← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 1798–1837 · переход к 1803.

стр. 1798

فهذه الكبائرُ مَن وَقَاه اللّهُ إيَّاها، وعَصَمَه عنها (١)، ضُمِنَتْ له الجنةُ، إذا (٢) أدَّى فرائِضَه؛ فإنَّهُنَّ الحسناتُ المُذهِبَاتُ للسَّيئاتِ، ألَا تَرَى أنَّ مَن اجْتنَبَ كبائرَ ما نُهِيَ عنه، كُفِّرَتْ سَيِّئاتُه الصغائرُ بالوُضوء، والصلاةِ، والصيامِ، ومَن مات على هذا زُحْزِح عن النارِ وأُدْخِل الجنةَ وفاز، مَضْمُونٌ له ذلك؟ ومَن أتَى كبيرةً مِن الكبائرِ، ثم تاب عنها بالنَّدَم عليها، والاسْتِغْفارِ منها، وتَرْكِ العَوْدَةِ إليها؛ كان كمَن لم يَأْتِها قَطُّ، والتَّائِبُ مِن الذنبِ كمَن لا ذَنْبَ له. على هذا التَّرتيبِ في الصغائرِ والكبائرِ وكَفَّارَةِ الذُّنُوبِ، جاءَ معنى كتابِ الله وسنةِ رسولهِ ﷺ عندَ جماعَةِ العلماء بالكتابِ والسُّنَّةِ، ومَن أتى كبيرةً (٣) ومات على غيرِ تَوْبَةٍ منها، فأمْرُه إلى الله؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبَه. فعلى ما ذكَرْنا ووَصَفْنا خرَجَ قولُنا: إنَّ الأحادِيثَ في اجْتِنابِ الكبائرِ أعَمُّ مِن حديثِ هذا البابِ، في قولِه: "مَن وُقِي ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ دَخَل الجنةَ". واللّهُ الموَفِّقُ للصَّوابِ، لا شَرِيكَ له. وقد جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه تكَفَّلَ بالجنةِ لمَن جاء بخِصالٍ سِتّ ذكَرَها: أخبَرنا خَلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ

стр. 1799

عُثْمانَ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يُوسفَ، قال: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيب، عن سعدِ بنِ سِنانٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "تَكَفَّلوا لي سِتًّا أتَكَفَّلْ لكم بالجنةِ". قالوا: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "إذا حَدَّثَ أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَد فلا يُخلِفْ، وإذا اؤْتُمِن فلا يَخُنْ، وغُضُّوا أبصَارَكم، واحْفَظوا فُرُوجَكم، وكُفُّوا أيدِيَكم" (١). وأمَّا رِوايَةُ مَن روَى في حديثِ مالِكٍ هذا: لا تُخْبِرْنا. على لَفْظِ النَّهْي، فيَحْتَمِلُ عندي وجْهَين؛ أحدُهما: أن يكونَ قائلُ ذلك قالَه على مَعْنَى اسْتِنْباطِها واسْتِخْراجِها إنْ يَتْرُكْهم، وذلك على وَجْهِ التَّعْلِيم والإدْرَاكِ بالفِكْرَةِ لها، أو يكونَ رجلًا منافقًا قال ذلك القولَ زَهادَةً في سَماعِ ذلك مِن رسولِ الله ﷺ ورَغْبَةً عنه، وكانوا قومًا قد نَهاه اللّهُ عن قَتْلِهم بما أظْهَرُوه مِن الإيمانِ، واللّهُ أعلمُ أيَّ ذلك كان، وكيف كان. وأمَّا رِوايةُ مَن روَى: ألَا تُخْبِرُنا. فهي بَيِّنَةٌ في الاسْتِفْهام على وَجْهِ العَرْضِ والإغْراء والحَثِّ، كأنها "لا" التي للتَّبْرِئَةِ (٢)، دخَلَ عليها ألِفُ الاسْتِفْهامِ، فصار مَعْنَاها ما ذكَرْنا.

стр. 1800

وأمَّا تَكْرِيرُه ﷺ قولَه: "ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه" ثلاثَ مَرَّاتٍ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوابًا لتَكْرِيرِ قولِه: "مَن وَقَاه اللّهُ شَرَّ اثنتَيْن". قال ذلك ثلاثًا أيضًا. وَيحْتَمِلُ أن يكونَ على ما رُوِي عنه أنَّه كان إذا تكَلَّمَ بكَلِمَةٍ كرَّرَها ثلاثًا (١). وفي هذا رُخْصَةٌ لمَن كَرَّرَ الكَلامَ يُرِيدُ به التأكيدَ والبَيَانَ، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ إذا كَرَّرَ كلمةً يُرِيدُ تأْكِيدَها، أنْ يُكَرِّرَها أكْثَرَ مِن ثلاثٍ وباللّه التوفيقُ. حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ القاسِم بنِ شعبانَ، وحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ رشيقٍ، قالا: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ سعيدِ بنِ بَشِيرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحِدِ بنُ غِيَاثٍ، قال: حَدَّثَنَا فَضَالُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: سَمِعْتُ أبا أُمَامَةَ الباهِليَّ صاحِبَ رسولِ الله ﷺ يَأْثُرُ حديثًا سَمِعَه مِن رسولِ الله ﷺ أنَّه كان يقولُ: "اكْفُلُوا لي بسِتِّ خِصَالٍ، أكْفُلْ لكم بالجنةِ، إذا حَدَّث أحَدُكم فلا يَكْذِبْ، وإذا وَعَدَ فلا يُخلِفْ، وإذا اؤتُمِنَ فلا يَخُنْ، وامْلِكوا ألسِنَتَكم، وكُفُّوا أيْدِيَكم، واحْفَظُوا فُرُوجَكم" (٢). واللفظُ لحديثِ خَلَفٍ.

стр. 1801

حديثٌ رابعٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يَسارٍ، أن رسولَ الله ﷺ أرسَل إلى عمرَ بن الخطاب بعطاءٍ (٢)، فرَدَّه عمرُ (٣)، فقال له رسولُ الله ﷺ : "لِمَ رَدَدْتَه؟ ". فقال: يا رسولَ الله، أليس أخبَرتَنا أنَّ خيرًا لأحَدِنا ألَّا يأخُذَ مِن أحَدٍ شيئًا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّما (٤) ذلك عن (٥) المسألةِ، فأمَّا ما كان عن غيرِ مسألةٍ، فإنَّما هو رزقٌ يَرْزُقُكَه اللّهُ"، فقال عمرُ بنُ الخطاب: أمَا والذي نَفْسِي بيدِه، لا أسألُ أحدًا شيئًا، ولا يأتينِي شيءٌ مِن غيرِ مسألةٍ إلَّا أخَذْتُه. قال أبو عُمر: لا خِلافَ عَلِمْتُه بينَ رواةِ الموطَّأ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ هكذا، وهو حديثٌ يَتَّصلُ مِن وجوهٍ ثابتةٍ عن النبيِّ ﷺ مِن حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، ومِن غيرِ ما وَجْهٍ عن عمرَ (٦). وفيه أن يُهْدِيَ الكبيرُ إلى الصغيرِ، والجليلُ إلى مَن هو دُونَه، وأن يُهْدِي القليلُ المالِ إلى مَن هو أكْثر منه مالًا. وفيه أنَّه لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَرُدَّ الهدِيَّةَ إذا عَلِم طِيبَ مَكْسَبِها؛ لأنَّ قولَه ﷺ لعمرَ: "لِمَ رَدَدْتَه؟ " كان إنكارًا منه لفعِله.

