← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1693–1732 · переход к 1698.

стр. 1693

فسُمِّيتِ الشاةُ عقيقةً لعَقيقَةِ الشَّعَر، وكذلك كلُّ مولودٍ من البهائمِ، فإنّ الشَّعَرَ الذي يكونُ عليه حينَ يُولَدُ عقيقةٌ وعِقَّةٌ. قال زهيرٌ يَذكُرُ حمارَ وَحْشٍ (١): أذلك أَمْ أقبُّ البَطنِ جَأْبٌ ... عليه من عَقيقَتِه عِفاءُ (٢) يعني صغارَ الوبَرِ. وقال ابن الرِّقاع في العِقَّةِ يَصفُ حِمارًا (٣): تَحسَّرَتْ عِقَّةٌ عنه فأنْسَلَها ... واجْتابَ أُخرَى جديدًا بعدَما ابْتَقَلا قال: يريدُ أَنَّه لَمّا فُطِم من الرضاع، وأكَل البقْلَ، ألقَى عَقيقتَه، واجتابَ أُخرى، وهكذا زعَموا يكونُ. قال أبو عبيدٍ: العِقَّةُ والعقيقةُ في الناسِ والحُمُرِ، ولم يُسمَعْ في غير ذلك. قال أبو عُمر: هذا كلُّه كلامُ أبي عبيدٍ وحكايتُه وما ذكَره في تفسيرِ العَقيقةِ، وقد أنكَر أحمدُ بن حنبلٍ تفسيرَ أبي عبيدٍ هذا للعقيقَةِ، وما ذكَره عن الأصمعيِّ وغيره في ذلك، وقال: إنَّما العقيقةُ الذَّبحُ نفسُه. قال: ولا وجهَ لما قال أبو عبيدٍ (٤). واحتَجَّ بعضُ المتأخِّرين لأحمدَ بن حنبلٍ في قولِه هذا بأن قال: ما قال

стр. 1694

قال أحمدُ من ذلك فمعروفٌ في اللغةِ، لأنَّه يقالُ: عَقَّ، إذا قطَع، ومنه يقالُ: عقَّ والدَيْه: إذا قطَعهما (١). قال أبو عُمر: يَشهَدُ لقولِ أحمدَ بن حنبلٍ قولُ الشاعر: بلادٌ بها عَقَّ الشبابُ تمَائِمي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جِلْدِي تُرابُها (٢) يريدُ أنه لَمّا شَبَّ، قُطِعَتْ عنه تمَائِمُه. ومثلُ هذا قولُ ابن ميَّادَةَ، واسمُه الرَّمَّاحُ (٣): بلاد بها نِيطَت علَيَّ تَمائِمي ... وقُطِّعْن عنِّي حينَ أدرَكَني عقلي وقولُ أحمدَ في معنَى العَقيقةِ في اللُّغةِ أولى من قولِ أبي عُبيدٍ وأقربُ وأصوَبُ، واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: في هذا الحديث قولُه ﷺ : "مَن وُلدَ له ولدٌ فأحبَّ أن يَنسُكَ عن ولدِه فلْيَفْعَلْ" دليلٌ على أنّ العقيقةَ ليست بواجبةٍ؛ لأنّ الواجبَ لا يقالُ فيه: "مَنْ أحبَّ فلْيَفْعَلْه". وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه، فذهَب أهلُ الظَّاهرِ إلى أنّ العقيقةَ واجبةٌ فرضًا، منهم داودُ بن عليٍّ وغيرُه (٤). واحتجُّوا لوُجوبِها بأنّ رسولَ الله ﷺ أمر بها وفعَلها، وكان بُريدَةُ الأسلَمِيُّ يُوجِبُها، وشَبَّهها بالصَّلاةِ،

стр. 1695

فقال: النَّاسُ يُعرَضون يومَ القيامةِ على العَقيقةِ كما يُعرَضون على الصلواتِ الخمسِ (١). وكان الحسنُ البصريُّ يذهَبُ إلى أنّها واجبة عن الغلام يومَ سابعِه، فإن لم يُعَقَّ عنه عَقَّ عن نفسِه (٢). وقال الليثُ بن سعدٍ: يُعَقُّ عن المولودِ في أيامِ سابعِه في أيّها شاء، فإن لم تتهيَّأ لهم العَقيقةُ في سابعِه، فلا بأسَ أن يُعَقَّ عنه بعدَ ذلك، وليس بواجبٍ أن يُعَقَّ عنه بعدَ سبعةِ أيام. وكان الليثُ يَذْهبُ إلى أنّها واجبة في السبعةِ الأيام (٣). وكان مالكٌ يقولُ: هي سُنَّةٌ واجبةٌ يجبُ العملُ بها (٤)، وهو قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، والطَّبَريِّ؛ قال مالكٌ: لا يُعَقّ عن الكبيرِ، ولا يُعَقُّ عن المولودِ، إلّا يومَ سابعِه ضَحْوَة، فإن جاوَز يومَ السابع، لم يُعَقَّ عنه (٥). وقد رُوي عنه أنه يُعَقُّ عنه في السابع الثاني. قال: ويُعَقُّ عن اليتيم، ويَعُقُّ العبدُ

стр. 1696

المأذونُ له في التِّجارةِ عن ولدِه، إلّا أن يمنعَه سيِّدُه. قال مالك: ولا يُعَدُّ اليومُ الذي وُلِدَ فيه، إلّا أن يُولَدَ قبلَ الفجرِ من ليلةِ ذلك اليوم. ورُويَ عن عطاء: إن أخطَأهم أمرُ العقيقةِ يومَ السابع، أحبَبتُ أن يُؤَخِّروه إلى يوم السابع الآخر (١). ورُوي عن عائشةَ أنّها قالت: إن لم يُعَقَّ عنه يومَ السابع، ففي أربعَ عشْرةَ، فإن لم يكنْ، ففي إحدى وعشرين (٢)؛ وبه قال إسحاقُ بن راهُوْيَة، وهو مذهبُ ابن وَهْبٍ؛ قال ابن وَهْبٍ: قال مالكُ بن أنسٍ: إن لم يُعَقَّ عنه في يوم السابع، عُقَّ عنه في السابع الثاني. وقال ابن وَهْبٍ: ولا بأْسَ أن يُعَقَّ عنه في السابع الثالث. وقال مالك: إن مات قبلَ السابع لم يُعَقَّ عنه. ورُوي عن الحسن مثلُ ذلك. وقال الليثَ بن سعدٍ في المرأةِ تَلِدُ ولَدَين في بَطنِ واحدٍ، أَنَّه يُعَقُّ عن كلِّ واحدٍ منهما (٣). قال أبو عُمر: ما أعلمُ عن أحدٍ من فقهاء الأمصارِ خلافًا في ذلك، واللهُ أعلمُ.

стр. 1697

وقال الشافعيُّ: لا يَعُقُّ المأذونُ له المملوكُ عن ولَدِه، ولا يُعَقُّ عن اليتيم كما لا يُضَحَّى عنه. وقال الثوريُّ: ليستِ العَقيقةُ بواجبةٍ، وإن صُنِعت فحَسَنٌ. وقال محمدُ بن الحسنِ: هي تَطوُّع، كان المسلمون يَفعَلونها، فنسَخها ذَبحُ الأضحَى، فمَن شاء فعَل، ومن شاء لم يفعَلْ. وقال أبو الزِّنادِ: العَقيقةُ من أمر المسلمين الذين كانوا يكرَهون تَركَه (١). قال أبو عُمر: الآثارُ كثيرةٌ مرفوعة عن الصحابةِ والتابعين وعُلماء المسلمين في استحبابِ العملِ بها، وتأكيدِ سُنَّتِها، ولا وجهَ لمن قال: إنّ ذَبْحَ الأضحَى نَسَخَها. واختلفوا في عددِ ما يُذبَحُ عن المولودِ من الشِّياهِ في العَقيقةِ عنه؛ فقال مالك: يُذبَحُ عن الغلام شاةٌ واحدة، وعن الجاريةِ شاةٌ؛ الغلامُ والجاريةُ في ذلك سواءٌ (٢). والحجَّةُ له ولمن قال بقولِه في ذلك ما حدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أبو معمرٍ عبدُ الله بن عَمْرٍو،

