← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1763–1802 · переход к 1768.

стр. 1763

قال أبو عُمر: ذكَره أبو جعفرٍ العُقَيْليُّ في "التاريخِ الكبيرِ" (١)، عن عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، عن الحُميديِّ، عن ابنِ عيينةَ، عن حمزةَ بنِ المغيرةِ، عن سهيل، عن أبِيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بلفظِ حديثِ مالكٍ ومعناه. أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ إجازةً، قال: أخبَرنا يوسفُ بنُ أحمدَ الصَّيْدَلانِيُّ إجازةً، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عمرو بنِ مُوسَى العُقَيْليُّ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ (٢)، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ المغيرةِ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبِيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا، لعَن اللهُ قومًا اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ". قال العُقَيْليُّ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: أخبَرنا حمزةُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ مولَى آلِ جَعْدَةَ بنِ هُبَيرةَ، وكان من سَراةِ المَوالي. قال أبو عُمر: الوَثَنُ الصَّنمُ، وهو الصورةُ (٣) من ذهبٍ كان أو من (٤) فِضَّةٍ أو غيرِ ذلك من التِّمثالِ، وكلُّ ما يُعْبَدُ من دُونِ الله فهو وثنٌ، صنمًا كان أو غيرَ صنمٍ،

стр. 1764

وكانَتِ العربُ تُصلِّي إلى الأصنام وتَعْبُدُها، فخَشِيَ رسولُ الله ﷺ على أمَّتِه أنْ تَصْنَعَ كما صنَع بعضُ مَن مَضَى من الأممِ؛ كانُوا إذا مات لهم نَبِيٌّ عكَفوا حولَ قبرِه كما يُصْنَعُ بالصَّنمِ، فقال ﷺ : "اللَّهُمَّ لا تَجعَلْ قبرِي وَثَنًا يُصَلَّى إليه، ويُسجَدُ نحوَه ويُعْبَدُ؛ فقدِ اشتدَّ غضبُ الله على من فعَل ذلك". وكان رسولُ الله ﷺ يُحَذِّرُ أصحابَه وسائرَ أُمَّتِه من سوءِ صنيعِ الأمم قبلَه، الذين صلَّوا إلى قُبورِ أنبِيائِهم، واتَّخَذوها قبلةً ومسجدًا كما صنعتِ الوَثَنِيَّةُ بالأوثانِ التي كانُوا يَسجُدون إليها ويُعَظِّمونها، وذلك الشركُ الأكبرُ، فكان النبيُّ ﷺ يُخبِرُهم بما في ذلك من سخطِ الله وغضبِه، وأنَّه ممَّا لا يَرضاه؛ خشيةً عليهم امتثالَ طرقِهم. وكان ﷺ يُحِبُّ مخالفةَ أهلِ الكتابِ وسائرِ الكفارِ، وكان يخافُ على أمَّتِه اتِّباعَهم، ألا تَرى إلى قولِه ﷺ على جهةِ التعييرِ والتَّوبيخِ: "لَتَتَّبِعُنَّ سننَ الذين كانوا قبلَكم حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ، حتى إنَّ أحدَهم لو دخَل جُحْرَ ضبٍّ لدخَلْتُموه" (١). وقد احتجَّ بعضُ من لا يَرى الصلاةَ في المقبرةِ بهذا الحديثِ، ولا حجةَ له فيه (٢).

стр. 1765

أخبَرنا عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: أخبَرنا عيسَى بنُ مسكينٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ نساءَ النبيِّ ﷺ تَذاكَرْن عندَه في مرضِه كنيسةً رأيْنَها بأرضِ الحبشةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أولئك قومٌ إذا مات الرجلُ الصالحُ عِنْدَهم بَنَوا على قبرِه مسجدًا، ثُمَّ صوَّروا فيه تلك الصُّوَرَ، فأولئك شِرارُ الخلقِ عندَ الله" (١). أخبَرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٢) الله بنُ موسَى، قال: أخبَرنا شَيْبانُ، عن هلالِ بنِ حُميدٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالَتْ: قال رسولُ الله ﷺ في مرضِه الذي لم يَقُمْ منه: "لعَن اللهُ اليهودَ والنَّصارَى؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبِيائِهم مساجدَ". قالت: ولولا (٣) ذلك أُبرِزَ قبرُه، غيرَ أنَّه خشِي عليه أن يُتَّخَذَ مسجِدًا (٤).

стр. 1766

حديثٌ مُوفي ثلاثينَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا مرِض العبدُ بعَث اللهُ إليه ملَكَيْن، فقال: انظُرا ماذا يقولُ لعُوَّادِه. فإن هو إذا جاؤوه حمِد اللهَ وأثنَى عليه، رفَعا ذلك إلى الله، وهو أعلمُ، فيقولُ: لعبدي على إن توفَّيتُه أن أُدخِلَه الجنةَ، وإن أنا شفَيتُه أن أُبْدِلَ له (٢) لحمًا خيرًا من لحمِه، ودمًا خيرًا من دمِه، وأن أُكفِّرَ عنه سيِّئاتِه". هكذا روَاه جماعةُ الرواةِ عن مالكٍ مرسلًا (٣)، وقد أسنَده عَبَّادُ بنُ كَثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ. أخبَرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي دُلَيْم، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الوليدِ، عن عَبَّادِ بنِ كَثيرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ

стр. 1767

الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أصاب اللهُ عبدًا بالبَلاءِ بعَث اللهُ إليهِ ملَكَينِ، فقال: انظروا ماذا يقولُ لعُوَّادِه، فإن قال لهم خيرًا فأنا أُبْدِلُه بلحمِه خيرًا من لحمِه، وبدَمِه خيرًا من دَمِه، وإن أنا توفَّيتُه فله الجنَّةُ، وإن أنا أَطلَقتُه من وَثاقِه فلْيَسْتأنفِ العملَ" (١). قال أبو عُمر: هو عَبَّادُ بنُ كَثير الثَّقَفيُّ، كان رجلًا فاضلًا عابدًا، وليس بالقويِّ، يُعَدُّ في أهلِ مكَّةَ، وكان انتقَل إليها من البصرةِ، وأظنُّ أصلَه مِن الحجازِ، كان ابنُ عيينةَ يمنَعُ من ذِكرِه إلَّا بخيرٍ. وقال ابنُ مَعِينٍ: ضعيفُ الحديثِ. وقال البخاريُّ: فيه نَظرٌ. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن أبي مُطِيعٍ قال: كان عَبَّادُ بنُ كثيرٍ عندَنا ثقةً (٢). قال: وأُخرِج من قبرِه بعدَ ثلاثين سنةً، فلم يُفقَدْ منه إلَّا شعيراتٌ، فدلَّنا ذلك على فضلِه. وعندَ عطاءِ بنِ يسارٍ أيضًا حديثٌ يُشبِهُ هذا في معناه: حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما أصاب المرءَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهمُّ يُهَمُّه، إلَّا كفَّر اللهُ من خطاياه" (٣).

