← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1728–1767 · переход к 1733.

стр. 1728

وفيه دليل على أنَّ الظُّهرَ يُعجَّلُ بها في غير الحرِّ (١)، ويُبرَدُ بها في الحرِّ. ومعنى الإبرادِ: التأخيرُ حتى تزولَ شمسُ (٢) الهاجرةِ. وهذا معنًى اختلَف الفقهاءُ فيه: فأمَّا مذهبُ مالكٍ في ذلك، فذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وأبو الفرج عَمْرُو بنُ محمدٍ: أنَّ مذهبَه في الظُّهرِ وحدَها أن يُبرَدَ بها، وتُؤخَّرَ في شدَّةِ الحرِّ، وسائرُ الصلواتِ تُصلَّى في أوائلِ أوقاتِها؛ قال أبو الفرج (٣): اختار مالكٌ ﵀ لجميعِ الصلواتِ أولَ أوقاتِها، إلا الظهرَ في شدَّةِ الحرِّ؛ لقولِه ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصلاةِ". قال أبو عُمر: الحجةُ لهذا القولِ الحديثُ المذكورُ في هذا البابِ، مع ما قدَّمنا في البابِ الذي قبلَه من فضلِ الصَّلاةِ في أولِ وقتِها. وتقديرُ الآثارِ في ذلك، كأنه ﷺ قال: صلُّوا الصلواتِ في أوائلِ أوقاتِها، لمَن ابتغى الفضلَ، إلا الظهرَ في شدَّةِ الحرِّ، فإنَّ الإبرادَ بها أفضلُ. وهذا تقديرٌ محتملٌ، واستثناءٌ صحيحٌ إن شاء اللهُ. وقد نزعَ أبو الفرج بأن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ ﷺ في الوقتِ المختارِ في اليوم الأولِ، وصلَّى به في اليوم الثاني، ليعُلِمَه بالسَّعةِ في الوقتِ والرخصةِ فيه. وأما ابنُ القاسم، فحكى عن مالكٍ أنَّ الظُّهرَ تُصلَّى إذا فاء الفيءُ ذراعًا في الشتاء والصيفِ، للجماعةِ والمُنفرِدِ، على ما كتَب به عمرُ إلى عُمالِه (٤). وقال ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه من أصحابِنا: إنَّ معنى ذلك مساجدُ الجماعاتِ،

стр. 1729

وأمَّا المُنفردُ، فأولُ الوقتِ أولى به (١). وهو الذي مال إليه أهلُ النَّظرِ من المالكيِّينَ البغداديِّين، وترَكوا روايةَ ابنِ القاسم في المُنفردِ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ (٢): تُصلَّى الصلواتُ كلُّها، الظُّهرُ والعصرُ وغيرُهما، في أولِ الوقتِ، في الشتاء والصيفِ وهو أفضلُ. وكذلك قال الشافعيُّ (٣)، إلا أنه استثنَى فقال: إلا أن يكونَ إمامُ جماعةٍ يُنتابُ إليه (٤) من المواضع البعيدةِ، فإنَّه يُبرِدُ بالظهرِ. وقد رُوِي عنه أنَّ ذلك إنَّما يكونُ بالحجازِ حيثُ شدَّةُ الحرِّ، وكانت المدينةُ ليس فيها مسجد غيرَ مسجدِ رسولِ الله ﷺ ، وكان يُنتابُ من بُعْدٍ. ومن حُجَّتِهم أنَّ عُمرَ كتَب إلى أبي موسى الأشعريِّ: أن صلِّ الظهرَ حينَ تزِيغُ الشَّمسُ. وهو حديثٌ متَّصلٌ ثابتٌ عن عُمرَ، رواه مالكٌ (٥)، عن عمِّه أبي سهيلِ بنِ مالكٍ (٦)، عن أبيه. وقد لقِي عُمرَ وعثمانَ. والحديثُ المذكورُ فيه عن عُمرَ إلى عمالِه: أن صلُّوا الظهرَ إذا فاء الفيءُ ذراعًا. منقطع. رواه مالكٌ (٧)، عن نافعٍ، عن عمرَ. ونافعٌ لم يلقَ عمرَ. وقال العراقيون: تُصلَّى الظُّهرُ في الشتاء والصيفِ في أولِ الوقتِ، واستثنَى أصحابُ أبي حنيفةَ شدَّةَ الحرِّ، فقالوا: تُؤخَّرُ في ذلك حتى يَبرُدَ. والاختلافُ في هذا قريبٌ جدًّا (٨).

стр. 1730

وقد احتجَّ مَن لم يرَ الإبرادَ بالظهرِ في الحرِّ بحديثِ خَبَّابِ بنِ الأرتِّ، قال: شكَونا إلى رسولِ الله ﷺ حرَّ الرمضاء فلم يُشكِنا. يقولُ: فلم يُعذِرْنا. وتأوَّل مَن رأى الإبرادَ في قولِ خَبَّابٍ هذا: فلم يُشكِنا. أي: لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكوَى؛ لأنَّه رَخَّص لنا في الإبراد. وذكر أبو الفَرَج أنَّ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلبًا فسَّر قولَه: "فلم يُشكِنا" على هذا المعنَى، أي: لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكوَى. قرَأتُ على أبي القاسم يعيشَ بنِ سعيد بن محمدٍ وأبي القاسم عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهما، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبِ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ ثابتٍ الدهَّانُ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ معاويةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبٍ، عن خَبَّابٍ، قال: شكَونا إلى رسولِ الله ﷺ حرَّ الرمضاء فلم يُشكِنا. قال زُهيرٌ: فقلتُ لأبي إسحاقَ: في تعجيلِ الظهرِ؟ قال: نعم، في تعجيلِ الظُّهرِ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى -يعني القطَّانَ- عن سُفيانَ (٢)، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبِ، عن خَبّاب، قال: شكَونا إلى رسولِ الله ﷺ حَرَّ الرمضاء فما أشكَانا (٣). قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ

стр. 1731

مُضرِّبٍ، عن خَبَّابٍ (١). والقولُ عندَهم قولُ الثوريِّ وزُهيرٍ، على ما ذكَرنا عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وَهْبٍ، عن خَبَّابٍ، واللهُ أعلمُ. أخبرَنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهنيُّ، قال: أخبَرني حمزةُ بنُ محمدِ بنِ العباسِ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسويُّ، قال (٢): أخبَرني كثيرُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ، عن الزُّبيديِّ (٣)، عن الزُّهريِّ، قال: أخبَرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج حينَ زاغَت الشَّمسُ، فصلَّى بهم صلاةَ الظُّهر. وفي حديث أبي بَرْزةَ الأسلميِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلِّي الظُّهرَ حينَ تزولُ الشَّمسُ (٤). وروى جابرٌ، عن النبيِّ ﷺ معناه (٥). وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر بنِ عبدِ الرزاقِ، قال: أخبَرنا سُليمانُ بنُ الأشعثِ، قال (٦): أخبَرنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ،

стр. 1732

قال: أخبَرنا عَبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن أبي مالكٍ الأشجعيِّ عن سعدِ بنِ طارقٍ، عن كثيرِ بنِ مُدرِكٍ، عن الأسودِ، أنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ، قال: كان قدرُ صلاةِ رسولِ الله ﷺ الظهرَ في الصَّيفِ ثلاثةَ أقدام إلى خمسةٍ، وفي الشتاء خمسةَ أقدام إلى سبعةٍ. وذكر النَّسويُّ (١)، عن أبي عبدِ الرحمنِ الأذْرَميِّ، عن عَبيد بنِ حُميدٍ، بإسنادِه مثلَه سواءً (٢). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٣): أخبَرنا عُبيد الله (٤) بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم (٥)، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ دينارٍ أبو خَلْدةَ قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا كان الحرُّ أبرَدَ بالصَّلاةِ، وإذا كان البردُ عجَّل. وأخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ، قال: أخبَرنا الأثرمُ، قال (٦): قلتُ لأبي عبدِ الله -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ-: أيُّ الأوقاتِ أعجبُ إليك؟ قال: أوَّلُ الأوقاتِ أعجبُ إليَّ في الصلواتِ كلِّها، إلا في صلاتينِ؛ صلاةِ العشاء الآخرةِ، وصلاةِ الظهرِ، في الحرِّ يُبرَدُ بها، وأما في الشتاء فيعجَّلُ بها.