стр. 1698

قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسِ، أنّ رسولَ الله ﷺ عقَّ عن الحَسَنِ والحُسينِ كبشًا كبشًا. وروى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، أنّ فاطمةَ ذبَحت عن حَسَنٍ وحُسَينٍ كبشًا كبشًا. وكان عبدُ الله بن عمرَ يَعُقُّ عن الغِلمانِ والجوارِي من وَلَدِه شاةً شاةً (١). وبه قال أبو جعفرٍ محمدُ بن عليِّ بن حسينٍ، كقولِ مالكٍ سواءً. وقال الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ: يُعَقُّ (٢) عن الغلام شاتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ. وهو قولُ ابن عباسٍ، وعائشةَ، وعليه جماعةُ أهلِ الحديثِ (٣). وحجَّتُهم في ذلك ما حدَّثناه أبو القاسم عبدُ الوارثِ بن سفيانَ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بن نصرٍ قراءةً منِّي عليه أيضًا -واللَّفظُ له- قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التَّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، قال: أخبَرنا عَمرو بن دينارٍ، قال: أخبَرني عطاءُ بن أبي رباحٍ، أنّ حبيبةَ بنتَ مَيسرةَ الفِهْرِيَّةَ مولاتَه أخبَرته، أنّها سمِعت أمَّ كُرْزٍ الخُزاعيَّةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ قال في العَقيقةِ: "عن الغلام شاتانِ مُكافِئتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ" (٤).

стр. 1699

وعندَ ابن عيينةَ أيضًا في هذا الحديث إسنادٌ آخرُ، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيدَ، عن أبيه، عن سِبَاع بن ثابتِ، عن أمِّ كُرْزٍ؛ حدَّثَنيه سعيدُ بن نصِر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بن أبي يزيدَ، قال: أخبَرني أبي، أَنَّه سمِع سِبَاعَ بن ثابتٍ يُحدِّثُ، أَنَّه سمِع أُمَّ كُرْزٍ الكَعبيَّةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أقِرُّوا الطَّيرَ على مَكِناتِها" (٢). قالت: وسمِعتُه ﷺ يقولُ: "عن الغلامِ شاتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ، ولا يَضُرُّكم ذُكرانًا كُنَّ أو إناثًا".

стр. 1700

هكذا قال ابن عُيينةَ في هذا الحديث، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيدَ، عن أبيه. وخالَفه حمَّادُ بن زيدٍ، فلم يقلْ: عن أبيه. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيدَ، عن سِبَاعِ بن ثابتٍ، عن أمِّ كُرْزٍ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "عن الغلام شاتانِ مِثْلانِ، وعن الجاريه شاةٌ". قال أبو داودَ: هذا هو الصَّحيحُ، وَهِمَ ابن عيينةَ فيه. قال أبو عُمر: لا أدرِي من أين قال هذا أبو داودَ؟ وابن عُيينةَ حافظٌ، وقد زاد في الإسنادِ، وله عن عُبيدِ الله بن أبي يزيدَ، عن أبيه، عن سِباعِ بن ثابتٍ، عن أمِّ كُرْزٍ، ثلاثةُ أحاديثَ (٢). وحدَّثنا بحديثِ حمادِ بن زيدٍ أيضًا، عبدُ الوارثِ بن سفيانَ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، فذَكَره بإسنادِه حرفًا بحرفٍ. وقال أبو داودَ (٣): سمِعتُ أحمدَ بن حنبلٍ يقولُ: "مُكافِئتانِ": مُستويتانِ مُتقارِبَتان. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، قال: حدَّثنا داودُ بن قيسٍ، عن عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن العَقيقةِ، فقال: "لا أُحبُّ العُقوقَ". فقال: أي رسولَ الله، إنّما أسألُك

стр. 1701

عن أحدِنا يُولَدُ له المولودُ. فقال: "مَن أحبَّ أن يَنسُكَ عن ولَدِه فليَفْعَلْ؛ عن الغلام شاتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ" (١). قال أبو عُمر: انفرَد الحسنُ وقتادةُ بقولِهما: أنه لا يُعَقُّ عن الجاريةِ بشيءٍ، وإنَّما يُعَقُّ عن الغلام فقط بشاةٍ (٢). وأظُنُّهما ذهَبا إلى ظاهرِ حديثِ سَلْمانَ: "مع الغلام عَقيقتُه" (٣)، وإلى ظاهرِ حديثِ سَمُرةَ: "الغلامُ مُرتَهَنٌ بعقيقتِه" (٤). وكذلك انفَرد الحَسَنُ وقَتَادةُ أيضًا بأنّ الصَّبيَّ يُمَسُّ رأسُه بقُطْنةٍ قد غُمِستْ في دَم العَقيقَةِ (٥). قال أبو عُمر: أمّا حَلْقُ رأسِ الصَّبِيِّ عندَ العَقيقةِ، فإنّ العلماءَ كانوا يَستحِبُّون ذلك، وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال في حديث العَقيقةِ: "يُحْلَقُ رأسُه، ويُسمَّى" (٦). وقال بعضُهم في هذا الحديثِ، وهو حديثُ سَمُرَةَ: "يُحْلَقُ رأسُه، ويُدَمَّى" (٧). ولا أعلمُ أحدًا من أهلِ العلم قال: يُدَمَّى رأسُ الصبيِّ، إلّا الحَسَنَ وقتادةَ، فإنّهما قالا: يُطْلَى رأسُ الصبيِّ بدَم العقيقةِ. وأنكر ذلك سائرُ أهل العلم وكَرِهوه، وحجَّتُهم في كراهيته قولُ رسول الله ﷺ في حديثِ سَلْمان بن عامرٍ الضبيِّ:

стр. 1702

"وأمِيطُوا عنه الأذَى" (١). فكيف يجوزُ أن يُؤمَرَ بإماطَةِ الأذَى عنه، وأن يُحمَلَ على رأسِه الأذَى؟ وقولُه ﷺ : "أمِيطُوا عنه الأذَى" ناسخٌ لِما كان عليه أهلُ الجاهليةِ من تَخْضِيبِ رأسِ الصبيِّ بدَم العَقيقةِ (٢). رُوي عن عائشةَ ﵂ أنّها قالت: كان أهلُ الجاهليةِ إذا حلَقوا رأسَ الصبيِّ وضَعوا دمَ العَقيقةِ على رأسِه بقُطنةٍ مَغْموسة في الدَّم، فأمَرهم رسولُ الله ﷺ أن يجعلوا مكانَ الدَّم خَلُوقًا (٣). ورُوي عن بُرَيدةَ الأسلَميُّ نحوُ ما رُوي عن عائشةَ في ذلك، حدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤):

стр. 1703

حدَّثنا أحمدُ بن ثابتٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحُسينِ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عبدُ الله بن بُريدَةَ قال: سمِعتُ أبي بُريدةَ يقولُ: كنَّا في الجاهليةِ إذا وُلِد لأحدِنا غلامٌ ذبَح شاةً ولَطَخ رأسَه بدَمِها، فلمَّا جاء اللهُ بالإسلام كنّا نَذبَحُ شاةً، ونَحْلِقُ رأسَه، ونَلْطَخُه بزَعْفران. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال في حديثِ سَمُرةَ: "ويُدَمَّى" مكانَ: "ويُسَمَّى". إلّا همَّامًا: أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبد الرزاقِ التمارُ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا حفصُ بن عمرَ النَّمَرِيُّ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن الحَسَن، عن سَمُرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "كلُّ غُلام رَهينةٌ بعَقيقتِه، تُذبَحُ عنه يومَ السابع، ويُحْلَقُ رأسُه، ويُدَمَّى". فكان قتادةُ إذا سُئِل عن الدَّم كيف يُصْنَعُ به؟ قال: إذا ذَبَحْتَ العَقيقةَ أخذتَ منها صُوفةً، واسْتَقبلَتَ بها أوداجَها، ثم تُوضَعُ على يافُوخ الصبيِّ [حتى يَسيل] (٢) على رأسِه [مثلَ الخيطِ] (٣)، ثم يُغْسَل رأسُه بعدُ ويُحلقُ. قال أبو داودَ: وقولُه: "ويُدَمَّى" وَهْمٌ من همَّام (٤). وجاء تفسيرُه عن قتادةَ، وهو منسوخٌ.