стр. 1768

أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: أخبَرنا وهبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (١)، قال: أخبَرنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن عَلقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن القاسِم بنِ مُخَيْمِرةَ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما من أحدٍ من المسلمين يُبتلَى في جسدِه إلَّا أمَر اللهُ الحَفَظةَ، فقال: اكتُبوا لعبدي ما كان يعمَلُ وهو صحيحٌ، ما كان مَشْدودًا في وَثاقِي". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا، فسبحان الله (٢) المبتدئ بالنِّعم المتفضِّل بالإحسان لا يستحقُّ عليه شيءٌ، ورحمته وسعت كلَّ شيءٍ، لا شريك له.

стр. 1769

حديثٌ حادٍ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، أنَّه أخْبَرَه، قال: كان رسولُ الله ﷺ في المسجدِ، فدَخَل رجلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ واللحيةِ، فأشار إليه رسولُ الله ﷺ بيَدِه (٢) أنِ اخْرُجْ. كأنَّه يَعْنِي إصلاحَ شَعَرِ رَأْسِه ولِحْيَتِه، ففَعَل الرجلُ ثمَّ رَجَع، قال رسولُ الله ﷺ : "أليس هذا خيرًا مِن أن يَأْتِيَ أحَدُكم ثَائِرَ الرَّأْسِ كأنَّه شيطانٌ؟ ". قولُه في هذا الحديثِ: ثَائِرُ الرَّأْسِ: يَعْنِي أنَّ شَعَرَه مُرْتَفِعٌ شَعِثٌ غيرُ مُرَجَّلٍ، وأصْلُ الكَلِمَةَ في اللغةِ: الظُّهورُ والخَيَالُ، ومنه أُخِذَ: الثائرُ والثَّوْرَةُ. ولا خِلافَ عن مالِكٍ أنَّ هذا الحديثَ مُرْسَلٌ، وقد يَتَّصِلُ مَعْناه مِن حديثِ جابِرٍ (٣) وغيرِه. وفيه إباحَةُ اتِّخَاذِ الشُّعورِ (٤) والوَفَرَاتِ والجُمَمِ (٥)؛ لأنَّه لم يأْمُرْه بحَلْقِه. وفيه الحَضُّ على تَرْجِيلِ شَعَرِ الرأسِ واللحيةِ، وكَراهِيَةُ إهْمالِ ذلك والغَفْلةِ عنه حتى يتَشَعَّثَ ويَسْمُجَ (٦). وهذا عندِي أصْلٌ في إباحَةِ التَّزَيُّنِ

стр. 1770

والتَّنَظُّفِ كلِّه، ما لم يتَشَبَّهِ الرجلُ في ذلك بالنساءِ، وإنَّما اسْتَثْنَيْتُ ذلك لقولِ رسولِ الله ﷺ : "لَعَن اللهُ المتَشَبِّهِينَ مِن الرجالِ بالنساءِ، والمتَشَبِّهَاتِ مِن النساءِ بالرجالِ" (١). وهذا على العُمومِ، إلَّا أنْ يَخُصَّه عنه شيءٌ ﷺ ، فالتَّزَيُّنُ والتَّنَظُّفُ مُبَاحٌ بهذا (٢) الحديثِ وغيرِه، ما لم يكنْ إسْرافًا وتَنَعُّمًا، وتَشَبُّهًا بالجبَّارِين، يدُلُّك على ذلك قولُه ﷺ : "البَذاذَةُ مِن الإيمانِ" (٣). وقد جاءَ عنه ﷺ أنَّه نَهَى عن التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا، مِن حديثِ البَصْرِيِّينَ (٤). ومَعْنَاه، واللهُ أعلمُ، على ما ذكَرْتُ.

стр. 1771

وأمَّا قولُه في الحديثِ: "كأنَّه شيطانٌ" فهو مَحْمُولٌ على المعْرُوفِ مِن كلام العربِ؛ لأنَّها كانت تُشَبِّهُ ما اسْتَقْبَحَتْ بالشيطانِ، وإن كان لا يُرَى؛ لِما أوْقَعَ اللهُ في نُفوسِهم مِن كَراهِيَةِ طَلْعَتِه، ومِن هذا المعنى قولُه في شَجَرَةِ الزَّقُّوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وأمَّا الحديثُ المتَّصِلُ في مَعْنَى هذا الحديثِ؛ فحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، وحدَّثنا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالِدُ بنُ سعدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا بَحْرُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا بِشْرُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ المنكدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: أتانا رسولُ الله ﷺ زائِرًا في مَنْزِلِنا، فرَأَى رجلًا شَعِثًا، فقال: "أما كان هذا يَجِدُ ما يُسَكِّنُ به رَأْسَه؟ ". ورَأى رَجُلًا عليه ثِيابٌ وَسِخَةٌ، فقال: "أما كان هذا يَجِدُ ما يغْسِلُ به ثَوْبَه؟ " (١). وحدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسَّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحَمِيدِ بنُ

стр. 1772

حَبِيبٍ كاتِبُ الأوزاعيِّ، قال: حدَّثنا الأَوزاعيُّ، قال: حدَّثنا حَسَّانُ بنُ عطِيَّةَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ المنكدِرِ، عن جابِرِ بن عبدِ الله، قال: أتانا رسولُ الله ﷺ زائرًا في رِحالِنا. فذكَرَه إلى آخِرِه سَواءً. وذكَرَه البَزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الأشجُّ عبدُ الله بنُ سعيدٍ وصالِحُ بنُ معاذٍ، قالا: حدَّثنا وَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ مرفوعًا مثلَه (١). ورُوِي هذا الحديثُ عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ (٢)، وذلك خَطَأٌ، والصَّوابُ ما ذكَرْنا عن الأوزاعيِّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ عن ابنِ المنكدِرِ (٣)، واللهُ أعلمُ (٤). أخبَرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى،

стр. 1773

عن هشام بنِ حَسَّانَ، عن الحسنِ، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا. ومن حديث فَضَالة بن عُبيد أن رسول الله ﷺ كان ينهاهم عن كثير من الرفاهية ويأمرهم بالاحتفاء أحيانًا (١). وروى ابن وَهْب، عن ابن أبي الزِّناد، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَن كان له شَعَرٌ فلْيُكرِمْه" (٢). وهذا المعنى في حديث الحجازيين كثير، وبالله التوفيق.