стр. 1802

وفيه استعمالُ العُموم في الأخبارِ والأوامرِ، ألا تَرَى أن عمرَ اسْتَعْمَل ما سَمِع من النبيِّ ﷺ ، قولَه: "خيرٌ لأحَدِكم ألَّا يأخُذَ من أحَدٍ شيئًا" على عُمُومِه؟ ولم تُوجِبْ عندَه اللغةُ في الخطابِ غيرَ ذلك، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه رسولُ الله ﷺ بل بَيَّنَ له مُرادَه منه. وفيه أن العُمُومَ جائزٌ عليه الخصوصُ. وفيه كراهيةُ السؤالِ على كلِّ حالٍ. وقد قدَّمْنا ذكْرَ الآثارِ فيمن تَحِلُّ له المسألةُ، ومن لا تَحِلُّ له، في كتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِه هاهنا. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُه في هذا الحديثِ: بعَث رسولُ الله ﷺ إلى عمرَ بعطاءٍ؛ أي: مِمَّا كان يقْسِمُه من الفَيْء على سبيلِ الأُعْطيةِ. وهو بعيدٌ؛ لأنَّ أوَّلَ من فرَض الأُعْطِيَةَ عمرُ بنُ الخطابِ (١)، ويَستحِيلُ أيضًا أنْ يَرُدَّ نَصيبَه مِن الفَيْء، ويقولَ فيه ذلك القولَ، لِمَن تدَبَّرَه. والوجهُ عندي أنَّها عَطِيَّةُ على وَجْهِ الهِبَةِ والهدِيَّةِ والصلةِ. واللّهُ تعالى أعلمُ. وفي الحديثِ أيضًا أن الواجِبَ قَبولُ كلِّ رزقٍ يَسُوقُه اللّهُ إلى العبدِ على أيِّ حالٍ كان، ما لم يكنْ حرامًا بَيِّنًا.

стр. 1803

حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ يحيي، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، أن رسولَ الله ﷺ كان يُعْطِي عمرَ بنَ الخطابِ العطاء، فيقولُ له عمرُ: أعْطِه يا رسولَ الله من هو أفْقَرُ إليه مِنِّي. فقال له رسولُ الله ﷺ :"خُذْه فتمَوَّلْه أو تصدَّقْ به، وما جاءَك من هذا المالِ وأنت غيرُ مُشرفٍ ولا سائل فخُذْه، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك". قال سالمٌ: فمِن أجلِ ذلك كان ابنُ عمرَ لا يسألُ أحدًا شيئًا، ولا يَرُدُّ شيئًا أُعْطِيَه (١). وفيه ما كان عليه عمرُ ﵀ من البِدَارِ إلى طاعةِ رسولِ الله ﷺ التي فيها طاعَةُ الله، ألا ترَى إلى قولِه: واللّه لا أسألُ أحدًا، ولا يَأْتِينِي شيءٌ مِن غيرِ مسألةٍ إلَّا أخَذْتُه؟ وهكذا يَلْزَمُ مَن جَهِل شيئًا الانقيادُ إلى العِلْم واسْتِعْمالُه. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيد بنِ أسلمَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُى: أرسَل إليَّ رسولُ الله ﷺ بمالٍ، فرَدَدْتُه، فلمَّا جِئْتُه قال: "ما حَمَلك على أن تَرُدَّ ما أرسَلتُ به إليك؟ ". قال: قلتُ: يا رسولَ الله، قُلْتَ لي: "إن خيرًا لك ألَّا تَأْخُذَ من الناسِ". قال: "إنَّما ذلك أن تسألَ الناسَ، ومَا جاءَك مِن غيرِ مسألةٍ فإنَّما هو رزقٌ رزَقَكه اللّهُ".

стр. 1804

وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١): حَدَّثَنَا عمرُو بنُ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا الحَكَمُ بنُ نافعٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: حدَّثني سالمُ بنُ عبدِ الله، أن عبدَ الله بنَ عمرَ قال: سِمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: كان رسولُ الله ﷺ يُعْطِيني العطاء فأقولُ: أعْطِه أفْقَرَ إليه مِنِّي. حتى أعْطَاني مَرَّةً مالًا، فقلتُ: أعْطِه أفْقَرَ إليه مِنِّي. فقال: "خُذْه فتَمَوَّلْه وَتَصَدَّقْ به، وما جاءك مِن هذا المالِ وأنت غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائلٍ، فخُذْه، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك". أخبرني عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الوَرَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الخَضرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حَدَّثَنَا القعنبيُّ، قال: حَدَّثَنَا البُهْلُولُ بنُ راشدٍ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: كان رسولُ الله ﷺ يُعطِيني العطاء، فأقولُ: أعْطِه مَن هو أفْقَرُ إليه منِّي. حتى أعطاني مَرَّةً مالًا، فقلتُ: أعطِه من هو أفْقَرُ إليه مِنِّي. فقال رسولُ الله ﷺ :"خُذْه، وما جاءك من هذا المالِ من غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ، فخُذْه" (٢). وعندَ ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ إسنادٌ آخرُ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، عن حُوَيْطِبِ بنِ عبدِ العُزَّي، عن عبدِ الله بنِ السَّعْدِيِّ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبيِّ ﷺ بمَعْناه سواء.

стр. 1805

روَى هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ عنه جماعةٌ من أصحابِه؛ منهم الزُّبيدِي (١)، ومعمرٌ (٢)، وابنُ عُيينةَ (٣)، وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٤)، ويقولونَ: إن ابنَ عيينةَ إنَّما سَمِعه مِن مَعْمَرٍ، وعنه يَرْويه (٥). وقيل لمالكٍ: الحديثُ الذي إلى: "مَا جاءك من غيرِ مسألةٍ فإنَّما هو رِزْقٌ رَزَقَكه اللّهُ" أفيه رُخْصَةٌ؟ قال: نعم. قيل: فمَن أُعْطِي شيئًا ووُصِل به؟ قال: تَرْكُه أحَبُّ إليَّ وأفْضَلُ، إن كان له عنه غِنًى، إلَّا أن يخافَ على نفسِه الجُوعَ وهو مُحْتاجٌ، فلا أرَى به بأسًا. وروَى حمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي رافع (٦)، عن أبي هريرةَ، قال: ما أحدٌ من الناسِ يُهْدِي إليَّ هَدِيّةً إلَّا قبِلْتُها، وأمَّا أنْ أسْألَ، فلم أكنْ لأسْأل (٧).

