَمْ أقبُّ البَطنِ جَأْبٌ ... عليه من عَقيقَتِه عِفاءُ (٢) يعني صغارَ الوبَرِ. وقال ابن الرِّقاع في العِقَّةِ يَصفُ حِمارًا (٣): تَحسَّرَتْ عِقَّةٌ عنه فأنْسَلَها ... واجْتابَ أُخرَى جديدًا بعدَما ابْتَقَلا قال: يريدُ أَنَّه لَمّا فُطِم من الرضاع، وأكَل البقْلَ، ألقَى عَقيقتَه، واجتابَ أُخرى، وهكذا زعَموا يكونُ. قال أبو عبيدٍ: العِقَّةُ والعقيقةُ في الناسِ والحُمُرِ، ولم يُسمَعْ في غير ذلك. قال أبو عُمر: هذا كلُّه كلامُ أبي عبيدٍ وحكايتُه وما ذكَره في تفسيرِ العَقيقةِ، وقد أنكَر أحمدُ بن حنبلٍ تفسيرَ أبي عبيدٍ هذا للعقيقَةِ، وما ذكَره عن الأصمعيِّ وغيره في ذلك، وقال: إنَّما العقيقةُ الذَّبحُ نفسُه. قال: ولا وجهَ لما قال أبو عبيدٍ (٤). واحتَجَّ بعضُ المتأخِّرين لأحمدَ بن حنبلٍ في قولِه هذا بأن قال: ما قال

стр. 1694

قال أحمدُ من ذلك فمعروفٌ في اللغةِ، لأنَّه يقالُ: عَقَّ، إذا قطَع، ومنه يقالُ: عقَّ والدَيْه: إذا قطَعهما (١). قال أبو عُمر: يَشهَدُ لقولِ أحمدَ بن حنبلٍ قولُ الشاعر: بلادٌ بها عَقَّ الشبابُ تمَائِمي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جِلْدِي تُرابُها (٢) يريدُ أنه لَمّا شَبَّ، قُطِعَتْ عنه تمَائِمُه. ومثلُ هذا قولُ ابن ميَّادَةَ، واسمُه الرَّمَّاحُ (٣): بلاد بها نِيطَت علَيَّ تَمائِمي ... وقُطِّعْن عنِّي حينَ أدرَكَني عقلي وقولُ أحمدَ في معنَى العَقيقةِ في اللُّغةِ أولى من قولِ أبي عُبيدٍ وأقربُ وأصوَبُ، واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: في هذا الحديث قولُه ﷺ : "مَن وُلدَ له ولدٌ فأحبَّ أن يَنسُكَ عن ولدِه فلْيَفْعَلْ" دليلٌ على أنّ العقيقةَ ليست بواجبةٍ؛ لأنّ الواجبَ لا يقالُ فيه: "مَنْ أحبَّ فلْيَفْعَلْه". وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه، فذهَب أهلُ الظَّاهرِ إلى أنّ العقيقةَ واجبةٌ فرضًا، منهم داودُ بن عليٍّ وغيرُه (٤). واحتجُّوا لوُجوبِها بأنّ رسولَ الله ﷺ أمر بها وفعَلها، وكان بُريدَةُ الأسلَمِيُّ يُوجِبُها، وشَبَّهها بالصَّلاةِ،