стр. 1704

وأمَّا تَسْمِيَةُ الصبيِّ، فإن مالكًا ﵀ قال: يُسَمَّى يومَ السابع. وهو قولُ الحسنِ البصريِّ. والحجَّةُ لهذا القولِ حديثُ سَمُرةَ، وقد ذكَرناه، وهو قولُه: "تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه، ويُسمَّى" (١). يريدُ، واللهُ أعلمُ، ويُسمَّى يومئذٍ. قال مالك: إن لم يَسْتَهلَّ صارخًا لم يُسَمَّ (٢). وقال ابن سيرينَ، وقتادةُ، والأوزاعيُّ: إذا وُلِد وقد تمَّ خَلْقُه، سُمِّي في الوقتِ إن شاء (٣). ويجوزُ أن يُحْتَجَّ لمن قال بهذا القولِ بما رُوي عن النبيُّ ﷺ أَنَّه قال: "ولِد لي الليلةَ غلامٌ، فسَمَّيتُه بإبراهيمَ" (٤). وعند مالكِ والشافعيِّ وأصحابِهما، وهو قولُ أبي ثورٍ: يُتَّقَي في العقيقةِ من العيوبِ ما يُتَّقَي في الضَّحايا، ويُسْلَكُ بها مَسْلَكُ الضحايا، يُؤْكَلُ منها

стр. 1705

ويُتَصدَّقُ، ويُهدَى إلى الجيرانِ (١). ورُوي مثلُ ذلك عن عائشةَ (٢)، وعليه جمهورُ العلماء. قال عطاء: إذا ذَبَحتَ العقيقةَ فقلْ: باسم الله، هذه عقيقةُ فلانٍ. قال: وتُطبَخُ وتُقَطَّعُ قطعًا، ولا يُكسَرُ لها عظم (٣). وهو قولُ الشافعيِّ في ألّا يُكسَرَ لها عظم (٤). وقد رُوي عن عائشةَ أنّها قالت: لا تُكسَرُ عظامُ العقيقةِ (٥). وقال مالكٌ وابن شهابٍ: لا بأسَ بكسرِ عظامِها (٦). وقال ابن جريج: تُطبَخُ بماءٍ ومِلحٍ أعضاءً -أو قال: آرابًا- وتُهْدَى في الجيرانِ والصديق، ولا يُتَصدَّق منها بشيءٍ (٧).

стр. 1706

حديث خامسٌ وعشرونَ لزَيْد بن أسلَمَ مرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بن أسلَم، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أن رسول الله ﷺ نهَى عن بيع الحيوانِ باللحم. قال أبو عُمر: لا أعلمُ هذا الحديثَ يَتَّصلُ من وجهٍ ثابتٍ من الوجوهِ، عن النبيِّ ﷺ ، وأحسنُ أسانيدِه مرسلُ سعيدِ بنِ المسيِّبِ هذا (٢)، ولا خلافَ عن مالكٍ في إرسالِه، إلَّا ما: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بن أحمدَ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حمَّادِ بنِ سفيانَ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ عَمْرٍو الغَنَوِيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ مروانَ (٣)، قال: أخبَرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ

стр. 1707

شهابٍ، عن سهل بن سعدٍ السَّاعدِيِّ، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن بيعِ اللحم بالحيوانِ (١). وهذا حديثٌ إسنادُه موضوعٌ، لا يَصِحُّ عن مالكٍ، ولا أصلَ له في حديثه. وروَاه معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن بيعِ اللَّحم بالشَّاةِ الحيَّةِ. هذا لفظُ حديثِ معمرٍ، قال زيدُ بنُ أسلمَ: نظِرةً، ويدًا بيدٍ. هكذا قال معمرٌ، عن زيد بنِ أسلمَ (٢). وقد اختلَف الفقهاءُ في القولِ بهذا الحديثِ، وفي معناه؛ فكان مالكٌ يقولُ: المرادُ من هذا الحديثِ تحريمُ التَّفاضلِ في الجنسِ الواحدِ، وهو عندَه من بابِ المزابنَةِ والغَرَرِ؛ لأنَّه لا يدرِي هل في الحيوانِ مثلُ اللحم الذي أعطَى، أو أقلُّ أو أكثرُ. وبيعُ اللحم باللحم لا يجوزُ مُتَفاضلًا، فكذلك بيعُ الحيوانِ باللحم إذا كانا من جنسٍ واحدٍ، والجنسُ الواحدُ عندَه؛ الإبلُ، والبقرُ، والغنمُ، وسائرُ الوحش، وذواتُ الأربعِ المأكولاتُ، هذا كلُّه عندَه جنسٌ واحدٌ، لا يجوزُ بيعُ لحمِه بلحمِه إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، وقد أجازَه على التَّحَرِّي، ولا يجوزُ حيوانُه بلحمِه عندَه أصلًا؛ من أجلِ المزابِنةِ. ومن هذا البابِ عندَه الشَّيْرَقُ بالسِّمْسِم، والزيتُ بالزيتونِ، لا يجوزُ شيءٌ منه على حالٍ، والطيرُ كلُّه عندَه جنسٌ واحدٌ، والحِيتانُ

стр. 1708

كلُّها جنسٌ واحدٌ (١). وما ذكَرتُ لك من أصلِه في بيعِ الحيوانِ باللَّحم هو المذهبُ المعروفُ عنه، وعليه أصحابُه، إلَّا أشهبَ، فإنَّه لا يقولُ بهذا الحديثِ، ولا بأسَ عندَه ببيعِ اللَّحم بالحيوانِ من جنسِه، وغير جنسِه (٢). حكَى ذلك محمدُ بنُ. عبد الله بن عبدِ الحكم وغيرُه عنه. قال ابنُ القاسمِ: من سلَّم في دجاجٍ، فأخَذ فيها عندَ حُلول الأجَل طيرًا من طير الماءِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ طيرَ الماءِ إنَّما يُرادُ للأكلِ لا لغيرِه. وقال أشهبُ: ذلك جائز (٣). وقال الفضلُ بنُ سلمةَ: كان ابنُ القاسم لا يُجِيزُ حَيَّ ما يُقتَنَى بحَيِّ ما لا يُقتَنَى، لا مِثلًا بمِثلٍ، ولا مُتَفاضلًا؛ للحديثِ الذي جاء فيه النَّهيُ عن اللَّحم بالحيوانِ، وأجاز حَيَّ ما يُقْتَنَى بحَيِّ ما يُقْتنَى مُتَفاضلًا، وأجاز حَيَّ ما لا يُقْتَنَى بحيِّ ما لا يُقْتَنَى على التَّحَرِّي. قال الفضلُ: لأنَّه إن كان لحمًا، فلا بأسَ ببيعِ بعضِه ببعضٍ على التَّحَرِّي، وإن كان حيوانًا فهو يجوزُ مُتفاضلًا، فكيف تَحَرِّيًا. قال أبو عُمر: قد قال غيرُه من المالكيِّينَ: لا يَجوزُ التَّحَرِّي في المذبوحِ إذا لم يُسْلَخْ ويُجَرَّدْ ويُوقَفْ على ما يُمْكِنُ تَحَرِّيه منه. وهو الصَّحيحُ من القول في ذلك إن شاء اللهُ. قال الفضلُ: وكان أشهبُ يُجيزُ حَيَّ ما لا يُقتَنَى بحَيِّ ما لا يُقْتَنَى، وبحَيِّ ما يُقتَنَى مُتفاضلًا، فكذلك أجاز أن يأخُذَ في الدَّجاجِ والإوَزِّ طيرًا من طيرِ الماءِ (٤).