стр. 1733

وأما قولُه: "فأذِن لها بنفَسينِ؛ نفَسٍ في الشِّتاء، ونفَسٍ في الصَّيفِ". فيدُلُّ على أنَّ نفَسَها في الشِّتاء غيرُ الشِّتاء، ونفَسَها في الصيفِ غيرُ الصيفِ. وفي روايةِ جماعةٍ من الصحابةِ زيادةٌ في هذا الحديثِ، وذلك قولُه: "فما ترَونَ من شدَّةِ البردِ، فذلك من زَمْهريرِها، وما ترونَ من شدَّةِ الحرِّ، فهو من سَمُومِها". أو قال: "من حرِّها" (١). وهذا أيضًا ليس على ظاهرِه، وقد فسَّره الحَسَنُ البَصْريُّ في روايته، فقال: اشتكَتِ النَّارُ إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ، أكَل بعضي بعضًا، فخفِّفْ عني. قال: فخفَّف عنها، وجعَل لها كلَّ عام نفَسينِ؛ فما كان من بردٍ يُهلِكُ شيئًا، فهو من زمهريرِها، وما كان من سَمُوم يُهلِكُ شيئًا فهو من حرِّها. وقولُه في هذا الحديث: زمهريرٌ يُهلكُ شيئًا- وحرٌّ يُهلكُ شيئًا. تفسيرُ ما أشكَل مِن ذلك، واللهُ أعلمُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الجنّةَ والنَّارَ مخلُوقتانِ لا تبِيدان. ومما يدُلُّكَ على أنَّ النَّارَ والجنةَ قد خُلِقتا: ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم وعبدُ الرحمنِ بنُ مرْوانَ، قالا: أخبَرنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، قال: أخبَرنا أبو شُرَحْبِيلٍ عيسى بنُ خالدٍ الحِمصيُّ، قال: أخبَرنا أبو اليمانِ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ عيَّاش، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ أنَّه سمِع حُميدَ بنَ عُبيدٍ مولى المُعلَّى يقولُ: سمِعتُ ثابتًا البُنانيَّ يُحدِّثُ عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ الله ﷺ أنَّه

стр. 1734

قال لجبريلَ ﵇: "لم أرَ ميكائِلَ ضاحكًا قطُّ"، فقال: ما ضحِك ميكائِلُ مُذْ خُلقتِ النَّارُ (١). قال: وأخبَرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ أبو (٢) يعقوبَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ رُشيدٍ وعبدُ الله بنُ مُطيع، قالا: أخبرنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن محمدِ بن عَمْرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لما خلَق اللهُ الجنَّةَ دعا جبريلَ فأرسَله إليها، فقال: انظُرْ إليها، وإلى ما أعددتُ لأهلِها. فرجَع إليه، فقال: وعزتِك لا يسمَعُ بها أحدٌ إلا دخَلها. فحُجِبت بالمكارهِ. فقال: ارجِعْ إليها فانْظُرْ. فرجَع فنظرَ إليها، فقال: وعزتِك لقد خشِيتُ ألا يدخُلَها أحدٌ. ثم أرسَله إلى النارِ، فقال: اذهَبْ فانظُرْ إليها، وإلى ما أعددتُ لأهلِها. فذهَب ورجَع، فقال: وعزتِك لا يدخُلُها أحدٌ. فحُجبت بالشهواتِ. ثم قال: عُدْ إليها. فعاد ثم رجَع، فقال: وعزتِك لقد خشِيتُ ألا يبقَى أحدٌ إلا دخَلها" (٣). فلهذه الأحاديثِ وما كان مثلَها، قال أهلُ السُّنةِ: إنَّ الجنَّةَ والنارَ مخلوقتان، وإنَّهما لا تَبِيدان؛ لأنَّهما إذا كانتا لا تبِيدان حتى تبيدَ الدنيا، ومعلومٌ أنَّ الدنيا إذا

стр. 1735

انقرَضت بقيام الساعةِ جاءتِ الآخرةُ، والآخرةُ غيرُ خاليةٍ من جهنمَ، كما أنها غيرُ خاليةٍ من الجنةِ؛ لأنَّ الجنَّةَ رحمةُ الله تعالى، والنارَ عذابُه، يُصيبُ بها مَن يشاءُ من عبادِه. وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "اختصَمتِ النَّارُ والجنةُ؛ فقالت الجنةُ: ما لي يدخُلُني الضعفاءُ والمساكينُ! وقالتِ النَّارُ: ما لي يدخُلُني الجبَّارون والمتكبِّرون! فقال اللهُ للجنةِ: أنتِ رحمتي، أُصيبُ بكِ مَن أشاءُ. وقال للنارِ: أنتِ عذابي أُصيبُ بكِ مَن أشاءُ". وقد رُوِي هذا المعنى من حديث مالكٍ (١)، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . حدَّث به عن مالكٍ، إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ. وممَّا يدُلُّ على أنَّ النَّارَ مخلوقةٌ دائمةٌ، قولُ الله : ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. وقولُ رسولِ الله ﷺ : "إذا مات أحدُكم عُرِض عليه مَقعدُه بالغداةِ والعشيِّ؛ إن كان من أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإن كان من أهلِ النارِ فمن أهلِ النارِ، يقالُ له: هذا مَقعدُك حتى يبعثَك اللهُ إليه يومَ القيامةِ" (٢). وهو الذي عليه جماعة أهلِ السُّنةِ والأثرِ، أنَّ الجنَّةَ والنارَ مخلوقتان لا تبِيدانِ، وبالله التوفيقُ.

стр. 1736

وأما قولُه في هذا الحديثِ: "اشتكَتِ النَّارُ إلى ربِّها، فقالت: ياربِّ، أكَل بعضي بعضًا" الحديث، فإن قومًا حمَلوه على الحقيقةِ، وأنها أنطَقها الذي أنطَق كلَّ شيءٍ. واحتجُّوا بقولِ الله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] وبقولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وبقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. أي سبِّحي معه. وقال: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] وبقوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وما كان من مثلِ هذا، وهو في القرآن كثيرٌ. حمَلوا ذلك كلَّه على الحقيقة لا على المجاز، وكذلك قالوا في قولِه : ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. و ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. وما كان مثلَ هذا كلِّه. وقال آخرون في قولِه : ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾: هذا تعظيمٌ لشأنِها، ومثلُ ذلك قولُه : ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، فأضاف إليه الإرادةَ مجازًا (١). وجعَلوا ذلك من بابِ المجازِ والتَّمثيلِ في كلِّ ما تقدَّمَ ذكرُه، على معنى أنَّ هذه الأشياءَ لو كانت مما تنطِقُ أو تفعَلُ، لكان هذا نُطقَها وفعلَها. وذكَروا قولَ حسانَ بنِ ثابتٍ (٢): لوَ أنَّ اللُّؤمَ يُنسَبُ كان عبدًا ... قبيحَ الوجهِ أعورَ من ثقيفِ وسُئلَ المبرِّدُ عن قولِ المَلَكِ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] وهم الملائكةُ لا أزواجَ لهم؟ فقال: نحن طولَ النَّهارِ نفعَلُ