стр. 1806

أخبَرني عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله -يَعْنِي أحمدَ بنَ حنبَلٍ- يُسْألُ عن قولِ النبيِّ ﷺ : "ما أتاك من غيرِ مسألةٍ ولا إشْرَافٍ" أيَّ الإشْرافِ أراد؟ فقال: أن تَسْتَشْرِفَه وتقولَ: لعلَّه يَبعَثُ إليَّ بقلبِك. قيل له: وإن لم يتَعَرَّضْ؟ قال: نعم، إنَّما هو بالقلبِ. قيل له: هذا شديدٌ. قال: وإن كان شديدًا، فهو هكذا. قيل له: فإن كان رجل لم يُعَوِّدْني أن يُرسِلَ إليَّ شيئًا، إلَّا أنَّه قد عَرَض بقَلْبي، فقُلْتُ: عسى أن يَبعَثَ إليَّ شيئًا؟ فقال: هذا إشرافٌ؛ فأما إذا جاءك مِن غيرِ أن تَحتسِبَه ولا خَطَرَ على قَلْبِك، فهذا الآن ليس فيه إشْرَافٌ. قلتُ له: فلو عرَض بقَلْبِه، لو بعَث إليه، فبعثَ إليه، أيَلْزَمُه أن يَرُدَّه؟ قال: لا أدرِي ما يَلْزَمُه ولكنْ له حِينَئِذٍ أن يَرُدَّه. قلتُ له: وليس عليه واجِبٌ أن يَرُدَّه؟ قال: لا. ثم قال: إن الشأنَ أنَّه إذا جاءه مِن غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ، كان عليه أن يأْخُذَ بقولِ النبيِّ ﷺ : "فلْيقْبَلْه". قال: فحينئذٍ يَنْبَغِي له أن يأخُذَ، ويَضيقُ عليه إذا كان من غيرِ إشرافٍ ولا مسألةٍ، أن يَرُدَّ، فإذا كان فيه إشرافٌ، فله أن يَرُدَّ، ولا يَلْزَمُه أن يأخُذَ، وإن أخَذه، فهو جائزٌ، ولو سأل، لم يكنْ له أنْ يأْخُذَ، وضاق عليه ذلك بالمسألةِ، إذا لم تَحِلَّ له (١). قال أبو عُمر: الإشرافُ في اللغةِ: رَفْعُ الرأسِ إلى المطْمُوعِ عندَه والمطْمُوعِ فيه، وأن يَهَشَّ (٢) الإنسانُ ويتَعَرَّضَ. وما قاله أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵀ في تأويلِ الإشرافِ تَضيِيق وتَشْدِيدٌ، وهو عندِي بعيدٌ؛ لأن اللّهَ ﵎ تجاوَز لهذه الأُمَّةِ عمَّا حدَّثت به أنفسَها،

стр. 1807

ما لم يَنطِقْ به لسانٌ، أو تَعْمَلْ به جارِحَةٌ، وما اعْتَقَده القلبُ من المعاصي ما خلا الكفرَ، فليس بشيءٍ حتى يَعمَلَ به، وخَطَراتُ النُّفوسِ مُتَجاوَزٌ عنها بإجماعٍ (١)، والحمدُ للّه.

стр. 1808

حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ القاسم الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهابِ بنُ سعدٍ الحمْرَاويُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ أبي يحيى الحَضْرَمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا صالِحُ بنُ محمدٍ السَّلُوليُّ، قال: حَدَّثَنَا خالِدُ بنُ نَجيحٍ، عن موسى بنِ عُلَيِّ بن رباحٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "الهدِيَّةُ رِزْقٌ من رزقِ الله، فمن أُهْدِي له فلْيَقْبَلْه ولا يَرُدَّه، وليُعْطِه خَيْرًا منه أو ليُكَافِئْ" (١). قال أبو عُمر: المكافأةُ: الاستواءُ والاعتدالُ، ومنه قولُه: "شاتان مكافِئتان" (٢)؛ أي: معتدِلتان، أو مِثْلانِ، واللّهُ أعلمُ. أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَرْوانَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سليمانَ الحَرِيرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ موسى الحاِسبُ، قال: حَدَّثَنَا محمودُ بنُ غَيْلانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا هَمَّام، عن قَتادةَ، عن عبدِ الملكِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن عرَض له شيءٌ مِن الرزقِ من غيرِ أن يَسْالَه فليَقْبَلْه، فإنَّما هو رِزْق سَاقَه اللّهُ إليه" (٣).

стр. 1809

أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانِئ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحَجَّاج، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المباركِ، قال: أخبَرني معقلُ بنُ عُبيدِ الله، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رباح، قال: قال أبو الدرداء: إذا أخُوك أعْطاكَ شيئًا

стр. 1810

فاقْبَلْه منه، فإن كانت لك فيه حاجةٌ فاستَمْتِعْ به، وإن كنتَ غنيًّا عنه فتَصَدَّقْ به، ولا تَنْفَسْ على أخيك أن يَأْجُرَه اللّهُ فيك. قال أبو بكرٍ: وأخبَرنا سعيدُ بنُ عُفيرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعةَ، عن بكرِ بنِ سَوَادَةَ، عن زِيادِ بنِ نُعَيْمٍ، أنَّه حدَّثَه عن ابنِ شُرَيْحٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرو، قال: ما يَمْنَعُ أحَدَكم إذا أتَاه اللهُ برِزْقٍ لم يَسْأَلْه، ولم يَسْتَشْرِفْ له، أن يَقْبَلَه؟ إن كان غَنِيًّا أُجِر في أخِيه، وإن كان فقيرًا كان رِزْقًا قسَمه اللّهُ له. قال: وحَدَّثَنَا عليُّ بنُ بَحْرٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن عثمانَ بنِ حَيَّانَ، قال: سمِعتُ أبا الدرداء يقولُ: إن أحدَكم يقولُ: اللهمَّ ارْزُقْنِي. وقد عَلِم أن اللّهَ لا يَخْلُقُ له دينارًا ولا درهمًا، وإنَّما يَرزُقُ بعضَكم مِن بعضٍ، فإذا أُعْطِي أحَدُكم شيئًا، فلْيَقْبَلْه، فإن كان عنه غنيًّا، فلْيَضَعْه في أهلِ الحاجةِ من إخوانِه، وإن كان إليه فقيرًا، فليَسْتَعِنْ به على حاجَتِه، ولا يَرُدَّ على الله رِزْقَه الذي رَزَقه (١). قرأتُ على خلفِ بنِ أحمدَ، أن أحمدَ بنَ مُطَرِّفٍ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبَابَةَ وأيوبُ بنُ سليمانَ أبو صالحٍ، قالا: حَدَّثَنَا أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ إبراهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يزيدَ المُقْرِئُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن أبي الأسودِ (٢)، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ،

стр. 1811

عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن خالدِ بن عَدِيٍّ الجُهَنِيٍّ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن جاءه مِن أخيه معروفٌ مِن غيرِ سؤالٍ ولا إشرافِ نفسٍ، فلْيقْبَلْه، فإنَّما هو رزقٌ سَاقه اللّهُ إليه" (١). وأخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يزيدَ أبو عبدِ الرحمنِ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ وحَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن أبي الأسودِ، أنَّه أخبَرهما، أن بُكيرَ بنَ الأشجِّ أخبَره، أن بُسْرَ بنَ سعيدٍ أخبَره، عن خالدِ بنِ عَدِيٍّ الجُهَنِيِّ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ في يقولُ: "مَن جاءه مِن

стр. 1812

أخيه معروفٌ مِن غير إشرافٍ ولا مسألةٍ، فليقْبَلْه ولا يرُدَّه، فإنَّما هو رزقٌ ساقه اللّهُ إليه" (١). وروَى الليثُ بنُ سعدٍ هذا الحديثَ، عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ، عن بُسرِ بن سعيدٍ، عن ابنِ الساعديِّ (٢) (٣). ورِوايةُ أبي الأسودِ أصَحُّ إن شاء اللّهُ، وباللّه التوفيقُ.

стр. 1813

حديثٌ خامسٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدٍ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بمالِهِ، أو لرجلٍ له جاز مِسْكينٌ، فتصدَّقَ على المِسْكينِ، فأهدَى المسكينُ للغنيِّ". هكذا رواه مالكٌ مُرسلًا، وتابعَه على إرسالِه ابنُ عُيينةَ وإسماعيلُ بنُ أُميَّة. ورواه الثَّوريُّ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، قال: حدَّثنِي الثَّبَتُ (٢)، عن النبيِّ ﷺ . فذكَره (٣).