стр. 1774

حديثٌ ثانٍ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لن يَبْقَى بعدي من النبوةِ إلا المبشِّراتُ". قالوا: وما المبشِّراتُ يا رسولَ الله؟ قال: "الرُّؤيا الصالحةُ يراها الرجلُ الصالحُ أو تُرَى له، جُزْءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ". هكذا روَى هذا الحديثَ جميعُ الرواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ مُرسَلًا (٢). وفيه أنَّه لا نبيَّ بعدَه ﷺ ، وهو تفسيرُ قولِه ﵇: "لا نُبُوَّةَ بعدي إلَّا ما شاء اللهُ" (٣)، وهو حديثٌ يُروَى من حديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ، فإن صحَّ كان معنى الاستثناءِ فيه الرُّؤيا الصالحةَ، على ما في هذا الحديثِ وما كان مثلَه، وحَسْبُك بقولِ الله : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقولِه ﵇: "أنا العاقِبُ الذي لا نبيَّ بعدي" (٤). وحديثُ عطاءِ بنِ يسارٍ المذكور في هذا البابِ يتَّصِلُ معناه من وُجوهٍ ثابتةٍ (٥):

стр. 1775

من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (١)، وحُذَيفةَ (٢)، وابنِ عمرَ (٣)، وعائشةَ (٤)، وأُمِّ كُرْزٍ الخُزاعيَّةِ (٥). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبَّاسِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضائِريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن سليمانَ بنِ سُحَيْم، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ مَعْبَدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّها الناسُ، إنَّه لم يَبْقَ

стр. 1776

من مُبَشِّراتِ النبوَّةِ إلَّا الرُّؤيا الصالحةُ يَراها العبدُ أو تُرَى له" (١). وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْلِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ابنُ عيينةَ، عن سليمانَ بنِ سُحَيْمٍ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ مَعْبَدِ بنِ عباسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كشَف رسولُ الله ﷺ السِّتارةَ في مرَضِه، والناسُ صُفوفٌ خلفَ أبي بكرٍ، فقال: "أيُّها النَّاسُ، إنَّه لم يَبْقَ من مُبَشِّراتِ النبوةِ إلَّا الرُّؤيا الصالحةُ يراهَا المسلمُ أو تُرَى له". ثمَّ قال: "ألا إنِّي نُهِيتُ أن أقرأَ راكعًا أو ساجدًا، فأمَّا الركوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتهِدوا في الدُّعاءِ، فَقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم" (٢). هكذا روَاه الحُميديُّ (٣)، وابنُ أبي شيبةَ (٤)، وغيرُهما، عن ابن عُيينةَ سواءً. وفي حديثِ مالكٍ: "يراها الرجلُ الصالحُ أو تُرَى له" فظاهرُه ألَّا تكونَ الرُّؤيا من النبوةِ جُزءًا من ستَّةٍ وأربعينَ إلَّا على ذلك الشرطِ؛ للرجلِ الصالحِ، أو منه. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ: "يراها المسلمُ". ولم يَقُلْ: صالحًا ولا طالحًا. وفي بعضِ ألفاظِه: "يَراها العبدُ" (٥) وهذا أوسعُ أيضًا.

стр. 1777

وقولُه في حديثِ مالكٍ: "أو تُرَى له" عُمومُه: من الصالح وغيرِه، واللهُ أعلمُ. وقد تقدَّم القولُ في الرُّؤيا في بابِ إسحاقَ بنِ أبي طَلحةَ مِن كتابِنا هذا (١)، فأغنَى عن إعادتِه هاهنا. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الترمِذيُّ محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، عن عُبَيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، عن أبيه، عن سِبَاعِ بنِ ثابتٍ، عن أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ، قالت: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "ذهَبتِ النبوةُ وبَقِيَتِ المبَشِّراتُ". قال أبو عُمر: أحاديثُ هذا البابِ كلُّها صِحاحٌ ثابتةٌ في معنى حديثِ مالكٍ، وقد روَى عطاءُ بنُ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ ﷺ في تأويلِ قولِ الله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤]، حديثًا يدخُلُ في معنى هذا الباب. قرَأتُه على أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نصرٍ وأبي القاسم عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ

стр. 1778

الزُّبَيْرِ الحُمَيديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عمرٌو -يعني ابنَ دينارٍ- عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عن أبي صالح، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، قال: سألتُ أبا الدَّرداءِ عن قولِ الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣ - ٦٤]. فقال: ما سألني عنها أحدٌ منذُ سألتُ رسولَ الله ﷺ عنها غيرُك إلَّا رجلٌ واحِدٌ، سألتُ رسولَ الله ﷺ عنها، فقال: "ما سألني عنها أحدٌ منذُ نزَلتْ غيرُكَ إلَّا رجلٌ واحدٌ؛ هي الرُّؤْيَا الصالحةُ يراها المسلمُ أو تُرَى له". قال سفيانُ: ثمَّ لَقِيتُ عبدَ العزيزِ بنَ رُفَيْعٍ، فحدَّثَنِيه عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ﷺ . قال سفيانُ: ثمَّ لَقِيتُ محمدَ بنَ المنكدرِ، فحدَّثَنيه عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: هذا حديثٌ حَسَنٌ في التَّفسيرِ المرفوع، صحيحٌ مِن جهةِ المعنَى. وقد رواه الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، قال: سأَلتُ أبا الدَّرداءِ. فذكَره سواءً؛ هكذا روَاه أبو معاويةَ (٢)،

стр. 1779

وعليُّ بنُ مُسْهِرٍ، ووكيعُ بنُ الجرَّاح (١)، عن الأعمشِ (٢). ورُوِيَ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ الله (٣)، وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ (٤)، وأبي هريرةَ (٥)،

стр. 1780

وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص (١)، وطلحةَ بن عُبَيدِ الله، عن النبيِّ ﷺ ، نحوُ حديثِ أبي الدَّرداءِ هذا سواءً بمعناه. وعلى ذلك أكثرُ أهلِ التَّفسيرِ في معنى هذه الآيةِ، وهو أوْلَى ما اعْتقَدَه العالِمُ في تأويلِ قولِ الله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ورُوِيَ عن الحسنِ، والزهريِّ، وقتادةَ، أنَّها البِشارةُ عندَ الموتِ (٢). ولا خلافَ بينَهم أنَّ قولَه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: الجنةُ.