стр. 1709

قال أبو عُمر: إذا اختلَف الجنسان فلا خلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أنَّه جائزٌ بيعُ الحيوانِ حينَئذٍ باللَّحم. وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ: لا بأسَ باللَّحم بالحيوانِ، من جنسِه ومن غيرِ جنسِه على كلِّ حالٍ بغيرِ اعتبار (١) وهو قولُ أشهبَ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: لا يَجوزُ إلَّا على الاعتبارِ (٢). قال أبو عُمر: الاعتبارُ عندَه نحوُ التَّحرِّي عندَ ابنِ القاسمِ، فافهَمْ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ والشافعيُّ وأصحابُه: لا يَجوزُ بيعُ اللَّحم بالحيوانِ على كلِّ حالٍ، من جنسِه ولا من غيرِ جنسِه، على عموم الحديثِ (٣). قال أبو عُمر: قال الشافعيُّ بهذا الحديثِ وإن كان مرسلًا، وأصلُه ألَّا يَقبلَ المراسيلَ إلا مراسيلَ سعيدِ بن المسيِّبِ، فإنَّه زعَم أنَّه افتَقَدها فوجَدها صِحاحًا. قال أبو يحيى زكريَّا بنُ يحيى السَّاجِيُّ: سمِعتُ عيسى بنَ شَاذانَ يقولُ: إرسالُ سعيدِ بنِ المسيِّبِ عن رسولِ الله ﷺ يُوَازِي إسنادَ غيرِه. وقال المزنيُّ: القياسُ أن يجوزَ، إلَّا أن يَثبُتَ فيه الحديثُ فلا يَجوزُ، اتِّباعًا للأثرِ وتَركًا للقياسِ. قال أبو عُمر: فقهاءُ المدينةِ على كراهيةِ بيعِ الحيوانِ باللَّحمِ، وهو العملُ عندَهم. وممَّن رُوِي ذلك عنه؛ سعيدُ بنُ المسيِّبِ، وأبو بكرٍ بنُ عبد الرحمنِ بنِ

стр. 1710

الحارثِ بنِ هشامٍ، وعروةُ بنُ الزُّبيرِ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، كلُّهم كانوا يُحَرِّمون بيعَ الحيوانِ باللحم، عاجلًا وآجلًا (١). وذكر مالكٌ (٢)، عن أبي الزِّنادِ، قال: كلُّ من أدرَكتُ ينهَى عن بيعِ الحيوانِ باللَّحمِ. قال أبو الزِّنادِ: وكان يُكتَبُ ذلك في عهودِ العُمَّال في زمانِ أبانَ بنِ عثمانَ وهشام بنِ إسماعيلَ. قال أبو الزِّنادِ: وسمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ، يقولُ: نُهِي عن بيعِ الحيوانِ باللحمِ. قال: فقلتُ لسعيدِ بنِ المُسيِّبِ: أرَأيتَ رجلًا اشترَى شارفًا بعَشْرِ شِياهٍ؟ فقال سعيدٌ: إن كان اشتَراها لينْحَرَها فلا خيرَ في ذلك. وذكَر مالكٌ (٣) أيضًا، عن داودَ بنِ الحُصينِ، أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسيِّبِ يقولُ: كان من مَيْسِرِ أهلِ الجاهليَّةِ بيعُ الحيوانِ باللَّحم؛ بالشاةِ والشاتَيْنِ. وهذا يدُلُّ على مذهبِ مالكٍ في هذا الباب، أنَّه من طريقِ القِمارِ والمُزابَنةِ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّه ذكَر الميسِرَ، وهو القِمارُ. قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: وإنَّما دخَل ذلك في معنَى المزابَنةٍ؛ لأنَّ الرجلَ لو قال للرجلِ: أنا أضمَنُ لك من جَزُورِك هذه، أو من شاتِكَ هذِه، كذا وكذا رِطلًا، فما زاد فَلي، وما نقَص فعلَيَّ. كان ذلك هو المزابَنةَ، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك لهم، لم يَجُزْ أن يَشتَروا الجزورَ ولا الشاةَ بلحم؛ لأنَّهم يَصيرون إلى ذلك المعنَى. قال: ولهذا قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: إن كان اشتَرى الشَّارِفَ ليَنحَرَها، فلا خيرَ في ذلك. قال إسماعيلُ: لأنَّه إذا اشتَراها ليَنحَرَها، فكأنَّه اشتَراها بلحمٍ، ولو كان لا يريدُ نحرَها لم يكنْ بذلك بأسٌ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه اشتَرى حيوانًا بحيوانٍ، فوُكِلَ إلى نيَّتِه وأمانَتِه.

стр. 1711

قال أبو عُمر: قد أوضَحنا مذهبَ مالكٍ وغيرِه في المزابَنةِ في بابِ داودَ بنِ الحُصين (١). ومن ذهَب إلى كراهيةِ بيعِ الحيوانِ بأنواعِ اللُّحومِ، فالحجَّةُ له ظاهرُ الحديثِ؛ لأنَّ حقيقةَ الكلام أن يكونَ على عمومِه، ويُحمَلَ على ظاهرِه، إلَّا أن يُزِيحَه عن ذلك دليل يجبُ التسليمُ لمثلِه. ورُوي عن ابن عباس في هذا روايتانِ: إحداهما: إجازةُ بيعِ اللحم بالشاةِ (٢). والثَّانيةُ: كراهيةُ ذلك (٣). وهو الأشهرُ عنه. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أيضًا أنَّ جَزورًا نُحِرَتْ على عهدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، فقُسِمَتْ على عشَرةِ أجزاءٍ، فقال رجل: أعطوني جُزْءًا بشاةٍ. فقال أبو بكرٍ: لا يَصلُحُ هذا (٤). قال الشافعيُّ: ولا أعلمُ مُخالِفًا من الصحابةِ لأبي بكرٍ في ذلك (٥). وروَى الثوريُّ أيضًا، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنَّه كرِه أن يُباعَ حَيّ بمَيِّتٍ. يعني الشاةَ المذبوحةَ بالقائمةِ. قال سفيانُ: ولا نرَى به بأسًا.

стр. 1712

ذكَره عبدُ الرزاقِ (١)، عن الثورِيِّ. قال أبو عُمر: جُملةُ مذهبِ مالكٍ في هذا البابِ أنَّ الأزواجَ الثمانيةَ: وهي الإبلُ، والبقرُ، والضَّأنُ، والمعزُ، وكذلك الجوامِيسُ، والظِّباءُ، والثياتلُ (٢)، وحُمُرُ الوحشِ، وكلُّ ذي أربعٍ ممَّا يَجوزُ أكلُه، كلُّ ذلك صنفٌ واحدٌ، لا يَجوزُ حيوانٌ منه بلحم بعضه على حال، ولا لَحمُ بعضِه ببعضٍ إلَّا مثلًا بمِثْلٍ، ولحومُ الطير كلُّها صنف واحدٌ، الإوَزُّ، والبَطُّ، والدَّجاجُ، والنَّعامُ، والحِدَأُ، والرَّخَمُ، والنُّسُورُ، والعُقْبانُ، والغُرابُ، والحمامُ، واليمامُ. وكلُّ ذِي رِيشٍ من طيرِ الماءِ وطيرِ البَرِّ، لا يجوزُ حَيُّ ذلك كلِّه بمذبوح شيءٍ منه على حالٍ، ولا يَجوزُ لحمُ شيءٍ منه بشيءٍ من الجنسِ المذكورِ، إلَّا مِثلًا بمِثْلِ، ويجوزُ على التَّحرِّي (٣). قال ابنُ عبدِ الحكم: لا يَجوزُ التَّحرِّي إَّلا فيما قلَّ ممَّا يُدرَكُ وَيلحَقُه التَّحرِّي، وأمَّا ما كثُر فلا يَجوزُ فيه التَّحرِّي؛ لأنَّه لا يُحاطُ بعلْمِه، ويجوزُ لحمُ الطَّيرِ بحَيِّ الأنعامِ، وذَواتِ الأربع، يدًا بيَدٍ وإلى أجلٍ، إذا كان المذبوحُ مُعَجَّلًا قد حُسِر عن لحمِه وعُرِف، وكانت القُنيةُ تصلُحُ في الحَيِّ منهما، وأمَّا ما يُستَحيَى ويُقتَنَى من الجِنسَين جميعًا، فلا بأسَ بواحدٍ منه باثنينِ يدًا بيدٍ، فإذا اختلَف الجنسانِ، جاز الأجلُ. هذا كلُّه هو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ وأصحابِه، إلَّا أشهَبَ على ما ذكَرتُ لك (٤). وعلى مذهب الشافعيِّ لا يَجوزُ حَيٍّ بميِّتٍ من جميعِ اللّحوم والحيوانِ (٥). وعلى مذهبِ أبي حنيفةَ ذلك كلّه جائزٌ، وله حُججٌ كثيرةٌ من طريقِ الاعتبارِ، ترَكتُ ذكرَها (٦).