стр. 1814

ورواه معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ . فأمَّا روايةُ ابنِ عُيينةَ؛ فحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأَيْليُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ؛ رجلٍ اشتراها بمالِهِ، أو رجلٍ أُهديَتْ لَه، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لغازٍ في سبيلِ الله" (١). وأمَّا روايةُ إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، فرواها ابنُ عُليَّةَ عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن النبيِّ ﷺ بلفظِ حديثِ مالكٍ حرفًا بحرفٍ (٢). وأمَّا روايةُ معمرٍ؛ فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ويعيشُ بنُ سعيدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: أخبرني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح -يعني الكوفيَّ- قال: حدَّثني أحمدُ بنُ صالح -يعني المصريَّ-

стр. 1815

قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاق بنُ همَّام بنِ نافع، قال (١): حَدَّثَنَا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ: لعاملٍ عليها، أو لرجلٍ اشتراها بمالِهِ أو غارم (٢)، أو غازٍ في سبيلِ الله، أو مسكينٍ تُصدِّقَ عليه فأهدَى منها لغنيٍّ".

стр. 1816

وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرَ نا عبدُ الرَّزَّاقِ. فذكَر بإسنادِه مثلَه (١) سواءً. وفي هذا الحديثِ منَ الفقْهِ ما يدخلُ في تفسيرِ قولِ الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. وتفسير لقولِ رسولِ الله ﷺ : "لا تحل الصَّدقةُ لغنيٍّ، ولا لذِي مِرَّةٍ سويٍّ" (٢)، وقولُه هذا عُمومٌ مخصوصٌ بقولِه في هذا الحديثِ: "إلَّا لخمسةٍ". وأجمَعَ العلماءُ أنَّ الصَّدقةَ المفروضةَ لا تحلُّ لأحدٍ مِن الأغنياء غيرِ مَن ذُكرَ في هذا الحديثِ منَ الخمسةِ الموصوفينَ فيه، وكانَ ابنُ القاسم يقولُ: لا يجوزُ لغنيٍّ أنْ يأخذَ مِن الصَّدقةِ ما يستعينُ به على الجهادِ وينفقُه في سبيلِ الله، وإنَّما يجوزُ ذلك للفقيرِ. قال: وكذلك الغارمُ لا يجوزُ له أنْ يأخذَ منَ الصَّدقةِ ما يَقِي بها مالَه ويؤدِّي منها دينَه، وهو عنها غنيٌّ. قال: وإذا احتاجَ الغازِي في غزوتهِ -وهو غنيٌّ له مالٌ غائبٌ عنه- لم يأخذْ مِن الصَّدقةِ شيئًا، واستقرضَ، فإذا بلغَ بلدَه، أدَّى ذلك مِن مالِه. هذا كله ذكَره ابنُ حبيبٍ، عن ابنِ القاسمِ، وزعَم أنَّ ابنَ نافعٍ وغيرَه خالفه في ذلك. وذكَر (٣) ابن أبي زيد وغيرُه، عن ابنِ القاسمِ، أنَّه قال في الزَّكاةِ: يُعطى منها الغازِي وإنْ كان معه في غزاتِه ما يكفِيه مِن مالِه وهو غنيٌّ في بلدِه (٤).

стр. 1817

وروَى ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ أنَّه يُعطَى منها الغُزاةُ، ومَن لزِمَ مواضعَ الرِّباطِ، فُقراءَ كانوا أو أغنياء. وذكَر عيسَى بنُ دينارٍ (١) في تفسيرِ هذا الحديثِ، قال: تحِلُّ الصَّدقةُ لغازٍ في سبيلِ الله قد احتاجَ في غزوتِه، وغابَ عنه غناه ووَفْرُه (٢)، قال: ولا تحلُّ لمنْ كان معه مالُه منَ الغزاةِ، إنَّما تحلُّ لمنْ كان مالُه غائبًا عنه منهم (٣). قال عيسَى: وتَحِلُّ لعامل عليها، وهو الذي يجمعُها للمساكينِ مِن عندِ أربابِ المواشِي والأموالِ، فهذا يُعطَى منها على قدرِ سعيِه، لا على قدرِ ما جمَع مِن الصَّدقاتِ والعشورِ، ولا يُنظرُ إلى الثُّمُنِ، وليسَ الثَّمُنُ بفريضةٍ، وإنَّما له قدرُ اجتهادِه وعملِه. قال: وتحلُّ لغارم غُرمًا قد فَدَحَه (٤) وذهبَ بمالِه، إذا (٥) لم يكنْ غُرمُه في فسادٍ، ولا دَينُه في فسادٍ، مثلَ أنْ يستدينَ في نكاح أو حجٍّ، أو غيرِ ذلك مِن وُجُوهِ الصَّلاح والمباح. قال: وأمَّا غارمٌ لم يَفْدَحْهُ الغُرْمُ، ولم يحتجْ، وقد بقيَ له مِن مالِه ما يكفِيه، فإنَّه لا حقَّ له في الصَّدقاتِ. قال: وتحلُّ لرجلٍ اشتراها بمالِه، ولرجلٍ له جارٌ مسكينٌ تُصدِّقَ عليه، فأهدَى المسكينُ للغنيِّ.

стр. 1818

وأمَّا الشَّافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (١)، وسائرُ أهلِ العلم -فيما علمْتُ- فإنَّهم قالوا: جائزٌ للغازِي في سبيل الله إذا ذهبَتْ نفقتُه ومالُه غائبٌ عنه أنْ يأخذَ مِن الصدقةِ ما يُبلِّغُه. قالوا: والمحتمِّلُ بحَمالةٍ في صلاحٍ وبرٍّ، والمتداينُ في غير فسادٍ، كلاهما يجوزُ له أداءُ دَينِه منَ الصدقةِ، وإنْ كان الحميلُ غنيًّا فإنَّه جائزٌ له أخذُ الصدقةِ إذا وجبَ عليه أداءُ ما تحمَّلَ به وكانَ ذلك يُجحفُ بمالِه. واحتجَّ مَن ذهبَ إلى هذا بحديثِ قَبِيصةَ بنِ المخارقِ، وبظاهرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا. فأمَّا حديثُ قَبِيصةَ؛ فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدُ بنُ مُسرهدٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هارونَ بنِ رئابٍ، قال: حدَّثنِي كنانةُ بنُ نُعيمٍ، عن قَبيصةَ بنِ المخارقِ، قال: تحمَّلْتُ بحَمالةٍ، فأتيْتُ النبيَّ ﷺ أسألُه فيها، فقال: "أقمْ يا قَبيصةُ حتَّى تأتيَنا الصَّدقةُ فنأمرَ لكَ بِها". ثم قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا قَبيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ (٢): رجلٌ تحمَّلَ بحَمالةٍ فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُصيبَها، ثُمَّ يُمسكُ، ورجلٌ أصابتْه جائحةٌ فاجتاحَتْ مالَه، فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ -أو سِدادًا من عيشٍ- ورجلٌ أصابتْه فاقةٌ حتَّى يقولَ ثلاثة من ذوِي الحِجا من قومِهِ: أصابَتْ فُلانًا الفاقةُ فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ -أو سِدادًا من عيشٍ (٣) - فما سواهُنَّ يا قَبيصةُ منَ المسألةِ فسُحْتٌ" (٤).