стр. 1781

حديثٌ ثالثٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من وَقَاه اللهُ شرَّ اثْنتَيْنِ ولَجَ الجَنّةَ". فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، لا (٢) تُخبِرْنا. فسكَت رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ عاد رسولُ الله ﷺ فقال مثلَ مَقالَتِه الأُولَى، فقال له الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ الله. فسكَت رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ قال رسولُ الله ﷺ مثل ذلك أيضًا، فقال الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ الله. ثمَّ قال رسولُ الله ﷺ مثلَ (٣) ذلك أيضًا، ثمَّ ذهَب الرجلُ يقولُ مثلَ مَقالَتِه الأُولَى، فأسْكَتَه رجلٌ إلى جَنْبِه، فقال رسولُ الله ﷺ : "من وَقاه اللهُ شَرَّ اثنتَيْن ولَجَ الجَنّةَ: ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه، ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه، ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه". هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "لا تُخْبِرْنا". على لفظِ النَّهْي ثلاثَ مَرَّاتٍ، وأعاد الكلامَ أربعَ مَرَّاتِ. وتابَعَه ابنُ القاسِم وغيرُه على لَفْظِ: لا تُخْبرْنا. على النَّهْي، إلَّا أنَّ إعادَةَ الكلام عندَه ثلاثُ مرَّاتٍ. وقال القَعْنَبِيُّ: ألا تُخْبِرُنا؟ على لَفْظِ العَرْضِ والإغْراءِ والحَثِّ (٤)، والقِصَّةُ عندَه مُعادَةٌ ثلاثَ مَرَّاتٍ أيضًا، وكلُّهم قال: "ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْهِ". ثلاثَ مَرَّاتٍ. وأمَّا ابنُ بُكَيْر، فليس عندَه هذا الحديثُ في "الموطَّأ"، ولا عندَه مِن الأربعةِ الأبوابِ المتَّصِلَةِ، إلَّا بابُ: ما يُكْرَهُ مِن الكَلام. فيه أوْرَد أحاديثَ الأبوابِ الأربعةِ، إلَّا هذا الحديثَ.

стр. 1782

ولا أعْلَمُ عن مالكٍ فيه خِلافًا في إرْسَالِ هذا الحديثِ، وقد رُوِيَ مَعْناه مُتَّصِلًا مِن طُرُقٍ حِسَانٍ عن جابرٍ (١)، وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، وعن أبي موسَى (٢)، وعن أبي هريرةَ، إلَّا أنَّ لَفْظَ أبي هريرةَ: "إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجوفانِ؛ البَطْنُ والفَرْجُ" (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ المُقَدَّمِيُّ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عليٍّ،

стр. 1783

عن أبي حازِم، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن يَتَكَفَّلُ لي بما بينَ لَحْيَيْه وما بينَ رِجْلَيْه وأضْمَنُ له الجَنَّة؟ " (١). وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثَنِي المُغِيرَةُ بنُ سِقْلابٍ، قال: أخبَرنا مَعْقِلٌ -يَعْنِي ابنَ عُبَيْدِ الله العَبْسِيِّ- عن عمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جابِرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن ضَمِنَ لي ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْه ضَمِنْتُ له الجَنَّة" (٢). وحدَّثنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم الحافظُ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ سليمانَ غُندَرٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المُثنَّى، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عمرَ بنِ عليِّ بنِ مُقَدَّم، قال حدَّثني أبي، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعدِيِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن ضمِنَ لي ما بينَ لحْيَيْه ورجْلَيه ضمِنتُ له الجَنَّة" (٣).

стр. 1784

وحدَّثني أبو القاسمِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ سليمانَ بنِ دُرَّانَ غندَرٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ (١) ومحمدُ بنُ أبي بكر بنِ سليمانَ، قالا: حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثنا المغيرةُ بنُ سِقْلابٍ، قال: حدَّثنا معقِلُ بنُ عُبيدِ الله، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن ضَمِنَ لي ما بينَ لحْيَيه وما بين رجليه ضَمِنتُ له الجنَّة". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الحَضْرَميُّ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن أبي حازِم، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن وَقَاه اللهُ شَرَّ اثْنتَيْنِ دخَل الجَنَّة؛ شَرَّ ما بينَ لَحْيَيْه وشَرَّ ما بينَ رِجْلَيْه" (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وأحمدُ بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ العَدَوِيُّ، قال: حدَّثَني خِرَاشُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مَوْلاي أنسُ بنُ مالكٍ، قال: خرَج رسولُ الله ﷺ على أصحابِه، فقال: "من ضَمِنَ لي اثْنتَيْنِ ضَمِنْتُ لهُ الجَنَّة". قال أبو هريرةَ: فداكَ أبي وأُمِّي يا رسولَ الله،

стр. 1785

أنا أضمَنُهما، ما هما؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن ضَمِنَ لي ما بينَ لَحْيَيْه وما بينَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ له الجَنَّة" (١). قال أبو عُمر: معلومٌ أنَّه أراد بقولِه: "ما بينَ لَحْيَيْه": اللِّسانَ، و: "ما بين رِجْلَيْه". الفَرْجَ. واللهُ أعلمُ. ولهذا ما أرْدَفَ مالِكٌ (٢) حديثَه في هذا البابِ بحديثِه عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ دخَل على أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وهو يَجْبِذُ لِسانَه، فقال له عمرُ: مَهْ! غفَر اللهُ لك. فقال أبو بكرٍ: إنَّ هذا أوْرَدَني الموارِدَ. وفي اللِّسانِ في معْنَى هذا البابِ آثارٌ كثيرةٌ، منها مرفُوعَةٌ، ومنها مِن قولِ السَّلَفِ. وقد ذكَر ابن المُبارَكِ وغيرُه في ذلك أبوابًا (٣). وجَدْتُ في أصلِ سماعِ أبي بخَطِّه ﵀، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسِم بنِ هِلالٍ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْنَاقِيُّ، قال: حدَّثنا نَصرُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: أخبَرنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بهْرَامَ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه سألَ رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؛ الصلاةُ بعدَ الصلاةِ المفروضَةِ؟ قال: "لا، ونِعمَّا هي". قال: فالصَّومُ بعدَ صوم رمضانَ؟ قال: "لا، ونِعمَّا هو". قال: فالصدقةُ بعدَ الصَّدَقَةِ المفروضَةِ؟ قال: "لا، ونِعمَّا هي". قال: يا رسولَ الله،