стр. 1737

مثلَ هذا، نقولُ: ضرَب زيدٌ عَمْرًا. وإنَّما هو تقديرٌ، كأنَّ المعنى إذا وقَع هكذا، فكيف الحُكمُ فيه؟ وذكروا قولَ عديِّ بنِ زيدٍ للنعمانِ: أتدري ما تقولُ هذه الشجرةُ أيُّها الملكُ؟ قال: وما تقولُ؟ قال: تقولُ: رُبَّ ركبٍ قد أناخوا حَولَنا ... يشرَبون الخمرَ بالماءِ الزُّلالِ ثم أضحَوا لعبَ الدَّهرُ بهم ... وكذاك الدَّهرُ حالًا بعد حالِ (١) وقولَ عنترةَ (٢): وشكَا إليَّ بعبرةٍ وتَحَمْحُمِ وقولَ الآخرِ: شكَا إليَّ جملي طولَ السُّرى ... صبرًا جميلًا فكلانا مُبتلى (٣) ومثلُ هذا قولُ الحارثيِّ: يريدُ الرُّمحُ صدرَ أبي براءٍ ... ويرغَبُ عن دماءِ بني عَقيلِ (٤)

стр. 1738

وقال غيرُه: رُبَّ قومٍ غبَروا من عيشِهم ... في سرورٍ ونعيمٍ وغَدَقْ سكَت الدَّهرُ زمانًا عنهمُ ... ثم أبكاهُم دمًا حينَ نَطَقْ (١) وقال آخر: وعَظَتكَ أجداثٌ صُمُتْ ... ونعَتكَ أزمِنةٌ خُفُتْ وتكلَّمت عن أوجه ... تبلَى وعن صورٍ شُتُتْ وأرتكَ قَبْرَكَ في القبـ ... ـورِ وأنتَ حيٌّ لم تَمُتْ (٢) وقال آخرُ: فتكلَّمت تلك الدِّيارُ ولم تكُنْ ... تلك الدِّيارُ تُكلِّمُ الزُّوَّارا قالت برَغمي بأن أهلي كلُّهمْ ... وبقيتُ تكسُوني الرِّياحُ غُبارا ولو استطعتُ لما فُجِعتُ بساكني ... والدَّهرُ لا يُبقِي لنا عُمَّارا (٣) والشعرُ في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا، ومعناه أنَّ الديارَ لو كانت ممَّن يصحُّ

стр. 1739

لها نُطقٌ وقالت، لكانَ هذا قولَها وكلامَها، وكذلك القُبورُ، لو كان لها قولٌ في الحقيقةِ لكان هكذا. ومثلُ هذا مما أنشَدوا في هذا قولُ القائلِ: قد قالتِ الأنساعُ للبطنِ الْحَقِ (١) وقول الآخر: امتلأ الحوضُ وقال قَطْنِي (٢) وهو كثيرٌ، ومعناه كلُّه ما ذكَرناه. فمَن حمَل قولَ النارِ وشكواها على هذا، احتجَّ بما وصَفنا، ومن حمَل ذلك على الحقيقةِ، قال: جائزٌ أن يُنطِقها اللهُ كما تنطِق الأيدي والجُلودُ والأرجلُ يومَ القيامةِ. وهو الظاهرُ من قوله الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ومن قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. و ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقال في قوله : ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. أي: تتقطَّعُ عليهم غيظًا (٣)، كما تقولُ: فلان يتَّقدُ عليكَ غيظًا. وقال : ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، فأضاف إليها الرُّؤيةَ والتَّغيُّظَ إضافةً حقيقيةً. وكذلك كلُّ ما في القرآنِ مثلُ ذلك. واحتجّوا بقوله الله : ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧].

стр. 1740

ومن هذا الباب عندَهم قولُه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. و ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]. و ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. قالوا: وجائزٌ أن تكون للجلودِ إرادةٌ لا تُشبِهُ إرادتَنا، كما للجماداتِ تسبيحٌ وليس كتسبيحِنا، وللجبالِ والشجرِ سجودٌ وليس كسجودِنا. والاحتجاجُ لكلا القولين يطولُ، وليس هذا موضعَ ذكرِه، وحملُ كلام الله تعالى وكلام نبيِّه ﷺ على الحقيقةِ أوْلى بذوي الدينِ والحقِّ؛ لأنه يقُصُّ الحقَّ، وقولُه الحقُّ (١)، ﵎ عُلوًّا كبيرًا. حدّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ وَضّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اشتكَتِ النارُ إلى ربِّها، فقالت: رَبِّ، أكَل بعضي بعضًا، فجعل لها نَفَسينِ: نفَسًا في الشتاءِ، ونفَسًا في الصيفِ، فشِدَّةُ ما تجِدونَ من البَرْدِ من زَمْهَريرِها، وشِدَّةُ ما تجِدونَ في الصَّيفِ من الحرِّ من سَمُومها". وأمَّا قولُه: "فيحِ جهنَّمَ"، فالفيحُ: سطوعُ الحرِّ، هكذا قال صاحبُ العينِ. فكأنَّ المعنى واللهُ أعلمُ: شدَّةُ الحرِّ المُؤذِي من حرِّ جهنَّم ولهيبِها أجارنا اللهُ برحمتِه وعفوِه منها.

стр. 1741

حديثٌ ثامنٌ وعشرونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صَلاتِه فلم يَدرِ كمْ صَلَّى؛ أثلاثًا أم أربعًا، فلْيُصَلِّ ركْعةً ولْيَسْجُدْ سجدتينِ وهو جالسٌ قبلَ التَّسليمِ، فإن كانتِ الرَّكْعةُ التي صَلَّى خامسةً شفَعها بهاتينِ السجدتين، وإن كانت رابعةً فالسَّجدتان ترغيمٌ للشَّيطانِ". هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ جميعُ رُواةِ "الموطَّأ" عنه (٢)، ولا أعلمُ أحدًا أسندَه عن مالكٍ إلَّا الوليدَ بنَ مسلمٍ، فإنَّه وصَله وأسنَده عن مالكٍ، وتابعَه على ذلك يحيَى بنُ راشدٍ، إن صحَّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ . وقد تابَع مالكًا على إرسالِه الثوريُّ (٣)، وحفصُ بنُ مَيْسَرةَ الصَّنعانيُّ، ومحمدُ بنُ جعفرِ بن أبي كثيرٍ، وداودُ بنُ قيسٍ الفَرَّاءُ، فيما روَى عنه القطَّانُ. ووصَل هذا الحديثَ وأسندَه من الثِّقاتِ، على حسَبِ روايةِ الوليدِ بن مُسلم له عن مالكٍ: عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ الماجِشونُ (٤)، ومحمدُ بنُ عَجلانَ، وسليمانُ بنُ بلالٍ، ومحمدُ بنُ مُطرِّفٍ أبو غسَّانَ، وهشامُ بنُ سعدٍ، وداودُ بنُ قيسٍ، في غيرِ روايةِ القطَّانِ.

стр. 1742

والحديثُ مُتَّصِلٌ مُسنَدٌ صحيحٌ لا يَضُرُّه تقصيرُ مَن قَصَّر به في اتَّصالِه؛ لأنَّ الذين وصَلوه حُفَّاظٌ، مقبولةٌ زيادتُهم، وبالله التوفيقُ. فأمَّا روايةُ الوليدِ عن مالكٍ في هذا الحديثِ: فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسمِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عُميرِ بنِ جَوْصا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الوزيرِ بنِ الحكم السُّلَميُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلم، عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسار، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فلم يدرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، فليُلقِ الشكَّ، ولْيَبْنِ على اليقينِ، ولْيَسجُدْ سجدتين قبلَ أنْ يُسلِّمَ، فإن كانت وَترًا شفعَها بهاتين السجدتين، وإنْ كانت شَفْعًا فالسجدتان ترغيمٌ للشيطانِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح الأَبهريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عُميرِ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الوزيرِ بنِ الحكم السُّلميُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلمٍ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فلم يدرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، فليُلْغِ الشكَّ، ولْيَبْنِ على اليقينِ، ثمَّ لْيَسجدْ سجدتين قبلَ أنْ يُسلِّمَ؛ فإن كانت وَترًا شفعَها بهاتين السجدتينِ، وإن كانت شفْعًا فالسجدتانِ ترغيمٌ للشيطانِ" (٢).