стр. 1819

فقولُه: "رجلٌ تحمَّلَ بحَمالةٍ، فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُؤدِّيَها، ثُمَّ يُمسكُ" دليلٌ على أنَّه غنيٌّ؛ لأنَّ الفقيرَ ليسَ عليه أنْ يُمسكَ عن السُّؤالِ مع فقرِه، ودليلٌ آخرُ وهو عطفُه ذكرَ الذي ذهَب مالُه، وذكرَ الفقيرِ ذِي الفاقةِ، على ذكرِ صاحبِ الحَمالةِ، فدلَّ على أنَّه لم يذهبْ مالُه، ولم تُصبْه فاقةٌ، واللّهُ أعلمُ. وأجمَع العلماءُ على أنَّ الصَّدقةَ تحلُّ لمَن عمِل عليها وإنْ كان غنيًّا، وكذلك المشترِي لها بمالِه، والذي تُهْدَى له -على ما جاءَ في هذا الحديثِ- فكذلك سائرُ مَن ذُكِر فيه، واللّهُ أعلمُ. وظاهرُ هذا الخبرِ يقتضِي (١) أنَّ الصَّدقةَ تِحلُّ لهؤلاء الخمسةِ في حالِ غناهُم، ولو لم يجزْ لهم أخذُها إلَّا مع الحاجةِ والفقرِ لَمَا كان للاستثناء وجْهٌ؛ لأنَّ اللّهَ قد أباحَها للفقراء والمساكينِ إباحةً مُطلقةً، وحقُّ الاستثناء أنْ يكونَ مخُرِجًا مِن الجملةِ ما دخَل في عُمومِها، هذا هو الوجْهُ، واللّهُ أعلمُ. ورَوَينا عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي نُعم أنَّه قال: كنتُ جالسًا عندَ عبدِ الله بنِ عُمرَ، فجاءتْه امرأةٌ، فقالتْ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّ زوجَها تُوفِّي، وأوصَى بمالٍ في سبيلِ الله. قال: هو في سبيلِ الله كما قال. قلتُ: إنَّكَ لم تزدْها إلَّا عَمًى، قد سألتْكَ فأخبرْها. فأقبلَ عليَّ، فقال: يا ابنَ أبي نُعمٍ، أتأمرني أنْ آمرَها أنْ تدفعَه

стр. 1820

إلى هذه الجيوشِ الذينَ يخرجونَ فيفسدونَ في الأرضِ، ويقطعونَ السَّبيلَ (١)؟ قال: فقلتُ: فتأمرُها بماذا؟ قال: آمرُها أنْ تُنفقَه على أهلِ الخيرِ، وعلى حُجَّاجِ بيْتِ الله، أولئكَ وفدُ الرحمنِ، ليسوا كوفدِ الشَّيطانِ. يُكرِّرُها ثلاثًا. قلتُ: وما وفدُ الشَّيطانِ؟ قال: قومٌ يأتونَ هؤلاء الأمراء، فيمشونَ إليهم بالنَّميمةِ والكذبِ، فيُعطَونَ عليها العطايا، ويجازَونَ عليها بالجوائزِ (٢). وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ مَن جازَ له أخذُ الصَّدقةِ، وحلَّتْ له، أنَّه يتصرَّفُ فيها ويملِكُها، ويصنعُ فيها ما شاء مِن بيعٍ، وهبةٍ، وغير ذلك ممَّا أحبَّ؛ ولذلك ما يطيبُ أكلُها لمنِ اشتراها، ولمنْ أُهديَتْ إليه. وقد تقدَّمَ القولُ في معنَى هديَّةِ المسكينِ مِن الصدقةِ للغنيِّ، في بابِ ربيعةَ، في قصَّةِ لحم بَرِيرةَ؛ إذْ قال رسولُ الله ﷺ : "هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هديَّةٌ" (٣). حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيسٍ (٤)، قال: حدَّئنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ سَبُّوية السِّجْسِيُّ (٥)، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال (٦): أخبَرنا معمرٌ، عن يحيَى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ

стр. 1821

عبدِ الرَّحمن، عن أُمِّ سلمةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل عليها، فقال: "أعندكِ شيءٌ؟ " فقالت: لا إلَّا رجلُ شاةٍ تُصدِّقَ به على امرأةٍ فأهدتْهُ لنا. فقال النبيُّ ﷺ : "قرِّبِيهِ، فقدْ بلغَتْ مَحِلَّها". ومعنَى قولِه هذا، واللّهُ أعلمُ، أيْ: قد بلغَتْ حالًا تحلُّ لنا فيها؛ إذْ هي هديَّةٌ أهداها مَن يملِكُها، وإنْ كان أصلُها صدقةً فلا يَضُرُّ؛ لأنَّها ليسَتْ بصدقةٍ من المُهدِي. ويحتملُ أنْ يكونَ أرادَ: بلغَتْ موضعَها الذي قدَّرَ اللّهُ أنْ تُؤكلَ فيه، فهو محلُّها؛ وهو منَ الوجْهِ الأوَّلِ. أنَّها بلغَتْ حالًا حَلَّ له فيها أكلُها. ويحتملُ أنْ يكونَ أرادَ: قد بلغَتِ الحاجةُ مَحِلَّها، فنحنُ نأكلُ الرِّجلَ وغيرَ الرِّجلِ لحاجتِنا إلى ذلك، واللّهُ أعلمُ بما أرادَ بقولِه ذلك. حدَّثنِي محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُبيدِ بنِ السَّباقِ، عن جُويريةَ بنتِ الحارثِ، قالت: دخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ، فقال: "هلْ عندكنَّ شيءٌ؟ " قلتُ: لا، إلَّا عظمٌ أُعطيتْه مولاةٌ لنا مِن الصدقةِ. قال: "قرِّبيهِ، فقدْ بلغَتْ مَحِلَّها" (١). وروَى ابنُ عُليَّةَ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالت: بعَث إليَّ النبيُّ ﷺ شاةً منَ الصَّدقةِ، فبعثْتُ إلى عائشةَ منها بشيءٍ، فلمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى عائشةَ، قال: "هلْ عندَكم من شيءٍ؟ " قالت: لا، إلَّا أنَّ أُمَّ عطيَّةَ

стр. 1822

بعثَتْ إلينا مِن شاتِها التي بعثتمْ بها إليها. فقال: "إنَّها قدْ بلغَتْ مَحِلَّها" (١). كذا قال ابنُ عُليَّةَ، وخالَفه أبو شهابٍ، فقال فيه: عن أُمِّ عطيَّةَ، قالتْ: بعَثتْ إليَّ نُسَيبةُ الأنصاريَّةُ بشاةٍ. وذكَره (٢). حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (٣)، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله، عن أبِي شهابٍ (٤)، عن خالدٍ الحذَّاء، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالتْ: بعثت إليَّ نُسيبة الأنصاريةُ بشاةٍ، فأرسَلتُ إلى عائشةَ منها فقال رسول الله ﷺ : "هل عندكم شيءٌ؟ " فقالت: لا، إلَّا ما أرسَلتْ به نُسيبةُ من تلك الشاةٍ، قال: "هاتِ، فقد بَلَغتْ مَحِلَّها" (٥).