стр. 1713

حديث سادس وعشرونَ لزَيْد بن أسلَمَ وهُو أولُ حديثٍ من مَراسيل عطاءِ بن يَسَار مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أَسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فسألَه عن وقتِ صلاةِ الصبحِ. قال: فسكَتَ عنه رسولُ الله ﷺ حتى إذا كان من الغدِ صلَّى الصبحَ حِينَ طلعَ الفجرُ، ثم صلَّى الصبحَ من الغدِ بعدَ أن أسفرَ، ثم قال: "أين السائلُ عن وقتِ الصلاةِ؟ ". قال: هأنذا يا رسولَ الله. فقال: "مَا بين هذينِ وقت". قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ في إرْسالِ هذا الحديثِ كما روَاه يَحْيَى سَواءً، وقد يَتَّصلُ معناهُ من وجوه شتَّى؛ مِن حديثِ أبي موسى الأشعريِّ (٢)، وحديثِ جابرٍ (٣)، وحديثِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص (٤)، وحديثِ بُرَيْدة الأَسْلمِيِّ (٥)، إلَّا أنَّ في هذه الأَحادِيثِ كلِّها سُؤَالَ السَّائِلِ رسولَ الله ﷺ عن مواقيتِ الصلواتِ جُمْلَةً، وإجابَتَه إيَّاهُ في الصبح بمثلِ حديثِ مالكٍ هذا.

стр. 1714

وقد روَى أنسُ بنُ مالكٍ عن النبيِّ ﷺ مثلَ حديثِ عطاءِ بنِ يسارٍ هذا سَواءً في صلاةِ الصبحِ وحدَها، لم يُشرِكْ معها غيرَها. روَاه جماعة عن حُمَيْدٍ، عن أنسٍ؛ منهم حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ وغيرُه. أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليِّ أنَّ أباهُ أخْبَره، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: أخبرنا حجاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال أخبرنا حمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن حُمَيدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن وقتِ صلاةِ الفجرِ، فقال: "صَلِّها معنا غدًا". فصلَّاها النبيُّ ﷺ بغَلَسٍ، فلمَّا كان اليومُ الثاني أخَّرَ حتى أسفرَ، ثم قال: "أينَ السائلُ عن وقتِ هذه الصلاةِ؟ " فقال الرجلُ: أنا يا نبيَّ الله. فقال النبيُّ ﷺ : "ألَيس قد حضَرْتَها معنا أمس واليومَ؟ " قال: بلى. قال: "فما بينَهما وقت" (١). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ معاويَةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ (٢)، قال: أخبرنا عليُّ بنُ حُجْرٍ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا حُمَيْدٌ، عن أنس، أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فسألَه عن وقتِ صلاةِ الغَدَاةِ، فلمَّا أصبحْنا منَ الغَدِ أمَرَ حينَ انْشَقَّ الفجرُ أن تُقامَ الصَّلاةُ، فصَلَّى بنا،

стр. 1715

فلمَّا كان من الغَدِ أَسْفَرَ، ثم أمَرَ فأُقِيمتِ الصَّلاةُ، فصلَّى بنا، ثم قال: "أيْنَ السائلُ عن وقتِ الصلاةِ؟ ما بين هذينِ وقتٌ". وهذا إسْناد صحيحٌ مُتَّصِلٌ بلفْظِ حديثِ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ ومَعْنَاه. وقد رُوِيَ مِن حديثِ جابرٍ عن النبيِّ ﷺ مثلُه (١). وبلَغني أنَّ سُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ حدَّثَ بهذا الحديثِ عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن أنسِ بنِ مالِك، عن النبيِّ ﷺ . وما أدري كيفَ صحَّةُ هذا عن سفيانَ؟ وأما الحديثُ عن زيدِ بنِ أسلمَ، فالصَّحيحُ فيه أنه من مُرْسلاتِ عطاءٍ. واللهُ أعلمُ. وفي هذا الحديث منَ الفقه تأخيرُ البيانِ عن وقتِ السؤالِ إلى وقتٍ آخَرَ يجبُ فيه فِعلُ ذلك، إذا كان لعلةٍ جائزٌ عندَ أكثرِ أهلِ العلم، وأمَّا تأْخيرُ البيانِ عن حينِ تَكليفِ الفعلِ والعملِ حتى يَنقضيَ وقتُه، فغيرُ جائزٍ عندَ الجميعِ، وهذا بابٌ طالَ فيه الكلامُ بينَ أهلِ النظَرِ مِن أهلِ الفِقْهِ؛ فمَن أجازَ تأخيرَ البيانِ في هذا البابِ، احْتجَّ مِن جِهةِ الأثر بهذا الحديثِ وما أشبهَه، وبقولِه ﷺ في حَجَّتِه: "خُذُوا عَنِّي مناسِكَكم" (٢). والمناسِكُ لم تَتِمَّ إلا في أيام، وقد كان يُمكِنُه أن

стр. 1716

يُعَلِّمَهم ذلك قولًا في مُدَّةٍ أقرَبَ من مُدَّةِ تَعليمِه إياهم عَمَلًا، وكذلك قد كان قادِرًا على أن يُبَيِّنَ للسَّائلِ مِيقَاتَ تلك الصَّلاةِ، وسائرِ الصَّلَواتِ بقَوْلِه في مَجْلِسِه ذلك، ولكِنَّه أخَّرَ ذلك ليُبَيِّنَ ذلك له عَمَلًا، ولم يَمْتَنِعْ مِن ذلك لِمَا يخافُ عليه منَ اخترام المَنِيَّةِ؛ لأنَّ اللهَ قد كانَ أنْبَأَهُ، واللهُ أعلمُ، أنَّه لا يَقْبِضُه حتى يُكْمِلَ به الدِّينَ، ويُبَيِّنَ للأُمَّةِ على لِسَانِه ما يُتَوَصَّلُ به إلى مَعْرِفَةِ الأحْكام، وكذلك فعَلَ ﷺ . ولله الحمدُ كثيرًا. وقد يكونُ البَيانُ بالفِعْل أثْبَتَ أحْيانًا فيما فيه عَمَل مِن القولِ، وقد قالَ ﷺ : "ليس الخَبَرُ كالمُعَايَنَةِ" (١). روَاه ابنُ عَبَّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، ولم يَرْوِه غيرُه (٢). والله أعلمُ.