стр. 1743

وقد تابَع الوليدَ بنَ مُسلم على مثلِ روايتِه هذه عن مالكٍ يحيى بنُ راشدٍ المازنِيُّ: حدَّثناهُ خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ شبَّةَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ راشدٍ المازنيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عنِ النبيِّ ﷺ بهذا الحديثِ سواءً (١). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ وإن كان الصحيحُ فيه عن مالكٍ الإرسالَ، فإنَّه مُتَّصلٌ من وُجُوهِ ثابتةٍ من حديثِ مَن تُقبَلُ زيادتُه. فمن ذلك روايةُ ابنِ أبي سَلمةَ الماجِشُونِ: حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال (٢): أخبَرنا بشرُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا لم يدرِ أحدُكم كم (٣) صلَّى ثلاثًا أوْ أربعًا فلْيَقمْ فلْيصلِّ ركعةً ثمَّ يَسجُدْ بعدَ ذلك سجدتينِ وهو جالسٌ، فإن كان صلَّى خمسًا شفَعتا له صلاتَه، وإنْ كانت أربعًا أرغَمتِ الشيطانَ".

стр. 1744

وأمَّا حديثُ ابنِ عَجْلانَ، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ. وحدَّثنِي سعيدُ بنُ نصرٍ -واللفظُ له- قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فلا يدرِي أواحدةً أم اثنتينِ أم (٢) ثلاثًا أم أربعًا (٣)، فلْيُتمَّ ما شكَّ فيه ثمَّ ليسجُدْ سجدتين وهو جالسٌ، فإن كانت صلاتُه ناقصةً فقد أتمَّها، والسجدتانِ ترغيمٌ للشيطانِ، وإنْ كان أتمَّ صلاتَه فالركعةُ والسجدتانِ (٤) نافلةٌ له" (٥). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٦): أخبَرنا يحيى بنُ حبيبِ بنُ عربيٍّ، قال: حدَّثنا خالدٌ، وهو ابنُ الحارثِ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه بمعناه.

стр. 1745

وأمَّا حديثُ سُليمانَ بنِ بلالٍ، فأخبَرناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلَ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: أخبَرنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلمْ يدرِ كمْ صلَّى (١)؛ ثلاثًا أم أربعًا؟ فلْيَطرَح الشكَّ وليَبنِ على ما يَستيقنُ، ثمَّ ليَسجدْ سجدتينِ قبلَ أنْ يُسلِّمَ؛ فإنْ كان قد صلَّى خمسًا كانت شفعًا لصلاتِه، وإنْ كان صلَّاهما تمامًا لأربعٍ (٢) كانتَا ترغيمًا للشيطان" (٣). وكذلك رواه يحيى بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ؛ قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٤): أخبَرنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدُكم فلم يدرِ أصلَّى ثلاثًا أم أربعًا، فلْيصلِّ ركعةً تامَّةً، ثمَّ ليَسجُدْ سَجْدتين وهو جالسٌ، فإنْ كانت تلك الرَّكعةُ خامسةً شفَع بهاتينِ السجدتينِ، وإنْ كانت رابعةً كانتَا ترغيمًا للشيطانِ". وروَاه ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ، وحَفْصِ بن مَيْسرةَ، وداودَ بنِ قيسٍ، وهشام بن

стр. 1746

سعدٍ، كلِّهم عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (١). قال ابنُ وهبٍ (٢): إلَّا أنَّ هشامًا بلَغ به أبا سعيدٍ الخدريَّ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مُتصلٌ صحيحٌ، وقد أخطَأ فيه الدَّراورديُّ عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، وعبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ نَجيحٍ، فروَياه عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن عبدِ الله بنِ عباسٍ (٣). والدَّراورديُّ صدوقٌ، ولكنَّ حِفْظَه ليس بالجيدِ عندَهم. وعبدُ الله بنُ جعفرٍ هذا هو والدُ عليِّ ابنِ المدينيِّ، وقد اجتُمع على ضعفِه، وليس روايةُ هذين ممَّا يُعارِضُ روايةَ مَن ذكَرْنا، وبالله توفيقُنا. وقال الأثرمُ: سألْتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عن حديثِ أبي سعيدٍ في السَّهوِ: أتذهبُ إليه؟ قال: نعمْ، أذهبُ إليه. قلتُ: إنَّهم يَختلفون في إسنادِه. قال: إنَّما قَصَّر به مالكٌ، وقد أسندَه عِدَّةٌ منهمُ ابنُ عَجلانَ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ (٤).

стр. 1747

وفي هذا الحديثِ من الفقهِ أصلٌ عظيمٌ جسيمٌ مُطَّردٌ في أكثرِ الأحكامِ: وهو أنَّ اليقينَ لا يُزيلُه الشكُّ، وأنَّ الشيءَ مبنيٌّ على أصلِه المعروفِ حتى يُزيلَه يقينٌ لا شكَّ معه، وذلك أنَّ الأصلَ في الظُّهْرِ أنَّها فرضٌ بيقينٍ أربعُ رَكَعاتٍ، فإذا أحرَم بها ولزِمه إتمامُها، وشكَّ في ذلك، فالواجبُ الذي قد ثبَت عليه بيقين لا يُخرجُه منه إلَّا يقينٌ، فإنَّه قد أدَّى ما وجَب عليه من ذلك، وقد غلِط قومٌ من عوامِّ المنتسبينَ إلى الفقهِ في هذا البابِ، فظنُّوا أنَّ الشكَّ أوجَب على المصلِّي إتمامَ صلاتِه والإتيانَ بالرَّكعةِ، واحتجُّوا لذلك بإعمالِ الشكِّ في بعضِ نوازلِهم، وهذا جهلٌ بيِّنٌ وليس كما ظنُّوا، بل اليقينُ بأنَّها أربعٌ فرضٌ عليه إقامتُها أوجَب عليه إتمامَها، وهذا واضحٌ، والكلامُ فيه لوضوحِه يكادُ يُستغنَى عنه. أخبَرنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ مَسْرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكينٍ. وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو؛ قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني عياضٌ أنَّه سمِع أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم فلا يَدرِي أثلاثًا صلَّى أمْ أربعًا، فلْيَتَحَرَّ الصوابَ، ثمَّ ليَسجُدْ سجدتَي السَّهوِ، وإذا أتَى أحدَكم الشيطانُ في صلاتِه فقال له: إنك أحدَثتَ، فلا يَنصِرفْ حتى يسمعَ بأذنَيه صوتَه أو يجِدَ ريحَه بأنفِه" (١). ألا ترى أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَنقُلْه من يقينِ طهارتِه إلى شكٍّ، بل أمَره أنْ يبنيَ على يقينه في ذلك حتى يَصِحَّ عندَه يقينٌ يصيرُ إليه. والأصلُ في هذا وفي البناءِ على اليقين في الصلاةِ سواءٌ.