стр. 1823

حديثٌ سادسٌ وثلاثون لزَيْد بن أسلَم مُرسَلٌ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رجلًا قبَّلَ امرأتَه وهو صائمٌ في رمضانَ، فوجَد من ذلك وَجدًا شديدًا، فأرسَل امرأتَه تسألُ له عن ذلك، فدخَلتْ على أُمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، فذكَرتْ ذلك لها، فأخبَرتْها أُمُّ سَلَمةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ يُقبِّلُ وهو صائمٌ، فرجَعَتْ فأخبرَتْ زوجَها بذلك، فزادَه ذلك شرًّا، وقال: لسْنا مثلَ رسولِ الله ﷺ ، يُحِلُّ اللهُ لرسولِه ما شاء. ثم رجَعَتِ امرأتَه إلى أُمِّ سلمةَ، فوجَدَتْ عندَها رسولَ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما لهذه المرأةِ؟ " فأخبرتْه أُمُّ سلمةَ، فقال: "ألا أخبَرْتِيها أنِّي أفعَلُ ذلك؟ " فقالَتْ: قد أخبرتُها، فذهَبتْ إلى زوجِها فأخبَرتْه، فزادَه ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله ﷺ ، يُحلُّ اللهُ لرسوله ما شاء. فغضِب رسولُ الله ﷺ وقال: "واللّه إنِّي لأتقاكم للّه وأعلمُكم بحُدودِه". هذا الحديثُ مرسلٌ عندَ جميعِ رواةِ "الموطَّأ" عن مالكٍ (٢). وهذا المعنَى؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ، صحيحٌ من حديثِ عائشةَ (٣)، وحديثِ

стр. 1824

أُمِّ سلمةَ (١)، وحديثِ حفصةَ (٢)، يُروَى عنهنَّ كلِّهِنَّ (٣) وعن غيرِهِنَّ، عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ ثابتةٍ، وقد ذكَر منها مالكٌ حديثَ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أنَّها قالت: "إن كان رسولُ الله ﷺ لَيُقبِّلُ بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ. ثم تضحَكُ" (٤) عطَف به على حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا في الموطَّأ. ونحن نذكُرُ ما رُوِيَ في ذلك من حديثِ عائشةَ عن النبيِّ ﷺ في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، لأنَّه بلغه أنَّ عائشةَ كانت إذا ذكَرَتْ أنَّ رسولَ الله ﷺ يُقبِّلُ وهو صائمٌ تقولُ: وأيُّكم أملَكُ لنفسِه من رسولِ الله ﷺ (٥)؟ ونذكُرُ هاهنا ما رُوِي في ذلك من حديثِ أُمِّ سلمةَ خاصَّةً دونَ غيرِها من الآثارِ؛ إذْ هي التي رُفعَ عنها هذا الحديثُ هاهنا. وباللّه العونُ. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: أنَّ القُبلةَ للصائم جائزةٌ في رمضانَ وغيرِه، شابًّا كان أو شيخًا، على عُموم الحديثِ وظاهرِه؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَقُلْ للمرأةِ: هل زوجُكِ شابٌّ أم (٦) شيخٌ؟ ولو ورَد الشرعُ بالفرقِ بينَهما لما سكَت عنه رسولُ الله ﷺ ؛ لأنَّه المبيِّنُ عن الله مُرادَه من عبادِه. وأظنُّ أن الذي فرَّقَ بينَ الشيخِ والشابِّ في القُبلةِ للصائم ذهَب إلى قولِ عائشةَ في حديثها حديث هذا البابِ (٧): وأيُّكم أملَكُ لإرْبِه من رسولِ الله ﷺ ؟ أي: أملَكُ لنفسِه وشهوتِه (٨)

стр. 1825

من رسولِ الله ﷺ . وبهذا أيضًا احتجَّ مَن كرِهَها، وسيأتي هذا الحديثُ في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، ويأتي القولُ فيها هناك إن شاء اللّهُ. وممَّن كرِه القُبلةَ للصَّائمِ؛ عبدُ الله بنُ مسعودٍ (١)، وعبدُ الله بنُ عمرَ (٢)، وعروةُ بنُ الزُّبيرِ (٣). وقد رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: يقضِي يومًا مكانَه (٤). وكَرِه مالكٌ القُبلةَ للصَّائم في رمضانَ للشيخِ والشابِّ؛ ذهَب فيها إلى ما رواه عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان ينهَى عن القُبلةِ والمباشرةِ للصَّائمِ (٥). ولِما رواه عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه (٦)، أنَّه قال: لم أرَ القُبلةَ للصَّائم تدعُو إلى خيرٍ (٧). ولم يذهَبْ فيها إلى ما رواه عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسارٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه رخَّصَ فيها للشيخ، وكرِهَها للشابِّ (٨).

стр. 1826

وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، قال: حَدَّثَنَا زكريَّا بنُ يحيى السِّجزيُّ وجعفرُ بنُ محمدٍ الفريابيُّ، قالا: حَدَّثَنَا قُتيبةُ (١)، قال: حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ (٢)، عن فُضيلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيَّةَ، عن ابنِ عباسٍ في القُبلةِ للصَّائمِ، قال: إنَّ عُروقَ الخُصيتين مُعلَّقةٌ بالأنفِ، فإذا وجَد الرِّيحَ تحرَّكَ، وإذا تحرَّكَ دعا إلى ما هو أكثرُ من ذلك، والشيخُ أملَكُ لإرْبِه (٣). وذكَر عبدُ الرزاقِ (٤): أخبَرنا معمرٌ، عن عاصم بنِ سليمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ (٥)، قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ شيخٌ يسألُه عن القُبلةِ وهو صائمٌ فرخَّصَ له، فجاءه شابٌّ فنهاهُ. قال (٦): وأخبرَنا ابنُ عيينةَ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لا بأسَ بها إذا لم يكنْ معها غيرُها؛ يعني: القُبلةَ. قال (٧): وأخبَرنا ابنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه سُئلَ عن القُبلةِ للصائمِ، فقال: هي دليلٌ إلى غيرِها، والاعتزالُ أكْيَسُ. قال أبو عُمر: كلُّ من كرِهها فإنَّما كرِهها خوفًا من أن تُحدِثَ شيئًا يكونُ رَفَثًا؛ كإنزالِ الماء الدَّافقِ، أو خُروج المَذْي، وشبْهِ ذلك ممَّا لا يجوزُ للصائمِ،

стр. 1827

وقد قال ﷺ : "من كان صائمًا فلا يَرفُثْ" (١)، فدخَل فيه رَفَثُ القولِ، وغِشيانُ النِّساء، وما دعا إلى ذلك وأشباهُه (٢). ذكَر عبدُ الرزاقِ (٣)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان ينهَى عن القُبلةِ للصائمِ، فقيلَ له: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. فقال: مَن ذا له من الحفظِ والعصمةِ ما لرسولِ الله ﷺ ؟ قال الزهريُّ: وأخبَرني من سمِع أصحابَ رسولِ الله ﷺ يتناهَون عن القُبلةِ صِيَامًا، ويقولون: إنَّها تدعُو إلى أكثرَ منها (٤). قال أبو عُمر: لا أرَى معنى حديثِ ابنِ المسيِّب في هذا البابِ عن عمرَ، إلَّا تنزُّهًا واحتياطًا منه؛ لأنَّه قد رُوِيَ فيه عن عمرَ حديثٌ مرفوعٌ، ولا يجوزُ أن يكونَ فيه عندَ عمرَ حديثٌ مرفوعٌ ويخالفه إلى غيرِه: حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ المفسِّرِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ وعثمانُ ابنا أبي شيبةَ، قالا (٥): حَدَّثَنَا شَبَابةُ بنُ