стр. 1717

ومعْلومٌ أنَّ الصَّدْرَ الأوَّلَ لم يُخْبِروا بما سَمِعُوا مِن الأخْبارِ ضَرْبَةً واحدةً، بل كانوا يُخْبِرونَ بالشيءِ على حَسَبِ الحالِ، ونُزولِ النَّوازِلِ، وكذلك الأخْبارُ المُستفيضَةُ أيضًا، لم تَقعْ ضَرْبَةً واحدةً، والكلامُ في هذا البابِ يطولُ جِدًّا، وليس هذا مَوْضِعَه، وفيما لَوَّحْنا به منه كِفايَةٌ وتَنْبِيهٌ إن شاء اللهُ تعالى. وفي هذا الحديثِ أيضًا أنَّ أوَّلَ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الفَجْرِ وأنَّ وَقْتَها مَمْدودٌ إلى آخرِ الإسْفَارِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ. فأمَّا أوَّلُ وَقْتِها، فلا خِلافَ بينَ عُلَماءِ المسلمينَ أنَّه طُلُوعُ الفجرِ، على ما في هذا الحديثِ وغيرِه، وهو إجْماع، فسَقَطَ الكلامُ فيه. والفجرُ هو أوّل بَيَاضِ النَّهارِ الظاهِرِ المُسْتَطِيرِ في الأفقِ المُسْتَنِيرِ المُنتشِرِ، تُسَمِّيه العربُ الخَيْطَ الأبيضَ. قال اللهُ : ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. يريدُ بَيَاضَ النَّهارِ مِن سوادِ الليل. قال أبو دُؤَادٍ الإياديُّ: فلمَّا أضاءَتْ لنَا سُدْفَةٌ ... ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنارَا (١) وقال آخرُ: قد كادَ يَبْدُو أو بدَتْ تباشرُه وسَدَفً الليلِ البَهِيمِ ساتِرُهْ (٢) وقد سمَّتْه أيضًا الصَّدِيعَ، ومنه قولُهم: انْصَدَعَ الفَجْرُ. قال بِشْرُ بنُ أبي خازِم، أو عَمْرُو بنُ مَعْدي كرِبَ:

стр. 1718

به السِّرْحَانُ (١) مُفْتَرِشًا يدَيْه ... كأَن بَياضَ لَبَّتِهِ الصَّدِيعُ (٢) وشبَّهَه الشَّمَّاخُ بمَفْرِقِ الرأسِ، فقالَ: إذا ما اللَّيلُ كان الصبحُ فيه ... أَشَقَّ كمَفْرِقِ الرأسِ الدَّهِينِ (٣) ويقولون للأمْرِ الواضِحِ: هذا كفَلَقِ الصُّبْحِ، وكانْبِلاجِ الفَجْرِ، وتَباشِيرِ الصُّبْح. قال الشاعرُ: فوَرَدَتْ قبلَ انْبِلاجِ الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامِنٌ في كَفْرِ (٤) وذُكاءٌ: الشَّمسُ، فسَمَّى الصُّبْحَ ابنَ ذُكاءٍ. والكَفْرُ: ظُلْمِةُ الليلِ، ويُقالُ لِلَّيْلِ: كافِرٌ؛ لتَغْطِيَتِه الأشْياءَ بظُلْمَتِه. وأمَّا آخِرُ وَقْتِها فكان مالِكٌ فيما حَكَى عنه ابنُ القاسِم يقولُ: آخِرُ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ الإسْفَارُ (٥). كأنَّه ذهبَ إلى هذا الحديثِ، لأنَّه صَلَّاها في اليوم الثاني حينَ أسْفَرَ، ثم قالَ: "ما بين هذَيْنِ وَقْتٌ" فكانَ ظاهِرُ قَوْلِه، أنَّ ما عدَا هذيْنِ فليس بوَقْتٍ. ومَعْنَى قَوْلِه: "ما بين هذيْنِ وَقْتٌ" يريدُ هذَيْنِ وما بينَهما وَقْتٌ.

стр. 1719

وأمَّا الشافعيُّ، والثَّورِيُّ، وجمهورُ الفقهاءِ، وأهلُ الأثرِ، فإنَّهم قالُوا: آخِرُ وقتِ صَلاةِ الصُّبْحِ أن تُدْرَكَ منها رَكْعَة قبلَ طُلوعِ الشمسِ. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن مالِكٍ أيضًا (١). فبَانَ بذلك أنَّ قَوْلَه في رِوايَةِ ابنِ القاسِم عنه: آخِرُ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ الإسْفَارُ: أنَّه أرادَ الوَقْتَ المُسْتَحَبَّ، ويُوَضِّحُ ذلك أيضًا أنَّه لا خِلافَ عنه ولا عن أصْحابِه أنَّ مِقْدارَ رَكْعَةٍ قبلَ طُلُوعِ الشمسِ عندَهم وَقْتٌ في صَلاةِ الصُّبحِ لأصْحابِ الضَّرُورَاتِ، وأنَّ مَن أدْرَكَ منهم ذلك لَزِمَته الصَّلاةُ؛ لقولِه ﷺ : "مَن أدْرَكَ رَكْعةً مِن الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ فقد أدْرَكَ الصُّبْحَ" (٢). وقيل: إنَّ هذا الحديثَ أيضًا دليلٌ على أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ وآخِرَه سَواءٌ. وبهذا نزَعَ من قال أن لا فَضْلَ لأَوَّلِ الوقتِ على آخرِه؛ لقَوْلِه ﷺ "ما بين هذيْنِ وَقْتٌ" (٣). قال بذلك قومٌ مِن أهلِ الظَّاهِرِ، وخالَفَهم جماعَةٌ مِن الفُقَهاءِ، ونزَعُوا بأشْياءَ، سنَذْكُرُ بعضَها في هذا البابِ إنْ شاءَ اللهُ. والذي في قَوْلِه: "ما بين هذيْنِ وَقْتٌ" ممَّا لا يَحْتَمِلُ تأْوِيلًا- سَعَةُ الوَقْتِ، وبَقِيَ التَّفْضِيلُ بينَ أوَّلِه وآخِرِه مَوْقُوفًا على الدَّليلِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الأَفْضَلِ في وَقْتِ صلاةِ الصُّبْحِ؛ فذهَب العِرَاقيُّون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والحسنُ بنُ حَيِّ، وغيرُهم، إلى أنَّ الإسْفَارَ بها أفْضَلُ مِن التَّغْليسِ في الأزْمِنَةِ كُلِّها؛ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ (٤). واحْتَجُّوا بحديثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، وما كان مثلَه عن النبيِّ ﷺ في ذلك. وحديثُ رافِعٍ يدورُ على

стр. 1720

عاصِم بنِ عُمَرَ بنِ قتَادَةَ، وليس بالقَوِيِّ (١)، روَاه عنه محمدُ بنُ إسحاقَ، وابنُ عَجْلانَ، وغيرُهما. أخْبَرنا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عبدِ الرحمنِ قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم (٢)، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن عاصِم بنِ عُمَرَ بنِ قتادَةَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن رافِعِ بنِ خَدِيج، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أسْفِرُوا بالفجرِ، فكلَّما أسْفَرْتُمْ فهو أعظمُ للأجْرِ". وهذا أحْسَنُ أسانِيدِ هذا الحديثِ.