стр. 1748

إلَّا أنَّ مالكًا ﵀ قال: من شكَّ في الحدَثِ بعدَ يقينِه بالوضوءِ فعليه الوضوءُ. ولم يُتابِعْه على هذا القولِ أحدٌ من أهلِ الفقهِ عَلِمتُه إلَّا أصحابُه ومَن قلَّدهم في ذلك (١). وقد قال أبو الفرج (٢): إنَّ ذلك استحبابٌ واحتياطٌ منه. وخالَف عبدُ الله بنُ نافعٍ مالكًا في هذه المسألةِ، فقال: لا وُضوءَ عليه. وقال ابنُ خُوَيْز مَنْداد (٣): اختلفتِ الروايةُ عن مالكٍ فيمن توضَّأ ثمَّ شكَّ هل أحدَث أم لا؟ فقد قال: عليه الوضوءُ. وقد قال: لا وضوءَ عليه. وهو قولُ سائرِ الفقهاءِ. قال أبو عُمر: مذهبُ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ ومَن سلَك سبيلَه، البناءُ على الأصلِ حَدَثًا كان أو طهارةً. وهو قولُ أحمدَ بن حنبل، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، وداودَ بنِ عليٍّ، وأبي جعفر الطبريِّ (٤). وقد قال مالكٌ (٥): إنَّه إن عرَض له ذلك كثيرًا فهو على وُضوئِه. وأجمعَ العُلماءُ أنَّ من أيقَن بالحَدَثٍ وشكَّ في الوُضوءِ أنَّ شكَّه لا يُفيدُ فائدةً، وأنَّ عليه الوضوءَ فَرْضًا، وهذا يدلُّك على أنَّ الشكَّ عندَهم مُلغًى، وأنَّ العملَ على اليقينِ عندَهم. وهذا أصلٌ كبيرٌ في الفقهِ فتدَبَّرْه، وقِفْ عليه (٦). قرأتُ على أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نَصْرٍ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال:

стр. 1749

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال أخبَرني سعيدُ بنُ المسيِّب وعَبّادُ بنُ تَمِيمٍ، عن عمِّه (٢) عبدِ الله بنِ زيدٍ، قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ الرجلُ يُخيَّلُ إليه الشيءُ في الصلاةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَنفَتِلُ". وربَّما قال سفيانُ: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا". ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ علماءِ أهلِ المدينةِ وسائرِ فقهاءِ الأمصارِ أنَّ أحدًا لا يرثُ أحدًا بالشكِّ في حياتِه وموتِه. وفي هذا الحديثِ أيضًا: دليلٌ على أنَّ الزيادةَ في الصلاةِ لا تُفسِدُها، ما كانت سَهوًا، أو في إصلاح الصَّلاةِ؛ لأنَّ الشَّاكَّ في صلاتِه إذا أمَرناه بالبناءِ على يقينِه -وممكنٌ أنْ يكونَ على اثنتَينِ وهو يشُكُّ هل صلَّى واحدةً أو اثنتَينِ- فغيرُ مأمونٍ عليه أنْ يَزيدَ في صلاتِه رَكْعةً؛ وقد أحكَمتِ السُّنَّةُ أنَّ ذلك لا يَضُرُّه لأنَّه مأمورٌ به. فإذا كان ما ذكَرنا كما ذكَرنا، بطَل قولُ من قال: إنَّ (٣) مَن زادَ في صلاتِه مثلَ (٤) نصفِها ساهيًا: إنَّ صلاتَه فاسدةٌ. وهذا قولٌ لبعضِ أصحابِنا لا وجْهَ له عندَ الفقهاءِ، ولا قال به أحدٌ من أئمَّةِ الأمصارِ، والصَّحيحُ في مذهبِ مالكٍ غيرُ ذلك، وقد صَلَّى رسولُ الله ﷺ الظُّهرَ خَمْسًا ساهيًا فسجَد لسهوِه. وحكمُ الرَّكْعةِ والرَّكْعتينِ في ذلك سواءٌ في القياس والنظرِ والمعقولِ؛ ولو كانت الزيادةُ على غيرِ التعمُّدِ والقصدِ للإفسادِ مُفْسِدةً للصلاةِ، وقد قصَد المصلِّي بذلك

стр. 1750

إصلاحَ صلاتِه، أو فعلَ ذلك ساهيًا -لأُمِر الشاكُّ في صلاتِه الذي لم يدرِ كم صلَّى أثلاثًا أم أربعًا، أنْ يَقْطعَ و (١) يَستأنِفَ، وهذا خلافُ ما وردَتِ السنَّةُ الثابتةُ به في البناءِ على اليقينِ، ولا أعلمُ أحدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال في الساهِي في صلاتِه أنْ يَقْطَعَ ويستأنفَ، وإنْ كان ذلك قد رُوِي عن بعضِ الصحابةِ، وعن جماعةٍ من التابعينَ؛ وإنّما ترَك الفقهاءُ ذلك، واللهُ أعلمُ، لحديثِ أبي سعيدٍ هذا، ولمثلِه من الآثارِ الثابتةِ عن النبيِّ ﷺ في إصلاحِ صلاتِه، نحوَ حديثِ ذي اليدين (٢)، وحديثِ ابنِ مسعودٍ (٣)، فيمَن صَلَّى خمسًا ساهيًا، وحديثِ ابنِ بُحينةَ (٤) وغيرِه فيمن قامَ من رَكْعتينِ، ونحوِ ذلك من الآثارِ، واللهُ أعلمُ. وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ الساهِيَ في صلاتِه إذا فعَل ما يجبُ عليه فعلُه سَجَد لسهوِه، وفيه أنَّ سُجودَ السَّهْوِ في الزيادةِ قبلَ السلام، وهذا موضعٌ اختلَف الفقهاءُ فيه؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: كلُّ سهوٍ كان نُقصانًا من الصلاةِ فالسُّجودُ له قبلَ السلام (٥)؛ لحديثِ ابنِ بُحَينةَ عن النبيِّ ﷺ في قيامِه من اثنتَين دونَ أن يجلِسَ، فسجَد لسهوِه ذلك قبلَ السلام، وقد نقَص الجلَسةَ الوسطَى والتشُّهدَ. قال مالكٌ: وإنْ كان السهوُ زيادةً فالسجودُ له بعدَ السلام على حديثِ ذي اليدينِ؛ لأنَّه ﷺ سهَا وسَلَّم من رَكْعتينِ يومَئذٍ، وتكلَّم ثمَّ انصرَف وبنَى، فزادَ سلامًا وعَمَلًا وكلامًا وهو سَاهٍ لا يَظنُّ أنَّه في صلاةٍ، ثمَّ سجَد بعدَ السلام (٦).

стр. 1751

وهذا كلُّه قولُ أبي ثورٍ (١)، وهو الصحيحُ في هذا البابِ من جهةِ الآثارِ؛ لأنَّ في قولِ مالكٍ ومن تابعَه على ذلك استعمالَ الخبرينِ جميعًا في الزيادةِ والنقصانِ، واستعمالُ الأخبارِ على وُجوهِها أولَى من ادِّعاءِ التَّناسُخِ فيها. ومن جهةِ النظرِ الفرقُ بيِّنٌ بينَ النقصانِ في ذلك وبينَ الزيادةِ؛ لأنَّ السجودَ في النقصانِ إصلاحٌ وجَبْرٌ، ومحالٌ أنْ يكونَ الإصلاحُ والجبرُ بعدَ الخروجِ من الصلاةِ؛ وأمَّا السجودُ في الزيادةِ، فإنَّما ذلك ترغيمٌ للشيطانِ، وذلك ينبغي أن يكونَ بعدَ الفراغ. وكان مالكٌ يقولُ: إذا اجتمعَ زيادةٌ ونقصانٌ من السهوِ فالسجودُ لذلك قبلَ السلام؛ لأنَّه أملكُ بمعنى الجبرِ والإصلاح (٢)، وجملةُ مذهبِه أنَّ مَن وضَع السجودَ الذي قُلْنا: إنَّه قبلُ: بعدُ، أو وضَع السجودَ الذي قُلْنا: إنَّه بعدُ: قبلُ؛ فلا شيءَ عليه، إلَّا أنَّهم أشدُّ استثقالًا لمَن وضَع السجودَ الذي بعدَ السلام قبلَ السلام، وذلك لِما رأَى وعَلِمَ من اختلافِ أهلِ المدينةِ في ذلك. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ (٣): السُّجودُ كلُّه في السهوِ زيادةً كان أو نُقصَانًا بعدَ السلام. وهو قولُ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ داودَ؛ إلا أنَّ داودَ لا يرى السجودَ إلَّا في خمسةِ مواضعَ جاءَت فيها الآثارُ عن النبيِّ ﷺ . وحجَّةُ الكوفيِّينَ في ذلك حديثُ ابنِ مسعودٍ، إذ صلَّى رسولُ الله ﷺ خمسًا، وحديثُ ذي اليدينِ، وحديثُ المغيرةِ بنِ شُعبة (٤) أنَّه قامَ من اثنتَينِ