стр. 1828

سَوَّارٍ، عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن بُكيرِ بنٍ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن عبدِ الملك بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ، عن عمرَ بن الخطابِ قال: هشَشْتُ إلى امرأتِي فقبَّلتُها وأنا صائمٌ، فأتيْتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، أتيْتُ أمرًا عظيمًا؛ قبَّلْتُ وأنا صائمٌ (١). فقال رسولُ الله ﷺ : "أرأيتَ لو تمضمضْتَ بالماء وأنت صائم؟ ". قال: قلتُ: لا بأسَ. قال: "ففيمَ؟ ". وكان الشافعيُّ يكرَهُها لمن حرَّكتْه بها شَهْوةٌ (٢)، وخاف أن يأتيَ عليه منها شيءٌ، ولم يكرَهْها لمن أُمِنَ عليه (٣). وقال أبو ثورٍ: إذا كان يخافُ أن يتعدَّى إلى غيرِها لم يتعرَّضْ لها (٤). ورُويَتِ الرُّخصةُ في القُبلةِ للصَّائم عن عمرَ بنِ الخطابِ (٥). ولا يصِحُّ ذلك عنه (٦)، ورُوِيَتْ عن سعدِ بنِ أبي وقَّاص، وأبي هريرةَ وابنِ عباسٍ أيضًا، وعائشة (٧). وبه قال عطاءٌ، والشعبيُّ، والحسنُ (٨). وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل،

стр. 1829

وإسحاقَ بنِ راهُويَة، وداودَ بنِ عليٍّ. ولا أعلَمُ أحدًا رخَّصَ فيها لمن يَعلَمُ أنَّه يتولَّدُ عليه منها شيءٌ مما يُفسِدُ صومَه (١). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا بأسَ بالقُبلةِ إذا كان يأمَنُ على نفسِه. قالوا: فإن قبَّلَ فأمنَى فعليه القضاءُ، ولا كفَّارةَ عليه (٢). وهو قولُ الثوريِّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ، والشافعيِّ، فيمن قبَّلَ فأمنَي، أنَّ عليه القضاء، وليس عليه كفَّارةٌ (٣). وقال ابنُ عُليَّةَ: لا تُفسِدُ القُبلةُ الصَّومَ، إلَّا أن ينزِلَ الماءُ الدافقُ. ولو قبَّلَ فأمذَى لم يكنْ عليه شيءٌ عندَ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، وابنِ عُليَّةَ، والأوزاعيَ (٤). وقال أحمد: مَن قَبَّل فأمذَى أو أمْنَي، فعليه القضاءُ. ولا كفَّارةَ عندَه إلَّا على مَن جامَع فأوْلجَ ناسيًا أو عامدًا (٥). وسيأتِي ذكرُ كفَّارةِ المفطرِ في رمضانَ بجماعٍ أو أكلٍ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ، إن شاء اللّهُ. وقال مالكٌ: لا أُحبُّ للصائم أن يُقبِّلَ، فإن قبَّلَ في رمضانَ فأنزَل، فعليه القضاءُ والكفَّارةُ، وإنْ قبَّلَ فأمذَي، فعليه القضاءُ، ولا كفَّارة (٦). وقال ابنُ خُويز منداد: القضاءُ على مَن قبَّلَ فأمذَى عندَنا مُستحَبٌّ ليس بواجبٍ.

стр. 1830

وفيه من الفقْهِ أيضًا إيجابُ العمل بخبرِ الواحدِ الثِّقةِ، ذكرًا كان أو أُنثَي، وعلى ذلك جماعةُ أهلِ الفقهِ والحديثِ أهلُ السُّنَّةِ، ومَن خالَف ذلك فهو عندَ الجميعِ مُبتدِعٌ. والدَّليلُ على ما قُلْنا من العملِ بخبرِ الواحدِ من هذا الحديثِ قولُ رسولِ الله ﷺ لأمِّ سلمةَ: "ألا أخبرتِيها؟ ". فأوضَح بذلك أنَّ خبرَ أُمِّ سلمةَ يجبُ العملُ به، وكذلكَ خبرُ المرأةِ لزوجِها، ولو كان خبرُ أُمِّ سلمةَ لا يلزَمُ المرأةَ، أو خبرُ المرأةِ لا يلزَمُ زوجَها، لَمَا قال رسولُ الله ﷺ لأمِّ سلمةَ: "ألا أخبرتيها؟ "؛ لأنَّها كانَتْ تقولُ: وكيف كنتُ أُخبرُها عنك وحدي؟ وأيُّ فائدةٍ في نقِلي عنك وحدِي؟ أو كيف تنقُلُ المرأةُ الخبرَ وحدَها إلى زوجِها؟ وهذا بيِّن في إيجابِ العملِ بخبرِ الواحدِ وقَبولِه ممَّن جاء به إذا كان عدلًا، والحجَّةُ في إثباتِ خبرِ الواحدِ والعملِ به قائمة من الكتابِ والسّنَّةِ ودلائلِ الإجماعِ والقياسِ، وليس هذا موضعَ ذكرِها، وقد أفردْنا لذلك كتابًا تقصيْنا فيه الحجَّةَ على المخالفينَ، والحمدُ للّه، وإنَّما قصَدْنا في كتابِنا هذا لتخريجِ ما في الأخبارِ من المعانِي، وقد علِمْنا أنَّ النَّاظرَ فيه ليس ممَّن يُخالفُنا في قَبولِ خبرِ الواحدِ، وباللّه التوفيقُ. وفيه: أنَّ فعلَ رسولِ الله ﷺ كلَّه يحسُنُ التَّأسِّي به فيه على كلِّ حالٍ، إلَّا أن يُخبِرَ رسولُ الله ﷺ أنَّه له خاصَّةً، أو ينطِقَ القرآنُ بذلك، وإلَّا فالاقتداءُ به أقلّ أحوالِه أن يكونَ مندوبًا إليه في جميعِ أقوالِه، ومن أهل العلم مَن رأى أنَّ جميعَ أفعالِه واجبٌ الاقتداءُ بها كوجوبِ أوامرِه. وقد بيَّنَّا الحجَّةَ فيما اختُلِفَ فيه من ذلك في غيرِ هذا الكتاب. والدَّليلُ على أنَّ أفعالَه كلَّها يحسُنُ التَّأسِّي به ﷺ فيها قولُ الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فهذا على الإطلاقِ، إلَّا أن يقومَ الدَّليلُ على خُصوصِ شيءٍ منه فيجبَ التَّسليمُ له، ألا ترَى أنَّ الموهوبةَ لما كانت له خاصةً نطَق القرآنُ بأنَّها خالصةٌ له من دونِ

стр. 1831

المؤمنين (١). وقال ﷺ في الوِصالِ: "إنِّي لستُ كهيئتِكم؛ إنِّي أبِيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقينِي" (٢). فأخبرَ بموضعِ الخصوص على أنَّ من العلماءِ مَن لم يجعَلِ الوصالَ خُصوصًا له، وجعَله من بابِ الرِّفقِ والتَّيسيرِ على أُمَّتِه، وسنبيِّنُ القولَ في ذلك في كتابِنا هذا عندَ ذكرِ هذا الحديثِ إن شاء اللّهُ. قال اللّهُ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]. وقال ﷺ : "خُذوا عنِّي مناسكَكم" (٣). وقال: "صلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي" (٤). وقال عبدُ الله بنُ عمرَ: إنَّ اللّهَ بعَث إلينا محمدًا ﷺ ونحن لا نعلَمُ شيئًا، فإنَّما نفعلُ كما رأيناه يفعلُ (٥). وفي غضبِ رسولِ الله ﷺ وقوله: "واللّه إنِّي لأخشاكم للّه وأعلمُكم بحُدودِهِ" دليلٌ على أنَّ الخصوصَ لا يجوزُ ادِّعاؤُه عليه بوجهٍ من الوُجُوهِ (٦)، إلَّا بدليلٍ مُجتمَع عليه، وقال ﷺ : "إنَّما بُعِثْتُ مُعلِّمًا مُيسِّرًا" (٧)، و"بُعِثْتُ رحمةً