стр. 1721

وقد روَاه بَقِيَّةُ بنُ الوَليدِ (١)، عن شُعْبَةَ، عن داودَ البصريِّ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن رَافِعِ بنِ خَدِيج، عن النبيِّ ﷺ بمَعْنَاه. وهذا إسْنَادٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليدِ ضعيفٌ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ لم يَسْمَعْ مِن محمودِ بنِ لَبِيدٍ (٢). واحْتَجُّوا أيضًا بأنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ وعبدَ الله بنَ مَسْعُودٍ كانًا يُسْفِرَانِ بصلاةِ الصُّبْح (٣). وكان مالِكٌ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، يذْهَبُون إلى أنَّ

стр. 1722

التَّغْلِيسَ بصلاةِ الصُّبْحِ أفْضَلُ. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وداودَ بنِ عليٍّ، وأبي جعفرٍ الطَّبَرِيِّ (١). والحُجَّةُ لهم في ذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلَّي الصُّبْحَ، فيَنْصَرفُ النَّسَاءُ مُتَلَفِّفاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ (٢). وأنَّه ﷺ لم يَزَلْ يُغَلِّسُ بالصبْحِ إلى أن تُوُفِّيَ صَلَواتُ الله عليه. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثْرَمُ، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: ما معنَى قولِه: "أسْفِرُوا بالفجرِ؟ " فقال: إذا بان الفجرُ فقد أسْفَرَ. قلتُ: كان أبو نعيم يقولُ في حديثِ رافِع بنِ خَدِيج: "أسَفِرُوا بِالفجرِ، فكلَّمَا أسْفَرْتُمْ بها فهو أعْظَمُ للأجْرِ". فقال: نعم، كلُّه سَواءٌ، إنَّما هو إذا تَبَيَّنَ الفَجْرُ فقد أسْفَرَ. قال أبو بكرٍ: يقالُ في المرأةِ إذا كانت مُتَنقِّبةً فكشَفَتْ عن وَجْهِها: قد أسْفَرَتْ عن وَجْهِها، فإنَّما هو أن يَنْكشِفَ الفجرُ، وهكذا بلَغني عن أبي عبدِ الله. يَعْنِي: أحمدَ بنَ حنبل ﵀. قال أبو عُمر: صَحَّ عن رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، أنَّهم كانُو ا يُغلِّسون (٣)، ومحالٌ أن يَتْرُكوا الأفْضَلَ ويأْتُوا الدُّونَ، وهم النِّهايَةُ في إتْيَانِ

стр. 1723

الفَضائلِ. ولا مَعْنَى لقولِ مَن احْتَجَّ بأنَّه ﷺ لم يُخَيَّرْ بينَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا اخْتارَ أيْسَرَهما ما لم يكنْ إثْمًا (١)؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ الإسْفَارَ أيْسَرُ على الناسِ مِن التَّغْلِيسِ، وقد اخْتارَ التَّغْلِيسَ لفَضْلِه، وجاءَ عنه ﷺ أنَّه قال: "أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ الله وآخِرُه عَفْوُ الله" (٢). فكانَ العَفْوُ إباحَةً، والفَضْلُ كلُّه في رِضْوانِ الله. وسُئِلَ ﵇ من أفْضَلِ الأعْمالِ وأحَبِّها إلى الله؟ فقال: "الصَّلاةُ في أوَّلِ وَقْتِهَا" (٣). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بنُ غياثٍ، قال: حدَّثنا قَزَعَةُ بنُ سُوَيْدٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عُمَرَ، عن القاسِم بنِ غَنَّام، عن بعض أُمَّهاتِه، من أُمِّ فَرْوَةَ،

стр. 1724

قالت: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ أحَبَّ الأعْمَالِ إلى الله الصَّلاةُ لأوَّلَ وَقْتِها" (١). وهذا أحْسَنُ أسانِيدِ هذا الحديثِ. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ مَعْنَاه. ولا يَصِحُّ إسْنادُه (٢). وأصَحُّ دليلٍ على تَفْضِيلِ أوَّلِ الوَقْتِ ممَّا قد نزَعَ به ابنُ خُوَازِ بَنْدادَ وغيرُه قولُه : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. فوَجَبتِ المُسابقَةُ إليها وتَعْجِيلُها وُجُوبَ نَدْبٍ وفَضْل، للدَّلائلِ القائمةِ على جَوازِ تأخِيرِها. وممَّا يدُلُّ على أنَّ أوَّلَ الوقتِ أفْضَلُ أيضًا ما حدَّثَناه أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبَابَةَ البَغْدَادِيُّ ببَغْدَادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العَزيزِ البَغَوِيُّ (٣)، قال: حدَّثَنِي جَدِّي، قال: حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ الوَليدِ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أحدَكم لَيُصَلِّي الصلاةَ، وما فاتَه مِن وقتِها أشدُّ عليه مِن أهلِه ومالِه".

стр. 1725

وقولُه في هذا الحديث: "ومَا فَاتَه مِن وَقْتِهَا" دليل على أنَّه لم يَفُتْه وَقْتُها كلُّه، واللهُ أعلمُ، لأنَّ "مِن" حقُّها التَّبْعِيضُ. ولا خِلافَ بينَ علماءِ المسلمينَ أنَّ مَن صلَّى صَلاتَه في شيءٍ مِن وَقْتِها، أنَّه غيرُ حَرِجٍ إذا أدْرَكَ وَقْتَها. ففي هذا ما يُغْنِي عن الإكْثَارِ، ولكِنَّهم اخْتَلفُوا في الأفْضَلِ مِن ذلك على ما ذكَرْنَا، ومعلومٌ أنَّ مَن بَدَرَ إلى أداءِ فَرْضِه في أوَّلِ وَقْتِه، كان قد سَلِمَ ممَّا يَلْحَقُ المُتَوَانِيَ مِن العَوارِضِ، ولم تَلْحَقْه مَلامَةٌ، وشُكِرَ له بدَارُه إلى طاعَةِ رَبِّه. وقد أجْمَعَ المسلمون على تَفْضِيلِ تَعْجِيل المغرب؛ مَن قال: إنَّ وَقْتَها مَمْدُودٌ إلى مَغِيبِ الشَّفَقِ. ومَن قال: إنَّه ليس لها إلَّا وَقْت واحِدٌ. كلُّهم يَرَى تَعْجِيلَها أفضَلَ (١). وأمَّا الصُّبْحُ، فكان أبو بكرٍ الصدِّيقُ، وعمرُ الفاروقُ، يُغَلِّسَانِ بها (٢). فأينَ المَذْهَبُ عنهما؟ وبذلك كتَبَ عمرُ إلى عُمَّالِه: أن صلُّوا الصَّبْحَ والنُّجومُ بادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ (٣). وعلى تَفْضِيلِ أوائلِ الأوْقاتِ جمهورُ العُلماءِ، وأكْثَرُ أئِمَّةِ الفَتْوَى. وسيَأْتي شيءٌ مِن هذا المَعْنَى في البابِ الذي بعدَ هذا إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وبالله التوفيقُ (٤).

стр. 1726

حديث سابعٌ وعشرونَ لزيد بن أسلم مُرسل مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ شدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جَهَنَّمْ، فإذا اشتَدَّ الحَرُّ فأبرِدُوا عن الصَّلاةِ". وقال: "اشتكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: ياربِّ، أكلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنفَسينِ في كلِّ عام: نفَسٍ في الشتاءِ، ونفَسٍ في الصَّيْفِ". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يتصِلُ من وُجوهٍ كثيرةٍ ثابتةٍ؛ منها حديثُ مالكٍ (٢)، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ مولى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ ومحمدِ بنِ عبد الرحمن بنِ ثَوْبانَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . ورواه (٣) أيضًا (٤) عن أبي الزِّنادِ (٥)، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . إلا أنَّه ليس في حديثه عن أبي الزِّنادِ قولُه: "اشتكَتِ النَّارُ" إلى آخرِ الحديثِ؛ رواه عن أبي هريرةَ جماعةٌ،

стр. 1727

منهم: هَمَّامُ بن مُنبِّهِ (١)، وأبو صالحٍ السَّمَّانُ (٢)، والأعرجُ (٣)، وأبو سلمةَ، وسعيدُ بنُ المُسيِّبِ (٤)، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ (٥)، وغيرُهم (٦). وقد رواه عن النبيِّ ﷺ جماعة من الصحابةِ؛ منهم: أبو ذرٍّ (٧)، وأبو موسى الأشعريِّ (٨)، وهو حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ، فلا معنى لذكرِ الأسانيدِ فيه، إذ هو عندَ مالكٍ مُتَّصلٌ كما ذكَرنا، ومشهورٌ في المسانيدِ والمُصنفاتِ كما وصَفنا.