стр. 1786

فأيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: فأخْرَجَ رسولُ الله ﷺ لِسانَه، ثمَّ وضَعَ عليه إصبَعَه، فاسْتَرْجَع مُعَاذٌ وقال: يا رسولَ الله، أنُؤَاخَذُ بما نقولُ كلّه ويُكْتَبُ علينا؟ قال: فضَرَب رسولُ الله ﷺ مَنْكِبَ مُعَاذٍ، وقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعَاذُ، وهل يَكُبُّ الناسَ على مَنَاخِرِهم في النارِ إلَّا حَصَائِدُ ألسِنَتِهم؟ " (١). ومِن أحْسَنِ ما قيل في هذا المعنَى من النَّظْم المحْكَم قولُ نَصْرِ بنِ أحمدَ (٢): لِسَانُ الفَتى حَتْفُ الفَتى حينَ يجْهَلُ ... وكلُّ امرئ ما بينَ فَكَّيْه مَقْتَلُ وكم فاتحٍ أبْوابَ شَرٍّ لنَفْسه ... إذا لم يكنْ قُفْلٌ على فيهِ مُقْفَلُ في أبياتٍ قد ذكَرتُها في كتابِ "العِلْمِ" في بابِها (٣). وسيَأْتي في بابِ سعيدٍ المَقْبُرِيِّ عندَ قولِه ﷺ : "مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ". ما فيه كِفايَةٌ في فَضْلِ الصَّمْتِ، إن شاء اللهُ.

стр. 1787

حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفْيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا مُسْلِمٌ (١)، قال: حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ، عن الأعْمَشِ، عن خَيْثَمَة (٢)، عن عديِّ بنِ حاتِمٍ، قال: أيْمَنُ امرئ وأشْأمُه، ما بينَ لَحْيَيْهِ (٣). وقال ابنُ مسعودٍ: أعْظَمُ الخَطايا اللسانُ الكذُوبُ (٤). وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: أنَّ الكبائرَ أكثرُ ما تكونُ، واللهُ أعلمُ، من الفَم والفَرْجِ، ووَجَدْنَا الكفرَ، وشُرْبَ الخَمْرِ، وأكلَ الرِّبا، وقَذْفَ المحْصَناتِ، وأكلَ مالِ اليَتِيم ظُلْمًا، مِن الفَم واللِّسانِ، ووَجَدْنا الزِّنَى من الفَرْجِ. وأحْسَبُ أنَّ المرادَ من الحديثِ أنَّه مَن اتَّقَى لِسانَه وما يَأْتي مِن القَذْفِ والغِيبةِ والسَّبِّ، كان أحْرَى أنْ يَتَّقِيَ القتلَ، ومَن اتَّقَى شُرْبَ الخمرِ كان حَرِيًّا باتِّقاءِ بَيْعِها، ومَن اتَّقَى أكْلَ الرِّبَا، لم يَعْمَلْ به؛ لأنَّ البُغْيَةَ مِن العَمَلِ به التَّصَرُّفُ في أكْلِه. فهذا وَجْهٌ في تَخْصِيصِ الجارِحَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في هذا الحديثِ، وضَمانِ الجنةِ لمَن وُقِيَ شَرَّهما، وهذا التَّأْوِيلُ على نحوِ قولِ عمرَ ﵁ في الصَّلاةِ: "ومَن ضَيَّعَها كان لِمَا سِوَاها أضْيَعَ، ومَن حَفِظَها حَفِظَ دينه" (٥). فكأنَّ قولَه ﷺ :

стр. 1788

مَن اتَّقَى الغِيبَةَ، وقولَ الزُّورِ، واتَّقَى الزِّنَى، مع غَلَبَةِ شَهْوَةِ النِّساءِ على القُلوبِ، كان للقَتْلِ أهْيَبَ وأشَدَّ تَوَقِّيًا. واللهُ أعلمُ. ويَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك منه ﷺ خِطابًا لقوم بأعْيانِهم، اتَّقَى عليهم مِن اللِّسانِ والفَرْجِ ما لم يَتَّقِ عليهم مِن سائرِ الجَوارح. ويَحْتَمِلُ أيضًا أن يكونَ قولُه ذلك معه كلامٌ لم يَسْمَعْه الناقِلُ؛ كأنَّه قال: مَن عَافاه اللهُ، وَوَقَاه كذا وكذا، وشَرَّ ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْه، ولَج الجنةَ. فسَمِع الناقِلُ بعضَ الحديثِ ولم يَسْمَعْ بعضًا، فنَقَل ما سَمع. وإنَّما حُمِلْنا على تَخْرِيج هذه الوُجوهِ؛ لإجْماعِ الأُمَّةِ أنَّ مَن أحْصَنَ فَرْجَه عن الزِّنى، ومنَعَ لِسانَه مِن كلِّ سوءٍ، ولم يَتَّقِ ما سِوَى ذلك مِن القتلِ والظُّلْمِ، أنَّه لا تُضْمَنُ له الجنةُ، وهو إن مات -عندَنا- في مَشِيئَةِ الله تعالى، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عذَّبَه، إذا مات مسلمًا. وقولُه ﷺ : "اتَّقُوا المُوبِقَاتِ المُهْلِكاتِ" (١). يَعْنِي الكبائرَ. أعَمُّ مِن هذا الحديثِ. قال اللهُ : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. والمُدْخَلُ الكريمُ: الجَنَّةُ. وقد اخْتَلف العلماءُ في الكبائرِ، فأمَّا ما أتَى منها في الأحادِيثِ المرفوعةِ عن النبيِّ ﷺ -وهو المَفْزَعُ عند التَّنازُعِ- فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عيسى، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ محمدِ بن حَبابَةَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعدِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ عُتْبَةَ، قال: حدَّثني طَيْلَسَةُ بنُ عليٍّ، قال: أتَيْتُ ابنَ عمرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وهو تحتَ ظِلِّ أرَاكٍ، وهو