стр. 1832

مُهداةً" (١) صلواتُ الله وسلامُه عليه، فلا يجوزُ ادِّعاءُ الخصوص عليه في شيءٍ إلَّا فيما بأن به خُصوصُه في القرآنِ، أو السُّنَّةِ الثابتةِ، أو الإجماعِ؛ لأنَّا قد أُمِرنا باتِّجاعِه والتَّأَسِّي به، والاقتداءِ بأفعالِه، والطَّاعةِ له، أمرًا مُطلقًا، وغيرُ جائزٍ عليه أن يُخَصَّ بشيءٍ فيسكُتَ لأُمَّتِه عنه، ويترُكَ بيانَه لها وهي مأْمورةٌ باتِّباعِه، هذا ما لا يظنُّه ذُو لُبٍّ مسلمٌ بالنبيِّ ﷺ . حدَّثنِي سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ النذرِ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ المغيرةِ، عن أبي مودودٍ (٢)، عن نافع، قال: رأيْتُ ابنَ عمرَ إذا ذهَب إلى قُبورِ الشُّهداءِ على ناقتِه ردَّها هكذا وهكذا، فقيلَ له في ذلك، فقال: إنِّي رأيْتُ رسولَ الله ﷺ في هذه الطَّريقِ على ناقتِه، فلعلَّ خُفِّي يقعُ على خُفِّه (٣). وهذا غايةٌ في الاقتداءِ والتَّأسِّي برسولِ الله ﷺ . وحدَّثني أحمدُ بنُ فتحِ بنِ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ الخَضرِ، قال: حَدَّثَنَا أبو العلاءِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الوَكِيعيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ ابنُ الصبّاحِ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ زكريَّا، عن الأعمشِ، عن مسلم بنِ صُبيح، عن مسروقٍ،

стр. 1833

عن عائشةَ، قالت: رخَّصَ رسولُ الله ﷺ في بعضِ الأمرِ، فرغِبَ عن ذلك بعضُ أصحابِه، فقام رسولُ الله ﷺ خطيبًا، فقال: "ما لِي أُرخِّصُ في الأمرِ فيرغبُ عن ذلك أُناسٌ، واللّه إنِّي لأرجو أن أكونَ أعلمَكم بالله وأشدَّكم له خشيةً" (١). وذكَر البخاريُّ، قال (٢): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سلَام، قال: حَدَّثَنَا عَبْدةُ (٣)، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبِيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أمَرهم، أمَرهم من الأعمالِ بما يُطيقونَ، فقالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسولَ الله، إنَّ اللّهَ قد غفَر لك ما تقدَّمَ من ذنبِك وما تأخَّرَ. فيغضَبُ حتى يُعرَفَ الغضبُ في وجهِه، ثم يقولُ: "إنَّ أتقاكم للّه (٤)، وأعلمَكم باللّه، أنا". قال البخاريُّ (٥): وحَدَّثَنَا عبدُ السلام بنُ مُطهَّرٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرُ بنُ عليٍّ، عن معنِ بنِ محمدٍ الغِفاريِّ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلَّا غلَبه، فسدِّدوا، وقارِبوا، وأبشِروا، واسْتَعينوا بالغَدْوةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ من الدُّلْجَةِ". وأمَّا الأحاديثُ عن أُمِّ سلمةَ في هذا البابِ: فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٦): حدَّثني

стр. 1834

يحيى بنُ سعيدٍ، عن طلحةَ بنِ يحيي، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ فَرُّوخَ، أنَّ امرأةً سألَتْ أُمَّ سلمةَ فقالت: إنَّ زوجي يُقبِّلُني وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ، فما تَرينَ؟ فقالت: كان رسولُ الله ﷺ يُقبِّلُني وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ. وأخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ يحيي، عن عبدِ الله ابن فَرَّوخَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: كان رسولُ اللّه ﷺ يُقبِّلُنِي وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ. وعبدُ الله بنُ فَرُّوخَ هذا كُوفيٌّ، مولَى آلِ طلحةَ بنِ عُبيدِ الله (٢)، وقيلَ: مولَى عمرَ بنِ الخطابِ. وهو تابعيٌّ ليس به بأسٌ (٣).

стр. 1835

وأخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حَدَّثَنَا عفَّانُ (٢)، قال: حَدَّثَنَا همَّامٌ (٣)، قال سمِعْنا من يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنَّ زينبَ ابنةَ أُمِّ سلمةَ حدَّثتْه، قالت: حدَّثتني أُمِّي أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن حمدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثني أبي (٤)، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو وعبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قالا: حَدَّثَنَا هشامٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن زينبَ بنتِ أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وقرأْتُ على أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حَدَّثَنَا شيبانُ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّ زينبَ ابنةَ أُمِّ سلمةَ أخبَرتْه، أنَّ أُمَّ سلمةَ حدَّثتْها، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُقبِّلُها وهو صائمٌ" (٥).

стр. 1836

ورواه الأوزاعيُّ، عن يحيي، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ (١). والقولُ قولُ مَن ذكَرْنا (٢). وقد رواه الحسنُ بنُ موسى الأشيبُ، عن شيبانَ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشة (٣). وهذا عندِي إنْ لم يكنْ إسنادًا آخرَ فهو خطأٌ، وما رواه هشامٌ، وهمَّامٌ، ومحمدُ بنُ سابقٍ، عن شيبانَ، صحيحٌ (٤). وهشامٌ الدَّستُوائيُّ أثبَتُ مَن روَى عن يحيى بنِ

стр. 1837

أبي كثيرٍ، وقد تابعَه همَّامٌ (١) وغيرُه، وروايتُه لهذا الحديثِ أولَى من روايةِ من خالَفه بالصَّوابِ، واللّهُ أعلمُ. وقد رُويَ عن أُمِّ سلمةَ أيضًا في هذا الحديثِ غيرُ هذا، وذلك ما حَدَّثَنَاه خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سهل، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ عُلَيِّ بنِ رَباح، عن أبيه، عن أبي قيسٍ مولَى عمرِو بنِ العاص، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرِو بنِ العاص أرسلَه إلى أُمِّ سلمةَ يسألهُا: هل كان رسولُ الله ﷺ يُقبِّلُ وهو صائمٌ؟ فإن قالت: لا. فقلْ لها: إنَّ عائشةَ تُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. قال أبو قيسٍ: فجئْتُها فقالت: أحُرٌّ أم مملوكٌ؟ فقلتُ: بل مملوكٌ. فقالت: ادْنُهْ. فدَنوْتُ فقلتُ: إنَّ عبدَ الله بنَ عَمرٍو أرسلني إليكِ أسألُكِ: هل كان رسولُ الله ﷺ يُقبِّلُ وهو صائمٌ؟ فقالت: لا. فقلْتُ: إن عائشةَ تُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُقبِّلُ وهو صائمٌ. فقالت: لعلَّه لم يَتمالَكْ عنها حُبًّا (٢).
следующие страницы →