стр. 1728

وفيه دليل على أنَّ الظُّهرَ يُعجَّلُ بها في غير الحرِّ (١)، ويُبرَدُ بها في الحرِّ. ومعنى الإبرادِ: التأخيرُ حتى تزولَ شمسُ (٢) الهاجرةِ. وهذا معنًى اختلَف الفقهاءُ فيه: فأمَّا مذهبُ مالكٍ في ذلك، فذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وأبو الفرج عَمْرُو بنُ محمدٍ: أنَّ مذهبَه في الظُّهرِ وحدَها أن يُبرَدَ بها، وتُؤخَّرَ في شدَّةِ الحرِّ، وسائرُ الصلواتِ تُصلَّى في أوائلِ أوقاتِها؛ قال أبو الفرج (٣): اختار مالكٌ ﵀ لجميعِ الصلواتِ أولَ أوقاتِها، إلا الظهرَ في شدَّةِ الحرِّ؛ لقولِه ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصلاةِ". قال أبو عُمر: الحجةُ لهذا القولِ الحديثُ المذكورُ في هذا البابِ، مع ما قدَّمنا في البابِ الذي قبلَه من فضلِ الصَّلاةِ في أولِ وقتِها. وتقديرُ الآثارِ في ذلك، كأنه ﷺ قال: صلُّوا الصلواتِ في أوائلِ أوقاتِها، لمَن ابتغى الفضلَ، إلا الظهرَ في شدَّةِ الحرِّ، فإنَّ الإبرادَ بها أفضلُ. وهذا تقديرٌ محتملٌ، واستثناءٌ صحيحٌ إن شاء اللهُ. وقد نزعَ أبو الفرج بأن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ ﷺ في الوقتِ المختارِ في اليوم الأولِ، وصلَّى به في اليوم الثاني، ليعُلِمَه بالسَّعةِ في الوقتِ والرخصةِ فيه. وأما ابنُ القاسم، فحكى عن مالكٍ أنَّ الظُّهرَ تُصلَّى إذا فاء الفيءُ ذراعًا في الشتاء والصيفِ، للجماعةِ والمُنفرِدِ، على ما كتَب به عمرُ إلى عُمالِه (٤). وقال ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه من أصحابِنا: إنَّ معنى ذلك مساجدُ الجماعاتِ،

стр. 1729

وأمَّا المُنفردُ، فأولُ الوقتِ أولى به (١). وهو الذي مال إليه أهلُ النَّظرِ من المالكيِّينَ البغداديِّين، وترَكوا روايةَ ابنِ القاسم في المُنفردِ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ (٢): تُصلَّى الصلواتُ كلُّها، الظُّهرُ والعصرُ وغيرُهما، في أولِ الوقتِ، في الشتاء والصيفِ وهو أفضلُ. وكذلك قال الشافعيُّ (٣)، إلا أنه استثنَى فقال: إلا أن يكونَ إمامُ جماعةٍ يُنتابُ إليه (٤) من المواضع البعيدةِ، فإنَّه يُبرِدُ بالظهرِ. وقد رُوِي عنه أنَّ ذلك إنَّما يكونُ بالحجازِ حيثُ شدَّةُ الحرِّ، وكانت المدينةُ ليس فيها مسجد غيرَ مسجدِ رسولِ الله ﷺ ، وكان يُنتابُ من بُعْدٍ. ومن حُجَّتِهم أنَّ عُمرَ كتَب إلى أبي موسى الأشعريِّ: أن صلِّ الظهرَ حينَ تزِيغُ الشَّمسُ. وهو حديثٌ متَّصلٌ ثابتٌ عن عُمرَ، رواه مالكٌ (٥)، عن عمِّه أبي سهيلِ بنِ مالكٍ (٦)، عن أبيه. وقد لقِي عُمرَ وعثمانَ. والحديثُ المذكورُ فيه عن عُمرَ إلى عمالِه: أن صلُّوا الظهرَ إذا فاء الفيءُ ذراعًا. منقطع. رواه مالكٌ (٧)، عن نافعٍ، عن عمرَ. ونافعٌ لم يلقَ عمرَ. وقال العراقيون: تُصلَّى الظُّهرُ في الشتاء والصيفِ في أولِ الوقتِ، واستثنَى أصحابُ أبي حنيفةَ شدَّةَ الحرِّ، فقالوا: تُؤخَّرُ في ذلك حتى يَبرُدَ. والاختلافُ في هذا قريبٌ جدًّا (٨).

стр. 1730

وقد احتجَّ مَن لم يرَ الإبرادَ بالظهرِ في الحرِّ بحديثِ خَبَّابِ بنِ الأرتِّ، قال: شكَونا إلى رسولِ الله ﷺ حرَّ الرمضاء فلم يُشكِنا. يقولُ: فلم يُعذِرْنا. وتأوَّل مَن رأى الإبرادَ في قولِ خَبَّابٍ هذا: فلم يُشكِنا. أي: لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكوَى؛ لأنَّه رَخَّص لنا في الإبراد. وذكر أبو الفَرَج أنَّ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلبًا فسَّر قولَه: "فلم يُشكِنا" على هذا المعنَى، أي: لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكوَى. قرَأتُ على أبي القاسم يعيشَ بنِ سعيد بن محمدٍ وأبي القاسم عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهما، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبِ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ ثابتٍ الدهَّانُ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ معاويةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبٍ، عن خَبَّابٍ، قال: شكَونا إلى رسولِ الله ﷺ حرَّ الرمضاء فلم يُشكِنا. قال زُهيرٌ: فقلتُ لأبي إسحاقَ: في تعجيلِ الظهرِ؟ قال: نعم، في تعجيلِ الظُّهرِ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى -يعني القطَّانَ- عن سُفيانَ (٢)، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبِ، عن خَبّاب، قال: شكَونا إلى رسولِ الله ﷺ حَرَّ الرمضاء فما أشكَانا (٣). قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ

стр. 1731

مُضرِّبٍ، عن خَبَّابٍ (١). والقولُ عندَهم قولُ الثوريِّ وزُهيرٍ، على ما ذكَرنا عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبٍ، عن خَبَّابٍ، واللهُ أعلمُ. أخبرَنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهنيُّ، قال: أخبَرني حمزةُ بنُ محمدِ بنِ العباسِ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسويُّ، قال (٢): أخبَرني كثيرُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ، عن الزُّبيديِّ (٣)، عن الزُّهريِّ، قال: أخبَرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج حينَ زاغَت الشَّمسُ، فصلَّى بهم صلاةَ الظُّهر. وفي حديث أبي بَرْزةَ الأسلميِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي الظُّهرَ حينَ تزولُ الشَّمسُ (٤). وروى جابرٌ، عن النبيِّ ﷺ معناه (٥). وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر بنِ عبدِ الرزاقِ، قال: أخبَرنا سُليمانُ بنُ الأشعثِ، قال (٦): أخبَرنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ،

стр. 1732

قال: أخبَرنا عَبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن أبي مالكٍ الأشجعيِّ عن سعدِ بنِ طارقٍ، عن كثيرِ بنِ مُدرِكٍ، عن الأسودِ، أنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ، قال: كان قدرُ صلاةِ رسولِ الله ﷺ الظهرَ في الصَّيفِ ثلاثةَ أقدام إلى خمسةٍ، وفي الشتاء خمسةَ أقدام إلى سبعةٍ. وذكر النَّسويُّ (١)، عن أبي عبدِ الرحمنِ الأذْرَميِّ، عن عَبيد بنِ حُميدٍ، بإسنادِه مثلَه سواءً (٢). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٣): أخبَرنا عُبيد الله (٤) بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم (٥)، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ دينارٍ أبو خَلْدةَ قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا كان الحرُّ أبرَدَ بالصَّلاةِ، وإذا كان البردُ عجَّل. وأخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ، قال: أخبَرنا الأثرمُ، قال (٦): قلتُ لأبي عبدِ الله -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ-: أيُّ الأوقاتِ أعجبُ إليك؟ قال: أوَّلُ الأوقاتِ أعجبُ إليَّ في الصلواتِ كلِّها، إلا في صلاتينِ؛ صلاةِ العشاء الآخرةِ، وصلاةِ الظهرِ، في الحرِّ يُبرَدُ بها، وأما في الشتاء فيعجَّلُ بها.
следующие страницы →