стр. 1789

يَصُبُّ على رأسِه الماءَ، فسألْتُه عن الكبائرِ؟ فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "هُنَّ تِسْعٌ". قلتُ: وما هُنَّ؟ قال: "الإشراكُ بالله، وقَذْفُ المحْصَنَةِ". قال: قلتُ: قبلَ الدَّمِ؟ قال: نعم، "وقَتْلُ النفسِ المؤمِنَةِ، والفِرَارُ مِن الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكلُ الرِّبَا، وأكلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والإلحادُ بالبيتِ الحَرامِ؛ قِبْلَتِكم أحياءً وأمواتًا" (١). قال أبو عُمر: طَيْلَسَةُ هذا يُعْرَفُ بطَيْلَسَةَ بنِ مَيَّاسٍ، وميَّاسٌ لَقْبٌ، وهو طَيْلَسَةُ بنُ عليٍّ الحَنَفِيُّ، يُقالُ فيه: طَيْلَسَةُ وطَيْسَلَةُ. وقد روَى هذا الحديثَ يحيى بنُ أبي كثيرٍ، وزِيَادُ بنُ مِخْرَاقٍ، عن طَيْلَسَةَ، عن ابنِ عمرَ مَرْفُوعًا (٢). فهذا حديثُ ابنِ عمرَ. وروَى ابنُ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل: أيُّ الكبائرِ أعْظَمُ؟ فقال: "أن تُشْرِكَ بالله وهو خَلَقَك، وأن تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أن يَأْكُلَ معك، وأن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ" (٣).

стр. 1790

وفي حديثِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص (١)، وأنسِ بنِ مالكٍ (٢)، عن النبيِّ ﷺ : "الكبائِرُ، الشِّرْكُ باللّه، وقتلُ النفسِ التي حَرَّمَ اللّهُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ". ولَفْظُ حديثِ أَنَسٍ: "أكْبَرُ الكَبَائِرِ". وروَى أبو بَكْرِةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَ ذلك، وزاد: "وشهادَةُ الزُّورِ" (٣). وروَى الشعبيُّ، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: ما الكبائِرُ يا رسولَ الله؟ قال: "الإشراكُ باللّه". قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عُقُوقُ الوَالِدَيْن". قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم اليمينُ الغَمُوسُ". قال: وما اليمينُ الغَمُوسُ؟ قال: "الذي يَقْتَطِعُ مالَ امْرِئ مسلم بيمينٍ هو فيها كاذِبٌ" (٤). وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "شُرْبُ الخَمْرِ مِن الكَبَائِرِ" (٥).

стр. 1791

وعنه أيضًا، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مِن الكبائِرِ أن يَسُبَّ الرجلُ والِدَيْه" (١). يَعْنِي: يَسْتَسِبُّ لهما. وهو يدْخُلُ في بابِ العُقوقِ. وحديثُ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما تَعُدُّون الكبائِرَ فيكم؟ ". قُلْنا: الشِّرْكُ باللّه، والزِّنَي، والسَّرِقَةُ، وشربُ الخمرِ. قال: " هُنَّ كَبائِرُ، وفِيهِنَّ عُقُوباتٌ، ألا أُنَبْئُكم بأكْبَرِ الكبائِرِ؟ ". قُلْنا: بلى. قال: "شَهَادَةُ الزُّورِ" (٢). وفي حديث خُرَيْم بنِ فاتِكٍ، قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الصُّبْحِ يومًا، فلمَّا انصَرَفَ قام قائمًا، فقال: "عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإشْرَاكِ باللّه". ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم تَلَا: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] (٣).

стр. 1792

وروَى ابنُ المبارَكِ، عن سفيانَ، عن عاصِم ابنِ بَهْدَلَةَ، عن وائلِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقولُ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ باللّه. ثم قَرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١). ورُوي عن محُارِبِ بنِ دِثَارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "شاهِدُ الزُّورِ لا تَزُولُ قدَمَاه حتى تَجِبَ له النارُ" (٢). قال أبو عُمر: الفِرارُ مِن الزَّحْفِ مَذْكُورٌ في حديثِ ابنِ عمرَ المذكورِ (٣)،

стр. 1793

وفي حديثِ ابنِ عباسٍ (١)، وفي حديثِ أبي أيُّوبَ الأنصارِيِّ (٢)، وفي حديثِ عبدِ الله بنِ أنيسٍ الجُهَنِيِّ، كلُّها عن النبيِّ ﷺ . وفي حديثِ أبي أيُّوبَ: "وَمَنْعُ ابنِ السبيلِ" (٣). ولا أحْفَظُه في غيرِه. وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن كثيرِ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رَبَاحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اتَّقُوا السَّبْعَ الموبِقاتِ". قُلْنا: وما هي؟ قال: "الشِّرْكُ باللّه، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّم اللّهُ إلَّا بالحقِّ، والزِّنَي،

стр. 1794

وأكلُ الرِّبَا، وأكلُ مالِ اليَتِيم، وشهادَةُ الزُّورِ، وقَذْفُ المحْصَنَاتِ" (١). وحديثُ عبدِ الله بنِ أُنيسٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه في السَّبْعِ الكبائرِ، إلَّا أنَّه ذكَرَ فيهنَّ العُقُوقَ، ولم يَذْكُرْ قَذْفَ المحْصَناتِ (٢). فهذا ما في الآثارِ المَرْفُوعَةِ مِن الكبائرِ عن النبيِّ ﷺ ، وهو يُخرَّجُ في التَّفْسِيرِ المرفوعِ، وهي مَشْهُورَةٌ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ، ترَكْتُ ذِكْرَ أسانِيدِها خَشْيَةَ الإطالَةِ. وأجْمَعَ العلماءُ على أنَّ الجَوْرَ في الحُكْم مِن الكَبائرِ لمَن تعَمَّدَ ذلك

стр. 1795

عالِمًا به، رُوَيتْ في ذلك آثارٌ شديدةٌ عن السَّلَفِ. وقال اللّهُ : ﴿وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٤] و: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. و: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. نزَلَتْ في أهل الكتابِ. قال حُذَيْفَةُ، وابنُ عباسٍ: وهي عامَّةٌ فينا (١). قالوا: ليس بكُفْرٍ يَنْقُلُ عن المِلَّةِ إذا فعَلَ ذلك رجلٌ مِن أهلِ هذه الأُمَّةِ، حتى يَكْفُرُ باللّه وملائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليوم الآخِرِ. رُوِي هذا المعْنَى عن جماعَةٍ مِن العلماء بتَأْوِيلِ القرآنِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، وطاوسٌ، وعطاءٌ (٢). وقال اللّهُ : ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]. والقاسِطُ: الظالِمُ الجائِرُ. فالذي حصَل في الآثارِ المذكورَةِ عن النبيِّ ﷺ مِن ذِكْرِ الكَبائرِ، سِتَّةَ عشَرَ ذَنْبًا: الإشْرَاكُ بالله، وقتلُ النَّفسِ المؤمنةِ بغيرِ الحقِّ، وعُقُوقُ الوالِدَينِ المسلمَيْن، وقَذْفُ المحْصَنَةِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، والسِّحْرُ، والفِرارُ مِن الزَّحْفِ، والزِّنَي، وأكلُ