стр. 1695

فقال: النَّاسُ يُعرَضون يومَ القيامةِ على العَقيقةِ كما يُعرَضون على الصلواتِ الخمسِ (١). وكان الحسنُ البصريُّ يذهَبُ إلى أنّها واجبة عن الغلام يومَ سابعِه، فإن لم يُعَقَّ عنه عَقَّ عن نفسِه (٢). وقال الليثُ بن سعدٍ: يُعَقُّ عن المولودِ في أيامِ سابعِه في أيّها شاء، فإن لم تتهيَّأ لهم العَقيقةُ في سابعِه، فلا بأسَ أن يُعَقَّ عنه بعدَ ذلك، وليس بواجبٍ أن يُعَقَّ عنه بعدَ سبعةِ أيام. وكان الليثُ يَذْهبُ إلى أنّها واجبة في السبعةِ الأيام (٣). وكان مالكٌ يقولُ: هي سُنَّةٌ واجبةٌ يجبُ العملُ بها (٤)، وهو قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، والطَّبَريِّ؛ قال مالكٌ: لا يُعَقّ عن الكبيرِ، ولا يُعَقُّ عن المولودِ، إلّا يومَ سابعِه ضَحْوَة، فإن جاوَز يومَ السابع، لم يُعَقَّ عنه (٥). وقد رُوي عنه أنه يُعَقُّ عنه في السابع الثاني. قال: ويُعَقُّ عن اليتيم، ويَعُقُّ العبدُ

стр. 1696

المأذونُ له في التِّجارةِ عن ولدِه، إلّا أن يمنعَه سيِّدُه. قال مالك: ولا يُعَدُّ اليومُ الذي وُلِدَ فيه، إلّا أن يُولَدَ قبلَ الفجرِ من ليلةِ ذلك اليوم. ورُويَ عن عطاء: إن أخطَأهم أمرُ العقيقةِ يومَ السابع، أحبَبتُ أن يُؤَخِّروه إلى يوم السابع الآخر (١). ورُوي عن عائشةَ أنّها قالت: إن لم يُعَقَّ عنه يومَ السابع، ففي أربعَ عشْرةَ، فإن لم يكنْ، ففي إحدى وعشرين (٢)؛ وبه قال إسحاقُ بن راهُوْيَة، وهو مذهبُ ابن وَهْبٍ؛ قال ابن وَهْبٍ: قال مالكُ بن أنسٍ: إن لم يُعَقَّ عنه في يوم السابع، عُقَّ عنه في السابع الثاني. وقال ابن وَهْبٍ: ولا بأْسَ أن يُعَقَّ عنه في السابع الثالث. وقال مالك: إن مات قبلَ السابع لم يُعَقَّ عنه. ورُوي عن الحسن مثلُ ذلك. وقال الليثَ بن سعدٍ في المرأةِ تَلِدُ ولَدَين في بَطنِ واحدٍ، أَنَّه يُعَقُّ عن كلِّ واحدٍ منهما (٣). قال أبو عُمر: ما أعلمُ عن أحدٍ من فقهاء الأمصارِ خلافًا في ذلك، واللهُ أعلمُ.

стр. 1697

وقال الشافعيُّ: لا يَعُقُّ المأذونُ له المملوكُ عن ولَدِه، ولا يُعَقُّ عن اليتيم كما لا يُضَحَّى عنه. وقال الثوريُّ: ليستِ العَقيقةُ بواجبةٍ، وإن صُنِعت فحَسَنٌ. وقال محمدُ بن الحسنِ: هي تَطوُّع، كان المسلمون يَفعَلونها، فنسَخها ذَبحُ الأضحَى، فمَن شاء فعَل، ومن شاء لم يفعَلْ. وقال أبو الزِّنادِ: العَقيقةُ من أمر المسلمين الذين كانوا يكرَهون تَركَه (١). قال أبو عُمر: الآثارُ كثيرةٌ مرفوعة عن الصحابةِ والتابعين وعُلماء المسلمين في استحبابِ العملِ بها، وتأكيدِ سُنَّتِها، ولا وجهَ لمن قال: إنّ ذَبْحَ الأضحَى نَسَخَها. واختلفوا في عددِ ما يُذبَحُ عن المولودِ من الشِّياهِ في العَقيقةِ عنه؛ فقال مالك: يُذبَحُ عن الغلام شاةٌ واحدة، وعن الجاريةِ شاةٌ؛ الغلامُ والجاريةُ في ذلك سواءٌ (٢). والحجَّةُ له ولمن قال بقولِه في ذلك ما حدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أبو معمرٍ عبدُ الله بن عَمْرٍو،
следующие страницы →