стр. 1752

وسجَد فيها كلِّها بعدَ السلام، وعارَضُوا حديثَ ابنِ بُحَينةَ بحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ، وزعَموا أنَّه أولَى؛ لأنَّ فيه زيادةَ التَّسليم والسجودِ بعدَه. ومِن حُجَّتِهم من جهةِ النظرِ إجماعُ العلماءِ على أنَّ حُكمَ من سَها في صلاتِه ألَّا يَسجُدَ في موضعِ سهوِه، ولا في حالِه تلكَ، وأنَّ حُكمَه أنْ يُؤخِّرَ ذلك إلى آخرِ صلاتِه؛ لتَجمَعَ السجدتانِ كُلَّ سهوٍ في صلاتِه. ومعلومٌ أنَّ السلامَ قد يُمكنُ فيه السهوُ، فواجبٌ أنْ تُؤخَّرَ السجدتانِ عن السلام أيضًا، كما تُؤخَّرُ عنِ التشهُّدِ. وقال الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: السجودُ كلُّه في الزِّيادةِ والنقصانِ قبلَ السلامِ. وهو قولُ ابنِ شهابٍ، وربيعةَ، ويحيى بنِ سعيدٍ (١). وقال ابنُ شهابٍ (٢): كان آخرَ الأمرينِ من رسولِ الله ﷺ السجودُ قبلَ السلام. والحجَّةُ لهم حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ المذكورُ في هذا البابِ، فيه البناءُ على اليقينِ وإلغاءُ الشكِّ، والعلمُ مُحيطٌ أنَّ ذلك إنْ لم يكنْ زيادةً لم يكنْ نُقصانًا، وأمَر رسولُ الله ﷺ بالسجودِ في ذلك قبلَ السلام، وقام مِن رَكْعتَين ولم يجلسْ، وسُبِّح به فتَمادى وسجَد قبلَ السلام. وهذه الآثارُ أثبَتُ ما يُروَى في هذا البابِ من جهةِ النَّقلِ، وفيها السجودُ قبلَ السلام (٣) للنقصانِ وغيرِ النقصانِ. قالوا: فعلِمنا

стр. 1753

بهذا أن ليسَ المَعْنيَّ في ذلك زيادةٌ ولا نقصانٌ، وأنَّ المعْنِيَّ في ذلك إصلاحُ الصلاةِ، وإصلاحُها لا يكونُ إلَّا قبلَ الفَراغ منها؛ وإنَّما جاز تأخيرُ السجدتينِ عن جميعِ الصلاةِ ما خلا السلامَ؛ لأنَّ السلامَ يخرجُ به من أنْ تكونَ السجدتانِ مُصلِحتَينِ، ألا ترَى أنَّ مُدركَ بعضِ الصَّلاةِ مع الإمام لا يَشتغِلُ بالقضاءِ، ويَتْبَعُ الإمامَ فيما بقِي عليه حاشَا السلامَ لما ذكَرْنا، ولكلِّ واحدٍ منهم من جهةِ النظرِ حُججٌ يطولُ ذكرُها، والمُعتَمَدُ عليه ما ذكَرنا. وسيأتي في بابِ ابنِ شهاب، عن الأعرجِ، عنِ ابنِ بُحينةَ زيادةٌ في هذا المعنَى إن شاء اللهُ، وكلُّ هؤلاءِ يقولُ: إنَّ المصلِّيَ لو سجدَ بعدَ السلام فيما قالوا: إنَّ السجودَ فيه قبلَ السلام، لم يَضرَّه شيءٌ، ولو سجَد قبلَ السلام فيما فيه السجودُ بعدَ السلام لم يكنْ عليه شيءٌ. قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن السُّجودِ للسهوِ قبلَ السلام أو بعدَه؟ فقال: في مواضعَ قبلَ السلام، وفي مواضعَ بعدَ السلام، كما صنَع النبيُّ ﷺ ؛ إذْ سلَّم منَ اثنتَينِ سجدَ بعدَ السلام على حديثِ ذي اليدينِ (١)، وإذْ سلَّم من ثلاثٍ سجَد بعدَ السلام، على حديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ (٢)، وفي التحرِّي بعدَ السلام على حديثِ منصورٍ؛ حديثِ عبدِ الله (٣). وفي القيام من اثنتَينِ يسجدُ قبلَ السلام على حديثِ ابنِ بُحينةَ (٤)، وفي الشكِّ يبنِي على اليقينِ ويسجدُ قبلَ السلام على حديثِ أبي سعيدٍ وعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ (٥). قلتُ له: فما كان سواها من السهو؟

стр. 1754

فقال: يسجدُ فيه كلِّه قبلَ السلام؛ لأنَّه مُتِمُّ ما نقَص من صلاتِه (١). قال: ولولا ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ لرأيتُ السجودَ كلَّه في السهوِ قبلَ السلام؛ لأنَّه من شأنِ الصلاةِ، فيقضِيه قبلَ السلام، ولكنِّي أقولُ: كلُّ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه سجَد فيه بعدَ السلام فإنَّه يُسجَدُ فيه بعدَ السلام، وسائرُ السهوِ يُسجَدُ فيه قبلَ السلام (٢). وقال داودُ (٣): لا يسجدُ لسهوٍ إلَّا في الخمسةِ مواضعَ التي سجَد فيها رسولُ الله ﷺ . أخبَرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوهبِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن مكحولٍ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جلَستُ إلى عُمرَ بنِ الخطابِ، فقال: يا ابنَ عباسٍ، هل سمِعتَ عن النبيِّ ﷺ في الرجلِ إذا نسِيَ صلاتَه فلم يدرِ أزادَ أم نقَصَ ما أمَرَ به؟ قال: قلتُ: أمَا سمِعتَ أنتَ يا أميرَ المؤمنينَ من رسولِ الله ﷺ فيه شيئًا؟ قال: لا والله ما سمِعتُ منه فيه شيئًا، ولا سألتُه عنه؛ إذْ دخَل عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فقال: فيمَ أنتما؟ فأخبَره عمرُ؛ قال: سألتُ هذا الفتَى عن كذا وكذا فلم أجدْ عندَه علمًا. فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: لكِنْ عندي منه علمٌ، لقد سمِعتُ ذلك من رسولِ الله ﷺ ، قال عمرُ: فأنتَ العدلُ الرِّضَا، فماذا سمِعتَ؟ قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "إذا شكَّ أحدُكم في الواحدةِ والاثنتَين فلْيَجعلْها واحدةً، وإذا شكَّ في الاثنتَين والثلاثِ

стр. 1755

فلْيجعلْها ثِنتَين، وإذا شكَّ في الثلاثِ والأربعِ فلْيجعَلْها ثلاثًا، حتى يكونَ الوَهْمُ في الزِّيادةِ، ثمَّ يسجُدُ سجدتين قبلَ أن يُسلِّمَ ثمَّ يُسلِّمُ" (١). واختلَف الفقهاءُ أيضًا فيمن شكَّ في صلاتِه فلم يدرِ أواحدةً صلَّى أم اثنتين أم ثلاثًا أم أربعًا. فقال مالكٌ، والشافعيُّ: يبني على اليقينِ، ولا يُجزِئُه التحرِّي. ورُوِي مثلُ ذلك عن الثوريِّ، وبه قال داودُ والطبريُّ (٢). وحجَّتُهم في ذلك حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ المذكورُ في هذا البابِ، وحديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ هذا، وحديثُ ابنِ عمرَ (٣)، وما كان مثلَها في البناءِ على اليقين.