стр. 1796

الرِّبَا، وشُرْبُ الخمرِ، والسَّرِقَةُ، واليَمِينُ الغموسُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيم ظُلْمًا، والإلحَادُ بالبَيْتِ الحَرامِ، ومَنْعُ ابنِ السبيلِ، والجَوْرُ في الحُكْم عَمْدًا. ومَن جعَل الاسْتِسْبابَ للأبَوَيْن مِن بابٍ غيرِ العُقُوقِ، كانت سَبْعَةَ عشَرَ، عَصَمَنا اللّهُ مِن جميعِها برَحْمَتِه. وقد روَى عمرُ بنُ المغِيرَةِ، عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "الضِّرَارُ في الوَصِيَّةِ مِن الكَبائِرِ" (١). هكذا رواه عمرُ بنُ المغِيرَةِ مَرْفُوعًا. وروَاه الثوريُّ (٢)، وزُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ (٣)، وأبو مُعاوِيَةَ، ومنْدَلُ بنُ عليٍّ، وعَبيدَةُ بنُ حُمَيْدٍ (٤)، كلُّهم عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا، قال: الضِّرَارُ في الوَصِيَّةِ مِن الكبائِرِ. ثم قرَأ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١]. ومِن حديثِ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِي، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أكبرَ الكبائِرِ الإشراكُ باللّه، وعُقُوقُ الوالِديْن، ومَنْعُ فَضْلِ الماء، ومَنْعُ الفَحْلِ". وهذا حديثٌ

стр. 1797

ليس بالقَوِيِّ. ذكَره البَزَّارُ، عن عمرِو بنِ مالِكٍ، عن عمرَ بنِ عليٍّ المُقَدَّمِيِّ، عن صالِحِ بنِ حَيَّانَ، عن عبدِ الله بنِ بريْد، عن أبيه (١). وليس له غيرُ هذا الإسنادِ، وليس ممَّا يُحْتَجُّ به. وقد روَى حَنَشُ بنُ قَيْسٍ الرَّحَبِيُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن جَمَعَ بينَ صَلاتيْن مِن غيرِ عُذْرٍ فقد أتَى بَابًا مِن أبوابِ الكبائِرِ، ومَن شَهِد شَهَادةً فاجْتاحَ بها مالَ مسلمٍ، فقد تبَوَّأ مَقْعَدَه مِن النارِ، ومَن شَرِب شَرَابًا حتى يَذْهَبَ عَقْلُه الذي رَزَقَه اللّهُ، فقد أتَى بابًا مِن أبوابِ الكبائِرِ" (٢). وهذا حديث وإن كان في إسْنادِه مَن لا يُحْتَجُّ بمثلِه أيضًا، مِن أجْلِ حَنَشٍ هذا، فإنَّ مَعْنَاه صحيحٌ مِن وُجُوهِ. وقد روَى شَبِيبُ بنُ بِشْرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، ما الكبائِرُ؟ قال: "الشِّرْكُ باللّه، والإياسُ مِن رَوْحِ الله، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ الله" (٣).

стр. 1798

فهذه الكبائرُ مَن وَقَاه اللّهُ إيَّاها، وعَصَمَه عنها (١)، ضُمِنَتْ له الجنةُ، إذا (٢) أدَّى فرائِضَه؛ فإنَّهُنَّ الحسناتُ المُذهِبَاتُ للسَّيئاتِ، ألَا تَرَى أنَّ مَن اجْتنَبَ كبائرَ ما نُهِيَ عنه، كُفِّرَتْ سَيِّئاتُه الصغائرُ بالوُضوء، والصلاةِ، والصيامِ، ومَن مات على هذا زُحْزِح عن النارِ وأُدْخِل الجنةَ وفاز، مَضْمُونٌ له ذلك؟ ومَن أتَى كبيرةً مِن الكبائرِ، ثم تاب عنها بالنَّدَم عليها، والاسْتِغْفارِ منها، وتَرْكِ العَوْدَةِ إليها؛ كان كمَن لم يَأْتِها قَطُّ، والتَّائِبُ مِن الذنبِ كمَن لا ذَنْبَ له. على هذا التَّرتيبِ في الصغائرِ والكبائرِ وكَفَّارَةِ الذُّنُوبِ، جاءَ معنى كتابِ الله وسنةِ رسولهِ ﷺ عندَ جماعَةِ العلماء بالكتابِ والسُّنَّةِ، ومَن أتى كبيرةً (٣) ومات على غيرِ تَوْبَةٍ منها، فأمْرُه إلى الله؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبَه. فعلى ما ذكَرْنا ووَصَفْنا خرَجَ قولُنا: إنَّ الأحادِيثَ في اجْتِنابِ الكبائرِ أعَمُّ مِن حديثِ هذا البابِ، في قولِه: "مَن وُقِي ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ دَخَل الجنةَ". واللّهُ الموَفِّقُ للصَّوابِ، لا شَرِيكَ له. وقد جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه تكَفَّلَ بالجنةِ لمَن جاء بخِصالٍ سِتّ ذكَرَها: أخبَرنا خَلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ

стр. 1799

عُثْمانَ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يُوسفَ، قال: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيب، عن سعدِ بنِ سِنانٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "تَكَفَّلوا لي سِتًّا أتَكَفَّلْ لكم بالجنةِ". قالوا: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "إذا حَدَّثَ أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَد فلا يُخلِفْ، وإذا اؤْتُمِن فلا يَخُنْ، وغُضُّوا أبصَارَكم، واحْفَظوا فُرُوجَكم، وكُفُّوا أيدِيَكم" (١). وأمَّا رِوايَةُ مَن روَى في حديثِ مالِكٍ هذا: لا تُخْبِرْنا. على لَفْظِ النَّهْي، فيَحْتَمِلُ عندي وجْهَين؛ أحدُهما: أن يكونَ قائلُ ذلك قالَه على مَعْنَى اسْتِنْباطِها واسْتِخْراجِها إنْ يَتْرُكْهم، وذلك على وَجْهِ التَّعْلِيم والإدْرَاكِ بالفِكْرَةِ لها، أو يكونَ رجلًا منافقًا قال ذلك القولَ زَهادَةً في سَماعِ ذلك مِن رسولِ الله ﷺ ورَغْبَةً عنه، وكانوا قومًا قد نَهاه اللّهُ عن قَتْلِهم بما أظْهَرُوه مِن الإيمانِ، واللّهُ أعلمُ أيَّ ذلك كان، وكيف كان. وأمَّا رِوايةُ مَن روَى: ألَا تُخْبِرُنا. فهي بَيِّنَةٌ في الاسْتِفْهام على وَجْهِ العَرْضِ والإغْراء والحَثِّ، كأنها "لا" التي للتَّبْرِئَةِ (٢)، دخَلَ عليها ألِفُ الاسْتِفْهامِ، فصار مَعْنَاها ما ذكَرْنا.

стр. 1800

وأمَّا تَكْرِيرُه ﷺ قولَه: "ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه" ثلاثَ مَرَّاتٍ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوابًا لتَكْرِيرِ قولِه: "مَن وَقَاه اللّهُ شَرَّ اثنتَيْن". قال ذلك ثلاثًا أيضًا. وَيحْتَمِلُ أن يكونَ على ما رُوِي عنه أنَّه كان إذا تكَلَّمَ بكَلِمَةٍ كرَّرَها ثلاثًا (١). وفي هذا رُخْصَةٌ لمَن كَرَّرَ الكَلامَ يُرِيدُ به التأكيدَ والبَيَانَ، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ إذا كَرَّرَ كلمةً يُرِيدُ تأْكِيدَها، أنْ يُكَرِّرَها أكْثَرَ مِن ثلاثٍ وباللّه التوفيقُ. حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ القاسِم بنِ شعبانَ، وحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ رشيقٍ، قالا: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ سعيدِ بنِ بَشِيرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحِدِ بنُ غِيَاثٍ، قال: حَدَّثَنَا فَضَالُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: سَمِعْتُ أبا أُمَامَةَ الباهِليَّ صاحِبَ رسولِ الله ﷺ يَأْثُرُ حديثًا سَمِعَه مِن رسولِ الله ﷺ أنَّه كان يقولُ: "اكْفُلُوا لي بسِتِّ خِصَالٍ، أكْفُلْ لكم بالجنةِ، إذا حَدَّث أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَدَ فلا يُخلِفْ، وإذا اؤتُمِنَ فلا يَخُنْ، وامْلِكوا ألسِنَتَكم، وكُفُّوا أيْدِيَكم، واحْفَظُوا فُرُوجَكم" (٢). واللفظُ لحديثِ خَلَفٍ.

стр. 1801

حديثٌ رابعٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يَسارٍ، أن رسولَ الله ﷺ أرسَل إلى عمرَ بن الخطاب بعطاءٍ (٢)، فرَدَّه عمرُ (٣)، فقال له رسولُ الله ﷺ : "لِمَ رَدَدْتَه؟ ". فقال: يا رسولَ الله، أليس أخبَرتَنا أنَّ خيرًا لأحَدِنا ألَّا يأخُذَ مِن أحَدٍ شيئًا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما (٤) ذلك عن (٥) المسألةِ، فأمَّا ما كان عن غيرِ مسألةٍ، فإنَّما هو رزقٌ يَرْزُقُكَه اللّهُ"، فقال عمرُ بنُ الخطاب: أمَا والذي نَفْسِي بيدِه، لا أسألُ أحدًا شيئًا، ولا يأتينِي شيءٌ مِن غيرِ مسألةٍ إلَّا أخَذْتُه. قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمْتُه بينَ رواةِ الموطَّأ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ هكذا، وهو حديثٌ يَتَّصلُ مِن وجوهٍ ثابتةٍ عن النبيِّ ﷺ مِن حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، ومِن غيرِ ما وَجْهٍ عن عمرَ (٦). وفيه أن يُهْدِيَ الكبيرُ إلى الصغيرِ، والجليلُ إلى مَن هو دُونَه، وأن يُهْدِي القليلُ المالِ إلى مَن هو أكْثر منه مالًا. وفيه أنَّه لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَرُدَّ الهدِيَّةَ إذا عَلِم طِيبَ مَكْسَبِها؛ لأنَّ قولَه ﷺ لعمرَ: "لِمَ رَدَدْتَه؟ " كان إنكارًا منه لفعِله.

стр. 1802

وفيه استعمالُ العُموم في الأخبارِ والأوامرِ، ألا تَرَى أن عمرَ اسْتَعْمَل ما سَمِع من النبيِّ ﷺ ، قولَه: "خيرٌ لأحَدِكم ألَّا يأخُذَ من أحَدٍ شيئًا" على عُمُومِه؟ ولم تُوجِبْ عندَه اللغةُ في الخطابِ غيرَ ذلك، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه رسولُ الله ﷺ بل بَيَّنَ له مُرادَه منه. وفيه أن العُمُومَ جائزٌ عليه الخصوصُ. وفيه كراهيةُ السؤالِ على كلِّ حالٍ. وقد قدَّمْنا ذكْرَ الآثارِ فيمن تَحِلُّ له المسألةُ، ومن لا تَحِلُّ له، في كتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِه هاهنا. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُه في هذا الحديثِ: بعَث رسولُ الله ﷺ إلى عمرَ بعطاءٍ؛ أي: مِمَّا كان يقْسِمُه من الفَيْء على سبيلِ الأُعْطيةِ. وهو بعيدٌ؛ لأنَّ أوَّلَ من فرَض الأُعْطِيَةَ عمرُ بنُ الخطابِ (١)، ويَستحِيلُ أيضًا أنْ يَرُدَّ نَصيبَه مِن الفَيْء، ويقولَ فيه ذلك القولَ، لِمَن تدَبَّرَه. والوجهُ عندي أنَّها عَطِيَّةُ على وَجْهِ الهِبَةِ والهدِيَّةِ والصلةِ. واللّهُ تعالى أعلمُ. وفي الحديثِ أيضًا أن الواجِبَ قَبولُ كلِّ رزقٍ يَسُوقُه اللّهُ إلى العبدِ على أيِّ حالٍ كان، ما لم يكنْ حرامًا بَيِّنًا.
следующие страницы →