стр. 1756

وقال أبو حنيفةَ (١): إذا كان ذلك أوَّلَ ما شكَّ استقبَل ولم يَتَحَرَّ؛ وإنْ لَقِيَ ذلك غيرَ مرَّةٍ تحرَّى. وقال الحسنُ بنُ حَيٍّ، والثوريُّ في روايةٍ عنه: يتحرَّى سواءٌ كان ذلك أوَّلَ مرَّةٍ أو لم يكنْ. وقال الأوزاعيُّ: يتحرَّى، قال: وإن نامَ في صلاتِه فلم يدرِ كم صلَّى استأنفَ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ: ان كان هذا شيئًا يلزمُه ولا يزالُ يشكُّ، أجزأهُ سجدتَا السهوِ عن التحرِّي وعن البناءِ على اليقينِ؛ وإنْ لم يكنْ شيئًا يَلزمُه اسْتأنَفَ تلك الركعةَ بسجدتَيْها (٢). وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ (٣): الشكُّ على وجهينِ؛ اليقينُ، والتَّحرِّي، فمَن رجَع إلى اليقينِ ألغَى الشكَّ، وسجَد سجدتي السهوِ قبلَ السلام على حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ (٤)، وإذا رجَع إلى التحرِّي -وهو أكثرُ الوَهْم- سجَد سجدتي السهوِ بعدَ السلام، على حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي يروِيه منصورٌ (٥). وبه قال أبو خَيْثمةَ زُهيرُ بنُ حَربٍ؛ قال: وحديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ إنَّما فيه البناءُ على اليقينِ، وبينَ البناءِ على اليقينِ والتَّحرِّي فرقٌ؛ لأنَّ التَّحرِّيَ أنْ يَتَحرَّى أصوبَ ذلك وأكثرَه عندَه، والبناءَ على اليقينِ يُلغِي الشكَّ كلَّه (٦) ويبني على يقينِه.

стр. 1757

قال أبو عُمر: قد قال جماعةٌ من أهلِ العلمِ، مِنهم داودُ (١): معنَى التحرِّي: الرجوعُ إلى اليقينِ (٢). وحجَّةُ من قال بالتحرِّي في هذا البابِ حديثُ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن شكَّ منكم في صلاتِه فلْيَتحرَّ الصوابَ، وليَبْنِ على أكثرِ ظنَّه" (٣)، وهو حديثٌ يروِيه أبو عُبيدةَ بنُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ، عن أبيه، ولم يسمعْ من أبِيه فيما يقولُ أهلُ الحديثِ (٤)، وقد يَحتملُ أنْ يكونَ التحرِّي هو البناءَ على اليقينِ، ومَن حمَله على ذاك صحَّ له استعمالُ (٥) الخبرينِ، وأيُّ تَحَرٍّ يكونُ لمنِ انصرَف وهو شاكٌّ لم يَبْنِ على يقينِه، وقد أحاط العلمُ أنَّ شُعبةً منَ الشكِّ تصحبُه إذا لم يبنِ على يقينِه وإنْ تحرَّى، وحديثُ ابنِ مسعودٍ عندِي ليس ممَّا يُعارَضُ به شيءٌ من الآثارِ التي ذكَرناها في هذا الباب. وقد قال أحمدُ بنُ حنبلٍ فيما حكَى الأثرمُ عنه: حديثُ التحرِّي ليس يروِيه إلَّا منصورٌ. قلتُ له: ليس يروِيه إلَّا منصورٌ؟ قال: لا، كلُّهم يقولُ: إنَّ النبيِّ ﷺ صلَّى خمسًا. قال: إلَّا أنَّ شُعبةَ روَى عن الحكمِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله موقوفًا نحوَه، قال: "إذا شكَّ أحدُكمْ فلْيَتَحرَّ". وأمَّا الليثُ بنُ سعدٍ، فأحسَبُه ذهَب إلى ظاهرِ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ الشيطانَ يأتي أحدَكم فيَلبِسُ عليه". . .

стр. 1758

الحديثَ، وسيأتي ذكرُه والقولُ فيه في بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا إن شاء الله (١). وليس في شيءٍ من الآثارِ عن النبيِّ ﷺ نعرفُه بيَّنَ أوَّلَ مرَّةٍ وغيرَها، فلا معنَى لقولِ أبي حنيفةَ في ذلك: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، وسعيدُ بنُ نَصرٍ، قالا: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أخي، عن سُليمانَ بنِ بلالٍ، عن عمرَ بنِ محمدٍ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكم فلم يدرِ كم صلَّى ثلاثًا أم أربعًا، فلْيَركَعْ ركعةً يُحسِنُ رُكوعَها وسجودَها، ثمَّ يسجدْ سجدتينِ" (٢). قال أبو عُمر: لا يَصِحُّ رفعُ هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ مالكًا (٣) رواه عن عمرَ بن محمدٍ، عن سالم، عن أبيه، فوقَفه على ابنِ عمرَ؛ جعَله من قولِه، وخالفَ أيضًا لفظَه والمعنى واحدٌ، ولكنَّه لم يَرفعْه إلَّا من لا يُوثَقُ به، وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ وأخُوه وأبُوه ضِعافٌ لا يُحتَجُّ بهم؛ وإنَّما ذكَرناه ليُعرَفَ (٤). وقد تقدَّم من الحجَّةِ للبناءِ على اليقينِ ما فيه كفايةٌ، وبالله تعالى التوفيقُ. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سألْتُ أبا عبدِ الله - يعني:

стр. 1759

أحمدَ بنَ حنبلٍ -عن تفسيرِ قولِ النبيِّ ﷺ : "لا إغرارَ في صلاةٍ ولا تسليم" (١). فقال: أمَّا أنا فأرَى ألا يخرجَ منها إلَّا على يقينٍ، لا يخرجُ منها على غَرَرٍ حتى يَستَيقِنَ أنَّه قد أتَّمها. وسيأتي (٢) في كيفيَّةِ التسليمِ، وفي وُجوبه، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ سليمانَ بنِ أبي حثمةَ من كتابِنا هذا.

стр. 1760

حديثٌ تاسعٌ وعشرونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا يُعبَدُ؛ اشْتَدَّ غضبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ" (٢). قال أبو عُمر: لا خلافَ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ على ما رواه يحيَى سواءً، وهو حديثٌ غريبٌ، أعْنِي قولَه: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قبرِي وَثَنًا يُعبَدُ". ولا يكادُ يُوجَدُ. وزعَم أبو بكرٍ البَزَّارُ أنَّ مالكًا لم يُتابِعْه أحدٌ على هذا الحديثِ إلَّا عمرُ بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ. قال: وليس بمحفوظٍ عن النبيِّ ﷺ من وجهٍ من الوجوهِ إلَّا من هذا الوجهِ، لا إسنادَ له غيرُه، إلَّا أنَّ عمرَ بنَ محمدٍ أسنَدَه عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ، عن النبيِّ ﷺ (٣). قال: وعمرُ بنُ محمدٍ ثقةٌ، روَى عنه الثورِيُّ وجماعةٌ. قال: وأمَّا قولُه ﷺ : "لعَن اللهُ اليهودَ؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ"، فمحفوظٌ من طرقٍ كثيرةٍ صحاح. قال أبو عُمر: لا وجهَ لقولِ البَزَّارِ إلَّا معرفةُ مَن روَى الحديثَ لا غيرُ، ولا خلافَ بينَ علماءِ أهلِ الأثَرِ والفقهِ، أنَّ الحديثَ إذا رواه ثقةٌ عن ثقةٍ حتى يَتَّصِل بالنبيِّ ﷺ ، أنَّه حُجَّةٌ يُعمَلُ بها، إلَّا أنْ يَنْسَخَه غيرُه، ومالكٌ عند جميعِهم حجَّةٌ فيما نقَل، وقد أسْنَد حديثَه هذا عمرُ بنُ محمدٍ، وهو من ثقاتِ أشرافِ أهلِ المدينةِ، روَى عنه مالكُ بنُ أنسٍ، والثَّورِيُّ، وسليمانُ بنُ بلالٍ، وغيرُهم؛ وهو عمرُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطابِ. فهذا الحديثُ صحيحٌ عندَ

стр. 1761

من قال بمراسيلِ الثِّقاتِ، وعندَ من قال بالمسندِ؛ لإسنادِ عمرَ بنِ محمدٍ له، وهو ممَّن تُقْبَلُ زيادَتُه (١)، وبالله التوفيقُ.

стр. 1762

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال (١): حدَّثنا سليمانُ بنُ سيفٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ بنِ أبي داودَ الحَرَّانِيُّ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لا تَجعلْ قبرِي وَثَنًا يُعبَدُ؛ اشْتَدَّ غضبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ". وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حبيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقِ، قال أخبَرنا محمدُ بنُ الحسنِ الكِرْمانِيُّ المعروفُ بابنِ أبي عليٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ المغيرةِ، قال: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَتَّخِذُوا قبرِي وَثَنًا". قال أَبو بكرٍ البزَّارُ (٢): وحديثُ سهيلٍ هذا إنَّما يجيءُ من هذا الطريقِ، لم يُحَدِّثْ به إلَّا ابنُ عيينةَ، عن حمزةَ بنِ المغيرةِ، عن سهيلٍ.

стр. 1763

قال أبو عُمر: ذكَره أبو جعفرٍ العُقَيْليُّ في "التاريخِ الكبيرِ" (١)، عن عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، عن الحُميديِّ، عن ابنِ عيينةَ، عن حمزةَ بنِ المغيرةِ، عن سهيل، عن أبِيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بلفظِ حديثِ مالكٍ ومعناه. أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ إجازةً، قال: أخبَرنا يوسفُ بنُ أحمدَ الصَّيْدَلانِيُّ إجازةً، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عمرو بنِ مُوسَى العُقَيْليُّ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٢)، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ المغيرةِ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبِيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا، لعَن اللهُ قومًا اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ". قال العُقَيْليُّ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: أخبَرنا حمزةُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ مولَى آلِ جَعْدَةَ بنِ هُبَيرةَ، وكان من سَراةِ المَوالي. قال أبو عُمر: الوَثَنُ الصَّنمُ، وهو الصورةُ (٣) من ذهبٍ كان أو من (٤) فِضَّةٍ أو غيرِ ذلك من التِّمثالِ، وكلُّ ما يُعْبَدُ من دُونِ الله فهو وثنٌ، صنمًا كان أو غيرَ صنمٍ،

стр. 1764

وكانَتِ العربُ تُصلِّي إلى الأصنام وتَعْبُدُها، فخَشِيَ رسولُ الله ﷺ على أمَّتِه أنْ تَصْنَعَ كما صنَع بعضُ مَن مَضَى من الأممِ؛ كانُوا إذا مات لهم نَبِيٌّ عكَفوا حولَ قبرِه كما يُصْنَعُ بالصَّنمِ، فقال ﷺ : "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا يُصَلَّى إليه، ويُسجَدُ نحوَه ويُعْبَدُ؛ فقدِ اشتدَّ غضبُ الله على من فعَل ذلك". وكان رسولُ الله ﷺ يُحَذِّرُ أصحابَه وسائرَ أُمَّتِه من سوءِ صنيعِ الأمم قبلَه، الذين صلَّوا إلى قُبورِ أنبِيائِهم، واتَّخَذوها قبلةً ومسجدًا كما صنعتِ الوَثَنِيَّةُ بالأوثانِ التي كانُوا يَسجُدون إليها ويُعَظِّمونها، وذلك الشركُ الأكبرُ، فكان النبيُّ ﷺ يُخبِرُهم بما في ذلك من سخطِ الله وغضبِه، وأنَّه ممَّا لا يَرضاه؛ خشيةً عليهم امتثالَ طرقِهم. وكان ﷺ يُحِبُّ مخالفةَ أهلِ الكتابِ وسائرِ الكفارِ، وكان يخافُ على أمَّتِه اتِّباعَهم، ألا تَرى إلى قولِه ﷺ على جهةِ التعييرِ والتَّوبيخِ: "لَتَتَّبِعُنَّ سننَ الذين كانوا قبلَكم حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ، حتى إنَّ أحدَهم لو دخَل جُحْرَ ضبٍّ لدخَلْتُموه" (١). وقد احتجَّ بعضُ من لا يَرى الصلاةَ في المقبرةِ بهذا الحديثِ، ولا حجةَ له فيه (٢).

стр. 1765

أخبَرنا عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: أخبَرنا عيسَى بنُ مسكينٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ نساءَ النبيِّ ﷺ تَذاكَرْن عندَه في مرضِه كنيسةً رأيْنَها بأرضِ الحبشةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أولئك قومٌ إذا مات الرجلُ الصالحُ عِنْدَهم بَنَوا على قبرِه مسجدًا، ثُمَّ صوَّروا فيه تلك الصُّوَرَ، فأولئك شِرارُ الخلقِ عندَ الله" (١). أخبَرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٢) الله بنُ موسَى، قال: أخبَرنا شَيْبانُ، عن هلالِ بنِ حُميدٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالَتْ: قال رسولُ الله ﷺ في مرضِه الذي لم يَقُمْ منه: "لعَن اللهُ اليهودَ والنَّصارَى؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ". قالت: ولولا (٣) ذلك أُبرِزَ قبرُه، غيرَ أنَّه خشِي عليه أن يُتَّخَذَ مسجِدًا (٤).

стр. 1766

حديثٌ مُوفي ثلاثينَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا مرِض العبدُ بعَث اللهُ إليه ملَكَيْن، فقال: انظُرا ماذا يقولُ لعُوَّادِه. فإن هو إذا جاؤوه حمِد اللهَ وأثنَى عليه، رفَعا ذلك إلى الله، وهو أعلمُ، فيقولُ: لعبدي على إن توفَّيتُه أن أُدخِلَه الجنةَ، وإن أنا شفَيتُه أن أُبْدِلَ له (٢) لحمًا خيرًا من لحمِه، ودمًا خيرًا من دمِه، وأن أُكفِّرَ عنه سيِّئاتِه". هكذا روَاه جماعةُ الرواةِ عن مالكٍ مرسلًا (٣)، وقد أسنَده عَبَّادُ بنُ كَثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ. أخبَرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي دُلَيْم، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الوليدِ، عن عَبَّادِ بنِ كَثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ

стр. 1767

الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أصاب اللهُ عبدًا بالبَلاءِ بعَث اللهُ إليهِ ملَكَينِ، فقال: انظروا ماذا يقولُ لعُوَّادِه، فإن قال لهم خيرًا فأنا أُبْدِلُه بلحمِه خيرًا من لحمِه، وبدَمِه خيرًا من دَمِه، وإن أنا توفَّيتُه فله الجنَّةُ، وإن أنا أَطلَقتُه من وَثاقِه فلْيَسْتأنفِ العملَ" (١). قال أبو عُمر: هو عَبَّادُ بنُ كَثير الثَّقَفيُّ، كان رجلًا فاضلًا عابدًا، وليس بالقويِّ، يُعَدُّ في أهلِ مكَّةَ، وكان انتقَل إليها من البصرةِ، وأظنُّ أصلَه مِن الحجازِ، كان ابنُ عيينةَ يمنَعُ من ذِكرِه إلَّا بخيرٍ. وقال ابنُ مَعِينٍ: ضعيفُ الحديثِ. وقال البخاريُّ: فيه نَظرٌ. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن أبي مُطِيعٍ قال: كان عَبَّادُ بنُ كثيرٍ عندَنا ثقةً (٢). قال: وأُخرِج من قبرِه بعدَ ثلاثين سنةً، فلم يُفقَدْ منه إلَّا شعيراتٌ، فدلَّنا ذلك على فضلِه. وعندَ عطاءِ بنِ يسارٍ أيضًا حديثٌ يُشبِهُ هذا في معناه: حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أصاب المرءَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهمُّ يُهَمُّه، إلَّا كفَّر اللهُ من خطاياه" (٣).
следующие страницы →